بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا على مائدة كلام ربنا سبحانه وتعالى؛ وإن القرآن مأدبة الله في الأرض، كما جاء في الحديث. وما دام القرآن مأدبة الله في الأرض، فالمطلوب إذاً منا أن نتحلق حول هذه المأدبة لنتناول منها المعاني والرسائل التي لا تستقيم حياة الإنسان إلا بها، ولا تستقيم حياة الإنسان إلا بتدبر القرآن والعيش في ظلاله.
لن تشعر بالثبات في زمن الفتن، ولن تشعر بالقدرة على مواجهة صعوبات الحياة وقلاقلها، إلا إذا تعمقت في معاني القرآن. القراءة الأولى جيدة، لكن الثبات مرتهن بالتعمق في معاني القرآن؛ فإن الله عز وجل جعل هذا الكتاب شفاء، وجعل هذا الكتاب راحة وطمأنينة، وجعل هذا الكتاب تثبيتاً. قال تعالى: ﴿وَنُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: 32]. إذاً هذا الكتاب لديه القدرة على أن يمنحك الثبات، لكن عليك أن تمنح نفسك وحياتك وعقلك له؛ ولن يمنحك الثبات وأنت نائم أو غافل أو لا تعطيه إلا القشور. يمنحك الثبات إذا منحته فرصة أن يعيد تشكيل عقلك وفكرك ودماغك وفق آيات الله سبحانه، فعندئذ ستستطيع أن تشعر بالثبات والطمأنينة والراحة. ولن يشكل عليك أي موقف من مواقف الحياة، أو البلاء، أو المحن، ستستطيع أن تعالجه؛ لأن القرآن علمك كيف تتصرف في هذه المواطن.
وصلنا أيها الكرام إلى سورة الفجر، وهي من السور العظيمة في القرآن التي جاءت في مرحلة مكة قبل الهجرة إلى المدينة؛ لتعالج قضية كبرى في التصور الإنساني، وهو تصور الإنسان لمفهوم البلاء، ومفهوم الشدة والرخاء. هذا التصور الذي يقدمه لك ليس عالم دين، أو طالب علم، أو محللاً سياسياً؛ بل الله سبحانه من فوق سبع سماوات هو الذي يقدم لك هذا التصور. الإله الذي خلقك وأوجدك يعطيك تصوراً واضحاً؛ كيف يجب يا ابن آدم أن تنظر إلى قضية البلاء؟ وكيف يجب أن تنظر إلى قضية الشدة والرخاء في حياتك؟ لأنك إذا فهمت هذه القضية وأحسنت التعامل معها ستصل إلى النفس المطمئنة التي ختمت فيها سورة الفجر: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27-28].
متى يصل الإنسان للنفس المطمئنة؟ أكثر شيء يزعج الإنسان في نفسه ووجدانه قضية البلاء في الحياة؛ البلاء في الزواج، البلاء في الرزق، البلاء بفراق الأحبة، البلاءات الكثيرة التي لا تخلو منها حياة إنسان. إذا استطعت أن تتكيف وتتعايش مع مفهوم البلاء والشدة والرخاء وفق ما يريد الله سبحانه وتعالى، فعندئذ ستصل إلى درجة النفس المطمئنة. فلذلك سنجد بعد القسم الذي ابتدئت به هذه السورة جاء الكلام: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 15-16]. ولاحظ الكلام عن الإنسان، مش عن المؤمن أو الكافر، بل الإنسان بعمومه.
﴿كَلَّا﴾، هكذا ربنا يقول لك: كلا، يعني أنت فاهم الموضوع خطأ، ليست هكذا الأمور؛ بدك تعيد تشكيل عقلك في مفهوم البلاء والشدة والرخاء حتى تشعر بالطمانينة، وإلا فالحياة لن تسير معك بهدوء، وستبقى ساخطاً على الله، تسيء الظن بالله، أو مستغنياً عن الله ومستكبراً عليه. فالله سبحانه وتعالى في سورة الفجر يعطينا أساساً عظيماً من أساسيات العقيدة في مفهوم القضاء والقدر؛ كيف تكون نظرة الإنسان إلى هذه القضايا؟ وكيف يتعامل معها ويتعايش معها حتى يصل إلى حياة مطمئنة: ﴿ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 28-30]. تريد تلك النهاية؟ عليك أن تعرف البداية.
حتى نصل إلى هذه الآيات التي تتحدث عن نظرة الإنسان إلى البلاء، بدأت السورة بقسم عظيم حقيقةً ويجب أيضاً أن ننظر فيه؛ وهنا عليك أن تفهم قضية في سور القرآن، وهي أن سور القرآن تعالج مواضيع أساسية، وأثناء معالجتها تقدم أفكاراً جزئية. هي عالجت موضوع البلاء، ولكن أثناء هذه المعالجة أيضاً تنبه الإنسان لأمور يجب أن لا يكون غافلاً عنها. وهناك بعد آخر عندما ننظر في سور القرآن، وهو قضية تناسب سور القرآن؛ وأن تكون منتبهاً، ما هو الرابط بين ختام سورة الغاشية وبداية سورة الفجر؟ في سورة الغاشية كان الكلام عن العذاب الأخروي، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: 2-5]. ثم بعد ذلك في ختامها: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية: 22-24].
فختمت سورة الغاشية بذكر عذاب الآخرة، لتبتدئ سورة الفجر بذكر عذاب الدنيا الذي يلحق من تولى وكفر، وهذا انسجام بين ختام السورة وبداية السورة. ختمنا بذكر عذاب، وابتدئنا بذكر عذاب؛ ختمنا بذكر العذاب الأخروي: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾، وابتدئنا بذكر العذاب الدنيوي: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: 6-7] إلى آخرها، ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: 13]. إذاً هناك تناسب في السور واضح؛ انتهينا بذكر عذاب وابتدئنا بذكر عذاب، حتى يبقى الموضوع متكاملاً. كانك مع نهاية سورة الغاشية لم تنتقل إلى موضوع مختلف تماماً، بل شعرت بتكامل الصورة بين الفجر والغاشية، ثم أتينا إلى فكرة جديدة وهي فكرة البلاء.
موضوع القسم الذي ابتدئت به السورة: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: 1-4]. هل لاحظتم شيئاً مشتركاً بين هذه الأمور؟ الفجر هو بداية اليوم، وبه أخذ اسم السورة، فهو أعظم الأوقات بركة، بورك لأمتي في بكورها. ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وبغض النظر ما هي هذه الليالي، واضح أننا نتكلم عن ليالي مهمة. ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، كثير من المفسرين يحاول أن يسقطها على أزمنة أيضاً، البعض يحاول أن يسقطها على يوم التروية وعرفة أو يوم العيد، أو تاسوعاء وعاشوراء؛ وسأبين لكم ما سبب الاختلاف بينهم. ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾، بعد أن ذكر الليالي العشر، ذكر الليل عموماً؛ باعتبار أن البركات تتنزل في الليل، والراحة التي في الليل أكثر منها في النهار، والتنزل الإلهي يكون في الليل، فالبركة في الليل أعظم منها في النهار بالنسبة لحياتك وعلاقتك مع الله عز وجل.
عندنا أربع أشياء أقسم بها الله عز وجل، ثم انظر كيف تأتي الآية التي بعدها لتستفز عقلك وتقول: ﴿هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: 5]. الحِجر من أسماء العقل؛ فيقول: هل الأقسام بهذه الأشياء كافٍ لأرباب العقول؟ وكأن الله هنا يريد أن يقول لك: انتبه لهذا القسم، وحاول أن تفكر لماذا أقسمت به. هل في الأقسام بهذه الأمور الأربعة قسم عظيم لذي حِجر؟ كأن الله يقول: ترى هذه الأمور الأربعة التي أقسمت بها أمور عظيمة، بس أنت بدك تشغل دماغك حتى تفهم ليه أنا أقسمت بهذه الأمور.
هنا فكرة عامة، ولا أزعم طبعاً أن هذا باب التدبر -باب فسيح- قد أقول شيئاً وقد يقول غيري شيئاً آخر، المساحة مفتوحة للتفكير، ولكن نريد أن نقول إن نظرة الإنسان المسلم للزمان ولمرور ساعات الليل والنهار ليست نظرة الإنسان المادي. الإنسان المادي بالنسبة له الليل والنهار "بزنس" ومصاري؛ يجمع الأموال بالنهار، ليرتاح بالليل ليقضي الشهوات، ويعود في الليل إلى أسرته ليقضي شهواته، وسهرات مع الشباب، وكوفي شوبات، ومباريات، وقعدات، وخلصنا؛ شو في الحياة غير كذا عند ذاك الإنسان؟
لا، المؤمن الله عز وجل يقول له: نظرتك للزمان ولمرور ساعاته وأيامه ليست نظرة الإنسان المادي؛ سواء كان مسلماً مادياً أو كافراً مادياً، هذه الأيام وهذه الساعات هي وقتك الذي تبذر فيه، لتؤسس حياة أخروية عظيمة تنتظرك. فإياك أيها المسلم أن تكون نظرتك للفجر وليالي العشر وللشفع والوتر والليل وهو يمضي نظرة الإنسان المادي الذي لا ينتبه لمرور ساعات الليل والنهار. أنت كل يوم يمنحك الله إياه هو فرصة لأن تبذر بذراً تجده يوم القيامة. كل ليل يأتي في حياتك تستطيع أن تصلي فيه ركعتين، وتستطيع أن تتعبد فيه وتتقرب فيه إلى الله. وكل ليالي عشر عظيمة -بغض النظر ما هي- هي بالنسبة لك شيء عظيم.
في كثير من الناس يعيش في مجتمعاتنا لما تأتي الليالي العشر، سواء قلنا ليالي العشر من ذي الحجة أو العشر الأواخر من رمضان، بالنسبة له لا تعني شيئاً؛ تشوف ناس عايشين معك في مجتمعك العشر الأواخر من رمضان زيها زي أي عشرة في السنة، العشر الأوائل من ذي الحجة لياليها عنده زي أي عشرة في السنة. هو لا ينتبه لمرور الزمان، ولا ينتبه أن لله نفحات في هذا الزمان، فتعرضوا لها، كما جاء في الحديث عند الطبراني: «لعلها أن تصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبداً».
فالمؤمن يعرف شرف الزمان، يعرف قيمة الفجر وأني أصحى وأصلي الفجر في جماعة وأكون في ذلك الوقت حاضراً؛ يعرف قيمة الليالي العشر، أنه هذا وقت مميز لازم أكون حاضراً فيه، وأن هذا مش زي أي شيء. موضوع الشفع والوتر أكيد بدنا نفكر ما المراد به، لكن واضح أنه ضمن السياق لو أفكر هو زمان معين يراد منا أن ننتبه لوجوده، أي ليالي زوجية وفردية كما قال البعض؛ أن الشفع هي أي ليلة في الشهر زوجية، والوتر هو الفردي. فكأنه يقول: انتبه لهذه الأيام وخصوصاً لياليها، والليل إذا يسر؛ لأنه كما قلنا العطاء في الليل يختلف عن العطاء في النهار. فكأنها تلفت الانتباه للإنسان المؤمن بضرورة أن تركز على الزمان وعلى مروره، خصوصاً الزمان المكرم زي الفجر والليالي العشر.
ما بصير المؤمن تعامله مع الزمان تعامل الإنسان المادي الذي بس همه دنياه؛ أنت أيها المؤمن نظرتك للزمان مختلفة، فالزمان هو مكان البذر، مكان العمل، مكان العطاء. لذلك قال: ﴿هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾. لماذا قال لذي حِجر؟ لأنه الإنسان العاقل هو الذي سيفكر بهذا البعد؛ الإنسان الذي عنده عقل يحجره عن فعل القبائح والملذات المحرمة، الذي عنده عقل يحجره عن السفاهة، هو الذي سينظر للزمان نظرة حقيقية، وأنه ما يكون أي يوم زي اليوم الماضي زي اليوم المستقبل.
أكثر الناس اليوم تحس أن أمس زي اليوم زي بكرة، يعني ما في شيء؛ هو يشتغل من الصبح للمساء، يأكل ويشرب وينام، أمس واليوم والمستقبل عنده واحد. أما المؤمن لا، كما قال أحد الصحابة: "من استوى يوماه فهو مغبون"، ما بصير يكون اليوم عندك أداؤك في العبادة وعلاقتك مع الله زي امبارح، لازم يكون في كل يوم في تقدم، في ارتقاء أكثر وأكثر. كما قلنا في محاضرة البصيرة: لازم يكون في ازدياد ومش في تناقص.
