غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي جعل من العلم منارًا وأعلامًا، وهدى به فئامًا وأقوامًا، وأنار به سبيل السائلين، وهدى به الضلال والحائرين. رحمته سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وبرؤية نبينا محمد ﷺ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الإخوة والأخوات في هذا المجلس الجديد الذي نعقده بإذن الله في تفسير كلام ربنا سبحانه، وهذا بحد ذاته شرف عظيم ومنزل مهيب؛ أن نجتمع في كل ثلاثاء بعد صلاة العصر على تدبر كلام ربي الأنام سبحانه وتعالى. هذا المجلس لم يُعقد من أجل أن نتدبر كلام عالم من العلماء، ولا ننظر في مصنف من المصنفات، ولا في متن من المتون، وإنما أتينا لنتدبر ونتدارس رسالات الله سبحانه وتعالى التي أرسلها لنا ووجهها لنا لنتعلم ونتدبر ونقيم حياتنا على منهاجها وعلى منوالها. ومن هنا فإن هذا المجلس من أعظم المجالس التي ينبغي لطالب العلم خصوصًا وللمسلم أن يحتفي بها وألا ينقطع عنها؛ لو انقطعت عن كل مجلس لا تنقطع عن مجلس تفسيري أيها المسلم.
إخواني الكرام، لماذا نحن نحتاج إلى مجالس التفسير والتدبر لكلام ربنا سبحانه وتعالى؟ أولًا تعدّد مجموعة من الأسباب تبين أهمية عقد مثل هذه المجالس للمسلمين عمومًا ولطلبة العلم خصوصًا. السبب الأول هو انتشار ظاهرة ضعف الإيمان عند كثير من طلبة العلم، وعند كثير من عامة المسلمين، بل حتى عند كثير من المتصدرين للخطاب الشرعي والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. وهذه الظاهرة، ظاهرة ضعف الإيمان، إنما منشأها ورزؤها هو ضعف الارتباط بكلام ربنا سبحانه وتعالى عكوفًا ومجالسة وتدبرًا. أنا لا أتكلم عن مستوى حفظ العام للقرآن، فربما كثير منكم يحفظ ويراجع، إنما أتكلم عن مدارسة القرآن ومعالجة النص القرآني والعيش في فيائه وظلاله.
هناك ضعف عام في الأوساط العلمية والشرعية والعامة في الارتباط بكتاب الله سبحانه، وهذا الضعف العام في الارتباط سيترتب عليه ضعف في معرفة الله سبحانه وتعالى. وهنا أتكلم أنا عن المعرفة الخاصة، ليست المعرفة العامة أن تعلم أن الله موجود، فكل المسلمين يشتركون في هذا الخبر، وإنما أتكلم عن المعرفة الخاصة بالله عز وجل؛ أن تتوكل على الله، وأن تخشى الله، وأن تحب الله، وأن يكون الله سبحانه وتعالى في وجدانك سلوكًا وعملًا وانطباعًا وحياة. أن تعيش في هذه الحياة وأنت تشاهد الله سبحانه وتعالى نصب عينيك، وهو مقام الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه». هذه المعرفة الخاصة بالله عز وجل، أحبابي الكرام، لا تأتي ولا يمكن أن تأتي إلا من خلال المعالجة الحقيقية لكلام ربنا سبحانه وتعالى، والعكوف عليه، والتدبر لهذا الكلام العظيم.
عندما ضعف الارتباط بالقرآن وزهد كثير من الناس بتفسيره وتدبره ومجالسته، نشأ عن ذلك بعض الكونَ في الإيمان، أنا لا أتكلم عن ضعف علمي، أنا أتكلم عما هو أبعد من ذلك؛ أتكلم عن ضعف الإيمان الذي نعاني منه في الجملة جميعًا. ولذلك نحن الآن أحوج ما نكون إلى أن نعيد صياغة أنفسنا ونبني قلوبنا من جديد على القرآن. نحن الآن أحوج ما نكون إلى أن نعيد المياه إلى تلك الأراضي القاحلة في قلوبنا حتى تنبت نبات الإيمان من جديد، نحن الآن أحوج ما نكون إلى أن نعيد الدموع إلى مجاريها في العيون حتى تبكي من خشية الله سبحانه وتعالى، نحن الآن أحوج ما نكون لنطرد الهموم والخوف والفوضى من حياتنا ونعيد لترتيب بيتنا الداخلي في هذا القلب على الله سبحانه وتعالى.
كثير من الناس اليوم يشكو جوعًا إيمانيًا، يشكو أنه لا يشعر بتلك العلاقة الصادقة بينه وبين الله سبحانه وتعالى، يشعر بذاك الفراغ الإيماني؛ نعم أنا مسلم، أنا مؤمن، أنا ربما أصلي، أنا لربما أحضر حتى في مجالس، لكنني لا أشعر حقيقة بالارتباط بيني وبين فاطر السماوات والأرض. بعض الناس يشعر بالكآبة، بالحزن، بالإحباط، بالخوف، كل هذه الأمراض وكل هذه الوساوس وكل هذا الفراغ والجوع والظمأ في قلوبنا إنما منشأه أن ابتعدنا عن كلام ربنا سبحانه وتعالى، وإنما لنا أن نعود إلى هذا المنبع الصافي، إلى هذا المنهج.
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: 16]. نعم، هي قسوة القلب التي نعاني منها أيها السادة، قسوة القلب وجفاف أو جمود العين. هذه القسوة وهذا الجمود وهذا الضعف في إيماننا، دعونا نعترف بوضوح أننا لا نتعامل مع كتاب الله سبحانه وتعالى حق التعامل. وأفضلنا هو من يراجع، لا يكرره هكذا سريعًا، لربما يقرأه وهو ينظر في جواله أو يسمع نشرة أخبار، لكن القرآن لا يعيش في وجداننا كما عاش في وجدان الجيل الأول من الصحابة والتابعين ومن ساروا على نهجهم من الصالحين.
إذن، أحبابي الكرام، لكل من يبحث عن القوة الإيمانية، لكل من يبحث عن السمو الإيماني والارتقاء، عليك بمجالس التفسير والتدبر، عليك بمجالس التفسير والتدبر. لا تحاول أن تبحث عن حل في مكان آخر، العلاج إنما ضمن لك في هذه الجرعة التي تأخذها من الله سبحانه وتعالى. الإنسان إذا كان يعاني من ضعف في البدن يذهب إلى الطبيب، ليس كذلك؟ ليعطيه وصفة يأخذها من الصيدلية، ويقول له الطبيب: هناك جرعات معينة يجب أن تلتزم بها حتى يؤتي هذا الدواء أكله وحتى يشفيك الله سبحانه وتعالى.
ونحن جميعًا نعاني من المرض الحقيقي، أو جلنا نعاني من مرض وهو مرض ضعف الإيمان، هذا مرض من أمراض القلوب، والله سبحانه وتعالى سماه مرضًا في كتابه: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [البقرة: 10]. والمرض لا يعني أنك منافق، أحيانًا القرآن يعبر بالمرض ويقصد به النفاق، وأحيانًا يعبر عن مرض ولا يقصد به النفاق وإنما يقصد به ضعف الإيمان، ومن ذلك في قوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [البقرة: 14]، حيث عطف الذين في قلوبهم مرض على المنافقين؛ لأن هؤلاء لم يكونوا منافقين وإنما كانوا يعانون من ضعف الإيمان، فهو مرض.
وهذا المرض يحتاج إلى علاج، وأين العلاج؟ العلاج هنا في كتاب الله سبحانه وتعالى، لكن عليك أن تحسن التعامل معه. بعض الناس يظن أنني عندما أقول له إن العلاج في القرآن، فإنه عليه أن يفتح القرآن يقرأ صفحة مباشرة فيشفى، ليس بهذه الطريقة. حتى العلاج الطبي المحسوس يجب أن يؤخذ بطريقة معينة حتى يؤثر في البدن، فكذلك هذا العلاج الإلهي الرحماني يجب أن تأخذه بالطريقة الصحيحة وبالجرعات الصحيحة وبالأسلوب الصحيح حتى ينعكس على قلبك وينعكس بعد ذلك على كامل جوارحك.
ليس أنت مع القرآن الحياة المتفككة التي لا يؤثر فيها القرآن في وجدانك ولا سلوكك. لربما يسأل كل واحد منكم نفسه الآن: متى آخر مرة تدبرت سورة من كتاب الله؟ هذا أجب عنه، أنت الآن تعرف سبب ضعف الإيمان. متى آخر مرة جلست مع كتاب الله سبحانه وتعالى تريد أن تعيش معه؟ تريد أن تعيش مع النص القرآني وتتدبر، وتريد أن ينعكس في واقعك؟ متى آخر مرة ذهبت للقرآن باختصار لتستشفي منه، أو لتستشفي به عفوا؟ متى آخر مرة قرأت القرآن طلبا للشفاء؟
وعندما أتكلم عن الشفاء ليس مجرد شفاء الباطل، بل حتى شفاء الضعف؛ القرآن كما أخبر ربنا سبحانه وتعالى فيه شفاء للناس. هذا الكتاب الكريم الله سبحانه وتعالى أخبر أن فيه شفاء للناس، فيه شفاء لما في الصدور: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]. فعندما تقرأ القرآن، إذا أردت أن يعالج هذا القرآن ضعف الإيمان، عليك أن تقرأه بنية الشفاء. نعم، تعاني من ضعف التوكل، تعاني من ضعف حبك لله سبحانه وتعالى، تعاني من ضعف اليقين، تعاني من الخوف، من الاكتئاب، تعاني من اليأس والإحباط؛ اذهب إلى القرآن واقرأه بنية الشفاء، وانظر في الآية وأنت تحاول أن تستخرج منها الشفاء. هنا تبدأ رحلة العلاج الصحيحة، وأما هكذا كلام عام وقراءة سريعة ولا يوجد التفات للمعاني ولا ينعكس على حياتك وقلبك، فأنت هنا لم تتلقَّ القرآن كما أراد الله سبحانه وتعالى أن يتلقاه. فبكل من يبحث عن العلاج بضعف إيمانه ولجفاف قلبه ولجفاف عينه، عليك أن تبدأ من كتاب الله سبحانه وتعالى، وهنا تبدأ رحلة الاستشفاء بإذن الله.
أيضا مما يدفعنا إلى أن نعقد مجالس التفسير، أن كثيرا من طلبة العلم اليوم الحريصين على العلم، ربما تذهب بهم عقولهم إلى أن كتاب الله سبحانه وتعالى هو مجرد كتاب للزهد والرقائق، أو مجرد كتاب إيماني نقرأه في تراويح رمضان ونختمه، لكنه ليس مقتنعا تمام الاقتناع أن هذا الكتاب هو بحر العلوم وأساسها، وأنه لا يمكن أن تكون عالما بالله، عالما بأمر الله، إلا إذا تربيت على كتاب الله سبحانه وتعالى ونهلت منه. بعض طلبة العلم اليوم لربما ينصرف إلى علوم الفلسفة، أو إلى علوم المتكلمين، أو إلى علوم العقليات، ويقبل المسكين على كل هذه العلوم، وفي النهاية إذا لم تؤخذ وتنهل من المنهج العام من كتاب الله سبحانه وتعالى فضرها أكثر من نفعها.
فاذا لا بد أن ننعش قضية طلب العلم من خلال القرآن. علينا كموجهين وكدعاة وكمتصدرين أن ننعش قضية طلب العلم من خلال العكوف على كتاب الله سبحانه وتعالى، والجلوس معه وأخذ الأفكار والقيم والمعتقدات والفكريات. القرآن يتكلم عن كل شيء؛ يتكلم عن العقيدة، يتكلم عن الفقه، يتكلم عن الأخلاق، يتكلم عن منهج الحياة، عن سر الوجود، عن الغاية والأهداف التي من أجلها تبني وجودك وحياتك أيها الإنسان. يتكلم عن كل شيء ضروري تحتاجه، يجيبك عن كل الأسئلة الفطرية التي لربما تلح في صدرك وفي قلبك، ولربما سببت لك الكثير من الشبهات والبعد، وعالجه ويعطيك الشفاء التام.
طالب العلم، إياك أن تنحرف بك البوصلة. ولربما تسمع لبعض الناس الذين يضعفون ارتباطك بالقرآن، ويوهموك أن طلب العلم إنما هو فقط دقائق كتب اللغة، ودقائق كتب حواشي أصول الفقه، ودقائق كتب البلاغة الغريبة، ثم بعد ذلك دقائق بالمنطق وما قاله فلان وعدنا من المتكلمين وبحر العلوم والأسماء الكبيرة. ثم أنت بعد ذلك، بعد سنوات من مشوارك العلمي، إذا بي أجدك لم تقرأ تفسيرا واحدة من كتاب الله. والله هذا من مضيعة الأعمار؛ إنه أنتم طوال رحلتكم العلمية، لربما البعض جلس خمس عشرة سنة أو عشرين سنة في مجالس العلم وهو لم يمر على تفسير من كتاب الله من أوله إلى آخره. وربما يعدد لك كتبا قرأها، ولربما يعطيك أسماء أجنبية وغريبة لها حتى يوهمك بأنه إنسان مثقف، لكنه هذا الإنسان الذي يستعرض عضلاته في كتب الثقافة الأجنبية والغربية ويوهمك، لكنه لم يقرأ تفسيرا كاملا لكتاب الله، هذا محروم أحبابي الكرام.
