دخولتسجيل الدخول

المجلس الثاني - سورة الفاتحة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، نحمده سبحانه وتعالى، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وهادي السالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين. اللهم اجعل ما تعلمنا نافعًا لنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين. اللهم اجبر عنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأرباب. لا إله إلا أنت سبحانك.

حياكم الله أيها الإخوة والأخوات في هذا المجلس الجديد الذي نجتمع فيه على مائدة كتاب الله سبحانه وتعالى؛ أن نتدبر معانيه ونحاول أن نصبر عليها، وأن نغوص في أعماقها، وأن نتفهم رسائل الله سبحانه وتعالى لنا. وهذا مجلس شريف كما ذكرت في المجلس السابق؛ مجالس التفسير مجالس خاصة عند الله سبحانه وتعالى، وما ورد في فضلها وفي فضل الاجتماع والتحلق حول مائدة القرآن أمر يجعل النفس تشتاق لمثل هذه المجالس وتحن إليها؛ عندما يقول الانقطاع، فالإنسان يحن إلى شيء يرقق قلبه ويذكره بربه سبحانه وتعالى.

وكان السلف الصالح رحمهم الله تعالى شديدي الحرص على تعلم كتاب الله سبحانه وتعالى. فابن مسعود رضي الله تعالى عنه أُثر عنه أنه قال: «ما من آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت وفيمن نزلت، ولو أعلم أن هناك رجلًا تقصده الأرض هو أعلم مني بكتاب الله لقصدته». لو أعلم أن هناك إنسانًا عنده معلومة في كتاب الله سبحانه وتعالى ليست عندي واستطيع أن أصل إليه بالراحلة مهما كانت المسافة لذهبت إليه.

وهذا بحد ذاته يجعل الإنسان يتخفف؛ إن هذه الخطوات التي مشاها إلى هذا المجلس لن تضيع عند الله سدى بإذن الله. قد يتعامل الإنسان، قد يركب المواصلة، قد يشعر بالإرهاق والتعب، لكن كل هذا التعب يزول عندما يصل الإنسان إلى رحمة الله سبحانه وتعالى، إلى مجلس تحفه الملائكة وتغشاه الرحمة ويذكره الله سبحانه وتعالى فيمن عنده.

فيا طالب العلم، إياك أن تشعر بالتعب، إياك أن تشعر بالملل، إياك أن تشعر بالفتور بسبب طول الطريق أو بعد المسافة أو ما يحتاجه الأمر من حر أو برد؛ هذه كلها تهون أمام كتاب الله سبحانه وتعالى، فالإنسان يحتسب الخطوات ويحتسب عند الله سبحانه وتعالى بركة هذه المجالس.

أحبابي الكرام، حتى لو أن الطالب فاتته بعض المعلومات، فحضور مجالس العلم يفيد الإنسان في اجتناب الذنوب والمعاصي. صدقوني كثير من الشباب إنما كانت بداية وحجر عثرتهم للذنوب والمعاصي من مجالسهم؛ أنت عندما تواظب على حضور مجلس العلم هذا، بحد ذاته يخلق عندك شيئًا من الاستحياء أن تعصي الله سبحانه وتعالى في الخلوات. عندما ترى الصالحين، وعندما ترى الأخوات أخواتهن الصالحات، عندما يرى الإنسان كتاب الله سبحانه يتلى أمامه ويتدبر، عندما يسمع القوارع والزواجر والعظات، هذا بحد ذاته يعينك على إصلاح النفس.

فأقول: إن الهدف المعرفي هو هدف من أهدافها، لكن صلاح النفوس وصلاح القلوب هو الهدف الأعظم الذي نجتمع حوله. فأياك أن تستكثر حضورك لهذا المجلس، أو أن تظن أنه من فضول الأمور والأعمال التي تفعلها في الأسبوع، بل والله إنه من أعظم الأعمال وأهم الأعمال التي يجب أن تفعلها في الأسبوع أن تحضر مجالس العلم؛ حتى يرق القلب، حتى تبتعد الذنوب والمعاصي عن حياتك، حتى تعيد ترتيب علاقتك مع الله سبحانه وتعالى.

كلنا، وأنا أولكم، نحتاج إلى عقد هذه المجالس، فاستعينوا بالله واصبروا، واعلموا أن الشيطان سيجلس على طرقكم، وسيحاول أن يكثر العوائق أمامكم حتى يحول بينكم وبين هذا الخير؛ فأعدوا نفوسكم لهذه المعركة الداخلية. كيف أقضي على هذه الوساوس؟ كيف أمنع العوائق أن تعوق بيني وبين فهم كتاب الله سبحانه وتعالى؟ الشيطان يدرك أن المنطلق من هنا، من كتاب ربكم عز وجل، فبالتالي هو سيسعى غاية السعي أن يحول بيننا وبين هذا النفع العظيم وهذا الاجتماع المهيب.

ولكننا نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من الصادقين من المؤمنين الذين ﴿رَجُلٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23]. هذا عهد العلم بينك وبين الله، حاول أن تكون صادقًا. وهذه من المعارك البسيطة في الحياة؛ إذا ما استطعت أن تنجح في أن تثبت نفسك على مجلس علم، كيف تثبت في الأمور الكبرى في حياة الأمة؟ كيف الأمة تنتظرك الآن في ثغورها العديدة إذا ما استطعت أن توطن نفسك على التحمل لساعتين مرة واحدة في الأسبوع في مجلس علمي؟ فيا طالب العلم اصبر واستعن بالله وسل التوفيق والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

في المحاضرة السابقة كانت في جلها مقدمة لأهمية التفسير وطريقة العرض التي سيتم بها بإذن الله الحديث، وعرفنا أننا سنهتم بجانبين: جانب التفسير وجانب التدبر. وعرفنا أن التفسير شيء والتدبر شيء آخر؛ التفسير ما هو؟ قلناه: أن تفهم المعنى الإجمالي وما معاني المفردات، أن نشرح الآية. أما التدبر إخواني الكرام فما هو؟ أن تعرف انعكاس الآية على حياتك، كيف تنزل الآية من حيز التنظير إلى حيز العمل، كيف تصبح الآية سلوكًا لك في حياتي وتؤثر في وجداني.

هذا القدر هو الذي نحتاجه ونحتاج أن نتعلم كيف نصل إليه. كثير من الطلبة قد يحسن القراءة في التفسير؛ يفهم معنى الحمد، يفهم معنى البسملة، لكن لما تأتي تقول له: كيف تسقط هذه الآية على حياتك؟ وكيف تغير في قلبك وفي واقعك؟ كيف يكون القرآن في حياتك كما كان في حياة الجيل الأول من الصحابة والتابعين؟ هو لا يحسن هذه المهارة. فبإذن الله من خلال هذا الاجتماع ومن خلال الممارسة المستمرة يرتقي عندك الذوق في طريقة تذوقك لكتاب الله سبحانه وتعالى وفهمك للرسائل التي يريد الله سبحانه وتعالى أن تصل إلينا.

نبدأ بسم الله الرحمن الرحيم، نبدأ بتدبر سورة الفاتحة. وأظن أننا تكلمنا كمدخل عن سورة الفاتحة في المجلس السابق، وعرفنا أن سورة الفاتحة هي ديباجة القرآن كما قال كثير من المفسرين؛ هي الديباجة، هي القاعدة الأساسية، هي التي جمعت مجمل المعاني التي جاءت السور الأخرى لتفصلها. عرفنا أن من سورة البقرة إلى سورة الناس إنما هو تفصيل لما ورد مجملًا في سورة فاتحة الكتاب.

سورة فاتحة الكتاب أحبابي الكرام تضمنت أخطر وأهم موضوع يحتاجه المسلم في حياته؛ أعظم موضوع أنت تحتاجه في الحياة هو أن يهديك الله سبحانه وتعالى للطريق الموصل إليه. هذه خلاصة رحلتك في كل الحياة الدنيا؛ أن تُهدى إلى الله سبحانه وتعالى فتكون في الدنيا على هداية، وعندما تنتقل إلى الدار الآخرة يهديك الله سبحانه وتعالى إلى دار النعيم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون جميعًا من أهلها. فلذلك هؤلاء العلماء يركزون على هذا الموضوع وعلى أهل الهداية.

أهمية سورة الفاتحة أنها أتت لتعالج بآية واضحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]. أنت تطلب الهداية وتحتاج أن تتعرف سبلها، وتطلب من الله أن يبعدك عن مناهج الضلال؛ منهج المغضوب عليهم والضالين. فبالتالي أنت تحتاج أن تعرف ما هي الهداية؟ ما هي الأمور والنواهي التي إذا التزمناها نبتعد عن درب الفاسدين ونكون على سؤدد الرشاد؟ ما هي أخلاق المغضوب عليهم والضالين؟ وما هي صفات الذين أنعم الله عليهم؟ ثم ما هي النتيجة النهائية؟ هي الجنة لأهل الإيمان والنار لأهل العصيان.

هذه الخلاصة التي تضمنتها سورة الفاتحة، ولذلك أنت تتلوها في كل يوم، في كل ركعة، في كل صلاة؛ تبدأ بتحميد ربك والثناء عليه وتمجيده، ثم تخوض في سؤال هذا الموضوع، ثم بعد ذلك تأتي السور الأخرى كما قلنا تعالج.

في المجلس السابق بدأنا بأسماء سورة الفاتحة وأنهيناها وعرفنا أنها سورة الفاتحة. هناك ثلاثة أقوال أصلاً في موضع تنزلها: فالقول الأول أنها سورة مكية، وقيل إنها سورة مدنية، وقيل إنها نزلت مرتين، مرة في مكة ومرة في المدينة، والأشهر ما عليه أكثر المفسرين أنها سورة مكية.

ثم بعد ذلك شرعنا في أسمائها، فكان من أسمائها: سورة الفاتحة، فاتحة الكتاب، هذا المشروع الفاتح، أيضًا أم القرآن، أيضًا الكنز، أيضًا الشافية، أيضًا الوافية، أيضًا السبع المثاني، ومن أسمائه الصلاة والحمد. وعرفنا مناسبة كل تسمية، وعرفنا أن هناك قاعدة عامة؛ أن الشيء كلما كثرت أسماؤه فهذا دلالة على شرفه. وهكذا عادت العرب، إذا وضعت الشيء الواحد أسماء كثيرة فهذا لشدة الاهتمام به والاحتفاء به، فسورة الفاتحة إنما خصت بكل هذه الأسماء بشرفها عند الله سبحانه وتعالى، فهي أم القرآن وهي أصل القرآن وأساس كتاب الله.

اليوم بإذن الله سنشرح البسملة؛ سنشرع بـ «بسم الله الرحمن الرحيم». البسملة أحبابي الكرام، ترى موضوعها مهم جدًا في الحياة، وقد يغفل عنها الإنسان ويهرب بالموت وهو لا يعرف مقاصد البسملة. طبعًا هناك فرق بين التسمية والبسملة؛ التسمية هي «بسم الله»، لكن إذا قلنا البسملة فهي «بسم الله الرحمن الرحيم». فعليك أن تفرق يا طالب العلم، إذا قيل لك تسمية فهنا لا تزيد على «بسم الله»، وإذا قيل لك بسملة فهنا تكملها «بسم الله الرحمن الرحيم».

الآن البسملة أحبابي الكرام، هذه من الوظائف اليومية التي ينبغي أن يعتني بها المسلم. فكل عمل وكل مسلك في الحياة، وكل خطوة تخطوها، وكل كتاب تؤلفه، وكل رسالة تخطها، يجب أن تبدأ بـ «بسم الله الرحمن الرحيم». ولذلك كانوا يقولون: «العمل الذي لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر»، وهذا في حديث عن رسول الله ﷺ وورد بأسانيد متعددة، وإن كان فيها ضعف وحسنها بعضهم.

كل كلام لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر، أي مقطوع البركة، وفي رواية: «فهو مجذوم». وفي حديث آخر: «كل أمر ليس فقط كل كلام، في رواية كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله فهو...». فبالتالي عندما نتكلم أحبابي عن البسملة نحن لا نتكلم عن جملة عارضة في حياتك، أو شيء ثانوي، نتكلم عن جملة أساسية محورية؛ كل تصرفاتك في الحياة وكل أفعالك وكل سكناتك وحركاتك يجب أن تبتدئ بها: «بسم الله الرحمن الرحيم».

وقليل ما نتأمل فيها في حياتنا، هكذا تصبح في النهاية عادة، تقول «بسم الله الرحمن الرحيم» ويمضي الأمر وأنت غير منتبه لعظم هذا الاسم الأعظم الذي بدأت به حياتك أو تصرفاتك أو برنامجك اليومي. لذلك ستجدون علماء التفسير يطيلون الحديث في البسملة ويذكرون المعاني اللغوية والمعاني التزكوية ودلالات الألفاظ. لماذا؟ لماذا هذا الإطماع وهذه التوسعة في الكلام عنها؟ لأنها مهمة جدًا ولأنها محورية؛ فالكلمة التي تقولها يوميًا يجب أن يكون لها وقع وأثر في حياتك.

«بسم الله» تبدأ أعمالك، «بسم الله» تبدأ مشاريعك، «بسم الله» بها السعادة، بها الراحة، بها النجاح، بها التوفيق. لذلك العمل الذي لا يبدأ بـ «بسم الله» عمل منزوع البركة؛ الطعام إذا لم تبدأوا بـ «بسم الله» منزوع البركة، والشراب إذا لم تبدأوا بـ «بسم الله» منزوع البركة، والزواج الذي لا يبدأ بـ «بسم الله» منزوع البركة. كل مشاريع عليك أن تبدأها باسم الله، هكذا علمنا ربنا وهكذا أدبنا ربنا. وهذه سورة الفاتحة بين أيديكم، أول شيء تبدأ به كتاب الله سبحانه وتعالى ما هو؟ «بسم الله الرحمن الرحيم». فدعونا نعيش في أفنائها وفي ظلالها ونعرف الفوائد العديدة التي ذكرها النسفي وغيره من العلماء حولها.

بسم الله، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين. آمين. رحمه الله تعالى.

«بسم الله الرحمن الرحيم». قال قراء المدينة والبصرة والشام على أن التسمية ليست آية من الفاتحة ولا من بينها من السور، وإنما كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها، وهو مذهب أبي حنيفة وقد تابعه رحمهم الله تعالى. ومذهب الحنابلة ومذهب المالكية ومذهب جماهير العلماء على أنها ليست آية من سورة الفاتحة. قال: وإذا لا يجرى بها إلا في الصلاة على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وعليه الشافعي وأصحابه رحمه الله.

حتى أولًا نقرر المسألة من البداية؛ اختلف القراء والفقهاء في «بسم الله الرحمن الرحيم»، هل هي آية من سورة الفاتحة أم ليست آية من سورة الفاتحة؟ فالقول الأول -وهنا يذكر الخلاف الفقهي والخلاف بين القراء- قال: ذهب قراء المدينة وقراء البصرة وقراء الشام على أن التسمية ليست آية من سورة الفاتحة ولا من غيرها من السور. والمعنى، ويقصدون بذلك أنها آية مستقلة أنزلها الله سبحانه وتعالى مرة واحدة للفصل بين السور؛ يعني هي ليست جزءًا من أي سورة، اللهم إلا سورة النمل فإنها وردت في آياتها، لكن المراد من مطالع السور هي ليست جزءًا من أي سورة، وإنما هي آية مستقلة أنزلها الله سبحانه وتعالى وظيفتها ماذا؟ الفصل بين السور، أنك تعرف أنه الآن انتهت سورة الإخلاص بدأت سورة الفلق، انتهت سورة الفلق بدأت سورة الناس. كيف تعرف ذلك؟ من خلال البسملة. كيف تعرف أن القارئ الآن أنهى سورة وشرع في سورة أخرى؟ من خلال البسملة.

فقول جماهير العلماء على أن البسملة آية واحدة نزلت مرة واحدة وظيفتها ماذا؟ الفصل بين السور؛ لأنه ربما تقرر عند كثير من العامة أنها بالتأكيد آية من سورة الفاتحة، فإذا لم أقرأها يعني أنكرت سورة الفاتحة وأنقصتها.

جماهير العلماء على أنها ليست آية من الفاتحة. إذا لم نجعلها آية من الفاتحة، فكيف تكون الفاتحة سبع آيات؟ الذين لم يعدوها آية من الفاتحة قسموا الآية الأخيرة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ إلى آيتين؛ صراط الذين أنعمت عليهم آية، وغير المغضوب عليهم ولا الضالين آية أخرى، فهكذا أصبحت عندهم سبعة.

أما القسم الثاني من القراء وهم قراء الكوفة وقراء مكة، وقراء الكوفة نحن ننتمي إليهم في قراءتنا؛ لأنه عاصم الذي نقرأ على قراءته، ومن قراء عاصم أبو بكر بن عياش صاحبنا الذي نقرأ على قراءته في الشام هو من الكوفة، فهو يراها آية. فقراء الكوفة وقراء مكة، وعليه مذهب الشافعية، أنهم يرونها آية من سورة الفاتحة. وبالتالي الآية الأخيرة وهي ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ كلها عند الشافعية تعتبر آية واحدة.

ثم بين لك أن هذا سبب الخلاف: هل البسملة آية من الفاتحة أو ليست آية من الفاتحة؟ بسبب هذا الخلاف اختلفوا في قضية الجهر بها والإسرار بها. ومن رأى أنها ليست آية من الفاتحة قال السنة ألا يجهر بها، ولذلك أكثر العلماء على أنه لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الفاتحة، يعني أنت إذا قلت الله أكبر وكنت إمامًا، فالجمهور على أنه لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وإنما تقرأ سرًا. وأما الشافعية رضوان الله عليهم، فلأنهم يرونها آية قالوا ينبغي أن يجهر بها، فالإمام يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم عندهم.

فالآن كأنه يريد أن يقول: سبب الخلاف في الجهر بها وعدم الجهر بها هو هل تعد آية أم لا تعد آية من سورة الفاتحة؟ وهذا في الحقيقة أحد أسباب الخلاف، وإلا فهناك أيضًا نقاش في الجانب الحديثي في الموضوع. الآن سيبدأ يذكر أدلة الشافعية الذين عدوها آية، ويذكر أدلة الجمهور الذين لم يعدوها آية بشكل مختصر ومختبر.

قال رحمه الله تعالى: "وقد أثبتها السلف في المصحف"، هذا أول دليل له. ما أول دليل للشافعية في جعلهم بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة؟ قالوا إن السلف لما كتبوا المصحف في زمن عثمان أثبتوا فيه بسم الله الرحمن الرحيم، مع أنهم اتفقوا ألا يكتبوا في المصحف إلا ما هو آية. هذا الدليل مركب؛ هم اتفقوا ألا يكتب إلا ما هو آية، فكتبوا البسملة، إذن النتيجة أن البسملة آية. هكذا قال الشافعية، لما نسقوا المصحف اتفقوا ألا يكتبوا في النسخة إلا القرآن، قالوا لا نكتب فيها إلا القرآن لا تفسير ولا ما شابه ذلك، لكنهم أثبتوا فيها بسم الله الرحمن الرحيم عند سورة الفاتحة، فقال الشافعية: هذا دليل على أن البسملة آية.

الدليل الثاني له، قال رحمه الله تعالى: "وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من تركها فقد ترك مئة وأربع عشرة آية في كتاب الله". هذا أثر منسوب لابن عباس رضي الله تعالى عنه، لكن حقيقة لا يعرف ثبوته. أن ابن عباس قال: «من ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في مطلع كل سورة فقد ترك مئة وأربعة عشر آية من كتاب الله»، لأن عدد سور القرآن مئة وأربع عشرة. فيقول ابن عباس: من لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في مطلع كل سورة فقد ترك مئة وأربعة عشر آية.

هذا أن الشافعية يرون أن البسملة هي آية من الفاتحة وآية من كل سورة، لكن هذا الأثر أصلاً فيه مشكلة من ينتبه لها؟ أحسنت، من سورة التوبة ليس فيها بسملة، فكيف يصح عن ابن عباس أنه يقول من ترك البسملة فقد ترك مئة وأربعة عشر آية؟ والأصل أن يكون: من ترك البسملة فقد ترك مئة وثلاث عشرة سورة أو آية من كتاب الله، لأن سورة براءة لا يوجد فيها بسملة، إلا إذا كان هناك مذهب لابن عباس ينسب إليه أنه يرى أن سورة براءة لها بسملة، ولكن هذا لم يشتهر عنه. ولذلك نفس الأثر ضعيف حقيقة لا يصح الاعتماد عليه في تقرير هذه المسألة، ويبقى الدليل الأول لهم أقوى؛ أنه لماذا لما كتب المصحف في زمن عثمان كتبوا بسم الله الرحمن الرحيم؟ أليس هذا يدل على أنها آية؟

الإمام النسفي، طبعاً الإمام النسفي مذهبه الفقهي حنفي، وبالتالي في هذا الكتاب ستجدونه ينتصر لمذهب أبي حنيفة؛ لأنه إمام في مذهب أبي حنيفة النعمان رحمة الله تعالى على الجميع. قال رحمه الله تعالى: "ولا حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي". بالنسبة هنا كلمة "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي"، الصلاة هنا معناها الفاتحة، وعرفنا أن الفاتحة من أسمائها سورة الصادق.

قال: ﴿فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: «حمدني عبدي»، وإذا قال ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله تعالى: «أثنى علي عبدي»، وإذا قال ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: «مجدني عبدي»، ولما قال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: «هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل»، فإذا قال ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: «هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل».

نبدأ بالدليل الأول؛ الدليل الأول يقول الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم المشهور: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي»، ثم بدأ بماذا؟ بدأ بالحمد لله، ولم يبدأ ببسم الله. لو كانت البسملة آية من الفاتحة لبدأ بها، فإذا قال العبد: "بسم الله..." يقول الله كذا وكذا، لكنه لما لم يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في الحديث وبدأ مباشرة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، عرفنا أن هذا فيه إشارة على أن البسملة ليست جزءاً من سورة الفاتحة.

ثم قال النسفي: "وإذا لم تكن آية من الفاتحة فهي ليست آية من مطالع السور الأخرى إجماعاً". ليش إجماعاً؟ لأنه لا يوجد فقيه يقول إن البسملة آية من باقي السور وليست آية من الفاتحة، يعني لا يوجد أبداً أي فقيه يقول إن البسملة ليست آية من الفاتحة لكنها آية من باقي السور، فبما أنه لا يوجد هذا القول بالتالي إذا...

أثبتنا أن البسملة ليست آية من الفاتحة، فبالاتفاق هي ليست آية من باقي السور. قال النسفي رحمه الله تعالى في كتابه "المصابيح": هو يقصد الحديث السابق: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي...». وكان الأفضل من النَّسَبِ -رحمة الله عليه- أن ينسب الحديث للكتب الأصيلة، والحديث أيضًا في صحيح مسلم.

الكتاب اللغوي يعتبر متأخرًا عن الكتب الصحاح، لكن لعل هذا الذي خطر في ذهنه لما كتب. وإن الأصل إذا كان حديث البخاري ومسلم، فأنت لا تحتاج إلى أن تنسبه إلى المتأخرين، بل تعود إلى المصدر أو المنبع الأساس.

«وما ذكروا لا يضرنا»؛ ما معنى «وما ذكروا لا يضرنا»؟ يعني ما ذكره الشافعية من دليل، وبماذا استدل الشافعية على أن البسملة آية من الفاتحة؟ ما دليله؟ قالوا: إنها وجدت في مصحف عثمان مكتوبة، فهذا يدل على أنها آية من الفاتحة. النَّسفي يرد على هذا ويقول: هذا ليس استدلالًا قويًا لا يضرنا؛ لأننا الحنفية والحنابلة والجمهور، نحن لا ننكر أن البسملة آية ونتفق إذًا باسم الآية، لكنها ليست جزءًا من الفاتحة. نحن قلنا هي آية مستقلة أنزلها الله للفصل بين السور، فنحن لا ننكر أنها آية، ولكننا ننكر أنها جزء من الفاتحة أو جزء من أي سورة، هذا دليلنا.

فبالتالي قال: «وهذا لا يضرنا»، لأن مرة أخرى قال رحمه الله تعالى: ولأن التسمية -يا إخوة- إذا نحن نقرُّ بالتسمية آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور، فهذه وظيفتها الأولى، وللتبرك؛ أنت عندما تبتدئ السورة تقول: «بسم الله»، أنت تتبرك بالبدء بـ «بسم الله الرحمن الرحيم».

قال رحمه الله تعالى: «فهو بسلافه المقصود»، فخر الإسلام، وفخر الإسلام البزبي -رحمة الله تعالى عليه- في كتابه «المقصود»، كتجمع. فلو أنما يجب علينا أن نجعلها آية من القرآن، يعني كلامكم أيها الشافعية إنما يرد علينا ويكون حجة علينا لو أننا لم نجعلها آية، وكلامكم صحيح؛ يرد علينا، لكن نحن جعلناها آية، لكنها ليست آية من الفاتحة، هي آية مستقلة.

قال تقريره في "الكافي"، يعني من أراد التوسع في هذا الموضوع يعود إلى كتاب "الكافي" للحاكم الشهيد بتفصيلات أكثر، هو يريد أن يختصر. هكذا انتهينا من المسألة الأولى وعرفنا تقرير هذه المسألة. فلو سئلت، لو جاءك سائل فقال لك: والله يا شيخ أنا نسيت أقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" في الفاتحة، هل تبطل له صلاته؟ وبعض الناس يقول لك: أبطلوا له صلاته؟ لا، إذا كان شافعيًا متبعًا لمذهبه فهو مبطل لصلاته، قل له أنت تتبع الشافعية، لكن عوام المسلمين لو جاءك وقال: أنا نسيت أقرأ البسملة مع الفاتحة، فكل جمهور العلماء بالتالي الصلاة صحيحة ولا إشكال بإذن الله.

قال رحمه الله تعالى: «قد يبدأ بمعلوم فاقرؤوا بسم الله»، لأن الذي يتلو التسمية... انتقل إلى مسألة اللغوي، هذا الجميل في النسفي، يعني يقول لك مسألة فقهية، مسألة لغوية، وفي مسألة هكذا استئنافية تزكوية؛ لا تمل؛ لأنك لست في منهج واحد، اللغة موجودة والفقه موجود والأخلاق والتزكية والاستدلال العقدي كله عند النسفي بصورة مختصرة.

الآن سيبدأ بالتحليل اللغوي لـ «بسم الله»، وهذا التحليل أنت تحتاجه حتى تفهم ما معنى هذه الآية التي نزلت في كتاب الله والتي أنت تقرأها صباحًا ومساءً. بسم الله، بسم الله الذي يبذل التسمية مكروه، فقال: بسم الله والبركات، كان معنا: بسم الله أحل، وبسم الله وكل فاعل يبدأ حله بسم الله، إن كان مضمرًا كان مؤمنًا ما جعل التسمية مبدأً له.

الآن عندما تقول أنت يا عبد الله ويا أمة الله عندما تقول: «بسم الله الرحمن الرحيم»، لاحظ أنك بدأت بحرف جر واسم مجرور، هذه مسألة واضحة للجميع؛ الباء حرف جر والاسم مجرور. «بسم الله» دائماً من القواعد اللغوية المشهورة أنه أي حرف جر لازم يتعلق بفعل، يعني هو لابد أن يرتبط بفعل، ما في حرف جر هكذا في الهواء يمشي في اللغة العربية، أي حرف جر واسم مجرور لازم تربطه بفعل، إذا كان الفعل موجودًا خلص برجعه للفعل الموجود، إذا الفعل محذوف لابد أن أقدر ذلك الفعل المحذوف.

فأنا لو سألتك أنت يومك وليلتك لما تقول: «بسم الله الرحمن الرحيم»، هنا الجار والمجرور «بسم الله» لماذا يرتبط؟ ما هو الفعل الذي يرتبط به الجار والمجرور هنا؟ والآن هنا سيختلف الفعل بحسب أنت ماذا تقول؟ مثلاً أنا أريد أن أشرب، فلما أقول «بسم الله»، هناك فعل عُدَّ في تقديره: «بسم الله أشرب»، ممتاز؟ إذا أردت أن أطعم الطعام أقول «بسم الله»، التقدير: «بسم الله آكل». طيب، إذا أريد أن أقرأ أقول: «بسم الله الرحمن الرحيم»، التقدير: «بسم الله أقرأ»، فلابد الجار والمجرور أن يتعلق بفعل.

إذا كان الفعل محذوفًا فلابد أن تقدره، فالتقدير إذا: «بسم الله الرحمن الرحيم» نقرأ القرآن، أو «بسم الله الرحمن الرحيم» نتلو القرآن، يضبط أيضًا. طيب، الفعل هذا هل أقدمه متقدمًا أو متأخرًا؟ قالوا يقدر متأخرًا، يعني ما يصير تقول: «أقرأ بسم الله»، لا، تقدر الفعل في الآخر: «بسم الله أقرأ»، أو «بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ».

يا ترى لماذا قدرنا الفعل متأخرًا، مع أن الترتيب الذهني العقلي أن الفعل ثم بعد ذلك الجار والمجرور، والأصل نقول: «أقرأ باسم الله»، «أشرب باسم الله»، لكن الشريعة تقول الفعل متأخر، التقدير: «بسم الله أقرأ»، «بسم الله أشرب». وهذه فائدة لغوية وإيمانية أن تعرف لماذا الفعل قُدر متأخرًا وليس مقدمًا.

انظروا ماذا قال: "أقرأ" يا شيخ، الله تعالى وإنما قدر المحذوف متأخرًا، وإنما قدر الفعل المحذوف: "أشرب"، "آكل"، لماذا قدر متأخرًا؟ لغرضين، أمرين؛ قدرا متأخرًا أيها الإخوان الكرام. ترى الإنسان عندما يقرأ القرآن ويفهم المعاني اللغوية يحب كتاب الله أكثر وأكثر، صدقوني الإنسان لما يقرأ الآيات وهو مش فاهم لماذا هكذا، يبقى حبه لكتاب الله حباً جمليًا أنه مؤمن، لكن لما يبدأ يفهم هذه الدقائق ويعرف أنه هنا «بسم الله أقرأ»، الفعل قدر متأخرًا لهذا المعنى الإيماني، تبدأ تستشعر أكثر وتستعذب أكثر الآيات وأنت تتلوها، وهذه فائدة التدبر والتفسير لكتاب الله، يجعل للقرآن طعمًا آخر في حياتك، ليس ذاك الطعم البسيط الذي أنت اعتدت أن تقرأ القرآن عليه.

فانظروا هنا لماذا نقول: «بسم الله أقرأ»، أقدر الفعل متأخرًا ولا أقدره متقدمًا «أقرأ بسم الله»؟ لا أقدره، قالوا لفائدتين، الأولى: لأن الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به، وكانوا يبدأون بأسماء آلهتهم فيقولون باسم الله.

نقصد الموحد، ومعنا اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء. هنا أريدكم أن تضعوا خطين: الخط الأول تحت كلمة «لأن الأهم»، هذه الفائدة الأولى. لأن الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به، وكانوا يبدأون بأسماء آلهتهم يقولون: باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد -الموحد هو المسلم- معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل.

ترى الكلام سهل جدا؛ الآن من قواعد العرب في كلامها أنهم يبدأون بذكر الشيء المهم. العرب بطبيعتها في بلاغتها إذا كان هناك شيء مهم يريد أن يركز عليه يبدأ به، حتى ولو كان ترتيبه في الكلام متأخراً. يعني: «ضربت زيدا»، هذا هو الترتيب الأصلي للجملة، فعل ثم فاعل ثم مفعول به. لو أنني وضعت المفعول به في البداية فقلت: «زيداً ضربته»، متى تفعل العرب هذا؟ إذا كان الاهتمام على زيد المضروب؛ من هو المضروب؟ أنا ليس هاممني من الذي ضرب، المهم من الذي ضُرِب، فحتى تأتي بالكاميرا عليه تقدمه في البداية.

كذلك مثلاً الجملة الاسمية تتكون من مبتدأ وخبر: «زيد في الدار»، هكذا نقول إذا أردت أن أسلط الاهتمام على الخبر وأجعله أهم من المبتدأ، ماذا أفعل؟ أقدم الخبر فأقول: «في الدار زيد»، مبتدأ مؤخر وخبر مقدم. لماذا تفعل العرب ذلك؟ إذا أراد العربي أن يجعل اهتمامك ينصب إلى جزء معين في الجملة ماذا يفعل به؟ يقدمه. اكتب هذه القاعدة عندك: العربي إذا أراد أن يجعل اهتمامي ينصب على جزئية في الجملة يقوم بتقديمها في البداية، فأنت تعرف أنه قدمها حتى يركز عليها لتكون مناط الاهتمام.

لذلك ماذا قال هنا النسفي رحمه الله؟ قال الفائدة الأولى لتقديم «باسم الله»: لأنه الأهم، الأهم من الفعل والمتعلق به. الفعل والمتعلق به يقصد بهما الفعل والفاعل، أي أن المقصود هنا في «باسم الله الرحمن الرحيم» أيُّهما أهم: الفعل أم الجار والمجرور؟ الجار والمجرور هو الأهم، هو «باسم الله»، هذا هو الأهم بالنسبة لي، فمهما كان الفعل: أقرأ، أكل، أشرب، ليس مشكلة، المهم «باسم الله»، لذلك قدمتها في الجملة.

فلذلك قال: لأن الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به. ويقصد به ماذا؟ لأن الأهم عندكم هو المتعلق به. ويمكن تخريجها لأن «المتعلق» و«المتعلق به» شيء نسبي، يمكنك أن تنظر بالعكس، فالموضوع ليس بذاك الشيء الكبير. لكي تفهم العبارة اكتبها هكذا: لأن الأهم من الفعل والفاعل هو الجار والمجرور. الآن «أقرأ» فيها فعل وفاعل وهو الضمير المستتر (أنا)، فما هو الأهم؟ ليس الفعل، المهم والأعظم في الجملة هو الجار والمجرور، لذلك قُدم.

إذاً الفائدة نفيسة، وأنت تقرأ كتاب الله سبحانه تريد أن تتدبر، خذ هذه القاعدة: إذا رأيت آية قرآنية قُدم فيها شيء على شيء، اعرف أن المهم هو فانتبه، كما سيأتي معنا إن شاء الله في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ * وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. هذا التقديم في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ليس على الترتيب الأصلي «نعبدك»، بل قدمت المفعول به، لأنه هو المهم؛ ليس المهم أن تُعبد، المهم أن تعرف ماذا تعبد، لأن كثيراً من الناس تعبد، هناك من يعبد الشمس، وهناك من يعبد القمر، هناك من يعبد بوذا، هناك من يعبد الأصنام، لكن المهم أن تعرف من تعبد. فالشيء المهم هو الذي تقدمه العرب في خطابها. وضحت هذه القاعدة؟ هذه قاعدة تفسيرية مهمة دائماً في كتاب الله، عليك أن تنظر في الكلمة المفتاحية الأولى فهي ترشد إلى موضع الاهتمام في الآية.

الفائدة الثانية: الاختصاص. أيضاً من قواعد العرب أن الشيء إذا كان من حقه أن يتأخر ترتيبه في الجملة، لكنه جاء متقدماً، فهذا يكون لإفادة الاختصاص. ما معنى إفادة الاختصاص؟ انظروا ماذا قال: كان العرب في الجاهلية إذا أرادوا أن يبدأوا أعمالهم ماذا يبدأون؟ يقولون: «باسم العزى» والعياذ بالله، يذكرون أصنامهم. فلما أنت تقول: «باسم الله»، معنى هذا أنني أبدأ باسم الله لا باسم غيره، هذا معنى الاختصاص؛ أن أقرأ باسم الله لا باسم غيره.

لو قلت: «أقرأ باسم الله»، ترى أنت لم تشعرني بالاختصاص، لكن لو قلت: «باسم الله أقرأ»، أنت بماذا أشعرتني؟ أنك تخص اسم الله دون اسم أي صنم أو نجم أو كوكب أو شيء من دونه. فالاختصاص أيضاً يُفهم من خلال التقديم، ويفهم نفس الشيء في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لما سنأتي له؛ ما معنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾؟ ليس فقط أننا نعبد الله، بل هي تفيد الاختصاص، كما قال المفسرون: أنت من يُعبد لا سواك، وهذا معناه الاختصاص. فأنا أخص استعانتي وتبركي في هذا العمل بمن؟ بالله. لذلك أقول: «باسم الله أقرأ»، أي باسم الله لا باسم غيره.

لاحظ الآن هذه المعاني اللغوية، لكن هذه المعاني يجب أن تنعكس على قلبك وإيمانك. أنا لما أقول: «باسم الله»، والله أبدأ هذا الصباح بـ«باسم الله»، أو آكل هذا الطعام بـ«باسم الله»، عليك أن تشعر بمعنى الاختصاص؛ أنني كموحد -كما قال النسفي رحمه الله- عزتي وثقتي وطمأنينتي وارتياحي لاسم الله لا باسم غيره، باسم الله، لا يأتي اسم غير ذلك. أحياناً بعض الناس يقول لك: يا أخي ليش الشريعة تشدد في الذبح؟ أنه لازم الواحد يحكي «باسم الله»، هذه مظاهر العبودية يا جماعة، مظاهر العبودية يجب أن تُسلب وتُختص بها رب سبحانه وتعالى. لذلك الذبيحة إذا ذُكر عليها اسم صنم، أو اسم عيسى أو موسى، ماذا يحدث بها في الإسلام؟ ترى هذه ميتة، وتصبح ذبيحة مرتد كما قال بعض أهل العلم، وتعتبر ردة أن تذبح باسم صنم أو باسم ملك أو باسم سلطان أو ما شابه ذلك.

حتى تعرف حجم الموضوع كم هو خطير، أن كلمة «بسم الله» يعني أحيانًا قد يكون ردة، إذا بدلتها بـ «باسم عيسى» أو «موسى» أو «صليب» أو ما شابه ذلك، فالموضوع خطير. وعليك أن تفهم أن «بسم الله» أي أنا أخص الله؛ أخص الله بمطعمی، أخص الله بشرابي، أخص الله بنكاحي، أخص الله بتبركي، فهذا أصل عظيم من أصول الإيمان.

إن الإنسان يعتصم ويستعين في أموره كلها باسم الله لا باسم غيره، لا باسم مخلوق ولا شجر ولا حجر ولا بشر. فالمداعبة بـ «بسم الله» لها الاهتمام والاختصاص؛ الاهتمام باسم الله وأنني أخصه دون غيره. قال رحمه الله تعالى: «وإنما قدم الفعل فيه: اقرأ باسم ربك»، لأنها أول سورة نزلت، في قول بعض أهل العلم.

الآن كأنه باعتراض على القراءة التفسيرية، اعترض باعتراض تقول فيه: أنت إنه بسم الله نقرأ، بسم الله نشرب، قدم الجار والمجرور لأنه المهم ولإرادة الاختصاص. طيب في سورة العلق، أول سورة نزلت في كتاب الله، لماذا كانت البداية: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾؟

نحن الآن منذ عشر دقائق ونؤصل على ماذا؟ أن الفعل متأخر، وأخرنا الفعل حتى نظهر الاختصاص والاهتمام بتقديم اسم الله. كما في سورة العلق، الله ربنا قال أول آية في أول سورة نزلت على قول الجمهور: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، قدم القراءة على مجهول. لماذا؟

انظروا ماذا قال: أول سورة نزلت في قومه، وكان الأمر بقراءة لها، إذاً دق على القاعدة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يريدنا في هذه السورة أن نركز على أي موضوع؟ موضوع القراءة والعلم. هو اسمه مهم أكيد جل في علاه، لكن الأهمية من يرتبها لنا؟ الله هو الذي يرتبها، هو يقول لي في هذه الآية: ركز لي على كذا.

كيف نفهم رسالة هنا؟ كيف نفهم رسالة الله في هذه الآية؟ تنظر ما الذي قدمه الله؟ عليك أن تقدمه في قلبك، ما قدمه الله في الآية هو الذي يجب أن يقدم في الفهم والتدبر. فلما قال في سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، يعني الله يريد أن أهتم ابتداء بموضوع القراءة والتعلم، ثم بعد ذلك باسم ربك تأتي للتبرك والاعتصام.

فالله سبحانه وتعالى هو الذي يرتب لنا أولويات الفهم في الآية الواحدة. فانظر ما الذي بدأ به؟ إذا هو أول شيء يريد الله مني أن أركز عليه، فلا تركز على الشيء الثاني قبل ما تنتهي من فهم الشيء الأول. ففي سورة العلق، لأن الأهم الذي يريد الله أن يجعله أهم هو القراءة، بدأ بالفعل ولم يؤخر الفعل، هذا أحد التوجيهات.

وفي توجيه آخر، قال رحمه الله تعالى: فكان رحيمًا في الموقع أوقع في النفس، أي في نفس القارئ. لذلك هذه القاعدة إذا فهمتها، أنا أزعم أنك تنتفع بها كثيرًا: قاعدة الأهم هو الذي يقدم في الكلام. قال: ويجوز أن تُحمل القراءة على معنى: افعل القراءة وحققها، كقولهم: فلان يعطي ويمنع، غير متعدد بلا مقروء به، أو أن يكون «باسم ربك» مفعولًا به، أي: اقرأ وعمل باسم ربك.

هناك وجه آخر في قضية سورة العلق؛ البعض يقول لا، سورة العلق ماشية على القاعدة الأولى وهي أن «بسم الله» مقدم والفعل متأخر. طيب كيف سنجعلها كذلك؟ الآن ما هي الآية الثانية في سورة العلق؟ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، والآية الثالثة: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾. إذاً كلمة «اقرأ» وردت مرتين، مرة في الآية الأولى ومرة في الآية الثالثة، أليس كذلك؟

فهناك بعض المفسرين اقترح اقتراحًا ينسجم مع النص، قال: لماذا لا نقول «اقرأ» الأولى هي انتهت عند كلمة «اقرأ»؟ يعني اقرأ ثم تسكت، ثم «باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ». البعض قال هكذا القراءة تكون، سورة العلق ستقرأ بطريقة أخرى، تبدأ بالفعل الأول وتسكت عنده. ماذا تقول؟ بسم الله الرحمن الرحيم، اقرأ، خلاص وقف. ثم بعد ذلك: «باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ».

فهنا سيصبح الجار والمجرور متقدمًا وهو متعلق بالفعل الآخر «اقرأ» الذي في الآية الثالثة. وهكذا تكون على نمط: بسم الله الرحمن الرحيم، اتلُ؛ فيكون هذا طردًا. فهمتم الوجه الثاني؟ كيف ترى أنه يصبح متعلق الجار والمجرور متعلقًا بالفعل المتأخر الوارد في الآية الثالثة؟ فهذا اقتراح، لكن الأول قد يكون أسلس وأسجن، والآية متكاملة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. فقضية أن تتعلق بآية ثالثة لربما يكون فيها شيء من البُعد.

ولكن في النهاية كما قال علي بن أبي طالب: «القرآن حمال أوجه». لذلك لما بعث عبد الله بن عباس يناقش الخوارج، ماذا قال علي لعبد الله بن عباس؟ لا تجادلهم بالقرآن؛ لأنه القرآن في مساحة من الاجتهاد والاستنباط، بالتالي لو أنت يا عبد الله رحت تجادلهم بالقرآن، سيقول لك: لا، ما هي تحتمل الآية كذا وتحتمل الآية كذا، ولن تخلص منهم هؤلاء الجماعة، فقال له: خلص ناقشهم بالسنة.

هذه الظاهرة لأن القرآن حمال أوجه، لذلك سبحان الله لا تنفد معاني القرآن ولا كنوزه، كل إنسان يمكن يأخذ لطيفة لم ينتبه لها إنسان آخر. قال رحمه الله تعالى، واسأل الله أن يتعلق بالقراءة تعلقته بالرجال، في قوله على معنى متبرك باسم الله، وبه تعليم عباده كيف يتفرقون باسمه تعالى وكيف يعظمونه.

الآن لو سألتك، عندما تقول: بسم الله اقرأ، أو اتلُ، أو فعلت كذا، ما الفائدة هنا؟ ما الفائدة الإيمانية؟ ما معنى بسم الله أقرأ أو آكل أو أسافر؟ الفائدة الإيمانية أنك تستعين وتتبرك باسم الله. هذا هو المقصد الذي من أجله بدأنا بـ «بسم الله الرحمن الرحيم»، لنتبرك بأسماء الله سبحانه وتعالى التي فيها البركة تحل على قارئها، وفي نفس الوقت أنت تستعين.

فهذه الباء في «بسم الله» من حروف الجمع، لها معاني كما يقولون، أليس كذلك؟ فهنا لو سألتك: باء «بسم الله» ماذا تفيدني؟ تقول هذه الآية أتت لتعلمني أن أستعين بالله وبأسماء الله، وأتبرك بالله وبأسماء الله، هذه فائدة أن تبدأ بها عملك. ولذلك قال: هي مثل الباء التي تنبت بالدُّعاء، والباء التي تنبت في قوله تعالى تنبت بالدهن، وسر للأكلين، هي باء المصاحبة. فكأنك وأنت تعمل هذا العمل...

بسم الله. أنا أريد أن أستصحب اسم الله معي أثناء الأكل. لما أنت في الوضوء تقول: «بسم الله»، وتبدأ تتوضأ، أنت تستصحب اسم الله أثناء الوضوء، وهكذا. وكذلك قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾، هذه الباء تسمى باء المصاحبة، أي المصاحبة بالدهن؛ فالباء في «بسم الله» تفيد المصاحبة والاستعانة والتبرك.

قال رحمه الله تعالى: «وكسرت بتشاؤم حركتها عملها»، يعني هذا فائدة يا أخي لغوية عابرة استطرابية قد لا نحتاج إليها؛ لماذا الباء مكسورة؟ قالوا لأن باء الجر ماذا تفعل؟ تجر. باء الجر ما وظيفتها باللغة العربية؟ تجر الأسماء التي بعدها، والجر يكون علامته الكسرة؛ فلذلك ناسب أن تكون الباء مكسورة. باء الجر مكسورة حتى تتناسب حركتها مع عملها، هي تعمل الجر في غيرها فناسب أن تكون هي في ذاتها مكسورة؛ لأنها تحدث الكسر في غيرها، وهذه فائدة لغوية استطرابية.

طبعًا هو ماذا يفعل؟ لاحظوا التحليل الدقيق المفسرون، طبعًا هو مرة واحدة فقط سيحللها لك في السور الأخرى لن يعيد هذا الأمر، لكن لأهمية البسملة ولعظمها في حياة الإنسان يهتمون بتحليلها كلمة كلمة. بدأ بباء الجر فعرفك أن الباء هنا للاستعانة والمصاحبة والتبرك، ثم الآن سيعطيك ما معنى الاسم؟ ثم ما معنى الله؟ ثم ما معنى الرحمن؟ ثم ما معنى الرحيم؟ سيحلل لك «بسم الله» كلمة الكلمة وحرفًا حرفًا.

فقال: «الاسم أُخذ من الهمزة مما أخذت». قال رحمه الله: «هو رزق من الأسماء التي وغيرهما، فإذا أُمروا بهما بها ممتلئين»، زادوا همزة تفاديًا عن الابتداء بالساكنة، وإذا وقعت في الدرج لم ينتقل إلى زيادة شيء، وإذا وقع في ما لا في الدرجة.

هذه فائدة لغوية معروفة لديكم: أي اسم مبدوء بحرف ساكن؟ أي اسم بدأ بساكن، العرب لا تبتدئ بالساكن؛ لا يمكن أن تنطق حرفًا ساكنًا، فما هو الحل حتى نخلص من السكون؟ نأتي بهمزة الوصل، فهي أصلها «اسم»، أصلها السين والميم، لكن السين ساكنة، والعرب لا تبتدئ بساكنة، فاحتجنا لهمزة الوصل. لكن همزة الوصل كما قال إنما هي في اللفظ إذا بدأت بالكلمة، وأما إذا وقعت الكلمة في درج الكلام، يعني في ثنايا الكلام، فإن همزة الوصل تسقط. معروف همزة الوصل متى تُكتب؟ إذا ابتدأت الاسم، لكن إذا وصلت الاسم بكلمة قبلها فإنك تسقط همزة الوصل، فتقول: «في اسم محمد خير»، هنا همزة الوصل سقطت. فهمزة الوصل من اسمها: إذا وُصلت تسقط، وإذا بدأت بها تخرج.

«ومنهم ما لم يزدها سوى استغنى عنها بتأليف الساكن»، فقال يعني بعض العرب في لفظ الاسم البعض العربي تلفظها «سْمٌ»، فمن بدأ بكسر السين خلاص ما يحتاج إلى همزة وصل. والاسم فيها عشر لغات أصلاً بالعربية، كلمة اسم فيها عشر لغات ذكرها الأشموني وغيره.

قال رحمه الله تعالى: «وهو من الأسماء المحبوبة، أصلها سم ون»، يعني محذوفة الأواخر؛ لأنها في الحقيقة هل تعرفون ما أصلها؟ أصلها «سِمْوٌ»، أصلها سين وميم وواو، حذفوا الواو من الآخر وسكنوا السين في البداية فاحتاجوا لهمزة وصل وتحولت إلى «اسم»، شوفوا هذه التصرفات العربية. أصلها «سِمْوٌ»، سين وميم وواو، حذفوا الواو من الآخر وعوضوا همزة في البداية؛ طبعًا الهمزة أُتي بها حتى يخلصوا من البدء بالساكن.

قال رحمه الله: «وأصله سم بدليل تصريفه كأسمآء وسُمي وسميت». والفجأة هو كما قال بعضهم، هو في خلاف اشتقاقها؛ اشتق الاسم من «سما» المصري، واشتقه من «وسم» الكوفي، والمذهب المقدر الجلي دليله الأسماء والسمي كما يقول. هم يقولون في خلاف في كلمة «اسم» ما اشتقاقها، لكن المشهور هو ما ذكره النسبي أن أصلها من «سَمَو». والدليل على ذلك أنهم يستدلون على أصول الكلمات من خلال جمعها جمع تكسير ومن خلال تصغيرها، فيقولون كلمة «اسم» لو جمعناها تجمع على ماذا؟ على «أسماء»، وكذلك لو صغرناها تصغر على «سُمَيٌّ». طبعًا عندما نقول «أسماء» فالهمزة التي في الآخر هي همزة منقلبة عن واو، فهذا دليل على أن «اسم» هي في الحقيقة واوية الآخر. كذلك «سُمَيٌّ» التصغير، «سُمَيٌّ» على وزن «فُعَيْل»، وأصلها «سِمْوٌ»، أصلها سين وميم وياء وواو، طبعًا الواو قلبت ياء وأُدغمت في الياء فأصبحت «سُمَيٌّ». ما أريد أن أتعبك في القضايا اللغوية كثيرًا، المهم هناك أدلة كثيرة على أن «اسم» أصلها «سِمْوٌ»، فهناك واو في الآخر حُذفت وأُتي بهمزة وصل في البداءة.

قال رحمه الله: «واجتِباطه من السمو»، أصله من أين أخذ؟ من السمو، حتى تعرف لماذا يقولون اسم فلان زيد واسم فلان حامد واسم فلان جعفر؟ لماذا سموا الاسم اسمًا؟ قالوا لأنه يسمو بصاحبه. يعني أنت ستبقى مجهولًا حتى يسميك والدك، أليس كذلك؟ لو أن والدك لم يسمِّك كيف سنعرف؟ كيف ننادي عليك؟ بالتالي الاسم أصله من السمو وهو الارتفاع، فكأنك إذا وُضع لك اسم في حياتك ارتفعت وأصبح يمكن التعامل معك، إذا كنت بدون اسم ستبقى في الأسفل، لا أحد يستطيع أن ينادي عليك كيف يتواصل معك.

قال رحمه الله تعالى: «لأن التسمية تنويه»، يعني تعرفك: زيد، خالد، بكر. وأثبت في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ لأنه اجتمع فيها مع كثرة الاستغفار. من الملاحظات أن «بسم الله الرحمن الرحيم» دائمًا لما تكتب تجدون أنهم لا يكتبون همزة الوصل، مع أنه في الوضع الطبيعي أنه ينبغي أن تُكتب، لذلك في سورة العلق ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ كتبت همزة الوصل. لكن دائمًا أنت لما تكتب «بسم الله» في كتابتك كيف تكتب؟ باء ثم سين مباشرة، طيب وأين همزة الوصل؟ لماذا لم تكتبها؟ في «بسم الله الرحمن الرحيم» بالتحديد تُحذف همزة الوصل في الكتابة، طبعًا لماذا؟ قالوا لكثرة الاستعمال، إما لأنها دائمًا تُكتب في أوائل الرسائل وفي أوائل المصنفات، فلما كثر استعمالها استثقلوا أن دائمًا يكتبوا همزة وصل، فقالوا خلص اشبكوا الباء بالسين مباشرة. وإلا في الكلام العادي إذا كتبت كلمة «اسم» أو «باسم» لا بد أن تكتب همزة الوصل وإلا يكون في خطأ، لكن في «بسم الله».

الرحمن الرحيم، بالتحديد أسقطوها لكثرة الاستعمال.

قال رحمه الله تعالى: بلشنا بفوائدهم ليست حقيقة من صلب العلم. قال: وطولت الباءة لما تكتب بسم الله، مش بتعمل لها كرش كبير؛ باسم بتطول لي الباء. قال: ليش طولوا كرش الباء؟ قالوا عوضاً عن حذف الهمزة، حذفنا همزة الوصل خلاص طولوا كرشنا بس، وهذا كله ماشي.

بارك الله فيكم، إن هذا أثر ليوسف عمر بن عبد العزيز، تعرف الخليفة رحمه الله، كان له كاتب كتاب الرسائل، فكان يقول: «وإذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم طول الباء»، يعني اعمل لها كرش. ثم أظهر السينات، لا تحذف الرؤوس، لا، رؤوس السين مبينة ظاهرة، ثم قال: ودور الميم.

انتهينا من كلمة اسم، ننتقل إلى لفظ الجلالة: الله. لفظ الجلالة الله، ما أصله؟ أصله إله، فدعوكم من الله أصله من إله، ممتاز، أصله إله. الآن حذفوا همزة القطع التي في البداية وأدخلوا "أل" للتعريف فأصبحت الله، هذا الذي حدث فعلياً. الله أصلها إله، حذفنا الهمزة التي في البداية وأتينا مكانها بـ "أل" التعريف فأصبحت الله، مثل كلمة الناس؛ أنت تقول أعوذ برب الناس، الناس ما أصلها؟ أصلها أناس، في العربية أصلها أناس، حذفوا الهمزة من البداية وأتوا بـ "أل" التعريف فصارت الناس، وهكذا.

قال رحمه الله تعالى: والإله من أسماء الأجناس يقع على كل... ممتاز. الآن سيبدأ بالتحليل، كلمة "إلى اسم جنس"، ما معنى اسم جنس؟ اسم الجنس هو الذي يدل على ذات ولا يدل على صفة، يعني مثلاً: أسد، حصان، سكر وما شابه ذلك، هذه كلها تسمى أسماء أجناس. اسم الجنس هو الذي يدل على ذات، على شيء معين، ولا يدل على صفة، بخلاف فارس، شجاع، جريء، قوي، هذا يدل على ماذا؟ على صفة.

فهناك ما الفرق بين الصفة واسم الجنس؟ اسم الجنس هو ما دل على ذات أو عين، والصفة ما دل على وصف يقوم بالعين. يعني هي قريبة من طريقة المتكلمين في تقسيم الأشياء إلى جوهر وأعراض؛ المتكلمون يشغلونك في جوهر وعرض، الجوهر هو اسم الجنس، والعرض هو الصفة، بهذه الطريقة تماماً.

فالله، يقولون الله هذا اسم جنس لأنه يدل على ذاك، لكن الآن بدك تفرق بين إله والله. الآن إله كلمة تطلق على كل معبود، فبوذا إله، والنجم الذي يعبد، ومن ماذا؟ بحق النصارى مثلاً يعبدون عيسى إلهاً، فيقولوا كلمة إله هي تطلق على كل شيء يعبد، سواء كان بحق أو بباطل، أي شيء يعبد يسمى إلهاً، هذه كلمة إله.

أما كلمة الله فهي لا تطلق إلا على المعبود الحق سبحانه وتعالى، فهذا فرق بين كلمة إله وكلمة الله. كلمة إله أي معبود؛ بوذا، النجم، الكواكب، فكل شيء يعبد يسمى إلهاً سواء كان بحق أو بباطل، لكن الله لا تطلق إلا على المعبود الحق، لذلك بوذا لا يجوز أن تقول عنه الله، والنجم والكواكب والأصنام لا يجوز أن تقول عنها الله، لكن يجوز أن تقول عنها إله باعتبار أنها عبدت من دون الله.

انظروا ماذا قال: والله تعالى من أسماء الأجناس يقع على كل معبود، أي يصح إطلاقه على كل معبود بحق أو بباطل. قال: فغلب على المعبود بالحق، يعني أصبح كثيراً في عرفنا، إذا قلنا إله ماذا تقصد به أنت؟ ربنا، لكن هذا عرف، وأما أصله فيطلق على كل ما يعبد.

قال: فما إن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا، يعني هذا من أساليب العرب. العرب الآن إذا قلت لك نجم، أنت ما بينها بذهنك؟ أي نجم، أي بقعة ضوء تسميها نجمة، لكن العرب غلب عندها إذا أطلقوا النجم يقصدون به الثريا بالتحديد، النجوم في السماء لها أسماء، ومن أشهرها النجم المعروف بالثريا، فالعرب إذا قالت نجم أو رأيت النجم تقصد به الثريا بالتحديد، فهكذا كلمة إله؛ الإله أصله بكل ما يعبد من دون الله، لكن في أعرافنا نحن أهل الإسلام إذا أطلقنا كلمة إله فنقصد به إلهنا الحق.

قال رحمه الله تعالى: وأمر الله بحفظ الهمزة، وأُريد به المعبود بالحق، فكلمة الله كيف صارت؟ قلنا حذفنا الهمزة ودخلنا "أل" التعريف، فهذا مختص بالمعبود الحق جل في علاه، لم يطلق على غيره، حتى النصارى وكل الديانات ما أطلقوا على آلهتهم "الله" إلا الله، وما استحدثه بعض النصارى اليوم من تسميتهم الله، يعني يستعملون أحياناً في كلامهم، وإلا في الأديان المحرفة ما كانوا يطلقون على آلهتهم وأصنامهم لفظ الجلالة.

الله، هو اسم غير صفة، الله هذا اسم الله والبعض يقول اسم الله الأعظم. وهل هذا صفة ولا اسم؟ الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، هذه يقول هي أسماء وأوصاف، لكن الله بالتحديد كثير من أهل العلم قالوا هذه أسماء لكن لا يوجد فيها معنى الوصفية، يعني أقرب لك إياها: مثلاً فلان اسمه جعفر، ولكن أوصافه طويل، جريء، كريم؛ فجعفر هو العلم، هو لا يدل على صفة وإنما هو علم، ثم بعد ذلك أصفه: جاء جعفر الصادق، جاء جعفر التاجر، جاء جعفر طالب العلم، المهم فتلاحظ أن جعفر هل دلت على صفة ولا دلت على ذات؟ دلت على ذات، ثم بعد ذلك أتيت بالأوصاف.

فكذلك الله، كثيراً من أهل العلم يقولون الله علم على الذات ولا يدل على صفة، وإنما الصفة تأتي بعد الله: الرحمن، الرحيم، الملك. فإذاً هذا معنى قوله: إن لفظ الجلالة اسم، يعني علم على الذات المقدسة ولا يدل على صفة. البعض لا نازع في هذا، وقال بل يدل على صفة وهو أنه معبود، والبعض قال إن هذا خلاف قريب لا إشكال.

قال: وهو اسم غير صفة، والدليل على ذلك أن لفظ الجلالة في القرآن الكريم لا يأتي وصفاً لاسم آخر، يعني هل عمرك شفت القرآن الكريم آية تقول "الرحمن الله"؟ لكن أنتم تشوفوا العكس: "الله الرحمن"، صح؟ هذا دليل على أنه الله توصف لكنها لا تكون هي صفة، لفظ الجلالة الله يوصف بغيره: الله الرحمن الرحيم، الملك القدوس، لكنه لا يكون هو صفة لاسم آخر، فهذا يدل على أنه علم على الذات وليس صفته.

والمسألة فيها إعراب، قال: لا تقول شيء إله، كما لا تقول شيء أُقعدوا وتقولوا إله واحد فقط. قال: ولأن صفاته تعالى لا وجود لها...

فلو جعلتها كلها صفات لبقيت صفات غير جارية على اسم موثوق بها فلا يجوز. من قاعدة العرب أن الشيء لابد له أن يكون له اسم حتى نستطيع أن نصفه؛ الشيء لابد أن يكون له اسم حتى نصفه، سيارة ثم تصفها، هاتف ثم تعطي مواصفاته. يقولون: الشيء إذا لم يكن له اسم ابتداءً لا يمكن أن نعرف صفاته، أنت أولًا تضع اسمًا له ثم بعد ذلك تبدأ تذكر الصفات التي تتعلق به.

فلو جعلنا الله صفة مثل باقي الأسماء الحسنى لما عاد هناك اسم ترتكز عليه باقي الصفات، فلا بد أن نخلي مركزًا، يعني اسمًا مركزيًا جميع الصفات تسند إليه، الاسم المركزي هو الله، ثم باقي الصفات تركز إلى هذا الاسم. كما أن اسمك المركزي أحمد، وأنا اسمي المركزي إبراهيم، وفلان اسمه جعفر، ثم باقي صفاتنا تسند إلى هذا الاسم المركزي، فالاسم المركزي للإله هو الله، ثم بعد ذلك تصف بالأسماء الحسنى الصفات العلى.

قال رحمه الله تعالى: ومحمد ابن الحسن والحسين ابن قطب. وقيل معنا صيغتين فصاعدك عن واحد، وصيغة هذا الاسم وصيغة قولهما بعد التحلل والدهشة، وذلك الأوهام تتحير المعبود وتنهج. قالوا كيف عقود؟ كقوله هذا خلق الله المخلوقون إذا كان قبلها بدعة أو ضمة.

الآن بدأ في قضية لغوية تتعلق بالله؛ لفظ الجلالة الله، وهو معقول كما قلنا من إله. هل هو مشتق أم جامد؟ هذه مسألته صرفية. البعض مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي وغيره قالوا كلمة إله هذه اسم جامد لم تشتق من شيء في العربية. والرأي الآخر يقول لا، كلمة إله مشتقة، والذين قالوا إنها مشتقة اختلفوا على قولين؛ منهم من قال إله مشتقة من الفعل أَلِهَ، أَلَهَ، لا هاء. والبعض قال لا، هي مشتقة من الفعل ماذا؟ أَلِهَ.

ما الفرق بين أن نقول إنه إله مشتقة من أَلِهَ، وبين أن تكون مشتقة من أَلِهَ؟ إله في العربية معناها ماذا؟ دهش من الشيء. فقالوا إذا قلنا الله مشتقة من أَلِهَ فإنما سمي الله الله لأن العقول تدهش في تفكر به ولا تستطيع الوصول إلى كنه ذاته. قالوا سمي الله الله لماذا؟ لأن العقول لما تسمع الله وتحاول أن تفكر من هو الله تدهش وتحتار، ولا تستطيع الوصول إلى كنه ذاته. فمن هنا أُخذ الله من الفعل أَلِهَ، لأن الفعل أَلِهَ يدل على الاندهاش والاستغراب العظيم، فأُخذ منه اسم الجلالة الله ليدل على أن هذه الذات المقدسة تدهش العقول وتتحير الأفكار، ولا تستطيع وصولًا إلى كنهه، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110].

القول الآخر يقول إنها ليست من أَلِهَ، وإنما مأخوذة من ماذا؟ وما معنى أَلَهَ؟ والأكثر على هذا، لذلك ركزوا عليه، الأكثر يقول لا، الله مأخوذة من أَلَهَ. وما معنى أَلَهَ؟ عبد. وهذا أقوى، أنه يأله إلهًا، فقالوا الله كلمة إله التي أخذنا منها الله، أَلَهَ مأخوذ من الفعل أَلَهَ بمعنى عبد، فبالتالي ماذا يكون معنى الإله؟ المعبود، أَلَهَ يَأْلَهُ إِلَهًا، عبد يعبد معبودًا، وهذا قد يكون أقرب وأنسب، والله تعالى أعلم بذلك.

كثير من المحققين يقولون الله لفظ الجلالة. شوفوا ترى هذه الفوائد كثيرة، التحليل اللغوي أحيانًا يساعدك على الوصول إلى عمق المعنى. كلام الله أحبابي عميق، القرآن عميق جدًا. أنا لو سألتك هل تقول إن القرآن معجز؟ تقول لي نعم أنا أؤمن أن القرآن معجز. أقول لك: أنت فاهم ليش القرآن معجز؟ بل أكثر، حتى العلماء المعاصرين لا، لأنه فهم إعجاز القرآن يتوقف على فهم بلاغة القرآن وعمق القرآن.

أنا أزعم أن أبا جهل وأُمية بن خلف وهؤلاء أساطين كفار قريش يدركون إعجاز القرآن أكثر مما أدرك أنا وأنت، كن على ثقة بذلك لأنهم أهل اللسان، فهم فاهمون حجم البلاغة. لماذا تحيروا؟ لماذا دهشوا؟ لماذا كثير منهم أسلم؟ لأنه عرفوا أن هذا القرآن معجزة. أنا وإياك نقول القرآن معجزة لأننا مؤمنون إيمانًا، لكن هل نحن وقفنا على سر الإعجاز؟ لو قلت لك: أين الإعجاز في الآيات القرآنية يا شيخنا؟ أقول لك أنا ضائع مع الشيخ.

لذلك هناك كتب كثيرة صنفت تحت اسم دلائل الإعجاز ونحو ذلك، الهدف منها أن تكشف شيئًا فقط، لماذا القرآن معجز؟ والذي يكون ضعيفًا في العربية خلاص الله يجزاك الخير آمن أن القرآن معجز ومسامحينك، وبعد ذلك أنت لن تعرف سبب الإعجاز حتى تتقن معاني المفردات ومعاني الجمل وتدخل في العمق الذي يدخل فيه العلماء في تحليل الكلمة، ثم تفهم التركيب البلاغي ومثل هذه القواعد التي أخذناها اليوم أن الأهم دائمًا تقدمه العرب، وأن التقديم قد يفيد الاختصاص.

أما خذ قواعد البلاغة وتبدأ تتعايش مع القرآن، من خلال هذه القواعد فعلاً سيلفت انتباهك إلى عظمة وروعة النظم، وتعرف السر؛ لماذا كفار قريش والوليد بن المغيرة وغيره لما مدحوا القرآن مع أنهم كفار عرفوا أن هذا الكلام فخم، هذا الكلام لا يمكن أن يكون من محمد ﷺ، واضح أن هذا نازل من السماء. أنت تؤمن بهذا إيمانًا لكن أنت لست عارفًا لماذا.

حتى تفهم الواقع، كثير من الناس يظن نفسه أنه يعرف وأنت لا تعرف، أنت فقط تؤمن بذلك إيمانًا. تريد أن تصبح تفهم أكثر وأكثر، تريد أن تتعمق وتتعود على نمط العلماء في التحليل العميق للنص حتى يوصلك هذا إلى -خلينا نقول- أربعين خمسين بالمئة من إعجاز القرآن. أنت لم تصل حتى مائة، ولو أصبحت حبرًا لو كنت الطاهر بن عاشور في زمانك والزمخشري لن تصل إلى هذا، لأنه سبحان الله هذا اللسان كثير من قواعده اندثر وما عاد الناس يتكلمون بها، فنحن أميون ونحاول أن نتعلم قواعد اللسان العربي.

ومهما وصلنا ومهما بلغنا، أكثر من خمسين ستين بالمئة أظن أنه ممتاز وكافي. الذي لا يعرف العربية هذا في الصفر بالمئة، لساته جالس، أو واحد ونصف بالمئة حتى أعطيك شوية أمل في حياتي. فلذلك أحبابي الكرام، ينبغي على الطالب أن لا يعتبر أن هذه المعلومات التي أقولها معلومات هامشية؛ يلا اللي بعديها يا شيخ. وإذا لم تفهم هذا، ستبقى أميًا في كتاب الله، ستبقى أميًا بمعنى الأمي، وستبقى جاهلاً كيف تتدبر القرآن وتعيش معه. فقبل أن تنتقل لمرحلة التدبر عليك أن تعيش مرحلة التفسير، وتفهم كيف تحلل الكلمة وما معناها وما...

فلذلك أنا لماذا أبتعد عن كثير من التفاسير المعاصرة؟ لأنها حقيقة لا تجعلني أعيش مع النص القرآني. التفسير المعاصر اللي يعطيك معنى هذه الآية كذا وضيع؛ يعني جمالية النص لما يعطيك فقط المعنى الإجمالي ويمشي.

الناس الطيبون الذين يصعب عليهم الدخول في هذا، يناسبهم اللطيف الرائع، لكن كطلاب علم أو دعاة أو إنسان على الأقل حاب يتغير نمطه مع القرآن وحاب يعيش مع النص القرآني، لا؛ بدك تصبر شوي وتتعلم رويدًا رويدًا كيف تحلل النص، كيف تفهم النص، كيف تعرف عمق الكلمة، تفهم قواعد التقديم والتأخير؛ لماذا هذا قدم؟ لماذا هذا أُخر؟ لماذا هنا قال ذلك؟ لماذا هنا قال هذا؟ كل هذا له أسراره التي لا تأتي إلا بالتعلم.

أنت لن تصبح تعيش مع القرآن في يوم وليلة بعد كل هذه السنوات من هجر القرآن، تريد في يوم وليلة كبسة واحدة تصبح المتدبر الأول؟ هذا ما راح يكون، وإنما هذا يأتي بالصبر، وإنما النصر صبر ساعة. من يصبر الله يفتح عليه، وأما من هو كثير السغب يريد الأشياء الجاهزة فهذا أظنه بالكاد يفلح في فهم كتاب الله سبحانه وتعالى.

قال رحمه الله تعالى: إذا كان قبلها فتحة أو ضمة. أنا فقط بلحظة الفكرة سابقة أن هناك آراء؛ القول الأول أن كلمة «إله» ليست مشتقة جامدة ولا معنى لها، بالتالي عمومًا يكون معناها الأصلي الذي هو أنها اسم جنس على الذات. البعض يقول: لا، إذا هي مشتقة وإذا كانت مشتقة بيكون لها معنى؛ فإما مشتقة من «أَلِهَ» أو مشتقة من «أَلَهَ».

إذا قلنا مشتقة من «أَلِهَ» فتكون بمعنى الاندهاش، وإذا مشتقة من «أَلَهَ» فتكون بمعنى العبودية؛ المعبود ليكون «إله» بمعنى معبود. وركز على القول الأخير لأن أكثر العلماء على أن «إله» مأخوذة من «أَلِهَ» و«أَلَهَ» بمعنى عَبَدَ. التالي: «إله» معناها معبود، إذاً الله معناه المعبود، وأنت تعبده سبحانه، هو الذي يؤكد هذا المعنى حقيقة في الآية القرآنية التي تقول: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الزخرف: 84].

ما معنى «وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ»؟ سورة الزخرف، ليس كذلك؟ ما معنى هذا؟ لأن بعض الناس تشكل عليه: إيش يعني «وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ»؟ يعني أنا أعرف الله، مشايخنا علمونا، كيف يعني «وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ»؟ يعني الله ما معنى المعبود؟ يعني وهو المعبود في السماوات وفي الأرض، يعني يعبده أهل السماء ويعبده أهل الأرض.

وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾. كثير من الناس تشكل بحاول يفهمها: كيف وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله؟ مش راكبة يا شيخ، معقول؟ يعني هو في السماء إله وفي الأرض برضه إله، يعني صاروا اثنين؟ لا يا عمي الله يرضى عليك؛ يقول: وهو الذي في السماء وفي الأرض إله، يعني وهو المعبود في السماء، وهو في الأرض معبود، فالله سبحانه وتعالى يعبده أهل السماء ويعبده أهل الأرض. فهذا يؤكد حقيقة أو يقرب القول الثالث؛ أن «إله» بمعنى معبود، بالتالي هي مشتقة من الفعل «أَلَهَ يَأْلَهُ عَبَدَ يَعْبُدُ».

قال رحمه الله تعالى: وطبق غلامه إذا كان قبلها فتحة أو ضمة. أنت متى تقول في القرآن في قراءتك؟ ماذا تقول "الله"؟ ومتى "الله"؟ التجويد هذا يحطمونه في القرآن؛ تقرأ الكلمة "الله" ومتى تقرأها "الله"؟ إذا كان قبلها فتحة أو ضمة تقول "اللَّه"، وإذا كان قبلها كسرة أو ياء فتقول "اللِّه"، ألا تقرأها مرققة؟ هذا الذي يقصده.

ومنهم من يرققها بكل حال، ومنهم من يفخر في كل حال؛ بعضهم دائماً يقرأ "اللَّه" في كل القرآن، وبعضهم يقرأ "اللِّه" في كل القرآن. لكن نحن قراءتنا على ما هو؛ أحياناً "اللَّه" وأحياناً "اللِّه" على حسب القواعد التي نعلمها. قال رحمه الله: والجمهور على الأول، يعني الجمهور على التفرقة كما قلنا بين "اللَّه" و"اللِّه". هكذا انتهينا من "الله".

ننتقل إلى "الرحمن". طبعًا إخواني النسفي، يعني أنا بسميه بدلعهم، أنتم بعد كل هذا الكلام لما ترجع للزمخشري بترجع للبيضاوي، ترجع للكتب التفسير الكبرى، ممكن تضيع أكثر من هيك؛ لأنه هذا يعتبر باختصار أمل للكلام بدون ذكر الأدلة والتفريعات وما نوقش وما لم يناقش. فلذلك اخترنا النسفي لأنه يستعرض الأقوال الأساسية بدون نقاشات، بدون استدلالات؛ قال فلان وقال سيبويه وقال في الشجري، وما بدنا نتعب إحنا، إحنا بدنا الأشياء الأساسية نأخذها كأفكار وننطق.

لذلك الآن مباشرة انتقل للرحمة، فقال رحمه الله تعالى: «والرحمن» فعلاً من رحمة هو الذي وسعت رحمته كل شيء. «غضبان» من غضب، وهو المبتدئ غضباً، فقد "الرحيم" فعيل منه كـ "مريض" في "المرض". الآن "الرحمن" و"الرحيم" كلاهما مشتقة من الفعل "رَحِمَ"، "الرحمن" و"الرحيم" كلاهما مشتقة من الرحمة، والبعض قال "رَحِمَ" انتقلت إلى "رَحْمًا"، ما بدك تدخل في أي تفاصيل، المهم أنها مشتقة من الفعل "رَحِمَ".

بالتأكيد في فرق بينهم، صح ولا لا؟ لأن "الرحمن" كم حرف يا جماعة؟ خمسة، طب "رحيم" أربعة. وقواعد العربية أن الزيادة في المبنى لابد أن تؤدي إلى زيادة في المعنى؛ يعني الكلمة كلما كثرت حروفها لها معنى أكثر من الكلمة التي قلت حروفها، فأكيد الحرف الخامس في "الرحمن" ما جاء ببلاش. "الرحمن" خمسة أحرف، و"الرحيم" أربعة أحرف، زيادة حرف في الكلمة معناه زيادة معنى، هكذا العرب تفعل. فالرحمن والرحيم كلاهما مشتقة من الفعل "رَحِمَ"، لكن بالتأكيد هناك فرق بين "الرحمن" وبين "الرحيم".

طيب ما هو الفرق؟ قال اقرأ مرة ثانية شيخ سليمان. قال رحمه الله تعالى: «من رحمة الذي وسعت الرحمن» على وزن "فعلان". طبعًا هذه الأوزان ترى عند العرب لها دلالات عميقة في المعنى؛ كلمة "رحمن" على وزن "فعلان" لها دلالات عن الكثرة والمبالغة. لما العرب تقول فلان غضبان، فلان سكران، فلان عطشان، جاءت معه اللسان؛ هم لما قالوا هذا للدلالة على الكثرة والمبالغة، "غضبان" يعني ممتلئ غضباً، "عطشان" يعني ممتلئ أو شديد العطش، فهذه ليست أوصافاً هكذا أطلقت. بالتالي "الرحمن" على وزن "غضبان" و"عطشان" تدل على الامتلاء. لماذا؟ بالراحة، شوف ما أجمل هذا الاسم! يعني أنت تقول لي بدي أتَدبر يا شيخ أسماء الله الحسنى، مهو إذا أنت مش فاهم أن "رحمن" على "فعلان" وأن "فعلان" تدل على الامتلاء، راح يكون...

تدبرك لاسم الله الرحمن ضعيف. أهم شيء تتدبر في الرحمن مفهوم الامتلاء؛ فهو ممتلئ رحمة سبحانه وتعالى، وهذا الجمال فيه. ولذلك جاء بعد اسم الله مباشرًا «الرحمن». بسم الله الرحمن، وأنت في يومك وليلتك كم تحتاج إلى أن تملأ حياتك بالرحمة في كل خطوة من خطوات حياتك أيها الإنسان؟

من الصباح، من لحظة الاستيقاظ إلى ذهابك للوظيفة أو الجامعة أو المدرسة، وأنت في أثناء الوظيفة، التوفيق كم تحتاج إلى رحمات الله سبحانه وتعالى؟ تحتاج في كل نفس من أنفاسك إلى رحمة الله، فأنت تحتاج ليس فقط إلى رحيم، أنت تحتاج إلى رحمان؛ أي إلى من هو ممتلئ الرحمة، لأن من كان ممتلئ رحمة رحمته لا تنقص.

يعني سبحانه وتعالى أن يوفقك في كل الحياة؛ شف هذا المعنى البلاغي البسيط، كيف يضفي على قلبك روحانية وأنت تتدبر فيه؟ الرحمن الممتلئ رحمة هو غير عاجز أن يوفقك ويرحمك في كل خطوة من خطوات الحياة من صباحك إلى مسائك. أنت تحتاج أن تفعل هذا الاسم وتلتفت إليه، ولو الله سبحانه وتعالى تركك مع نفسك لحظة عين ولم تكن رحمته تدعك، ستتلف وستهلك.

نحن كنا نعيش برحمة الله، والله يا إخوان بأجسادنا وصحتنا وعافيتنا في الطرقات ما يصير معك حادث، ما بصير معك مرض، تذهب إلى البيت من يكونك فاجعة فوجئت بها، أمن المنزل؟ أمن الوظيفة؟ كل حياتك قائمة على ماذا؟ هذا الرحمة. بالتالي هذا الاسم يستحق أن تتعب من أجل أن تفهم دلالته، لأنه حياتك كلها قائمة على رحمة الله عز وجل.

الرحمن على وزن "فعلان"، وهو يدل على الامتلاء، وهو ليس فقط عنده رحمة، بل هو ممتلئ منها سبحانه وتعالى، لذلك قال: ﴿فَهُوَ الَّذِي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]. أما رحيم فهو على وزن "فعيل"، ومنه أي من الفعل "رحم"، المراد فقد الرحيم "فعيل" منه أي من الفعل "رحم" أيضًا، كمريض من الفعل "مرض".

ثم قالوا إن "رحمن" أبلغ من "الرحيم"، "رحمن" أبلغ من "الرحيم"؛ ليه؟ زيادة واحدة في "الرحيم"، وفي "الرحمن" زيادتين. لأن الفعل "رحم" لما تشتق منه "رحيم"، الفعل "رحم" كم حرف يا مشايخ؟ ثلاثة، لما تشتق "رحيم" كم حرف زدت عليها؟ واحد اللي هو الياء، لكن لما جبت "رحمن" كم حرف زاد على "رحم"؟ حرفين. إذن هناك زيادة حرفين وزيادة حرف. والقاعدة تقول: الزيادة في المبنى -أي زيادة في الحروف- لابد أن تدل على زيادة في المعنى، لا تكون عشوائية عبثية.

وإذا جاء في الدعاء "يا رحمن الدنيا"، لأنه يعم المؤمن والكافر، و"رحيم الآخرة"؛ لأننا بدنا ننتبه وهذه بتساعدنا اليوم على حل بعض الإشكاليات التي أثيرت الفترة الماضية. شف شو قال النسب؟ قال "الرحمن" يعني هذه للدنيا، لأن رحمته تكون في الدنيا، "يا رحمن الدنيا" لأنه يعم المؤمن والكافر، فمفهوم الرحمة في الدنيا يجوز أن يطلق على المؤمن ويجوز أن يطلق على الكافر.

قال: لكن أما "الرحيم" فهي "رحيم الآخرة". في حديث أثر عن النبي ﷺ: «اللهم يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة»، هكذا "رحمن الدنيا ورحيم الآخرة". لماذا جاء الأثر بهذه الصيغة؟ قالوا بأن "رحمن" تدل على رحمة واسعة تتسع للمؤمن والكافر وهذه لا تكون إلا في الدنيا، مشان هيك قال "يا رحمن الدنيا". وأما "الرحيم" فهي أقل؛ لأن أقل مبنى -مش اتفقنا- فهي تدل على رحمة خاصة ليست رحمة واسعة، وهذه الرحمة الخاصة تكون لأهل الإيمان، وهذه لا تكون إلا في الآخرة.

وهذه يقرر أن العلماء يفهمون جميعًا بالاتفاق أنه لا يجوز أن يترحم على الكافر بعد موته، لا أن يترحم على الكافر بعد موته الأمر متفق عليه مسبقًا، يعني أصلًا لا يوجد خلاف يلتفت إليه في هذه المسألة، حتى البعض أتى بنصوص، هذا كلام فارغ، لا يوجد خلاف أصلًا في المسألة. المسألة مستقرة عند العلماء أنه لا يجوز الترحم على الكافر، ومحسومة عندهم ومنتهية.

لذلك الحديث "رحمن الدنيا ورحيم الآخرة"؛ لأنه في الدنيا يعم المؤمن والكافر، فالكافر أصلًا إنما يرزق ويعيش، هؤلاء في الغرب يعيشون برحمة الله، ولا والله عز وجل رفع رحمته لهلكوا. فالرحمة في الدنيا تشمل المؤمن والكافر، لكنها في الآخرة خاصة بأهل الإيمان. ولذلك "الرحمن" يدل على الامتلاء، والامتلاء يشمل المؤمن والكافر، فبالتالي هذا خاص بالدنيا، وأما بالآخرة فـ "الرحيم" أقل من "الرحمن"، فهي تدل على اختصاص، والاختصاص يكون لأهل الإيمان.

قال رحمه الله تعالى: "الرحمن خاص وتسمية"، ما معنى خاص وتسمية؟ هل يجوز أن يسمى أي إنسان أنه "رحمن"؟ لا، هذا وصف اختص الله به. وأما "الرحيم" فيجوز أن أقول فلان رحيم، نعم طبعًا الله وصف نبيه ﷺ فقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]، فالرحيم يجوز أن يوصف به المخلوق.

الرحمن يقولون هو أخص من حيث التسمية وأعم من حيث المعنى. ليه؟ لأن "الرحمن" لا يطلق إلا على الله، لكن معناه يشمل المؤمن والكافر. وأما "الرحيم" بالعكس، أعم من حيث التسمية، لأنها تطلق على الله وتطلق على المخلوق، فالله رحيم وأنت أيضًا يصح أن توصف بأنك رحيم، طبعًا مع الفرق الهائل بين رحمة الله ورحمة المخلوق، لكن يصح أن تسمى رحيمًا. فالرحيم أعم من حيث التسمية، لكنه أخص من حيث المعنى لأن "الرحيم" خاص بالمؤمنين.

هذه احفظها، خلاصة: "الرحمن" للكافر والمؤمن، وأما "الرحيم" فهي للمؤمن فقط. "الرحيم" لذا قال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وإذا قدم "الرحمن" وكان القياس من المبنى إلى الأعلى، يقال فلان عالم نحرير؛ نحرير يعني علام. العرب إذا أرادت أن تصف شخصًا وتبالغ في وصفه تبدأ بالوصف الأدنى ثم الأعلى، هكذا طريقتهم، عالم نحرير للفخامة. فالأصل على هذا لو أردنا أن نأتي على قاعدة العرب في كلامها، أيهما كما قلنا أوسع وأبلغ: "رحمن" ولا "رحيم"؟

أبلغ، فكان الأصل أن يبتدأ بالرحيم ثم الرحمن؛ من هكذا العرب تبدأ بالأدنى ثم الأعلى، فكان الأصل أن يقال: بسم الله الرحيم الرحمن. لماذا جاء بالعكس؟ لماذا أتت: بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لأن الرحمن خاص بالله، لا يطلق على غيره، وهي نفس الفكرة السابقة؛ فلذلك قُدم. وأما الرحيم فيطلق على الله وعلى غيره، هذا يسمى رحيماً وما يسمى رحيماً، فلما كانت الرحمن أخص بالله قدمت، وإن كان على خلاف قاعدة في الوصف.

ثم قال: ورحمة الله، هنا ننتبه لإشكالية عقدية راح نختلف فيها مع العلامة النسفي رحمه الله تعالى: "ورحمة الله على عباده وأصلح الأرض". هنا نختلف مع النسفي، هنا سيظهر الأثر العقدي بين أهل السنة والجماعة والماتريدية والأشاعرة. هم يرون أن الرحمة وغيرها من الصفات لا يصح أن يوصف الله سبحانه وتعالى بها ابتداءً، وإنما يوصف الله سبحانه بتعلقاتها، فيقولون الرحمة ليست معنى يقوم في الله سبحانه وتعالى، وإنما الرحمة أن ينعم الله عز وجل عليك، إنعام الله عز وجل عليك هذا معنى الرحمة.

نحن نقول هذا خطأ، الرحمة هي معنى يقوم في الله، وإنعام الله علينا بالطعام والشراب والرزق هو أثر من آثار الرحمة. ما الخطأ؟ هم يريدون أن يجعلوا الرحمة هو نفس العام الذي وصل إلينا، نفس الرزق الذي نأكله هو رحمة. لا، نحن نقول الرزق والطعام والشراب هذا أثر من آثار الرحمة وليس نفس الرحمة.

لماذا يفعلون ذلك؟ هم يريدون أن يقولوا إن الرحمة والغضب -ما يسمى بالصفات الاختيارية- هذه عندهم لا يجوز أن تقوم في ذات الله، طبعاً لفلسفة معينة ذهبوا بها، وأنا لا أريد أن أدخلكم في هذا الموضوع، لكن الفلسفة خاطئة. لذلك الأشاعرة يحصرون صفات الله سبحانه في سبع صفات أو ثمان صفات فقط، وباقي الصفات الأخرى يردونها إلى صفة الإرادة ويكونون "إرادة الإنعام".

حتى لا أشوش عليك أكثر من ذلك، أنا لا يهمني الآن، أريدك فقط أن تفهم النهاية، هذا الذي يهمني أن تفهم أن هذه العبارة خطأ، وإنما هي موافقة لمذهبه العقدي؛ أن الله سبحانه وتعالى لا يجوز عندهم أن يوصف بالرحمة. طيب كيف إذا أردتم أن تعالجوا الآيات الكثيرة التي أخبرت عن الله أنه رحمن ورحيم؟ قالوا: لا، معنى الرحمن الرحيم هو النعم التي تصل إلينا، هذه النعم التي تصل إلينا هي نفسها رحمة. ونحن نقول هذا الكلام فيه تكلّف وفيه تعسف، ومشكلتكم هنا ليست مشكلة لغوية، مشكلتكم عقلية فكرية فلسفية.

بالتالي أنا لا أناقشهم الآن، إنما أريدك أن تعرف أن هؤلاء القوم من الأشاعرة والماتريدية لا يقولون إن هناك صفة تقوم في ذات الله اسمها الرحمة، وإنما يفسرون الرحمة كما فسرها النسفي لأنها الإنعام، نفس النعم التي وصلت إلينا، خلاص هذه هي الرحمة، ونحن نقول لا، النعم التي تصل إلينا هذه آثار الرحمة وليست نفس الرحمة، والرحمة معنى يكون في ذات الله سبحانه وتعالى؛ هذه فكرة فقط أحببت أن أنبه عليها.

قال رحمه الله تعالى: أما قول الشاعر... قال رحمه الله تعالى الشاعر في مسيلمة الكذاب: «وأنْتَ رَأَيْتَ الوَرَى رَحْمَناً»

والله نحن نريد أن نضع نوع استدراك، إن أحد شعراء بني حنيفة مدح مسيلمة الكذاب بأنه رحمن، طب أنتم لم تقولوا قبل قليل إن الرحمن خاصة بالله؟ فكيف أحدهم يصف مسيلمة الكذاب بأنه رحمن؟ ماذا تقول؟ هذا تعنت، وهذا والعياذ بالله من شدة كفرهم، الأوصاف التي هي خاصة بالله أطلقوها على مسيلمة الكذاب، هذا من باب الكفر وليس لأنه يجوز أن يطلق على المخلوق أنه رحمن.

قال رحمه الله تعالى: «ورحمان غير مصل...» عندما زعم أن... أقرأها سريعاً، هذه الفكرة خلاصتها لمن يهتم بالعربية: هل "رحمن" ممنوعة من الصرف؟ لا، تنوّن وتصرف، يجوز أن تنوّن، والأكثر على أنها ممنوعة من الصرف. الآن هو ذكر تعديلات قد لا تهمك الآن في بحثنا التفسيري، ذكر تعديلات تهم الذي ينظر في الشأن اللغوي، لكن أنا أعطيك الخلاصة أن "الرحمن" ممنوعة من الصرف. هكذا انتهى رحمه الله تعالى من شرح بسم الله الرحمن الرحيم.

طبعاً بعض المشايخ قد يجلس في شرح البسملة ثماني أو تسع ساعات، يجلس ثمان ساعات في شرح معاني البسملة، ونحن هذا ليس شغلنا، نحن نريد أن نأخذ إضاءات. أنه غداً عندما أقول "بسم الله الرحمن الرحيم" في حياتي، فأصبحت أدرك ما معنى الباء؟ وما قيمة أن أقول "بسم الله"؟ إنني أستعين وأستصحب وأتبرك بأسماء الله. ثانياً، ما معنى وتحديد معنى مفردة "الله" شيء جوهري في حياتك؛ لأنه أعظم شيء في حياتك هو الله. بالتالي إذا كنت لا تفهم ما معنى الله، فما المشكلة في معنى الرحمن أو الرحيم؟ ما هي الدلالة؟ كيف أوظف هذه الكلمة في حياتي وتنعكس على سلوكياتي؟

"بسم الله الرحمن الرحيم"، اقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم"، قالت له: ما أجمل أنه أنا أتفكر في هذه التسمية أو البسملة وأنا مقدم على أي عمل من أعمال حياتي، حينئذ لا تشعر بالانعزال، لا تشعر بالوحشة حتى لو كنت وحيداً. "بسم الله" تصونك وتحميك لأنك اعتصمت والتجأت واستعنت بأعظم شيء وهو الله سبحانه وتعالى. فحاول خلال هذا الأسبوع أن تجعل لهذه الكلمة وزناً وقيمة في حياتك.

إن شاء الله في الأسبوع القادم نشرع بتفسير سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ونكمل منها ما نكمله بإذن الله. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.