هذه النظرة نظرة عظيمة حقيقةً، وتجعل الإنسان يختلف كلياً؛ أنا مش عبارة عن عداد بس بجمع المال، أنا مش إنسان فقط بفكر في الشهوات، أنا إنسان أدرك أن الدقيقة محسوبة عليَّ. ولذلك من أحد الأسئلة الأربعة التي ستسأل أمام الله ما هي؟ ﴿وَعَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ﴾، هي أحد الأسئلة الأربعة الخطيرة التي أنا بدي أكون مستعداً للإجابة عنها. فالله سبحانه وتعالى في بداية سورة الفجر يؤكد على قيمة الزمان، وكذلك في سورة العصر؛ الله أقسم بالعصر، وهذا قسم بالدهر والزمن كله. فإذا سورة الفجر تركز على أزمنة معينة، سورة العصر أقسمت بكل الزمان والدهر: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. فأقسم الله بالأزمنة؛ مهم جداً أن يلفت انتباهك لضرورة استغلال الزمان، وألا تكون نظرة المؤمن وتعاطيه مع هذه القضية كتعاطي أي إنسان يعيش على هذا الكوكب؛ أنا لي نظرة أخرى، أنا لست ذاك الإنسان المادي الذي فقط يفكر بدنياه. نعيش هذه المعاني بالتفصيل إن شاء الله.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين، ونجِ المستضعفين من المؤمنين، آمين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: 1-5].
تمام، هذه الآيات الخمس هي بداية السورة، وهي القسم. ودائماً أي قسم في آية يا مشايخ، في مقسم عليه؛ يعني لا أقول لك أقسم بالله واسكت، على ماذا تقسم؟ يعني أقسم بالله أنه سيحدث كذا، سأذهب، سآتي، لابد أن تقسم على شيء. الله أقسم على شيء، فما هو هذا الشيء الذي ربنا أقسم عليه؟ خلوه كمان شوي، نتكلم عنه، خلينا بس نحلل الأشياء التي ربنا أقسم بها بالتفصيل.
قال: ﴿وَالْفَجْرِ﴾، أقسم بالفجر وهو الصبح، كقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾، أو بصلاة الفجر. طبعاً الأقسام بالفجر يدل على قيمة هذا الوقت؛ أن الله عز وجل خصّه لقيمته وشرفه. يعني ما أقسم بالظهر والعشاء والمغرب، أقسم بالفجر؛ إذاً الفجر وقت مبارك ينبغي أن أكون فيه حاضراً بخلاف أكثر الناس اليوم، الذي يكون نائماً ويصحى يصلي الفجر الساعة تسعة، ويذهب على الشغل، هذا ليس المؤمن. لا، المؤمن عنده الفجر هو بداية الحياة، بداية الاستيقاظ، وبداية العمل، وبداية السعي في هذه الدنيا، وبداية البركة، العلاقة مع الله سبحانه وتعالى.
قال: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾؛ عشر ذي الحجة، أو العشر الأوائل من المحرم، أو العشر الأواخر من رمضان، وإنما نُكرت لزيادة فضيلتها.
عندي سؤال؛ نجد هنا في القرآن دائماً أيها الكرام، في كثير من الأشياء يقسم بها الله عز وجل، لكن يقسم بها أقساماً عامة، في مجال للفكر أن يُسقطها على أشياء متعددة. صحيح، يعني لما تكلمنا عن تفسير سورة الذاريات، ولما تكلمنا عن تفسير مثلاً كلمة الليالي العشر، نجد في كثير من الآيات أن الله سبحانه وتعالى يقسم بأشياء لكن طبيعة الشيء تكون عامة، جنساً عاماً يحتمل أن أفهمه أنا بطريقة، وأنت تُسقط على شيء ما، وأنا أُسقط على شيء ثاني. زي ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾، زي مثلاً ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾، البعض يُسقطها على الملائكة، والبعض يُسقطها على الريح. مثلاً الليالي العشر، البعض يُسقطها على ليالي عشر من ذي الحجة، والبعض يُسقطها على ليالي العشر الأواخر من رمضان.
لذلك كثيراً في القرآن ما يقسم الله بالوصف ويترك الموصوف، زي ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾، أقسم بالوصف ولم يذكر من هو الموصوف. أحياناً يقسم بالجنس ولا يعطيني الفرد المقصود به، زي ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، هي جنس ممكن مقصود بها الليالي العشر من ذي الحجة، الليالي العشر من رمضان، الليالي العشر من أي شهر هجري. أحياناً يقصد الجنس ولا يعطيك تحديد، وهذا موجود وهو الأكثر. لماذا يا ترى؟ لماذا باختصار لم تأتِ الآية لتقول لنا بشكل مباشر وتحسم لنا ليالي العشر الأواخر من رمضان؟ لماذا جاءت الآية بأقسام بليالي عشر مطلقة، وبالتالي يختلف المفسرون في محاولة فهم أي هذه الليالي هي التي يقصدها ربنا؟ فهمتم السؤال؟
وهذا كثيراً زي ﴿النَّازِعَاتِ﴾، زي ﴿الذَّارِيَاتِ﴾، لماذا ربنا سبحانه وتعالى يقسم بالصفة ولا يحدد لنا الموصوف؟ لماذا يقسم بجنس ويبقى بالنسبة لنا ما المقصود به هنا؟ في حالة تفكير، لماذا ما يعطيني إياها خلص واضحة؟ أقسم بالملائكة في ﴿الذَّارِيَاتِ﴾ حتى ما أضل أنا أفكر؛ هو المراد الملائكة ولا المراد الرياح؟ فهمتم الذي يواجه الإنسان أثناء تفسير هذه الأقسام؟ يقول لك لماذا لم يعطني إياها واضحة بحيث لا نقاش فيها، وترك فيها مساحة للتفكير والاحتمال؟
كلما كانت اللفظة تتوسع وتحتمل أكثر من معنى وتعددت معانيها، صار المعنى أو صارت اللفظة لها فضيلة أكبر من غيرها. أحسنت، هذا أحد الاحتمالات. ما هي؟ شوف هذا المعنى وهو جميل: أن تكون كلمة ليالي عشر ليس المراد بها خصوصاً ليالي معينة، بل أي ليالي عشر فيها بركة، يعني هي تصدق على الليالي العشر من رمضان، وتصدق على الليالي العشر من ذي الحجة، وتصدق على أي ليالي عشر مباركة.
هذا ممكن يُعترض عليه باعتراض؛ أن البعض يقول لك لا، هو قصد ليالي عشر معينة، مش أنت تطلقها على أي ليالي عشر مباركة. لكن ما تقوله أحد الاحتمالات التي أرى أنها جميلة؛ أنه مثلاً زي ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾، فش مشكلة أن نقول إنه أقسم بالريح وأقسم بالملائكة، وأنك تحمل الآية على عدة معاني وعلى عدة احتمالات. لكن هذا البعض لا يوافق عليه، باعتبار يقول لك لا، ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ يا هي الملائكة يا هي الرياح، أنك تقول أنها تصدق على الملائكة ويجوز إسقاطها على الرياح، هذا يعتمد على قاعدة أصولية اسمها اللفظ المشترك: هل يجوز حمله على جميع معانيه دفعة واحدة؟
مثلاً لما أقول لك: رأيت عيناً. هسه كلمة عين تحتمل أن تكون بمعنى الجاسوس، لأن الجاسوس يسمى عيناً؛ وتحتمل أن تكون عين ماء؛ وتعتبر أنت العين أيضاً اسم من أسماء الذهب؛ وأيضاً العين اسم لهذه العضوة الباصرة. فلما أقول لك: رأيت عيناً، هل يصلح أن أكون رأيت كل هذه الأشياء، ولا رأيت عيناً واحدة منها فقط؟ هسّة هذه فيها خلاف، لا تقل لا، لأن هذه مسألة فيها خلاف كبير، وأكثر الأصوليين يرون أنهم يقولون يجوز أن تقول رأيت عيناً وتقصد جميع الأشياء، يعني بصير أقول رأيت عيناً وأنا أقصد جاسوس وعين ماء وذهب وعيناً باصرة، بصير بلفظة واحدة، وهذا اسمه حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه دفعة واحدة.
فهنا على هذا الكلام، إذا قلنا ﴿الذَّارِيَاتِ﴾ تصلح أن تكون للملائكة وتصلح أن تكون للرياح، واللفظ المشترك يجوز حمله على جميع معانيه، ما عندي مشكلة على الطريقة التي فكرت فيها أن تصدق على الجميع، وبالتالي أقيس على هذا فكرة ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، ما عندي مشكلة أن أقول إن الليالي العشر هي كل ليالي عشر مباركة، سواء عشرة من ذي الحجة أو رمضان، كلها داخلة تحت العموم، يعني فش داعي أقول هي أما هذه أو هذه، لا لا، هي هذه وهذه، مش هذه أو هذه. هذا أحد الطرق في التفكير.
أيضاً، أنا بخص هذه الليالي في عمل أفضل من الليالي في غيرها، يعني مثلاً في ليلة القدر لم تُحدد في العشر، فقط في آخر عشر ليالي؛ ممكن قال بالحكمة منها وجوب الاجتهاد في هذه الليالي. كذلك ليالي العشر من المحرم وذي الحجة، يعني أنت تقصد أنه لما قال ليالي عشر، مش حتى نحملها على جميع معانيها، لا، حتى أولاً نحن نجتهد كمفسرين وطلاب علم في محاولة البحث عن أقرب المعاني، هذا أول شيء، أن يُعطي مساحة للمجتهد أنه يُشغل عقله ودماغه ويحاول يصل إلى أقرب المعاني. وما دامت القضية أيضاً محتملة، هذا يعطيك حافزاً أنه والله الليالي العشر محتملة تكون من ذي الحجة ومحتمل يكون المراد بها رمضان، إذاً خليني أشتغل هنا وأشتغل هنا، فبظلن مساحة الاحتمال دافعاً أنه أنا بدي أشتغل حتى أكون على المضمون.
الآن الواحد كما تفضلت أنت قضية ليلة القدر، كيف بدك تدركها على المضمون؟ في العشر الأواخر أنك تقومها كلها، بدك على المضمون، تدرك ليلة القدر، تقوم كل العشر الأواخر، فانت على المضمون. إذا بدك تجي على الليالي العشر بدك تقيم كل الليالي العشر العظيمة في السنة سواء ذي الحجة أو رمضان، وبالتالي أنا بظلني شغال طول السنة. فكأن الله عز وجل يريد أن يترك مساحة من الاجتهاد ومن الاحتياط، مساحة من الاجتهاد للمفكرين ومساحة من الاحتياط للمتعبدين، حتى تبقى أنت تشتغل على كل الاحتمالات الموجودة، وهذا بيخلي حياتك كلياتها عمل. صح، بيخلي كل حياتك عمل، أنا بدي أشتغل، والله هذه برضو شيء احتمال أن تكون هي الليالي العشر، وهذه احتمال أن تكون هي الليالي العشر، فبظلني أعمل هنا وأعمل هنا وهكذا.
قال: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. الشفع كل شيء ووترها. الآن البعض قال ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، هو أي شفع وأي وتر في هذا الوجود؟ البعض يقول هو أصلاً فلسفة الوجود قائمة على ماذا؟ على أن الأشياء فردي أو زوجي كمخلوقات، سواء عالم البشر وحيوانات وما شابه ذلك. فالبعض قال الشفع والوتر هو كل شيء خلقه الله شفعاً أو كل شيء خلقه الله وتراً، كأن الله أقسم بكل شفع ووتر في هذا الوجود، سواء في عالم البشر، سواء في عالم الحيوانات، سواء في عالم الذرات، سواء في عالم السماوات، سواء في عالم الأراضين. أقسم بكل شيء، سواء في الأزمنة، سواء في الأمكنة، أي شفع وأي وتر، وهذا يعطي عموماً ضخماً جداً. وإن كنت أنا هذا المعنى أراه واسعاً، بس لأن القسم كله في الأزمنة، بفضل حمل الشفع والوتر على شيء متعلق بالأزمنة، حتى يكون القسم كله زمانياً، يكون التناسق أكبر فيه.
نعم، قال ﴿وَالشَّفْعِ﴾... وبعض قال لا، ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ المراد به الشفع في الليالي العشر، والوتر في الليالي العشر، ذكرها سابقاً يعني ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ وشفع هذه العشر ووتر هذه العشر، فإذا قلنا ليالي العشر هي الليالي العشر الأخيرة من رمضان، فشفع هي الليالي الزوجية في العشر الأواخر، والوتر هي الليالي الفردية، والله هذا كلام عن الزمان حلو محتمل.