هذا إنسان لم يوفق بعد، ولم يأخذه بيده إلى درب الصلاح وإلى النجاة وإلى سبل الهداية والرشاد؛ إنما ضمنها رسول الله ﷺ لمن تمسك بالكتاب والسنة. ما قال من درس الفلسفة بكى، وما قال من درس كتب المتكلمين، وما قام من درس علوم الأوائل، وإنما قال: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله». هذا هو الشيء الكلمة هي كلمات منهجية؛ إياك أن يمر عليك هذا الحديث «كتاب الله وسنتي» مرور الكرام وتجعله معالجة ثانوية. هي المعالجة الأساسية ربما لكل مشاكلك التي أنت تحاول أن تبحث عن العلاج عنها هنا وهناك وعلى اليوتيوب وعند الأطباء، ولكن بعد أن تضع يدك على الدواء الصحيح، ها هو الدواء الصحيح أقبل إليك، وهو الآن بين يديك وعليك أن تبدأ رحلة الاستشفاء والبداية من هنا.
أحبابي الكرام، مما يدفعنا إلى إقامة مجالس التدبر هو أن كثيرا من الناس لربما هو صادق يريد أن يتدبر لكنه لا يعرف كيف يتدبر؛ لا يعرف كيف يعالج النص القرآني ولا كيف يتعامل معه ولا كيف يفهمه. بعض الناس، بعض العائلات، الأب والأم يشكون، يقول الشيخ: أنا أحب أن أعمل مع أبنائي مجالس قراءة القرآن وتفهم، لكني لا أعرف كيف أوصل المعنى القرآني إليهم، كيف أعالج الآية أمامهم؟ أنا أصلا إذا فتحت كتابا من كتب التفسير لا أفهم ماذا يقول المفسر أصلا، خاصة الكتب القديمة، لا أعرف أن أقرأ ماذا يقولون.
وبالتالي هنا نقول: نعم، علم التفسير والتدبر لابد وأن تبدأه مع شيء. وجلوسك حتى لو لم ننهِ الكتاب معه، حتى لو حدثت الحوادث وانقطعت من الشواغل، مجرد مرار لسنة لسنتين مع طلبة العلم وأنت تتدارس طريقة التدبر ومنهج فهم كتاب الله، هذا سيكسبك المنهج، سيكسبك الطريقة. لو عالجنا نصف القرآن أو ثلث القرآن فهو عظيم، أنت وحدك ستكمل الرحلة. لكن عليك أن تبدأ تتعلم كيف تتدبر من خلال طلبة العلم ومن سبقك في هذا الميدان وأصحاب الخبرات والتراكمات المعرفية. وأما وحدك، نعم لربما تخفق في كثير من الأحيان في معالجة النص؛ أنت كأب أو أنت كأم قد لا تحسن إيصال الفكرة لأنك لست متخصصا في طريقة النظر في كتاب الله سبحانه وتعالى. لربما يتعجب عندما ينظر في الأوائل كيف إذا قرأ أحدهم القرآن يبكي، وأنت تقول: والله يا شيخ قرأت القرآن مئة مرة ومئة ختمة، ما يجوز أن يدعو إلى البكاء.
شيء يحرك وجدانًا مسكيناً، لأنه لا يعرف معنى الآية ولا دلالتها، ولا المشهد العظيم الذي رسمت لبيان البلاغ القرآن ولا روعة القرآن. الكفار كانوا إذا سمعوا القرآن، كفار قريش كان بعضهم إذا سمع القرآن يكتب، وهؤلاء كفار.
لماذا أهل الإسلام يسمعون آيات لا تتلى عليهم ليلاً ونهاراً ولكن لا تحرّك في قلوبنا شيئاً؟ إن هؤلاء -وإن كانوا مشركين بالله- لكنهم كانوا على علم بطبيعة القرآن، وعلى إدراك لأسرار البلاغة فيه، فيشعرون بالهيبة، يشعرون بالعظمة، يشعرون بفخامة القرآن وهو يتنزل. كانوا يتحلقون حول بيت أبي بكر الصديق في مكة المكرمة من أجل أن يسمعوا منه آيات الله، مثلى عليه. كانوا بعد ذلك يسجنون بعضهم: ما الذي أتى بك يا فلان؟ أنت ما الذي أتى بك؟ ثم بعد ذلك ينصرفون، ثم اليوم الثاني يتسللون خفية إلى بيت أبي بكر الصديق من أجل أن يسمعوا القرآن.
يدركون أن هناك فخامة وهناك روعة وهناك جمال، لكن هذا الجمال وهذه الفخامة نحن، أو أكثرنا، لا يدركها. والسبب في ذلك أننا لم نربط أنفسنا وعزائمنا على التدبر الحقيقي لكتاب الله. لربما أحدنا يأتي أول مجلس وثاني مجلس يا شيخ، والثالث وبعدين يا شيخ لساتنا في هذه الصفحة من سورة البقرة! الله، هذه مدارس طويلة.
نقول إذا كنت تبحث عن شيء سريع ووجبات سريعة فهذا ليس محله، نحن هنا نبني منهجاً، نحن هنا نبني أسلوباً وفكراً لطالب العلم، وأنت بإذن الله تؤمن، نحن نسعى لإكمالها والمنهج موجود لإكمال الكتاب. لكن ما أريده أن تدرك أن طبيعي كتب التفسير ومجالس التفسير أن طلبة العلم سريعون في انقطاعهم عنها. أنتم كل يوم ما شاء الله متحمسين، خلينا نشوفكم بعد شهرين، بعد أربعة، خاصة أنه مجلس واحد.
طوال هذه المجالس المعارضة، ربما يجلس الشيطان على الطريق وأنت تريد أن تأتي، يقول لك: يا عمي أنت ما الذي أخرجك في هذا الحر؟ وهذا المجلس ربما تسمعه عن طريق اليوتيوب في كثير مجالس تفسير، طبعاً هو بيقنعك، أنه أنت رح... بس أنا أضمن لك في العادة أنك لن تتابع، إنما هي محاولة إقناعية حتى يصرفك عن مجلس القرآن، حتى يصرفك عن هذه الخطوة الأولى الإصلاحية في حياتك. يحاول يقنعك أن الجو حار وأنتم ما شاء الله أعطيتم في حر الصيف، يحاول يقنعك أن المجلس مكانه بعيد لو تقربوا لنا إياه يا مشايخ، يحاول يقنعك أنه مثلاً هناك إشكاليات يا شيخ، مع أن هذه المجالس طويلة وهذا الكتاب كيف سيختم؟ ثلاث مجلدات، هذه متى ستختم؟ فأنت تستطيل الطريق، فإذا استطلت الطريق انقطعت.
هناك إشكاليات، وأنا أعظم -أزعم أحبابي الكرام- أن أكبر عقدة عند الشيطان هي مجلس التفسير. ألفية ابن مالك ممكن يسمح لك تستحضرها، شيء منطقي في النحو يسمح لك تمشي أمورك فيه، كتاب لفلان يسمح لك، لكن هنا هو يدرك أن الخطر هنا؛ لأنه يدرك أن تلك لا تبكي منها الأعين ولا تطرق منها القلوب، وإنما هي مواد جامدة، لكن الصلاح من هنا، فهو يخشى عليك من الصلاح، يخشى طبعاً على مشروعه الشيطاني وليس على الإيمان الخاص بك، فعليك أن تنتبه.
هذا الآن أخبرك قبل أن تقع في الفخ، لأن كثيراً سيقعون. أنا أخبر من الآن حجم العوائق التي ستقف في طريقك من أجل ألا تكمل، من أجل ألا تحضر، من أجل ألا تتم. فآمل أن أجيبك عن كل هذه الأمور حتى إذا جاءك الشيطان بقوله: يا شيخ، إن الشيطان راح يجيني ويقول لي إن المجلس طويل أو هذا متى سيختم أو ما شابه ذلك، فآنا أعطيك الإجابة. ليس المهم حقيقة بالنسبة لي أن يختم، المهم أن يصبح قلبي قد ماذا؟
أحد الإخوة الأفاضل من الزملاء البارحة كانوا يقولون لي: والله يا شيخ المدارس طويلة، أنت متأكد أنك خلاص تريد تبدأ بتفسير كتاب الله سبحانه؟ فقلت له: إلى متى التسويف؟ الحمد لله شرحنا من المتون والمصنفات الكثير بفضل الله ومنّته، لكن قلت له إلى متى التسويف؟ مشروع القرآن مشروعه بطبيعة الحال طويل، والحياة معه حياة العمر. أنت لست مستعجلاً، على ماذا الاختصار؟ تريد أن تفتك يعني خلصت تفسير القرآن؟ الحمد لله خلصت من المتن؟ لا، أنت في معالجة إيمانية مستدامة إلى أن تلقى الله سبحانه وتعالى. هذه المعالجة الإيمانية أنت تحتاجها، بل عليك أنت أن تتمنى أن لا تنتهي مجالس التفسير أصلاً. الإنسان العاقل يتمنى أن تدوم هذه المجالس إلى أن يلقى الله.
ماذا تريد أعظم من مجلس مثل هذه المجالس؟ الله سبحانه وتعالى خصها بميزة؛ شوف، مجالس العلوم الشرعية لها فضل عام، لكن مجالس تفسير القرآن وتدارس القرآن لها فضل خاص كما قال النبي ﷺ: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم». لا، قضية بيت من بيوت الله، يعني قد لا يسمح لنا أن نكون في بيت من بيوت الله، لكن إن شاء الله بيوت الله كثيرة وهذه المجالس تأخذ حكمها بإذن الله، لكن ركز على ما بعدها: يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم.
ما هي الهدايا والعطايا التي تحل علينا؟ وهذه الهدايا والعطايا هي حقيقة في ظاهر الحديث خاصة بمجلس التفسير: ﴿أَنزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ﴾، ﴿وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ﴾، ﴿وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، ﴿وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَا عِندَهُ﴾. كل خصلة من هذه الخصال يرحل من أجلها، فكيف إذا اجتمعت هذه الخصال الأربع في مجلس واحد؟ فأنت في فضل عظيم. دائماً تخيل هذا الفضل العظيم؛ نزول السكينة، وهذا يحتاج كثيراً من القلوب الخائفة المضطربة التي تشعر بعدم الأمان، تشعر بالإشكاليات وهموم الحياة، هنا السكينة. نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم رحمات من الله سبحانه وتعالى، وحفتهم الملائكة؛ الملائكة بإذن الله أنها حاضرة يقيناً بحديث رسول الله ﷺ.
﴿وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَا عِندَهُ﴾، يعني أنت الآن هنا واسمك يذكر في السماء، أن فلاناً الفلاني تعنى من أجل أن يحضر مجلس تفسير لكتاب الله سبحانه وتعالى. من الذي يذكرك؟ ليس مسؤولاً ولا وزيراً ولا أحداً من هذه الطبقات، وإنما الذي يذكرك فاطر السماوات والأرض. وهذا الحقيقة شيء يستحق البذل، ويستحق أن تُصرف من أجله ساعات العمر. فأياك أن تكون من المحرومين، وإياك أن تجعل العوائق تقطعك دون الوصول؛ فيا طالب العلم، إياك أن تستطيل الطريق، وإياك أن تستصعب المجيء، وإياك أن تسوف.
أنا الآن بادر بالعلاج، بادر بالسمو الإيماني والارتقاء الروحاني مع كتاب الله سبحانه وتعالى؛ فنحن لسنا في مجلس المقصد من بيان إعراب الآية بحد ذاتها وبيان مجرد المعنى العام، نحن نريد أن نقرأ القرآن قراءة معالجة، قراءة استشفاء، قراءة سمو، قراءة تجعلنا بعد هذه المجالس نختلف في طبيعة تعاملنا مع الله سبحانه ومع المجتمع، وحتى مع المفاهيم الشرعية، تختلف تمامًا عما كنا عليه قبل ذلك.
لكن كما قلت لك: من يصبر أكثر ينال أكثر، ومن يعجز سريعًا هذا يخسر كثيرًا في هكذا معادلة. من أعطى القرآن كثيرًا الله سبحانه وتعالى سيفتح له كثيرًا، لكن إذا أعطيت القرآن شح الأوقات ونزلت الأعمار لن يفتح الله سبحانه وتعالى عليك تلك المعاني العظيمة التي نجدها عند الأوائل في طريقة تعاملهم مع كتاب الله سبحانه وتعالى. فهذه المقدمة السريعة تبين أهمية هذا الموضوع الذي اجتمعنا من أجله.
المقدمة الثانية أريد أتكلم عنها: طريقة التفسير والتدبر. أولًا أحبابي الكرام عليكم أن تعرفوا أن هناك فرقًا بين تفسير القرآن وبين تدبر القرآن. ما هو الفرق؟ التفسير هو أن أشرح لك معاني المفردات ومعنى هناك نص، ما معنى الحمد لله رب العالمين؟ الحمد هو الثناء بالجميل على الجميل الاختياري، ولفظ الجلالة معناه المعبود، والرب، ونبدأ نفسر بمفردات ونفسر الآية، هذا اسمه تفسير.
أما التدبر فهو أن تأخذ القرآن من حيز الفهم إلى حيز العمل، وأن تنظر في انعكاسات هذه الآية في حياتك. يعني لما أقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هذه الآية كيف ينبغي أن تنعكس في حياتي؟ إذا بدأت تتكلم بهذا المنظور أنت بدأت تتدبر، أما ما قبل ذلك: ما معنى الحمد؟ وما معنى الرب؟ وما معنى العالمين؟ وما معنى الآية؟ هذا كله تفسير، لم تتدبر شيئًا.
عندما تبدأ تنقل الآية إلى حيز العمل، يعني هذه الآية كيف ينبغي أن تنعكس على قلبي وعلى وجداني وفي واقع العمل؟ الثناء على الله سبحانه وتعالى، وأنه يجب أن يكون منهج حياة، وأنني في كل خطوة من خطوات الحياة إذا أكلت حمدت الله، وإذا شربت حمدت الله، وإذا رزقت بشيء حمدت الله، وأنا أسير إذا استيقظت في الصباح حمدت الله، وإذا أمسيت في المساء حمدت الله. هذا المنهج أحبابي الكرام.
هذه الآية تزرع في نفسك، أول آية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أول آية: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. الحنابلة والحنفية عندنا أول آية هي ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، بسم الله ليست آية من الفاتحة عندنا، المهم سنأتي إلى هناك إن شاء الله. لكن المهم كما قلت لك: إذا أخذت الآية من معناها الإجمالي وبدأت تنظر كيف تطبقها في واقعك وحياتك هنا أنت بدأت تتدبر. قبل هيك دبرت حاجة؟ الرحمن الرحيم، طيب هذا المعنى كيف ينعكس في حياته؟ وهنا نبدأ نعيش مع القرآن.
وهذا الذي يهمني، يعني تفسير العلامة النسبي -رحمة الله عليه- هو خلونا نقول الغطاء، لنتكلم فيما بعد ذلك أصبح منه التفسير، لكننا نريد ما بعد ذلك، نريد أن تنعكس الآيات على قلوبنا وحياتنا. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ كيف تنعكس؟ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ابن القيم ألف كتابًا كاملاً في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، "المدارج السالكين في منازل إياك نعبد"، مصنف من ثمانمئة ورقة في فقط تجليات هذه الآية في حياة الإنسان.
وأنا وإياك غايبين يا عمي، طول عمرنا بنقرأ هذه الآية في الصلاة، حدا داري إيش هذا المعنى وماشيين عليها؟ نمر مرور الكرام. عنا آية عظيمة جدا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وهو يرد الفاتحة وهي لب الحياة أصلاً. ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وقس على ذلك، وعندما تنظر في سورة البقرة وسورة آل عمران والنساء والمائدة، عيب أن تكون أنت مسلم موحد تنتمي إلى أمة الإسلام ويمر بالقطار العمر وعم تنهل من هذه المعاني العظيمة. يعيب بنا والله حتى طلبة العلماء من العامة، نحن نلوم أنفسنا، فإننا لا نظن إلا أننا من أهل التقصير في هذا الميدان.
كطلبة علم وكدعاة إلى الله سبحانه وتعالى تكون مادتنا في كتاب الله شحيحة جداً، بينما معارفنا الدنيوية كثيرة جداً. أحدنا إذا سئل عن أنواع السيارات لربما يعدد أنواع وأصناف وأشكال بدك إياها، وإذا سئل أنواع الجوالات ما يترك شيء، لكن إذا سئل عن آية كتاب الله سبحانه قال لا أدري. وهو جيد أن يقول لا أدري، أعظم أن يفتي بدون علم، لكن المطلوب أنك تصبح تدري، أما أن تبقى طول عمرك لا تدري فهذه والله مشكلة.
إذاً هذا موضوع مهم فيما يتعلق بموضوع التفسير، وأنا نسيت الفكرة التي أتكلم عنها، المهم أعود إلى موضوع الفرق بين التدبر والتفسير، أظن أصبح واضحًا. التفسير هو الشرح، والتدبر انعكاس الآية على حياتك بالمفهوم المختصر، فأنا لا أحب إطالة الكلام وإضاعة المعنى.
لكن كما قلنا، التدبر لا ينبغي أن يبنى إلا على التفسير، لأن التدبر قبل أن تفسر الآية يسبب شطحات، لذلك كثير من أهل التصوف وأهل الإشارة إنما أرادوا أن يتدبروا القرآن لكن سبب خطأهم ماذا؟ أنهم لم يفسروه أولًا. فأنت أولًا تحكم المعنى ثم تتدبر بناءً على ضوئه، وليس تتدبر على ذوقك وعلى مزاجك؛ "والله أنا بدي الآية تكون هيك خلص بخليها هيك". لا، أنت أولًا تفهم الآية كمعنى ثم تتدبر بناءً على هذا المعنى وليس بناءً على خاطرك وذوقك. وهذا سبب البدع والخرافات التي وقع فيها كثير من أهل السلوك، الذين لم يحكموا المعنى القرآني تفسيرًا فأرادوا أن يتدبروا مباشرة فضلوا.
فإذًا الخطوة الأولى تفسر، ثم بعد ذلك تتدبر. طبعًا الصحابة الكرام لكونهم كانوا من أهل اللسان العربي، كثير من الخطوات الأولى كانت بالنسبة لهم منتهية، أن يعرف التفسير ابتداءً أهل اللسان. لكن أنا وإياك من القرن الخامس عشر الميلادي ممن ضعفت ملكاتنا اللغوية وضعف معرفتنا بلسان هؤلاء، نحتاج أولًا إلى التفسير ثم ننتقل إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة التدبر.
ممتاز، إذا نريد أن نبتدئ بمرحلة التفسير لكتاب الله سبحانه وتعالى، فهنا ستقول لي يا شيخ أي التفاسير أبدأ بها؟ أليس كذلك؟ هو دائماً السؤال المتكرر حتى من العامة، يعني العامة أيضًا يحبون مجالس التفسير يشعرون أن هذا العلم يمكن الانتماء إليه. كل مجلس نحو مجلس أصول فقه يقول لك مش شغلتي، لكن قل لي تفسير لكتاب الله وهذا جيد، أنه عندهم في قلوبهم كلام الله سبحانه ويريدون أن يفسروا. لكن يقول لك من أي تفسير أبدأ؟ عمومًا تعلموا إخواني الكرام أنه لا يوجد تفسير واحد غطى جميع الجوانب القرآنية، يعني لو سألت تفسير لكتاب الله أول شيء أجيبك به: وأي تفسير تريد؟ تريد تبحث عن ماذا؟
لأن التفاسير متعددة، وكل تفسير غطى جانباً لم يغطِه التفسير الآخر. فمثلاً شخص يريد أن يهتم بالتفسير البلاغي، الذي يهتم ببلاغة القرآن، بالتأكيد ما راح أقول لك تفسير ابن كثير ولا تفسير السالم، راح أقول لك مثلاً: اذهب إلى الزمخشري، أو إلى حاشية الغيبة عليك، أو اذهب إلى الكتب الطاهرة لابن عاشور في "التحرير والتنوير"؛ هذا يهتم بالجانب الذي تتكلم عنه.
طبعاً آخر يقول لك: لا، أنا بدي تفسير يهتم بإعراب القرآن واللغة، أنا مهووس في هذه الجزئية، فقل له اذهب إلى "البحر المحيط" لأبي حيان رحمة الله تعالى عليه. شخص آخر يقول لك: لا، أنا لا أريد العربي، الله يكرمك، أريد أي شيء بالعربي والإعراب والبلاغة.
بالتالي، إذا أردت شيئاً أسهل، فقل له مثلاً: ماذا يتكلم التفسير؟ وقل لي: بدي تفسير مثلاً يهتم بالمأثور والأحكام الفقهية هكذا؛ تفسير ابن كثير قد يساعدك في تحقيق هذا الهدف. شخص آخر يقول لك: أنا بدي فقط تفسير يذكر أقوال الصحابة والتابعين، لا أريد تفسيراً دخلت فيه آراء الناس؛ اذهب إلى "الدر المنثور" من المتأخرين للسيوطي، أو من الأوائل ابن جرير الطبري، وإن كان ابن جرير مرته عارية حقيقة، ليس من السهل الولوج إليها، لغة عالية تحتاج إلى طالب.
فأنت ملاحظ أنه ما في تفسير واحد. إذا بدك تفسير إشاري، أو تفسير إيمانيات، فهذا ربما يكثر عند المتأخرين في زماننا، أصبحوا يهتمون بالتفاسير التي تكلم عن الإيمانيات والخطرات وما شابه ذلك، فتجد كثير من التفاسير المعاصرة ربما اهتمت بهذا الجانب.
باختصار، أن تبحث عن تفسير يعطيك كل شيء لا يوجد. وبالتالي هذا ماذا يتطلب؟ يتطلب معرفة الهدف. أنا ماذا أريد من التفسير؟ هل أريد كما قلت البلاغة والإعراب وفك النص من الناحية اللغوية، ولا أريد مجرد الإيمانيات والخطرات، ولا أريد معرفة المأثور، ولا أريد تفسير الرأي؟ كل له باب لذلك.
عند طالب العلم، مكتبة التفسير لا يمكن أن تكون من تفسير واحد. إن بعض الطلبة يقول: يا شيخ مثلاً أنا بدي أشتري تفسير واحد وبدي إياه مقنعاً لكل التفاسير، وبشترط عليه كذا، يعني تفسير واحد ما راح أشتري غيره ويكون مغنياً عن كل التفاسير. مطلوب أنت هذا؟ يعني بدك تفسير واحد وأقول لك إنه مغني عن كل التفاصيل؟ لا يوجد. عندي تفسير يركز على جزئية، وعندي تفسير يركز على جزئية أخرى، فأنت تحتاج أن يكون في مكتبتك العلمية من خمس إلى ستة تفاسير حتى تغطي الجوانب المتعددة في كتاب الله سبحانه وتعالى.
ممتاز؟ هذه فكرة مهمة. حتى أي شخص يسألك: ممكن تخرج أنت بتحضر تفسير إيش؟ التفسير النسفي، تقول له: لماذا تفسير النسفي؟ هذا السؤال الذي سنجيب عنه الآن. لماذا تفسير النسفي؟ طيب لماذا ما أخذت تفسير ابن كثير؟ أنت بدك تجاوب وتقول: أنا ماذا أريد بالضبط؟ هذا يجعلك تعرف لماذا هذا التفسير. تريد اللغة؟ ما راح يصلح معك ابن كثير ما بيعالج اللغة، حتى ابن جرير الطبري معالجته محدودة، ولا الدر المنثور ولا تفسيره من أبي حاتم. تريد البلاغة؟ هناك وهكذا كما قلنا، فانتبه ما هو المقصد الذي تريده.
نأتي الآن، ما هو المقصد الذي نريده حقيقة في تفسير "مدارك التنزيل" للإمام النسفي رحمة الله تعالى عليه؟ من أفضل التفاسير النافعة للمبتدئين من طلبة العلم، هذا التفسير ما ميزته؟ هذا التفسير في الحقيقة له عدة ميزات. الميزة الأولى أنه لا يهتم بتتبع الآراء الكثيرة في تفسير الآية؛ لما دخل التفسير للرأي أصبحت الآية الواحدة فيها ست أو سبع أو ثمانية أقوال، وهذا في الحقيقة يعقد القارئ خاصة العامي، لأنه يقول لك أنا سبع ثمانية أقوال، فأنت تقول لي سبع ثمانية أقوال كثيرة. فتفسير النسفي في العادة يخفف على القارئ المبتدئ، يعطيك رأياً أو رأيين ثلاثة بالكثير ويحاول ألا يشتتك، فهذا يجعل التفسير سهل الضبط عليك وسهل المراجعة.
ثانياً، النسفي رحمة الله عليه متنوع ولا يعمم، يعني يتكلم في اللغة بشكل مبسط، ما يحاول يتعمق كثيراً فيها. يتكلم عن البلاغة بشكل مبسط، يعطيك أفكاراً ولطائف إيمانية ومعنوية وإشارات واستدلالات بشكل مبسط، ويعطيك تفسيراً للمفردات بشكل مبسط، فإنت تجده حاضراً في مختلف الأبواب. نعم في مختلف الأبواب لكن ليس بالعمق؛ يعني الزمخشري هو حاضر في البلاغة بعمق شديد، لكنه في الأبواب الأخرى مش حاضر تماماً، بل نظراً يسير.
الزمخشري رحمة الله عليه حاول أن يكون حاضراً في مختلف الأبواب، فهو أصلاً متفنن، فحاول أن يفرق علومه في تفسيره؛ فتكلم في العقائد وتكلم في الفقهيات وفي اللغويات، بل حتى في القراءات، كان يشيل القراءات: وهذه الآية كذا وقراءة كذا، فإنت تستمتع أنك تقرأ في أمور متنوعة ولست محصوراً في جانب واحد، وهذا بحد ذاته يجعل القراءة ممتعة معه رحمة الله. وأعيد وأقول سهل الضبط، فهو لا يطيل التفسير وشرح الآية، ما بغرقك، فخمس ست صفحات في سطر لا، بل أربع خمس أسطر انتهى الأمر، هذا الجيد فيه.
الآن المؤاخذة التي يمكن أن تؤاخذ على اختيار هذا التفسير، أن العلامة النسفي رحمة الله تعالى عليه لم يلتزم بعقيدة السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم. وحقيقة كثير من علماء التفسير كانت عندهم إشكاليات؛ فالزمخشري كان معتزلياً معروفاً رحمة الله عليه، وأبو حيان وغيره كان عنده بعض المؤاخذات، وابن الجوزي صاحب "زاد المسير" كان أقرب للأشاعرة.
يعني كتب التفسير في الجملة هناك من صنف فيها من أهل السنة، وهناك من صنف من الأشاعرة، من الماتوريدية، من المعتزلة. وهذا يتطلب من طالب العلم -إذا كان يدرس مع شيخ- ألا يهاب حقيقةً من دراسة كتب التفسير المتنوعة، حتى ولو كانت لشخص مثل النسفي أو حتى للزمخشري المعتزلي أو ما شابه ذلك؛ لأنك ما دمت تدرس مع شيخ، فأنت نوعاً ما في أمان من حيث إنه ينبه على مواطن الزلل والخطر التي يمكن أن يقع فيها.
