دخولتسجيل الدخول

المجلس الرابع والسبعون - سورة الغاشية

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا على موائد القرآن مع تفسير كلام ربنا سبحانه وتعالى، ونسأله عز وجل أن يفتح على عقولنا وأذهاننا حسن التدبر وحسن الفهم لرسالات الله سبحانه وتعالى. فهذه نعمة عظيمة، فمن أوتي الفهم للقرآن فقد أوتي نعمة عظيمة لا تقدر حقيقة بثمن؛ لأنه أنت تفهم كلام الله عز وجل، هذا أسمى شيء ينشغل الإنسان بفهمه وتدبره ومحاولة الوصول إلى مقاصده. لن تجد كلاماً أسمى يستحق منك أن تبذل الجهد في الفهم والتحليل له ومحاولة استخلاص المعاني إلا كلام الله سبحانه وتعالى، ثم كلام نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك كلام الأولى فالأولى من الصحابة فالتتابعين. لكن أولى ما تصرف إليه الهمم في التدبر هو كلام الله سبحانه وتعالى.

لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عند أيامه الأخيرة وفي سنواته الأخيرة كان يندم أنه ضيع عمره في غير معاني القرآن. طبعا أنت تحكي ضيع عمره، تحكي شيخ الإسلام الذي كانت حياته من كتب علمية ورسائل ومحاورات ومجادلات وجهاد في سبيل الله، يرى أنه كان ينبغي أن يصرف أكبر جهده في الوصول إلى معاني القرآن. طيب عن أي معاني؟ طبعا هو يتكلم وبالتأكيد هو التفسيرات العظيمة والجليلة لكثير من الآيات، لكن هو يدرك تماماً أن هناك معاني كثيرة للنص القراني لا تفتح للإنسان إلا مع إدامة التدبر، وأن مع كل ختمة ومع كل نظرة تكتشف معنى جديداً في خبايا النصوص، معنى جديداً في خبايا نصوص كلام ربك سبحانه وتعالى. لكن هذه هناك بنسميها المعاني الخفية التي لا تأتي من الختمة الأولى والثانية ولا حتى العاشرة والمائة، هناك المعاني الخفية التي بين النصوص لا يدركها الإنسان إلا مع إدمان العلاقة مع كتاب الله سبحانه وتعالى، تنكشف له هذه المعاني الخفية التي توجد بين النصوص. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حياة مع القرآن وعلاقة قوية ومتينه مع القرآن وألا يشغلنا عنه بتوافه الحياة الدنيا.

وصلنا أيها الكرام إلى سورة الغاشية، وسورة الغاشية تأتي بعد سورة الأعلى، وبعد سورة الطارق، وبعد سورة البروج. وهذا الجزء المكي من القرآن دائماً ما يتكرر فيه تفاصيل الدار الآخرة ولفت الانتباه لتلك التفاصيل، وأن مصير الإنسان في الدار الآخرة إنما يحدده أعماله في الحياة الدنيا: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. الوجهه التي توليتها في هذه الحياة الدنيا والمسار الذي اخترته سيحدد النهايات، سيحدد كيف ستكون تفاصيل النهاية. ولذلك دائماً ما تأتي هذه السور التي تتحدث عن يوم القيامة وما في الجنة من النعيم وما في النار من الجحيم وأنواع العذاب حتى يبقى الإنسان متذكراً لهذه التفاصيل ومنتبهاً لها. مهم جداً وأنت تسير إلى الله سبحانه وتعالى في هذه الحياة الدنيا يومياً أن تمر على هذه التفاصيل. لماذا نحن نقرا القرآن يومياً؟ لماذا ينبغي للمسلم أن يكون له ورد يومي؟ لماذا السلف كانوا يختمون القرآن كل سبعة أيام؟ يعني هكذا كان حال عموم الصحابة والسلف؛ لأنهم يدركون أن هناك معاني لابد وأن تمر يومياً على الذهن، خاصة تلك المعاني التي تتحدث عن تفاصيل الدار الآخرة؛ لأنها تعيد توجيه البوصلة كلما انت انحرفت عن المسار يميناً أو شمالاً، كلما انشغلت بالدنيا وضعت عما ينبغي أن يكون، تاتي هذه الآيات وهذه المعاني القرآنية لتذكرك أيها الإنسان: انتبه ترى أنت عم تبعد عن الخطّة المرسومة لك، أنت عم تخرج عن السطر، أبعدت النجعة، فتعود تلك الآيات ترتب الأولويات، ترتب الأفكار في حياة الإنسان المؤمن.

ومن هذه السور سورة الغاشية، ولاحظ أنها أتت بعد سورة البروج وسورة الطارق. سورة البروج التي كانت تتكلم عن كيد الكافرين بالمؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾، أيضا سورة الطارق في ختامها: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾. فالكلام عن كيد الكافرين، ثم تاتي سورة الأعلى لتخبرك أنهم مهما كادوا ومهما فعلوا وفتنوا المؤمنين والمؤمنات فإن الله هو الأعلى، الأعلى ذاتاً، الأعلى قهراً، الأعلى قدراً سبحانه وتعالى. وكما أيضا نبهنا، والاعلى مطلبا، فينبغي أن يكون الأعلى حتى في مطلوبات في هذه الحياة الدنيا، ينبغي أن يكون ما هو أعلى مطلوب الله سبحانه وتعالى، فكما أنه الأعلى قدراً ينبغي أن يكون الأعلى مطلبا للمؤمن: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ الأعلى من كل هذه الجهات. ثم ختام سورة الأعلى ختمت بقضية التذكرة: ﴿سَيَذَّكَرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾. طبعا هي لما أولا قالت: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى * وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾، جاء الأمر بوظيفه الداعية إلى الله سبحانه، وظيفه المسلم مع أهل مجتمعه: ﴿فَذَكِّرْ﴾. هذه وظيفه الإنسان في مرحله الاستضعاف، وظيفه الإنسان في مرحله الاستضعاف ما هي؟ الله عز وجل في سورة الأعلى والغاشيه لم يقل له فجاهد بالسيف. ماذا كان في مرحله الاستضعاف؟ ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾. هي ستاتي معنا في الغاشية وفي سورة الأعلى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾. تمام، وعرفنا لماذا قال إن نَفَعت الذكرى؟ وانه ما مسارات الناس في قبول تذكرتك لهم؟ في هناك اناس سيقبلون على هذه التذكرة وينتفعون بها، سيتذكر من يخشى، وهناك اناس اشقياء النفس، هؤلاء سيجنبون مجالس الوعظ والعلم والتذكرة فلن ينتفعوا بتذكيرك، وهكذا هي الحياه. وعلى الداعي أن يتقبل، عليك أن تتقبل، ليس كل الناس سيكون حولك أي داعية، هناك خصوم له في رحلته الدعوية وفي تذكيره: ﴿سَيَذَّكَرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾، فهذه جاءت سورة الأعلى في ختامها لتنبه على وظيفه المؤمن.

يعني لاحظ الكلام عن فتنه الكافرين للمؤمنين في سورة البروج والطارق، التذكير في بدايه سورة الأعلى أن الله هو الأعلى سيبقى مهما كادوا ومهما فعلوا، فتجيء أنت في نهايه سورة الأعلى: طب إيش انا وظيفتي ضمن بوتقة أن الله هو الأعلى؟ أنت وظيفتك يا أيها المسلم: ﴿فَذَكِّرْ﴾، خاصة في مرحله الاستضعاف؛ لأنه نحن نتذكر أن سورة الأعلى هي في أي مرحله؟ في المرحلة المكية، عندما كان الصحابه لا يستطيعون المواجهه العسكرية. في سور أخرى أصبح هناك أمر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ صحيح صلى الله عليه وسلم جاهد، فصار هناك سقف أعلى مطلوب. لكن أنت في مرحله مكة عندما يكون المؤمنون في حاله استضعاف، أنت ما راح تقول له جاهد الكفار بالمعنى الجهاد الاصطدام المباشر، ستقول له: اذكر؛ لأن هذه هي المساحة التي يستطيع أن يعمل بها. وهذه التذكرة، كما أقول، سيكون لك من ينتمي إلى هذه التذكرة ويسمعها، وهناك من سيعارض.

فتأتي سورة الغاشية -يعني بعد أن ختمت سورة الأعلى بالوظيفة أن الله أعلى، لكن أنا وظيفتي أبقى مذكّراً- تأتي سورة الغاشية في مطلعها لتبيّن أن هذا الأشقى الذي تجنب التذكرة ماذا سيكون حاله في الدار الآخرة. لأنني دائماً أُحاول أن أرسم الخط الواصل بين السور؛ ختمت سورة الأعلى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾، تفتتح سورة الغاشية ببيان المسارات الأخروية، هذا الأشقى الذي رفض التذكرة ووقف في وجه الدعوة ماذا سيكون حاله؟ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾. لكن ذلك الموفق الذي يخشى في الدنيا -ولاحظ يعني لما قلت سيتذكر من يخشى الذي كان عنده خشية في الدنيا- ستكون: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾. فكأن سورة الأعلى ختمت بذكر المسارات في الدنيا، وافتتحت سورة الغاشية بذكر المسارات في الآخرة. فافتتاح سورة الغاشية هو تكملة لختام سورة الأعلى.

ولذلك قلنا: كان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه في صلاة الجمعة وفي صلاة العيدين يقرأ سورة الأعلى وبعدها سورة الغاشية، أنه في هناك تناسب ملحوظ بينهما. كأنك في الركعة الأولى -أليست هذه هي السنة إخواني في المذاهب أن صلاة الجمعة ماذا يقرا الإامام؟ الأعلى والغاشية، كذلك في صلاة العيد الأعلى والغاشية- كأنك في الركعة الأولى تعطي جزء المشهد الأول: علو الله في الدنيا، وختام السورة بأنك تذكر وعندك هناك من سيتبعك وهناك من سيقف ضدك. تأتي سورة الغاشية لتكمل المشهد تماماً في الركعة الثانية، تكمل المشهد: طب هذا الذي انتفع من الذكرى ماذا سيكون مصيره في الدار الآخرة؟ وذاك الأشقى الذي تجنب ماذا سيكون مصيره؟

فأول ما يقرع أذُنك في سورة الغاشية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وهذا مهم تربطه مع نهاية سورة الأعلى: ﴿سَيَذَّكَرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾. طيب بعدين، اه، لازم نبتدئ الآن بسورة الغاشية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. هذه طبعا هذا سؤال كأنه يستفز الأذهان، هذا السؤال هو ليس سؤالاً حقيقياً، هذا سؤال عند العرب سؤال يستفز فيه ذهنك ويجعلك تترقب الشيء المهول القادم: هل أتاك حديث الغاشية؟ سمعت عن هذا الموضوع في يوم من الأيام؟ لأنه حديث مرعب مخيف. فالله سبحانه وتعالى أتى بابتداء سورة الغاشية بهذا الإعمال للذهن واستفزاز الذهن لينتبه؛ اه، إذاً الظاهر أنه حديث مرعب، حديث مهيب. نعم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ إلى آخر الآيات التي وصفت الكافرين والمعرضين عن التذكرة، وفي المقابل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.

ولاحظ أنه دائماً عندما يتحدث عن مصير المؤمنين والكافرين يتم التركيز على منطقة الوجه. في سورة عبس ماذا قال؟ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾. كذلك مثلاً في سورة يونس: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾، لكن في الذين: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾. فدائما هناك تركيز على الوجه؛ لأنه الوجه كأنه هو وجهة الإنسان في الحياة، يعني وجهك هو المنطقة الأساسية فيك والذي يمثل وجهتك واختياراتك في هذه الحياة الدنيا، فدائما يركز على نعيم الوجه وعلى عذاب الوجه. وإن كان الوجه في النهاية هو ينبئ عما سيحصل لسائر الجسد، لكن وجهك هو وجهتك التي اخترتها في الحياة الدنيا، فلذلك دائماً تركيز على نعيمه بالتحديد أو على عذابه بالتحديد، يعني على تفاصيل وجهه.

يعني أنت كيف بدك تعرف أن الإنسان هذا سعيد أو غير سعيد؟ تطلع على إيده ولا على رجله؟ على إيش تطلع؟ تطلع على وجهه. الوجه هو العنصر الذي يبين حالة هذا الإنسان. أنت لما تقابل أخوك كيف تعرف أنه غضبان ولا فرحان؟ أكيد مش من إيده ولا من رجله، ستعرف ذلك من وجهه. فالوجه هو الذي يعبر عن حالة الإنسان من حيث السعادة ومن حيث الشقاء، من حيث التعاسة ومن حيث النعماء، فالوجه هو النقطة الأساسية في الجسد، فلذلك يركز دائماً على تفاصيله. عموم القرآن يركز عليه؛ مقعين مقنعي رؤوسهم ستجد أن القرآن عادة ما يركز عليه؛ لأنه هو الذي ينبئ عن الحالة النفسية التي يمر بها الشخص أمامك. فهنا بدأت سورة الغاشية ببيان الحالة النفسية التي يمر بها من تجنب التذكرة، والحالة النفسية التي يمر بها من سمع التذكرة وسعى معها.

قال سبحانه وتعالى: وين الشيخ معاويه؟ طيب واحد من المشاغ بدور على الأخ. يلا يلا شيخ روح روح بسم الله. اليوم الشيخ معاويه مش موجود. يلا الله يرضى عليك. بسم الله اللهم يسر وابدأ بقراءة المقاطع الأول من السورة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: 1-7].

تمام، هذا هو المقطع الأول، ويتكلم عموماً عن من تجنب التذكرة كما قلنا، وسيجنبها الأشقى في ختام سورة الأعلى. هذا الذي تجنب التذكرة وتجنب مواطنها ووقف في وجهها، هذه الحالة النفسية هي التي ستكون له في ساعة يوم القيامة وفي عرصاتها. أبدا بشرح الآية الأولى: نعم، هل بمعنى قد؟ طبعا هنا النسفي رحمه الله عليه هو يسير مع الزمخشري في أن هل تاتي بمعنى قد في اللغة، هذا وجه اختاره الزمخشري وفسر فيه هل التي ليست للاستفهام في هذا المكان. لكن حقيقة أنا اعتقد أنها ليست هل بمعنى قد، أكثر من كون هل اتاك حديث الغاشية استفهام أريد به استفزاز الإنسان وادخال الخوف عليه، إدخال الخوف عليه ليعرف أن هذا يوم مهول، خاصة أنه تم اختيار اسم الغاشية، اختير ليوم القيامة هنا اسم ماذا؟ الغاشية. والغاشية كما قال لكم الشيء الذي الداهية والمصيبه العظيمة التي تغشى الإنسان ولا يعرف كيف يخرج منها، تمام؛ لأنها غشيت غطت.

فالمراد بالغاشية في أصلها الداهية العظيمة التي تحيط بك من كل الجهات تسمى ماذا؟ غاشية. فسمّى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة غاشية؛ لأنه فيه داهية عظيمة ورزية كبيرة تنتظر الإنسان، وإنما يشقى فيه من كان شقياً في الدنيا، فقال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. أقرأ: الداهية، قد أتاك حديث الغاشية، الداهية التي تغشى الناس بشدة أيدها وتلبسهم أهوالها. يعني القيامة هو اسم ليوم القيامة، وقيل النار، البعض قال إن المراد بها النار، ولكن الأكثر على أن المراد بالغاشية هنا القيامة، خاصة أنه سيقسم أهلها إلى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾ و﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾، فالاقرب أن تكون والله أعلم اسم من أسماء يوم القيامة. نعم، وقيل النار من قوله وتغشى وجوههم النار، ولكن الأول أظهر والله أعلم. ﴿وُجُوهٌ﴾ أي وجوه الكفار، وإنما خص الوجه؛ لأن الحزن والسرور إذا استحكم في

المَرأة أثر في الوجه، كما قلنا. المشاعر الإنسانية أين تظهر؟ في الوجه، وليس في اليد، ولا في البطن، ولا في الظهر، وما شابه ذلك. فلذلك خَصَّ نعيمه وعذابه في مواطن كثيرة من القرآن؛ قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ * خَاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: 2-3]. وجوه يومئذٍ خاشعة، ذليلة؛ لما اعترى، أُغشيت يومئذٍ غشيت، يعني قال: هل أتاك حديث الغاشية؟ وجوه يومئذٍ، يعني يوم الغاشية؛ في ذاك اليوم ستكون هناك وجوه خاشعة.

والخشوع هنا ليس خشوعاً محموداً، بل هو خشوع العذاب. مَنْ خشع في الدنيا اختياراً سُرَّ في الآخرة، وأما من كان في الدنيا متكبراً على الوعظ، متكبراً على التذكرة، دائماً شايف حاله زي ما بنحكي ورافع راسه، أنه أنا أكبر من أن أُصنَح وأن أخضع لهذا الإله؛ يعني الجزاء من جنس العمل، أليس كذلك؟ أنت كنت في الدنيا ترى نفسك أعلى من أن تُنصَح وتُوجَّه وتخضع للشريعة الإلهية، متكبِّراً عن العبودية، فكان لابد وأن يُذل وجهك يوم القيامة. فهذا الخخشوع ليس خشوعاً ناتجاً عن رقائق وإيمانيات، بل هذا خشوع يوم القيامة، وهذا خشوع ذل وعقوبة لهذا المتكبر.

فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾، من الخزي والهوان ذليلة، نعم؛ ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: 3]، تعمل في النار عملاً تتعب فيه، وهو جرُّ السلاسل والأغلاق، وخوضها في النار كما تخوض الإبل في الوحل، وارتقائها دائبة في صعود من نار وهبوطها في حَدُور منها. وقيل: عملت في الدنيا أعمال السُّوء وألِفتها وتَنَعَّمَتْ، فهي في نَصَب منها في الآخرة. وقيل: هم أصحاب الصوامع.

ومعناه أنها خشعت لله وعملت ونصبت في أعمالها من الصوم الدائب والتهجد الواصب. تصبَّرْ، لا لا، خلِّنا هنا الآن. عامِلة ناصبة، حقيقة فيها العديد من الأفكار التي يمكن أن يُفكر فيها؛ ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ واضح أنه هناك خلاف بين المفسرين أن هذه عاملة ناصبة، هذا النصب هل هو في الدار الآخرة أو في الدنيا؟ قال: عامِلة ناصبة، طبعا النُّصُب ما هو؟ والتعب صحيح. النُّصُب هو التعب، فقوله سبحانه: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾، أي متعبة.

أي هذا التعب، هل هو تعب في الآخرة في عذاب جهنم؟ وهذا بالتأكيد يعني أحد الاحتمالات القوية؛ لأنهم يتعبون في نار جهنم. أم هناك المراد الإشارة إلى تعبهم في الدنيا في مواجهة أهل الحق والمؤامرة ضدهم والحي... يعني ليلاً نهاراً، ودفع الأموال والجهود من أجل الصد عن ذكر الله سبحانه وتعالى وعن الصلاة، وهذا أيضاً أحد أشكال النُّصُب؛ يعني حتى وأهل الباطل يقفون في وجه أهل الحق هم ينصبون ويتعبون، فكل هذه المؤسسات الكبرى التي يصنعونها ليلاً ونهاراً، أجهزتهم واستخبارات ويرصدون وط... هذا تعب تمام، ويحتاجون إلى أموال، وقد يصيبهم أهل الإيمان وقد يقتل منهم، وليس هذا كله من التعب؟ فهذا الشقي هو شقي في الدنيا، عاملة ناصبة في الدنيا، ومع ذلك ماذا قادت نتيجتها في الآخرة؟ زيادة التعب والعذاب الشديد. فالمسكين هو حتى في الدنيا لم يتلذذ، يعني هو يتصور أنه بمواجهته للحق سيكون في راحة دائمة، لا؛ هو أنت في الدنيا عامل ناصب في مواجهة الحق، وفي الآخرة أيضاً عامل ناصب في نار جهنم.

ولذا، وأحياناً يعني لاحظ هنا لما فسرها التفسير الأخير قال: هم أصحاب الصوامع. شوف التفسير الأخير؛ أنه أصحاب الصوامع من هم؟ الرهبان، تمام. الرهبان اللي اليوم مبسوطين وعندهم اليوم احتفالات، هؤلاء الرهبان هم يظنون أنهم يحسنون صُنْعاً، واعتزلوا الناس ترهُّباً لله ونصرة للمسيح بن مريم وما شابه ذلك، وعايشين هذه الأجواء وعم يتعب؛ يعني هو معتزل وانه هو أب داخل كنيسة وعايش حياته، بتعرف عندهم في طقوسهم لازم ما يتزوج وينقطع عن الدنيا ويبقى داخل الصوامع طول حياته ممثلاً للدين وما شابه ذلك. طب هو هذا تعب، أنت متعب حالك داخل الصوامع، ممنوع من الزواج وممنوع من أشياء كثيرة، وتعيش حياة متعبة وتخضع لعبوديات معينة، طب بعدين في الآخرة المصيبة بتنتظر أكبر، تمام. فهو تعب في الدنيا عن جد تعب، منعوهم من الزواج ومنعوا من كل شيء وتعبان؛ كما: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]، ويوم القيامة في نار جهنم خالد مخلد فيها أبداً.

فالحقيقة قوله: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾، هذه تصدق على الدنيا كما تصدق على الآخرة؛ فأهل الباطل عاملون ناصبون في الدنيا، حتى في الدنيا تعبان حتى وهو يواجه الحق هو تعبان. وإذا ما واجه الحق ولكنه ملتزم بطقوس دينه، يعني أحياناً حضرتُ مرة فيلماً عن البوذيين أو مناطق هيك في الهند والصين وما شابه ذلك، الرجل مطلوب منه يمشي ستمئة كيلو كان، وكل ما يمشي متر لازم ينزل على الأرض يعمل زي ضغط ويقوم، بس يعني الضغط هذا جزء من مراسم الدين أنه لازم يعمل ضغط ويرجع يقوم، بعدين يمشي كمان مترين، إخواني يعني فعلاً... فمشى تقريباً يعني مشى دولة كاملاً وهو مشياً على أقدامه، كل مترين لازم ينزل يعمل ضغط ويوقف، فبحكي: سبحان الذي منح الإسلام نعمة الإسلام العظيمة! هذا الإنسان بوذي ولا هندوسي ولا هذا، وعنده هذه الطقوس يمشي ها المسافة الطويلة يقطع بلد كامل حتى يطلع جبل معين، خلص هذا الجبل بقمته بيعتقدوا أنه في قداسة معينة نزلت على قمة هذا الجبل.

أقول: هذا الشقي المسكين عاملة ناصبة، تعب حاله في كل هذا المشوار مشان يوصل لقمة معينة في جبال الهند، وفي الآخرة خالد مخلد في نار جهنم، يعني في حال الحجة الرسالية قامت عليه عموماً، بس أنه هي نار تنتظرك. فعندما تنظر في حال الكفار فعلاً، سواء من كان منهم من أصحاب المال ولا من كان منهم من هؤلاء؛ يعني عاملة ناصبة، متعب حاله في الدنيا، ولكن في الآخرة الذي ينتظره ليس الراحة، الذي ينتظره الشقاء بعد الشقاء بعد الشقاء. فهنا تحمد الله على نعمة الإسلام؛ الإسلام أولاً التي جاءت تكاليفه هادئة، لا يوجد فيها تحميل الإنسان ما لا يطيق، وكلها في مساحة الممكن وسقف الممكن، ويُتبِع من عمل به ماذا؟ السعادة الأبدية في جنات النعيم؛ فأنت في راحة في الدنيا وراحة أعلى منها في الآخرة.

الحمد لله على هي المعتقدات، الحمد لله على تكاليف الإسلام، الحمد لله على نعمة أنك من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، فأنت في الدنيا متنعم بالعبادات، متنعم بالطاعات، لا تشعر بالنُّصُب والارهاق في المحافظة على الصلوات الخمس وقراءة القرآن، بل بالعكس تصبح بالنسبة لك هي لذة الدنيا وقرة العين هذه الأمور، وفي الآخرة النعيم المقيم الذي سياتي معنا بعد قليل؛ فأنعم بها من حياة! وأما الكافر فالله عز وجل يعني يجعل يريدك أن تنظر إلى حاله ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾، تعبان في الدنيا عامل ضد الاسلام، ويتأمل وخايف على نفسه أن يأتي مسلم يقتله ويعني هو مش مرتاح وتعبان، وكذلك في الآخرة ما ينتظره من التعب والنصب أعلى وأعلى؛ فتحمد الله على نعمة الهداية للدين، تحمد الله على نعمة الاصطفاف مع أهل الحق، تحمد الله على نعمة اصطفافه مع أهل الحق وأنك لست من اصحاب الوجوه الخاسرة الخائبة الذين اصطفوا مع أهل الباطل في الدنيا، فلا هم ذاقوا لذة الدنيا ولا عاشوا كما ينبغي، ولا هم سيذوقون لذة الآخرة، وهذه قمة الكآبة والشقاء! فإذاً ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ دعونا نفسرها بما يشمل الدنيا والآخرة؛ عاملة ناصبة في الدنيا، وعاملة ناصبة في جهنم والعياذ بالله.

طيب؛ ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: 4]، تدخل ناراً قد أُحمِدَ مدداً طويلاً فلا حر يعادل حرها، أسأل الله العافية! إذاً وصف النار يعني هي النار بحد ذاتها حامية، فلما يصفها بأنها حامية، يعني لو أقول لك تصلى ناراً وسكت، طب النار أصلاً مش هي موضوع طبيعي حامية؟ فلماذا وصفها بأنها حامية؟ هو في نار باردة حتى نقول والله تصلى ناراً حامية؟ إذاً هذا يدل على أن النار تنقسم؟ هناك نار باردة وهناك نار حامية؟ لا، طبعا النار دائماً هي حامية، ط لماذا وصفها؟ فهمتم الآن السؤال؟ هل هنا في قيد مفهوم المخالفة معتبر؟ هل هناك نار باردة فأراد أن يبين لا، أنه هي النار مش النار الباردة هي النار الحامية؟ النار بطبيعتها حامية، فوصفها بأنها حامية هذا تأكيد بعد تأكيد له. أنت بمجرد أن تسمع نار خلص أنت متصور أنها حامية، قضية تصبح النار برداً وسلاماً هي معجزات أليس كذلك لسيدنا إبراهيم، لكن في الوضع الطبيعي أن النار هي تعطي حرارة، فإذاً لماذا عاد فوصفها بأنها حامية؟ ليعطيك مدى تناهٍ في الحرارة، تمام؛ يعني أنها نار مش حامية الحمي الطبيعي، بل حُمي غير طبيعي غير معتاد لكم. ولذلك نار الآخرة أو نار الدنيا عفواً هي جزء من سبعين جزءاً من نار الآخرة، فمقدار الحمي في نار الدنيا هو جزء من سبعين جزءاً من نار الآخرة، فاذا حق لها أن توصف بأنها حامية.

نعم، سلام ورحمة؛ قال تصلى أبو بكر وأبو عمرو إذاً في هناك خلاف بين القراء تصلى وتُصلى. ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: 5]، من عين ماء قد انتهى حرها، والتأنيث في هذه الصفات والأفعال راجع إلى الوجوه والمراد أصحابها، بدليل قوله: ليس لهم طعام إلا من ضريع، تسقى من عين آنية؛ أعاد ذلك أيضاً إلى الوجوه، ما هي التي تسقى؟ الوجوه، خاصة أن الفم أين موجود؟ في الوجه، فشيء طبيعي أيضاً أن يُعاد الضمير إلى الوجه؛ تسقى تلك الوجوه من عين آنية، من عين... عين ماء، تعرفون العين عين ماء، لكن ما هذه العين آنية؟ أي ينتهي حرها، شديدة الحرارة والعياذ بالله. فإذا قال في الآية الأولى تصلى ناراً حامية، فأنت في حمي النار الآن، الواحد بتصور أنه ماشي النار حامية، لكن يمكن ياتي ماء هيك شوي يبرد الاجواء، تجد أنه حتى الماء الذي ستشرب سيكون من عين أيضاً شديدة الحرارة، كله حرارة بعد حرارة بعد حرارة، وهذا والعياذ بالله قمة الشقاء فعلاً ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ في الدنيا وفي الآخرة.

نعم قال طبعا والتأنيث في هذه الصفات يعني تسقى من عين آنية تصلى، إنما نسب إلى الوجوه والمراد أصحاب الوجوه، الكفار أصحاب هذه الوجوه، فالكلام عنهم باعتبار ذواتهم، وإنما خَصَّ الوجه كما قلنا لأن عليه تظهر مظاهر الشقاء والسعاده. طيب، وبعد ذلك ملاحظ ماذا قال بعد ذلك؟ أصبح يتكلم عنهم باعتبار ذاتهم جميعاً ليس باعتبار الوجه فقط، قال سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: 6]. ولاحظ الحصر، طبعاً هذا حصر نسبي؛ لأنه سياتي في آيات أخرى أن لهم زقوماً وما شابه ذلك، لكن في هذا المقام ليس لهم طعام إلا من ضريع. هذا الحصر المراد يعني لا تتصور أن يكون لهم طعام يتنعمون به، لمن ظن أن هناك بعض الأطعمة في النار يمكن أن يتنعم بها، أقول لك لا، لا تتصور أن هناك طعام سيتنعمون به، ليس لهم طعام إلا من الضريع، ولا يوجد نوع آخر من الأطعمة التي يتنعم بها في الجنة في النار.

فالمهم والضريع ما هو؟ قالوا: الشِّبرِق، وقيل هذا الشبرق هذا كله شوك، نبت من نبات البادية يعرفه العرب، يعني الضريع هي نبته يعرفها العرب وتسمى الضريع، قالوا لأن من ياكل منها يتضرع ويصرخ حتى في الدنيا، نبته في البادية فيها شوك وإذا دخلت على الأمعاء قطعت الأمعاء والاوصال والذكية، نسال الله العفو والعافيه، فصاحبها يصرخ إذا أكلها من شدة ألمها في الأمعاء. فالله يقول: هؤلاء ليس لهم أن يظنوا أن هناك طعام يتنعمون به، لا، لا، لن يتناولوا إلا ما كان على شاكلته الشبرق، وهو طعام شوكي يقطع الأمعاء.

إذن يابا قال الشبرق إذا يَبِسَ يسمى ضريع، وهو نُبت لرطب يقال الشبرق، فإذا يَبِسَ اصبح اسمه ماذا؟ ضريع، طبعا رطبه يعني لما يكون أخضر قبل ما ينشف، إذا اصبح يابساً إذا نشف اصبحت العرب تسميه ضريع، يقول هنا وهو سم قاتل، البعض قال هو فيه سم، البعض قال لا، هو يقطع الأمعاء تقطيعاً. المهم واضح أنه يعني شيء متعب منهك.

قال: والعذاب ألوان، والمعذبون طبقات؛ فمنهم آكلة الزقوم، ومنهم آكلة الغسلين، ومنهم آكلة الضريع. هذا توجيهه لبعض المفسرين يقول إن الله سبحانه وتعالى ذكر أطعمة متعددة لأهل النار، ففي سورة ذكر الزقوم، وفي سورة ذكر الغسلين، وفي سورة ذكر الضريع. البعض قال هذا على حسب حالهم، فهناك من سيكون طعامه كذا، وهناك من سيكون طعامه كذا. البعض يقول لا، هي أطعمة مختلفة يأكلونها في أوقات مختلفة، نفس الفئة نفس الطائفة هي تأكل مرة الزقوم، تأكل مرة الضريع، تأكل مرة الغسلين.

فإذاً هناك خلاف هل هذه الأطعمة المختلفة بسبب اختلاف طبقات الكفار ومحاربتهم للدين؟ أو هو نفس الطبقات من الكفار، نفس الطبقه ينوَّع لها؟ بس شو هذا التنوع كله أسوأ من بعضه البعض؟ يوم أعطو... بجيبوا لك الملائكه زقوم، اليوم الثاني بجيبوا لك الملائكة ضريع، اليوم الثالث بجيبوا لك غسلين، أنت بتصور أنه طعام جديد، فإذا أنت تتفاجأ أنه أسوأ من الذي قبله، نسال الله العافيه.

نعم، ولا تناقض بين هذه الآيات وبين قوله: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: 36]، هو لماذا ذهب البعض إلى أنها طبقات؟ لا، لمفهوم الحصر؛ أنه لما قال: ليس لهم طعام إلا من ضريع، طب البعض سيقول: طب ذكر في سورة أخرى الزقوم، ذكر في سورة أخرى، فلماذا حصر هنا أن طعامهم فقط الضريع؟ أنا أعتقد أن هنا يمكن أن يفهم الحصر بوجه آخر، أنه ليس المراد الحصر في الضريع وعدم شمول طعامهم للزقوم وما شابه، وإنما الحصر في مقابل من يظن أنه يمكن أن يكون لهم طعام ينعمون به، فأقول: ليس لهم طعام إلا من ضريع.

لا يوجد طعام ينعمون به، لكن لم يقصد الحصر، أنه لن يكون إلا من ضريع هو الحصر باعتبار أنه قد يتصور المقابل أنه هل هناك طعام يتنعمون به وطعام يشقون به؟ فكأنه قال: لا، ليس لهم إلا طعام يشقون به، ذكره الضريع في مكان آخر، ذكر الغسلين في مكان آخر، ذكر الزقوم، وهناك احتمال آخر، يعني هو يرى أن هنا سورة الغاشية تتكلم عن صنف معين فعلاً، ليس لهم إلا الضريع، السور التي تكلمت عن الغسلين ليس لهم ولا طعام إلا من غسلين، تكلمت عن صنف آخر، وهذا احتمال يعني من الاحتمالات الواردة.

المهم سواءً على هذا الفهم أو على هذا الفهم نحن نتكلم عن حالة تعب حتى في الطعام، والإنسان إذا أراد أن نتكلم ما هو قوت الإنسان طعامك وشرابك يعني هذه قوام حياة الإنسان، فالله سبحانه وتعالى ما أخبر عن شرابهم ماذا قال؟ من عين آنية، ولما أخبر عن طعامهم ماذا قال؟ من ضريع، طيب قوام الإنسان طعام وشراب، وهذا حالهم في النار، إذا كان الطعام والشراب وهو قوام الإنسان سيكون من ضريع ومن عين آنية، ل في هناك أيضاً أسباب أخرى لم يتحدث عنها القرآن من أهواله، يعني الحاجات الأساسية هذا وضعها ضريع وعين آنية، طيب الحاجات الثانوية ستترك ليوم القيامة، ليس كل شيء أخبر الله عز وجل به عن هول نار.

لذلك كل ما يفعله الكفار في الدنيا لما تأتي يوم القيامة سترى العدل الإلهي حاضراً، لما ترى ما يفعلون بالمؤمنين وقتلهم لأهلنا وإخواننا وو... وعندما ترى حجم العناء والشقاء الذي أعد لهم في النار ويشفي صدور قوم مؤمنين كن واثقاً أنك ستوqr تقول يعني هاي النار لهم زيادة يعني تمام، يعني لو أنهم عاشوا في الدنيا يفتنون المؤمنين ويقتلونهم وماتوا ولم يصابوا بشيء في الدنيا، ثم رايت حالهم في نار جهنم ستقول إنه جهنم يعني وزيادة يعني كمان تمام عليهم، مما يدل على ماذا؟ على أن الإنسان الموحد اخواني لا يشعر باليأس والاحباط، ولا تختل عقيدته عندما يرى العذاب الذي يسلطه الكفار على المؤمنين ويبدأ يقول أين الله سبحانه؟ لأنه محكمة يوم القيامة محكمة مرعبة، غاشية، محكمة مرعبة، والدنيا بمعيار الآخرة لا تزن عند الله جناح بعوضة، هي لحظات الدنيا لحظات سريعة تذهب تمام.

وذاك الرجل الذي قتل أو استشهد أو أو أو اعتقل أو ما شابه ذلك شيء سريع عابر وانتهى مهما كان شيء سريع حصل فيه ألم وانتهى، لكن محكمة يوم القيامة وعذاب يوم القيامة خلود أبدي لا ينتهي في الشقاء الدائم، عاملة ناصبة والعين الآنية وال... وخلود، فهون كن واثقاً أن يوم القيامة فيه شفاء لقلب المؤمن، وأن الدنيا رحلة قصيرة مهما حصل فيها من العناء للموحدين، مهما حصل فيها من الآلام من الاتعاب فهي لا شيء مقارنة الدار الآخرة، فهذا يزيد الإنسان ثقة ولا يصاب بالاحباط أو القنوت أو يتشكك في وجود ربه أو يقول أو صارة 100 سنة اليهود، أو بالنسبة ليوم القيامة في المعادلات الرياضية شو 100 سنة؟ شو 200 سنة؟ هذا رقم زيرو لا يحسب بالنسبة للخلود الأبدي في نار جهنم، فأنت امشي وأنت واثق في الحياة الدنيا ما تكون متذمر عن تاخر النصر عن العذاب الذي يتعرض له الإنسان المؤمن في طريق نصر هذا الدين، ما هي هكذا دنيا قصيرة وتنتهي مهما كان فيها من العناء، لو جلست العذاب 200 300 400 سنة مقارنة بالخلود الأبدي في نار جهنم لا شيء لا شيء بالمقارنة.

لكن لأن أغلب الناس يريد نصر سريع ويريد أشياء محسوسة سريعة ومش قادر يتصور بعد الدار الآخرة وكم هي خلود أبدي، فمباشرة بيصير عنده تشكيك في قلبه الثقة بربه وحسن الظن بالله، أن الله ناصر عباده، الله عز وجل سبحانه وتعالى له حكم عظيمة لو تأخر النصر 200 و300 سنة، خلال 300 سنة تتحقق حكم لله كثيرة في هذه البقعة وفي هذه البقعة وفي هذا المكان وفي ذاك الشخص وفي تلك الشخص، فأنت لا تبقى يعني تنتظر فقط النتيجة النهائية، حتى لو وصلت إلى نتيجة النصر سنعود من جديد نبدا ملف آخر، انه هكذا حال الأمة تصل إلى النصر ثم تنزل وتحدث خلافات، وثم نعود وهكذا تاريخنا أصلاً، لأن الله سبحانه وتعالى هكذا أراد أن تكون الحياة الدنيا هي صراع بين الحق والباطل لا ينتهي، يعني ما فيش مرحلة خلص الحق ينتصر وتتوقف الحياة الدنيا لا لا، إذا انتصر الحق ووصل إلى قمه الهرم رح تبدا الانحدار وسنبدا ندخل في مناوشات وو... ثم يخرج لك رجل من أهل الباطل يهيمن على على أهل الحق مرة أخرى، وبده يصير أهل الحق مطالب منهم أن يقاتلوا ويقاوموه، ثم بعد مثلاً 200 300 سنة ينتصر أهل الحق ونعود على القمة، ثم يخرج لهم شخص جديد، هي هكذا الحياة.

فأنت عليك أن تفهم طبيعة الدني طبيعة الكون ووظيفتي أنا في هذا الكون، فذكر في مرحلة معينة وفي مرحلة أخرى جاهدوا، عندك مراحل في حياتك بدك تعرف شو وظيفتك في كل مرحلة وتتعامل على ضوئها، هكذا الإنسان المؤمن يكون واضح في مسألة مطمئن ربه، فاهم طبيعة الكون، وليس كغيره من الناس، أوراقه دائماً مبعثرة دائماً بعلق دائماً بينتقد دائماً بيتكلم دائماً بولف دائماً مش عاجبه شيء في الحياة الدنيا، ليس هكذا المؤمن، هو فهم الكون، فهم عجلة الحياة، فهم وظيفه ضمن هذه المعادلة العظمى للكون، فيسير مطمئناً يخدم دينه يخدم أمته خلص والنتائج بعد ذلك ستاتي عندما يختار الله أن تأتي.

نعم قال لا يسمن مجرور المحل لأنه هو وصف ضريع ولا يغني من جوع أي منفعة الغذاء منتفيدو وإفادة السمني في البدن ن هذا الضريع، أي أولاً الله عز وجل يعني بمجرد أن تسمع أنه ضريع بحد ذات الضاد والراء والياء والعين بتعمل كركبة في ذهنك صحيح، يعني حتى اسمه مؤلم تمام، وهذا من مناسبة الألفاظ للمعاني، اسمه ضريع لحالها الضاد والراء والياء والعين كصوت بتعمل لك كركبة، يعني أنت مش شاعر أنه حتى الكلمه مريحة تدل على ألم هي كلمة مؤلمه.

نعم آه يعني هي كل أحرف من حيث علم التجويد الضاد والراء والياء والعين بحد ذاتها متعبة، فما بالك تسمع أن الطعام هيك اسمه، فانت بحدك رح تتشاءم بس بمجرد تسمع اسمه أنه ضريع، ثم ستتشكك أنه لن يحصل المرجو من الطعام، الإنسان لماذا يأكل طعاماً عاماً؟ إما ليسد جوعه وإما ليسمن إذا كان نحيلاً تمام، يعني ممكن واحد شبعان بس بياكل زيادة مشان ايش يسمن وينصح، فيقول لك هاتان الفائدتان للطعام ليستا موجودتين في الضريع، فهو لا يسمن يعني ما بخليك سمين، ولا يغني من جوع، طيب أنا بديش أسمن يا شيخ أنا بدي بس أسد جوعي، حتى الجوع لا يسده تخيل، يعني كان فائدة الطعام الآن الطعام ما فائدة هنك على الأقل تشبع مشان هيك أنت تأكل حتى هن الفائدة انسحبت منه، فهو اسمه طعام شكلياً اسمه طعام شكلياً لكن مضمونا لا فائدة منه، لأنه الطعام المطلوب من أن يسد جوع الإنسان، فإذا كان لا يسد جوعي ولا يعطيني ثمن إذا ما فائدة أنه اسمه طعام؟ هو اسمه طعام من حيث الشكل، لكن من حيث المضمون سحبت الفائدة، مثل الشراب كذلك، هذا الشراب تسحب منه فائدة الر.

فهذه معاناة أهل النار شوف فعلاً عاملة ناصبة، شوف معاناة أهل النار، إذا كان عطشان بده شراب يؤتى بشراب لا يعطي فائدة الشراب لا يروي، وإذا كان جائع طلب طعاماً يؤتى طعاما هذا الطعام أول شيء سيمزق الأمعاء، ثم فضلاً على ذلك لا يحقق فائدة الطعام، فانت كإنسان ما الذي يجعلك تسير بحياتك باتجاه ذاك المسار؟ يعني أنت شو اللي جابرك تدخل نار جهنم بسبب عصيانك في الدنيا وعتوك على الله سبحانه وتعالى وصدك عن سبيله ووقوفك أمام الحق؟ لماذا؟ وهذا القرآن لماذا القرآن يوجه البوصة؟ لأن الإنسان المؤمن لما يسمع هي المواصفات ويفهم معنى هه الكلمات بصير حتى المعاصي والذنوب يحسب حساب لها، أنه انا فيش داعي أورط حالي ورطة زي كده ليه؟ لأنه حتى عصاة الموحدين ممكن سيدخلون النار أو قسم منهم سيدخلون النار، يعني هي النار نعم الخلود الأبدي للكفار لكن أهل كبائر أصحاب المعاصي من الموحدين قسم منهم سيدخل النار.

وإذا دخلت النار ستشارك أهل النار فترة من الزمن في ه القصص رح تشاركهم شويه في ضريع وشويه في زقوم وشويه في كذا، طب حتى يعني أنت لأنه بعض الناس لما يسمع هي الآيات بقول لك لا هاي الآيات في الكفار الحمد لله أنا موحد، ما هو برضه بعض عصاة المؤمنين سيدخلون النار حتى يتم فلترتهم بعدين يخرجوا إلى الجنة، فأنت إذا دخلت النار ستحصل شيء من هذا، لماذا تعرض نفسك لهذه المخاطر؟ لذلك استقم فاستقم كما أمرت، امشي زي ما بده رب العالمين حتى لا تضع نفسك في هذه المواقف المحرجة في نار جهنم والعياذ بالله.

أكمل قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَا فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّضْعُوفَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: 8-16]. مصوفة مضمومة تمين ضم ونمارق مصفوفة وزرابي مبث.

تمام انتقلت الآن السورة للكلام عن مين؟ عن الحالة الأخرى الذين انتفعوا بالذكرى، كما قلنا في نهاية سورة الأعلى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: 9-10]، هؤلاء الذين انتفعوا بالذكرى في الدنيا فوظفوها وساروا على استقامة وجاهدوا وكابدوا على الثبات على دين الله وقبضوا على جمار التوحيد، ماذا سيكون حالهم في الدار الآخرة؟ سترى الوجوه الناعمة، والوجوه الناعمة هي دلالة الارتياح النفسي تمام، يعني في مقابل وجوه الكفار: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: 2] الذل مبين عليهم حتى في تضاريس وجهه مبين أنه ذليل كئيب حزين، لكن المؤمن في الدار الآخرة لا رح يظهر عليه الارتياح، وجوه يومئذ ناعمة، مرتاح، النعمة مبينة في وجهه تمام، الإنسان كيف بتعرف أنه منعم؟ وجهه ناعم، يعني النعمة مبينة فيه أنه مرتاح مبسوط مش مكتئب مش حزين، وهذا يظهر على وجوههم، وجوه يومئذ ناعمة.

بعد ماذا قال؟ لسعيها راضية، شوف ما أجمل هذا التعبير القراني، يعني انسان مبسوط على اللي قدمه في الدنيا، لسعيها راضية يعني هو راضي عن أدائه، بقول لك أنا راضي عن أدائي، سيكون راضي عن ماذا؟ عن أدائه، وحتى لو دخلت الجنة حشوف حتى من نعيم الجنة أن أهل درجة الدنيا في الجنة هو لا يشعر بحسرة أنه ليس من أهل الدرجة العليا، هذا من اكتمال نعيم الجنة أن الذي في الدرجة الدنيا لا يشعر بحسرة ماذا؟ فوات الدرجة العليا عليه، هذا يمكن يمكن يشعر بالحسرة في عرصات القيامة، بس إذا دخل الجنة ذهبت، لأنه شعورك بالحسرة على فوات الدرجة العليا هذا أيضاً ألم، والجنة ما فيها ألم، الجنة لا يصح أن يكون فيها ألم بشكل من الأشكال، فأنت في عرصات القيامة ممكن نعم تشعر بألم أنك لم تكن من السابقين السابقين، لكن بمجرد دخولك الجنة بمجرد دخولك الجنة وإن كنت تعلم أن هناك وأنهم في الطبقات العليا لكن لن تشعر بألم الفوت، لأنه ألم الجنة ما بيصير يكون فيه أي ألم حتى الألم النفسي ما بيصير يكون فيها، فلن تشعر بألم الفوت.

طب من الذي سيسحب هذا الألم؟ الله سبحانه اللي خلقك قادر يسحب منك هذا الشعور وجعلك في تمام الرضا، لذلك قال لسعيها راضية، الكل سيكون لسعيه راضي، اللي في الفردوس راضي بسعيه واللي في دون الفردوس راضي لسعيه، هذا لماذا أتيت بهذا المعنى؟ لأنه قد يقول البعض: طب ممكن واحد شيخ في درجة الدنيا بس مش راضي عن سعيه قاعد في الدرجة الدنيا متحسر بقول لك أنا كان بامكاني أكون في الدرجة العليا؟ لا لا، بما دم دخلت الجنة الكل سيكون راضي عن سعيه، فهمتم لماذا لسعيها راضية؟ ستشمل جميع الطبقات، أنه الإنسان بالتاكيد لو يشوف واحد في درجة عليا ونعيمه أكثر مش را يكون راضي عن أداءه زي واحد توجيهي جاي 60 واحد توجيهي جاي 99، هس ماشي الاثنين نجحوا، الاثنين لغى دراسة في الجامعه بس رح تلاقي أبو 60 إيه مش راضي وينظر لأبو 50 بماذا؟ يعني بحسرة بتمنى أنه يكون مثله، لا في الجنة سواء أبو 60 ولا أبو 50 ولا أبو 90، خلص ما دام دخل الجنة وأصبح فيها سيرضى سيرضى.

ولا يصح أن يكون اللي في الطبقة الدنيا يشعر بألم لأنه إذا شعر بألم ما عادت الجنة دار النعيم التام، والجنة دار النعيم التام، فالحمد لله أن الكل سيكون سعيد في الجنة وما حدا عنده شعور بأي شكل من أشكال الألم بمجرد دخولها، لسعيها راضية هو راضي عن أدائه أنه كان من أهل الصلاح كان من أهل صلاة الفجر كان من أهل الجهاد في سبيل الله كان من أهل البذل كان من طلاب العلم كان يحضر مجالس الخير كان ينتفع كان بر الوالدين كان يبذل أبواب الخير كان يجاهد نفسه عن المعاصي والذنوب لم يدخل في العلاقات المحرمة لم يقتحم الأبواب المغلقة راضي تمام، أكيد في بعض التقصير ما شابه ذلك، لكن هو في المحصلة النهائية أن دخل الجنة يعني في المحصرة النهائية نجح تجوز القنطره ما كانش مع أصحاب الوجوه الذليلة، فالرضا سيتحصل الرضا عن سعيك لسعيها راضي، وهذه أعظم شيء أعظم شيء أنك يوم القيامة تحصل هذه نتيجة النجاح وأنك نجحت وأنه أدائك عند الله مقبول على ما عندك من النقص والعثرات التي لا يسلم منها الإنسان لكن في مجمل الموضوع.

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾، ثم وصف وجوه المؤمنين ولم يقل «ووجوه»؛ لأن الكلام الأول قد طال وانقطع، وكأنه أراد أن يبدأ فقرة جديدة، ولم يرد أن يعطف وجوه المؤمنين على وجوه الكافرين. يقول النسفي: اعتبر كأنه سياق جديد بسبب طول الفصل.

﴿لَّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾، أي رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب في جنة عالية من علو المكان أو المقدار. ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾، أي لا تسمع فيها لغواً أو كلمة ذات لغو. والضمير في «لا تسمع» إما أن يكون الله عز وجل يخاطبك مباشرة بقوله: «لا تسمع»، والضمير أنت؛ أي لا تسمع أنت، وفي هذا التفات، إذ كان الله يتكلم عن الوجوه ثم أصبح يتكلم معك مباشرة. أو يكون التاء في «لا تسمع» تعود للوجوه، أي لا تسمع الوجوه فيها لاغية، وهذا أقرب من جهة أن السمع يكون في الوجه، فلا تسمع الوجوه باعتبار أن السماع مكانه في الوجه. إذاً لا تسمع تلك الوجوه فيها، أي داخل الجنة، لاغية؛ أي كلام لغو، الكلام الفارغ.

أعظم ما يؤلم قلب المؤمن المستيقظ في الدنيا هو الكلام الفارغ، الكلام اللغو. الإنسان الذي يعرف قيمة الزمان وشرف الزمان، أكثر شيء يؤلمه أن ينشغل مع الناس بماذا؟ بلهو الحديث ولغو الحديث، سواء كان لغو الحديث من قبيل المعاصي مثل الغيبة والنميمة، أو حتى كان فيه شركيات وكفر، أو حتى كان لغو الحديث من الكلام المباح.

اليوم الإنسان المؤمن الموحد المستيقظ، لما يجري في المجالس العامة، يكون بصيراً ويشعر بالإرهاق النفسي. ماذا يقول الناس؟ «يا الدينار والدرهم»، «يا مصائب الدنيا»، «يا إشكاليات»، «يا خلافات»، «يا فلان زعلانة من خالتها»، «يا فلانة زعلانة من أصرينها»، «يا أبو فلان اختفوا على ورثة». يشعر بالإرهاق النفسي، هذا طبعاً المستيقظ، أما غير المستيقظ فهو مع الناس، كلامه ككلام الناس. لكن المستيقظ، كما يقول ابن الجوزي، لا يدخل في مجريات الحديث، منتبه لشرف الزمان وشرف الوقت وشرف الحياة. فبالعكس، المؤمن المستيقظ لما يجلس في مجلس ويشعر أن الكلام كله فارغ يمرض.

بأي مرض؟ يشعر: «ما هذا المجلس؟ ساعتان ثلاث من مباريات كرة قدم يسولفون عنها، أو ألعاب كمبيوتر يتحدثون عنها، أو سيارات وقطع تجارية، وبعد ذلك دنيا دنيا دنيا». ليس كلاماً لحاجة معينة، فقط الكلام من أجل الكلام لتعبئة ساعات الوقت. هل والله يجلبون كتاب علم يتدارسونه، أو آية قرآنية؟ الصحابة كان جل مجالسه مجالس العلم النافع؛ إما حديث يقرؤونه، أو آية، أو قيام ليل، أو شغل في حالة. حتى جلسات الصحابة مع بعضهم البعض لا يوجد فيها كما في واقعنا المعاصر، أن الواحد يجلس خمس أو ست ساعات مع العائلة، أو يذهب عند حماته ويجلس خمس ساعات ويظل يسمع ويسمع، «حماتي اختلفت مع الحما»، «البنت ماذا صار فيها».

نحن عندنا نوع من الاستهلاك للوقت وعدم إدراك لشرف الزمان، تشعر الحياة كلها ضائعة؛ لأننا لسنا في تمام اليقظة التي عند السلف. السلف إذا جلس مع قريب أو مع حبيب أو مع زوجة ساعة أو ساعة ونصف انتهى، فإما يذهب ليصطف لقيام الليل، أو يذهب مبكراً للمسجد، أو يذهب لتجارة يريد أن يترزق بها. هو عارف كيف تدار الحياة، فاهم أين يذهب بوقته، ومدرك تماماً أن أي مجلس سيزيد عن حده سيصبح لغواً لا قيمة له، كلاماً فارغاً.

وللأسف أعتقد أن الغرب استطاع ونجح أن ينقل المسلمين إلى لغو الحديث من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، نقلنا إليها بكل قوة. الناس كانوا أصلاً في لغو بدون وسائل التواصل، فما بالك عندما دخلت وسائل التواصل؟ لما تفتح خمس دقائق على الفيسبوك، تعرف لغو الحديث، حتى من بعض من ينتسب للدعوة الإسلامية؛ الكل يفتي، والكل يبكي، والكل ينظر، والكل يفر، والكل يتكلم في السياسة والاقتصاد والاجتماع، فتشر بالهائل من الغثاء.

فعلاً لغو الحديث متعب للقلب، لكن القلوب النائمة والغافلة لا تشعر بقسوة لغو الحديث، أما القلوب الموحدة والقلوب النابهة فتقول: «ما هذا الكلام الفارغ؟». هؤلاء لن يقدموا للأمة شيئاً، وهذا الكلام لم يجعلنا نخطو أي خطوة للأمام بهذا الجيل لإصلاحه والارتقاء به.

لماذا أقول هذا الكلام؟ حتى تعرفوا لماذا هي صفة للجنة؛ الله عز وجل لما وصف الجنة العالية قال: ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾. الإنسان يفكر: هل هذا من أعظم أوصاف الجنة حتى يُذكر؟ لماذا هنا مثلاً لم يتكلم عن الحور العين؟ ولماذا لم يتكلم عن الطعام والشراب؟ لماذا تكلم عن هذه الصفة في الجنة: ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ وابتدا بها بعد قوله ﴿جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾؟ ابتداءً بأعظم صفاتها أو من أهم صفاتها.

لماذا القلب الحي يفهم قيمة هذه الصفة؟ لأنه كان حياً في الدنيا، فهو يعرف أن من أسوأ الأشياء في الدنيا هو اللغو، اللغو الذي يرهق القلب ويرهق الأذن. ولكي تفهم اللغو بالمعنى العام العريض، فهو يشمل الكلام المحرم، والكلام المكروه، وفضول المباحات، وكل الكلام الذي ليس له داعٍ؛ كل هذا داخل تحت ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾. كل الكلام في الجنة كلام مفيد وجميل؛ حتى الجنة فيها طلب علم، وفيها تسبيح وتحميد لله، لأن أهل الجنة لا يكون فيهم إلا أناساً صالحين. حتى أصحاب المعاصي يتم تنقيتهم لتلك النفسية؛ لماذا أصحاب الكبائر بعضهم يدخل النار؟ أولاً لأنه لا بد أن يتم فلترتهم لكي يدخلوا الجنة، لأن أهل الجنة حديثهم نافع ومفيد وجميل وتذكر لله عز وجل.

رسم لنا الله عز وجل مشهداً من مشاهدهم في سورة الطور: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور: 25]، قالوا: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: 26-27]. هذه حوارات، يذكرون طريق الجهاد الذي كانوا فيه في الدنيا، وماذا صار مع فلان، وطريق دعوة فلان.

شاء الله في الجنة، وقاعد مبسوط، وفلان اعتبر، وهذا فلان استبشر، جاء صاروخ ضربه، عم يتكلموا عنا في الدنيا بما حصل، والآن بسعادتهم التي هم فيها. لذلك كمان شوي رح تجي معنا: ﴿نَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.

ما هي النمارق المصفوفة والزرابي المبثوثة؟ هي الجلسة العربية التي يكون فيها بساط وفيها وسائد، والجماعة جالسين يتحدثون عما كانوا فيه من الدنيا، "أنا كنا قبل في أهلنا مش مشفقين، فمنّ الله علينا ووقانا". فيتذكر تعب الدنيا وكيف انتهى وزالت، ويتذكر نعيم الجنة الذي هم فيه. ولاحظ أنه هذه حياة أبدية؛ قضية الأبد أن هذه المجالس أبدية لا تنتهي، وكل يوم في نوع من الحديث الجديد يستجد، وفي سوق الجمعة يروحوا يشوفوا بضائع جديدة، ونعيم الجنة العظيم الذي ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

تخيل أن هناك أناساً في قمة اللذة والنعيم في تلك اللحظات، وفي نفس الوقت في ناس قاعدين في نار جهنم يأكلون الضريع والآنيّة، وعم يتوجعون ويتألمون. ومن أعظم بأساء أهل النار أن أهل النار يُفتح لهم ثقب إلى الجنة ليروا نعيم أهل الجنة، فيزدادوا ما هو ألم.

في سورة الأعراف: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. طلبوا شوية ماء بارد أو طعام من عندكم، لأننا نأكل الضريع، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾.

أنت في الدنيا ماذا كان تداعيك؟ اتخذت الدين مكاناً للهو؟ لم تقف في صف الموحدين المؤمنين وفضلت العاجلة على الآجلة؟ فهذا نصيبك، تتلقى الآن نصيبك. كنت عايش بس من أجل مصاري، دينار، درهم، شهوات، علاقات، فيسبوك، سوشيال ميديا؛ عايش بس هيك مع الناس، اتخذوا دينهم لهواً ولعباً. لم تأخذ الأمر بالجدية، وهذا معنى اتخذ دينهم لهواً ولعباً؛ لم يتعامل مع الدين بالجدية اللازمة، ما كان يعظم الدين في حياته ويجعله رأس ماله، فكان مستعداً يتخلى عن كثير من لذائذ وأمواله من أجل "لا إله إلا الله". لم يعش الإسلام كقضية، لما كانت هناك معركة بين الكفر والإيمان كنت من المتربصين: ﴿فَإِن كَانَ لَكُم فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَنَا لَكُمْ مَعَكُمْ وَإِن يَأْتِكُمْ مِنْ قِبَلِهِمْ نَصِيبٌ قَالُوا تَرَونَ أَنَّا أَوْلَىٰ بِهِ مِنْكُمْ﴾، أي كنا معكم، اللي عايشين منزلة بين منزلتين، لم يحدد اصطفافه. وهذه أنت نتيجتك، أنك لم تجعل الدين أعلى اهتماماتك في الحياة، فستحصل على نتيجتك في النار، بخلاف الذي تعامل مع الدين بالجدية اللازمة وجعل أكبر اهتماماته، فهذا الذي يستحق ذاك النعيم المقيم.

المهم، هي بس اللي قادتني لهذا الكلام هي قضية: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾. من أعظم نعيم الجنة أنك لا تسمع الكلام الفارغ، لأن الكلام الفارغ على قلب المستيقظ في الدنيا سياط. فأنت لما تقول له "لا تسمع فيها لاغية"، المؤمن اليقظ في الدنيا بيقول الحمد لله، لأنه أكبر سياط كانت تؤلمني هي المجالس الفارغة، المجالس التي كلها غيبة ونميمة، كانت سياطاً على قلبي. فالحمد لله يا رب أن الجنة ما راح أسمع فيها غيبة، ولا نميمة، ولا "نزل البنزين وطلع البنزين" والدنيا شو صار فيها، وفلانة تطلقت وفلانة زعلت؛ كل هذا الكلام الذي كان غثاءً كغثاء السيل خلصت منه، ما راح أسمع إلا شيئاً إيجابياً، كلمة طيبة، موقف جميل، هذا الذي أنا أريده.

﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾، لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة، ويحمد الله على ما رزقهم من النعيم الدائم. "لا يسمع فيها لاغية"؛ مكي وأبو عمر، "لا تسمع فيها لاغية"؛ نافع، يعني في أكثر من قراءة فيها، وفيها "عيون جارية"؛ عيون كثيرة. لاحظ في المقابلات، لما نتكلم عن الوجوه، بالنسبة للكفار خاشعة، وبالنسبة للمؤمنين ناعمة. ولما نتكلم عن المياه، بالنسبة للكفار فيها "عين آنية"، وبالنسبة للمؤمنين فيها "عين جارية". ولذلك أنهار الجنة تجري أمامهم من دون أن يكون لها أخدود في الأرض؛ الأنهار في الدنيا في أخدود يجري فيه الماء، لكن أنهار الجنة تجري على سطح أرض الجنة من دون أن يكون لها أخدود، فالعيون تصب المياه أمام ناظرهم على سطح الجنة وعلى سطح أرضها.

وهي جارية لا تنقطع، كقوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَّقِبَةٍ﴾، جمع سرير، مرفوعة ليرى المؤمن بجلوسه عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم. السرر هي الكراسي التي يجلسون عليها، مثل سرير الملك، تكون مرفوعة أي شاهقة، حتى يرى منها كل نعيم أعطاه الله في قصره وما حوله؛ السرير بحد ذاته مرتفع على مكان بارز لدرجة أنك تستطيع أن ترى كل ما أعطيت من النعيم لتزداد نعيماً، أنك مسرور بكل هذا الذي أعطيته.

﴿وَأَكْوَابٍ﴾، جمع كوب وهو القدح، وقيل آنية لا عروة لها، موضوعة لا عروة لها، يعني ليس لها أذن مثل هذه، هذه آنية ليس لها عروة، أما هذه التي تمسك منها فاسمها عروة. فالأكواب في الأصل هي كل ما ليس له أذن، ما يكون صبّة واحدة مثل هذا يسمى كوباً. موضوعة بين أيديهم ليتلذذوا بها بالنظر إليها، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب.

﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾، الوسائد التي تجلسون عليها، وتتكون منها، ونمارق مصفوفة بعضها إلى جنب بعض، مساند ومطارح، أينما أراد أن يجلس جلس على مورت وسند إلى الأخرى. قال: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾، البسط والعرض، والزرابي هي مثل هذه البسط، مثل السجاد، البسط والقطع السجاد التي تكون في هذا المجلس زرابي، بسط عراض فاخرة ربانية، ليست من صنع بشري، هذه بسط وسجادات ربانية مبثوثة هنا وهناك. لك أن تتخيل أجمل قصور الدنيا، ما فيها من السجاد الذي يأتي من الدول...

هناك ما هو أعظم عند الله سبحانه وتعالى. إذاً هذا المجلس، لاحظوا أنه يسمع المجلس كامل، المجلس سيكون فيه شراب وأكواب، وستكون هناك زرابي موجودة ووسائد وسجادات من أفخم أنواع السجاد الرباني. وهم يرسم لك قمة السعادة، هؤلاء في قمة السعادة جالسين على وسائد مرتاحين، والشراب رايح جاي.

يجب أن تتخيل؛ لذلك دائماً يذكر النعيم مع العذاب حتى تظل عينك هنا وعينك هناك، أنه في اللحظة التي يكون فيها هذا جالس ومبسوط ومستريح، ذاك عم يتشوى، ذاك عامله الناصبه، ذاك عم يتشوى وعم يتعب. كل هذا هو قرارك؛ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38]. هو قرارك أين تصطف ومع من أردت أن تكون؟ تريد أن تكون مع أهل ذاك النعيم؟ اشتغل. تريد أن تكون مع أهل تلك الحالة -والعياذ بالله-؟ خليك، اتخذ دينك لهواً ولعباً. هذه قيمة القرآن، أن القرآن يذكرك بالتفاصيل، وتذكر الإنسان لهذه التفاصيل يجدد له الهمة ليصطفى مع أهل الإيمان.

نعم، قال: ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ أي مبسوطة أو مفرقة في المجالس. ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 17-20]. هذا المقطع الثالث من مقاطع هذه السورة.

قيل إن الكفار لما سمعوا وصف الجنة استهونوا هذه الأمور، قالوا: معقول هناك شيء من النعيم بهذه الصفات؟ فأراد الله سبحانه وتعالى أن ينبههم على شيء من مخلوقات الدنيا فيها من العظمة والشيء المهول، ينبههم أن من فعل هذه الأمور هو قادر على أن يحقق تلك الأمور. لما سمعوا «سرر مرفوعة وأكواب موضوعة»، وهم يعرفون -حتى العرب الجاهليون والكافرون الذين كانوا يسمعون القرآن- كانوا على دراية تامة بهذا المشهد الجميل، فاستبعدوا أن يكون شيء في دار الآخرة بهذا الجمال وبهذه الفخامة.

فالله عز وجل نبههم على قدرته بماذا؟ نظروا إلى دنياكم: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾؛ هذه سفينة الصحراء التي تركبون، كل عظمة وكل عضو منها يتناسب مع وظيفتها أن تقطع بها الصحراء. ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾، ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾، ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾. وهذه المشاهد الأربعة هي التي يشاهدها الراعي، وأغلب العرب كانوا يعملون بالرعي، أهل مكة مثلاً، فهذه المشاهد الأربعة هي التي يشاهدها الراعي بشكل يومي.

رسمت الصورة على ما يشاهده الراعي أمامه؛ الناقة التي بجانبه، السماء التي فوقه، الأرض التي تحته، والجبال التي تحيط به. وربنا قال له: شايف هذا المشهد أمامك من الذي صنعه؟ الله، وأنت لم تصنع شيئاً منه. الذي صنع هذه الأمور هو قادر على أن يصنع في الجنة تلك الأمور، إذاً هو قادر وليس عاجزاً عن أن يحقق ذلك النعيم لأصحابه.

لما أنزل الله تعالى هذه الآيات في صفة الجنة، فسر النبي ﷺ بأن ارتفاع السرور يكون مائة فرسخ، والأكواب الموضوعة لا تدخل في حساب الخلق لكثرتها، وطول النمارق وعرض الزرابي كذا. أنكر الكفار وقالوا: كيف يصعد على هذا السرير؟ وكيف تكثر هذه الأكواب؟ وكيف تطول النمارق وتنبسط الزرابي؟ لم نشاهد ذلك في الدنيا، فقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.

ثم ذكر الإبل؛ لأنهم عندما قال لهم إن السرير مرفوعة قالوا: كيف سنصعد عليها؟ فذكرهم بالإبل: أنتم كيف تصعدون عليها؟ لازم ينزل الإبل حتى أنت تصعد عليه. إذاً، لماذا استبعد أن يكون السرير مرفوعاً؟ ينزله الله ليركبك عليه ثم يرفعك. فالإبل مرفوعة في الدنيا ولا تستطيع أن تركب عليها إلا إذا بركت على الأرض، تركب عليها ثم تصعد هي. فكرة المصاعد -ربما لو شافوا المصعد الكهربائي اليوم لاختلفت الفكرة عندهم- لم يكونوا متصورين كيف الواحد ممكن يصعد لفوق. فكذلك السرير يطاطئ للمؤمن كما يطاطئ الإبل.

﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾؛ رفعاً بعيد المدى بلا إمساك وعمد. ثم ﴿وَنَجْمِهَا﴾؛ هذه الكثرة فلا تدخل في حساب الخلق، فكذلك الأكواب، جعل النجوم في السماء مقابلة للأكواب من حيث الكثرة والوفرة التي لا يحصيها الإنسان. ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾؛ نصباً ثابتاً فهي راسخة لا تميل مع طولها، فكذلك النمارق؛ جعل الجبال مقابل النمارق، كيف الجبال منصوبة كذلك النمارق ستكون منصوبة في المجلس.

وحتى من حيث اللون، الجبال مختلفة في ألوانها: ﴿جِدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾، وكذلك النمارق تكون عادة الوسائد مزركشة وفيها ألوان مختلفة في تخطيطها وفي قطعة القماش التي تغطى بها، فكان هناك مقابلة بين الجمال والنمارق حتى من حيث تعدد الألوان. ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾؛ الأرض المسوحة تقابلها هناك ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾، أي السجادات المبسوطة على الأرض. انظر إلى الأرض كيف سطحت ومهدت بما عليها من أشكال، فكذلك من صنع هذا يصنع زرابي مبثوثة، فهي كلها بساط واحد ينبسط من الأفق إلى الأفق.

ويجوز أن يكون المعنى: ألا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق حتى لا ينكروا اقتداره على البعث، فيسمعوا إنذار الرسول ويؤمنوا به ويستعدوا للقائه. وهذا معنى آخر محتمل؛ أن ذكر هذه الأمور ليس لمقابلة نعيم الجنة، وإنما لحثهم على الاستجابة لهذه الدعوة؛ الله القادر على خلق الإبل والسماوات هو حق موجود ينبغي أن تطيعوه وتعبدوه، وإياكم أن تنكروا ما جاءكم به هذا النبي المبعوث. فمن خلق هذه الأمور هو الإله المعبود، وهذه الفكرة موجودة في القرآن وهي الاستدلال بالربوبية على الألوهية.

وتخصيص هذه الأربعة باعتبار أن هذا خطاب للعرب، وحث لهم على الاستدلال، والمرء إنما يستدل بما تكثر مشاهدته له. والعرب تكون في البوادي ونظرهم في السماء والأرض والجبال والإبل أعز، والإبل أعز أموالهم وهم لها أكثر استعمالاً من سائر الحيوانات؛ لأنها تجمع جميع المآرب المطلوبة، فهي تجلب النسل والدر والحمل، وتحملك، فهي أنفع أنواع البهائم.

تحمل عليها أغراضك، تحمل عليها أمتعتك وأغراضك وتركب عليها فتنقل من مكان إلى مكان، سفينة الصحراء. والأكل برضه ممكن تأكلها ولحمها.

﴿فَإِنَّهَا سُخِّرَتْ لِتَأْكُلُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَركَبُونَ﴾ [النحل: 8]. منقادة لكل من اقتاد بأزماتها، لا تعز ضعيفاً ولا تمانع صغيراً، يعني الإبل من أراد أن يقودها قادها إذا كانت إبل مروضة فليس فيها مشاكل، حتى الضعيف يستطيع أن يركب عليها، حتى النساء يركبن الإبل والإبل تسير بهم. الخيل عصلج أكثر شوي، أما الإبل فيقولون تنقاد حتى للضعيف وحتى للنساء، وحتى الصغير يمكن أن يركبها.

﴿وَبِرَآسِهَا طِوَالُ الْأَعْنَاقِ لِتَنُوءَ بِالْوِقَارِ﴾، جعلها بحيث لتنوء، يعني لتحمل الأثقال عليها، تستطيع أن تحمل كمية كبيرة من الأمتعة والخيام وخلافه. البقر أو الغنم كمية محدودة، جعلها بحيث تبرك حتى تحمل، بخلاف الخيل محتاج أنت تقفز. البقرة كذلك، لكن الإبل بتنزل تماماً، حضرتك تركب بعدين ترجع تصعد، يعني حتى حركة الركوب عليها سهلة.

﴿ثُمَّ تَنْهَضُ بِمَا حَمَلَتْ وَتَجْرِي إِلَى الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ﴾، الشاسعة يعني البعيدة، تحملك إلى أماكن بعيدة. حتى إن ضمنها ليرتفع إلى العشر فصاعداً، ﴿وَجَعَلَهَا تَرْعَى كُلَّ نَابِتٍ فِي الْبَرِّ﴾، من لا يرعاه سائر البهائم؟ كونها تتحمل العطش هذا يجعلها لا تحتاج إلى العلف وإلى الماء كما تحتاج باقي البهائم، وهذا بالتالي تكون موفرة أكثر من حيث قضية حاجتها إلى الماء وحاجتها إلى الطعام.

المهم هذا كله مواصفات الإبل لما يدل على مخلوق عظيم، فلذلك قال: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾. هو أراد أن يفصل لك مواصفات الإبل حتى يتعجب الإنسان من كيفية خلقها، ولماذا خص الإبل دون غيرها من البهائم؟ لأن المن فيها أعلى.

ثم قال الآن المقطع الأخير في السورة: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾.

المقطع الأخير يتوجه الكلام فيه إلى الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى. إذا عرفتم الجنة وعرفتم نعيمها، وعرفتم النار وعرفتم عذابها، يأتي التذكير لك يا محمد ﷺ ولكل من يسير على طريق دعوتك: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾. في مرحلة الاستضعاف أنت إنما تملك ماذا؟ التذكير والتنبيه والوعد والإصلاح. هذا ما يستطيع الإنسان أن يفعله في مرحلة الاستضعاف، لأنه في فترة مكة فترة استضعاف، النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن مع الصحابة يقدرون على المواجهة العسكرية، فكانوا مأمورين بالوقوف عند هذا المقدار، كانوا مأمورين بالوقوف عند مباشرة الإصلاح، يعني التذكير والوعظ والتنبيه والتخويف.

لاحظ هذا الحصر في ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾، ما معنى أنما أنت مذكر؟ أي لست تستطيع أن تهديهم. المساحة المتاحة لنا كدعوة إلى الله هي أن نذكر، لكن كيف سيقابل تذكيرنا وهل سيهتدي الناس على أيدينا أو لن يهتدوا؟ هذا ليس من نطاق قدرتنا، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. الحصر هنا المراد أنك مذكر ولا تملك الهداية لهم أنت وأتباعك، إنما تملكون التذكير لكنكم لا تملكون القلوب، القلوب من يملكها الله سبحانه وتعالى، من يوفقها للهداية الله سبحانه وتعالى. فهذا معنى الحصر حتى لا يبقى الإنسان متحسفاً: لماذا الناس لم تسمع مني؟ ولماذا دعوتي وإصلاحي لا يوجد كثير من الأتباع لها؟ هذه وظيفتك، وأما القلوب وحجم الاستجابة لك فهذا رزق من الله سبحانه وتعالى.

لذلك أكد هذا المعنى فقال: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾، ما معنى بمسيطر؟ يعني بمتسلط على الأرواح. نحن نرشد الناس، ننبه الناس ونذكر الناس، ثم بعد ذلك الله سبحانه وتعالى يكتب لمن شاء الهداية ويكتب لمن شاء الضلال، وهذا يريح المؤمن في النهاية أيضاً، وهذا الفائدة أنه أنت لا تجلد ذاتك: لماذا الناس كذا؟ النبي عليه الصلاة والسلام لأنه رحيم بالناس كان يتأسف ويتقطع حسره على كفرهم، لذلك الله عز وجل لَطَف به فقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، باخع يعني مهلك نفسك، أنت تريد أن تهلك نفسك لأنهم ليس راضيين يؤمنوا. قال أيضاً: ﴿فَلَا تَعْثَ﴾، خلاص، هذا طبعاً لشدة حبه ﷺ هداية الناس، كان يتحسر دوماً يتأسف دوماً على عدم استجابة كفار قريش له، الله عز وجل أراد أن يخفف عليه، خلاص أنت في النهاية مذكر ناصح، وبعدين «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، واتركها لله سبحانه وتعالى.

ثم قال: ﴿إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ﴾. "إلا" هنا ليست استثناءً من "لست عليهم بمسيطر"، يعني ليس المعنى أن بعض الناس يفكر أنه هنا نحن في استثناء: لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر فانت مسيطر عليه، لا، "إلا" هنا منقطعة معناها، لكن كأنها جملة أخرى: إذا كنت لست عليهم بمسيطر، لكن من تولى وكفر... أنا أريك يا محمد ﷺ، هو يريد أن يطمئنه: هؤلاء الذين واجهوا ووقفوا في وجه دعوتك، لكن من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر. فهي تطمئن النبي ﷺ، لأن كل ما فعلوه به من آلام ومواجهة لن يذهب هذا التعب سداً، سأريك ماذا سأفعل بهم: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾.

العذاب الأكبر هو عذاب جهنم، غير العذاب الأدنى. قد يكون لهم من العذاب الأدنى، كما ورد في سورة السجدة، هناك أيضاً عذابات دنيا على أيدي الموحدين والمؤمنين، والبلايا التي تنزل بهم، العوامل الجوية التي تنزل عليهم، الزلازل والبر، هذه كلها العذاب الأدنى، لكن الله عز وجل لم يذكره لأنه بحد ذاته العذاب الأكبر، هذا العذاب الأدنى في الدنيا هذا بس هيك، لسه لكن العذاب المصيبة الأكبر والأعظم وعذاب جهنم. فلذلك ذكره، ولكن هذا لا ينفي وجود عذاب أدنى لهم أيضاً في الدنيا وكذلك في القبر.

لاحظ هنا الآن في لهجة وعيد: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾. هذه لهجة وعيد، اصبر شوي عليه، في النهاية في النهاية شو ما عملوا، أمريكا ولا الصهيونية ولا الماسونية ولا السوفيات، كلهم ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾، كلهم هؤلاء مع المنافقين الذين اتبعوهم سيعودون إلى الله سبحانه وتعالى في يوم ما. وهذا أسلوب حصر، لم يقل إن إيابهم إلينا، بل قال: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾، ترى في فرق في اللغة العربية، شو الفرق بين أقول إن...

إيابهم إلينا، وبين أن نقول إن إيابهم الحصر، شو يعني الحصر؟ الحصر -أحسنت- يعني لن يعودوا إلا إلينا، ما في، ما راح عند شخص آخر غيري. الله يقول لن يذهبوا عند شخص آخر غيري، في النهاية لن يكون رجوعهم إلا إلينا.

وهذا هو الأصعب، يعني مش فقط القضية الأصعب هي الرجوع، لا، إن القضية الأصعب أن رجوعه لن يكون إلا إلى الله. ولذلك ركز على الأهم فبدأ به في الآية: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾، يعني إلى من راح يرجعوا؟ ثم ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾، ونحن من سنتولى حسابهم على كل ما صدر منهم في مواجهة المؤمنين والكاة وعذابهم والوقوف في وجه هذه الدعوة.

طبعاً الكافر كان يسمع هذه الآيات، يعني كفار قريش كانوا يسمعون هذه الآيات ويعرفون حجم الوعيد الذي تتضمنه، إن الله يهددهم، يهددهم: استنوا شوي أنا رح أحاسبك بس ترجعوا، عندما تعودون إليّ سأحاسب. هذه هي.

إذن هذه حالة المستضعف، الآن الإنسان المستضعف لما يكون فوقه متجبر متكبر يسومه سوء العذاب وأنت عم تنصحه وتوجهه لكنه مصر على استكباره، هذه الآيات بتطمن؛ لأنك أنت تشعر بجراحات في الطريق، تشعر بأتعاب وآلام، وأنا أنصح وأوجه لكن الفاسق الفاجر عم يعذب، عم يهلك، عم يقتل، عم يظلم.

فالله عز وجل بطمنك؛ أنه معقول يا رب تنتهي المشهد ويموت المظلوم مظلوم ويبقى الظالم يلعب بالدنيا ويسرح بأموال الناس ولن ينال؟ فهذه تأتي تطمينات: لا تخاف، ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾، حتى وأنت مستضعف في قمة الألم، الله يعطيك الراحة والطمأنينة أنك ستشاهد العدل الإلهي، ولن تذهب تلك الجهود والأتعاب وتلك الآلام والجراحات وسنوات السجن والاعتقال سدى.

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾. كيف أنت لما يكون في شخص بآذيك في الشغل، بتروح تشكي لمدير الشغل، شو بيقول لك؟ خليه أنا رح أحاسبه، هنا هذا بيعطيك شعور بماذا؟ طمأنينة أنه خلاص، يعني مدير الشغل أنا بعرفه صادق وراح يحاسب هذا الإنسان، بالتالي مهما آذاني الموظف الآخر أنا مرتاح أنه سينال الجزاء العادل.

وهذا في الدنيا، فما بالك بالعادل سبحانه وتعالى؟ أعدل عز وجل الذي يعطي كل حق حقه وينزل عذابه على الكافرين وعذابه شديد. فأنت تشعر بالهدوء والطمأنينة لربك سبحانه وتعالى وأنت تمارس الدعوة إليه وتتحمل الصدمات في طريق الدعوة والجهاد في سبيله.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب لنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً، ويجعلنا من أهل السعادة، وأن يجنبنا مسالك الشقاء، إن ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.