قال أو شفع الصلاة ووترها، أي صلاة؟ الصلاة التي من ركعة واحدة تسمى وتراً، فأقسم بالصلاة التي من ركعتين، والصلاة من ركعة واحدة، تمام أو من ثلاث أو من خمس، برضو الوتر قد يكون واحد، ثلاث، خمس، سبع، فأي صلاة شفع وأي صلاة وترية ربنا أقسم فيها. بس برجع بقول أنا بفضل أن نحمل الشفع والوتر على زمان وليس على صلاة أو مكان، يعني حتى يكون القسم كله متناسق.
نعم، قال أو يوم النحر؛ لأنه اليوم العاشر، ويوم عرفة؛ لأنه اليوم التاسع. يعني البعض قال الوتر هو ماذا؟ هو يوم عرفة لأنه جاي تسعة هجري، والنحر الشفع ما هو يوم العيد لأنه جاي عشرة، والعشرة زوجي؛ ماشي زمان، هذا يظل. قال أو الخلق والخالق؛ لأن الخالق واحد، والخلق شفع، بل كلنا يعني متكاثر أصلاً، فالخالق واحد والشفع هو المخلوقات.
نعم، قال والوتر... حمزة، حمزة علي، وبفتح الواو غيرهما، وهما لغتان. هناك قراءتان، هناك من قرأها ﴿وَالْوَتْرِ﴾ بفتح الواو، وهناك من قرأها ﴿وَالْوَتْرِ﴾ بكسر الواو تمام. فالفتح حجازي، والكسر تميمي. وبعدما أقسم بالليالي المخصوصة أقسم... لغة الحجازيين "وِتر"، لغة التميمي "وَتر". طيب.
قال وبعدما أقسم بالليالي المخصوصة أقسم بالليل على العموم فقال، بعد أن أقسم بالفجر وهو وقت مخصوص، ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ وهو أيضاً وقت مخصوص عموماً، ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، أقسم بالليل؛ والليل لأنه محل البركات فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾، يعني والليل إذا يسري، أصلها بالياء. وسنأتي لماذا حذفت الياء ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾. طيب هو سؤال: الليل هو الذي يسري، ولا نحن نسري فيه؟ مين الذي يمشي، الليل ولا نحن؟ هسّة إذا نظرت إلى الليل باعتباره زماناً.
آه، أضل إخوان، في حدا معه سيارة؟ شو اسمه السيارة؟ والله شيخ هؤلاء مسخم القدامي مني. من الذي معهم سيارة الإخوة والأخوات؟ أحد الأخوات كذلك ممكن تكون. إذا في، السيارة لاند كروزر أسود، إحدى الأخوات، وإن كنت لا أظن ضمن حسبتي في الوجوه أنه في لاندكروزر أسود معهم، لكن إذا في حدا معه من الإخوة أو الأخوات أرجو مغادرة، تغادر أو تشيل السيارة عن المصف. عموماً.
طيب، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾، الله عز وجل أقسم بالليل، إما وهو يسري يعني وتجري ساعاته، أو أقسم بالليل وأنت تسري فيه. فالكلام ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ والمراد وأنت تسري فيه؛ يعني وأنت تعمل في لياليه من قيام وذكر وإقبال. فقد يكون المراد بوصف الليل أنه هو يسري بمعنى أن ساعاته تجري، وهذا جميل، لكن الأجمل أن يكون المراد ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ يعني والليل إذا أنت تسير فيه إلى الله سبحانه وتعالى، فأنت من يسري في داخل الليل، والليل مكان العمل ومكان الخلوات مع الله سبحانه وتعالى، ومكان التنزل الإلهي، ومكان للكثير من العطايا والفضائل.
طيب قال والليل، وقيل أريد به ليلة القدر، والأظهر أن يُحمل على الليل على العموم. نعم، قال إذا يسري؛ إذا يمضي. وياء ﴿يَسْرِ﴾ تُحذف في الدرج اكتفاءً عنها بالكسرة، والياء الأصل "يسري" كما قلنا بالياء، وين راحت الياء؟ يقول النسفي: والياء في كلمة يسري تُحذف حتى في أثناء الوصل في درجها، يعني في الوصل اكتفاءً عنها بالكسرة، وهذا خلاف ما هو معهود في النحو، لأنه ما فيش أداة جزم هنا حتى تحذف.
طيب، اقرأ ماذا قال الأخفش. قال: "وأما في...". قال: "وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة"، وسأل واحد الأخفش عن... سقطت موجودة عندك بالله اقرأ، إذا في الدرج اقرأ، وياء ﴿يَسْرِ﴾... لأنه في عندنا شيء مش موجودة، قال: "وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة"، هذه مش موجودة في نسخة، "وأما في الوقف فتحذف مع"، أكيد لأنك ستقف على الراء، هذه الظاهر ساقطة من النسخة التي بين أيدينا.
المهم قال، وسأل واحد الأخفش عن سقوط الياء، فقال الأخفش -أحد أئمة اللغة- سأله شخص: لماذا سقطت الياء في كلمة يسري مع أنه ما في...
قال الأخفش: الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه. فلما عدل عن معناه، عدل عن لفظه. لما تغير المعنى من أجل اللفظ، أحسنت. يريد أن يقول: الله عز وجل قال ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: 4]. هل الليل يسري؟ الأخفش يقول لك: لا، وإنما نحن من نسري فيه، ونمشي فيه، ونتحرك فيه. فلما وصف الليل بأنه يسري، هذا خلاف المعهود، فحذف الياء ليكون أيضاً في اللفظ ما هو خلاف المعهود، ليكون تشاكل بين اللفظ والمعنى. لما كان وصف الليل بأنه يسري خلاف المعهود، حذف الياء، مع أنها لا ينبغي أن تحذف، خلافاً للمعهود، فكأن هذا معنى موافقة؛ فكما أنه حصل شيء خلاف المعهود في المعنى، فعلنا شيئاً خلاف المعهود في اللفظ.
وقيل: معنى يسري يسرى فيه، كما يقال ليل نائم، أي ينام فيه. وقيل: إن وصف الليل بأنه يسري، هذا ما يسمى عند البلاغيين بالمجاز العقلي، وهو أن يُسند السريان إلى الليل، مع أن السريان لمن يكون؟ في الليل، الذي هو أنا وإياك. كما أنك تقول مثلاً: فلان ليله نائم، هل الليل ينام؟ ولا أنا بنام فيه؟ الليل نفسه لا ينام. فالعرب لما تقول ليل نائم، هذا مجاز، والمراد ليل ينام فيه. مثلاً عيشة راضية، هل العيشة هي نفسها الراضية؟ ولا اللي عايش فيها هو الراضي؟ الذي يعيش فيها هو الراضي، فأسند الرضا للعيشة، هذا يسمونه مجازاً عقلياً للمبالغة. فإسناد السريان إلى الليل ليس على حقيقته، فالليل لا يسري، وإنما الذي يسري هو الإنسان الذي يمشي فيه. لكن لماذا أسند السريان إلى الليل مع أن الذي يسري هو الإنسان؟ للمبالغة؛ وكأن كل الليل يستحق أن يكون مكاناً للسريان، فكأنه أصبح هو الذي يسري، وليس فقط الناس. كان الليل بالنسبة للعابد الذي يبحث عن خلوات مع الله، ينبغي أن يكون كله مكاناً للسريان، مكاناً لخطواتك، مكاناً لعملك. فلما أراد أن يشعرك بقيمة الليل وقيمة السريان في ساعاته، جعل الليل كأنه هو الساري، وإن كنت أنت حقيقة من تسري فيه، وهذا للمبالغة.
قال: ﴿هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لَّذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: 5]. أي هل في ذلك، فيما أقسمت به من هذه الأشياء، قسمٌ مقسم به لذي حجر، أي عقل؟ سُمي به؛ لأنه يحجر من التهافت فيما لا ينبغي. لماذا العقل يسمى حجراً في اللغة؟ الحجر هو ما معنى أني أحجر عليك؟ أقول لك حجر صحي، ما معنى الحجر الصحي؟ أني أمنعك. فالعقل سُمي حجراً لأن الأصل فيه أن يمنع صاحبه مما لا ينبغي من سفاسف الأمور، ومن المعاصي والذنوب، ومن اتباع الأهواء، ومن أشياء كثيرة. حتى هو أصلاً تسميته عقل من ماذا؟ مأخوذة من العقال، وهو الرباط الذي يربطك عن فعله. فأي إنسان عقله لا يمنعه عن سفاسف الأمور، لا نحتاج أن نسميه عنده عقل. فلان ليس عاقلاً، فلان ما عنده عقل، لما واحد يعمل تصرفاً أحمق شو بتحكي عنه؟ فلان ما عنده عقل، هو كلام صحيح؛ لأن العقل إنما سُمي عقلاً ليعقل، والعقل سُمي حجراً ليحجر. فإذا كان لا يحجر ولا يعقل، لا حاجة لأن نسميه عقلاً ولا حجراً، وإنما يسمى عندئذٍ هوى. العقل إذا لم يمنعك من سفاسف الأمور، فلا يسمى عقلاً في الشريعة، يسمى عندها في الشريعة ماذا؟ هوى. وحذر الله من اتباع الهوى، فقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ﴾ [ص: 26]. ما هو الهوى؟ هو العقل عندما لا يمنع الإنسان من السفاسف، ويقودك إلى المهالك، ويجعلك تنزلق في المزالق، فهذا يسمى هوى وليس عقلاً. فلا تتبع هواك، لكن اتبع عقلك، اتبع عقلك؛ لأن العقل إنما يكون عقلاً عندما يقف مع الشريعة ومع الوحي.
قال: ﴿هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لَّذِي حِجْرٍ﴾، هل تحقق عنده أن تعظم هذه الأشياء بالقسم بها؟ يعني كان المراد: هل يحق عندك أن تعظم هذه الأزمنة بالقسم بها؟ يعني هل ترى حقيقاً وجديراً أن يُقسم بهذه الأزمنة؟ طبعاً هو لا ينتظر منك جواباً، هو يستفزك لتقول نعم. هل ترى هذه الأشياء جديرة لأن يُقسم بها؟ وأنت تقول ماذا؟ نعم، إذا فهمت شرفها. أو هل في إقسامي بها قسم لذي حجر؟ أو هل الإقسام بهذه الأمور قسم عظيم؟ وهذا الحقيقة لا يخرج عن المعنى الأول، لأنه هو المعنى الأول، يقول: هل هذه الأشياء جديرة لأن يُقسم بها؟ المعنى الثاني: هل ترى هذا القسم عظيماً؟ طب من أين سيكون هذا القسم عظيماً؟ من عظمة الأشياء المُقسَم بها. فالمعنى الثاني هو حقيقة متلازم مع المعنى الأول. يعني سواء قلنا: هل ترى هذه الأشياء عظيمة حقيقة بأن يُقسم بها؟ أو قلنا: هل ترى هذا القسم عظيماً؟ هي في اللازم النهائي مؤدى الأول، لأن القسم لن يكون عظيماً إلا إذا كانت الأشياء التي أُقسم بها عظيمة.
قال: أي هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ أو هل في هذا القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي عقل ولب؟ كلها تحوم حول نفس الفكرة، لأنه لن يكون هذا القسم مقنعاً لذي عقل ولب إلا نتيجة أن الأشياء المُقسَم بها مهولة، وهذا يدل على أن الزمان شريف عند الله. ولذلك يقول لك: انتبه يا عاقل، أنا لم أقسم بشيء هيّن. أنا لما أقسم بالفجر لا تفكر أنه شيء هيّن، الفجر. لما أقسم بالليالي العشر لا تظن أنه شيء هيّن. لما أقسم بالشفع والوتر وبالليل، إياك أن تظن أن هذا، يعني أحياناً لكثرة اعتيادنا للأزمنة، لا نرى قيمتها. من الذي يعرف شرف الزمان؟ من يعرف معنى الدنيا والدار الآخرة، ويدرك أنه يحتاج لكل نفس حتى يتقرب إلى الله، يحتاج لكل دقيقة حتى يعمرها بعمل نافع. فلذلك الله عز وجل جعل من يدرك قيمة هذا القسم هو ذو حجر. الإنسان الذي ما عنده عقل لن ينتبه لقيمة هذا القسم. إذا قال: ﴿هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لَّذِي حِجْرٍ﴾، العاقل سيعرف قيمة الفجر، ومن ليس عاقلاً، ومن ليس مهتماً بالدار الآخرة، يقول لك: شو يعني الإقسام بالفجر؟ أنا بقسم بالمغرب، بقسم بالعشاء، أما الإنسان العاقل الذي يدرك معنى الفجر وبركته، وما تتنزل في ساعاته، وبورك لأمته في بكورها، والذي يعرف الليالي العشر وقيمتها وما ادخر الله فيها، والذي يعرف قيمة الشفع والوتر، بغض النظر هو عرفة وعيد، أو عشر ذي الحجة وعاشوراء، أو الذي يدرك قيمة الليل وما فيه من ساعات التنزل الإلهي، فاهم أن هذه أشياء عظيمة ومهمة التي لازم أنتبه لها.