لكن لو كان هناك تفسير -أقولها خضوعاً- لو كان هناك تفسير عند أهل السنة الذين يسيرون على طريق السلف بحجم أو بإتقان أو بميزة تفسير النسفي، لكان فيه بني آدم. البعض يقول: طب تصير السعودية؟ نقول حتى تفسير السعودية رحمة الله تعالى عليه وإجمالي، يعني لا يعطيك تلك المعاني العذبة التي يتعمق فيها النسفي في تفسير المفردات بذاك التحليل وإعطاء أوجه الإعراب قليلاً وتحليل النص والاهتمام بالناحية الإجمالية. فلو أن إنساناً جاء يقرأ وحده في منزله، أقول له: نعم، تفسير النسفي أسلم لك، لأنه هنا قد تقع في بعض الإشكاليات أو الأفكار المغلوطة ونحتاج أن نعالجها معاً. لكن طالب...
يريد أن يتعلم منهج التدبر وطريقة تحليل النص، أظن أن تفسير السعدي لن يعالج هذه القضية بالنسبة لك، بل تحتاج إلى تفسير أعمق قليلاً. نأتي أعمق قليلاً، حقيقة ستجد أن خزانة أهل السنة والجماعة في هذه التفاسير محدودة حتى أكون صادقاً معكم؛ نعم، تفسير ابن أبي حاتم، تفسير ابن جرير، لكن هذه تفاسير ضخمة جداً، ما قالوا إن لها ستة وعشرين مجلداً، ودفعت عشر مجلدات طفنا الأعمار والكتاب ما زال بين أيدينا.
فأنا أريد أن أكون واقعياً، أن نأخذ تفسيراً مختصراً يمكن للطالب أن يراجعه، أن يستحضره، أن يتعلمه ككتاب علمي، ويتناول جوانب عدة. الحقيقة بخبرتي، من أفاضل المفسرين الذي استطاع أن يحقق هذا المقصد، والإشكاليات أو الأخطاء التي وقع فيها هي حقيقة معدودة في داخل تفسيره، ليست ظاهرة حتى نقول الكتاب لا، هي أخطاء معدودة يمكن أن ينبه لها ويعرف طريقة أهل السنة وينتهي الأمر من دون تهويل الأمور.
وأنت في أمورك العلمية تحتاج أن تقرأ لأكثر من عالم ولأكثر من مصنف حتى تكتمل الصورة والمشهد له، حتى لو كان أشعرياً أو مادياً. وهؤلاء العلماء، رحمة الله تعالى عليهم، حينما وقع منهم الخطأ بسبب بيئات نشأوا فيها وعوامل معينة أثرت عليهم، ولكننا نحسبهم أنهم كانوا صادقين في طلب الوصول إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا قصارى جهدهم، فنترحم عليهم ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر الخطأ ويتجاوز عن الزلل، وجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء على هذه الكتب العظيمة التي نحن ننتفع منها إلى اليوم.
أنت إذا نظرت إلى ابن القيم وحتى ابن تيمية، وأذكرهم كرموز من المتأخرين لأهل السنة، أغلب كلامهم في التفسير مأخوذ من كتب الأشاعرة والماتريدية، نعم يعودون للجليل، لكنه أيضاً يستفيد من كتب هؤلاء لأن حقيقة دقيقة وفيها لفتات وفيها انتباهات. فلا يمكن أن تكون إنساناً بعض الطلاب عنده قضية الأبيض والأسود، يعني يا أبيض يا أسود، غير ذلك ليس عنده؛ الحياة ليست هكذا يا طالب العلم.
أحياناً الإمام النووي -رحمة الله تعالى عليه- نفع الله بعلومه، كان من كبار علماء الفقه والأصول والحديث، وإن كان عنده أخطاء في العقيدة، فأنت تستطيع أن تأخذ الخير والإيجابيات التي في كتابه، وما في بدعة تخجنبه، وكفينا بهذا الأمر. أما محاولة هذه الحدية التامة والفصل التام والقطع التام، وأنني لا أقرأ إلا لفلان وفلان، ففي الحياة العلمية الأمور ليست هكذا.
من عرف وذاق العلم وعرف شرفه واتسع أفقه، وعرف أعذار العلماء وكيف يعذر العلماء الأوائل -رحمة الله عليهم- وأحسن الظن فيهم، يعرف أن الأمور أوسع من الأفق الذي هو يعيش فيه. الأمور واسعة بحمد الله، والإنسان يأخذ ما ينتفع ممن أجرى الله على أيديهم الخير مع هذا الخطأ. مع هذا، التواصل مطلوب؛ أنت تنبه على الخطأ، لا داعي أن تسقط الشخص بسبب الخطأ، لكن في المقابل ما في داعي أن تحط من قيمة كتاب نافع.
وعلى ما أقول، نافع أدرك ما هو، سميت نافع نافع وعظيم ومفيد. وحقيقة، كأصل في بابه لمن يريد التدرج في علم التفسير، يمكن تجاوز كتاب النسفي -رحمة الله تعالى عليه-، بل هو أصلاً خلاصة لكتب تفسير أعلى منه، هو خلاصة لكتاب البيضاوي، وتفسير البيضاوي خلاصة لمن سبقه، فهو خلاصة وعصارة مجموعة من التفاسير التي سبقت، فرج الله عنا.
كما قلت لكم أحبابي الكرام، منهجنا سيكون في طريقة التفسير أننا نمشي مع الإمام النسفي -رحمة الله عليه- في تعليقه على الآية، نحاول أن نشرح معاني المفردات، وهو يهتم جيداً بهذا الأمر، نحاول أن نعرف بعد ذلك ما هو المعنى الإجمالي للآية والنص، نقرأ اللفتات الطيبة التي يذكرها، ثم نحاول أن ننظر في انعكاسات النص على حياتنا. وهذه الجزئية هي التي تهمني، أن أربط قلبي وقلبك يا أيها المسلم بالقرآن عملياً وليس فقط شكلياً.
أنا لا أريدك أن تعرف معنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وليس لها أثر في واقعك، ليس بذاك الشيء الكبير الذي فعلته. أنا لا أريدك أن تتكلم في التقصير وتعطيه للوجوه والآراء، وهناك خمسة أوجه في تفسير الآية ثم أنت لا تعمل بها. هذه مشكلة الصحابة الكرام -رضوان الله تعالى عليهم-، أحدهم كان يجلس ثماني أو تسع سنوات في حفظ سورة البقرة، هل لضعف حفظه؟ لا، بل عبد الله بن عمر كان ضعيف الحفظ لكنه لما جلس ثماني سنوات يحفظ البقرة لم يكن ضعيف الحفظ، لكنه يعرف أنه ليس المقصود أساساً الحفظ من أجل الحفظ.
وهنا أنبه إلى الإخوان المشرفين على مراكز تحفيظ كتاب الله سبحانه في هذا البلد المبارك، أنه جيد أن تركزوا على موضوع الحفظ لكن ليس هذا هو الهدف وقصارى الجهد. حقيقة ما هو أعظم من أن تحفظوا طلبتكم من القرآن؟ أن تعلموهم كيف يعالجون القرآن وكيف ينعكس القرآن في حياتهم. قد لا يحفظ الطالب، قد يكون ذهنه قليلاً في الحفظ، لكن المهم أن يعرف كيف يتعامل مع القرآن.
هذه المناهج للأسف ضعيفة في مراكز التحفيظ، سواء في الأردن وفي غيرها، أجد حقيقة نوعاً من الضعف العام، وأسبابه عديدة منها ضعف المدرس نفسه، فتجد المدرس في القرآن يسمع للطلبة كتاب الله سبحانه ولا يعرف تفسيره. وأنا أذكر قبل أسبوع كنت في الجامعة وحضر الطلبة عن موضوع أهمية المعالجة القرآنية، ولعل بعضهم يسمعني الآن، فقلت لهم: ما تفسير ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾؟
وكان على رؤوسهم الطير، وحتى تعرف الإشكال العميق. أنت انظر في نفسك، أنا لا أريد أيدياً ترفع، بل انظر في نفسك لو سألتك ما معنى الله الصمد؟ تخيل هذه السورة أنت تقرأها، ولربما البعض لا يعرف غيرها في الصلاة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، في المغرب والظهر والعصر. أنت تختصر مسافات، يا أخي ممتاز اقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في كل سورة وفي كل صلاة، ما عندي إشكال، لكن افهمها وعش معانيها واقرأها كل صلاة. لكن لو سألتك: الله الصمد، هل أنت تعيش على وحي الله الصمد؟ هل تؤثر في حياتك؟
أنا أدرك أن كثيراً منكم لا يستحي أن يقول: والله يا شيخ أنا لا أعرف ما معنى الله الصمد. طيب، أنت ماذا تفعل طوال عمرك؟ الآن أصبح عمرك ثلاثين وأربعين وخمسة وأربعين وأشرأب الشباب، ماذا تفعل إلى الآن حتى تعرف ما معنى الله الصمد؟
وتنعكس على حياتك. الله الصمد، يعني الله هو المقصود في الحوائج؛ طب هذا أعظم معنى أنت تحتاجه في حياتك، أعظم معنى أنت تحتاجه في حياتك اليومية أن تقصد الله لقضاء حوائجك. وأنت عم تقرأ السورة التي تتكلم عن هذا الموضوع، وحضرتك مش عارف شو معنى الله الصمد، هذا حقيقة يدل على حجم المشكلة التي نعاني منها، على الأزمة الكبيرة التي يعاني منها الشباب اليوم، أنه حتى قصار المفصل أحيانا، تفصيل سورة البقرة ولا سورة التوبة، أنا بدي إياك تفصل سورة الإخلاص، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، تكون متقنها تفسيرا وتدبرا وواقعا عمليا.
ترى هذا بحد ذاته شيء عظيم، وهذه الصور فيها علاجات؛ هذه الصور نسميها قصار المفصل. هذه هي التي تربى عليها الجيل الأول من الصحابة في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وكان النبي ﷺ يعالجهم بها. في دار الأرقم النبي ﷺ ماذا كان يعطي الصحابة؟ لو هكذا تخيلت أنا وإياك ورجعت بنا الذاكرة نحاول أن نأخذ مشهد الصحابة في دار الأرقم وهم يتحلقون حول النبي ﷺ، عن ماذا كان يحدثهم؟ أكيد ما كان يحدثهم عن آراء ابن تيمية ولا ابن القيم وماذا ذكروا، عن الفرق وما شابه ذلك. أكيد ما كان يأخذوا درس أصول الفقه ولا درس في إعراب القرآن ولا وجوه الإعراب؛ كفار قريش بس يستنوا يوم الجمعة، مش وقت يتحدث عن الإعراب وهم أصلا أهل اللسان.
أنا بحاول أتخيل دائما ما هي طبيعة ذلك الدرس الذي كان يأخذه الصحابة في دار الأرقم؟ بالتأكيد الوجبة الدسمة التي كانوا يجتمعون حولها هي قصار المفصل، لأنه أصلا السبع الطوال ما كانت نزلت، السبع الطوال: البقرة، آل عمران، المائدة، هذه كلها نزلت في المدينة. الصحابة كانوا يعالجون: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾، ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾، وعم يتساءلون، يعالجون قلوبهم، يعالجون إيمانهم، يشعرون بالاستشفاء الإيماني الذي يمنحهم القوة لمصادمة الباطل؛ فإذا خرجوا لكفار قريش في اليوم الثاني يخرجون بعزة المؤمن وأنفة الإيمان، فيستطيعون المواجهة والصبر.
هذه السور هي التي صنعت أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب الذي فتح مشارق الأرض ومغاربها، هي التي صنعت عثمان بن عفان وعلي وخالد، هي التي صنعت ذلك الجيل الأول من الصحابة الكرام، خصوصا أصحاب الهجرة الذين حملوا هذا الدين على أكتافهم، هي التي صنعت عمار بن ياسر وأبا ذر الغفاري والأسماء العظيمة التي نتغنى بها. أولئك السادة الأفاضل على ماذا؟ والله لم يدرسوا علم الكلام ولا عرفوا الجوهر والعرض، ولا عرفوا الحد الأول ولا الحد الأرسطي، ولم يعرفوا كل هذه الأمور ولا الشكل الأول ولا مقدمة ولا كبرى؛ كلها لم تدخل في أذهانهم بهذا التصور الذي يريدونه، ولم يقع في قلبهم شك ولا شيء، وإنما أخذوا من المنهج العام من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ.
عندما نظر النبي ﷺ في يد عمر بن الخطاب في يوم، فوجد في يده صحيفة من التوراة؛ اليوم بعض الناس إذا وجدت في يده كتاب في الفلسفة الإغريقية أو كذا أو حتى في علوم الغرب، يقول لك: ماذا تفعل يا قائد؟ يقول لك: أنا أتثقف. وقد يستهجن منك أن تقول له: يا أخي، طيب كتاب الله سبحانه ما وضعه معه؟ يا أخي، أنا ما مدي إيدك وتفيدك أكثر من إيدك، بس أنا بدي أسألك كتاب الله ما وضعه معه؟ هل تثقفت؟ حضرتِك متى آخر مرة جلست بتدبر كتاب الله؟ أنا متأكد أن الإجابة جاهزة من الآن: ما قرأ وما تدبر إلا النزر اليسير الذي لا يروي الظمأ.
النبي ﷺ عندما وجد صحيفة من التوراة في يد عمر بن الخطاب غضب. هل غضب النبي ﷺ لأنه يريد أن يحجر على الصحابة كما يتوهم البعض اليوم لما تقول لإنسان: يا أخي دعك من العلوم التي لا تنفع وأقبل على العلوم النافعة، فيقول لك: يا شيخ أنتم لازم توسعوا أفقكم، إحنا لازم نأخذ من علوم القوم وننظر في الغرب، أنتم عايشين في القرن الخامس عشر! فالناس إذا انفتحت وتفتحت كل شيء صار. فإحنا عندما يكون هذا الخطاب يتوهم أنك تريد أن تحجر عليه معرفيا، أخي أنا ما عندي مشكلة في التوسع المعرفي، لكن ليس على حساب إيمانك وقلبك.
النبي ﷺ قال لعمر بن الخطاب: «أمتهؤون فيها يا ابن الخطاب؟ والله لقد تركتكم على المحجة البيضاء». يعني أنا أتيتك بالكتاب وأعطيتك بالسنة، ماذا تفعل بصحيفة من التوراة؟ هو عمر قصده شريف، هو كان فقط يريد أن يتثقف بمفهومنا المعاصر، يعني ينظر هذه كتب التوراة ماذا فيها، لكن النبي ﷺ غضب لأنه يريد أن يؤسس الجيل الأول على منبع صافي ما فيه تشويش.
اليوم طلبة العلم إخواني الذين يخوضوا الكتاب والسنة بعلوم الآخرين يخرجون عجينة، ولا يخرج نموذج إسلامي صافي، وهذا ربما ترونه حتى في الإسلاميين المتصدرين للخطاب اليوم على مغترب أطيافهم؛ اليوم الشيخ بشرف، ويوم بالغرب، يوم يصيب ويوم يخطئ. طيب شو السبب في هذا التدبر؟ السبب أن العجينة العقلية أو الخميرة التي تخمر منها العقل خميرة صعبة، هي فيها شوية آيات وسنة، لكنها فيها ماذا؟ كثير أيضا من الباطل. كيف دخل؟ إنما دخل من خلال أنك قبل أن تخمر عند الخميرة الإيمانية، وقبل أن تعرف منهج القرآن، وقبل أن تنقض عندك الرؤية، حضرتك تجاوزت كثير من الأمور وذهبت إلى ماذا؟ إلى علوم أخرى ليس الآن وقت القراءة فيها.
وهذا أصلا هو سبب وجود الفرق الكلامية والمبتدعة عبر التاريخ؛ يعني المعتزلة من أين ظهروا؟ والأشاعرة والماتريدية؟ سبب انحراف العقيدة في الأمة هو طائفة. هنا أذكر مقولة للجويني رحمه الله تعالى عليه، طبعا الجويني ممن خاض البحر الخضم كما قال، ثم بعد أن عاش حياته في بحور المتكلمين قال: «لقد خضت البحر الخضم، ثم إني أعود وأموت على عقائد عجائز نيسابور». يعني بعد كل هذه اللحظة الطويلة في الفلسفة وعلم الكلام والنظر؛ الجويني إذا تكلم عن أحد أذكياء الدنيا بعد كل هذه الرحلة قال: أريد أن أموت على عقيدة عجائز نيسابور. هذه الحجة التي على رأس الجبل التي تقول لا إله إلا الله وتقرأ القرآن بفطرتها، والله أسلم مني. وما هو الخطأ الذي وقع في الجويني وغيره ممن سلك مسلكه أنه قبل أن يأخذ المنبع الصافي بدون أن يخلطوه، لا تجاسروا.
ودخلوا في علوم المتكلمين وعلوم الفلسفة. قرأوا في الفلسفة الأرسطية والأفلاطونية وفيثاغورس، ودخلوا في هذه الأمور، وقرأوا في فلسفة الفرس وفلسفة الهند. فلما قرأوا معها القرآن في نفس الوقت، ما كانت الرؤية واضحة، أصبحت ماذا؟ عجينة، عجينة مخلطة فيها كتاب وسنة وفيها علوم فلسفية.
فكان الخطأ والصواب؛ لذلك كانوا يقولون أشر الفرق هي المعتزلة لأنهم منحرفون قليلاً، والأشاعرة أفضل من المعتزلة لأن ما أخذوه من القرآن كان أكثر. وأما أهل الحديث، فلماذا كانوا هم الأصعب؟ لأن الإسلام مادتهم الفلسفية مش موجودة أصلاً، لم تقل لهم مادة فلسفية وانشغال بهذه العلوم. طبعاً لذلك كانوا يسمونهم حشوية المتكلمون، وكانوا يقولون عن أهل السنة وأهل الحديث: «ماذا؟ شو أنا حشاوية؟ دراويش مساكين». يا أخي، خلينا دراويش نموت على السنة، أفضل من أن أدخل في علومك ثم أقع في حيرة وأعود في آخر عمري أبحث عن إلهي.
كثير منهم، وطبعاً ليس كلهم، كثير منهم مات على عقيدته، لكن كثير منهم أخبر عن إشكاليته. الغزالي يقول: «دخلت في بطون الفلاسفة ولم أستطع الخروج منها». طيب، إيش جعلك يا غزالي تقع في هذا الخطأ؟ أنصحك أن تقرأ له رسالة بالنسبة للموقف من الضلال، يخبر عن حيرته الكبيرة التي عاشها في حياته، وستكتشف أنت أن مشكلة العلامة الغزالي -رحمه الله تعالى- أنه من البداية لم يأخذ من الكتاب والسنة. مشكلته عنده نهم معرفي وإنسان عقله كبير، لكنه -غفر الله له- لم يقيده بالكتاب والسنة، تجاسر فدخل في علوم الفلاسفة، ودخل وتعمق فيها حتى هو نفسه يخبر ويقول: «وصلت لمرحلة أشك في كل شيء، حتى أشك أني موجود».
تتصور إنسان وصل لأي مرحلة؟ ولولا أن لطفني الله برحمته لكنت من الهالكين، مع أنه عقلياً جبار، أنت تتكلم عن عقلية جبارة. والسبب في ذلك -يا إخوان- هو ما أقول لكم: لا تثق بذكائك. خذها في حياتك العلمية: لا تثق بذكائك. ما راح تكون أذكى من الغزالي والجويني والرازي وعباقرة القوم، فهؤلاء أذكياء ونشهد لهم بالذكاء، ومن يعرف ذكاءهم، لكن المشكلة أنهم تجاسروا على أبواب هم أنفسهم اعترفوا في آخر أعمارهم بالخطأ التاريخي الذي ارتكبوه.
حتى الجويني، وأنا هذا الذي درسته الجويني، الجويني في كتابه «الغياث من إحياء الأمم» يقول: «ولو قلت إن وزر هذه الأمة في خلافها الذي حدث بينها هو في رقبة الخليفة المأمون يوم العرض الأكبر لما كنت مجازفاً في ذلك». ماذا يقول؟ من الذي ترجم وكتب الفلاسفة إلى الإسلام وبدأ من بعدها الخلاف؟ الخليفة المأمون هو الذي فتح دار الحكمة كما تعرفون، وبدأت عملية الترجمة من حدب وصوب. ومن الذي كان يترجم للأسف؟ اليهود والقرامطة والملحدون، هم الاثنين يترجمون هذه الكتب، والمأمون فاتح الأبواب.
نحن علينا كل هذا الغثاء. فالجويني يرى أن الخطأ التاريخي الذي وقع في هذه الأمة بدأ من عند المأمون؛ لما أنت يا مأمون سمحت بدخول كتب الفلاسفة؟ قل يا بني: أنا ما عندي مشكلة في العلم، الرياضيات والهندسة ما عندنا مشكلة في العلوم التجريبية، لكن هذه العلوم التي سموها الإلهيات، نحن عندنا المخزون الكافي، أنا لا أريد هؤلاء، أنا عندي الكتاب والسنة، أنت لماذا تدخل علي هذه العلوم وتشوش علينا؟
فمن لما ترجمت هذه الكتب والأمة معتزلة وأشاعرة وأهل حديث، ثم بعد ذلك تفرقت حتى الأشاعرة أصبحوا فرقاً والمعتزلة فرقة. فيعني كلام الجويني فيه شيء من الصواب، أنه من سيتحمل هذه الأوزار هو من أذن بدخولها لساحة الإسلام ابتداءً. والجويني بهذه العبارة يجعلك تدرك حجم الخطأ التاريخي عندما لا تنظر في الكتاب والسنة ابتداءً وتنظر في غيرها.
يا أحبابي الكرام، من ينظر في كتب الفلسفة أو الكلام أو العلوم الأخرى في الإلهيات عليه أن يكون متحصناً بالكتاب والسنة، متطلعاً بها وتنظر فيها بعين الناقد، بحيث تأخذ ما يصلح وتطرح ما يفسد. أما وأنت هش البضاعة في الكتاب والسنة وتريد أن تزعم أنك مثقف وأنك تقرأ، فهذا نوع من الإشباع العاطفي واستعراض العضلات، لكنه لا يدل حقيقة على أنك على هداية. ولا تظن أنه كلما ازداد حجم قراءاتك في كتب متنوعة ستزداد هداية، بل بالعكس، قد تزداد شقاءً كلما توسعت قراءتك في العلوم البعيدة عن الكتاب والسنة، قد تزداد شقاءً.
أنا أدرك أن بعض الخطابات الدعوية اليوم في المتصدرين، ممكن أدخل لكم يا شباب: اقرأوا يا شباب، اقرأ لكل إنسان بتشوفه، لا تحجر على نفسك، لا تكن قيد ثقافة وفكر. هذا الطرح إذا سمعتموه من أحد الأفاضل أو المتصدرين اعلموا أنه طرح ليس بدقيق. يعني أنت لما تتكلم عن اللجوء في مجمع عام وهناك العوام كلهم يسمعونك، عندما تقول لهم جميعاً: اقرأوا ولا تقيدوا أنفسكم، بدك إياه يقرأ في كل شيء ويدخل في الهبط واللفظ وهو لا يملك الميزان للنظر، أنت أفسدت عقول العامة بهذه الطريقة. لا، خل هذا العام يجلس على الكتاب والسنة ويتدبرها ويعيش معها، وإنه مسامح، ما بدي إياه يقرأ لفلان وفلان، خليه يعيش السنة، صدقني سيخرج نفوساً سوية، ستخرج نفوساً تغير المعادلة في هذا البلد وفي غيرها من الدعاة، نفوس تعيد الإيمان إلى المنصة لأنها نفوس تربت على القرآن.
أما هذا الخلط وهذه العجينة التي تريدون أن نصنعها بعيداً عن مائدة القرآن بتجارب من سبقكم، لم تخرج شيئاً. المهم نقول يا إخواني الكرام إن طريقتنا في تدبر كتاب الله ستكون بهذه الطريقة. ومن أعظم المعاصرين الذين انتبهوا لأهمية إحياء المشروع القرآني من جديد في هذه الأمة هو الأستاذ المرحوم -رحمه الله تعالى- الأستاذ فريد الأنصاري.
فريد الأنصاري من أهل المغرب، له رسائل كثيرة ومحاضرات على اليوتيوب، ومن أكثر الناس الذين تشعر بصدقهم عندما يتكلمون عن أهمية البعث القرآني وإحياء مشروع القرآن في الأمة. إنسان طبعاً خاض بأمور السياسة وعاش مع الإسلام السياسي في كل مراحله، لكنه في آخر عمره، في آخر خمسة عشر عاماً، ترك كل شيء وعاد ليبدأ مشروعاً قرآنياً هدفه بعث القرآن في حياة الأمة. واسمعوا محاضراته وهمساته وكلماته، له كتاب مختص اسمه «رسالات أهل القرآن» أو «رسالات القرآن»، كتاب مختصر يعطيك مضمون المشروع الذي يبحث عنه. هو يخبر أن سبب الافتراق حتى بين المسلمين، سبب الافتراق حتى بين الإسلاميين وحتى بين شباب الدعوة، هو أننا لا نلتقي على مائدة واحدة، أننا نلتقي على كلام فلان وعلان من الرموز من الشخصيات التي نثق بها، لكننا لو وحدنا...
واتفقنا أن تكون مائدة القرآن؛ أنا لا أقول سينتهي الخلاف، لكنني أقول سيتضاءل كثيراً حجم الخلاف بين شباب الأمة؛ لأن القاعدة والمنطلق الذي ينطلقون منه ليست الرموز ولا الأسماء ولا الأحزاب ولا الجماعات، وإنما ينطلقون من ماذا؟ مما انطلق منه الرعيل الأول، انطلقوا من كتاب الله سبحانه وتعالى.
فنحن إذاً نحتاج إلى أن نبعث المشروع القرآني من جديد في نفوسنا، إلى أن ندرك عظم هذه المجالس التي خطبنا إليها اليوم. أنا اليوم فقط لو شحنتك هذا الشحن لتدرك عظم ما أنت مقبل عليه، وضخامة المشروع الذي ستبدأ به. هذا المقدار؛ لأنني أدرك أن كثيراً منكم يظن أنه مجلس تفسير يتبارك بالمشايخ الأفاضل -الله يجزاهم الخير والبركة- نقعد مع الشباب الطيبين، لا! إذا كنت تتعامل بهذه الطريقة، وأنا أضمن لك أنه الإنسان لن يكمل بالأستاذ.
إذا كنت تتعاون بهذه الطريقة؛ لأن هذه مجالس يجلس الشيطان في طريقها، فبدك تدرك فخامة ما أنت مقبل عليه، فخامة الكلام الذي ستجلس تحلله، أنك ستقرأ القرآن بطريقة أخرى. الآن بدنا نترك الطريقة السابقة في قراءة القرآن، هذه الطريقة السريعة التي لا تنتج، ونبدأ بقراءة واعية لكلام الله سبحانه وتعالى، نريد أن تكون مؤثرة ومنتجة في حياتنا.
أنا ما بدي أطول في المقدمة أكثر، وأريد أن نتبرك بأن نبدأ القراءة في الصفحات الأولى حتى يكون إن شاء الله بركة المجلس الافتتاح بهذا الكتاب المبارك، وجزى الله الإمام النسفي عنا خير الجزاء وغفر زلته وخطأه. نبدأ إن شاء الله من المقدمة، من عند قوله: «وقد سألني...».
طبعاً أحبابي الكرام، هناك تنبيه؛ معرض الكتاب الدولي في الأردن سيفتتح يوم الخميس والجمعة، واليوم الإخوة وفروا ثمانية عشر نسخة، والوعد بعد عشرة أيام يوفرون مئة نسخة أخرى. طبعاً الطالب، ثمانية عشر ديناراً يا شيخ سعر النسخة؟ والله إنها تقطع الرقاب! لا، لأن هذه الثمانية عشر ديناراً الله أعلم أنك ممكن تدفعها في مطعم، أو تدفعها في دوار الواحة على الصروات، الله يكرمك.
ثلاثة جاءت على كتاب تفسير لكتاب الله سبحانه تتزهد به. أنا أعرف حجم العوائق النفسية التي تقف أمام رتبة ثمانية عشر ديناراً، لكن حاول أن يكون في بيتك كتاب تفسير، إذا ليس لك، فليكن لزوجتك أو لأبنائك. فلا تظن أنك فعلت كثيراً، أصلاً لا تستعظم أنك دفعت ثمانية عشر ديناراً.
اهدأ قليلاً؛ إن الإمام مالك نقض سقف بيته من أجل أن يشتري كتب العلم، يعني باع سقف بيته، تخيلوا إنساناً باع سقف البيت بدون سقف من أجل أنه يشتري كتب العلم! أنا ما بدي أقول لك بع مئة سقف بيتك، أنا بدي أقول لك: اتخلَّ عن وجبتين أو ثلاث من الوجبات السريعة التي تأكلها، وفكرهم شوي، وخذ أشياء خفيفة واشترِ الكتاب، من أجلك أنت ومن أجل أبنائك ومن أجل بيتك، ليكون عندك كتاب تفسير.
كما قلت لكم، الإخوة يسعون لتوفير النسخ إن شاء الله بعد عشرة أيام أيضاً. معرض الكتاب الدولي يوم الخميس يبدأ، وأظن أين معرض الكتاب؟ الله يجزاهم الخير عملوا لنا إياه في المحكمة، تذهب تحاول أن تبحث عن كتاب تجد سعره متوفراً. طبعاً بعض الطلبة يسألون عن نصف الكتاب أو طباعته، المشكلة يا أخي لو طبعت الكتاب بنفسك سيكون أغلى من سعره؛ لأن الكتاب ثلاث مجلدات، كل مجلد سبعمئة وخمسين ورقة، بالتالي المجلد الواحد سيأخذ سبعة دنانير، فثلاثة مجلدات ستكون واحد وعشرين ديناراً، بينما الإخوة -بأمنية- بثمانية عشر ديناراً وهو بنسخته الحقيقية.
حاول أن تفكر بشكل مميز في هذا، واسأل الله سبحانه وتعالى. أحبابي الكرام، دائماً تأتي للمجلس بدون كتاب، ومن تعظيم العلم أن يكون كتاب العلم بين يديك، لكن من لم يستطع فليخبرنا فلعلنا نجد له حلاً. الكلام واضح، الشيخ عبد الرحمن مئة خط، الله يرضى عنه.
بسم الله نقرأ مستعينين بالله. بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وآله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والسامعين أجمعين، رحمه الله ولوالديه ولأشياخه ولمعلميه ولمن له حق عليه، إنه يعبد الله بعلمه وعلمه في الدارين.
قال: «وقد سألني...»، إجابته كتاب وسط في التأويلات، جامع لوجوه الإعراب والقراءة. كتاب وسط يعني هو يعترف أن كتابه ليس المختصر ولا الموسع، كتاب وسط يعني حجمه مناسب. وفي التأويلات، والمُراد به التفسير؛ التأويل هنا ليس المراد به التأويل بالمعنى الأصولي، وإنما المراد بالتأويل هنا التفسير.
واضح أن هذا الكتاب هناك من طلب من النسفي أن يؤلفه، ولم يتضح لنا من هو، المهم أن هناك إنساناً واضح أنه يموت على النسفي -رحمة الله عليه- طلب منه أن يعطيه كتاباً وسطاً في تفسير كتاب الله سبحانه وتعالى. إذاً هو الآن يذكر لك ميزة هذا الكتاب، لذلك أنا أهتم بالمقدمة لأنها طبيعة هذا الكتاب الذي ستقرأه.
أولاً، أنه كتاب متوسط، لا بالطويل الممل ولا بالقصير المخل. ثانياً، جامع لوجوه الإعراب والقراءات، وهذه ميزة ثانية؛ أن الكتاب فيه شيء من الإعراب، هو لا يطيل النفس في الإعراب، لكنه يعطيك المبتدأ من الخبر، والفعل من الفاعل، والمفعول مطلق، والمفعول لأجله.
وهنا كثير من الطلاب يستصعب كتب التفسير لأنها تتكلم في الإعراب، وإذا فتح كتاب تفسير يقول لك: أنا يا شيخ والله ما أعرف ماذا يقولون. طبعاً؛ لأن علم التفسير أحبابي، إذا أردت أن تفسر أي آية يجب أن تتقن اللغة العربية ولو كنت مبتدئاً. أما الإنسان الذي لا يعلم أن الفعل من الفاعل والمبتدأ من الخبر، فهذه قامة كبرى ومشكلة.
أنا لا أريد أن أُكسبك هذه الأساسيات الآن، ولا أريدك أن تتعثر مع بعض الآيات التي يكون إعرابها صعباً، لكن بدنا الحد الأدنى أن تكون عندك دورة أو مبادئ في علم النحو تكون أخذتها، والأمر يستحق. الإنسان فينا أحياناً لا يريد المحاسبة، ويجد أن شهادة المحاسبة لا تأتي بشيء، فيذهب لعمل دورات الـ SMS وغيرها من المسميات الكبيرة لمجرد تفعيل نفسه ليجد وظيفة، بينما أنت هنا تعرف أن الكتاب الكريم هو أعظم شيء نزل من السماوات.
أما يستحق منك أن تأخذ ولو دورتين هكذا صغارًا، تغلب نفسك لتأخذ أساسيات النحو حتى تستطيع أن تفهم كتاب الله سبحانه وتعالى؟ لابد أن تري الله اهتمامًا حتى يفتح الله عليك. أما الإنسان غير المبالي، من نسي الله فنسيه، أنت نسيت كتاب الله ولم تهتم به في حياتك، فالله من كل هذه المعاني الشريفة ولا يلتفت إليك.
فإذا كان الكتاب جامعًا لوجوه الإعراب والقراءات، فهو سيشير إلى الإعراب وإلى القراءات، متضمنًا لدقائق علم البديل والإشارات. أيضًا سيشير إلى علم البديع، وعلم البديع علوم المعاني. سيشيد إلى شيء من القرآن وهذا يزيده جمالًا. لماذا حكى هنا ذلك؟ لماذا قدم المفعول به على الفعل؟ هنا تبدأ عظمة القرآن وجماله؛ أن حكي هذه اللفظة بحد ذاتها بهذا الأسلوب لتوصل رسالة معينة. لماذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ولم يقل نعبدك؟ المهم أن معناها يختلف عنها تمامًا، ولكن لضعف العربيات في بعض الناس لا يعرفون الفرق. ما الفرق بين إياك نعبد وبين نعبدك؟ لكن الذي يتقن البلاغة ويفهم شيئًا منها سيدرك أن القرآن عجيب ورائع وراقي وفخم في طريقة عرضه للموضوع ومعالجته.
والإشارات التي هي كما يقولون علوم السلوك، أهل التصوف وحب الإشارة، أن هذه الآية تشير إلى شيء إيماني، شيء روحاني، فهو يضمن تفسيره شيئًا من هذه الإشارة وفق قوايل أهل السنة والجماعة. هو يقصد بالجماعة الشيخ -رحمه الله- منهم من إخواننا الماتريدية، لكنهم في الحقيقة لم يصيبوا طريقة أهل السنة والجماعة في الكثير من إخوانهم، لكن لا تنزعج من هذا الأمر، فهذا مقدار علمه باختصار، وهذا ما وصل إليه الرجل.
وأسأل الله دائما الهداية وأسأله التوفيق. وإياك أن تستقل من قدر عالم أو تقلل من شأنه أو تتهكم به أو تأخذه فكاهة؛ أمانة دعك من هذا، فربما أنت لم تصل إلى شيء يسير مما عنده من العلو. فاعلم أن هؤلاء قمم في علومهم التي وصلوا إليها، لكن هل تفتخر أن الله هداك للعقيدة الحقة؟ هذا شيء يفتخر به، لكن لا يقلل من شأن العلماء الربانيين.
الشيخ غالي عن أباطيل أهل البدع والضلالة، وهذا جيد أنه لا يدخلك ويقحمك في مناقشات، هو لا يريد الدخول في مناقشات الآن، بل يريد فهم معنى الآية. أما قضية ورد فلان على فلان ونوقشت الآية، فهذا سيطيل الأمر وليس هذا مقصد النسفي -رحمه الله-.
يقول: «وكنت أقدم رجلًا وأؤخر أخرى استقصارًا لقوة البشر عن درك هذا الوحي، وأخذًا بسبيل الحذر عن ركوب الخطر». هو يدرك عظمة ما يتكلم فيه، فيقول لك: يا عمي أعطوني كتاب أصول فقه بشرح لكم إياه، أعطوني كتابًا في اللغة العربية بشرح لكم إياه، بس والله الكلام عن الله ثقيل، وهذه هيبة العلماء في تفسير القرآن. فهو حتى لا يقول عن نفسه إني سأفسر لكم القرآن، فهذه كلمة كبيرة لا يمكن لمثله أن يقولها، وإنما هو ناقل ما يجده، هو ليس مفسرًا، الذي يفسر يكون بالحجم والعيار الثقيل، كالعيار النسفي والعيار الطبري وابن أبي حاتم وابن كثير، وهؤلاء القمم الشامخة.
يقول إنه كان مترددًا في كتابة هذا الكتاب، ما سبب تردده؟ أن الكلام في القرآن ثقيل، ولو أخطأ في مسألة لغوية يمر الأمر، ولو أخطأ في مسألة فقهية يمر الأمر، بس لو أخطأ في تفسير كلام الله سبحانه فهذه عظيمة، وهي من أعظم الكبائر، ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]. لذلك كان أبو بكر الصديق يقول: "أي أرض تقيني وأي سماء تظلني" إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم.
اليوم أنت في مجلس عوام المسلمين، وفيه إنسان لا يعرف اللغة العربية، وعادي تريد رأيه في الآية، فيقول لك الشيخ: حبة حبة. هو يقول لك: أنا أخشى أن أتكلم في القرآن، أخشى أن أوصف الآية بطريقة خاطئة، أخشى أن أعطي معنى غير دقيق، فهذا الذي يجعله يحجم. فوالله تتعجب من تتابع الناس اليوم عن الخوض في الكتاب والسنة هكذا بآرائهم، ألا تخشون من لقاء الله؟ ألا تظنون أنك ستقف بين يدي الله ويسألك في اليوم الفلاني عما كتبت على الفيسبوك في تفسير آية كنت تعرفها وكتبتها من باب أن يقال فلان جامع؟
حتى لو جرأك الشيطان على أي شيء من العلوم وخلاك تتكلم فيه بما لا تدري، حاول أن تضع خطًا أحمر في موضوع القرآن. ممكن الشيطان يجرأك على مسألة لغوية وأنت لا تفهم فيها، أو في مسألة فقهية وتفتي فيها برأيك، لكن أنصحك نصيحة صادقة والله من القلب: إذا وضعت لكتاب الله سبحانه وتعالى ضع الخط الأحمر، لا تتكلم حتى يكون المعنى نصب عينيك ومستحضرًا تمامًا. لا تتجرأ على كتاب الله سبحانه لأن الكلام عن الله عظيم.
يقول: «وكنت أقدم رجلًا وأؤخر أخرى استقصارًا لقوة البشر». نحن هل قوتنا تدرك فعليًا أو تستطيع أن تصل إلى لب كلام الله سبحانه؟ هو يقول: أنا لا أظن أنني كذلك. يقول: «وأخذًا بسبيل الحذر عن ركوب الخطر». إذا أردت ركوب سفينة التفسير فهي سفينة خطيرة، السلامة لا يعدلها شيء. لكن مع ذلك واضح أنه راجع نفسه، وعرف أنه صاحب قدرة في المعقول، وأن حاجة أهل الزمان إليه كبيرة، فلعله هذا دفعه، قال إنه تقدم خطوة من أجل مصلحة الناس لكنه تقدمها على استحياء، وهذا الجميل فيه، تقدمها على استحياء خشية من الخطر.
ثم قال: «حتى شرعت فيه، أكملت بتوفيق الله والعوائق كثيرة، وأتممته في مدة يسيرة وسميته مدارك التنزيل وعطايا التأويل». اسمه مدارك التنزيل، والمدارك جمع مدرك، ولعل المدرك هنا مصدر ميمي والمراد إدراك التنزيل.
إدراك معنى التنزيل وهو القرآن، التنزيل المراد به القرآن، مدارك التنزيل وحقائق التأويل. والتأويل هنا بمعنى فكأنه يريد أن يعطيك ما هي حقائق التفسير لكتاب الله سبحانه وتعالى. إذاً مدارك التنزيل أي أن تدرك معاني آيات الله سبحانه، وأن تصل إلى حقيقة تفسيره وتأويله بالشكل الصحيح؛ هذا معنى عنوان الكتاب: مدارك التنزيل وحقائق التأويل. وهو الميسر لكل عسير، وهو على ما يشاء قدير وبالإجابة الجدير.
بسم الله الرحمن الرحيم. سورة مكية ومدنية، والأصح أنها مكية ومدنية؛ نزل بعضها في مكة ثم نزل في المدينة حين أولت القبلة إلى الكعبة. والآن أحبابي الكرام سنبدأ بتفسير الفاتحة، وهي من اسمها الفاتحة، نفتتح بها هذا المجلس التفسيري المبارك.
فاتحة الكتاب، أحبابي الكرام، هي سبع آيات باتفاق الأمة على خلاف في طريقة تعداد هذه الآيات السبع. تضمنت منهج الحياة باختصار بدون مبالغة، هذه الآيات السبع على قصر مبانيها لكنها تضمنت منهج الحياة، أساس وجودك في هذا الكون مبني على سورة الفاتحة، فأياك أن تستقل من عظمتها. لذلك سماها الله وسماها النبي ﷺ بالقرآن العظيم؛ اسمها القرآن العظيم لأنها أعظم سورة في كتاب الله.
من أين أتت هذه العظمة؟ بدنا نكون فاهمين، ما بدنا فقط نرفع هكذا أسماء ونحن لا ندرك. أتت عظمتها من الموضوع الذي تطرقت إليه، هي كما قلت لكم تطرقت لأهم وأخطر موضوع في حياتك أيها المسلم وأيتها المسلمة، وخلاصتها كما قال العلماء في ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: هذا أكبر موضوع أنت تحتاجه في حياتك.
أنت لست محتاجاً لتتخرج من جامعة، وليس محتاجاً ليكون عندك رصيد؛ الله عز وجل تكفل لك بالرزق فلا تخاف، رزقك سيصل إليك، أنت ابذل الأسباب فقط. أنت لم تخلق من أجل الطعام ولا الشراب، ولا من أجل أن تنكح وتأتي بأبناء، هذه كلها أمور مطلوبة على هامش الحياة، لكنك خلقت من أجل ماذا؟ أن تعبد الله سبحانه وتعالى وتحقق العبودية لله في الأرض.
وهذه العبودية تحتاج أن يهديك الله عز وجل إليها؛ لأن هناك من يعبد الله على غير بصيرة، هناك من تاه عن معبوده أصلاً، هناك من أشرك بالله. الضلالات كبيرة والعمايات، واليوم وأنتم تشاهدون العالم، كلما ازدادت الأمة ابتعاداً كلما ازدادت الضلالات والمتاهات والحيرة. أنت تحتاج إلى الله سبحانه وتعالى حتى هو الذي يأخذ بيدك إليه، فأنت تحتاج إلى هذه السورة وإلى تكرارها في كل صلاة، لأنها ركزت على أعظم وأفخم وأهم موضوع في حياتك أيها المسلم وهو الهداية إلى الله سبحانه وتعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 2-7].
شفتوا كم المباني معدودة لكنها والله من الله سبحانه وتعالى عظيمة. ودائماً أيها الأخ الكريم وأيتها الأخت الكريمة، إذا أردت أن تستشعر القرآن فعليك أن تستشعر من الذي تكلم به ابتداءً؟ وهنا تأتي عقيدة أهل السنة لتتجلى في إيماننا أن الله سبحانه وتعالى يتكلم جل في علاه. هذه الآية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، من أول من تكلم بها؟ الله! وهذه لحالها تحتاج إلى وقفة.
هذه الآيات المتكلم بها صدرت من الله جل في علاه، وهذه تجعلك تقشعر لما تفكر بحجم هذه القضية. عندما أقرأ في كتاب أصول الفقه، أو كتاب نحو، ككتاب ابن مالك، هذه كلمات صدرت من ابن مالك أو من ابن تيمية، كلام بشر في النهاية يقبل الصواب ويقبل الخطأ. لكن عندما أقول "الحمد لله رب العالمين"، أنا أكرر كلمات قالها الله سبحانه وتعالى في سابق أمره، هذا بحد ذاته شيء مهيب ومشهد عظيم أن تتلو كلاماً أول من تلاه وأول من صدر عنه. لذلك دائماً في عقائد أهل السنة: منه بدأ وإليه بدأ، من الله.
فأنت تكرر هذه الكلمات وتعيدها وأنت موقن أن الله سبحانه وتعالى هو الذي تكلم بها، وهذا الاستحضار هو الذي سيعينك على استحضار جمالية النص وروعته. بدون استحضار هذه المشاهد ستتعامل مع القرآن كما تتعامل مع أي كتاب آخر في حياتك. استحضار من المتكلم، استحضار أن هذه الآيات عاشت رحلة من فوق السماء السابعة حتى وصلت إلى السماء الدنيا إلى بيت العز، ثم نزلت على النبي ﷺ؛ فهي كلمات ليست من أجواءنا الدنيوية، هي كلمات علوية، وهذا بحد ذاته يزيد فخامة الأمر عندي.
أنا لا أقرأ أي كلام، أنا أقرأ كلام الله، كلام عاش رحلة طويلة من أجل أن يصل إلينا. بالتالي أنا متأكد أن كل كلمة نزلت من السماء السابعة إلى الأرض هي كلمة تستحق النزول، لا توجد كلمة هكذا زيادة لا معنى لها، أو كلمة من أجل إكمال الفراغ، أو كلمة حشو كما يكون في كلامنا. كل كلمة، كل حرف، كل شيء مقصود لذاته، كل شيء أراد الله عز وجل به معنى.
هذا يجعلك أكثر انتباهاً، كثير من الناس لا ينتبهون للدقائق فتضيع، ويظن أن الكلام يكمل بعضه بعضاً بالجملة فقط، لا لا، لا يوجد كلمة هكذا فقط من أجل الإكمال، كل كلمة مقصودة لذاتها؛ فالله سبحانه وتعالى لا يعبث ولا يلعب سبحانه وتعالى. الله عز وجل بعث هذه الرسائل الإلهية بهذه الفخامة وبهذا المشهد المهيب، ونزلها خلال ثلاث وعشرين عاماً لتعلم حجم هذا الكنز الذي بين يديك.
مشكلتنا الأساسية أننا لا ندرك قيمة ما نقرأ، ولا ندرك عظمته ولا هيبته، وبالتالي يبقى تأثرنا محدوداً. في هذه الساعة الروحانية، لربما أحياناً تتأثر بنغمة صوت الإمام وهو الذي يحرك وجدانك، لكن أنت نفسك لو قررت، ربما لا يحرك وجدانك؛ فقد يعبث بك الشيطان ويقول لك: "أنت تخشع لأن صوت الإمام الفلاني"، وبالتأكيد الصوت الجيد مطلوب ويساعد على الخشوع، لكن نحن نريد ما هو أبعد من ذلك.
أنا لا أريدك أن تخشع من أجل صوت الإمام، أنا أريدك أن تخشع لأن الكلمة تقتضي الخشوع، لأن الكلمة تطلب الهيبة، لأن الكلمة تقتضي منك لله سبحانه وتعالى التعظيم والإجلال. كيف أجعل الكلمة هي التي تخضعني وليس الصوت والنغمة؟ كيف أجعل الكلمة هي التي تخضع القلب؟ أن تتفكر من تكلم بها، وما المراد بها هنا؟ ما...
التي أتت هذه الكلمة لتحققها هنا، تبدأ تشعر بأن الكلمة هي التي تؤثر فيك وليس مجرد الصوت. الآن سنبدأ بسورة الفاتحة، وكما قلت هذه السورة أتت لتعالج أهم قضية في حياة الإنسان وهي طلب الهداية، وكل القرآن بعد ذلك من البقرة إلى الناس هو تفصيل لما ورد مجملًا في سورة الفاتحة.
أنت طلبت من الله ماذا في سورة الفاتحة؟ ماذا طلبت؟ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]. مش هذا الطلب الذي طلبته؟ إذاً القرآن من البقرة إلى الناس سيخبرك ما هي الهداية المطلوبة وما تفاصيلها من الأوامر والنواهي.
ومن هم الذين أنعم الله عليهم؟ فيعطيك قصص الأنبياء والصالحين وأهل الرشاد. ومن الذين غضب الله عليهم وضلوا؟ فيعطيك قصص القوم الذين ظلوا وتاهوا، ثم ما هي النتيجة والثمرة التي حصل عليها أهل الهداية؟ فيعطيك تفاصيل الجنة وأحكامها. وما هي النتيجة التي حصل عليها أهل الشقاء؟ فيعطيك تفاصيل النار وأحكامها.
القرآن إذا عشته من البداية إلى النهاية، هذه مواضيعه: ما معنى الهداية؟ أوامر ونواهي. من الذين أنعم الله عليهم؟ نماذجهم. من المغضوب عليهم والضالين؟ نماذجهم. ماذا حصل هؤلاء؟ وماذا حصل هؤلاء؟ اقرأ أنت القرآن من البقرة إلى الناس ستجد صدق ما أقول إن القرآن لم يخرج عن هذه المعالجة.
والمراد من كل هذه المعالجة هي الإجابة التفصيلية لما ورد مجملًا في ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وهذا بحد ذاته يعطيك لماذا هي فاتحة الكتاب؛ لأنها أعطت المشهد الإجمالي، ثم بعد ذلك سيبدأ المشهد التفصيلي في السور، صورة بعد صورة ومشهداً بعد مشهد.
لذلك الأصل وأنت تتدبر القرآن أن تعرف أن سورة البقرة ما هو المشهد الذي عالجته من ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؟ سورة آل عمران ما هو المشهد الذي عالجته من ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؟ سورة المائدة بالتأكيد جاءت لتعالج مشهدًا معينًا، والنساء وهكذا، أكمل إلى خاتمة المصحف ستجد أن كل سورة أتت لتغطي جانبًا معينًا تفصيليًا من جانب المشهد العام ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
وهذا يجعلك تستشعر أن القرآن وحدة واحدة، وأنها حلقات متسلسلة، كل حلقة تكمل المشهد، المشهد النهائي للهداية. وأنا بإذن الله سأحاول أن أذكرك في كل مجلس أننا نبحث عن الهداية بكتاب الله سبحانه وتعالى، وإنما نتعمق في تفاصيلها، ﴿وَلَا يُنبِئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سبأ: 3]. أفضل من سيتكلم لك عن الهداية وعن تفاصيلها هو الله جل في علاه الذي أنت تريد الهداية إليه، فلا تحاول البحث في مكان آخر ابتداءً. تريد الهداية بتفاصيلها المحكمة؟ ابدأ بكتاب الله سبحانه وتعالى.
بدأنا في موضوع تنزل السورة، وكما قلت ستلاحظون جمالية النسفي في تطرق لمواضيع متعددة. أول موضوع بدك تعالجه في أي سورة، وعادة يعالجه العلماء، هو متى نزلت هذه السورة؟ فقال لك النسفي رحمه الله: القول الأول أنها مكية، وطبعًا لاحظوا أنه قال مكية ثم قال: وقيل مدنية. لما أقول "وقيل" فإنه في العادة يكون في هذا القول ضعف.
إذا القول الأول أن هذه السورة مكية، ما معنى أنها مكية؟ نزلت قبل الهجرة. لقيته صحح الخطأ من أن البعض يقول مكية يعني نزلت في مكة؛ لا، مكية يعني نزلت قبل الهجرة. أي سورة نزلت قبل الهجرة إلى المدينة هي سورة مكية ولو لم تنزل في مكة. بعض الآيات نزلت والنبي ﷺ في الطائف، هذه السور مكية أيضًا، لأن العبرة في المكي والمدني ليست مكان النزول وإنما وقت النزول.
فما نزل قبل الهجرة فهو سورة مكية ولو لم ينزل داخل مكة، وما نزل بعد الهجرة فهو سورة مدنية. قالوا ولو نزل في مكة في بعض الآيات نزلت على النبي ﷺ يوم فتح مكة، هذه الآيات كيف تصنفها أنت؟ تقول الشيخ نزلت في مكة، هل هي مدنية؟ نعم مدنية، لأن المعيار في تقسيم القرآن إلى مكي ومدني هو قبل الهجرة ولا بعد الهجرة وليس مكان النزول، فيمكن الآية تكون نزلت في مكة وهي مدنية لأنها نزلت بعد الهجرة، والعكس بالعكس.
فإذاً القول الأول أنها مكية أي نزلت قبل الهجرة، وهذا هو المشهور. حقيقة القول الأول هو المشهور، وأن الصحابة أصلاً الصلاة فرضت في مكة، وأن النبي ﷺ قبل أن تفرض الصلاة أصلاً خمس صلوات كان يصلي ركعتين في الصباح وركعتين في المساء، ولا يعرف -كما قال أهل العلم- صلاة في تاريخ الإسلام بدون فاتحة الكتاب. فالأظهر من أقوال أهل العلم فعلاً أنها سورة نزلت في مكة.
هناك قول آخر لا يقول إنها نزلت في المدينة لكن لا يوجد شيء نسنده إليه أو شيء حسي حقيقي. وأيضًا مما يعضد أن سورة الفاتحة سورة مكية أن الله سبحانه وتعالى في سورة الحجر ماذا قال للنبي ﷺ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: 87]. الآن سورة الحجر هي مكية أيضًا باتفاق أهل العلم، بالتالي إذا كانت سورة الحجر نزلت في مكة والله يخبر فيها النبي ﷺ أننا آتيناك سبعًا من المثاني، إذا أكيد سورة الفاتحة نزلت قبل سورة الحجر، فالمنطق السوي أنها تكون الفاتحة مكية، وهذا دليل آخر على مكيتها.
كما قلنا هناك قول آخر أنها مدنية، لكن النسفي ذهب إلى قول ثالث، وهو قول من يقول بجواز أن تنزل السورة مرتين، فقال: والأصح أنها مكية مدنية. كيف تكون مكية مدنية؟ قال: نزلت بمكة حين فرضت الصلاة، ثم نزلت مرة أخرى في المدينة حين حولت القبلة إلى الكعبة. بعض أهل العلم يرى أن السورة يمكن أن تنزل أكثر من مرة؛ فالله سبحانه ينزل بها جبريل مرة أولى، ثم عندما يتكرر مشهد تقتضي هذه السورة أو هذه الآية مرة أخرى يعود جبريل فينزل بها مرة أخرى تذكيرًا وتنبيهًا، أن هذه الآيات أيضًا هذا الموقف يا محمد ﷺ.
وهذه قضية بحد ذاتها قضية خلافية؛ البعض يقول لا، ما في شيء اسمه تنزل مرتين، السورة تنزل مرة واحدة فقط. البعض يرفض فكرة التنزل مرتين، أن يعود جبريل فينزل بالسورة مرتين. بعض أهل العلم قال لا واستدل على ذلك ببعض القصص التي ظاهرها أن الصحابة قالوا إن هذه الآيات نزلت في كذا، ثم صحابي آخر يقول إن هذه الآيات نزلت في مشهد آخر، فهنا صار الخلاف؛ كيف صحابي يجزم أن هذه الآية نزلت في مشهد، وصحابي آخر يشهد أنها نزلت في مشهد آخر؟ فهنا جاءت فكرة إذا لربما كانت بعض الآيات...
تنزل مرتين، تنزل مرة في مشهد ثم يعاد إنزالها في مشهد آخر. ومن هنا النسفي رحمه الله رجح أن سورة الفاتحة نزلت مرتين. التنزل الأول لها متى كان؟ في مكة قبل الهجرة، عندما فرضت الصلوات، وهو حدد قضية عندما فرضت الصلوات، لكن بعض أهل العلم يقول: لا، هي فرضت من البداية حتى قبل أن تفرض الصلوات الخمس. حتى في بداية الأمر لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في الصباح وركعتين في المساء كان يقرأ الفاتحة.
وهذه خلافات بحد ذاتها، وتحديد الراجح منها كواقع عملي قد لا يكون كبير الشأن. إذاً نزلت في مكة، وقد تكون فعلاً نزلت في المدينة مرة أخرى عندما حولت القبلة إلى الكعبة. الصحابة جلسوا ستة عشر شهراً في المدينة يصلون إلى أين؟ إلى بيت المقدس، ثم بعد ستة عشر شهراً في سورة البقرة: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، أمرهم الله بعد ستة عشر شهراً بالتوجه إلى الكعبة. فالبعض يقول لما أمرهم الله بالتوجه إلى الكعبة أنزل سورة الفاتحة مرة أخرى.
كما قلت، كثير من هذه الأقوال أحياناً تفتقر للدليل الحاسم، وأحياناً قد تكون شيئاً من الاستنباطات والاستئناسات والاعتماد على أحاديث قد يكون فيها شيء من الضعف. فلذلك نحن نقرأ هذا الكلام جملياً، إذا شيء حاسم نحسم، لكن إذا لم نجد شيئاً حاسماً نقول كما قال مالك: «نحن نظن ولا نحن بمستيقنين». وأكثر أهل العلم حقيقة لا على أنها سورة مكية نزلت مرة واحدة، والنسفي اختار قولاً آخر.
الآن بعد أن ذكر الأقوال في تنزلها، سيعطينا الأسماء العديدة التي سميت بها. وحقيقة عند العرب يقولون الشيء الواحد إذا سمي بأسماء كثيرة فهذا إنما يكون لشرفه؛ لذلك السيف عند العرب يقولون له أكثر من مائة اسم. لماذا كثرت الأسماء يا سيف؟ لشرفه، فسموه بأسماء كثيرة. وهنا نأتي إلى سورة الفاتحة، سورة الفاتحة لها أسماء، بل أزعم أنها أكثر سورة لها أسماء هي سورة الفاتحة. كثرة أسمائها تدل على شرفها، وتدل على أنها تاج القرآن وسؤدد القرآن.
ما هي الأسماء التي لسورة الفاتحة؟ قال رحمه الله: وتسمى أم القرآن، وتسمى الوافية، وتسمى الكافية. تسميتها بأم القرآن جاءت للحديث ولاجتماعها على المعاني التي في القرآن. هذا أول اسم لها: أم القرآن. لماذا سميت أم القرآن؟ قال: للحديث، طبعاً للحديث هذه إشارة رمزية؛ أنه في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سمى الفاتحة بأم القرآن لما قال صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن». فنعم، النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سماها أم القرآن.
نريد أعمق من ذلك، لماذا سماها النبي صلى الله عليه وسلم بأم القرآن؟ هنا أتى بما يليه، قال: لاشتمالها على المعاني التي في القرآن، وهذا ما ذكرته لكم قبل قليل، إني قلت سورة الفاتحة هي مجمل القرآن وباقي القرآن هو تفصيل لها. سورة الفاتحة تضمنت السؤال الأعظم والمعالجة الأكبر، وهي موضوع الهداية، وكل القرآن بعد ذلك هو تفاصيل لفكرة الهداية. فلذلك هي أم القرآن، وأم الشيء في العربية عندما يقولون هذا أم المكان أو أم الشيء، ماذا؟ هو أصل الشيء، فكأن الفاتحة هي أصل القرآن. ولماذا هي أصل القرآن؟ لما قاله النسفي رحمه الله لأنها اشتملت على الموضوع الأعظم والأهم في القرآن وهو موضوع الهداية، ثم جاء القرآن بعد ذلك ليفصل تفاصيلها.
الاسم الثاني والثالث أنها سميت الوافية والكافية، وهذا نقل عن مجموعة من الصحابة أنهم سموا الفاتحة بالوافية والكافية. لماذا؟ قالوا لذلك، أي بالمعنى السابق، أي لأن من قرأها قراءته لها تتضمن اختصاراً لكل ما في القرآن؛ فمعانيها توفي كل القرآن وتكفي عن كل القرآن. طبعاً كفاية جملة ليست الكفاية التفصيلية، فهي وافية كافية عن كل كتاب الله سبحانه وتعالى من جهة كما قلنا إنها تضمنت المعنى العام الذي يحوم حوله كتاب الله، فهي وافية كافية من هذه الجهة.
الاسم الرابع: سورة الكنز، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث قدسي عن الله تعالى: «فاتحة الكتاب كنز من كنوز عرشي». نعم، هذا حديث فيه ضعف حقيقة، ولكن في فضائل الأعمال يتوسعون دائماً كما نقول، ما لا يتوسع في غيره، فجاء هذا، وهو كثير مشهور في كتب المفسرين أنهم يسمونها الكنز. والكنز بحد ذاته يدل على شيء ثمين وقع بين يديك. الفاتحة كنز، وهذا تقريباً اتفق عليه المفسرون بتسميتها بهذا الاسم، واستأنسوا بالحديث الوارد في الحديث القدسي: «فاتحة الكتاب كنز من كنوز عرشي»، وروي بطرق أخرى، حقيقة روي بألفاظ وطرق أخرى أقول يمكن أن يصل بتعددها إلى الحسن. فالحديث يقبل التحسين، وبالتالي أنت بين يديك درة ثمينة، كنز من كنوز العرش هي بين يديك، وهذا بحد ذاته يجعلك أكثر انتباهاً للمواضيع التي تعالجها.
أيضاً سورة الشفاء والشافية، لقوله صلى الله عليه وسلم: «فاتحة الكتاب شفاء من كل داء إلا السام»، والسام هو الموت. يعني الفاتحة تشفيك من كل أمراض الباطن والظاهر، وهذا أيضاً والله شيء رائع وجميل؛ لأنك تعرف أن هذه السورة من أسمائها سورة الشفاء. طبعاً حتى تشفيك، لأن كثيراً من الناس يقول لك: أنا سمعت هذا سابقاً يا شيخ، بس والله قرأتها وما شفاني، أنا ما معي مرض كذا، أنا معي مرض كذا ما شعرت بالشفاء. ما نحن قلنا يا أخي الكريم، الشفاء يتطلب منك أن تأخذ العلاج بالطريقة الصحيحة، هل تضمن لي أنك قرأت الفاتحة بالطريق الصحيح؟ هل قرأتها مستحضراً لعظمة الله وجلال الله وهيبة الله؟
ابن القيم رحمه الله تعالى عليه في زاد المعاد يقول: «لأنني جربت الاستشفاء بالفاتحة فوجدت منها شيئاً عجيباً، وكان يكون في فترة إقامتي في مكة، كنت أصاب بأمراض وأدواء في جسدي ورأسي وصداع، فلا أجد شفاءً إلا بفاتحة الكتاب». يعني هو جرب واستفاد، لكن طبيعة قراءة ابن القيم للفاتحة بالتأكيد ليست كقراءتي أنا وإياك، لأنه رجل عالم متبحر، يعيش مع النص بكل حرف منه، بالتالي سورة الفاتحة لا تخرج من لسانه، تخرج من قلبه، من صميم قلبه، هكذا تعالج. أما مجرد...
عليك أن تأخذها بيقينها، لا ليست بهذا التصور المحدود الذي يفهمه البعض. فأنا لما أفسر الفاتحة وأصير أعيش مع معانيها وأتدبرها، هنا أجزم أنها ستكون شفاء لك؛ لأن النبي ﷺ ماذا قال عنها؟ وما يدريك أنها رقية؟ هي رقية. رجل إخواني كان لديه حية لدغته، فشل أحد الصحابة قرأ عليه الفاتحة، قام نشيطًا يمشي من جديد.
هذا الحديث معروف في الصحاح. أي صورة عظيمة هذه التي استطاعت أن تعالج؟ سم أفعى ممكن يقتلك وينهي أمرك، والرجل كان مشغولًا فجأة أصبح يمشي، إذاً واضح أنها قادرة على العلاج. لا تشك، لكن شك في قدرتك على إتقان قراءتها وأدائها بصورة تكون فعلاً سببًا لعلاجك. وأما هي فاتفاق الأمة هي شافية، لذلك سميت سورة الشفاء والشافية.
ورُوي أنها سورة المثاني لأنها تُثنى في كل صلاة، تُثنى أي تُكرر. تسمى السبع المثاني؛ لماذا سميت مثاني؟ قالوا لأنها تُثنى في كل صلاة، ما معنى تُثنى؟ أي تُكرر وأنت في كل ركعة تكررها، لازم تقرأها في الركعة الأولى والثانية والثالثة والرابعة. لا توجد صلاة تصح بدون فاتحة الكتاب كصلاة كاملة إلا بفاتحة الكتاب، على الأقل على رأي جمهور أهل العلم، ولا نريد أن ندخل في خلاف السنة الحنفية معنا في هذه القضية.
سميت أيضًا من أسمائها سورة الصلاة؛ فاتحة الكتاب تسمى سورة الصلاة لما يُروى، لأنها تكون واجبة أو فريضة. وماذا يقصد بما يُروى؟ هنا في عهدك بدك تقرأ الكتاب أحيانًا مع طالب علم ويكون هو فاهم بعض الإشارات المختصرة التي يحيل عليها النسف. يقصد لما يُروى المشهور قوله ﷺ: «قسمت الصلاة في الحديث القدسي»، عندما يقول: ﴿قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ﴾.
عندما يقول: «عبدي حمدني»، قال الله: «حمدني عبدي»، وإذا قال: «الرحمن الرحيم»، أثنى عليَّ عبدي. الحديث المشهور أظن لديكم، فهنا بدأ الحديث: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي». ما معنى قسمت الصلاة؟ كثير من الشراح قالوا المراد بالصلاة ليست الصلاة كلها، المراد بالصلاة فاتحة الكتاب؛ لأننا نتكلم عن الفاتحة، الله يقول: «قسمت الفاتحة بيني وبين عبدي نصفين»، وسنعرف إن شاء الله كيف قسمت نصفين. لكن مهم أن الله في الحديث القدسي سمى فاتحة الكتاب صلاة، ففاتحة الكتاب من أسمائها الصلاة.
وأكمل، قال أيضًا سميت صلاة أيضًا لأنها تكون واجبة أو فريضة في الصلاة، فهي أهم ركن في الصلاة، فسميت صلاة من إطلاق الجزئي على الكل. الآن قراءة الفاتحة عند الجمهور هي واجبة في الصلاة، يعني لا تصح الصلاة بدونها، لأنها أهم ركن في الصلاة سميت هي بذاتها صلاة، وهذا تفسير وتعليل آخر.
وسميت أيضًا سورة الحمد، وهذا واضح لماذا سميت بالحمد لأنها افتتحت بحمد الله رب العالمين. وسميت أيضًا سورة الأساس؛ هذا اسم آخر، سميت سورة الأساس لأنها أساس القرآن، وهذا شبيه بتسميتها "أم القرآن"، في نوع تشابه بين تسميتها بأم القرآن وأساس القرآن، حيث يوضع القاعدة العامة، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ثم جاء القرآن بعد ذلك من البقرة إلى الناس ليبني على هذه القاعدة، فمن هنا كانت الفاتحة أساسًا بُني عليه ما بعده من سور القرآن الكريم.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «فعليك بالأساس». إذاً ابن عباس هو الذي سماها أساسًا، ويقول لك هذا أيضًا يؤكد معنى أنها شفاء؛ ابن عباس رضي الله عنهما يقول إذا أصابتك علة أو مرض أو اشتكيت فعليك بالأساس، أي عليك بالسورة التي تسمى أساسًا، سورة الفاتحة. ثم قال: «وآياتها سبع بالاتفاق». وآياتها سبع باتفاق الأمة، لكن كيف يتم عد هذه السبع؟ هل اتفقوا على طريقة عدها؟ لم يتفقوا على طريقة عدها، وسنبين طريقة العد في المجلس القادم بإذن الله.
إلى هذا المقام اليوم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل