دخولتسجيل الدخول

المجلس الثالث - سورة الفاتحة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

حياكم الله أيها الأحبة في هذا المجلس الجديد الذي نجتمع فيه على مائدة القرآن؛ لنتعرف على معاني القرآن ولنعيمه في قلوبنا بعد أن نقرأها بألسنتنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الصبر على مجالس العلم وعلى التحلق فيها، فإنها نعيم معجل، نعوذ بالله من الحرمان.

وقد كان السلف يقولون: «إن المعصية ليظهر أثرها في وهن القلب». لذلك يا طالب العلم، إذا رأيت قلبك لا يأخذك إلى مجالس العلم ولا التحلق فيها، وجدت همتك تفتر، فاعلم أن هذا من أثر الذنوب والمعاصي؛ فقد أعيدها مرة أخرى كانوا يقولون: «إن المعصية ليظهر أثرها في وهن القلب». الآن أنت تكون متحمسًا لطلب العلم وتحصيله، ثم تجد نفسك فترت، أو قاطعت، أو تفقد ذاك الحماس الذي يكون عادة في البداية، وهذا هو أثر الذنوب والخطايا.

فيا طالب العلم، عليك أن تستحدث توبة في كل مجلس، وأن تستغفر الله وتتوب إليه؛ فإن الاستغفار والتوبة هو الذي يزيدك قوة على حضور مجالس التعلم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: 52]. أنت تحتاج القوة من الله سبحانه وتعالى، وهذه القوة في طلب العلم وفي تحصيله وفي مجالسه، وفي انقطاع العوائق والشواغل عنه، إنما مأخذها من الاستغفار والتوبة والالتجاء إلى الله عز وجل، وأن تحرص على ترك ذنوب الخلوات.

هذا هو التعليق الأول. أما التعليق الثاني، فقد من نعم الله سبحانه وتعالى التي قد تحمس الإنسان -وإن كنت هنا لا أهتم أصلا بهذا الأمر، لكن أحد الأحبة الأفاضل أخبرني قبل أيام أنه رأى رؤيا في هذا المجلس- ومحصنة هذه الرؤية أمران: الأمر الأول معناها أنكم أيها الأحبة بأمس الحاجة إلى الاجتماع على القرآن. هذا حدود الرؤية؛ أننا كمسلمين اليوم بأمس الحاجة أن نجتمع على موائد القرآن وأن نأخذها، فنحن كالأعجم في التعامل مع كتاب الله سبحانه وتعالى.

والمدلول الثاني لها هو أن الله سبحانه وتعالى بإذن الله قد رضي عن هذا المجلس وتقبله، وهذا أمر عظيم، نسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذه الأعمال وأن يجعلها عنده مقبولة خالصة لوجهه الكريم، ولا يجعل لأحد فيها نصيبا.

هناك استفسار أتى من الأخوات ابتداء في قضية: هل وجود هذا الحاجز يحول بينهن وبين فضل المجلس كاملة ما دامت الأخت تأتي من منزلها وتحضر في مجلس العلم؟ وقضية وجود الحاجز وعدم الحاجز هذا لا يحول بينها وبين الثواب، وهي تأخذ نفس أجر الأخوة هنا. ومن يحضر مباشرة بالتأكيد يختلف تماما ثوابه عمن يحضر أو ما شابه ذلك؛ فلا يستوي عند الله سبحانه وتعالى من تعب وتجاوز الطرقات حتى يصل إلى هذا المجلس. نعم، قد يفوقك الذي يتابعك في الأونلاين في النية، قد يفوقك في الحرص والإخلاص لله سبحانه وتعالى، لكن إذا استوى الإخلاص فمن يحضر في المجلس لا يستوي مع من يشاهد بعد ذلك، فإن هذا المجلس محضور مشهود من ملائكة الرحمن، وهذا لا يكون إلا لمن حضر؛ بركة أن تغشاك السكينة وتحوفك الملائكة، هذا فضل خاص لمن تعب وجعلنا من أجل الاجتماع في حلق العلم.

وأما السؤال الثاني وهو ما يتعلق بتثبيت موعد الدرس، فأظن أن تثبيت موعد الدرس في ساعة معينة -بما أن بعض الأخوات يقلن إن الأوقات لو أصبح التوقيت شتوي ورجعنا للخلف سيتضرر مواعيدهن- وهذا في الحقيقة مشكلة لا بد منها. ما هو الحل؟ يصعب أن نبقى من الخامسة إلى السابعة، فكما لا يخفى على شريف علمكم المغرب يتقدم بالتالي، فيصعب التأخر كثيرا بعد صلاة المغرب خصوصا للأخوات، فبالتالي نحن نسحب مع الوقت قدر المستطاع ولكن لن نعود كثيرا، والإنسان يرتب أموره وجدوله قدر المستطاع، فهذا الأمر المتاح بين أيدينا الآن.

وحتى الآن أطيل المقدمة، نبدأ بمجلس التفسير اليوم، وقد انتهينا في المجلس السابق من تفسير اسم الله الرحمن الرحيم، وعرفنا معناها وعظم هذه الكلمة، وأن كل مؤمن لابد وأن يتعقل معناها، خصوصا أنها كلمة جوهرية محورية في حياة الإنسان؛ فأنت من الصباح إلى المساء لعلك تكرر البسملة لأكثر من عشرين مرة، فهل يصلح يا طالب العلم أن تكون جاهلا بمعانيها؟ فضلا أن عندما يقرأ البسملة أو يتلوها وهو يدرك عمق ما فيها من المعاني تكون نفسيته تختلف، وهو يقرأها ولا يعرف ما فيها من الخير والثواب، فهذا قد فُصّل في المجلس السابق.

واليوم بإذن الله نشرع بالآية الأولى على رأي جماهير العلماء، وهي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين أجمعين.

قال رحمه الله تعالى: «الحمد: الوصف بالجميل على جهة التوحيد، فهو ربٌّ بالاقتداء، وقد قرئنا لفعله على أنه من المصادر المنصوبة بأفعال مظهرة في معنى الإخبار، كقوله شكرا وكفرا، فالعدول عن النصب بالرفع بالدلالة على ثبات معنى واستقراره».

بسم الله، بدأ بالحمد، وهذه السورة أحبابي الكرام -سورة الفاتحة- تعلم المؤمن ما هو الأدب في سؤال الله سبحانه وتعالى وكيف هو المنهج في الدعاء؛ لأن سورة الفاتحة في مطلعها إنما هي ممهدات، ثم صلب موضوعها في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. لاحظوا أن نصفها تمجيد وتعظيم لله سبحانه وتعالى، ونصفها الآخر سؤال واستعانة به، وهكذا ينبغي أن يكون منهج الدعاء.

فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دعا أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بما شاء». كثير من الناس إذا أراد أن يدعو الله سبحانه وتعالى بحاجة من حوائج الدنيا والآخرة يهجم على الدعاء هجوما: يا رب أعطني كذا، يا رب أريد كذا، وهذا ليس من أدب الدعاء. انظر الفاتحة كيف تعلمك الأدب؛ تقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، هذه كلها مؤهلات، أنت ترتقي في الاستحضار، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ثم قال: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

بدأت بالدعاء: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فهذا سبب الدعاء، أن تبدأ بالتحميد والتبجيل والثناء العظيم على الله سبحانه وتعالى قبل أن تشرع في سؤال حاجتك. فدائمًا إذا رفعت يديك في الوتر أو في غيرها من أماكن الدعاء، ما تبدأ تقول يا رب أعطني، بل تبدأ: الحمد لله رب العالمين، الثناء على الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، والصلاة على النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه، ثم بعد ذلك تبدأ بسؤال حاجتك.

هذا أول شيء، أول درس نتعلمه من سورة الفاتحة وهو منهجية الدعاء؛ الله يعلمنا كيف ندعو، يريدنا أن ندعو بهذه الطريقة، نبدأ بالحمد والثناء عليه، وهذا من أسباب قبول الدعاء، ومن أسباب سرعة الإجابة.

النقطة الثانية وهي معنى الحمد. أحبابي الكرام، من خلال ربط هذا المجلس بمجلس السبت، رأينا أن من أعظم الأدعية والأذكار المنتشرة في الكتاب والسنة هو هذا الحمد لله سبحانه وتعالى، فلو أنك استقرأت العديد من الأذكار التي تقرأها في اليوم والليلة، ما مضمونها؟ حمد الله، وخصوصًا إذا فرغت من الأعمال. أنت إذا انتهيت من الطعام ماذا تقول؟ الحمد لله الذي أطعمني. إذا خرجت من الخلاء ماذا تقول؟ الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.

أيضًا من أدعية الحمد، هل يتذكر معنا أحد من أدعية الحمد التي مطلعها الحمد؟ مثل: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا»، والاستقراء يطول حتى لا نستهلك الوقت، وكما نلاحظ أن في العادة يكون الحمد في آخر الأعمال، كما هو في نهاية خروجك من دورة المياه، أو في نهاية الطعام أو ما شابه ذلك. وبذلك يكون آخر دعاء أهل الجنة كما جاء في سورة يونس: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 10].

فالحمد إذاً من أعظم الأدعية المأثورة في الكتاب والسنة، وهو آخر أدعية أهل الجنة، وهذا يدل على أن الله سبحانه وتعالى يحب الحمد. جاء في الحديث: «أفضل الدعاء الحمد»، وجاء في الحديث: «أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد»، وجاء في الحديث أيضًا: «إن أفضل الناس عند الله يوم القيامة الحمادون». وجاء في الأثر: «ليس شيء أحب إلى الله من الحمد». ولما ابتدأت السورة، أعظم سورة بكتاب الله، بالحمد، فهذا فعلاً المصداق إلى أن الله ربكم يحب الثناء، الله سبحانه وتعالى يحب أن يُحمد.

فهذا شيء بحد ذاته يجعلك تحرص على هذا الأمر في حياتك. متى عرفت أن مولاك الذي خلقك وأوجدك ورزقك وأعطاك ومنحك يحب أن يُحمد؟ فعليك أن تحرص على أن تلهج بهذا الذكر صباحًا ومساءً. لذلك كما جاء في الحديث أن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها؛ هذا شيء يرضيه. لما يراك تحمده في السراء والضراء، يراك في الطعام والشراب، عند الخروج من الخلاء، عند الانتهاء من أي أعمال، إذا رآك تحمده في البداية وفي النهاية، فهذا من المشاهد العظيمة عنده سبحانه وتعالى.

ولذلك كم سورة بدأت في كتاب الله بالحمد؟ خمسة، أليس كذلك؟ الفاتحة مطلعها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ثم الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾. والسورة الثالثة الكهف، ولاحظوا ربط الحمد بالمشاهد العظيمة، في سورة الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، ربط الحمد بمشهد عظيم وهو إنزال الكتاب. السورة الرابعة الزمر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾. والسورة الأخيرة فاطر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ولاحظ أن أكثر الحمد في مطالع السور مرتبط بخلق السماوات والأرض وملك ما في السماوات والأرض، وهذا يدل على أن الله سبحانه وتعالى محمود على كل حال وعلى كل شيء منه عز وجل.

الآن نشرع في الحمد، الآن طال الكلام في تعريف الحمد. هنا الإمام النسفي -رحمة الله تعالى عليه- ماذا قال في تعريفه؟ قال: «الحمد هو الثناء بالجميل على وجه التحبب». وابن القيم وابن تيمية -رحمة الله تعالى عليهم- أعطوا المعنى الآخر للحمد أو تعريفًا آخر قد يكون أسهل، فقالوا: «الحمد هو ذكر محاسن المحمود مع محبته وتعظيمه».

وبالتالي، حتى أختصر عليكم ما يتعلق بالحمد: أولًا، الحمد ثناء بالجميل، وهو من أبلغ أشكال الثناء، والثناء يكون باللسان، فآلة الحمد كما قال أهل العلم اللسان. وعندما تحمد، أنت تحمد على شيئين: إما أن تحمده على صفاته التي يتصف بها ولو لم يتعدَّ إليك شيء منها، وإما أن تحمده على إنعامه وخيره وعطائه. فالحمد يكون على الصفات، سواء الصفات الذاتية أو الصفات المتعدية.

ما معنى ذلك؟ الله سبحانه وتعالى لما تحمده وتثني عليه، أنت لا تثني عليه فقط لأنه أنعم عليك، بل تثني عليه أيضًا لكماله ولصفات ذاته؛ فأنت تحمده لأنه الله، ولأنه حي، ولأنه قادر، ولأنه متصف بذي الجلال والإكرام، تحمده لكبريائه بكل صفاته الذاتية، وتحمده أيضًا لصفاته المتعدية إليه؛ يعني تحمده على إنعامه ورزقه لك وخلقه لك وما شابه ذلك.

فإذا عندما تحمد إنسانًا، أنا قد أحمد إنسانًا لصفاته المتعلقة به، فأحمد فلانًا لكرمه، وأحمد فلانًا لشجاعته، الآن شجاعته قد لا تهمني وليست متعلقة بي لكنه يُحمد عليها. فلذلك يقولون: «الحمد عام من حيث الموضوع». ما معنى عام من حيث الموضوع؟ أي أنك قد تحمد الشخص لأنعامه وتكرمه عليك، وقد تحمده لصفاته الذاتية؛ لأنه عالم، أو زكي، أو فاهم، أو شجاع، أو جريء. فالحمد موضوعه عام.

بخلاف الشكر؛ الشكر إنما تشكر الإنسان إذا أنعم عليك وأحسن إليك، ولا تشكر الإنسان على صفاته الذاتية؛ أنا لا أشكرك لشجاعتك، يعني أنا لست مستفيدًا منها عادة، لكن أشكرك على كرمك ومنحك لي كذا وكذا وما شابه ذلك. فلذلك يقولون: الحمد أعم من حيث الموضوع؛ لأنك عندما تحمد شخصًا أو تحمد الله، أنت تحمده على صفات ذاته وتحمده على إنعامه وإكرامه عليك، وأما الشكر فلا يكون إلا في مقابلة الإنعام. لذلك الحمد أعظم من الشكر؛ لأنك تحمد الله على كل شيء، صفات الذات وصفات العطاء، وأما الشكر فإنه يكون على مجرد الإنعام والعطاء. فهذا فرق، وسيأتي الكلام بعد قليل.

أيضا ما يهمني أن تعرف أن الحمد هو ثناء على الله سبحانه وتعالى، والثناء إنما هو باللسان فقط، وأننا نثني على الله بصفاته الذاتية، صفات الكمال المتعلقة به، ونحمد الله ونثني عليه بإنعامه وإكرامه علينا جل في علاه.

لذلك يقول ابن القيم رحمه الله لبيان أهمية الحمد: «لو رزق العبد الدنيا وما فيها ثم قال الحمد لله بعد هذا الرزق لكان إلهام الله له بالحمد أعظم نعمة من إعطائه له الدنيا». ربنا أعطاك الدنيا كاملة، ممتاز، ثم ألهمك أن تقول الحمد لله بعد ذلك. أي أكرم عطاء أن أعطاك الدنيا، أم ألهمك الحمد؟ ألهمك الحمد؛ لماذا؟ قال: لأن عطاء الدنيا يزول في النهاية، الدنيا ستزول، لو أعطيت الدنيا هل ستبقى لك؟ لا، لكن ثواب الحمد لا يزول. وهذا يدل على أن العلماء كانوا يدركون قيمة حمد الله سبحانه وتعالى والثناء عليه بهذا الوصف.

هنا النسفي رحمه الله تعالى عليه شرع في قضية إعرابية مباشرة، فقال: «وهو مرفوع بالابتداء وأصله النصب. وقد قرئ بإضمار فعله على أنه من المصادر المنصوبة مضمرة في معنى الإخبار كقولهم شكرا وكفرا». ما معنى هذا الكلام؟ الآن هم يقولون الحمد لله؛ لو سألتكم الحمد ما إعرابها؟ فقل لي: مبتدأ، صحيح، ولفظ الجلالة والجار والمجرور متعلق بمحذوف الخبر؛ الحمد لله مبتدأ وخبر، وهي جملة اسمية.

لكن يقولون هي في الأصل كانت جملة فعلية، وأصلها «الحمدَ» بالفتح. إذا كانت مفتوحة، ماذا سيكون إعرابها؟ يقولون هي مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: نحمد الحمد لله. طبعاً أنت ستعرف ما قيمة هذا من الناحية البلاغية، لكن بدي أرتب لك الأفكار التي قالها النسفي. قال: «وهو مرفوع بالابتداء وأصله النصب»، يعني أصلها منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره نحمد أو أحمد الحمد لله.

طبعاً هناك قراءة شاذة في سورة الفاتحة بالفتح، قال: «وقد قرئ»، أي في قراءة شاذة بالفتح «الحمدَ لله»، وهذه قراءة ليست متواترة. وقد قرأ بهذه القراءة من خلال «إضمار فعله»، أي بتقدير فعل "نحمد الحمد لله" على أنه يكون من المصادر المنصوبة، أي مفعول مطلق بأفعال مضمرة في معنى الإخبار كقولهم: شكراً وكفراً. يعني أنت لما واحد يعمل لك معروف ماذا تقول له؟ «شكراً»، ما إعراب شكراً؟ مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: أشكرك شكراً. وكذلك واحد يعمل لك شيئاً سيئاً تقول له: «كفراً»، أي أكفرك كفراً. فشكراً وكفراً وحمداً لله، هذه كلها من الناحية اللغوية هي مفاعيل مطلقة، هكذا منصوبة وفعلها محذوف.

لماذا إذن، إذا كان أصلها منصوباً، لماذا تحولت إلى مرفوع؟ هذا هو السؤال الجوهري، وهنا تأتي النكتة البلاغية. من درس البلاغة يعرف الكرام أن الجملة الفعلية تدل على التجدد، يعني شيء حدث ثم انقطع ثم يحدث ثم ينقطع، وأما الجملة الاسمية من مبتدأ وخبر فتدل على الثبات والدوام. إقرار الله سبحانه وتعالى يريد أن يخبرنا أن حمده ليس شيئاً يتجدد ثم ينقطع، بل هو حالة مستمرة دائمة يجب أن لا تنقطع في حياتك أيها المسلم.

كيف علمنا الله بهذا من خلال الجملة الاسمية؟ ماذا استفدت أنا على الناحية الروحانية والنفسية؟ الحمد لله جملة اسمية، والجملة الاسمية دلت على الاستقرار، حالة مستقرة دائمة لا تنتهي ولا تنقطع، فكأن الله يريد أن يقول لك: الحمد لله يجب أن تكون شعاراً في حياتك دائماً، لا ينتهي ولا ينقطع. بينما لو أبقاها جملة فعلية «نحمد الحمد»، لتدل على تجدد ثم انقطاع، فلا تدل على معنى الاستمرار والدوام.

وهذا شيء لطيف من أسرار البلاغة، وكل من كان طالب علم وأتقن علم البلاغة سيكتشف أسراراً ورسائل عظيمة يريد الله سبحانه وتعالى أن يوصلها من خلال التدقيق في هذه التعابير. لذلك بعض الطلاب قد يتضجر عندما يقرأ في كتب التفسير التي تهتم باللغة، ويقول: «والله يا شيخ نحن جئنا لنفسر لا لنبحث في اللغة»، أخي الكريم بدون لغة وإعراب لن تفهم كلام الله، هذا هو الواقع. بدون لغة وإعراب، وتعرف الفرق بين الجملة الاسمية والفعلية، وأن الاسمية تدل على الدوام والاستمرار، لن تستطيع أن تفهم الرسائل التي يريد الله أن تصل إليها.

لذلك حتى نكون صادقين مع أنفسنا، كثير منا يمل من التفسير ويتضجر منه، والسبب هو أنه لا يدرك عظمة هذا الكلام، ولا يدرك هذه الذوقيات والجماليات. لو أنك تعيش مع لغة القرآن وتفهمها، أزعم أنك لا يمكن أن تشبع من كلام الله سبحانه وتعالى، لكن الضعف الشائع في العربية يجعل الإنسان يزهق مع القرآن مثل أي كتاب للأسف.

فهذا إذاً من الناحية الإعرابية، فهمنا معنى قوله: «وهو مرفوع بالابتداء وأصله النصب»، وعرفنا القراءة الشاذة، وإذا كان منصوباً فهو بمضمين فعل تقديره نحمد الحمد لله، ويكون إعرابه من المصادر المنصوبة أي مفعول مطلق بفعل مضمن في معنى الإخبار، كقولهم شكراً وكفراً. ثم هنا تهمني الفكرة الأخيرة، قال: «والعدول»، اقرأ يا شيخ سليمان: «والعدول عن النصر إلى الرفع للدلالة على ثبات المعنى». هذه الزبدة، ضعوا تحتها خطاً؛ لماذا عدل الله سبحانه وتعالى عن الجملة الفعلية إلى الجملة الاسمية؟ الإجابة: للدلالة على أن الحمد يجب أن يكون شيئاً ثابتاً ومنهجاً لا ينقطع، وهذا المعنى إنما تدل عليه الجملة الاسمية.

أكمل، قال رحمه الله تعالى: «والخبر في الله وله متعلق»، والخبر أي خبر المبتدأ هو لفظ الجلالة، طبعاً هو ليس لفظ الجلالة، هو الجار...

مجرور. ويقولون: الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره ثابت أو واجب؛ فالتقدير: الحمد ثابت لله. هذا معنى الحمد لله؛ الحمد ثابت، مستقر، واجب لله رب العالمين.

قال: والخبر رحمه الله تعالى، واللام متعلق بمعلوم أي واجب أو ثابت. هكذا انتهى من ذكر المبتدأ والخبر.

الآن سينتقل ليذكر ما الفرق بين المصطلحات الثلاث؟ ما الفرق بين الحمد والمدح والشكر؟ الآن هذه كلمات متقاربة، أليس كذلك؟ الحمد والمدح والشكر مصطلحات متقاربة، لكن هل يوجد بينها فروق؟ نعم، يوجد بينها شيء من الفروق.

الآن سيذكر قولين، وفي الحقيقة هو الآن سيذكر قولين. القول الأول من يرى أن الحمد والمدح بنفس المعنى، وأن الشكر هو المختلف عنهما. فالحمد والمدح يكون كما ذكرنا قبل قليل على صفات الذات وصفات العطاء؛ أنت تحمد الله على صفات ذاته وكماله، وعلى عطائه وإنعامه. كذلك المدح؛ أنت عندما تمدح الله أو تمدح أي إنسان على صفات ذاته وعلى صفات ماذا؟ إنعامه. فقالوا: الحمد والمدح شيء واحد، وأما الشكر فهو خاص بالإنعام ولا يكون على صفات الذات.

فأنت لا تشكر الله لأنه حي، ولكنك تحمده وتمدحه لأنه حي. أنت لا تشكر الله على كبريائه وجلاله، لكنك تحمده وتمدحه على كبريائه وجلاله، لأن الشكر خاص بمقام الإنعام؛ فأنت تشكر الله على ماذا؟ على نعمه وعطائه له. فهذا فرق بين الحمد والمدح وبين الشكر. إن الحمد والمدح أعم من حيث الموضوع، هكذا قال: أعم من حيث الموضوع. فأنا أحمد الله وأمدحه على جلاله وكبريائه، وأحمده وأمدحه على عطائه وإنعامه، وأما الشكر فهو خاص بماذا؟ بالعطاء والإنعام. فأيهما أعم؟ الحمد والمدح أعم من حيث الموضوع.

لكن الشكر أعم من الحمد من حيث الأسلوب؛ لأن الحمد قلنا يكون باللسان، وأما الشكر فيكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالأعمال. لذلك قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: 13]. فأنت قد تشكر الله بقلبك، وقد تشكره بلسانك، وقد تشكره من خلال الأفعال الصالحة. فالشكر أوسع من حيث الأسلوب؛ لأن الشكر قد يكون بالقلب، وقد يكون باللسان، وقد يكون بالجوارح، وأما الحمد والمدح فلا إلا باللسان. فلذلك يقولون: الحمد أعم من الشكر من حيث الموضوع، لكن الشكر أعم من الحمد من حيث الآلة والأسلوب.

فهمتم هذه العبارة؟ الحمد أعم من الشكر من حيث الموضوع. ما معنى هذا الكلام؟ أن الحمد تكون على صفات الذات وصفات العطاء، لأن الشكر فهو خاص بالعطاء. فالحمد أعم من الشكر من حيث الموضوع، وأما الشكر فهو أعم من الحمد من حيث الآلة والأسلوب؛ لماذا؟ لأن الشكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح، وأما الحمد فقط يكون باللسان.

هذا الرأي الأول من يسوي بين الحمد والمدح.

وقال: الحمد والمدح أخوان، وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها. ما معنى أخوان؟ يعني مترادفان. الحمد والمدح أخوان، ليس أشقاء، المراد أنهما مترادفان ومعناهما واحد وهو الثناء. قال: وهو الثناء على الجميل من نعمة وغيرها. من نعمة تقام، ومن غير نعمة؛ شأن غيرها من صفات الذات، أنت تحمد وتمدح الله على نعمه وعطائه لك، وتحمده وتمدح الله على صفات ذاته وجلاله وكبريائه.

قال رحمه الله تعالى: حمدت الرجل على إنعامه، وحمدته على شجاعته وحسبه. أنا أقول: حمدتك على إنعامك علي، وحمدتك على شجاعتك مع أنني لست مستفيداً من شجاعتك، وأحمدك على حسبك أنك من عشيرة مثلاً قرشية تنتسب إلى النبي ﷺ، هل أنا مستفيد من هذا الشيء؟ لا، لكن يُحمد عليه. فالحمد إذاً عام؛ قد يكون على الإنعام، وقد يكون على شرفك، على علمك، على شجاعتك وما شابه ذلك.

قال: وأما الشكر، رحمه الله، فعلى النعمة خاصة. فلا أشكرك إلا على عطائك وإنعامك. قال: وهو بالقلب واللسان والجوارح. فالشكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح. لذلك قال الشاعر:

أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... بيدي ولساني والضمير المحجب

أفادتكم نعماء مني ثلاثة؛ يعني لما أنعمتم عليّ استفدتم مني من ثلاثة أشياء: استفدتم من قلبي أنني أشكركم بقلبي، واستفدتم من لساني أنني أثني عليكم بلساني، وكذلك بأعمالي؛ لذلك قال: وأفادتكم النعماء مني ثلاثة: ولساني والضمير المحجب، فشكري لأنعامكم قد يكون بالجوارح وهو رمز اليد، واللسان، والقلب.

قال رحمه الله تعالى: والحمد لللسان وحده، وهو إحدى شعب الشكر. فبالتالي هذا فرق آخر. نحن قلنا الحمد أعم من حيث الموضوع، لكنه أخص من حيث الآلة والأسلوب؛ فالحمد لا يكون إلا باللسان. لذلك قال: والحمد باللسان وحده لا بالجوارح ولا يكون بالقلب، هكذا عرفته العرب. دائماً تفسير القرآن أحبابي الكرام يكون على وفق ما تعقله العرب من المعاني؛ من الذي حدث أن الحمد يكون باللسان فقط والشكر يكون بالثلاثة؟ العرب. فنحن نستقرئ كلام العرب لنفهم هذه المعاني في القرآن، وإنما نزل بلسان عربي.

لذلك، لأن الحمد باللسان فقط، جاء في بعض الآثار أنه شعبة من شعب الشكر؛ لماذا؟ لأن الشكر يكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، فالحمد باعتباره شعبة من شعب الشكر.

قال رحمه الله تعالى: وهو أحد أشرف شكري، ومنه الحديث: «رأس الشكر حمد الله». وجعل الحمد رأس الشكر، أي أعلى شيء في الشكر. قال: لأن ذكر النعمة باللسان أشفى لها، والاعتقاد آداب الجوارح، وخفقه أمل القلب.

هنا لما يقول الحديث النبوي ﷺ إن الحمد هو شعبة من الشكر، المراد الحمد الذي يكون مقابل النعم؛ لأن الحمد الذي على صفات الذات هذا ليس من الشكر أصلاً كما عرفنا قبل قليل. فالحمد الذي هو مقابل النعم هو أعظم أنواع الشكر. فالنسفي يقول لك: لماذا الحمد على النعم هو أعظم أنواع الشكر؟ بعبارة أخرى: لماذا الثناء باللسان على النعم أعظم من الثناء بالقلب ومن الثناء بالجوارح؟ قال النسفي: لأن ذكر النعمة باللسان أشيع لها.

مظهر لها أكثر من ماذا؟ من الاعتقاد القلبي وأكثر من أعمال الجوارح. الآن أنا ما أعرف ما في باطنك، فكيف سيظهر أنك تثني على الله بنعمه؟ هذا شيء خفي لا أحد يطلع عليه، صحيح؟

وأعمال الجوارح، أنت لما تفعل أعمال جوارح، تصلي وتصوم، يقول لك أعمال الجوارح أيضًا فيها احتمال؛ أنا لا أعرف هل أنت تفعل هذا الفعل ثناء على الله أم لا؟ فهي محتملة. وأما إذا قلت بلسانك وجهرت: «والله إني أثني على الله أنه أعطاني السمع والبصر والعقل»، فهذا صريح واضح جدًا في الثناء على الله سبحانه وتعالى.

فأظهر أنواع الثناء إنما يكون باللسان، وأما الثناء بالقلب فهذا ما يعرفه أحد؛ لأنه شيء في ضميرك. والثناء بالجوارح محتمل؛ يعني أنت لما تفعل أعمال جوارح أمام الناس، الناس لا تدرك هل فعلتها من باب الثناء أم لا؟ وأما الشيء الصريح الواضح البين في الثناء إنما يظهر على اللسان.

لذلك جعل الثناء باللسان أعظم أنواع الشكر وهو الحمد؛ لأن الحمد هو ثناء باللسان، فلذلك دعي للحمد وهو الثناء باللسان أعظم أنواع الشكر؛ لأنه كما قال النسفي -أشيع ما معنى أشيع؟ أي أظهر- من الاعتقاد ومن الجوارح. قال رحمه الله تعالى: «من خفاء عمل القلب»؛ لأن عمل القلب هذا مخفي ما أحد شافه، هذا بينك وبين الله. «وما في عمل الجوارح الاحتمال»؛ يعني ممكن أنت تفعلها ثناء وممكن تفعلها عادة، كأن تقول: «والله إني تربيت على الصلاة»، لكنني لا أقصد بها شكر الله على النعم، أليس كذلك؟ فأعمال الجوارح محتملة، والقلب خفي، أما اللسان فإذا قلت أثني على الله للسمع والبصر واللسان، فهذا واضح لا يناقش فيه إنسان. لذلك جعل الحمد باللسان هو أعظم أنواع الشكر.

الحمد لله، وأنا أقول: شكري هو الحمد، وهذا دليل ثانٍ، وأنت تفهم الكلام، وهذه فائدة أن يقرأ الكتاب في مجلس علمي؛ الآن أنت لما تقرأ هذا الكلام تفكر فيه، لا تقرأ وتمشي بلا مقصد ولا فائدة. هو لما قال: «ونقيض الحمد الذم، ونقيض الشكر الكفران»، يريد أن يؤكد أن الحمد يختلف عن الشكر. ومن طرق العلماء في بيان اختلاف المفاهيم أن يأتي بالضد؛ يقول لك ما ضد الحمد في اللغة؟ اليمين شو ضدها؟ شمال، فوق شو ضدها؟ تحت، الحمد شو ضده؟ الذم. والشكر شو ضده؟ فالإتيان بالضد يدل على أنهم مختلفان، واختلاف الأضداد دليل على اختلاف المفاهيم.

فهو يريد أن يؤكد أن الحمد يختلف عن الشكر بدليل أن نقيض الحمد هو الذم، وضد الشكر هو الكفران، فلما اختلف نقيضهما عرفنا اختلاف المفهومين. لو كان الحمد هو نفس الشكر لكان ضده واحد، لكن لما اختلف الضدان عرفنا أن هذا مفهوم وهذا مفهوم آخر، لذلك أراد أن يبني على هذه الفكرة.

هذا هو القول الأول: أن الحمد والمدح بمعنى واحد، والشكر مختلف عنهما؛ لأنه خاص بالأنعام، ومختلف عنهما أنه عام من حيث القلب واللسان والجوارح. وهذه طالما فهمت، ينبغي على المسلم أن يعيها حتى يعرف ما معنى الحق.

القول الثاني في التفريق بينهما: قال وقيل: «المدح ثناء على ما هو له من أوصاف الجمال، ككونه باقيا قادرا عالما أبديا أزليا، والشكر ثناء على ما هو منه من أصناف الإنعام، والحمد يشملهما». يعني ما معنى الرأي الثاني؟ الرأي الثاني يرى أن المدح خاص بصفات الذات، والشكر خاص بالأنعام، والحمد يشملهما. باختصار، الرأي الثاني يرى أن هناك فرقًا بين المدح والحمد؛ الرأي الأول قال الحمد والمدح نفس المعنى، الرأي الثاني يقول لا، في فرق؛ المدح خاص بصفات الذات، فانت تمدح الله على جلاله وكبريائه وحياته، لكنك لا تمدحه على إنعامه، وأما الشكر فهو بالعكس يكون على الإنعام ولا يكون على صفات الذات، وأما الحمد فهو القبة التي تشمل الجميع؛ يشمل المدح ويشمل الشكر. فعلى هذا الرأي هناك فرق بين الحمد والمدح، أما على الرأي الأول فهما مترادفان، وهذا حقيقة تفريق بين هذه المعاني والتدقيق فيها من لطيف التفسير، لكنه ليس صلب ما نحن فيه.

قال: «والألف واللام»؛ قال: «والألف واللام فيه للاستغراق عندنا خلافًا للمعتزلة». الآن قال: الألف واللام للاستغراق؛ أي ألف ولام يتكلم عنها؟ الحمد، لما نقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ما معنى التعريف هنا؟ معناها أحبابي، كل حمد لله، فمعنى الألف واللام للاستغراق يعني بمعنى «كل»، فكان التقدير: كل حمد، كل ثناء إنما يكون لله. حتى لما تثني على شخص، فأنت في النهاية ثناؤك لفلان وعلان يصل إلى الله؛ لأنك تثني عليه على شيء خلقه الله فيه. فمن المستحق للحمد حقيقة في كل شيء؟ حتى لو حمدت البشر، حقيقة حمدك لهم يعود ويؤول في النهاية إلى حمد الله؛ لأنه لا شيء من البشر، كل شيء من أفعالنا وأوصافنا وأحوالنا وحياتنا وتقلباتنا، من الذي خلقها وأوجدها؟ الله. فالله مستحق لجميع المحامد، مبدأها ومنتهاها.

شوف هذا المعنى وأنت بتقرأ كل يوم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. جميل لما أصلي الفجر والظهر والعصر والمغرب، أكون أفكر بالحمد بمنظور آخر. أنت تقرأها كل يوم قراءة الجرايد، الآن بدنا نقرأها من يوم وطالع قراءة تدبر؛ كل «الحمد لله» وتعيش مع الثناء على الله سبحانه وتعالى بعد ما أعطيناك التعريف وفهمت المضمون.

أنك مثلا في كل صلاة تركز على موضوع معين، وهذا شيء يعين على التدبر أحبابي. يعني أنا اليوم في صلاة الظهر لما أقول «الحمد لله» بدي أكون مستحضرًا أنني أحمد الله وأثني عليه لكبريائه وجلاله، وأخلي هذا الموضوع هو اللي في ذهني. وفي صلاة العصر أفكر في الحمد أنني أحمد الله على نعمة السمع، وفي صلاة المغرب أروح في ميدان آخر. حاول في كل صلاة أن تستحضر جديدًا تحمد الله عليه، حاول أن تستحضر معنى جديدًا تحمد الله عليه. أما مجرد «الحمد لله» وتمشي، راح تذكر «الحمد لله رب العالمين» وتمشي وما راح تتدبر فيها. فمن باب التنويع، حاول أنه في كل صلاة تتذكر موضوعًا معينًا تريد أن تحمد الله عليه، فهذا يعينك.

على خلق أفكار جديدة في التدبر والتأمل. لذلك قال: «والألف واللام للاستغراق، كل حمد لله». عندنا ماذا يقصد به؟ هي مشكلة عندنا قليلاً، سوف تغني لنا مع النسفي رحمه الله. النسفي رحمه الله يقصد عندما تريد الحمد ومشاعره، وكذلك هي عند أهل السنة. نحن نتفق معهم على هذه الجزئية على مختلف كل شيء يا جماعة، في نقاط اتفاق، فنحن نتفق على هذه الجزئية أنها للاستغراق.

قال للمعتزلة، وستلاحظون أن النسفي أيضاً من جمال تفسيره يركز أحياناً على الخلاف بين الجمهور مع المعتزلة. فالمعتزلة يقولون هي ليست للاستغراق. لماذا يا ترى؟ قال رحمه الله تعالى: «والذي تولى فيه بالاستغراق عندنا خلافاً»، يعني المعتزلة يرفضون جعلها للاستغراق. ولذا قرنها، فيستجمع صفات الكمال، وهو بناءً على مسألة خلق الأفعال. وقد حققته في مواقف، أنا فقط بدي أختصر عليك الفكرة.

نحن قلنا لماذا كل حمد لله؟ لأنه كل شيء في الوجود خلقه الله، بالتالي كل حمد يؤول لله. المعتزلة عندهم فكرة عقدية خاطئة للأسف، ما هي؟ أن هناك شيئاً في الوجود لم يخلقه الله، وإنما خلقناه نحن، وهو أفعالنا. المعتزلة هكذا يعتقدون، يعتقدون أن العبد هو الذي يخلق فعله بنفسه. بالتالي عند أهل السنة والأشاعرة والماتريدية كلنا نعتقد أن كل مخلوقات الكون حتى أفعالنا خلقها الله، بالتالي إذاً كل حمد لله.

لكن عند المعتزلة جعلوا شيئاً من المخلوقات لم يخلقه الله، وهو ماذا؟ أفعال العباد، فقالوا: يخلق فعله بنفسه؛ أنا لما أشرب أنا خلقت فعلي، هذا لما أمسك الجوال أنا خلقت فعلي. وهذه -دعك من إسقاطها- هذه عقيدة سيئة ورديئة، بل هي في الحقيقة كفر لو أردت أن تأتي بلوازمها؛ لأنه أنت كمخلق جعلت في الكون مليارات الخالقين، إنك جعلت الله خالقاً وجعلتني خالقاً، وكل واحد فينا يخلق. هم يقولون الله هو الخالق الأكبر، لكن لما تقول إن كل عبد يخلق فعله، أنت جعلت كل البشر خالقين.

هذه العقيدة أسوأ من عقيدة كفار قريش، هم لم يقولوا هذا الكلام، لكن لا يكفر القائل بهذا الكلام حتى تزول الشبهة وتتوفر الشروط وتندك الموانع، نظراً لكثرة الشبهات التي دخلت عليهم. والسبب في ذلك للأسف هي القراءة في الفلسفة الإغريقية، القراءة في الفلسفة أوصلتهم إلى هذه المعتقدات الفاسدة، وإلا الأمر كان أسهل من ذلك لو بقي القوم معتصمين بالكتاب والسنة.

المهم، أنا فقط أريدك أن تفهم ما هو مراد النسفي؟ النسفي يقول لك: نحن نرى أن كل حمد لله لأننا نرى أن كل شيء خلقه الله. المعتزلة يصعب عليهم أن يقولوا كل حمد لله؛ لأن هناك شيئاً لم يخلقه الله سبحانه وهو أفعالنا، بالتالي أنت لما تصلي ولما تصوم ولما تزكي، هذا شيء عندما أحمدك عليه، هذا لا يعود على الله؛ لأنك أنت خلقت فعلك بنفسك، فما علاقة الله بالموضوع؟ لكن نحن أهل السنة والجماعة نقول: لا، حتى لما أصوم وأصلي، من الذي أعطاني هذا وخلقه الله؟ بالتالي عند المعتزلة جزء من الأمور لا يحمد الله عليها، فلا يكون الحمد عندهم على سبيل الاستغراق.

طبعاً هذا الكلام حقيقة، أنا لا أريد أن أوجهكم في رشاد، لكن ممكن أن يكون للمعتزلة رد آخر؛ هل فعلاً المعتزلة لما قالوا هي ليست للاستغراق، هل هذا ما أخذهم؟ بعضهم هنا تبدأ نقاشات طويلة في كتب التفسير، لا أريد أن أطعمكم عليها، لأنه من باب الإنصاف أحياناً المعتزلة لديهم أشياء ليست مما لُم بها، هم أئمة في اللغة. أهل الاعتزال -من باب الفائدة- أدق لغوياً من الأشاعرة، الجاحظ والزمخشري، أنت تتكلم عن أسماء بأحجام ثقيلة، لا تتكلم عن ناس غير ضابطين، تتكلم عن أئمة كبار، وكانوا يقولون إن أهل الاعتزال أدق في اللغة وأدرى بها من الأشاعرة.

فبالتالي ليس من السهل أن أقبل مقولة النسفي رحمه الله تعالى إنهم لم يقولوا إنها للاستغراق لأجل عقيدتهم، قد يرون ملحظاً آخر نتفق فيه. فباب النقاش لا يُسد هنا، وإنما خلص، اقرأ هذا الكلام وافهم، لكن عليك أن تدرك أنه ليس كل شيء تقرأه يكون مسلماً به، قد تقف مع المعتزلة في بعض الجوانب أنه ليست للاستغراق من ملحظ لغوي أو جانب آخر، قد تكون للعهد، قد تكون لشيء، فبالتالي ليس دائماً كل ما يُذكر نقبله على أنه مسلم، هذا فقط من باب الفائدة.

إذاً الحمد لله عرفنا معناها، اقرأ الآن: «رب العالمين». قال رحمه الله تعالى: «الرب المالك والمربي». ما معنى الرب؟ كما قلنا في كتب التفسير، مثل هذه المبتدأة تركز على تجريد المفردات حتى تفهم معاني المفردات؛ لأنه أولاً عليك أن تفهم المفرد ثم تفهم المركب، وعمق فهمك للمركب ينبني على فهمك للمفرد.

الرب على وزن فَعِل، وهذا يصلح أن يكون مصدراً ويصلح أن يكون صفة مشبهة، وهو بدأ به على أنه صفة مشبهة، فقال الرب معناه المالك، ويأتي أيضاً بمعنى المدبر والمربي، فكلمة الرب تدور على هذه المعاني الثلاثة: الرب هو المالك والمدبر للشيء والمربي له.

إذن تذكروا، كنا قرأنا في دورة مدارج العلم معنىً آخر لابن جرير وانتقدناه، أحسنتم؛ قال إن الرب معنى الإله، وهذا خطأ حقيقة، وإن كان بعضهم يذكره موافقة لطريقة الأشاعرة ولكنه ليس بصحيح، الرب ليس بمعنى الإله، الرب تدور معانيه على الملك والتدبير والتربية. لذلك قال «رب العالمين» إضافة إلى العالمين، بأنه هو مالك العالمين ومدبر العالمين ومربي العالمين سبحانه وتعالى.

وهذه الإضافة إضافة حقيقة وجدانية لأنها تدل على الافتقار، تدل على أن كل العالم مفتقر إلى مالكه ومدبره ومربيه. ألا تشعر بمعنى الافتقار وأنت تلاحظ أن تقول: هذا فلان ربي؟ أنت بالتالي تشعر أنك مفتقر إليه ومحتاج له، فلما نقول الله رب العالمين، هذا على ماذا يدل؟ يدل على افتقار كل العالم واحتياج كل العالم لله سبحانه وتعالى. فهذه الإضافة فيها معنى وجداني وهي الافتقار، أن كل العالم هو مفتقر لله سبحانه وتعالى، لذلك أضيف إليه: «رب العالمين»، فكل العالم يحتاج إلى أن يستند.

ويعتمد إلى الله سبحانه وتعالى. هنا أتى بشاهد على أن معنى الرب وهو معناه المالك، في قول صفوان بن أمية لأبي سفيان؛ أبو سفيان يحكي لصفوان بن أمية: "بدك تدخل في دين محمد ﷺ وتصبح عبداً لمحمد أو مملوكاً له؟" فماذا قال صفوان؟

وهذا يدل على أن المعاني يجب أن تأتي عليها بشواهد لغوية، حتى تفهم النسفي ماذا فعل؟ هو لما أتى بهذا الشاهد قال: ومنه قول صفوان بن أمية -الصحابي الذي أسلم زمن الفتح- لأبي سفيان بن حرب، ماذا قال له؟ قال: «لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن». ما معنى لأن يربني؟ بأن يملكني. هو هذا الشاهد أتى به النسفي ليدلل على أن الرب بمعنى المالك.

النسفي رحمه الله ذكر معنى واحداً لكلمة الرب، وهو المالك، وأراد أن يأتي بشاهد لغوي على ذلك. قوله صفوان لأبي سفيان: «لأن يربني»، ما معنى يربني؟ يملكني. رجل من قريش، ويقصد بالرجل من قريش من هو؟ النبي محمد ﷺ، خير من أن يربني رجل من هوازن. قال صفوان بن أمية: أنا ما راح أروح على هوازن وأفر عندهم، أنا مستعد أكون مملوكاً لمحمد ﷺ ولا أكون مملوكاً لرجل من قبيلة هوازن، أنا يهمني موطني. الشاهد أن صفوان استعمل كلمة «يربني»، ويربني بمعنى ماذا؟ على أن الرب بمعنى المالك.

هذا هو القول الأول. القول الثاني: نحن قلنا "رب" هذه تصلح أن تكون صفة مشبهة، وحينئذ تكون بمعنى مالك ومدبر ومربي، وتصلح أيضاً أن تكون مصدراً. فإذا كانت مصدراً ماذا يكون معنى الرب؟ المصدر يدل على الحدث مثل الأكل والشرب والنوم والقيام والقعود، فيكون معنى الرب حينئذ معناها الملك والتدبير.

فكلمة "رب" تصلح أن تكون صفة مشبهة وتصلح أن تكون مصدراً؛ إذا جعلناها صفة مشبهة فمعناها المالك، وإذا جعلناها مصدراً فمعناها الملك. إذا جعلناها مصدراً بمعنى الملك، لكانت الآية أصبحت هكذا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فإذا قلنا "رب" معنا مالك، واضحة، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه واضحة سهلة. طيب، إذا قلنا "الحمد لله ملك العالمين" وكأن هذا "الحمد لله ملك العالمين"، هل يجوز أن يوصف الشخص بالمصدر؟ هل يجوز أن يوصف الشخص بالمصدر؟

في الحقيقة يجوز، الله يكرمكم، فمثلاً كما يجوز أن نقول هذا رجل عادل في العربية، يجوز أن تقول هذا رجل عدل، أوصفك فأقول هذا رجل عدل، ويعتبرون الوصف بالمصدر يدل على المبالغة، فكلاهما جائز. كما أني أقول هذا رجل عادل أو رجل عدل، يجوز أن أقول "رب" هنا بالمعنى الوصفي "مالك"، ويجوز أن أقول إنها بالمعنى المصدري فتكون بمعنى "الملك".

لذلك ذكر المعنى المصدري فقال: "ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر للمبالغة". يعني يجوز أن تكون "رب" هنا بالمعنى المصدري، وأن معناها "ملك"، ووصف لفظ الجلالة أنه "ملك" وليس "مالك" من باب المبالغة. لأني لما أقول هذا رجل عادل، هذا على الوضع الطبيعي، لكن لما أقول هذا رجل عدل، هذه أبلغ؛ لأني كأني جمعت العدل كله في فلان، هذا فيه مبالغة.

فكذلك قال؛ لو قلت الحمد لله مالك العالمين، هذا وصف طبيعي، لكن لما قلت الحمد لله ملك العالمين، هذا يعتبر أبلغ لأنني كأني جعلت الملك كله منحصر في يديه، جعلت كله منحصر في يديه وفي ذاته. فلذلك قال: «ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر للمبالغة»، فالوصف بالمصدر أبلغ من الوصف باسم الفاعل والصفة المشبهة، وهذه كلها قواعد نستفيدها مع بعض.

قال: «كما وصف بالعدل»، يعني كما تقل "الله عدل وعادل"، أيهما أبلغ؟ أن تصفه بالعدل، "الله عدل" أبلغ من أن تصفه بأنه عادل؛ لأنك إذا قلت "الله عادل" فهذا وصف عام، ففلان عادل وفلان عادل والله عادل، لكن "الله عدل" هذه تدل على المبالغة في العربية.

قال رحمه الله تعالى: «ولم يطلقوا الرب إلا بالله وحده، بل هو في العبيد مقيد». نعم، كلمة "رب" هل يجوز إطلاقها على المخلوقين؟ هل يقول فلان رب بالاطلاق؟ لا، لازم تقيدها، أقول فلان رب السيارة، أو رب هذا المكان، لابد أن تأتي بالمضاف إليه. لا يجوز أن تقول فلان رب وتسكت، هذه لا تقال إلا لله بالإطلاق، وإنما تقال بالتقييد؛ فلان رب هذا الجوال، أو رب هذا الكرسي، أو رب هذه الطاولة.

لذلك في القرآن ماذا قال؟ ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾، طبعاً هنا ليس الكلام عن الله، على رأي من فسرها أن "ربي" أي العزيز على يوسف، يقول إن عزيز مصر ربي، ما معنى ربي؟ مالكي، فقيدها ولم يجعلها مطلقة. وقوله: ﴿ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ فَاسْأَلِيهِ مَاذَا فَعَلَتِ النِّسْوَةُ﴾، ما المراد بربك؟ ملك مصر، وهنا جاء الرب مقيداً. فباختصار: إطلاق الرب عن المخلوق يجب أن يكون مقيداً بربوبيته، ربوبيته للسيارة أو للشعب ما شابه ذلك، وأما الإطلاق فلا يكون إلا لله.

قال: «وقال الواسطي: هو الخالق ابتداء، والمربي ابتداء، والغافر انتهاء». طبعاً هنا أتى بشيء من كلام أهل التصوف في تفسير الرب، الواسطي يقول في تفسير الرب: "الرب هو الخالق ابتداء والمربي غذاء والغافر انتهاء"، هذا شيء من كلام أهل التصوف ومقبول مع أن لهم مشاكل. وقال: «وهو اسم الله الأعظم» على رأي بعضهم، واسم الله الأعظم فيه خلاف شديد، ما هو اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب؟

قال رحمه الله تعالى: الآن انتهى من كلمة "رب"، الآن يريد أن يحلل لك كلمة "العالمين". العالمين جمع، أليس كذلك؟ وما مفردها؟ "عالم" بالفتح، ليس "عالم" بالكسر، مفردها عالم بالفتح. ما معنى العالم؟ ذكر معاني، قال: والعالم هو ما عُلم به الخالق، يعني كل ما يدلنا على الخالق، كل شيء يدلنا على الخالق من أجسام.

وجواهر وإعراب. طبعًا هذا على طريقة المتكلمين، لأنهم هم الذين يستعملون عبارة الأجسام والجواهر والأعراض. فقط من باب الاستطراد، المتكلمون يرون أن الأجسام تتركب من جواهر، فالجواهر هي -خلينا نقول بالمعنى البلدي- الذروة، الجواهر هي الذرة، والأجسام تتركب من مجموعة من الذرات. فالجواهر تعني الذرات، والأعراض هي الأوصاف التي تقوم بها. فكل ما في العالم عندهم هو إما جوهر وهي الذرة، أو عرض وهو الصفة التي تقوم في الجوهر، وإنما هو مركب من الجواهر والأعراض وهو الأجسام.

فالعالم في وجهة نظر المتكلمين يقسمونه هكذا إلى أجسام وجواهر وأعراض؛ الجواهر هي الذرات، والأعراض هي الصفات التي تقوم في الجواهر، وباجتماع مجموعة من الجواهر يتكون الجسم. لذلك هذا تعبير من كلامي، أنا أفضل التعبير الآخر، ماذا قال بعد ذلك؟ قال رحمه الله تعالى: «كل موجود سوى الله تعالى». هذا أريح، خلص بدون فلسفة الأجسام والجواهر والأعراض. العالم هو كل موجود سواه، وكل موجود سوى الله يدخل تحت كلمة عالم، وانتهينا، بدون دخولنا في وجعة الرأس تبعت الجواهر والأعراض؛ كل ما سوى الله فهو عالم. فبالتالي لما أقول رب العالمين، أي رب كل شيء سواه، هذا أصبح المعنى. لما أقول رب العالمين، نحن قلنا عالم ما معناها؟ العالم كل ما سوى الله، فبالتالي ما معنى رب العالمين؟ رب كل شيء سواه، خلصنا.

قال: سُمي به لأنه عُلم على وجوده. لماذا سمي العالم عالمًا؟ قالوا لأنه عُلم على وجود الله. العالم، أنت عندما تنظر في المخلوقات والسماء والأرض، ألا تستدل بها على وجود الله سبحانه؟ لذلك كما جاء في البيت: «وفي كل شيء له آية تدل على أنه وحي». فالمخلوقات لما كانت دليلاً على الله سميت عالمًا من العلامة، فهي علامة على وجوده ووحدانيته، فلذلك سمي عالمًا.

قال رحمه الله تعالى: «وإنما جمع بالواو والميم، إنه يختص بصفات العقلاء أو ما في حكمها من الأعلام، لما فيه معنى وصفيًا وهي الدلالة على معنى العلم». هذه لا تهمني كثيرًا، هذه قاعدة نحوية، وهي أن جمع المذكر السالم إنما يكون قياسيًا في الصفات وصفات العقلاء وأعلام العقلاء، والعالم لا يدل على عقلاء، بل يدل على كل شيء، فالأصل أنه لا يجمع جمع مذكر سالم، لكنه جمع، فقال عالم جمعها على عالمين. فهذا في الحقيقة -اكتبوا باختصار- عالمين ليست جمع مذكر سالم، بل هي ملحقة بجمع المذكر السالم. إن شاء الله تدرس من نحو تتقدم فيه، راح ترجع على كلام النسفي وتفهم أكثر ماذا دخل، الأمور النحوية شوية العميقة راح نتجاوز عنها حتى لا يستهلكنا الوقت.

ما يلفتني في هذه الآية أحبابي الكرام، بل في الآيات الثلاث، أن الله سبحانه وتعالى ذكر أهم ثلاثة أسماء له وهي: الله، والرب، والرحمن الرحيم، كما سيأتي معنا. أهم ثلاثة أسماء، وعليها مدار حياة الإنسان، هي هذه الأسماء الثلاثة. لذلك بدأت بها سورة الفاتحة: «الحمد لله» لفظ الجلالة، ثم قال «رب العالمين»، أضاف للعالمين، ثم سيأتي معنا «الرحمن الرحيم». هذه أهم ثلاث أسماء.

الآن بدنا نقف معها قريبًا. لفظ الجلالة «الله» يدل على مقام توحيد الألوهية، بينما لفظ «الرب» يدل على مقام توحيد الربوبية، ولذلك البدء بهما متقصد هنا. في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه، يعلق على معنى «الحمد لله رب العالمين»، يقول: قال الله عز وجل في أول السورة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]. فبدأ بهذين الاسمين: الله والرب. والله ما معنى الله؟ مرة أخذناه بـ«بسم الله الرحمن الرحيم»، ممتاز، الله هو الإله المعبود، هذا معنى الله، فهذا الاسم أحق بالعبادة بمعاني العبادة، ولهذا يقال الله أكبر والحمد لله. والرب هو المربي، الخالق، الرازق، الناصر، وهذا الاسم أحق بالاستعانة والمسألة.

هو يريد ابن تيمية أن يربط بين البدء بلفظ الله والرب وبين «إياك نعبد وإياك نستعين»، يريد أن يربط: لماذا بدأت السورة بـ«الله والرب»؟ ولماذا جاء في منتصفها «إياك نعبد وإياك نستعين»؟ «إياك نعبد» تتناسب مع ماذا؟ مع «الله»، لأن معنى الله المعبود. و«إياك نستعين» تتناسب مع ماذا؟ مع «الرب»، لأنه معنى الرب هو المالك والمدبر والمربي. وبالتالي لما تأتي لمعاني الربوبية، كما أخذنا في مدارج العلم مما ذكرنا في إعلام السنة المنشورة، قلنا ما متعلقات توحيد الربوبية؟ الله يعطيكم العافية، شكراً لكم.

توحيد الربوبية عن ماذا يتكلم؟ ما هي المعاني التي يحوم حولها؟ معاني الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والتوكل، والاستعانة؛ هذه كلها ليست من متعلقات الألوهية، الألوهية هي العبادة، أما الربوبية فهي الحاجة إلى الله سبحانه وتعالى في كل أمور الحياة، وهي الاستعانة. وهذه المفاهيم بدك تربطها، هذه فائدة المطالب الذي يحضر مجالس العلم المختلفة؛ يبدأ يشبك مفاهيم في العقيدة، مفاهيم في الفقه، مفاهيم في الحديث مع كتاب الله سبحانه، فيبدأ يتعمق في فهم كلام الله؛ أن «الله» هذا متعلق بتوحيد الألوهية لأنه يتكلم عن العبودية، ولكن «الرب» هذا يتكلم عن الربوبية، فهذا الذي يتعلق بالاستعانة والحاجة إلى الله عز وجل في كل شيء.

لاحظ مناسبة «الحمد لله رب العالمين» بما ورد في منتصف السورة «إياك نعبد وإياك نستعين»، وهذا من حسن الديباجة أن تأتي بكلمات في بداية الكلام ترتبط بمقصود الكلام. فالله سبحانه وتعالى لما ذكر «الله والرب» في البداية «الحمد لله رب العالمين»، هذا مقصود حتى يربطك بالله الذي هو المعبود، ويربطك بالرب الذي به تستعين في «إياك نعبد وإياك نستعين».

لذلك يقول ابن تيمية: فالاسم الأول وهو «الله» يتضمن غاية العبد، أنت ما غايتك في الوجود؟ العبادة، فالله يتضمن الغاية من وجودك، فالاسم الأول يتضمن غاية العبد وما خُلق له وما فيه صلاحه وكماله وهو عبادة الله. والاسم الثاني وهو «الرب» يتضمن خلق العبد ومقتضاه، وأنه يربه ويتولاه، وهذا معنى الربوبية. قال: مع أن الثاني يدخل في الأول، يعني الربوبية تقودك إلى ماذا؟ إلى الألوهية. لماذا الربوبية تقودك إلى الألوهية؟ لأنك إذا وحدت الله رباً ومدبراً ومالكاً، فهذا يستلزم أن توحده إلهاً ومعبوداً؛ إذا وحدت الله رباً ومالكاً ومدبراً لشؤونك، فهذا يعني أنك يجب أن توحده في العبودية والقصد. لذلك قال: «أما الثاني يدخل في الأول». ثم قال: «والاسم الرحمن يتضمن كمال التعلقين»، يعني من إكمال العقد أنه جاء بعدها «الرحمن»، لماذا؟ لأنك تحتاج إلى رحمة الله في العبودية، وتحتاج إلى رحمة الله في الربوبية، لأنك لابد وأن تقصر في مقام العبودية. فمن...

الذي سيجبر تقصيرك هو الرحمن، ولابد وأن تقصر في مقام الربوبية، فمن الذي يجبر تقصيرك؟ الرحمن. ولذلك قال "الرحمن" يتضمن كمال التعلقين؛ لأنك ستقصر ولابد أيها الإنسان في تحقيق العبودية، وستقصر في مقام الربوبية فتحتاج بالتالي إلى رحمة الله.

لذلك جاء في الحديث: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته». فالرحمن مهمة جدا هنا حتى يكتمل العقد، فأنت تحتاج إلى الله، وإلى الرب، وإلى الرحمن حتى يجبر تقصيرك في مقام الله ويجبر تقصيرك في مقام الرب. شوف هذه المعاني الجميلة عندما يعيش معها الإنسان.

وهذا يدل -أحبابي الكرام- على قضية، وهو أن الإنسان مفتقر إلى الله سبحانه وتعالى في أمرين. أنت تحتاج إلى الله في ماذا؟ الناس كثير منهم يظن أنه يحتاج إلى الله في الخلق والرزق والإعطاء، لكن حقيقة الافتقار إلى الله عز وجل نوعان: أنت تفتقر إلى الله حتى يألهه قلبك ويتعلق به جمالك، فهذا افتقار عبودية، وأنت تفتقر إلى الله فعلاً في الاستعانة به بكل أمور الحياة، فهذا مهم جدا أن تفهموا.

إن افتقار العبد إلى الله سبحانه ليس فقط في مقام الاستعانة به على الرزق والأكل والشرب، بل أنت مفتقر إلى الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بقلبك إليه، وأن يهديك إلى عبوديته، فإن في عبوديته صلاح القلب ونجاته. فالافتقار نوعان: افتقار عبودية وافتقار، وهذا مفهوم أساسي تركز عليه سورة الفاتحة؛ لذلك جاء في كبد السورة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

«إياك نعبد» افتقارك لمقام العبودية، و«إياك نستعين» افتقارك لمقامي الربوبية. فأنا لما افتقرت واحتاجت إلى الإله، أنا لا أحتاج إليه فقط من أجل أن آكل وأشرب. بل أي الافتقارين أعظم برأيك؟ خلينا نبدأ نناقش: أي الافتقارين أعظم؟ افتقارك له أن يأخذ بقلبك وأن يصلح من عبوديتك، ولا افتقارك إليه أن يطعمك ويشربك؟ العبودية هذا الافتقار أعظم؛ لذلك دائماً يبدأ به.

فلو سألتك لماذا قدم الله "الإله" على "الرب"؟ لأن الإله أهم من الرب؛ لأن افتقارك إلى الله افتقار لمقام الألوهية، وافتقارك إلى الرب افتقار لمقام الربوبية. ومقام العبودية احترامها مهم، طبعاً كلاهما مهم، لكن افتقارك إلى مقام العبودية أشد. ثم لما جاء في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بماذا؟ «إياك نعبد» على «إياك نستعين»؛ لأنه «إياك نعبد» متعلقة بمقام الألوهية والعبودية، و«إياك نستعين» متعلقة بمقام الربوبية، والأولى أهم من الثانية.

عفواً، الأكل والشرب في النهاية لو أنك ما أكلت وشربت شو بده يصير فيك؟ آخرتها بتموت يا أخي وخلصنا، ما راح يصير شيء كبير. لكن إذا ضيعت هذه العبودية وين نهايتها؟ جهنم وبئس المصير. فأنت لو نظرت في مقام الربوبية نحتاج إليه، ومقام الألوهية نحتاج إليه، لكن في الحياة الدنيا لو تعثرت، لو ما أكلت، لو ما شربت، في النهاية هي دنيا وتنتهي، لكنك لو لم تُهدَ إلى الله سبحانه وتعالى وضعت في مقام العبودية، الموضوع مصيبة. فهذه كلها أمور ترتب أولوياتك في الحياة.

لما تفهم الصورة بهذا المنظور، لماذا قدم الله "الإله" على "الرب"؟ ولماذا قدمت «إياك نعبد» على «إياك نستعين»؟ تبدأ ترتب أولوياتك في الحياة، أن عليَّ أن أفتقر إلى الله في مقام التعبد أشد من افتقادي في أمور الدنيا، مثل: يا رب أعطني هذه السيارة، ويا رب أريد هذه الزوجة، ويا رب أريد هذه الوظيفة. بس في "يا رب" ثانية أعلى منها كمان: أنه يا رب اهدني إليك، يا رب أعوذ بك من الشرك، يا رب أعوذ بك أن أضل، يا رب أعوذ بك أن أتي، يا رب أعوذ بك من الفتن، أعوذ بك من شبهة تفسد اعتقادي؛ هذه أهم من السيارة والزوجة والطعام والشراب.

نتيجة الأولويات في ذهن المسلم القرآن يرتبها، بس كيف بده يرتبها لك؟ لما تفهم ليش قدم "الإله" على "الرب"، ولما تفهم ايش «إياك نعبد» قال «إياك نستعين»، شف رسائل القرآن عظيمة، لكن بدون هذا التفسير التحليلي والعيش مع الألفاظ لن تصل إلى هذه الرسائل. هو ربنا يعطيك رسالة من خلال هذا التقديم والتأخير.

احنا قلنا جملة في المحاضرة السابقة أن العرب باعتبارها تقديم ماذا؟ الشيء اللي هي الأهم، مش كلها، قاعدة تقديم الأهم. قلنا هذه قاعدة في التفسير مهمة: أي شيء قدمه الله فهو يريد أن يتقدم في قلبك، هذا شيء مهم جداً وأنت تعيش مع القرآن. أي شيء قدمه الله في الترتيب هو يريد أن يتقدم في قلبك وفي تفكيرك. فالله سبحانه لما قدم "الإله" على "الرب"، هو يريد أن تتقدم "الإله" على "الرب" في ذهنك وفي تفكيرك وفي ترتيب أولويات حياتك. ولما قدم «إياك نعبد» على «إياك نستعين»، هو يريد أن تقدم هذه على هذه في ترتيبك وفي ذهنك وفي أولويات حياتك، ففكر في هذا الموضوع جيداً.

تمام؟ واضح الفكرة يا إخواني الكرام؟ طيب هكذا انتهينا من «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ». طبعاً الكلام يطول أحبابي الكرام، لكن أنا أيضاً بدي إياكم تشعروا بشيء من الإنجاز، بنركز على المعاني الأساسية اللغوية والوجدانية.

بسم الله، قال رحمه الله: «تعالى الرحمن الرحيم بما قد مر، وهو دليل على أن التسمية ليست من الفاتحة، لو كانت منها لما أعادهما، أخلوا المعنى عن الإفادة». هذا الجميل في النسف أنه لا يكرر، خلاص، الشيء الذي شرحناه؛ نحن شرحنا معنى الرحمن والرحيم في المحاضرة السابقة وعرفنا شو الفرق بينهم، بالتالي بدك تراجع، ومش رح يضلنا نراجع لك، هذه وظيفتك يا طالب العلم أن تراجع المعلومة.

قال: «وهو دليل على أن التسمية ليست من الفاتحة، لو كانت منها لما أعادهما، أخلوا المعنى عن الإفادة». هذا دليل آخر على أن "بسم الله الرحمن الرحيم" ليست جزءاً من الفاتحة. كيف وجه الدلالة؟ قال: لو كانت "بسم الله الرحمن الرحيم" جزءاً من الفاتحة لكان في تكرار، صح؟ أن "بسم الله الرحمن الرحيم" بعدين "الحمد لله رب العالمين"، "الرحمن الرحيم"، صار في تكرار في نفس السورة، ما فسروا بينهم آية واحدة. لكن لو قلنا "بسم الله الرحمن الرحيم" ليست آية، و"الرحمن الرحيم" هنا هي الآية، أخلوا المعنى عن التكرار، فهذا شيء مستأنس به.

هذا دليل تستأنس به على أن البسملة ليست آية من الفاتحة، إنها لو كانت آية من الفاتحة لحدث شيء من التكرار؛ لأنه "بسم الله الرحمن الرحيم"، بعدين لسا ما قرأت "الحمد لله رب العالمين"، رجعت مرة أخرى "الرحمن الرحيم". طبعاً إخواننا الشافعية هنا لن يخرجوا، ممكن يجيب لك معاني إيمانية ومعاني لغوية للتكرار، فحتى التكرار له فوائد عند العرب، وممكن يقول لك: طيب، تكذباً، كم مرة تكرر؟

قال رحمه الله تعالى: «ما لِك يوم الدين». قال: مالك، وعليٌّ قرأ: ملك، غيرهما فهو الاختيار. ثم انتقل للآية الثالثة وهي: ﴿مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ﴾. في قراءة عاصم قرأ "مالك"، وقرأ علي "ملك".

هذه قراءتنا نحن، "مالك"، في قراءة الجمهور، الجمهور لا يقرأها "مالك"، الجمهور يقرأون "ملك يوم الدين". نحن نقرأها "مالك". الآن سيرجح من حيث المعاني، كلاهما قراءة متواترة، ولما تكون قراءة متواترة ففي الحقيقة الترجيح لا يكون من حيث الثبوت، وهذا أريدكم أن تركزوا عليه واكتبوه عندكم؛ لأنه هذا يفعله ابن جرير الطبري كثيرًا وهو إمام المفسرين.

لما نقول الآن انظروا ماذا قال: "أقرأ"، إلا وهو الاختيار عند البعض، أي هو الأرجح عند البعض. فتقول له: كيف ترجح بين قراءتين متواترتين؟ ما هي؟ هذه متواترة وهاي متواترة. كيف يرجح؟ هنا نستفيد فائدة: الترجيح ليس من حيث الثبوت، وإنما الترجيح من حيث المعاني؛ أي أي القراءتين أبلغ؟ فهمتم؟ لما يقول ونرجح، والأرجح هي ثابتة، هذه متواترة انتهينا، لكن الترجيح من حيث المعاني فقط؛ أي أي القراءتين أبلغ في المعنى الذي تؤديه؟ هذا معنى الترجيح بين القراءات على الصحيح.

الآن سيقول لك إن "ملك" أرجح وأبلغ من قراءة "مالك". ما وجه الترجيح؟ أولًا باستغنائه عن الإضافة. هذا الدليل الأول أنه كلمة "مالك" لازم دائمًا تأتي بمضاف إليه، مالك السيارة، مالك البيت، مالك كذا. أما "ملك" لما تقول فلان ملك، هل تحتاج إلى تقييد؟ لا، خلص فلان ملك. لكن فلان مالك لازم تقييد حتى يُفهم مالك ماذا؟ مشان هيك بتقول فلان مالك، لابد من مضاف إليه، فبالتالي "ملك" أبلغ من "مالك" من هذه الجهة، أن "الملك" لا تحتاج إلى قيد، وأما "ما لك" فتحتاج إلى مضاف إليه.

ثانيًا، قال ولقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾. هذا الدليل الثاني أو الترجيح الثاني أنه في سورة غافر الله عز وجل ماذا قال؟ ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ﴾، تمام، "ملك" يناسبه "الملك"، فكأن هذه إجابة عن هذا السؤال، لكن "مالك" ليست إجابة لسؤال ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ فبالتالي كأنه يريد أن يقول هناك شاهد من القرآن يشهد لمعنى الملك، ولا يوجد شاهد يشهد بمعنى مالك ولا يوجد شاهد يشهد بمعنى مالي، وهذا دليل يحتاج إلى نظر.

ثالثًا، قالوا لي إن كل ملك هو مالك وليس كل مالك ملكًا، وبأن أمر الملك... ركزوا، دعونا في الدليل الثالث. قال: كل ملك هو ماذا؟ مالك. لكن هل كل ما لك هو ماذا؟ هو مالك. كل ملك هو مالك تلقائيًا، فأيهما أشمل؟ الملك أشمل من المال. ولأن "الملك" ينفذ على "المالك" دون عكسه، وهذه مرتبطة بالنقطة السابقة، أمر الملك ينفذ على المالك لأنه ليس كل مالك ملكًا، بالتالي ملك هذه البلاد أمره ينفذ عليكم وأنتم مالكون؛ فالملك أمره يمشي على المالك الذي هو أعلى منك، فهذا معنى أن أمر الملك ينفذ على المالك. فهذه كلها ترجيحات.

هناك من قال: لا، البعض قال بدي أرجح القراءة الأولى، قراءتنا قراءة عاصم، من أين ترجحها؟ ما وجهه؟ من رجح القراءة الأولى رجحها من حيث عدد الحروف فقط. قال: "مالك" كم حرف؟ أربعة، صح؟ و"ملك" كم حرف؟ نحن في القرآن نتعامل أن كل حرف عليه عشر حسنات، بالتالي "مالك" أربعون و"ملك" ثلاثون، فالمالك أرجح. هذه وجهة نظر أخرى في الترجيح، وقيل المالك أفضل ثوابًا لأنه أكثر الحروف. هذه وجهة النظر الأخرى الذين رجحوا "ما لك" على "ملك". وكما قلنا هذا ترجيح من حيث المعنى، وأما كلاهما قراءة ثابتة فلا ترجح بينهما من حيث الثبوت.

وقرأ أبو حنيفة والحسن رحمه الله الحسن البصري "ما لك"، هذه قراءة ثالثة لكنها شاذة، لا تصح أن تقرأ بها، وهي قراءة أبي حنيفة والحسن البصري رحمه الله تعالى عليهما. قراءة من قرأ "ملك يوم الدين"؛ فهذه قراءة ثالثة. إذاً عندنا "ما لك" و"ملك" هذه متواترة، والقراءة الثالثة شاذة، وأظن مرت معنا في التسهيل لابن الجزري لما قرأنا في التسهيل من جزيء. لا تهمنا القراءة الثالثة لأنها شاذة، نهتم بالقراءات المتواترة.

طيب "يوم الدين"، قال رحمه الله تعالى: يوم الدين اليوم الجزاء، ويقال كما تدين. ركز حبة حبة. ما معنى كلمة الدين؟ كما قلت الذي يعجبني في النسفي رحمه الله تعالى عليه أنه يركز على المفردات أيضًا، ليس فقط تفسيرًا جمليًا، لا، هذا أسلوبه، أنه يشرح المفردات ثم يأتي للمعاني العامة الكلية. فيقول لك ما معنى يوم الدين؟ يجي على معنى الدين، أنت تقرأها كل صلاة، ما معنى الدين؟ الدين هو الجزاء.

ما الدليل على ذلك من العربية؟ دائمًا أي معنى عربي تريد أن تستدل عليه، بكلام العرب؛ ما الدليل على أن الدين هو الجزاء؟ أن العرب تقول: «كما تدين تدان»، أي كما تفعل تُجازى، فهذا معناه أن الدين من معانيه الجزاء. طبعًا له معاني أخرى، الدين تأتي بمعنى الحساب أيضًا، لكن هنا الدين لما يقول "مالك يوم الدين"، لو سألتك لماذا سمي يوم القيامة بيوم الدين؟ لماذا سمي هكذا؟ تقول لأنه يوم جزاء وحساب، ويقال «كما تدين تدان»، هذا استدلال على أن الدين بمعنى الجزاء، أي كما تفعل تُجزى.

أيضًا قال: وهذه على طريق الاتساع، أي ما لك الأمر كله يوم الدين. الآن هذه الإضافة، لما قال "مالك يوم الدين"، "مالك" مضاف و"يوم الدين" مضاف إليه، أليس كذلك؟ هو لا يقصد أنه مالك ليوم الدين بمعنى أن الله يملك يوم الدين، ليس هذا هو المراد. البعض قد يفهم الآية بأن الله يملك يوم الدين، كأن يوم الدين شيء مملوك لله، مش هيك البعض يتصورها؟ لا، ليس هذا المعنى، المعنى أعمالك يوم الدين، أي هو صاحب الملك والأمر في يوم الدين، فرق بين المعنيين. نعيد، البعض يفهمها "ما لك يوم الدين" على المعنى المتبادر أنه يملك يوم الدين.

يوم الدين، من الذي يملكه الله؟ هذا قد يكون البعض ذكره، لكن ليس هو المعنى المشهور. المعنى المشهور "مالك يوم الدين" معنى الظرفية؛ أي أنه مالك الأمر والشأن في يوم الدين، يعني في يوم القيامة، من الذي يملك الشأن كله؟ الله، فهذا معنى وهذا معنى، لذلك ركز عليّ.

قال: وإضافة اسم الفاعل هنا هي إضافة إلى الظرف على طريق الاتساع. لماذا هي على طريق الاتساع؟ لأن الأصل أن اسم الفاعل يضاف إلى مفعوله وليس إلى ظرفه وزمانه؛ الأصل في اسم الفاعل أن يضاف إلى المفعول به وليس إلى الظرف والزمان، وهنا أضيف إلى الظرف والزمان، وهذا شيء من التجوز والتوسع. لذلك قال، كقولهم: «يا سارق الليلة أهل الدار»، لما أقول لك: «يا سارق الليلة»، ما معنى هذا؟ يعني أنت صرخت الليلة؟ لا، يعني يا سارق في هذه الليلة، صح؟ فهذا معنى "مالك يوم الدين"، يعني يا أيها المالك في يوم الدين، فالإضافة على معنى "فيه" فهي تفيد الظرفية، وليست المعنى أن الله هو مالك ليوم الدين، وإن كان هذا صحيحاً.

الله هو يوم الدين مئة بالمئة، لكن ليس هو المعنى المراد في الآية؛ المعنى المراد أنه هو مالك الشأن كله، لذلك ننظر ماذا قال؟ قال لأن العبارة أي: مالك الأمر كله في يوم الدين. شوف كيف التفسير الدقيق: "مالك يوم الدين" أي هو الذي يملك الأمر كله في يوم الدين.

والتخصيص بيوم الدين، هو سؤال: أليس الله أيضاً يملك الأمر كله في الحياة الدنيا؟ لماذا تم التخصيص بيوم الدين؟ لماذا لم تكن الآية: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ الْأَمْرِ كُلِّهِ} أو عبارة مثل هذه يكتمل بها السياق؟ لماذا خصص أنه مالك الأمر في يوم الدين مع أنه مالك الأمر في الدنيا وفي يوم الدين؟

قال: لماذا؟ لأن هناك بعض الصلاحيات في الدنيا، لكن في الآخرة ما في صلاحيات لأحد. معنى جميل، حتى أختصر المسافة؛ أيضاً في الحياة الدنيا هناك كثير ممن نازع الله في الملك، فرعون شكر عن نفسه، طبعاً هو كاذب، بس هناك من نازع الله، ويوم القيامة لا يستطيع أحد أن يتفوه بهذه الكلمة، لا فرعون ولا أبو جهل ولا غيره. فلان في الدنيا نازع الله في ذلك، الله سبحانه وتعالى تخطى ذلك، مع أنه يعلم أنه مالك للأمر في الدنيا، لكنه ذكر ملك الأمر في يوم الدين؛ لأنه في يوم الدين لن يستطيع أي مخلوق أن ينازع الله في الملك، كل جبابرة الأرض سيأتون أذلاء بين يدي ملك الملوك سبحانه وتعالى.

لذلك ماذا قال النسائي في "أقرأ"؟ التخصيص بيوم الدين لأن الأمر فيه لله وحده. هذا معنى كلامه؛ لماذا خصص الأمر بيوم الدين؟ فقال: "مالك يوم الدين" لأن الأمر فيه لله وحده، يعني في الآخرة ما في أحد سينازع، انتهى التعنت البشري والاستكبار البشري، سينتهي تماماً. في الدنيا ربنا عز وجل يمهل، {أَعَانِدُ وَدَعُوا مَا تَدْعُونَ} هكذا انتهت القصة.

ففي الحياة الدنيا الله عز وجل أمهل وأعطاكم تصرفات، كما قال الأخ: "اعمل واقتل" وكل واحد، لكن الله سبحانه وتعالى يمهلك يوم القيامة، الملك المطلق لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى، وسيذهب عن كل إنسان ما ادعى. هذه فائدة جميلة أن تفهم لماذا خصص بيوم الدين مع أنه يملك الأمر في الدنيا وفي الآخرة.

سأذكر مسألة لغوية سريعة نقرأها، لأنني أريد به الاستمرار، وكانت الإضافة حقيقية فساب أن يكون صفة بالمعرفة. هذا الكلام أريد أن أختصره عليكم؛ الأصل أن المضاف إذا كان نكرة فإنه يكتسب من المضاف إليه التعريف، يعني بكلمة "غلام" نكرة، إذا قلت "غلام زيد" أصبحت "غلام" هنا معرفة لأنها أضيفت إلى معرفة. هذه طبعاً من بديهيات الآجرومية، "غلام" نكرة أضيفت لمعرفة فصارت معرفة.

لكن يقولون هناك اسم الفاعل إذا أضيف يبقى نكرة حتى لو أضيف إلى معرفة، هذا يتعلق باسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة؛ إذا أضيف إلى مفعوله (معموله) فحتى لو كان معموله معرفة يبقى نكرة، هذا خاص.

ما الإشكال الذي حدث؟ الآن "مالك" ما إعرابه في الآية؟ "مالك يوم الدين". خلينا نبدأ من البداية: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، "رب" ما إعرابها؟ نعت، صح؟ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} برضه كلها نعت. طبعاً النعت يطابق منعوته في التعريف، يعني لا يصير المنعوت معرفة والنعت نكرة، هذه بديهيات النحو؛ إذا كان المنعوت معرفة لازم النعت يكون معرفة، وإذا كان المنعوت نكرة فالنعت يكون نكرة. فلا يصح أن أقول: "جاء زيد تاجر"، ويقول لي "تاجر معك"، لا يصح أن يكون زيد معرفة وبالتالي نعته لازم يكون معرفة، فلازم أقول: "جاء زيد التاجر".

الآن، {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، "رب" معرفة لأنها أضيفت إلى "العالمين" فأصبحت معرفة، فهي تصلح أن تكون نعتاً للفظ الجلالة. و"الرحمن" برضه تصلح أن تكون نعتاً للفظ الجلالة، و"الرحيم" معرفة فيها "أل" للتعريف، تصلح أن تكون نعتاً للفظ الجلالة.

"مالك يوم الدين" هنا المشكلة؛ "مالك" الآن أضيفت، "مالك" بحد ذاتها نكرة، أضيفت إلى معرفة "يوم الدين"، و"يوم الدين" طبعاً هي معرفة بالإضافة، فلما أضيفت "مالك" إلى "يوم الدين" هنا صار في إشكال؛ "مالك" ما نوعها؟ اسم فاعل، واسم الفاعل حتى لو أضيف إلى معرفة الأصل أنه يبقى نكرة. بالتالي صارت "مالك" نعتاً للفظ الجلالة "الله" مع أنها نكرة، فكيف ينعت المعرفة بالنكرة؟

فهنا جاء الحل؛ قالوا: "وإن صاغ وقوعه صفة للمعرفة". ما المراد؟ المعرفة هنا لفظ الجلالة "الله". ويقصد بـ "وإنما صاغ وقوعه" أي وقوع كلمة "مالك" صفة، أي نعتاً للمعرفة ولفظ الجلالة، مع أن إضافة اسم الفاعل إضافة غير حقيقية. ما معنى إضافة غير حقيقية؟ يعني إضافة لا تفيد التعريف.

هل يصح هنا أن تقع "مالك" نعتاً للفظ الجلالة مع أنها اسم فاعل؟ قالوا هنا بالتحديد لا، هنا حالة استثنائية؛ نحن نقول اسم الفاعل إذا أضيف إلى مفعوله نعم إضافته غير حقيقية لا تفيد التعريف، لكن هنا لما أضيف إلى ظرف ودل على الاستمرار والدوام استفاد التعريف. شرح هذا الكلام سيطول قليلاً، ولكن أريدكم باختصار أن تفهموا.

إن هذه حالة استثنائية؛ اسم الفاعل هنا اكتسب التعريف من الإضافة، بالتالي جاز الوصف به. بعد ذلك يرجع الأمر لك لما تدرس غداً قطر الندى والألفية وتفهم التفاصيل التي يذكرها النحاة، ستصبح هذه المعلومات عندك شربة ماء، ومعقد فيها. لكن الآن يهمني هذا الكلام في الجملة؛ أن تفهم أن "مالك" وإن كانت اسم فاعل، والأصل في اسم الفاعل لو أضيف يبقى نكرة، لكن هنا اسم الفاعل أضيف واكتسب التعريف، فصلح أن يكون وصفاً للفظ الجلالة.

الآن نذهب إلى المعنى الإيماني، اقرأوا هذه الأوصاف؛ هذه الأوصاف التي أجريت على الله سبحانه وتعالى من كونه رباً للعالمين، ومنعماً بالنعم كلها، ومالكاً ليوم الدين، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، هي دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه.

هذا المعنى يريد أن يقول لك: كأن هذه الأوصاف التي هي رب العالمين، والرحمن الرحيم، ومالك يوم الدين، هي كأنها تبرير وتعليل لماذا الحمد كله لله. كأن الآيات هكذا: الحمد كله لله لأنه رب العالمين، ولأنه الرحمن الرحيم، ولأنه مالك يوم الدين؛ هذا كأنه تبرير وتعليل كما قال، لماذا اختص الحمد الكامل المطلق بالله عز وجل؟ لأنه المتصف بهذه الأوصاف.

وهذه الأوصاف التي أجريت على الله، ما هذه الأوصاف؟ التي هي رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. وهذه الأوصاف التي أجريت على الله من كونه رباً، أي مالكاً للعالمين، ومنعماً بالنعم كلها، وهذه إشارة للرحمن الرحيم. وهي طبعاً إشارة لملحظهم العقدي الذي عدلناه المحاضرة السابقة؛ أن الأشاعرة والماتريدية يرون أن "الرحمن" معناها الإنعام، ونحن قلنا ليس بدقيق، طبعاً هم عندهم مشكلة في هذه الصفات كلها، فلذلك يعبرون أن الرحمن معناها المنعم، وحقيقة الإنعام هذا أثر للصفة وليس الصفة بحد ذاتها.

لكن الآن لا أريد التركيز على هذه القضايا، خلينا ننتقل. قال: ومالكاً ليوم الثواب والعقاب؟ هذه الصفات الثلاث إنما جاءت بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لتكون دليلاً، أي تعليماً، على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه؛ أنه رب للعالمين، وأنه رحمن رحيم، وأنه مالك للثواب والعقاب في يوم الدين. من كانت هذه صفاته فهو المستحق لأن يكون الحمد كله بيده.

قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. لاحظوا هنا بدأ الالتفات، انتقلنا وانتهينا من المقطع الأول وهو مقطع الثناء. إذا قال العبد: "الحمد لله رب العالمين"، ماذا قال الله؟ "حمدني عبدي". وإذا قال: "الرحمن الرحيم"، قال الله: "أثنى علي عبدي". وإذا قال: "مالك يوم الدين"، قال الله: "مجدني عبدي".

إذا وصلنا إلى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، هنا وصلنا إلى جوهر مفصلي؛ أن هذه الآية كما جاء في الحديث هي قسمان: قسم لله وقسم لك. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ هذه لله، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هذه حاجتك أنت. لذلك ماذا يقول الله؟ إذا قرأ العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال الله: هذه بيني وبين عبدي. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ هذا حقه سبحانه وتعالى، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هذه حاجتك، ولذلك هذه بيني وبين عبدي؛ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ حق الله، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ حاجة العبد، فأنت تعبد الله وتستعين بالله، فانقسمت الآية إلى قسمين.

لاحظ هنا أنك بدأت تخاطب؛ قبل قليل كنت تتكلم عن الله باسمه الظاهر، والاسم الظاهر هو في حكم الغائب، لما أقول لكم: جاء زيد وذهب زيد، أنت تشعر أني أتكلم عن غائب عن المجلس. لكن لما قلت: جئتك وأتيتك وخاطبتك، أنت تتكلم معه. أنتم ملاحظين أنه "الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين" هذا في حكم الغيبة، أنت تتكلم عن الله سبحانه. أما بعد ثلاث آيات بدأت ماذا تفعل؟ تخاطبه مباشرة، وهذا هو من جمال التعبير القرآني؛ كيف أن الإنسان لا يستطيع المخاطبة مباشرة لله، أنت تحتاج إلى استحضار وجداني حتى تنتقل لمرحلة المخاطبة مباشرة.

أنت إذا قلت: "يا رب أعطني"، واستحضارك صفر أو ضعيف جداً، أنت تحتاج إلى أن تمهد من خلال ذكر أسمائه وصفاته وتمررها على قلبك. عندما تمرر الأسماء الحسنى والصفات العلى والتمجيد على القلب، حينئذ يصلح القلب للمخاطبة. فلا بد من هذا التدرج القلبي، ليس تدرجاً لسانياً فقط؛ أنت حمدت الله ووصفته بالصفات العلى حتى تجهز القلب لمقام المخاطبة، فيصلح الآن أن تخاطبه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

وهذا اسمه في العربية أسلوب الالتفات؛ أن تكون تتكلم بصيغة الغائب ثم تصبح فجأة تتكلم بصيغة المخاطب أو بصيغة المتكلم. وسيشير النسفي إلى هذا الموضوع، قال رحمه الله تعالى: اسمه حبُّ خطاب عند سيبويه لا محل له من الإعراب، وعند القليل هو اسمه مظهر، وبالنسبة إليه لأنه يشبه المترا بتقدمه على الفعل والفاعل. وقال الكوفيون: "إياك" لكمالها، وهذا اشتغال منه بأمور لغوية.

وكما قلت، النسفي يهتم بالتحليل اللغوي. أي مفردة "إياك"؟ هذا ضمير، أليس كذلك؟ "إياك" ضمير اختلفوا فيه؛ الخليل وسيبويه يرون أن الضمير هو فقط "إيا"، وهذه الكاف التي بعدها يرى سيبويه أنها مجرد حرف خطاب، بينما يرى الخليل أنها اسم مضمر. أما الكوفيون فيقولون: لا، الضمير هو كله "إياك"، "إياك" كلها ضمير. طبعاً هذا تحليل لغوي قد لا يؤثر بالنسبة لك، قد ترى المعلومة: "إياك كلها ضمير" أو "الضمير هي والكاف حرف مخاطبة"، بالنسبة لي ليست بتلك الأهمية، لكن عند علماء التفسير كل شيء مهم.

لذلك قال: "إيا" عند الخليل وسيبويه هي الضمير، وأما الكاف التي بعدها فهي حرف خطاب لا محل لها من الإعراب، وأما عند الخليل فجعلها أيضاً اسماً مضمراً مضافاً إليه. فعند الخليل "إيا" هي الضمير وهي اسم، والكاف أيضاً اسم وهو يكون عنده من باب الإضافة. أما عند سيبويه فيقول لك: "إيا" هي الضمير، والكاف مجرد حرف خطاب. وأما الكوفيون، فكلكم ريحونا يا عمي من هذه الشغلة كلها، "إياك" كلها ضمير وخلصنا بدون ما نفصلها.

ننتقل عنه سريعاً؛ هذا هو تقديم المفعول به باختصار. هذه فائدة تهمك، نحن قلنا قاعدة عامة: أي شيء يقدمه الله يريد به أن يتقدم في قلبك. لماذا قالت الآية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ولم تقل "نعبدك"؟ لاحظوا أن المفعول به تقدم "إياك".

نعبد ما جاء على الترتيب الطبيعي: فعل وفاعل ومفعول به؛ نعبدك. ما هي الفائدة من "إياك نعبد"؟ قلنا الفائدة تفيد ماذا؟ التخصيص والاهتمام، وهو نفس الشيئين اللذين ذكرناهما في "بسم الله الرحمن الرحيم". تذكروا لما قلنا "بسم الله الرحمن الرحيم"، اقرأ؛ لماذا قدم الجار والمجرور "بسم الله"؟ لأمرين: التخصيص والاهتمام، وهنا نفس الشيء.

لماذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾؟ لأنه "إياك نعبد" ليست معناها فقط أننا نعبد الله. خطر لي؛ لو سألتك ما معنى "إياك نعبد"؟ فقلت لي معناها أننا نعبد الله، ولقلت لك: أنت لم تأتِ بالمعنى الكامل. معنى "إياك نعبد": نعبدك ولا نعبد غيرك، يجب أن تجلب الشطر الثاني، هذا هو معنى "إياك نعبد".

كيف فهمنا أن هذا هو المعنى؟ من خلال تقديم المفعول به، وهو الذي أفهمني أن المراد الاختصاص والحصر. الاختصاص بمعنى الحصر؛ أننا نعبدك ولا نعبد سواك، ونستعين بك ولا نستعين بسواك. والمراد استعانة التعبد، فلذلك قدم المفعول به وهو "إياك" في مرتين: "إياك نعبد" و"إياك نستعين"، لقصد الاختصاص.

ما هو الاختصاص؟ يعني الحصر، يعني العبادة منحصرة بك ولا يمكن أن أوجهها لغيرك، والمعنى نخصك بالعبادة. لأن إما أن نعرف العبادة، فماذا عرفها؟ معنى "نغوصك بالعبادة" وهي أقصى غاية الخنوع والتذلل؛ لكن هذا تعريف قاصر، وهذا يسير على طريقة المتكلمين. أما هي ماذا؟ غاية الخضوع والتذلل، فأنت تشعرني أن العبادة هي مجرد خضوع وتذلل، لكن في الحقيقة عندنا الأمر أوسع.

العبادة كما قال ابن تيمية وابن القيم هي قمة الحب. ما قمة الخضوع والتذلل؟ أين مقام الحب الذي أشار إليه؟ وهذا خطأ؛ أنت تشعر المخاطب أن العبادة هي مجرد أنك خاضع وهناك إله يتجبر عليك وانتهى الأمر. لا تشعروا بالمعنى الآخر في مقام العبادة، وهو أن العبادة هي حب وتعلق بالله سبحانه وتعالى أيضًا، وجداني وروحاني. فهذا التعريف نعتبره قاصرًا؛ ركز على جانب ولم يذكر الجانب الآخر، فالصحيح أن العبادة هي غاية الحب مع غاية الخضوع، وليس فقط غاية الخضوع كما قال النسبي رحمه الله تعالى عليه.

إذن هذا معنى "إياك نعبد": نخصك بالعبادة دون من سواه. والمعنى الثاني "إياك نستعين": نخصك بطلب المعونة. وعليكم أن تعرضوا، أحبابي الكرام، في الجملة أن الناس في هذا المقام على أربع مراتب بالنسبة لمقام "إياك نعبد وإياك نستعين:

المرتبة الأولى: هناك من يحقق كلا المقامين، فهو فعلاً يخص الله بالعبادة ويخص الله بالاستعانة، وهم أكمل البشر.

المرتبة الثانية: من يخص الله بالعبادة "إياك نعبد" لكن لا يخصه بالاستعانة، وهذا حال كثير منا؛ كثير منا قد يكون طالب علم محققًا لـ "إياك نعبد"، يعني يعبد الله يصلي ويصوم ويدرس التوحيد ويعطي، فهو محقق، لكن "إياك نستعين" ضعيف فيها. لما يصاب بمرض يفزع للمضريب والمخلوقين، لما تصيبه نكبة من نكبات الحياة أو تحدث به مصيبة يجزع من قضاء الله وقدره. إذن أنت لم تحقق "إياك نستعين"، وهذا حال كثير منا، وما أبرئ نفسي أننا قد نكون حققنا "إياك نعبد" -طبعًا لا زالت هناك مراتب الكمال- لكن لم نقع في الشرك، ولكننا قصرنا في "إياك نستعين"، فدائمًا نفزع إلى المخلوقين ولا نرضى بقضاء الله وقدره ونتسخط على كثير من الأمور، فهذا معنى أننا لم نحققها.

المرتبة الثالثة: من يحقق "إياك نستعين" لكن لا يحقق "إياك نعبد"، وهذا يكثر في أهل التصوف؛ تجدهم يركزون على معاني الفناء في الله، واللجوء، وتفويض الأمر إلى الله، وإلقاء النفس كالشعرة بين يدي الله، يركزون على معاني التفويض والتسليم، لكنهم لا يسلمون في مقام "إياك نعبد"، فتجده يعبد السيد البدوي ويعبد القبر ويستغيث بالأموال ويستغيث بفلان وفلان، وهذا في الحقيقة لابد وأن يؤثر على "إياك نستعين". هم يزعمون في كرامهم أنهم يحققون معنى الفناء في الله والتفويض المطلق، وأنك كالشعرة بين يدي الله، لكنهم يقصرون في مقام العبودية، وتقصيرهم في مقام العبودية يعود بهم على التقصير في مقام "إياك نستعين".

الصنف الرابع: وهم أشقى الناس، لم يحققوا لا "إياك نعبد" ولا "إياك نستعين"، وهذا حال الكفرة في زماننا؛ فلا هو عبد الله ولا هو بالله. فالناس في هذه الآية على أربع مراتب، فعلى المسلم أن يحرص على أن يحقق كلا المقامين، كما أنك تخص الله بالعبادة، عليك أن تخصه بالاستعانة في كل أمور حياتك.

قال رحمه الله تعالى -وعجل عن الغيبة من خطابه للانتباه- هذه الفائدة البلاغية التي قلتها لكم قبل قليل: أن أول الآيات الثلاث "الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين" هذا مقام الغيبة؛ تتكلم عن الله وكأنه ليس موجودًا الآن، تخاطب بأسلوب الغيبة، والمراد بالغيبة هو موجود سبحانه، لكن المراد أنك لا تخاطبه. الآن أصبحت تخاطب فقلت: ﴿إِيَّاكَ﴾، بدأت تتكلم معه مباشرة، فهذا اسمه في العربية الالتفات؛ أنه فجأة تتكلم بصيغة الغائب عن الشيء ثم تتكلم معه كأنه حاضر بين يديك. أنت قيم ما فعلته؛ كنت تتكلم عن الله كأنه ليس موجودًا أمامك تخاطبه، فجأة في الآية الرابعة بدأت تخاطبه، هذا اسمه التفات؛ أنك كنت هكذا فالتفتت هكذا، وله شواهد.

قال رحمه الله تعالى: «وهو قد يكون من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة»، هذا تعريف الالتفات عند البلاغيين؛ أن تكون في مقام غيبة تنتقل إلى مقام مخاطبة، أو تكون في مقام مخاطبة تنتقل إلى مقام الغيبة، وهذا من الأساليب البديعة عند العرب وسيأتي فائدته.

قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾؛ لاحظوا هذه الآية، بدأت بأسلوب المخاطب "كنتم"، ثم قال "وجرين بهم"، رجع تكلم عنهم بالغيبة، فـ "كنتم" و "بهم" كلاهما لنفس الشخص أو نفس الجماعة، لكن ابتداء تكلم معهم على أنهم حاضرون، ثم تكلم عنهم بأسلوب الغيبة وكأنهم غائبون، مع أنهم هم لم يختلفوا، المخاطبون والغائبون هم هم؛ هذا اسمه أسلوب الالتفات.

أيضًا ومنه قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ يُرِيدُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ فَسَوْقْنَاهُ﴾؛ لاحظ مثلاً: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي... يُرِيدُ... فَسَوْقْنَاهُ﴾، هناك بدأت الآية بأسلوب الغيبة: الله يفعل كذا وكذا، فجأة "فسقناه"، من الذي يقول "فسقناه"؟ الله المتكلم؛ فكنت أتكلم عنه بصيغة الغيبة ثم أصبح يتكلم عن نفسه. هذه انتقالات مفاجئة في الكلام تسمى التفاتة، وفائدتها تنبيه السامع، لأن السامع قد يكون سارحًا كحالنا في الصلاة، يكون: "الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم..." فجأة العرب...

الالتفات كما تشرح، حتى يشعر الذي أمامه أنه انتبه، أن هناك شيئاً جديداً الآن. فلما كنت تتكلم بالغيبة ثم التفت فأصبحت تتكلم بصيغة المخاطب، الأصل طبعاً في العربي أن ينتبه أنه في شيء جديد الآن، في لون جديد في الكلام. طبعاً نحن نستخلص الفاتحة، ولا أحد التفت ولا أحد انتبه للموضوع.

ماذا حدث؟ العرب إذا انتقل من الغيبة إلى الخطاب أو من الخطاب للغيبة، في هذا شيء جديد حدث، والمراد منها أن يستيقظ السامع وينتبه للشيء. فماذا نقول؟ اقرأ: «تطاول ليلك». ليلك هنا يخاطب شخصاً، صح؟ «تطاول ليلك بالأثمن بالأهمودي»، وهذه اسمها منطقة ونام الخليل، الخالي من الهموم ولم ترقد؛ الإنسان الخالي من الهموم نام، بس أنت لست عارف تنام لأنك مهموم. «تطاول ليلك» أي ليلة في هذه المنطقة، والناس كلها نامت وأنت لسه صاحي من همومك، هو يخاطبه.

الآن، ماذا عن البيت الثاني؟ فجأة كيف انتقل للكلام عن غائب؟ قال: «وبات». «بات» يتكلم عن شخص، من؟ الغائب في البيت الثاني هو الذي خاطبه في البيت الأول. قال: «فطاول نبيك» مخاطب، في البيت الثاني ماذا قال؟ «وبات»، هو نفسه المخاطب في البيت الأول، انظر كيف انتقل من خطاب لغيبة. ثم قال في البيت الثالث: «وذلك أني رأيته من قبل كسوته»، وذلك من نبأ؛ رجع يتكلم عن نفسه، ونفسه هي المخاطبة في البيت الأول، وهي الغائبة في البيت الثاني.

يعني في ثلاثة أبيات عندكم التفاتان؛ أول مرة كان يتكلم عن مخاطب، ثم أصبح يغيبه، ثم قعد يتكلم عن نفسه، وهو المخاطب في الضمائر. لذلك قد التفت في الأبيات الثلاثة؛ حيث لم يكن «ليلي» قال «ليلك»، ولم يقل «وبت» بل قال «وبات» بالغائب، ثم قال «وجاءني» في البيت الثاني. العرب يستكثرون منه يعطيه، انظر هذا الأسلوب جميل، وأنت تقرأ القرآن تنتبه لأسلوب الالتفات. كيف الآية تكون تتكلم بالغيبة، فجأة يغير السياق ويصير يتكلم عنه؟ هذا من أساليب الاستحضار العربي البريء.

إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب، فهذا أقوى ما يكون في القبول عند السامع لأنك تستجدي الانتباه، وهو أحسن تطبيق لنشط الذهن. أنا لو أقعد طول المحاضرة وأكلمك عن شخص غائب ستزهق، لكن عندما أتكلم بأسلوب المخاطب، هذا يعمل نوعاً من التنويه، قال: «وعلقوا باستدراج أساطيره أملاً»، أو باستدراج الصحيح، يعني هو أكثر استدراجاً به ليصغي. كما قلنا، عندما تنتقل ينتبه السامع لأن هناك شيئاً تغير في الكلام، فهذا المعنى من أجله العرب تأتي بالالتفات.

وقد تختص للالتفات فوائد أخرى، هذه تذكر عند المهرة من علماء البلاغة، يفهمونها، وقلما يفهمها إلا علماء البلاغة. هو يريد أن يقول لك الالتفات كطبيعة عربية؛ لماذا عرفنا أن فائدته الأساسية استجذاب ذهن السامع؟ لكن لهم فوائد أخرى في كل سياق بحسبه. وهنا يريد أن يعطيك المعنى الإيماني، أنه من أجل الله استعمل الالتفات. قالوا: مما اختص به هذا الموضع، لماذا استخدم الله أسلوب الالتفات في هذا الموضع؟

الحقيقة الجدير بها أنه لما ذكر الحقيقة بالاسم والسناء وأجرى عليها تلك الصفات العظام، تألق العلم بمعلوم عظيم الشأن. يعني يقول لك لما الله سبحانه وتعالى ذكر من هو الجدير بالحمد والثناء، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، أنه ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2-4]، حينئذ تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن وهو الله، حقيق بالثناء وغاية الخضوع والاستعانة به في المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات.

وكما قلت لكم، هو تدرج بك؛ أنك أثنيت على الله ومجدت الله، فلما استحضرت ذلك الإله العظيم، بعد هذا الاستحضار لهذه الهيبة، يعني أنا الآن أريد أن أتكلم مع رب العالمين، أريد أن أتكلم مع الرحمن الرحيم، أريد أن أتكلم مع مالك يوم الدين، بعد أن تستحضر كل هذه المعاني، يكون قلبك مملوءاً تبجيلاً وتعظيماً وهيبة. فلما تقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، نقولها من أعماق قلبنا، بخلاف لو قلت مباشرة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ من دون ذاك الاستحضار لذلك الإله العظيم، فكأنك تقول: إياك يا من هذه صفاته، نعمل هذه الصفات، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لا غيرك.

ثم قال، وسنختم في هذا المقطع: «وقدم العبادة على الاستعانة». لماذا قال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ثم قال ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؟ أنا أشرت قبل قليل، وهو أن العبادة أعظم موضوعاً من موضوع الاستعانة. وقيل: قدم العبادة على الاستعانة لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة أقرب، فـ ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هذه حاجتك، وربنا عز وجل يقول هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ هذه حق الله، و﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هذه حاجتك. والإنسان إذا أراد أن تقضى حاجته لابد أن يتوسل إلى الله بالعبادة والأسماء الحسنى والصفات؛ لأنك لست فقط تريد أن تقضى حاجتك، بل تريد أن تستعين بالله، فكيف الله يقضي حاجتك؟ من الأدب أن تقدم أسماء الله وتبجيل الله وعبودية الله حتى ربنا يساعدك ويقضي لك حاجتك، لأنك إذا كنت لا تعبد الله هل تستحق الاستعانة به؟ لابد من العبودية لله حتى تستحق الاستعانة الكاملة منه، فتقديم العبودية على الاستعانة من باب تقديم الوسائل على المقاصد.

ثم قال: «وأطلقت الاستعانة»، قال: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، هل خصصت الاستعانة في رزقي أو في زواجي أو في نجاحي؟ لا، أطلقت الاستعانة لتتناول كل مستعان، في كل شيء، وحذف المستعان منه ليدل على العموم، وأن استعانتي بكل شئون الحياة. ويجوز وهذا معنى آخر، أن يراد بالاستعانة الاستعانة على شيء محدد وهو أنني أستعين بالله على عبادته: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على عبوديتك. وعلى هذا يكون تقديم العبودية على الاستعانة من باب تقديم المقاصد على الوسائل، بالعكس؛ لأنه أصبحت العبودية هي المقصد، والاستعانة هي وسيلة للوصول إلى هذا المقصد.

إذا قلنا المراد بالاستعانة هنا الاستعانة على العبودية بالتحديد، تكون العبودية قدمت لأنها المقصود والاستعانة وسيلة للوصول إليها، فبإمكاننا أن نقول ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قدمت الوسيلة على المقصد، وبإمكاننا أن نقول قدم المقصد على الوسيلة. يمكنك أن تعبر بتعبيرك.

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. يمكن أن تُفهم على أنها تقديم مقاصد على وسائل، ويمكن أن تُفهم أنها تقديم وسائل على مقاصد. هذا المعنى مقبول، وهذا المعنى مقبول. من فهم كلامي الآن يمكن أن يعطيه هذا.

شف واحد اللي أخذ الكتاب، لمن لم يأخذ الكتاب يرفع يده ويرجع عليه. متى تكون تقديم وسيلة على مقصد، وكيف تكون تقديم مقصد على وسيلة؟ دراعاتكم التعبيرات، نفس الآية قد تقرأها بهذه الطريقة وقد تقرأها إياها.

نعم، السؤال: كيف يعني لماذا توجد الاستعانة وسيلة وليست مقصداً؟ أنت تقول على أن العبادة مقصد؛ «إياك نعبد» مقصد، و«إياك نستعين» وسيلة. لماذا جعلت «إياك نعبد» هي المقصد و«إياك نستعين» هي الوسيلة؟ أنت فاهم السؤال؟

لو سمحتوا فرصة للشباب، يلا تفضل. الآن ذكرت ضمنياً ضمن كلامه ممن لم يأخذ الكتاب زراعة. تفضل، بالفعل يعني أن تشرفت. أنا بدي التفسير القرآني بعيد مرة أخرى السؤال حتى الهمة.

وهذا السؤال له تفاسير مختلفة في تفسير الآية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. البعض قال هذا من تقديم المقاصد على الوسائل، والبعض فسر الآية بالعكس أنها من تقديم الوسائل على المقاصد. وبالتأكيد كل واحد فهم الآية بطريقته.

إذا قلنا «إياك نعبد» مقصد، ماذا يكون المراد بالاستعانة؟ بالاستعانة على العبادة. الاستعانة على العبادة بالتحديد فقط. إذا قلنا «إياك نعبد» هي الوسيلة و«إياك نستعين» هي المقصد، الاستعانة تعبد الله سبحانه وتعالى.

باختصار، إذا قلنا «إياك نعبد» هو المقصد، فـ«إياك نستعين» أي نستعينك على العبودية فقط، هذا هو المراد. وإذا قلنا «إياك نعبد» هي الوسيلة و«إياك نستعين» هو المقصد، فيقول: «إياك نستعين» على كل شئون الحياة.

فكيف تفهم «إياك نستعين»؟ تفهم «إياك». إذا جعلت «إياك نستعين» على العبودية بالتحديد، فأصبحت الاستعانة هنا وسيلة، وأصبحت العبودية ناقصة. وإذا فهمت الاستعانة على المعنى العام على كل شئون الحياة، أصبحت الاستعانة ناقصة وأصبحت «إياك نعبد» هي الوسيلة.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.