الآن سننتقل بعد أن عرفنا أن هذا قسم عظيم بالزمان، ما هو الشيء الذي أقسم عليه ربنا؟ المقسم عليه سيفهم من السياق الذي أتى بعد ذلك، وهو سياق ربط بداية سورة الفجر بختام سورة الغاشية. لما ختم الله سورة الغاشية، ماذا قال؟ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: 25-26]، وقبلها ﴿إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية: 23-24]. في ختام سورة الغاشية ذكر العذاب الأكبر وهو في الدار الآخرة. فهنا ابتدأ سورة الفجر بالإقسام على العذاب الأصغر وهو عذاب الدنيا، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ [الفجر: 6]، فكان المقسم عليه ما هو؟ يعني أقسم بالفجر وبالليالي العشر وبالشفع والوتر وبالليل إذا يسري، لأعذبنه في الدنيا. هذا هو المقسَم عليه، لأعذبنه عذاباً في الدنيا قبل العذاب الأكبر الذي ذكرته في ختام سورة الغاشية، وهذا من تناسب ختام سورة الغاشية مع مطلع سورة الفجر.
أعطنا نماذج، أو خلونا نأخذ نماذج على العذاب الأصغر في الدنيا، خذوا النماذج، ألم تر؟ يلا، والمقسم خلص، والمقسم عليه محذوف. قال: اقرأ الآيات ثم عُد إلى التفسير. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 6-14]. هذا المقطع الثاني من سورة الفجر ليبين شكلاً من أشكال العذاب الأدنى الذي يصيب الكافرين في الدنيا، حتى لا يشعر المؤمن بالياس والقنوط. يعني لما يأتي إلى ختام سورة الغاشية: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾، فيصل المؤمن إلى حالة إحباط في الدنيا، أنه خلص هؤلاء الكفار أين عذابهم؟ خلص عذاب أكبر في الآخرة، بس في الدنيا سيظلون فوق رؤوسنا؟ لا، ربنا يقول لك: انتبه، برضه في عذاب أصغر أقسم بالله سيصابون به، بغض النظر من هم في الحياة، لكن سيصابون بعذاب، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: 21]. وهذا يعني كل ما يُذكر الآن ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، وهذا كله بس عذاب أدنى، والعذاب المذهل الأكبر ينتظرهم في الدار الآخرة. هنا المستضعفون في مكة من الصحابة كانوا يحتاجون إلى سماع هذه الآيات، وكل مستضعف في كل زمن محتاج أن يسمع هذه الآيات حتى يشعر أيضاً بالطمأنينة، وأن العذاب الذي للكفار ليس فقط العذاب الأكبر، وأنهم مختوم عليهم في الدنيا أن يبقوا على صدورنا، بل هناك عذاب أليم أيضاً في الدنيا رهيب ينتظرهم، وخذ هذه النماذج من عذابهم في الدنيا. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، وهذا الكلام للجميع، ليس فقط للنبي عليه الصلاة والسلام، يعني لكل من يقرأ الآية، الله يخاطبك: ألم تر يا أيها القارئ كيف فعل ربك بعاد؟ هذه ديارهم في اليمن، وعاد جهة اليمن، الأحقاف، وكيف خلت ديارهم؟
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ﴾، وهذه إرم تفسيرية بيانية، أي عاد، عاد التي هي إرم، وسيأتي معنا تفسيرها أن إرم هو جدهم، هناك عاد الأولى وعاد الآخرة، فلما قال ﴿بِعَادٍ * إِرَمَ﴾ يعني عاد الأولى. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ أي عاد تقصد يا الله؟ عاد إرم التي هي عاد الأولى التي أرسل إليها هود. إرم، طب عاد إرم من هي؟ قال هي ذات العماد، ذات القوة، وسيأتي معنى أن العماد لها عدة معانٍ. التي لم يخلق مثلها في البلاد، أجسامهم وقوتهم وبطشهم كانوا على غير المعتاد أيضاً. وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، الذين كانوا يقطعون الجبال، وديار ثمود. طبعاً ركز، أنا قلتها مراراً، لماذا الله عز وجل في خطابه لأهل مكة وللصحابة يتكلم عن عاد وثمود؟ لأنهم في طريقهم، يعني عاد في اليمن وقريش كانت تمر عليها في رحلة الصيف أو الشتاء، وثمود في الشمال، شمال المدينة المنورة، وبالتالي ديارهم، اسم المعلى اليوم، يمرون عليها وهم متجهون للشام، فهي ديار مشاهدة. يعني شو الفائدة أقول لك شوف شو فعلت بالإسكندر المقدوني؟ طب ما هو ما حدا عارف وين، صح؟ يعني لو قال لهم: شوفوا ماذا فعلت بإنسان جبار، هم لا يرون بيوتاً، ما كان لها أثر. لكن لما أقول لك: شوف شو فعلت بعاد، هم فاهمين ايش فعل ربنا بعاد، لأنهم كانوا يمرون على ديارهم في رحلة الشتاء والصيف، وعارفين ايش فعل ربنا بثمود لأنهم يمرون على ديارهم وهم ذاهبون إلى الشام، وهم مدركون تماماً قيمة ذكر هذين القوم عاد وثمود. وفرعون، لأن فرعون ليس ببعيد أخباره عن العرب لأنه كان في مصر، فأخباره كانت تصل إليهم وماذا حصل به. أقرأ قال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، أي ألم تعلم يا محمد، علم يوازي العيان في الإيقان، وهو استفهام تقريري. قيل لعقب عاد بن عوص، نعم ترى، هو ليس استفهاماً حقيقياً، وإنما استفهام يريد منه أن يقرره، كأنه يقول: نعم فهمت أو رأيت وعلمت.
نعم، وهنا ألم تر، قال ألم تر يعني ألم تعلم؟ فالرؤيا هنا عملها.
على أنها رؤية قلب وليست رؤية عين. ألم تر أي ألم تعلم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ [الفجر: 6]، إنه الفعل، رأى في اللغة العربية له عدة معاني، رأى بمعنى رؤية العين، ورأى بمعنى علم، كقولك: رأيت الله أكبر كل شيء، محاولاً رأيت الله أي علمت الله. فهنا ألم تر كيف فعل ربك أي ألم تعلم، ألم تعلم كيف فعل ربك بهؤلاء المجرمين.
قال: عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. عاد الآن في شخص اسمه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، هذا اسمه في بطاقة الميلاد، عاد هذا رجل عربي قديم، ونسبت إليه قبيلة عاد، فعاد هو جدهم وإرم هو جد عاد. عاد هو في الأصل اسم شخص من رجال العرب الأقدمين، وهذا عاد له جد اسمه إرم، تمام، وأصل معنا الأمور. فقبيلة عاد المشهورة تنسب إلى جدها الذي اسمه عاد، لكن اقرأ قال: كما قيل لبني هاشم والله فلان هاشمي، باعتبار جدهم هاشم. نعم قال: ثم قيل للأولين منهم عاد الأولى، وإرم تسمية لهم باسم جدهم.
عاد اسم لقبيلتين: عاد الأولى وعاد المتأخرة، في قبيلتين كلهم أحفاد بس في واحدة أتت قبل الثانية زمنياً. عاد الأولى هي المشهورة في التاريخ أنها عاد إرم، وهي أقوى بطشاً وأشد قوة، فلذلك الله فسرها: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾، أقصد عاد إرم؛ لأن عاد إرم هي عاد الأولى، وهي التي أرسل إليها هود. نعم قال: ومن بعدهم عاد الآخرة، فعاد الآخرة فإرم أخيرة أي الثانية. فإرم عطف بيان لعاد، ألم تر كيف فعل ربك بعاد أقصد إرم، حتى تكون تعرف أي عاد يقصد الله. نعم قال: وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة، وإيذان أنهم عاد الأولى، أنا لا أتكلم هنا عن عاد الثانية أنا أتكلم لكم عن عاد الأولى.
وقيل إرم بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها، ويدل عليه الثاني أن إرم ليس اسم جد لعاد، هو اسم مدينة اسمها إرم كانت عاد الأولى تسكن فيها. اسم المدينة التي كانت عاد الأولى تسكن فيها اسمها إرم، هذا رأي آخر. قال: ويدل عليه قراءة ابن الزبير: بعاد إرمة على الإضافة، وتقديره بعاد أهل إرمة كقوله واسأل القرية، ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضاً للتعريف والتأنيث، أي ممنوعة من الصرف.
وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة فالمعنى أنهم كانوا بدويين أهل عمد طوال، وإذا قلنا عاد إرم أنها اسم للقبيلة فلماذا وصفهم الله بأنهم ذات العماد؟ قيل لأنهم كانوا بدو تمام، والبدو أهل خيم، فمعنى ذات العماد ذات الأعمدة التي تصنع منها الخيم. نعم قال: أو طوال الأجسام، وهذا هو المشهور أنهم لقبوا بذات العماد أي أجسادهم ضخمة.
وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى أنها ذات أساطين، كانت كلمة إرم هي اسم بلدة وليست اسم الجد، فتكون إرم ذات العماد، يعني مدينة إرم ذات الأساطين ذات الأعمدة. نعم قال: وروي أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد، فملكا وقهرا ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، أي صار شداد هو الزعيم. قال: فملك الدنيا ودنت له ملوكها، فقيل إن هذا شداد سمع من اليهود أو النصارى أنه في شيء اسمه الجنة، فقال ابني مثلها، إذا في جنة عند إلهكم فأنا أبني لكم جنة في الدنيا. نعم قال: فبنى إرم في بعض صحاري عدن، بتعرف هذه في اليمن، في 300 سنة، وكان عمره 900 سنة، قديماً كانت الأعمار طويلة يا إخوان، هذا الرجل عاش فيما يقال 900 سنة.
وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطين، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها، فقيل إن هذا الصحابي أو هذا الرجل عبد الله بن قلابة هذا بعد زمن النبوة وجدها بالخطأ، وهو ضاعت إبله فوجدها بالخطأ هي مدينة إرم التي بناها عاد الأولى. طبعاً هذه كلها قصص الله أعلم بصحتها، قال: فوقع عليها فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، كان معاوية بن أبي سفيان هذا في زمن معاوية بن أبي سفيان، هذا الرجل وجد وقع على قرية عاد، وإن كنت أنا أستبعد حقيقة هذه التفاصيل قليلاً؛ لأنه في النهاية منطقة اليمن منطقة معروفة وكذا معقول ما حدا وجدها إلا بعد هذه الفترات، الله أعلم.
فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال له معاوية بعث إلى كعب الأحبار وهو رجل نصراني أسلم كان يعرف التوراة والإنجيل، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخل رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال، وعلى عقبه في قدمه شيء، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: يطلع على ابن قلابة صار يطلع، وجهه أحمر أشقر عليه خال، طلع هو، فقال: هذا والله ذلك الرجل. يعني الله أعلم بالتفصيل وهذه لا تحتاج إليها كثيراً في الحاشية، لكن يستانس بها. قال ابن حجر: آثار الوضع عليه لائحة، ابن حجر العسقلاني يقول وهذه القصة واضحة أنها مختلقة، ما لها أصل وأنا أتفق عموماً أنه ما نشغل حالنا كثيراً في مثل هذه التفاصيل.
التي لم يخلق مثلها في البلاد، أي مثل عاد في قوتهم وطول قامتهم في قوتهم، كان طول الرجل منهم 400 ذراع، أو لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع، خلنا من مدينة شداد نحن مش موافقين عليها أصلاً كثيراً، لم يخلق مثلها أي قوم عاد كما وصفهم الله في آيات كثيرة في القرآن، كانوا أشداء سواء في الخلق أو في الأفعال التي أنتجوها، وصفهم الله عز وجل بأنهم ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾، إذاً كم كان طول الواحد فيهم، طول النخلة، لما ماتوا مش ربنا عز وجل ماذا وصفهم في سورة الحاقة أعجاز نخل، إذاً الواحد فيهم طوله طول النخلة طوال القوم كان.
وثمود الذين جابوا الصخر قطعوا صخر الجبال واتخذوا في، إلى ثمود، ثمود أبرز صفة فيهم ما هي؟ قدرتهم على النحت في الجبال صحيح، هذا المشهورين فيه النحت في الصخور، فقال وثمود الذين جابوا يعني قطعوا الصخر في الجبال فكانوا يبنون بيوتهم، وأنتم إذا رحتوا على مدينة العلا في بلاد الحرمين شوفوا الآثار كيف يبنون بيوتهم في داخل الجبل. قال قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتاً، قيل أول من نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا 1700 مدينة كلها من الحجارة بوادي القرى، وفرعون وادي القرى لأنه العلا قريبة من منطقة اسمها وادي القرى، ما بعرف إذا الآن هي تابعة لها الله أعلم، هي المدينة تبعتهم اليوم في وادي اسمه وادي القرى، والنبي صلى الله عليه وسلم كان له أكثر من غزوة قريبة من هذا الوادي.
وفرعون ذي الأوتاد أي ذي الجنود الكثيرة، وكانت لفرعون الأوتاد وسبحان الله هذه عبارة عميقة، أي ملك من الذي يثبته الجنود وهذه قلناها في أي سورة البروج هل أتاك حديث الجنود، أي ملك إنما يثبت بجنوده، فقول وفرعون ذي الأوتاد سمى جنوده أوتاداً لأنهم هم الذين رسخوا ملكه، ولا فرعون شو في النهاية جسد مثلي ومثلك يعني في بشر أي إنسان ممكن يقتل ويصرع، لكن لماذا أصبح طاغية لأن هناك أوتاد خدمته وجنود كانت حوله هي التي ثبتت له ظلمه واستبداده على البشر.
وكانت له مضارب كثيرة يضربونها إذا نزلوا، وقيل كان له أوتاد يعذب الناس بها كما فعل بآسيا، وقيل إن الأوتاد اسم لأعمدة كان يعذب عليها الناس تعرفوا مثل هذه الأخشاب التي يجلسون عليها السجناء أو يضربون بها السجناء، نسأل الله العفو والعافية.
الذين في محل النصب على الذم أو الرفع على هم الذين أو الجر على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون، طغوا في البلاد تجاوزوا الحد، الذين طغوا في البلاد هي للجميع فيما يظهر لعاد وثمود وفرعون. طغوا في البلاد تجاوزوا الحد فأكثروا فيها الفساد بالكفر والقتل والظلم، فصب عليهم ربك سوط عذاب، مجاز عن إيقاع العذاب بهم في أبلغ الوجوه، إذ الصب يشعر بالدوام، جميل كلمة صبه شوف إشارتها السريعة صب تدل على ماذا؟ على أن العذاب أدير عليهم إدارة كثرة وقوة وكثافة، فصب عليهم ما وقع ما قال فأنزل صب زي كأنه هكذا وعاء ويصب كل ما فيه دلت أنه انهمر انهماراً كثيفاً غزيراً. إذ الصب يشعر بالدوام، والسوط بزيادة الإيلام، الصب إذا يشعر بالدوام والكثرة، والسوط كلمة ضربت فلاناً سوطاً أنت لحالك أول ما تسمع كلمة سوط وقع الألم تشعر به، فلذلك قال الصب إشارة للدوام، والسوط إشارة للإيلام، أي عذبوا عذاباً مؤلماً دائماً، الديمومة من الصب والإيلام من السوط.
إن ربك لبالمرصاد، وهنا هذا هو الختام المراد أن ربك لكل طاغية ظالم مستبد لبالمرصاد يترصد له. هو المكان الذي يرصد أي يترقب فيه الرصد مفعال من الرصد، وهذا مثل لآرصاد العباد وأنهم لا يفوتون وانه عالم بما يصدر منهم وحافظه فيجازيهم عليه، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، قال الله. هكذا نكون انتهينا من المقطع الثاني الذي يخفف عن قلوب المؤمنين المستضعفين أن ربك لبالمرصاد لكل طاغية من طغاة الأرض ولكل جبار من الجبابرة ولكل من يعذبون المؤمنين، إن ربك لبالمرصاد ولو بعد حين. إن ربك يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، نسأل الله العفو والعافية، فهؤلاء الظالمون المستبدون بمجرد أن أذن الله بعذابهم لم يفلتهم، يعني عاد خالص لما الله أمر أن يعذبوا انتهى أمرهم، ما صار أنه خلص يعذب ثم يخرج لا لا خلص قرر الله أن ينتهوا بعد استبداد طويل وظلم كبير، إن ربك لبالمرصاد.
الآن أتينا إلى خلينا نقول زبدة السورة هنا، وقلنا زبدة سورة الفجر هي إخبار للإنسان كيف عليه أن يتعايش مع أقدار الله، كيف المطلوب من الإنسان من هذا الكائن البشري أن يفهم القدر خيره وشره، ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ لاحظ الكلام عن الإنسان، فإما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه يعني إذا، طبعاً ما هنا زائدة، أنت حتى تفهم الآية بدك تقرأها بدون ما، فإما الإنسان إذا ابتلاه وما تزيد هنا للتوكيد، فإما الإنسان إذا إذا ربنا ابتلاك، هوان الله عز وجل يتكلم أولاً عن التصور الخاطئ للإنسان، ثم يتكلم كيف ينبغي أن يكون التصور الصحيح.
الآن التصورات الطبيعية لنا كبشر باتجاه القدر أنك تجد الإنسان اللي ربنا منعم عليه كثير ومتفضل عليه كثير يشعر بماذا؟ أنه كل هذه النعم لأنه ربنا بده يكرمني وبده يرفع شأني ولأني إنسان منيح، وبكون هو طبعاً عاصي مذنب وعايش كل الملذات والشهوات والخطأ، بس شايف ربنا لسه بيعطيه، يعني شغله ماشي حياته ماشية مع أني عم بعصي، معناته ربنا خلص أنا ربنا مختارني مصطفين، كيف اليهود والنصارى على كل ظلمهم شو بيحكوا نحن أبناء الله وأحباؤه، على كل ظلمهم في التاريخ.
هذا نفس الشيء، كثير منا يكون صاحب معاصي في الخلوات، يكون صاحب مصائب في الحياة، يكون عاق لوالديه ويكون آكل حرام ويكون حياته كلها غلط بغلط، وشايف أنه لسه ربنا ممشي له الحياة، يعني هي الراتب ماشي وباخد ألفين ثلاثة آلاف معي سيارة وحياة مرفّهة واللي بدي إياه بعمله، أه إذا ربي أكرمني واضح أنه ربنا بده يكرمني، وعلى كل أخطائك وفشلك أكيد ربنا مسامحني عليها خلص يا أخي ربنا منعم علي ليش؟
والعكس، والإنسان الفقير أو المبتلى أو الذي تزاحمت عليه البلايا بتلاقيه يسيء الظن بالله، شو بحكي يا أخي ربنا عز وجل ليش مبتليني أنا، ليش هذول هذا وهذا وهذا عندهم ظلم واستبداد وكذا بس عايشين حياتهم وربنا بيعطيهم، وأنا إنسان بصلي واستقامة وعندي خير وكذا وربنا مضيق قدر علي، يعني مضيق علي حاولت أقدم لي شركات ما ضبطت، حاولت أعمل بيعات حاولت أزبط أموري دائماً مسكر في وجهي في الحياة ليش هيك؟
هذه العبارة «ربنا بيتعامل معي» نسمعها كثيراً عند من يسيء الظن بربه. فربنا عز وجل، كل المعادلة التي يفكر فيها ذاك الشخص خاطئة. من قال لك إنني إذا أعطيتك ووسعت عليك فمعناه بالضرورة أنني أريد إكرامك؟ لا، ممكن أنني أريد استدراجك. ولذلك الله عز وجل يجعل المنافق يعيش في حياة من الرفاهية ويستدرج إلى القبر ليأخذه أخذة واحدة؛ أحياناً يكون العطاء في الدنيا استدراجاً وليس إكراماً، استدراجاً لتبقى في غفلتك. والله كما أنك خادعت الله، الله خادعك حتى جرّك من خلال النعم إلى الإبادة والنقم والعياذ بالله. فكما يقول ابن القيم: وكم من مستدرج بالنعم وهو لا يدري. وكانوا يقولون: إذا رأيت الله يعطيك مع إصرارك على معصيتك فاعلم أنك مستدرج.
واضحة القاعدة: إذا رأيت الله يعطيك راتباً، زوجة، وحياتك ماشية مع أنك مصر على معصيته في معاصٍ أنت مصر عليها، فاعلم أنك مستدرج. لا تقل ربي أكرمن، ولا تفكر أن أمورك طيبة مع الله سبحانه وتعالى. الله سبحانه وتعالى في الدنيا يا إخواني يعطي المؤمن والكافر، ويعطي الفاسق والصالح، وهناك حكم في العطاء. فإذا رأيت الله يعطيك مع إصرارك على المعصية فاعلم أنك مستدرج، فلا تقل ربي أكرمن، أنت تخدع نفسك.
والعكس، إذا ربنا ضيق عليك، لا تظن أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يهينك؛ فإن الله عز وجل يحمي عبده المؤمن في الدنيا حتى لا يُفتن. إن الله يحمي عبده المؤمن كما جاء في الآثار، الدنيا، فيجعلك فقيراً؛ لأن من عبادي من لا يصلح لهم إلا الفقر. فهو لما ضيق عليك، ضيق لأن هذه مصلحتك، ليس لأنه يريد أن يهينك أو لأنه لا يريدك كما صور لك الشيطان. فكل نظرتك يا إنسان لمفهوم العطاء والمنع لازم تتغير. في عطاء هو نعم، إكرام من الله لك، وفي عطاء هو استدراج من الله لك. في تضييق هو عقاب من الله لك، وفي تضييق هو عطاء من الله لك. تضييق يكون عطاء، كيف يكون التضييق عطاء؟ لما يحميك الدنيا حتى لا تفتنك، هو أعطاك صحيحاً. فإذاً، العطاء له مقصد قد يكون إكراماً وقد يكون استدراجاً، والمنع له مقصد قد يكون عقاباً وقد يكون إكراماً. المنع قد يكون إكراماً، فلا بد أن توسع دائرة نظرتك للبلاء ونظرتك للعطاء والمنع. ليس كل عطاء يعني إكراماً، وليس كل منع يعني إهانة.
لذلك قال: ﴿كَلَّا﴾، قال ربنا سبحانه ﴿كَلَّا﴾ يعني أنتم فاهمين الأمور خطأ، ليس هذا مقصدي بالضرورة من هذا أو من هذا، فهناك مقاصد أخرى للعطاء وللمنع. اقرأ قول الله: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 15-16]. ﴿كَلَّا﴾ بس التفسير ﴿كَلَّا﴾ يعني كأن ﴿كَلَّا﴾ تفكيرك بهذه الطريقة خطأ. ﴿كَلَّا﴾، الأمور ليست كما تفكر، ليس إذا فعلت هكذا أردت هكذا، وإذا فعلت هكذا أردت هكذا.
اقرأ التفسير، قال: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾، الآية أي ضيق عليه وجعله بمقدار بلغته، فـ ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ قدر يعني ضيق عليه رزقه، الدخل المالي محدود. قدر يعني ضيق، نعم. قال فقدر شامي ويزيد، ولذلك بعض القراء قرؤوا قَدَر بمعنى أيضاً ضيق، نعم، فيقول ربي أهانن. أي الواجب لمن ربه بالمرصاد أن يسعى للآخرة ولا تهمه العاجلة، وهو قد عكس، فإنه إذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر، قال: فإنه إذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر، قال ربي أكرمني، أي فضلني بما أعطاني، فيرى الإكرام أن يجعل النعم لشكر الله، جعلها وسيلة. يستعملها في معصية الله وتكبر، يقول هذه طريقة أخرى في تفسير النسفي: إذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر عليها، بدل من أن يشكر عليها استعملها بصورة خاطئة، استعملها لشعوره بالثقة بالنفس، الشعور أنني أنا أستحق، استعملها في غير ما يرضي ربه. نعم، قال فيرى الإكرام في كثرة الحظ من الدنيا.
فهذا الشخص مسكين، هو يرى أن الكرامة عند الله معيارها بقدر ما ربنا يعطيني مالاً بقدر ما أنا أكون عند الله كبيراً، وكلما ربنا قصر عليّ في المال معناتها أنا عم بقصر في المكانة عند الله، إذاً هو يظن أن العطاء على وفق المنزلة، يظن أن العطاء الدنيوي على وفق المنزلة عند الله وهذا جهل. قال: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ ليصبر، قال الله يمتحنك بالفقر لتصبر، وهو يكون خيراً لك، فتجد هذا الشخص يسخط على هذه الحالة فيقول، قال: فيرى الهوان في قلة الحظ من الدنيا؛ لأنه لا تهمه إلا العاجلة ولا يلذ وينعم فيها.
فرد عليه ﴿كَلَّا﴾. إذاً باختصار: لا يجوز أن تجعل فهمك لمقدار منزلتك عند الله مرتهناً ومربوطاً بمقدار ما أعطاك الله في الدنيا أو حرمك من الدنيا. هذه أكبر مغالطة تتعب الإنسان طول حياته، أنه هو رابط علاقته بالله بقدر ما ينال من الدنيا عطاءً أو منعاً. هذا المفهوم برجع أقول: إذا أنت تحررت من هذا المفهوم الخاطئ وفهمت أن الدنيا ليست معياراً، وأن الله يعطي الدنيا للمؤمن والكافر ويحرم الدنيا من المؤمن والكافر، وأنه هذا مقام له عبودية، مقام العطاء له عبودية الشكر، ومقام الحرمان له عبودية الصبر، هنا ستصل إلى مرتبة النفس المطمئنة التي ربنا ختم فيها سورة الفجر: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: 27]. الاطمئنان إنما يكون بأن تطمئن لأقدار الله وتفهم مراد الله منها. لا يمكن أن تصل إلى النفس المطمئنة إلا بهذه العقيدة وتستريح حياتك. فإذا ربنا أعطاك تطمئن، وإذا ربنا حرمك تطمئن، ما تكون إذا ربنا أعطاك فرحت وإذا ربنا منعك استيئت. ما عندك هذه المعادلة، إذا ربنا أعطاني الحمد لله، وإذا ربنا حرمني الحمد لله، إذا ربنا وسع علي الحمد لله، وإذا ربنا ضيق علي الحمد لله. انظر لكلتا الحالتين أنني مبتلى فيهما: إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر. هذه المعادلة التي يعيش عليها المؤمن، وهي أكبر معادلة تريحه؛ لأنه هنا أيضاً لن تعود تقارن نفسك بالآخرين. وأكثر ما يذبح الشاب أنه يشوف شاباً آخر مثله، ربنا فاتح عليه في المال، فبيصير يقول: ليش أنا هيك؟ ليش هو هيك؟ مع أنه أنا والله مستقيم، أنا عندي كذا كذا، وهذا فاسد. احذر من المقارنات، فالعطاء من الله ليس على مقدار المنزلة عنده، هذه جداً مريحة، تنتهي من قضية مقارنة نفسك بالآخرين.
نعم، قال ﴿كَلَّا﴾ أي ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته. ليس الإكرام والإهانة على كثرة المال وقلته، ليست هذه الموازين عند الله. قال: بل الإكرام في توفيق الطاعة، والإهانة في الخذلان. لذلك كان يقول شيخ الإسلام رحمه الله عليه: إن الكرامة هي في لزوم الاستقامة. بدك الكرامة الحقيقية؟ بدك تعرف نفسك أنك أنت في كرامة؟ شوف أعمالك، الكرامة أن تكون ملازماً لدرب الاستقامة، تكون من أهل صلاة الفجر، تكون من أهل الأذكار، تكون من أهل مجالس العلم، أن تكون مقاصدك وأهدافك دينية، هي الكرامة هون. نعم، إذا رأيت الله يصرف همتك للخير اعلم أنك محبوب لديه، وإذا رأيت أنه يصرف همتك للشر فاعلم أنك مبغوض لديه، هذه هي المعايير، أما المال والدنيا والسيارة ونوع كذا وأين ساكن وفي أي حي، ليست أبداً معايير عند الله تقيس نفسك وصلاحك بناءً عليها.
قال وقوله تعالى ﴿فَيَقُولُ﴾، خبر المبتدأ الذي هو الإنسان، ودخول الفاء في ﴿أَمَّا﴾ من معنى الشرط والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقديره، في تقدير التأخير، كأنه قيل: فإما الإنسان فقائل ربي أكرمن في وقت الابتلاء. يعني شوف القضايا اللغوية لا أريد أن أتعبكم فيها حتى لا تتشوشوا، بس أقرأها سريعاً لمن يحب أن يهتم به.
وسمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقديره ابتلاء؛ لأن كل واحد جميل، هذه ملاحظة جميلة. قال: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ﴾ جعل الإكرام والإنعام أيش؟ بلاء، ها إذا ما ابتلاه كيف البلاء؟ فكرمه ونعمه. إذاً الإكرام والإنعام بلاء، برضه في الآية الثانية قال: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾. إياك أن تنظر إلى أن الإكرام لا بلاء فيه، الإكرام والعطاء من الله بلاء. والله كما يريد أن يرى عبوديتك عند الضيق، يريد أن يرى عبوديتك عند السعة. فإذا لم تقم بالعبودية فأنت ابتُليت فلم تقم. ولذلك كان بعض الصحابة يقول: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر. ترى بعض الناس لما تضيق الدنيا يصبر، بس خلي الدنيا تتوسع عليه، يضيع. يا أخي كان هو فقيراً يصلي معنا، وكان هو فقيراً يحضر مجالس علم، وكان هو فقيراً أموره تمام، ربنا وسع عليه شوي ضاع الزلمة، ضاع. فعلاً في ناس تبتلى بالضراء فتصبر، ولكن إذا ابتليت بسعة المال تضيع. فبتعرف والله فعلاً هذا الشخص الذي السراء يضيعه والله خير له أن يبقى فقيراً، فعلاً؛ لأنه الدنيا بتروح. يعني أيّ أحسن؟
تصبر شوي على فقر الدنيا وتنال الآخرة، ولا ربنا يوسع عليك في الدنيا بس تكون سبب في ابتعادك عن الآخرة؟ لا والله، الصبر على الدنيا أهون من الصبر على عذاب الله سبحانه وتعالى. بالتالي تبقى مطمئناً أنه والله إذا ما وسع عليك في رزقك، والله الحمد لله، ما بتعرف أيش ربنا صرف عني. هيك دائماً بحكي المؤمن، إذا رأى حياته المادية محدودة: الحمد لله، لا تعرف ماذا صرف الله عني من الشر. إذا كنت غنيت الحمد لله على حالتي. خاصة اللي عنده الكفاف، اللي عنده قوت يومه وآمن في سربه ومعافى في بدنه، خلاص، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها. أنا آكل وهذاك يأكل، وأنا نائم وهذا نائم. بالعكس، يعني شوف حياة النبي عليه الصلاه والسلام ببساطتها وهدوئها، ما أكل طعامه وشرب شرابه. الهم والعقل أخروي، يعني هي الدنيا كلها بتروح، أنت أكلت لحم اليوم، هذا أكل رز، فلان أكل، كلها أشياء وتستهلك. لكن إنما يبقى العمل لله، طلب العلم، انشغال بما ينفع الإنسان، العمل للأمة، التفكير بمقارعة العدو، الإصلاح في المجتمع، هذا الذي يبقى ويشعر الإنسان بفائدته وقيمته.
طيب قال: وسمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقديره ابتلاء؛ لأن كل واحد منهم اختبار للعبد؛ فإذا بسط له فقد اختبر حاله: أيشكر أم يكفر؟ وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله: أيصبر أم يجزع؟ ونحو قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]. وإنما أنكر قوله ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ مع أنه أثبته بقوله ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾؛ لأنه قال على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته، وهو قصده إلى أن الله أعطاه ما أعطاه إكراماً له باستحقاقه. يعني هو ربنا فعلاً أكرمه، فـ ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾ لكن هو لما يقول ربي أكرمن هو مش من باب الاعتراف بالجميل. بعض الناس فاهمين الآية خطأ، فاهمين أنه هذا الرجل من باب الاعتراف بالجميل، يقول: والله ربنا أكرمني الحمد لله. لا، لا، هو يقول ربي أكرمن بمعنى أنه يشعر أنه مستحق لهذا الإكرام، وليس اعترافاً بالفضل لله، ولا هو لو كان معترفاً بالفضل لله ما قال ربنا ﴿كَلَّا﴾، جزاه الله خيراً يعني. ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾ يقول ربي أكرمن، والله هذا معترف، جزاه الله خيراً، لا، هو يقول ربي أكرمن، يعني أنا شايف حالي مستحق أن ربنا يكرمني، أنا لهذا الإكرام ومستحق له.
نعم قال: ﴿بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾، شيخنا كقوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78]. وانما أعطاه الله تعالى ابتلاء من غير استحقاق منه، نعم. ﴿بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: 17-18]. الله عز وجل إنما يعطيك ابتلاء وليس استحقاقاً. الله إذا أعطاك ابتلاء، ممكن مكافأة، وليس يعطيك استحقاقاً. أنت لا تستحق شيئاً على الله، يعني أنت لو فعلت ما فعلت، نعمة واحدة من النعم التي أنعم الله عز وجل بها عليك لا تكافئ، أو لو جلست طول عمرك تتعبد الله من أجلها لا تستطيع أن توفيها حقها، فالله يعطي تفضلاً وابتلاء ولا يعطي لأنك تستحق، لا يعطيك استحقاقاً. فإياك أن تظن أن لك حقاً على الله أن يعطيك، هذا مهم جداً إخواني هذا البعد.
نعم، بعض الناس لأنه ملتزم يقول: أنا بصلي، ليش ربنا ما بيعطيني؟ لا، لا، هذه أصلاً كل الفكرة خطأ، ليس لأنه ملتزم، أنت أصلاً حتى التزامك لو فتشت فيه لوجدت فيه من الدخن ما فيه، لو نظرت في صلاتك، لو نظرت في ذكرك، لو نظرت في أحوالك، أنت تظن نفسك ملتزماً لكنك مقصر أصلاً في كثير من الأمور. فعطاء الله إياك، أنك تظن أنك تستحق على الله عطاء لأنك صرت ملتزماً أو لأنك صرت تصلي أو لأنك لبست الحجاب، لا تقل: يا رب أعطني لأنني فعلت. لا، لا، إذا أعطاك تفضلاً وابتلاءً وليس استحقاقاً. هي فكرة مهمة جداً ترسخ في ذهن كل شخص منا.
نعم قال: ﴿بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أي بل هناك شر من هذا القول، وهو أن الله يكرمهم بالغنى فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالمبرة، وحض أهله على إطعام المسكين.
هنا يعطيك نماذج؛ كم من إنسان ربنا يكرمه وينعمه ولا يؤدي فعلاً شكر الله في هذه النعم، وكم من إنسان الله يبتليه بالسعة، يبتليه بالإكرام والإنعام ولا يؤدي شكر هذه النعمة. كيف؟ لاحظ، ﴿لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾؛ يكون معك مال ولا تتصدق، وربنا ماذا قال؟ ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: 15]. المسكين لا يعرف أنه بلاء، أن الله يريد أن ينظر كيف تفعل في حالة الإكرام؛ لما أكرمك وأنعم عليك بالمال، ماذا فعلت بالمال؟ للأسف كثير منكم هكذا يفعل؛ ﴿لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾، لا تهتموا بحال الفئات المستضعفة في المجتمع، ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾؛ لا يحض بعضكم بعضاً على إطعام الفقراء والمساكين.
نعم، قال: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا﴾ [الفجر: 19]. التراث والميراث؛ التراث اسم من أسماء الميراث. ﴿أَكْلًا لَّمًّا﴾، واللَّم هو الجمع؛ تلم أي تجمع، وتأكلون التراث أكلاً لماً، أي تجمعون جمعاً، حلاله مع حرامه؛ فتجد الرجل يأكل ميراث أخته، أو الأخ يأكل ميراث أخيه، أو الابن يأخذ ميراث البنت، والذكور يعتدون على ميراث الإناث، والشاطر الذي يضحك على أخيه في الميراث. ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا﴾؛ تهجم عليه هجوم الذئب على فريسته، المهم أن تأكل، تجمع بين الحلال والحرام. نعم، قال: ﴿أَكْلًا لَّمًّا﴾؛ اللم هو الجمع بين الحلال والحرام، وكانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان، ويأكلون تراثهم مع تراثهم.
﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: 20]؛ يقال حُبّاً جَمّاً بمعنى حباً كثيراً شديداً مع الحرص ومنع الحقوق. وتحبون المال حباً جماً تتعلقون به، يعني هذا المال لما يكون في يدك ترى أنت تزداد تعلقاً به من لما تكون محروم منه، لذلك دائماً أقول لك: صاحب المال تعبان؛ ليس في المثل عندنا هو لما يكون المال في يده هو أيضاً تعبان في حمايته والحفاظ عليه ويخشى من زواله، فالإنسان سبحان الله، كما قال النبي ﷺ: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى وادياً ثالثاً، ولا يملأ فاه إلا التراب». الإنسان يظل طماعاً، وكلما توسعت الدنيا تفكر، بعض الشباب هو فقير طفران زي حالاتنا وحالاتكم، يصير يقول لك: أنا بس يصير عندي كذا خلص، أنا بس بدي مستوى معين وخلص، بدي أتفرغ للعلم وأصير من الأولياء الصالحين. لا سيدي، أنت لا تعرف لو أنت ربنا فتح عليك رح تصير تتوسع آفاقك وشهواتك المالية؛ بكره أنت بس لأنه ما عندك تطمع بس بمستوى معين، وبعدين يا رب يعني أنا راضي في هذا المستوى، لما تصل لهذا المستوى رح تصير تفكر ما هو بعد ذلك. ﴿لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ مِن ذَهَبٍ لَابْتَغَىٰ ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ﴾، والمراد به ماذا؟ لما يموت هو الشيء الوحيد الذي يملأ فاه التراب، لما يوضع في فمك عندما تدفن بقبرك.
قال: ﴿كَلَّا﴾ [الفجر: 21]؛ ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعله. ﴿كَلَّا﴾ مرة ثانية جاءت في السورة، ﴿كَلَّا﴾ مرة أخرى في سورة الفجر. ﴿كَلَّا﴾ أي لا أقبل هذه التصرفات، لا أقبل إذا أنعمت عليكم بالنعم ووسعت عليكم في المال أن تكون طريقة تعاملكم في هذا المال أنكم لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين، وتهجم على الميراث حلاله وحرامه، وتحبون المال حباً يشغلكم عن طاعة ربكم ويجعلكم تحرمون الناس من حقوقهم؛ لا أقبل هذه التصرفات.
نعم، قال ثم أتى بالوعيد وذكر تحسراً على ما فرطوا فيه حين لا تنفع حسرة، فقال: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: 21]. هنا انتقل معهم، لاحظوا هذا القرآن العظيم، انتقل معهم إلى أجواء الآخرة ليقول لهم إن العطاء في الدنيا والمنع في الدنيا ليس شيئاً كبيراً، المهم أنك تشتغل لتلك اللحظة التي ستدك فيها الأرض دكاً دكاً، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: 22-23]، هذا هو المشروع الذي لازم تعيش من أجله، أن تنقذ نفسك من تلك اللحظة؛ يومئذ كما ستأتي الآية: ﴿لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: 25-26]. هذه الأفكار التي تستحق أن تعيش من أجلها وتبذل من أجلها، لا تظلك عايش في الدنيا يا إنسان همك الاعتراض على الله؛ بعض الناس بس عايش في الدنيا: ربنا أعطاني، ربنا حرمني، ربنا أعطاني، ربنا حرمني. يا أخي دعك من هذه الأفكار وانتقل إلى ما يهم، اشتغل لتلك اللحظة. ﴿كَلَّا﴾؛ لا أقبل، أن تكون الحياة بهذه الطريقة: أعطيك فتمنع وتجحد ولا تعطي الفقير، ﴿كَلَّا﴾ ثم انتقل إلى الموضوع الأهم والأبرز: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾. هذا الذي بدك تفكر فيه وتتفكره، بغض النظر وسعت عليك أو ضيقت عليك، ماذا فعلت في لحظة السراء؟ وماذا فعلت في لحظة الضراء؟ كيف كانت علاقتك مع الله؟ أما هذه دنيا بوسع عليك أيام وبضيق عليك أيام؛ لا تنشغل لماذا فعلت كذا بك ولماذا فعلت كذا بك، انشغل ماذا تفعل في لحظة الرخاء وماذا تفعل في لحظة الضراء، مش لماذا فعل الله، اشتغل ما الذي يجب أن أفعل في هذه اللحظة، لأنه سيأتي ذاك اليوم العظيم الذي تدك فيه الأرض دكاً دكاً.
اقرأ قال: ﴿دَكًّا دَكًّا﴾؛ دكاً بعد دك، أي كرر عليهم الدك حتى عادت هباء. من صور المقطع كله للختام السورة: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ * يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 21-30].
نعم، شوف هذا المشهد كم هو مهيب، ويذكر الإنسان دائماً بضرورة الارتباط بالبعد الأخروي، وأن الحياة لا ينبغي أن تأخذ مساحة كبيرة من قلبك ومن مشاعرك ومن خطتك وأفكارك. طبعاً لا يعني هذا أن الإنسان لا يفكر، لا، يفكر إخواني، لكن فرق بين إنسان التفكير يأكله ليجعله يسيء الظن بربه، وبين إنسان راضٍ عن الله؛ راضٍ في الرخاء وراضٍ في الضراء، راضٍ في السعة وراضٍ في كل ما يقدره الله عز وجل. هذه النفس المطمئنة؛ الرضا عن الله، هذه هي النفس المطمئنة التي يقال لها: ﴿ادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾، التي تفوقت، لأنه هي معركة الحياة، دائماً أقول: معركة الحياة، معركة الإنسان في الحياة هي معركة المشاعر، كيف تقود مشاعرك بالشكل الصحيح؟ الآن البدن هذا شيء عضوي بيولوجي، يعني سامحوني، لكن معركتي أنا وإياكم في الحياة كيف نحسن فهم الحياة وكيف ندير مشاعرنا وعلاقتنا مع الله سبحانه وتعالى.
الذي يحسن إدارة المشاعر بشكل ممتاز، هذه النفس المطمئنة، الذي لا يحسن إدارة مشاعره بشكل ممتاز، مشاعرك في المواقف، في البلاء، في الشدائد، في السعة؛ إذا أحسنت إدارة المشاعر أنت ناجح وأنت مطمئن، والاطمئنان هذا ليس فقط في الآخرة بل حتى في الدنيا ستكون مطمئناً. وإذا فشلت في إدارة مشاعرك تجاه المواقف التي تحيط بك في الحياة، فعلاً أنت إنسان ستبقى مضطرباً، في ضنك في الدنيا وفي ضنك الآخرة، فإدارة المشاعر والمواقف الإيمانية في مواقف الحياة هي معركتي ومعركتك في هذه الحياة، صحيح، هي معركتي ومعركتك، في إنسان يفجر في حال الفرح ويفجر في حال الغضب، يفجر في حال الشدة ويفجر في حال الرخاء، وفي إنسان متوازن المشاعر، يفهم كيف يدير هذا الملف وهذا الملف بشكل ناجح ومطمئن، يمشي بخطى ثابتة مرتاح، هذا هو الذي يريد الله أن يوصلك إليه.
لذلك يعلمك هو يريد أن يوصلك لهذه القضية: كيف يا عبدي تدير مشاعرك تجاه هذه المواقف؟ إذا أحسنت الإدارة وفهمت، ستطمئن، ستستطيع أن تتعايش مع الحياة وتتكيف معها، فإني يا عبدي سأبتليك بالسراء والضراء، فعليك أن تكون مشاعرك هنا هكذا ومشاعرك هنا هكذا. مفهوم عظيم حقيقة في حياة الإنسان للوصول إلى الراحة؛ أكثر مشاكل اليوم الهشاشة الإيمانية عند كثير من الناس، المشاكل النفسية من الاكتئاب والاضطراب؛ ما سببها؟ عدم القدرة على إدارة المواقف بالشكل الصحيح. أكثر المشاكل النفسية اليوم هي مشكلتها ما هي؟ عدم القدرة على إدارة المواقف بالشكل الصحيح، موقف معين.
يعني قبل فترة تتكلم معي سائلة على الهاتف، مشكلة عائلية، سامحني، منذ غلبتك، بس المشكلة اليوم ضاربة معي، مشكلة متعبها في حياتها جداً، وأنا بحكي أنا مش شايف مشكلة، يعني شيء بسيط جداً جداً، يعني مشكلة مع حماتها وبتشكي والدنيا قائمة وقاعدة، قلت: يا حجّة، بس هذه المشكلة، يعني حماتها سألتها كم سؤال، وأنا مش شايف يعني موقف يعني بدأ يتجه معها نحو الطلاق، أنتم متخيلون؟ سبحان الله الإنسان كيف مسكين! موقف أنت عم تقرأه بالمفهوم الحياتي، سامحوني على الكلمة تافه، يعني لا يستحق، يعني أنت بأدنى شيء تقول: معقول فلان هيك؟ في ناس عايشة في ناس عايشة بهذه النفسية، أن مواقف حياة مدمرة نفسيتها، داخليتها في حالة اكتئاب نفسي، مش عارفة كيف تتصرف، عم تطلب الطلاق، حياتها مبعثرة، مع أنه هذا الموقف ربما أي شخص منكم بتوازن إيماني بسيط يعني ما كان يستحق كل هذه المساحة من التفكير والتعب والإرهاق، وأي امرأة عاقلة ممكن تتجاوزه بأيسر السبل، يعني ما في شيء. يعني باختصار، يعني هسه في مواقف عظيمة، في مواقف تتعجب بعض الناس أنه هو فعلاً كم الناس تحتاج للإيمان! كم الناس تحتاج للقرآن! تعرف قيمتها أنه هذا الموقف لا يستحق لهذا التعب النفسي الذي أنت معايش حالك فيه وتطلبي الطلاق وتدمر بيتك على حماة حكت كلمة في موقف، ومش هالكلمة الكبيرة، فتعرف قيمة أن يحسن الإنسان إدارة مشاعره.
أنت قد تكون في نعمة عظيمة بالإيمان، بل هي قد التحقيقية، أنت في نعمة عظيمة بالإيمان لأنك تعرف كيف تدير مشاعرك وتقيم المواقف، وتعرف المواقف التي تستحق، يعني كم تستحق المواقف من المشاعر ومن الإرهاق، وما التي لا يستحق، وبالتالي تبقى مستريحاً مطمئناً، بخلاف الناس الذين يعيشون في كوكب آخر؛ ممكن بعض الناس لموت ممثل مشهور ينتحر وراءه، ممكن بعض الناس يوتيوبرز معين اختفى وهو متعلق فيه مدمر نفسياً ويريد أن يقتل نفسه. أحمد الله على نعمة الإيمان، على نعمة الطمأنينة، على نعمة أنك مؤمن تفهم الدين؛ هذا يريحك جداً في معادلات الحياة، التي تشوف كثير من الناس تراجع عيادات نفسية وصحية وتقول: هذا إيش مشكلته؟ بتكتشف أنه اللي سبب له اكتئاب حاد موقف تافه، تمام، علاقة انتهت، شيء بسيط كان، لماذا تكبر الأمور؟ لماذا تضخم أشياء بإمكانها أن تختصر وفق قواعد الإيمان؟ هذه قيمة الإيمان في الحياة.
اقرأ قال: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: 21]، ﴿دَكًّا دَكًّا﴾؛ دكاً بعد دك، أي كرر عليهم الدك حتى عادت هباء منثوراً، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾؛ تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قهره وسلطانه، فإن واحداً من الملوك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة ما لا يظهر بحضور عساكره وخواصه. وعن ابن عباس: أمره وقضاه. هذا كله من التفاسير الأشعرية الماتريدية، النسفي الله يغفر له على طريقة الأشاعرة والماتريدية في تأويل الصفات الاختيارية؛ فهو لا يثبت أن الله يجيء بذاته، يرى أنه هذه صفات اختيارية تقتضي التجسيم، ومش التجسيم، كلام كثير كررناه عنه، ما بدي أطول، لكن كلامه خطأ، الذي سيجيء هو الله بذاته وليس مندوبين عن الإله، الذي سيجيء لفصل الحساب الله بذاته، ومن صفات الله العلى المجيء، كيف يجيء؟ يجيء كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، لا نقول كيف، لكن قضية أنه لا، احنا ما بدناش نثبت صفة المجيء لأنه تجسيم، مش تجسيم، هذه لخبطات أشعرية ماتريدية ليس وقت التعليق عليها، وكررنا التعليق عليها مراراً في أماكن أخرى، أحياناً تأتي تفقدك رونق المشهد وأنت داخل متحمس في الآيات، فجأة يطلع لك تفسير ضال يخرب، يشوه الصورة، مشان هيك أنا ما بحب أطول فيه أثناء التفسير، درس العقيدة نطول في تحليل هذه الظواهر الخاطئة.
طيب قال: ﴿وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22]؛ أي ينزل ملائكة كل سماء فيصف صفاً بعد صف، محدقين بالجن والخير، هذا ملك الملوك سبحانه والملائكة صفاً صفاً عن يمينه وشماله، هذا أعظم موكب لأعظم ملك وهو ملك الملوك سبحانه وتعالى، والملائكة وهي أعظم المخلوقات تصطف عن يمينه وعن شماله، وأنت ذاك الإنسان المسكين الذي اعترضت على ربك في الدنيا وكان كل مشاكلك ليش فلان قال لي، وليش فلان سوى لي، وليش ضيقت علي، جاي الآن تتفاهم مع الله سبحانه وتعالى.
قال: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: 23]؛ وهذا أكثر وأكثر رعباً في المشهد، بعد مجيء الله ومجيء ملائكته، سترى جهنم؛ 70 ألف زمام (حبل)، كل زمام يجره 70 ألف ملك، عم تنجر أمام الجميع، متخيل؟ 70 ألف حبل، والله أعلم شو طبيعة الحبل، وكل حبل عم يقوده 70 ألف ملك، 70 ألف في 700 ألف، كم يطلع الرقم؟ نعم، رقماً هائلاً جداً من.
الملائكة ولاحظ أنتم أحباء من الله، والملائكة تعرف الملائكة التي عم تجر، مش أنا وإياك المساكين من تجر، بل نوقع. الملائكة بعظمتها وجلالها كل حبل بده سبعون ألف واحد منهم، إذا شو موضوع جهنم هذا الذي عم ينتظرك؟ وأيش أنا مستحق أني أفكر تفكير خاطئ بالله وأعترض على ربي وأسيء الظن بربي وأورط في النهاية فأقع في جهنم؟ الموضوع لا يستحق، أليس كذلك؟
قال: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: 23]. قيل إنها برزت لأهلها كقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء: 91]. وقيل هو مجرى على حقيقته في الحديث: يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، على كل زمام على حقيقته. هو ضه حاول يؤول مجيء جهنم، بس هذا أيضاً التأويل أن مجيئها يعني أنها بروزها، لا؛ وما جئ أنها تأتي، ما فيش داعي لفلسفة التأويل، لكن الواحد لما يصير عنده التأويل حالة مستعصية بصير كل شيء يأوله، ما في داعي تأول لأنه هي واضحة، جهنم تأتي كما في الأحاديث الصحيحة.
نعم، قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ﴾ [الفجر: 23]. انظر ربنا كيف يعطيك المشهد هذا ما أعظمه، وأنت شايف ربنا سبحانه عم يأتي مع الملائكة وشايف جهنم عم تأتي، أنا وإياك كل واحد راح يصير يفكر في شريط الزمن الماضي. ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ﴾، بصير تتذكر مواقف الحياة، أنا شو كنت أسوي؟ تصير تعض أصابع الندم على اللحظة اللي فكرت فيها تسيء الظن بربك، أنا شو اللي ورطني؟ هي الورطة، أسأت الظن بالله سبحانه أو استعظم على الله واستكبرت. بمر عليك شريط الدنيا في هذه اللحظة. ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ﴾ [الفجر: 23]. كان الله يقول: شو فائدة هذه الذكرى الآن؟ فات كل شيء فات، والآن ساعة الحساب ﴿وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ﴾، كأنك من مكان بعيد عم تتذكر بعد فوات الأوان. كان لازم تتذكر وأنت في الدنيا، واللي بيقرأ القرآن وبيعيش مع سورة الفجر راح يضله يتذكر، هذه فائدة أنك تقرأ القرآن. بس اللي ما بيقرأ القرآن فعلاً يوم القيامة اللي عايش في الدنيا بس على السوشيال ميديا واليوتيوب واليوتيوبرز والأفلام والمقاهي والجلسات العائلية واللعب، هذا يوم القيامة فعلاً راح ينصدم أنه طلع الموضوع جد فصل وليس بالهزل، وسيعض أصابع الندم.
ويتذكر، بس ﴿وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ﴾ راحت. نعم، قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ﴾ [الفجر: 23]. ومن أين له منفعة الذكرى؟ نعم ﴿وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ﴾، لن ينتفع من هذا شيئاً. نعم، يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: 24]. هذه شوف، يا ليتني قدمت لحياتي بدل ما كان شغلي في الحياة الاعتراض على الله وعلى أقداره، يا ليتني عملت شيء مفيد، يا ليتني كنت أتعامل مع لحظة الرخاء ولحظة الشدة بالشكل الإيجابي الصح. يا ليتني قدمت، شوف لفظة التقديم أعتقد أنها لفظة مهمة لكل مسلم، يا ليتني تركت أثر في الحياة قبل ما قدمت في شيء عملته في الحياة. أنا ليش كنت عايش؟ وهذا السؤال كل واحد يسأله: أنا ليه عايش؟ أنا بس عايش طعام شراب نكاح سوشيال ميديا حياة ألعاب، نقعد مع العيلة وننبسط نطلع؟ لا، أنا مش لهيك عايش. يا ليتني قدمت تركت أثراً في دنيا الناس قبل أن أغادر، تمام. ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ أي لحياتي الأخروية، لأنه حضرته كان عايش لحياته الدنيوية بس، كان عايش بس دنيا، فهو سيقول: يا ليتني قدمت شيئاً لحياتي الأخروية.
نعم، قال: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: 24] هذه وهي حياة الآخرة، أي يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في الحياة الفانية لحياتي الباقية. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: 25-26]. أي لا يتولى عذاب الله أحد لأن الأمر لله وحده في ذلك، نعم في يوم القيامة لن يتولى عذابك إلا الله، وهذه مرعبة أنه ملفك ما عاد عند البشر، ملف تعذيبك من المتوليه؟ الله، وهذه بحد ذاتها مرعبة، أنت لما يكون ملفك عند ضابط معين ولا عند كذا بتضلك خايف وكذا، والله يستر وإن شاء الله يتغير ويجي بشر. شفت الظالمين المستبدين في الشام في النهاية الله عز وجل أذلهم، أي إنسان مهما طال وجود ملفك عنده بموت بينتهي، لكن ملف تعذيب هذا الشخص عند الله الذي لا يموت ولا ينتهي، والذي بعظمته وجلاله هو المتولي لهذا ﴿لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾، ما في أحد راح يتولى عذابك، موضوعك مش عند أحد غير الله، موضوعك عند الله وهذا بخليك تحسب حساب لهذه اللحظة.
نعم، قال ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾، قال صاحب الكشاف: لا يعذب أحد أحداً كعذاب الله، ولا يوثق أحد أحداً كوثاق الله. وهذا معنى آخر ذكره الزمخشري في الكشاف، أنه ﴿لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ قيل معناها ماذا؟ لا يوجد عذاب يعادل عذاب الله في الشدة، ولا يوثق وثاقه أحد، لا يوجد أسر، ووثائق الله وسجن الله في الدنيا عذاب يعادل عذاب الله، في الدنيا سجن وقيود وأغلال تعادل سجن الله؟ ما في. هذه نظرة أخرى أيضاً، وكلاهما تصب في نفس الاتجاه: التهويل والخوف والترقب، وأن الإنسان يعد عدته لئلا يكون من المعذبين الموثقين.
نعم، قال لا يعذب ولا يوثق، هناك قراءة لا يعذب، نعم، وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إليها أبو عمرو في آخر عمره، والقراءة الأولى أيضاً قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تفهم والضمير يرجع إلى الإنسان الموصوف وهو كافر، وقيل هو أبي بن خلف، أي لا يعذب أي لا يعذب أحد مثل عذابه، والقراءة الثانية ﴿لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾، مش لا يعذب، في قراءة لا يعذب، الكلام الآن عن المعذب عن الكافر أو الفاسق، أي لا يعذب مثل عذاب هذا الكافر أحد من البشر في الدنيا، ولا يوثق ويؤسر كافر في عذاب الله كما يؤسر كافر في الدنيا، وإن كان الكل في النهاية يصب في نفس الاتجاه.
طيب، قال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: 27]، إكراماً له كما كلم موسى عليه السلام، أو يكون على لسان ملك، المطمئنة الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، وهي النفس المؤمنة أو المطمئنة. هذه اللحظة التي سيكون فيها إنسان عم يعض أصابع الندم وهو الإنسان الذي لم يحسن إدارة مواقف الحياة ومشاعر الحياة، سيكون هناك إنسان مطمئن؛ لأنه كان مطمئناً في الدنيا فجاء مطمئناً في الآخرة، سيلقى الله وهو مطمئن فيخاطب الله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، يا من كنت مطمئناً لأقداري، يا من كنت مطمئناً لما أفعل فيك في الدنيا، فمشيت مع أقداري في الرخاء والشدة، هذه النفس يخاطبها الله فيقول لها: نعم، قال أو المطمئنة إلى الحق التي سكنها ثلج اليقين فلا يخالجها شك، ويشهد للتفسير الأول قراءة أبي: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة، وإنما يقال لها عند الموت أو عند البعث أو عند دخول الجنة، يعني متى يأتي هذا؟ متى يكون هذا الخطاب؟ هناك احتمالات كثيرة وكلها ممكنة.
﴿ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 28]، ارجعي إلى ربك، وهذا أعظم نعيم لها أنها كانت تحب الله في الدنيا، وأعظم نعيم لها أن تعود إلى إلهها الذي رضيت به واطمأنت إليه، فأعظم بشارة لها أن تقول لها مش ارجعي إلى الجنة ابتداءً، أو شيء ارجعي إلى ربك إلى إلهك ومعبودك الذي عشت من أجله. ﴿ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً﴾ من الله بما أوتيت، فهي أصلاً عاشت في الدنيا راضية، فكانت راضية في الدنيا فستعودين إلى ربك راضية؛ راضية لأنك عشت راضية، أنت كنت راضية عن الله وأقداره فعدت إلى الله راضية، أنت عن الله ومرضية من الله، فأنت راضية عن ربك والله راضٍ عنك، راضية مرضية، أنت رضيت عن ربك جزاءً وفاقاً الله سيرضى عنك ويرضيك. ﴿رَّاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذه لك.
نعم، قال: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 29-30]. في جملة عبادي ادخلي، وهذه ﴿عِبَادِي﴾ هنا عبادة التشريف، عبادي يعني أوليائي، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ يعني ادخلي مع أولياء الله الصالحين في جنات النعيم، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ولاحظ ذكر الصحبة قبل المنزلة، لأنه الجنة بدون الصالحين مش راح تكون حلوة، تمام كما قالوا، فلذلك ذكر الصحبة قبل الجنة، فصحبة الصالحين هي من أعظم نعيم الجنة، فقال ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ ادخلي مع الصالحين، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وهذه العبارة الختامية للسورة، يعني كلمة جنتي تكون آخر ما تطرق أذنك في السورة، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾، تمام، ممتاز، رائع أنك وصلت إلى السعادة الأبدية، كأن خلاص الجنة انتهى الموضوع، كل ذلك من إكرام ونعمة وقدر عليه، كل هذا انتهى وأصبحت أنت في دار السعادة الأبدية تخلص فيها من البلاء ومن الاختبارات، وهذا إنما يكون نتيجة لما فعلته في الدنيا.
طيب أختم حتى نصلي، وقال أبو عبيدة: أي مع عبادي أو بين عبادي، أو من أو خواصي، كما قال الله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: 19]. وقيل النفس والروح ومعناه فادخلي في أجساد عبادي كقراءة عبد الله بن مسعود، في جسد عبادي. ولما مات ابن مسعود، ولما مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم ير النفس الروح، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ﴾ قيل إنها خطاب للروح المؤمنة، وهي ترتفع روح المؤمن إلى الله عندما تنزع، ثم يأمرها الله أن تعود إلى جسده، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ يعني عودي إلى جسد عبادي، وهذا يكون في حال في القبر إذا صح هذا التفسير، يكون هذا عودة الروح إلى جسد العبد المؤمن في قبره تمام لينعم، أو هنا كلام عن النعيم.
نعم، قال ولما مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم ير على خلقته فدخل في نعشه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر ولم يدر من تلاها، وقيل نزل، طبعاً قصص كثيرة أنا لا أحب روايتها أن الله أعلم أنه جاء طائر على شفير قبر ابن عباس فدخل فيه وسمعوا هاتفاً ينادي على القبر، طب مين هو الهاتف؟ ما حدا عارف من هو الهاتف، القصص يعني الله أعلم بصحتها، فادخلي في كتب التفسير يعني يستانس به لكن لا نبني عليه علماً لأننا لسنا متأكدين من دقة هذا الوصف الذي وقع، الله أعلم. وقيل هي نزلت في حمزة بن عبد المطلب، وقيل في خبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحول وجهي نحو القبلة، فحول الله وجهه نحوها، فلم يستطع أحد أن يحوله. وقيل هي عامة في المؤمنين إذ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وهذا هو الصحيح أن هذه ليست خطاباً لصحابي معين، قد تكون نزلت لمقتل صحابي معين، قد تكون، لكن هي في الأصل خطاب لجميع المؤمنين. نسأل الله أن يجعلنا من أهل الرضا، أن يجعلنا من الراضين المرضيين، فندخل في عباده وندخل في جنته، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل