بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، سبحان الله الكريم الشاكرين، وأصلي وأسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الإخوة والأخوات في هذا المجلس الجديد الذي نعقده على موائد القرآن، وأحمد الله سبحانه وتعالى أن أعاننا ووفقنا لعقد هذا المجلس وهذا الاجتماع.
إن الله سبحانه وتعالى يهيئ لكم هذه المواطن وهذه المجالس التي ترتحون فيها لتعلم شريعة رب العالمين. فهذا والله نعيم علينا أن نحمد الله سبحانه وتعالى على كل مجلس نتمكن فيه من اللقاء؛ نعم عظيمة أن الله سبحانه وجه قلبك لحضور هذا المجلس واختارك مصطفاه من بين آلاف الناس الذين يشتغلون الآن بملذات الحياة الدنيا، وأنت أقبلت على كتاب الله سبحانه وتعالى.
والرقي من خلال هذه الساعة هي الساعة المحسوبة من يومك؛ اليوم ربما مضى بما فيه من طعام وشراب وكسب رزق، وإن شاء الله كله خير، لكن هذه أعظم ساعة في يومك، هذه الساعة التي أتيت فيها على كتاب الله سبحانه وتعالى وبركاته.
نشرنا في "رياض الجنة" كلام الليل للإمام والشيخ فريد الأنصاري رحمه الله تعالى، في بيانه طبيعة العلاقة التي يحياها المسلم المعاصر مع القرآن. والشيخ فريد الأنصاري -من اسمه فريد- حتى في التعبيرات التي ينتقيها سماها: علاقة المسلم المعاصر بالقرآن، قد مقابله القرآن، قال: "مكابدة القرآن". حتى يشير إلى أن علاقتك أيها المسلم مع القرآن تحتاج إلى شيء من المكابدة والمعالجة حتى تستريح له وتطمئن إليه.
حتى نكون صادقين مع أنفسنا، هو لم يتردد بكتاب الله سبحانه وتعالى، ويتمنى أن يشعر هذا الشعور؛ يتمنى أن يشعر بذلك الأنس بكتاب الله سبحانه وتعالى، إلى مشاهدة مكابدة لتدبره، ومكابدة لحضور مجالس التفسير، ومكابدة لتعلم طريقة الفهم لكتاب الله. هذه المكابدة والمعالجة المستمرة لسنوات هي التي ستورثك في نهاية المطاف الترنم بكتاب الله سبحانه.
يعني لا تظن أنك بعد هذا الانقطاع وهذا الجفاء في العلاقة مع كتاب الله فجأة ستصبح تترنم وتشعر بتلك المعاني الإيمانية السامية التي تأتي على قلبك، وتنظر في كلام الله فتشعر بأنس، لا؛ هذا الأمر لا يأتي إخواني من المجلس ولا بالمجلسي، وإنما كما قال شيخنا فريد الأنصاري: عليك أن تعالج القرآن معالجة حقيقية في حياتك، عليك أن تجعل للقرآن مساحة واسعة في يومك، عليك أن تدرس على موائد القرآن للهداية من هذا الكتاب العزيز بعد أن تمر بكل هذه المراحل.
نعم، بعد ذلك ستبدأ تشعر باللذة، وتشعر فعلاً أنك تستريح لكتاب الله سبحانه وتعالى وتطمئن إليه، وبالتالي تصبح تحب كتاب الله، ومن هو في قراءته، تحب أن تجلس معه آناء الليل وساعات النهار، تحب حضور مجالس التفسير؛ هذا كله من المشاعر التي لا تأتي دفعة واحدة، وإنما تحتاج أن تكابر من أجل الوصول إليها.
ومن ثبت وصابر وتعب، فالله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر المحسنين: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]. من جاهد قلبه وخواطره من أجل العيش مع القرآن، الله سبحانه وتعالى لابد وأن يعطيه شيئاً من هذا النعيم ومن هذه اللذة. وأما من كسل وتوانى وأعرض عن الموضوع ولم يعطِ القرآن حجمه الحقيقي، سيبقى يتعامل معه ككتاب من هذه الكتب التي تقرأها، لربما في رمضان أنك تختم، لكن القرآن لم يؤثر في سلوكك ولا في حياتك.
فهذا المصطلح حاول أن أعض عليه. أريد أن أقرأ العبارة مرة أخرى التي أرسلها الإخوة لأنها أعجبتني، يقول الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله تعالى: «إن مقابلة القرآن في زمان الفتن، والصبر على جمرة الله في ظلمات المحن؛ تلقياً وتزكية، وتدارساً، وسيراً به إلى الله في صلوات الليل، هو وحده الكفيل بإشعال في قلبك شلال نورك».
إن الوصول لهذه المرحلة، أن تشتعل جذوة القرآن في قلبك، وأن تكتشف أسرار هذا الوحي الإلهي، إنما هو ثمرة في طريق تلقيك لكتاب الله سبحانه، وفي طريقة تدارسك لكلامه عز وجل، ومعالجتك المتواصلة؛ ستجدها بإذن الله في نهاية الطريق أنساً وراحة مع كتاب الله سبحانه وتعالى.
فأنتم أيها الأحبة الكرام، وضعتم أقدامكم في بداية الطريق، لكنكم لم تصلوا بعد إلى ثمرتكم. نحن وضعنا أقدامنا على بداية الطريق؛ التدارس القرآني والعيش مع كتاب الله سبحانه وتعالى. المداومة والاستمرار هي شرط النجاة، أما من يريد من درس أو درسين يشعر نفسه وينسجم، فإذا لم ينسجم يقول: لا، أنا يا شيخ والله ما أشعر بأن لي زيادة، معناه أنت خسرت الرهان. فاستمروا، وقل إن تكررت هذه اللقاءات أحياناً فرص لا تعود مرة أخرى في زمان الفتن، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على الصبر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أخواتي الكريمات، لو قليلاً تصمت أصوات الأطفال وتخف هذه التشغيبات حتى نستطيع التركيز أكثر وأكثر. وصلنا في تفسير سورة الفاتحة إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وعالجنا هذه الآية مع النسفي رحمه الله، وبينا في ختام المجلس السابق أن هذه الآية العظيمة عليها مدار العبودية في حياة الإنسان.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ذلك في قلب سورة الفاتحة، وقلنا إن هذه الآية يمكن أن تقرأ من جهتين: من جهة أن «إياك نعبد» مقصد و«إياك نستعين» وسيلة، ويمكن قراءتها بوجه آخر وهو أن «إياك نعبد» وسيلة و«إياك نستعين» هو المقصد.
الوجه الأول وهو أن تكون «إياك نعبد» هي المقصد و«إياك نستعين» هي الوسيلة، متى يكون هذا؟ قلنا إذا جعلنا «إياك نستعين» المراد بها الاستعانة على العبودية بالتحديد؛ فإذا قلنا المراد بـ«إياك نستعين» الاستعانة على العبودية، أصبحت الاستعانة وسيلة والعبودية في «إياك نعبد» هي المقصد.
وأما إذا قلنا إن «إياك نستعين» على عمومها وإطلاقها في كل شؤون الحياة، فأصبحت «إياك نعبد» هي الوسيلة و«إياك نستعين» هي المقصد؛ لأن الإنسان حتى يحقق الاستعانة بالله في كافة شؤون الحياة يحتاج أولاً أن يحقق مقام العبودية لله سبحانه وتعالى، فإذا حققت «إياك نعبد» تستطيع أن تحقق «إياك نستعين»، وإذا قصرت في «إياك نعبد» فلم تعبد الله حق العبودية، لابد وأن يتأخر استعانتك بالله سبحانه وتعالى.
فبالتالي هذه الآية في كتب التفسير تقرأ بهذه الجهة وتقرأ بهذه الجهة، والقرآن حمال أوجه. وهنا ابن تيمية الحفيد رحمه الله تعالى يخبر عن أن هذين الأصلين، وهو العبادة والاستعانة والتوكل بالله، من أعظم الأصول المتكررة في كتاب الله سبحانه وتعالى، يقول: «من استقرأ كتاب الله سبحانه وتعالى وجد أن أهم أصلين ركزت عليهما الآيات القرآنية هو أصل العبودية وأصل الاستعانة».
وإذا كان الله قد حاول بهاتين الكلمتين في كل صلاة، فمعلوم أن ذلك يقتضي أنه فرض علينا أن نعبده وأن نستعينه.
إذا كان الله سبحانه وتعالى قد أمرنا في كره ركعة أن نقول ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فهل يريد فقط منا أن نقول هذا الكلام بألسنتنا؟ هل يريد ربنا سبحانه وتعالى أن يكون هذا منهجًا في حياتنا؟ يريد الله عز وجل أن تكون ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ منهج حياة، فعبادته وحركاته، فمع أن ذلك يقتضي أنه فرض علينا أن نعبده وأن نستعينه، إلا أن هذه الآية يجب ألا تقف عند حيز التنظير والقراءة، بل يجب أيها المسلم أن تكون هذه الآية بالنسبة لك منهج حياة، فإذا عبدت عبدت الله سبحانه وتعالى، وإذا استعنت استعنت بالله سبحانه وتعالى على دقيق الحياة وجليلها.
ثم يقول بعد ذلك، وقد جمع الله بين هذين الأصلين، أصل العبودية والاستعانة، في مواضع من كتابه، فقال في سورة هود: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 88]، فعبده ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وتوكل عليه ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وقال في قصة شعيب: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]، فالإنابة هي العبودية، والتوكل هو الاستعانة. وقال أيضًا في قصة إبراهيم: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ [إبراهيم: 37]، فدائمًا هذه المقارنة بين الإنابة التي تمثل العبودية، وبين مفهوم التوكل والاستعانة بالله سبحانه وتعالى، والآيات كثيرة.
يقول ابن تيمية: «وإلى هذين الأصلين كان النبي ﷺ يقصد في عبادته وأذكاره ومناجاته». ولنعد إلى مجلس السبت في مجلس عمل اليوم، أغلب الأدعية والآثار التي تقول من الصباح إلى المساء تدور معانيها على العبودية والاستعانة والتوكل بالله سبحانه وتعالى. فيقول إلى هذين الأصلين كان النبي ﷺ يقصد فيه عبادته وأذكاره ومناجاته، فقال في الأضحية، وكذلك في دعاء الليل: «وبك آمن وعليك توكلت وإليك أنبت»، فمعاني العبودية ومعاني الاستعانة موجودة.
فإذا بالاستقراء لنصوص الكتاب الكريم وسنة النبي ﷺ والأدعية والأذكار، نجد أن أعظم أصلين يجب أن تتحقق بهما أيها المسلم في حياته هما: أصل العبودية لله، وأصل الاستعانة بالله. وهذا ينسج مع بداية سورة الفاتحة؛ فبماذا بدأ الله؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، فلفظ الجلالة «الله» هو دليل على ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ثم قال: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والربوبية من معانيها الاستعانة والتوكل أو من متعلقاتها الاستعانة والتوكل. فلاحظوا كيف أن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تنسجم في ترتيبها مع ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ الله ثم الرب، لأن الأهم هو تحقيق الألوهية، ثم بعد تحقق الربوبية، كذلك ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، لابد وأن تحقق العبودية ثم تحقق الاستعانة، فالعبودية هي مناط الألوهية، والاستعانة لله هي منار الربوبية. هذه الأفكار مهمة جدًا وأنت تتدبر سورة الفاتحة.
وصلنا إلى الفقرة الأخيرة، وأظن أن قراءتها سريعة لكنها تحتاج إلى إعادة القراءة في كلام النسفي، لما قال: «وقدمت العبادة على الاستعانة». نقرأ وصلنا إلى كلام النسفي: «وقدمت العبادة على الاستعانة»، عرفنا أن وجهة نظر النسفي -عليه رحمة الله- أن العبودية هنا وسيلة لا مقصد، ويراها وسيلة، وأن الاستعانة هي المقصد، هذا بناءً على أن الاستعانة بالمعنى العام هي أننا نستعين بالله على قضاء جميع حوائج الحياة، ويكون تقديم العبودية على الاستعانة من باب تقديم الوسائل على المقاصد.
يقول النسفي رحمه الله تعالى: «وقدمت العبادة على الاستعانة لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة أقرب إلى الإجابة». هذه هي الفلسفة التي يطرحها النسفي؛ لماذا قال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قبل ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؟ لأن الاستعانة هي المقصد وهي الحاجة، فلا بد وأن تتقدم بينها الوسيلة، والوسيلة هي العبودية. أنت إذا عبدت الله حق العبادة أعانك الله على شؤون حياتك، لكن إذا أخرت مقام العبودية ضعفت في مقام الاستعانة بالله سبحانه وتعالى. لأن تقديم الوسيلة وهي العبادة قبل طلب الحاجة وهي الاستعانة أقرب إلى أن يعينك الله في قضايا حوائجك. أنت تقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، إذًا أنت تطلب من الله المعونة حتى يعينك الله، فتقدم الوسيلة وهي العبودية.
ثم قال: «أحاول نظم الآية، كما قدم الرحمن وإن كان الأبلة لا يقدم». وهذا يتعلق بنظم الآية. سورة الفاتحة بكل سور القرآن، كل سورة لها ما يسميه في الشعر "سجع" معين، وفي القرآن نسميه "الفواصل". سورة الضحى كيف تنتهي كل آية؟ ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، تلاحظ أن سورة الضحى آخر حرف فيها هو الألف. هذا في القرآن نسميه الفاصلة، وفي الشعر يسمونه القافية.
لو أتينا لسورة الفاتحة ما هي فواصلها؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يلاحظ أن كل آية تختتم بياء ثم حرف ساكن. يقول النسفي لو أن الآية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ جاءت بالعكس: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وَإِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لاختلت، ستكون غير متناسقة. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وَإِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، مباشرة تشعر بالنشاز في الإيقاع الذي تمشي عليه. لكن لما قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، لاحظ أن الفواصل متناسقة بهذه الصورة.
وهذا من مقاصد ترتيب الآيات أيضًا، فهو أشار إلى أن تقديم العبادة على الاستعانة من أهدافه أيضًا المحافظة على نظم الآية. ماذا قصد النسفي بنظم الآية؟ المراد ما يسمى بالإيقاع، وهو ما سموه فواصل الآيات، أن تكون منتهية على نفس المنوال حتى لا ينفر السامع للقرآن. أنت لماذا تشعر بالانسجام فيه؟ لأنك تشعر حتى في الفواصل بتماسك وتناغم، وليس هناك لفظة غريبة أو نشاز أتت في غير محلها المناسب، وهذا من مقاصد ترتيب الكلمات داخل الآية أيضًا؛ لذلك قال: «وقدمت العبادة على الاستعانة للمحافظة على نظم الآية».
قال أيضًا: «كما قدم الرحمن وإن كان الأبلة لا يقدم»، ويعيدنا إلى آية ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. لماذا؟ الآية القرآنية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ما قال "الرحيم الرحمن"؟ مع أننا مر معنا في شرح البسملة أن الأبلغ في لسان العرب أن يقال إن تبدأ بالأخف ثم الأعلى. أنت إذا مدحت شخصًا تمدحه بالأخف ثم بالأعلى، فتقول فلان عالم محترم. فالعرب إذا وصفت تبدأ بالوصف الأخف ثم تنتقل للوصف الأعلى؛ أيّهما أعلى، الرحمن أم الرحيم؟ الرحمن فهو الأوسع والأنسب، فكان ينبغي أن يؤخر، كان ينبغي أن يقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ﴾، لأن الوصف الأبلغ يؤخر في الترتيب. لكن جاءت بالعكس: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، لماذا؟ من المقاصد المحافظة على الإيقاع، وهو الفواصل، في الآية الأولى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فالإيقاع إنما يتم إذا قال: «الرحمن الرحيم»، لكن لو قال: «الرحيم الرحمن». جيد أن تلاحظ وأنت تنظر في آيات القرآن الكريم أن آيات القرآن خواتمها -سبحان الله- تأتي على إيقاع واحد، حتى لا ينبو السمع ويشعر بالنشاز؛ فهذا معنى كلامه.
رحمه الله تعالى، أطلقت الاستعانة لتتناول كل مستعان به. قد أطلق اسم الله سبحانه وتعالى، ولكن هل حدد الشيء الذي نستعين بالله عليه؟ هل قال: نستعينك على الرزق، نستعينك على الطعام، نستعينك على الشراب؟ لا، بل أطلق؛ ليستعين على ماذا؟ أطلق ليعم كل شيء، وعند العرب إذا حُذف شيء فمن مقاصد الحذف إفادة العموم.
لذا عندما قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولم يبين الشيء الذي يستعان به، إنما أراد بذلك أن يبين أن الله يستعان به على كل شيء، دقيقة وجليلة. كيف أخذنا هذا المعنى؟ من خلال الحذف؛ فالحذف يفيد العموم، فلذلك قالوا: أطلقت الاستعانة، أي لم تقيد بشيء معين، لم يقل نستعينك على كذا أو على كذا، بل أطلق.
قال رحمه الله: "أطلقت الاستعانة؛ أي لم تقيد بشيء معين، ما قال نستعينك على كذا أو على كذا، أطلق ليفيد إفادة كل مستعان به، فتتناول كل مستعان به، فأنت تستعين بالله على كل أمورك". هذا هو الرأي الأول الذي يقوم على أن الاستعانة هنا على عمومها وإطلاقها في كل الأمور، جليلها وخفيفها.
الرأي الثاني، قال رحمه الله تعالى: هناك احتمال آخر في التفسير، ويجوز أن يراد بالاستعانة هنا ما هو الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة. هذا هو التفسير الآخر؛ تصبح الاستعانة وسيلة، والعبودية تصبح هي المقصد. ويكون بالتالي الهدف من ذكر الاستعانة بعد العبادة أنه قدم المقصد لأنه الأهم، وأخّر الوسيلة، وللمحافظة على السجع أيضًا.
ويكون قوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ بيانًا للمطلوب من المعونة؛ إذا قلنا إن الإسلام ختام سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فهذا بيان للشيء الذي تستعين بالله عليه. أنت تستعين على العبودية، فماذا تريد يا رب أن تهديني؟ تريد الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
إذا فسرنا الاستعانة هنا أنها استعانة على العبودية بالتحديد، فهذا يتناسب مع الدعاء الذي سيأتي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، كأنك قلت: يا رب أنا أعبدك ولا أعبد سواك، وأستعين بك على العبودية. فكأن هناك سائلًا يسألك: لماذا تستعين في العبودية؟ ماذا تريد من الله أن يعينك عليه في العبودية؟ فتقول: أريد أن يعينني على الهداية: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
هكذا تربط الآية اللاحقة بالآية السابقة. انظروا ماذا قال، كأنه قيل: كيف أعينكم؟ فتقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. كأنك لما قلت ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، هناك من يسألك: كيف يكون العون، أو كيف يُطلب العون من الله في العبودية؟ فتقول: عون الله في العبودية أن يهديني إلى الصراط المستقيم، وأن يبعدني عن المغضوب عليهم والضالين؛ لأنني إذا حققت الهداية المطلقة في حياتي، فهذه أعظم معونة من الله سبحانه وتعالى.
قال رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في سورة الفاتحة. ومن هنا، كما جاء في الحديث، يقول ربنا سبحانه وتعالى: «هذا لعبدي». هذا الحديث العظيم؛ إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، وإذا قال العبد: الرحمن الرحيم، وإذا قال العبد: مالك يوم الدين، وإذا قال العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال الله: «هذا بيني وبين عبدي، وأنا عبدي ما سأل».
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هذه حاجة، ثم ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. ماذا يقول الله لعبده في الآيات الأولى؟ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. هذا أهم سؤال في حياة الإنسان؛ أهم سؤال وأعظم حاجة لك ليس أن تتوظف، ولا أن تأخذ شهادة عليا، ولا أن تعود من الدول العظمى بشهادات. ليس أعظم شيء أن تريد من الله سبحانه وتعالى وظيفة وحياة فيها قصور وسيارات، لأن هذا كله دنيا.
أعظم شيء أنت تحتاجه وتريده من الله سبحانه وتعالى هو ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ لأنك إذا حفظت الصراط المستقيم حصت من السعادة، وإذا ضللت عن الصراط المستقيم وانحرفت عنه، فلا قيمة لكل شيء بعد ذلك. انظروا إلى الغرب، إلى حياتهم، هذه الدنيا والقصور والحياة، لكنهم لم يفوزوا بالصراط المستقيم في الحياة؛ فالحياة بهمية، حياة لا قيمة لها، الصغير يعق الكبير، الانتحار.
الصراط المستقيم هو مفتاح النجاح، وهو مفتاح السعادة، وهو البوابة العظمى التي إذا دخلتها فُتح لك كل خير، وإذا سُدّت في وجهك سُدّ عنك كل خير. وأنا أقول هذا حتى تعرفوا قيمة هذا السؤال وأهمية هذا السؤال، ولماذا أمرنا الله أن ندعو به في كل صلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. الآن سنحلل هذا الدعاء وننظر في قيمته وننظر في التفاسير التي ذكرها الأئمة له؛ لأن هذا الدعاء بعض المفسرين حقيقة لن يأتوا بتفسير جيد له كاملاً، فنحتاج أن نعرف ما هو التفسير الصواب.
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، الله تعالى يثبتنا على المنهاج الواضح. معنا الآن: ما التفسير الذي قدمه العلامة النسفي لـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؟ ماذا قال؟ قال: "ثبتنا على المنهاج الواضح". هكذا قال؛ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي هو طلب الثبات. هذا بناء على تصوير معين، وهو أن الهداية حاصلة لنا، فأنا مؤمن وأنتم مؤمنون، فإذا دعونا الله بالهداية في الصلاة، البعض يقول: ما معنى الهداية؟ لماذا نطلب ونحن مهتدون ولسنا على الإسلام؟ إذن الهداية حاصلة، فلما أقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ماذا؟ الثبات.
يعني هذا الشيء متحصل مسبقاً، وأنا لما أقول أهدنا أطلب الثبات على الشيء. لكن هنا سؤال: هل فعلاً الهداية حصلت لنا بكامل تفاصيلها حتى نطلب الثبات عليها؟ هذا هو الإشكال الذي ورد على كثير من المفسرين لما فسروا ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ بالمعنى الذي ذكره النسفي، هو قال: اهدنا يعني ثبتنا، لماذا ثبتنا؟ لأنه يفترض أن الهداية حاصلة مسبقاً وأن الشيء الذي بقي علينا هو أن نثبت عليها، لكن هنا منطقة نزاع: هل فعلاً نحن حصلنا الهداية بكامل تفاصيلها الكبيرة لم تحصل بعد؟ هذا معنى حاول ابن تيمية رحمه الله أن يوضحه.
اقرأ بالله أخي، تأخذ الكتاب ممكن القراءة؟ اقرأ هذا المقطع من كلام ابن تيمية رحمه الله عليه؛ اسمعوا ماذا يقول ابن تيمية في شرح ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وقصور من فسر الهداية هنا بأنها الثبات فقط: "الهداية أعم من ذلك، فالمضطر دائماً إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم". الكلمة دائماً فيها اضطرار؛ اضطرار الجائع في الصحراء إلى الميتة. ما وجه الاضطرار؟ لماذا الدعاء أكثر من اضطرار إلى السعادة؟ إلا بهذه الهداية، لا نجاة من عذاب النار، فهو سيكون أحد طرفين؛ إما من المغضوب عليهم، نعم. قالوا: هذا الهدى لا يحصل إلا بهدى الله، وهذه الآية وهذا الهدى لا يحصل إلا بهداية الله.
توفيق الله لك، لست أنت من تختار أن تكون مهتدياً بإرادتك الكاملة. أنت تبذل الأسباب، لكن من الذي يوفق في النهاية؟ الله عز وجل. فلذلك أنت تحتاج أن تطلب من الله الهداية؛ فمهما بدأت من الأسباب، إذا لم يخترني الله أن أكون من المهتدين لن أكون من أهل الهداية.
أن يدعو الله ليلاً ونهاراً بهذا الدعاء: يا رب اكتبني من أهل الهداية، يا رب اجعلني ممن اخترتهم واشتريتهم من ملايين البشر لأكون على الصراط المستقيم. فأنت تحتاج الهدى من الله، بخلاف قول القدرية؛ فالقدرية المعتزلة يزعمون أن الله لا يتدخل في موضوع الهداية، وأن الإنسان هو الذي يختار الهداية والشقاء بنفسه بالكامل. أنت تبذل الأسباب أيها الإنسان، والله جل في علاه، وبالتالي تحتاج أن تدعو الله من أعماق قلبك ووجدانك: يا رب اكتبني من أهله، اهدنا الصراط المستقيم، لأنك إذا لم تكتبني من أهلها فقد خسرت الخسران المبين، والعياذ بالله. ورحمة الله، وهذه الآية مما يبين فساد مذهب القدرية.
أما سؤالنا: بيد العبد، وأن الله ليس له علاقة بالموضوع، هذا كلام من لم يعرف حقيقة الأسباب. يقول الله تعالى: ﴿فَهَدَاهُمُ اللَّهُ لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ [البقرة: 213]. فمن يقول "فقد هداهم الله" فلا حاجة بهم إلى السؤال.
جواب من أجاب بأن المطلوب هو دوامها، هو كلام من لم يعرف حقيقة الأسباب وما أمر الله به. لاحظوا قول ابن تيمية؛ هو يطرح السؤال الذي طرحناه قبل قليل: أن هناك من يقول نحن أهل الإيمان هُدينا، فما معنى أن نقول في كل صلاة «اهدنا الصراط المستقيم»؟ فهناك من أجاب أن المراد بطلب الهداية هنا هو الثبات على الهداية.
وهذا جواب ضعيف؛ فهو جواب من لا يعرف أن الهداية أمر عظيم، ونحن إنما وصلنا إليه هدى مجمل ولم نصل إلى تفاصيله الدقيقة بعد. نحن لم نحصل على تفاصيل الهداية حتى نطلب الثبات عليها؛ أنت لم تحسب إلا الهداية الجملية، أما الهداية التفصيلية في كل شؤون حياتك، فهذا شيء تحتاج فيه إلى هداية يومية.
أريدكم أن تفهموا الاستشكال: إذا كان ابن تيمية يطرح استشكالاً، فهل عندما يقول المؤمن «اهدنا الصراط المستقيم» هو فقط يطلب الثبات، ولا يطلب أصلاً تحصيل هدايات لم تحصل له بعد؟ أنت تطلب تحصيل هدايات لم تحصل لك بعد.
قال رحمه الله: «دوامها كلام من لم يعرف حقيقة الأسباب وما أمر الله به، فإن الصراط المستقيم أن يفعل العبد في كل وقت ما أمر به في ذلك الوقت من علم وعمل». أكرر هذه العبارة، فهي مهمة جداً: ما هو الصراط المستقيم؟ قال: أن يفعل العبد في كل وقت ما أمر به.
الصراط المستقيم يعني الآن في هذه اللحظة، ما هو الصراط المستقيم؟ بعد ساعتين ما هو الصراط المستقيم؟ لما يؤذن المغرب ما هو الصراط المستقيم؟ لما يؤذن الفجر ما هو الصراط المستقيم؟ لما تكون الساعة الثانية عشرة بالليل أين الصراط المستقيم؟ عندما يأتي وقت السحر أين الصراط المستقيم؟ أنت في كل ساعة تبحث عن الصراط المستقيم.
كم أسأنا في اختيار الصراط المستقيم في حياتنا؟ ساعات نكون فيها ساهرين لا ننام، هل هذا هو الصراط المستقيم؟ هل أنت على الصراط المستقيم؟ بالتأكيد لا. الساعات التي تكون فيها على الجوال وتقلب النظر في الحرام، هل أنت الآن على الصراط المستقيم؟ بالتأكيد لا. الساعات التي تكون فيها بمشاكل عائلية وخصومات ومنازعات، هل أنا في هذه اللحظة على الصراط المستقيم؟ نحن سنلاحظ أننا في كثير من ساعات الحياة لسنا على الصراط المستقيم، فكيف نقول نحن نطلب الثبات عليه ونحن في كثير من التفاصيل لم نحققها بعد؟
فهذا كلام نفيس؛ أن تفهم أيها العبد، أيتها الأمة، أنك تحتاج إلى الصراط المستقيم، وسؤال الهداية له في كل نفس من أنفاس الحياة وفي كل ساعة من ساعات العمر: يا رب هذه الساعة الآن، ما هو الصراط المستقيم فيها؟ ماذا يجب أن أفعل في هذه الساعة حتى أكون على الصراط الذي تريده؟ فأنت تحتاج إلى هداية تفصيلية.
اقرأ مرة أخرى، قال رحمه الله تعالى: «فإن الصراط المستقيم أن يفعل العبد في كل وقت ما أمر به في ذلك الوقت من علم وعمل، ولا يفعل ما نهي عنه». وهذا يحتاج في كل يوم إلى أن يعلم ويعمل ما أمر به في ذلك الوقت وما نهي عنه. فأنت تحتاج إلى أن تعلم وتعمل في كل وقت ما يريده الله تعالى، ثم تعمل؛ إذ لا عمل بدون علم.
وأحتاج أيضاً إلى أن يحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور، وكراهة لترك المحظور. إذاً هذا الأمر الثالث، أنت تحتاج إلى علم، وإلى إرادة، وإلى عمل. هذه الخطوات الثلاث، وابن القيم نفسه سيشيد إليها في كتابه الفوائد؛ أنت تحتاج إلى ثلاث أمور في حياتك، احفظها أيها المسلم أيتها المسلمة، في كل ساعة تحتاج إلى ثلاثة أشياء: علم، وإرادة، وعمل.
علم: ما الذي يجب أن أفعله أو ينبغي أن أفعله في هذه الساعة، وما الذي ينبغي أن أجتره، وما الذي ينبغي أن أهجره؟ ثم إرادة: إرادة لفعل الخير وإرادة لترك الشر. ثم بعد العلم والإرادة أحتاج إلى ماذا؟ أحتاج إلى قدرة حتى أخرج إرادتي إلى حيز التنفيذ. وهذه الثلاث من الذي يعطيك إياها؟ العلم والإرادة والقدرة على الإنجاز، الله سبحانه وتعالى.
فأنت في حاجتك إلى الله في كل نفس وفي كل خطوة من خطوات الحياة؛ تحتاج إلى هداية للعلم، وهداية للإرادة الصحيحة. فكم والله من طالب علم عنده علم لكن ما عنده إرادة للخير! وكم من طالب عنده علم بأهمية حضور مجالس التعلم وحده لا يجعله في نجاح! أنت تحتاج إلى علم، ثم إلى إرادة، ثم إلى قدرة تولد العمل، وهذه الأمور الثلاثة أنت تفتقر فيها إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا من أعظم ما تحتاجه: «أهدنا الصراط المستقيم»، أهدنا علماً، وأهدنا إرادة، وأهدنا عملاً.
وهذا سؤال عظيم وخطير وأهم شيء يحتاجه الإنسان في حياته. قال رحمه الله تعالى: «فهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة لا يتصور أن تحصلا للعبد في وقت واحد». الصراط المستقيم في كل ساعة؛ لا تظن أنه عندك إرادة تفصيلية في كل ساعة، أنت في كل نفس تحتاج إلى «اهدنا الصراط المستقيم».
كل وقت يحتاج إلى أن يجعل الله في قلبه من العلوم. قد حصل له هدى مجمل بأن القرآن هدى لنا وإياكم؛ فنحن مسلمون، الحمد لله، نوحد الله، ونؤمن بالنبي ﷺ، هذه هداية إجمالية، لكن بقي علينا أن نطلب الهداية التفصيلية، وهذه لم تتحقق لنا بعد. لذلك أنت كل ساعتين تحتاج أن تصلي الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء ثم الفجر، كحد أدنى، حتى تقول: يا رب اهدنا الصراط المستقيم من الظهر إلى العصر، اهدنا الصراط المستقيم من العصر إلى المغرب.
بعدين اهدنا الصراط المستقيم من المغرب للعشاء، ثم من العشاء للفجر، هذا في حالنا. طبعاً ما تقوم الليل، وإحنا ما عندناش رواتب، ما عندك سنة، أقل شيء يومياً عندك خمس مواعيد تطلب فيها الهداية بالتفصيلية للصراط المستقيم؛ علماً وإرادة وعملاً. فما ذلك إذا كنت تصلي السنة وتصلي قيام الليل؟ حجم الدعاء بهذا الاسم العظيم «اهدنا الصراط المستقيم» يزداد ويتكاثر في حياته.
قال رحمه الله تعالى: حصل له هدى مجمل بأن القرآن حق، والرسل حق، ودين الإسلام حق، وذلك حق، ولكن هذا المجمل لا يغنيه إن لم يحصل له هدى مفصل في كل ما يأتيه ويدره من الجزئيات التي يحاور فيها أكثر عقول الخلق ويغلب الهوى والشهوات. أكثر عقولهم لغلبة الشهوات والشبهات عليهم؛ إما في نوم وأمة على السوشل ميديا، وإما نظر للحرام، وإما جلسات. فإنت لست على الصراط المستقيم في هذه الدقائق، في هذه الساعة.
قال: «والإنسان خلق ظلوماً جهولاً»، فالأصل فيه عدم العلم وميله إلى ما يهواه من الشهوات. فيحتاج دائماً إلى علم مفصل يزول به عدم العلم، والأصل فيه أنه يميل إلى شهوته وشبهته؛ الأصل في الإنسان الميل إلى الهوى؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال في الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]. فظهور المنى لأنفسنا وجعلنا هذا طبعاً وهو الأصل، فنحتاج إلى العلم والإرادة الحسنة، وهنا نحتاج إلى توفيق وهداية من الله سبحانه وتعالى دائماً؛ الله عليه بالعلم المفسر والعدل والظلم، ما يخرج به عن المستقيمين.
في بدايات الفوائد، ودائماً إذا أردت أن تأخذ كلام ابن تيمية مفصلاً تجده عند ابن القيم رحمه الله تعالى. عليه قاعدة عامة؛ ابن تيمية القراءة له تحتاج إلى مراجعة وصعوبة، لأنه كثير الاستطراد، يعني كتابته ليست كتابة متنية دراسية بخلاف ابن القيم، فكتابته كتاب دراسية تفصيلية. ابن تيمية ما جاء في خاطره يكتب ويستطرد، فإذا أشكل عليك شيء في كلام ابن تيمية تجده في كلام ابن القيم مفصلاً مشجعاً.
ماذا يقول ابن القيم في بدايات الفوائد بنفس هذا المعنى؟ رحمه الله تعالى: «فإن قيل كيف يطلب التعريف والبيان وهو حاصل له، وكذلك الإلهام والتوفيق؟». كيف يقول المسلم «اهدنا الصراط المستقيم» مع أن هذا شيء تحصل لهم؟ من الذي قال لك إنه «اهدنا الصراط المستقيم» تحصلت لك أنت؟ أنت حصلت أصل الإيمان، لكن تفاصيل الإيمان في كل لحظة أنت ما حصلتها بعد، فتحتاج إلى توفيق وهداية في كل نفس وفي كل ساعة.
وإن قيل هذه هي المسألة الثامنة عشرة، وقد أجاب عنها من أجاب بأن المراد التثبيت ودوام الهداية، ولقد أجاب -وما أجابه الصراط المستقيم المراد بها الثبات فقط؟ قال هذا أجاب خطأ، ليس هذا هو المراد ابتداءً بـ «اهدنا الصراط». طيب، ليس فقط الثبات، الثبات هو آخر معنى من معاني «اهدنا الصراط المستقيم»، لكن أنت تحتاج قبل ذلك خطوات ومراحل.
قال وذكر فرعاً لا قوام له بدون أصله، وثمره لا وجود لها بدون حاملها، ونحن نبين بحمد الله أن الأمر فوق ما أتى به وأعظم من ذلك بحول الله. فاعلم أن العبد لا يحصل له الهدى التام والمطلوب إلا بعد ستة أمور. الآن ابن القيم يرتب لك الأمور؛ العبد لا يحصل له الهدى التام إلا بستة أمور: ثلاثة أساسية وثلاثة تكميلية.
نبدأ بالأمور الثلاثة الأساسية حتى تتحصل لك الهداية أيها العبد، وهو محتاج إليها حاجة لا غنى له عنها. الأمر الأول: معرفته في جميع ما يأتيه ويدره بكونه محبوباً للرب تعالى مرضياً له فيأثره، وكونه مبعوضاً له مسخطاً له فيجتنبه. الخلاصة أنك تحتاج أولاً إلى ما سماها المعرفة، وابن تيمية قبل قليل سماها العلم؛ أنت تحتاج أولاً إلى العلم، أن تعلم كل ما يحبه الله ويرضاه من الأمور لتفعلها، وتعلم ما يبغضه الله سبحانه وتعالى من الأمور لتجتنبه. فأول هداية من الله نحتاجها جميعاً هي العلم، ولذلك كان العلم الشرعي ودراسة الشريعة هي أعظم العلوم؛ لأنك في العلم الشرعي تعلم ماذا يحب وما يسخط. فأول هداية أن يهديك الله للعلم الشرعي، فتعرف من خلال دراستك الفقه والحلال والحرام ما يرضي الله سبحانه وتعالى وما يسخطه.
ثانياً: قال رحمه الله تعالى: «فإن نقص من هذا العلم والمعرفة شيئاً نقص من الهداية التامة»، فبالأحكام الشرعية كان أنقص في الهداية، كل من كان أجهل بأحكام الشريعة كان حظه من الهداية أنقص؛ لذلك العلماء هم رؤوس الهدى المهتدين لأن علمهم في الشريعة أكمل من غيره.
ثالثاً: معرفة جميع ما يحب الله منه أن يفعله عازماً عليه، وهي الإرادة؛ أن الله يهديك أن تريد الطاعة. فكم من عالم بالخير لكنه لا يريد وكسول عنه، ولذلك كان من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل». المدمر للإنسان يكون أن أعرف والله يا شيخ أنه طالب علم رائع لكن لا أجد فيه همة على طلب العلم، وهذا العجز والكسل عدم اكتمال الهداية لك من الله سبحانه وتعالى. فكم من طالب علم أراد العلم لكن لم ينله، وهذا محروم، عليه أن يستعيذ بالله من الكسل والقناعة، وعليه أن يستعيذ بالله من ضعف الإرادات. فمن كمال هداية الله لك أن يرزقك الهم والإرادة والعزيمة التي تدفعك لحضور مجالس العلم والتعليم والعمل به فعلاً وتركاً، فإن قسماً من فعله شيئاً نقص منه هدايته بحسبه.
الركن الثالث من أركان الهداية وهو العمل؛ بعد أن تعلم الشيء ثم تريده، عليك أن تخرجه إلى حيز العمل إلى أرض الواقع. فإذا وفقك الله إلى أن تعمل بخير وتحضر مجلس العلم وتصلي قيام الليل وتقرأ القرآن وتحافظ على الأوراد، فهنا اكتمل العنصر الثالث من عناصر الهداية؛ إذاً هو علماً، ثم إرادة، ثم عمل. هذه الثلاث الأساسية، ثم سيذكر الآن المكملات رحمه الله تعالى ويتبعها بثلاثة هي من تمامها وكمالها، ولم يهتدِ إلى تفاصيلها فهو محتاج إلى هداية التفصيل فيها.
قال: «الثاني أمور هُدي إليها من وجه دون وجه فهو محتاج إلى تمامه وتحتاج إلى هداية تفصيلية جزئية»، هذه الرابعة والخامسة عندك؛ أمور هُديت فيها من وجه ولكنك لم تهتدِ من وجه آخر. وأظن هنا بدا الكلام في شيء من التكرار، أزعم أن هنا بدأ الكلام فيه شيء من التكرار، فهو يستطيع أن يجعل الرابعة والخامسة داخل تحت العلم والمعرفة التي ذكرها ابتداءً، لكن هو فصل زيادة، ولا ابن تيمية لعلك كلامه أخطر قليلاً وأتم، أن هي أركان الهداية ثلاثة: علماً وإرادة وعملاً، ما بعد ذلك مما ذكره ابن...
القيم في الرابع والخامس والسادس إنما متعلقة في بابه العلم ويعود إليه الكلام، على رحمة الله تعالى. الثالث: الأمور التي هدى إليها تفصيلاً من جميع وجوهها، فهو محتاج إلى الاستمرار على الهداية والدوام عليها.
الدوام كما قلنا، والثبات على الهداية هو آخر شيء؛ فأنا بعد أن أعلم الهداية وأريدها وأفعلها، أطلب من الله الثبات والديمومة عليها، هكذا يكون الكلام مكتمل العقد. بالتالي بعد أن قرأنا كلام ابن القيم، نعود إلى النسفي لما قال: «اهدنا الصراط المستقيم»، ماذا قال؟ «ثبتنا على المنهاج الواضح». أن نقول هذا الكلام فيه قصور، وليس خطأ، لكن فيه شيء من القصور؛ لأن الثبات إنما يكون بعد الوصول، ونحن هل وصلنا إلى كامل الهداية؟ واضح أننا لم نصل، ولا نصل في طبيعة الحال إلى كامل الهداية، وأعظم الهدايات وأكملها -لا أعرف إذا ذكر ابن القيم- أن يهديك الله سبحانه وتعالى في تمام الأمر في الدار الآخرة إلى جنات النعيم.
قال سبحانه وتعالى في الشهداء: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: 4]. وليس كذلك، ما هي الهداية التي تكون للشهداء بعد أن يموتوا في سبيل الله؟ قال المفسرون: ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ أي إلى منازلهم في جنات النعيم. أنت تحتاجه حتى في الدار الآخرة؛ عندما تكون على الصراط تحتاج أن يهديك الله فلا تزل الأقدام، ثم بعد ذلك تحتاج أن يهديك الله إذا دخلت الجنة، يهديك الله إلى منازلك في الآخرة. الله قال في الشهداء إنه سيهديهم، فعبر بالهداية لهم وإن كانوا استشهدوا. ومن هُدي في الدنيا إلى الصراط المستقيم، هُدي في الآخرة إلى بيته في جنات النعيم. هي هذه: من هُدي في الدنيا إلى الصراط المستقيم وعاش عليه وثبت عليه، هداه الله سبحانه وتعالى إلى منزله في جنات النعيم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الهداية في الدنيا وفي الآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ثبتنا رحمه الله تعالى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، أي ثبتنا على المنهاج الواضح. هنا أثر الصراط المستقيم الواضح.
سأقتطع أربعة أسطر حتى نعالج كلمة الصراط، وبعدين نعود لكلام النسفي. الصراط من سَرَطَ الشيء، أي ابتلعه. والصراط هو الجادة، يعني الطريق. أصل هذه الكلمة أحياناً تحليل المفردة القرآنية يجعلك تعيش معها أكثر وأكثر؛ يقول لك الصراط مأخوذ من "سلطة" الشيء إذا ابتلعه. فيقولون لماذا سمي الطريق صراطاً؟ قال لأنه يبتلع الذي يمشي فيه. الطريق يسمى صراطاً لأنه كأنه يبتلع الذي يمشي فيه. لكن سيأتي معنى -إن شاء الله- أن الطريق لا يسمى صراطاً إلا إذا وجدت فيه خمس مواصفات سأذكرها بعد قليل، لكن خلونا حبة حبة نمشي في هذا المعنى. إذن أصل الكلمة "سلط"، يقول سلط فلان، وسمي الطريق صراطاً لأنه يبتلع الذي يمشي فيه. هم الذين يمشون في الطريق، كأن الطريق يسرط من يمشون فيه، أي كأنه يبتلع السائر.
ثم قال إننا نقرأ بالصاد، وصحتها أنها السين؛ "سراط" أصلها سين وقلبت صاداً من باب التناسب مع الطاء، وهذا معروف في العربي النطق واللسان، فقال حتى يحدث تناسب بين الصاد والطاء. وقد تستغربونها لكنها لغة عربية أصيلة، وهي إحدى القراءات في الآية. يعني كأنك تشبه الصاد بصوت السين. قراءة ابن كثير أن "الصراط" بالسين، وقراءة الجمهور "الصراط" بالصاد. فهي كم قراءة؟ ثلاث قراءات؛ الجمهور يقرأ بالصاد، وحمزة يقرأها بالزاي، وابن كثير يقرأها بالسين، وكلها تتفق في المعنى، لكنها لهجات؛ ولهجة قريش هي التي نقرأ بها في الصوت، وهي الصاد الخالصة، وهي لغة قريش المشهورة. بالتالي "الصراط" بالسين و"الصراط" بالصاد، هذه لغة بعض القبائل العربية الأخرى لكنها ليست لهجة قريش.
"الاستقامة في الإمام"، ما معنى "ويثبت في الإمام"؟ يعني لما كتب مصحف عثمان، معروف أنه أمر الذين كتبوا المصحف أن يكتبوا بحرف قريش، حتى لو الآية فيها عدة قراءات تكتب الكلمة بحرف من حرف قريش. عثمان أن مصحف عثمان يسمى "المصحف الإمام". ويجوز التذكير والتأنيث، فتقول هذا صراط وهذه صراط، من الكلمات التي يجوز فيها التذكير والتأنيث مثل الطريق والسبيل. والمراد بالصراط في الآية، بالمعنى اللغوي الجادة، وبالمعنى في الآية طريق الحق.
وهنا فائدة، وهي أن الطريق لا يسمى صراطاً كما قلنا إلا إذا استجمع خمس خصال. الشيخ، قلنا ما هي هذه؟ قالوا أولاً: لابد وأن يكون مستقيماً، فالطريق الذي فيه اعوجاج لا يسمى صراطاً. ثانياً: لابد أن يكون سهلاً، فإذا كان واعراً فيه مطبات لا يكون صراطاً. ثالثاً: لابد وأن يكون واسعاً، فإذا كان ضيقاً لا يسمى صراطاً. رابعاً: لابد وأن يكون مسلوكاً، فإذا كان الطريق مهجوراً لا أحد يمشي فيه لا يسمى صراطاً. خامساً: لابد وأن يكون موصلاً للمقصود، فإذا كان الطريق لا يوصلك إلى بغيتك فلا تسميه العرب صراطاً. إذا اختل شرط منها لا يسمى صراطاً.
والإسلام توجد فيه هذه المواصفات الخاصة؛ فهو أولاً مستقيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: 1]. من مشارق الأرض إلى مغاربها، من روسيا إلى شمال أفريقيا، الحمد لله على الإسلام يسع الجميع، من آدم إلى قيام الساعة سيبقى أهله موجودين قائمين: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين». وأخيراً، موصلاً إلى المقصود، ومقصودك هو الانتصار إلى الله، والإسلام هو الطريق الوحيد الذي يوصلك إلى الله سبحانه وتعالى، فإذاً تسمية الإسلام صراطاً ينطبق عليها قواعد العربية بأن الطريق لا يسمى صراطاً إلا بهذه الخصال الخمس وقد وجدت في الإسلام كاملة والحمد لله. ولذلك لما قال النسفي: والمراد به أي بالصراط في الآية طريق الحق، فما هو طريق الحق؟ هو ملة الإسلام. الإسلام هو الصراط المستقيم. طبعاً بعض المفسرين عندما تفتح كتاب تفسير البقرة وغيره يقول لك الصراط المستقيم هو القرآن، البعض يقول الصراط المستقيم السنة، البعض يقول الصراط المستقيم أبو...
بكر وعمر، هذا كله يسمى تفسيرًا؛ لماذا؟ الإسلام يشمل كل هذه التفاسير الجزئية التي ذكرها بعض الأئمة، وهذا لذلك أعجبني كلام الناس: الإسلام وما وجع رأسك بالأقوال الأخرى، يعني اختصر عليك المسافة وما شوش عليك بذكر أقوال أخرى. خلص، هو الإسلام فقد اشتمل على هذه الخصال الخمس التي تجعله جديراً بأن يسمى صراطاً مستقيماً.
وهنا نكتة، وهو أنه إذا قلنا الصراط، لا يسمى الصراط إلا إذا كان مستقيماً؛ إذاً ما فائدة أن يوصف الصراط في الآية بأنه حاصل؟ أعيد مرة أخرى وعيد مرة أخرى، عندي مشكلة في الظهر. إخواني، الصراط إنا كنا من مواصفاته أنه لابد وأن يكون ماذا؟ قلنا من مواصفات الصراط أنه لابد وأن يكون مستقيماً حتى يسمى صراطاً، إذاً ما معنى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؟ لماذا المستقيم؟ طب ما هو الصراط أصلاً لا يكون إلا مستقيماً، ما فائدة الوصف هنا؟
فهمتنا السؤال؛ إذا كان الصراط لا يسمى صراطاً حتى يكون مستقيماً، فما معنى أن يصف الله ويؤكد بكلمة الصراط بأنه الصراط المستقيم؟ يعني هذا النعت أليس تحصيل حاصل؟ أليس زيادة؟ ماذا نقول؟ لطيف، هذا المعنى لطيف.
إن بعض الناس تزعم أنها هي على الصراط الحق ولكنه ليست على منهج الإسلام، فالله كأنه يؤكد أنه لا صراط مستقيم إلا هذا الصراط، فأكده بكلمة مستقيم ليبين أن الاستقامة لا تكون إلا فيه. ثم كما قال بعض الإخوة، المراد التأكيد لأن الصراط بطبعه لا يكون إلا مستقيماً، فزيادة التأكيد في "صراط مستقيم" فائدتها هنا، ولا يمكن أن يكون هناك صراط إلا هذا الطريق إلى الله سبحانه وتعالى.
أيضاً من مقاصد النعت أحياناً المدح؛ أن الله مدحه بأنه مستقيم وإن كان هذا معلوماً، لكن حتى يظهر المنبه. دينا الصراط لو قالت الآية هكذا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ بدون كلمة مستقيم، لا فهمنا أنه مستقيم بالنية، لأن الصراط من أول شرط من شروطه أن يكون مستقيماً، فأضاف هذا النعت "الصراط المستقيم" للتوكيد والمدح وليس للتخصيص، وكأنه هناك صراط غير مستقيم وصراط مستقيم وأنا أريد الصراط المستقيم، لا، هذا فهم خاطئ، الصراط لا يكون إلا مستقيماً.
واضح الكلام أيها الأحبة؟ نعود من بداية الآية، قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾. ثبتنا الله تعالى، أي ثبتنا على المنهاج الواضح. وعرفنا من النسفي أنها ليست وافية بتفسير الآية، وقرأنا كلام ابن تيمية وابن القيم. لو واحد واقف مثلي، أنت تقول له: "قم حتى أعود إليك"، طب ما هو واقف! ليش تدخل بـ "قم"؟ شو معنى كلامك لشخص واقف قائم؟ فكذلك ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لواحد مهتدٍ، شو معناها؟ اثبت على الهداية، يعني هذا من قياس الشيء بالشيء، لكن عرفنا أن هذا معنى قاصر وأننا نحتاج هدايات كثيرة كما هديتنا في الحال.
آخر في تفسير الآية، وهذا قد ينسجم مع كلام ابن تيمية وابن القيم، أنه ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ هناك وجه آخر ذكره النسفي وهو "اهدنا في المستقبل" كما هديتنا في الحال. بنقول نعم، هذا كلام قريب من كلام ابن تيمية وابن القيم، أما ما نحتاج في المستقبل الهدايات نحن لم نحصلها بعد، فالنسفي في التفسير الثاني أوفق منه في التفسير الأول الذي بدأ به.
رحمة الله سبحانه وتعالى، هذا الفعل "يهدي" يتعدى إلى مفعول به، هل يأخذ مفعولاً به ثانياً؟ نعم، يكون قد يأخذ مفعولاً به ثانياً بنفسه، وقد يأخذ مفعولاً به ثانياً بواسطة حرف الجر، إما حرف الجر "إلى" أو حرف الجر "اللام". فمثلاً في كتاب الله سبحانه وتعالى في قوله عز وجل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا﴾. خلونا في الآية التي نحن فيها: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، أين المفعول به الأول؟ الضمير "نا" في أهدنا هو المفعول به الأول، وأين المفعول به الثاني؟ واضح.
لكن أحياناً المفعول به الثاني قد نصل إليه ليس مباشرة بل بواسطة حرف الجر، ومثل بأية ماذا؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا﴾، هنا المفعول به الثاني كيف أخذنا بواسطة حرف الجر اللام. فهذه الفائدة عربياً: "إليه" بنفسه كما في هذه الآية ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وقد جاء متعدياً إلى المفعول الثاني في بعض المواطن وبلا حرف جر في بعض المواطن، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا﴾، وهنا تعدى إلى المفعول به الثاني باللام، وقوله: ﴿وَقُل رَّبِّ إِنِّي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. شوف الفرق بين هذه الآية والآية التي بين أيدينا؛ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، الصراط هو المفعول به الثاني، بينما في الآية ﴿هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ هنا المفعول به الثاني ما جاء مباشرة، جاء بواسطة حرف الجر. وهذه التنويعات طبعاً لها مقاصدها في العربية، لكنها بدي أن أطول عليكم في البحر.
لو سألناك الله عز وجل ماذا قال؟ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. طبعاً ما أجمل، كما قلت، عبد الله وأمانة الله، أني لما تقرأ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ من اليوم فصاعداً تستحضر كل هذه المعاني التي تكلمنا عنها في المجلس، أكيد ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ سيكون لها طعم آخر إذا تفهمت كلام ابن تيمية وابن القيم وما معنى الصراط وما طبيعته والمواصفات الموجودة فيه، هنا أنت تقرأ القرآن بطريقة أخرى ليست الطريقة الاعتيادية التي اعتدت عليها طول حياتك.
الآن الله سبحانه وتعالى يريد أن يوضح أكثر ما هو هذا الصراط المستقيم وما طبيعته من خلال بيان من هم رواده، فأخبرنا أن الصراط المستقيم هو صراط الذين أنعم الله عليهم. طب الآن ما إعراب "صراط" الثانية الجديدة؟ "صراط الذين أنعم الله عليهم"، صراط الثانية بدل، والبدل هو لزيادة التوضيح هنا، المراد من زيادة التوضيح. طبعاً تعرف البدل أربعة: توكيد وعطف وزيادة وتوضيح. يعني كأنك قلت: اهدنا الصراط المستقيم، طب شو هو هذا الصراط المستقيم؟ فكان الله سبحانه وتعالى يزيده توضيحاً فيقول: الصراط المستقيم هو صراط الذين أنعم الله عليهم.
"صراط" الثانية بدل من الصراط، وهو في حكم تكرير العامل، الآن الآية السابقة ماذا كانت العامل فيها؟ "اهدنا"، صح؟ كأنك لما أتيت بالبدل كرمت العامل، فالتقدير: اهدنا الصراط المستقيم، اهدنا صراط الذين أنعم الله عليهم، كأنك كررت الفعل "اهدنا" مرة أخرى، وهكذا فلسفة البدل؛ العامل في البدل تكرر وهو نفسه العامل في المبدل منه، فكأنك قلت مرة أخرى: اهدنا صراط الذين أنعم الله عليهم.
رحمة الله تعالى، وفائدته والإشعارات؛ لماذا؟ لأن الصراط المستقيم تفسيره، الله فسر لنا الصراط المستقيم بأنه صراط الذين أنعم الله عليهم. يا جماعة، مش بالتدقيق ولا بشعرة بين مصر، هو هكذا كل كلمة محسوبة في هذه التفسيرات، هذه التفاصيل نحن نتعامل معها كما نتعامل مع المتون العلمية في المتن العلمي.
أنت كل كلمة تفسرها صح، كذلك هذه التفاسير المختصرة بتكون كل كلمة فيها إشارة، بدك تفهمها لحالها. فهو لما قال لك: «وفائدته أنه هذا فائدته التأكيد على الصراط المستقيم أنه الصراط الذي يرضى»، ثانياً: فائدة البدل هنا والإشعار، لأن الصراط المستقيم تفسيره بأنه صراط المسلمين هم المسلمين.
طيب برأيكم ليش الآية قالت: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بهذا الطول ولم تكن «اهدنا الصراط المستقيم» صراط المسلمين خلاص؟ يعني أكيد التعبير «صراط الذين أنعمت عليهم»؛ لماذا قال هكذا؟ الاختصار بدك تختصر «اهدنا الصراط المستقيم صراط المسلمين» إلى «صراط الذين أنعمت عليهم». ما هو الهدف؟ ما هي الفكرة من ذكر الإنعام هنا؟
يا شيخ محمد، من أي جهة أشوف أنا في القرآن صعب أكون خطأ، لأن الكلام في القرآن ثقيل، بس بدي شيء أوضح. خليني أقول، ما بقول خطأ، بس أعطيها يا شيخ أحمد. أحسنت، يعني اقتربت، أيوه، المعاني على الله فيهم.
أنت تريد الإنعام من الله سبحانه وتعالى. قليلاً في الأمور هنا في نوع من الإشعار؛ أحبابي، إن الإنعام هو ثمرة الهداية. إن أحدكم لما قال: «اهدنا الصراط المستقيم»، ثمرة أن يهديك الله الصراط المستقيم هو حلول هذه النعمة عليه. فهو يخبرك أن هدايتك للصراط المستقيم هي أعظم نعمة يمكن أن تحصلها في حياتنا. ما هي أعظم نعمة يمكن أن نحصلها؟ هل هي الطعام والشراب؟ هل هي الزوجة؟ هل هي البيوت الفارهة والسيارات؟ أعظم نعمة من الله في حياتي هي الهداية.
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ويريد أن يخبرك أنه هدايتك للصراط المستقيم هي نتيجتها أن تحصل على أعظم وأخطر نعمة في الحياة، وهي نعمة السلوك في درب الله سبحانه وتعالى. فهذا المعنى لم يصل إليك لو قال لك: «اهدنا الصراط المستقيم صراط المسلمين»، لكن متى وصل إليه؟ لما أنا أقرأ: «اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم».
أنعمت عليهم؛ أن هديتهم إلى الصراط المستقيم. فالهداية إلى الصراط المستقيم هي أعظم وأجل نعمة من الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ على وجه الإطلاق، ما قال: «أنعمت عليهم بالهداية» أو «أنعمت عليهم بالطعام والشراب»، قال: ﴿أَنْعَمْتَ﴾ على وجه الإطلاق لبيان أن النعيم المطلق الذي يستحق أن يسمى نعيماً هو نعيم أن تكون على هداية؛ تعرف ربك، تعرف سر وجودك، تعرف الهدف من الحياة، تعرف ما هو المطلوب وما هو المصير. هذه والله من المعاني الجميلة في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. عرفنا لماذا ذكر الإنعام هنا بحد ذاته؛ للإشعار بأن نعمة الهداية هي أعظم النعم التي يمكن أن ينعم الله سبحانه وتعالى بها على عبده.
أخرى هلا رحمه الله تعالى، وفائدته للتأكيد والإشعار بأن الصراط المستقيم تفسيره صراط المسلمين يكون ذلك شهادة صراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه. الإجماع؛ لأن الله إذا مدح صراط المسلمين، ما دام أنه ممدوح ومحمود عند الله، إذن هل يمكن أن يكون خطأ؟ لا. بالتالي إذا أجمع المسلمون، لا يمكن أن يكون الصراط الذي اتفق عليه المسلمون في قرون ممدوحاً ومحموداً عند الله ثم يكون خطأ، وإلا أصبح صراط المسلمين ممكن يكون صح وممكن يكون خطأ، وهذا غير مقبول ما دام أنه ممدوح. إذن دائماً صراط المسلمين الذين ماشيين عليه متفق عليه دائماً هو الصحيح، وهذا يتفق مع قوله: «ما رآه المسلمون حسنة فهو عند الله حسنة».
يكون ذلك شهادة صراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وأكده، وهم المؤمنون أو الأنبياء عليهم السلام، الذين أنعم الله عليهم. حقيقة يمكن أن يفسرها خلال آية أخرى بدون الحاجة إلى كلام الناس، هنا هناك آية أخرى يمكن أن تشرح لنا من هم الذين أنعم الله عليهم، من يأتي بها؟ في سورة النساء: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: 69]. هذا تفسير للقرآن، وهذا أفضل التفاسير وأكملها: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، بينها ربنا في سورة النساء: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾. هؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم، فحاول أن تبحث عن نفسك فيها، أكيد نفسك في المراتب الأخرى؛ أو من الشهداء، أو من الصالحين في جنات النعيم وفي الدنيا، أو الأنبياء.
هذه أقوال، لكن نحن لا نحتاج إليها؛ الذين أنعم الله عليهم، هؤلاء هم كل من كان على هداية من الله، من الصادقين، من الصديقين، والشهداء، والصالحين. هذه الأقوال التي ذكرها يمكن أن نستعيض عنها بتفسير ربنا سبحانه وتعالى في آية النساء.
أكمل، قال رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]. إن احنا قلنا بدنا نعرف ما هو الصراط المستقيم، فرضنا أكدوا ووضحوا لنا أكثر وأكثر لما قال: الصراط المستقيم هو صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهو ليس صراط المغضوب عليهم والضالين؛ هذا كله زيادة وإيضاح وكشف لعظيم أهمية الهداية، أنك تعرف أين سبيل الهداية. سبيل الهداية ليس أن تتبع اليهود والنصارى، وليس أن تواليهم ولا أن تضع يدك في أيديهم، ليس أن تتبع أماني وتشرع للناس تشريعاتهم، إنما الهداية أين؟ «اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم»، وكل من سلك طريق المغضوب عليهم والضالين في صفاتهم وأحكامهم وسننهم ومسيرهم فهو ليس على الصراط المستقيم، وإنما يُحمد الإنسان على قدر تمسكه بصراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
رحمه الله تعالى، بدل من الذين أنعمت عليهم، ما إعراب «غير المغضوب عليهم» أيضاً؟ أيضاً بدل. بدل من ماذا؟ ودائماً البدل بدك تبحث عن المبدل منه قبله. بدلاً من ماذا؟ قال بدل من «الذين» التي وردت في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، لما قلت: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من باب زيادة التوضيح، قال لك: صراط الذين أنعمت عليهم ليست هي صراط المغضوب عليهم، فهذا بدل آخر لزيادة التوضيح والكشف لبيان طبيعة هذا الصراط الذي سألت الله الهداية له، أنه ليس صراط المغضوب عليهم والضالين، فقال إذن هو بدلاً من «الذين» التي سبقت في المقطع السابق.
طيب، قال يعني إن المنعم عليهم هم الذين سلموا من غضب الله تعالى والضلال. سلموا من الغضب. ربنا قال، هي نعت صفة، يعني إيش؟ نعت. البعض هكذا قال إن «غير» إعرابها نعت وليست بدل، بس هذا الإعراب سيصطدم بمشكلة سيحاول الناس في معالجته؛ ما هي المشكلة؟ جمع بين النعمة وبين السلامة من غضب الله والضلال، وإنما سائل وقوع أهل الهداية هم الذين جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان والهداية، وسلموا من غضب الله والضلال، من جمع بين...
الخصيتين فقد تمت له الهداية.
الآن سيتكلم عن الإشكال في جعل «غير» نعتاً. ماذا قال رحمه الله؟ «وإنما ساغ وقوعه وصفاً للذين وهو معرفة». حب شوية، لأن «الذين» اسم موصول، والاسم الموصول هو من المعارف. «غير» هل هي معرفة ولا نكرة؟ غير معرفة، غير نكرة، وحتى لو أضيفت إلى معرفة.
إذا تذكر أسامة، قال رحمه الله تعالى: «وغير لا يتعرف بالإضافة إلى معرفة، بل هي نكرة». «غير» نعت للذين مع أنه غير نكرة، والذين معرفة. الآن يريد أن يعالج لك الموضوع، فقال: لأنه إذا وقعت «غير» بين متضادين؛ الحركة والسكون متضادين، صح؟ القائم غير القائد، القيام والقبول، إذا وقعت «غير» بين متضادين معرفتين تكتسب هنا التعريف، هذه حالة استثنائية.
طيب، في الآية برأيكم هل وقعت «غير» بين ضدين؟ يلا شوفوا العقود المسلمين. أحسنت، إن «الذين أنعم عليهم» هم ضد «المغضوب عليهم والضالين»، فـ«غير» وقعت بين ضدين؛ المنعم عليهم ما ضدهم؟ المغضوب عليهم. تقول لماذا مع أن الأصل أنها لا تتعرف بالإضافة؟ تقول لأنه إذا وقعت «غير» بين ضدين تكتسب التعريف، وهذا الذي وقع هنا، بالتالي يجوز أن نجعلها نعتاً؛ نعم، يجوز أن تجعلها نعتاً لأنها معرفة على هذا الوجه. خرج الناس في الموضوع.
قال رحمه الله تعالى: «ولأن الذين قريب من النكرة». نحن متفقون أن «الذين» صراط الذين، «الذين» ما عرفت، صح؟ لكن حتى ولو كانت معرفة فيها شيء من الإبهام؛ يقولون الأسماء الموصولة فيها نوع من الإبهام، حتى ابن الجرامة لما ذكر المعارف قال: «والأسماء...»، المهم، أسماء الإشارة والموصول، فالأسماء الموصولة حتى ولو كانت من المعارف يبقى فيها شيء من الإبهام، رحمه الله تعالى، لأنه لم يرد به قوم بأعيانهم، لأن كلمة «الذين» لا تدل على أناس معينين، تدل على صفات لكن لا تدل على شيء معين.
«المغضوب عليهم» يعني حتى لو قلنا إن «غير» هنا نكرة ولم تتعرف بالإضافة، لكن الإضافة أفادتها شيئاً من التخصيص، كأنه كل واحد مشى الثاني شدة، أقول لك: «الذين» معرفة بس فيها شوية إبهام، و«غير» نكرة بس فيها شوية تعريف، فلما هذا قرب شبر وهذا قرب شبر، جاز. هذا بها، لأن هذه فلسفة في اللغة؛ «الذين» ماشي معرفة لكن فيها شيء من الإبهام، و«غير» نكرة لكن فيها شيء من التخصيص لما أضيفت، فلما هذا اقترب من التنكير وهذا اقترب من التعريف، جاز أن يوصف. هذا الوجه الأول.
قال رحمه الله تعالى: «وغير المغضوب عليهم». الثاني، أنا أدعم حتى الكلام، شوف أحياناً حياتنا العلمية كنا نسمع كلاماً قبل أوانه في اللغة، وكان أحياناً يشعر فيه شيء من الصعوبة، أصبحنا مباشرة نفهم الكلام الذي قيل لنا سابقاً. جيد أن تسمع كلاماً أعلى شيء مما وصلت إليه علمياً، لأنه هذا الكلام في يوم من الأيام قد تفهمه في وقته المناسب، فلا إشكال ولا تشعر، فالكلام العالي يرفع من ذائقتك العلمية والفهمية. بعض الناس فقط يريد الكلام السهل، لا، طالب العلم حتى في الدرس حتى بتفكر في الطباخ والشرب لا يعلم الله... يمكن تشغله من القوى الذهنية.
وعليهم؛ الأولى محلها النصب على المفعول، «أنعمت عليهم»، كلمة «عليهم» لكنها في محل المفعول به، «صراط الذين أنعمت عليهم»، «أنعمت عليهم» من حيث المحل. وأما «المغضوب عليهم»، الثانية، شكراً يا صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم، برضه إذا «عليهم»، كم مرة تكررت؟ مرتين، المرة الأولى كانت مفعولاً به، وفي المرة الثانية كانت في محل الفاعلية؛ لأن «المغضوب» اسم مفعول، واسم المفعول يرفع نائب فاعل، والثانية قال في محل الفاعلية، وهذا كلام في اللغة.
طيب، لو سألتكم سؤالاً من باب تشغيل الذهن، سبحانه وتعالى قال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فذكر الفاعل، صح؟ لكن لما جاء للغضب فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، المغضوب عليهم منهم اليهود، صح؟ وكل من سار على خطاهم، طيب لماذا لم يقل «غير الذين غضب الله عليهم»؟ لما جاء لمقام الغضب حذف الفاعل، من هو الذي غضب عليهم؟ ولم يذكر من الذي غضب مع أننا نعلم به، ذكر.
لماذا؟ تحقير لهم، هذا مقصد، أحسنت. من باب التحقير لهم لم يذكر حتى من الذي غضب عليهم. لكن في النهاية، إن الله سبحانه وتعالى لكن في مقام العقاب والجزاء أحياناً يذكر نفسه إذا أراد الإرهاب والتخويف، وأحياناً لا يذكر نفسه. طيب، لهذا المقطع، من يعطيني آية أخرى في القرآن تشهد لهذه الفكرة؟ هناك آية في سورة مشهورة تشهد لهذه الفكرة، أن الله في مقام الخير والإحسان يحب أن يذكر اسمه، وفي مقام الغضب والشر -وإن كان هو صاحب الأمر- لكن لا يحب أن يذكر نفسه في مقام الشر أو في مقام العقاب.
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أحسن، سيدنا إبراهيم لما تكلم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، نسب كل شيء إلى الله، «يطعمني»، لكن لم يتكلم عن المرض، ماذا قال؟ ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، مع أنه لو قال «وإذا أمرضني فهو يشفين» لكانت صحيحة، لكنه لم يقل «وإذا أمرضني»، قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾.
طيب، في آية أخرى برضه، ممتاز، أحسنت، ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾، من الذي أراده؟ أم أراد بهم ربهم؟ لكنه لم يذكر الفاعل في باب الشر، وهذا من باب التقديس مع الله سبحانه وتعالى. في سورة الفاتحة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ذكر نفسه في الإنعام، لكن لما ذكر الغضب قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يذكر نفسه في مقام الغضب، فهذا معنى جميل.
قال رحمه الله تعالى: «وغضب الله إرادة الانتقام من المقتدين». أنبأ على قضية أخي، الإمام النسائي رحمه الله عليه هو عالم مفسر ورجل رائد، لكن عند بعض الأخطاء العقدية، لأني رأيت أحد الإخوة علق على مقطع الدرس السابق: كيف تشرحون بهذا؟ الجهمية الظالمة! إذا نتعامل بهذه الطريقة مع العلماء، هذه طريقة مزرية. نعم، نحن نعرف أنه في أخطاء عقدية وقع فيها النسائي رحمه الله عليه، لكن هذا إياك أن يجعلك تقلل من مقامه واحترامك لهذا العالم الذي له أيادٍ عقلية، إما يا أبيض يا أسود، هذه ليست طريقة طالب العلم في التعامل مع العلماء أقدام الأمة، وقع فيها الخلاف.
لما مات عمر بن الخطاب بدأت الفتنة، واختلف العلماء وحدث النزاع الذي حدث بين الأمة. أنا وظيفتي كطالب علم ماذا أفعل؟ أولاً: أنصر عقيدة أهل السنة والجماعة وأدافع عنها وأنشرها، بالتأكيد هذا حق واجب. ثانياً: العلماء الذين أخطأوا ممن نعلم أنهم...
قصدوا الخير لكنهم لم يصيبوا، فأبين خطأهم وأعذرهم عند الله سبحانه وتعالى وأترحم عليه. أما عقلية الإسقاطات العنيفة الحادة هذه ليست من دأب العلماء؛ يعني حتى من النظر في سير ابن تيمية وابن القيم وهؤلاء، هل ستكون أعلى من ابن تيمية في الرد على المخالفين؟ ما أظنك وصلت إلى هذا، لكن انظر إلى أدبه عندما يتكلم عن الغزالي ومخالفيه من دخلوا في هذا الميدان، ومنظر احترامه لجهود الآخرين.
هذه الشخصية يجب أن تنالها يا طالب العلم؛ قدرتك على التوازن النفسي في فهمك لعقيدة أهل السنة والجماعة والدفاع عنها هذا موضوع، وقدرتك على احترام العلماء الذين أخطأوا في شيء من مسائل الاعتقاد والتماس الأعذار لهم هذا موضوع آخر. أما أن تظن أنك بهذه الطريقة وبهذا التهجم تدافع عن العقيدة الحق، فهذا ليس صوابًا وليس مسلك الرشيد، نسأل الله الهداية للجميع.
الذي أتى بهذه القضية هنا، عرفنا أن الإمام يسير على طريقة المعتزلة في العقيدة، والثاني عندهم مشكلة مع مجموعة من صفات الله سبحانه يفسرونها بشكل خاطئ، فمن ذلك الرحمة؛ فسروها بإرادة الإنعام، كذلك صفة الغضب، فسر الغضب بماذا؟ أرادوا الانتقام. يجعلون هذه الصفات الفعلية كالرحمة والغضب وغيرها يجعلونها تعود إلى صفة الإرادة، ما في صفة مستقلة اسمها صفة الغضب؛ يقول لك الغضب تعود إلى الإرادة والرحمة تعود إلى الإرادة. لكن ما الفرق بين الرحمة والغضب إذا كلاهما يعود إلى الإرادة؟ إن الرحمة إرادة الإنعام، لكن الغضب إرادة الانتقام.
هذا خطأ، لأن إرادة الانتقام هذا أثر من آثار الغضب، وأما الغضب فهي صفة حقيقية تقوم في ذات الله سبحانه وتعالى ولا نخوض في تكييفها. فالرحمة والغضب والاستواء والنزول والضحك، كلها صفات لله سبحانه وتعالى بدون الحاجة إلى هذه التأويلات. كل واحد موضوع مستقل، فهذا التفسير يتوافق مع عقيدته فنرفضه.
تفسير صفات الله سبحانه وتعالى كأنما قال إنها مشاعر وجدانية داخلية؛ لأن الشعور الوجداني لا يمكن لأحد أن يجهلها. فالغضب شعور، وإنما نحن نرى آثاره. رحمة الله تعالى وغضبه؛ الله أراد به الانتقام من المكذبين بالعقوبة بهم، وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب، فغضبُه علامة.
هناك منطقة كبيرة، لماذا اليهود عليهم الغضب، والنصارى عليهم الضلال؟ الفرق بين اليهود والنصارى أن اليهود عندهم علم لكنهم لم يعملوا بعلمهم فاستحقوا الغضب، والنصارى يغلب عليهم الجهل فعبادتهم على جهل، فعبدوا الله على جهل. كلاهما في النتيجة واحدة وهي الكفر، لكن اليهود عن علم والنصارى عن جهل؛ فلذلك عبر عن اليهود بالغضب وعن النصارى بالضلال، لأن اليهود يغلب عليهم العلم ولكنهم لا يعملون بعلمهم، والنصارى يغلب عليهم الضلال، ووصلوا إلى نفس النتيجة وهو الكفر.
قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، "الزائدة" هنا يعني المراد منها التوكيد للمعنى، أي غير المغضوب عليهم وغير الظالمين.
ابن عباس رضي الله عنهما سُئل عن معنى "آمين"، وهي كلمة فيها الكثير مما وضع، فأنتبه على هذا الخطأ الشائع؛ أن بعض الناس يشدد الميم، لكن "آمين" مبنية على السكون، بدون مد. بعض الناس يمدها بالألف، والأصل هو القصر، وأما المد فهو إشباع لحركة الهمزة. «اقرأ ويرحم الله عبداً قال آمين»؛ هذا شاهد على الإشباع، وقال مثال على القصر: "آمنة فزاد الله ما بيننا بعد عين"، أتى ببيتين؛ البيت الأول فيه إشباع والبيت الثاني على القصر.
قال صلى الله عليه وسلم: «لقنني جبريلها عند قراءة فاتحة الكتاب»، قوله "على الكتاب الخاتم" ليس من القرآن، بدليل أنه لم يضبط المصالح من القرآن. وفي قضية بعض الأخلاق، المفصل من كتاب الله فيه معاني التوحيد والعقيدة أكثر من سورة البقرة، من المفصل من القدر إلى الناس.
أنا هذا الخائف منه هو أن المفصل تعالج العقيدة بشكل أكبر، لذا أرتقي أن أبتدي بالسور القصار فننهيها تماماً، ثم نعود ونعرج على سورة البقرة ونبدأ المشوار. قلت لكم درس التفسير لا تسألني مثلاً هذا نفس العمر؛ كلام ربنا سبحانه وتعالى.
الدرس القادم إن شاء الله بعد ما نبدأ بالحجرات، وصلى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل