دخولتسجيل الدخول

المجلس الخامس - سورة الحجرات

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الذاكرين الشاكرين، وأصلّي وأسلّم للعالمين، نبينا وحبيبنا وقرة عيوننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله الإخوة والأخوات جميعاً في مجلس جديد نعقده، فوائد القرآن ننتقيها، وعلى كلام ربنا سبحانه وتعالى نستمع، في مجلس تحفه الملائكة وتغشاه الرحمة وتتنزل فيه السكينة، وفي يوم من أيام الله سبحانه وتعالى. نحمد الله عز وجل أن أعاننا على أن نلتقي على كتابه.

في هذه الأسواق العلمية، الله سبحانه وتعالى ما زال يمدنا بفضله ويمنحنا التوفيق للإقبال على مجالس التعلم، فنعوذ بالله من الحول بعد القوة، ونعوذ بالله من الانتكاس بعد الإقدام، ونسأله سبحانه وتعالى أن يمنحنا العزيمة، وأن يمنحنا الصحة والعافية، وأن يمنحنا أن نستطيع به الاستمرار في إقامة هذه المجالس والمداومة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

استحضروا إخواني وأخواتي الكريمات هذه الخطوات التي خطوتموها باتجاه هذا المجلس؛ فإن الشيطان كما قلنا كثيراً لا يدخل السعادة والملانة على طالب العلم ذهاباً وإياباً، فيقول: "إلى متى الذهاب والعودة؟". سنقول: الذهاب والعودة إلى مدارس العلم حتى نلقى الله، الذهاب والعودة إلى مجالس العلم.

صدق الله سبحانه وتعالى، طالب العلم من كتاب إلى كتاب، ومن مصنف إلى مصنف، ومن رحلة إلى رحلة، ونسأل الله أن يقبض الأنفاس في هذه الطريق التي يخطوها إلى مولانا. ومن يخرج من بيته مؤاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله، وخاتمته في حدود مجلس أو في طريقه، فإنها والله من أعظم الأمور ومن أدبها، فنسأله على هذا النهج، وأن لا يشغلنا بالدنيا كما انشغل بها كثير من الناس.

الله سبحانه وتعالى هو المبتدأ، وشعارنا دائماً نستعين بهذه الآية التي شرحناها في مطلع الفاتحة، وهي شعار: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. كما تم الاتفاق مسبقاً، قرأنا في مدارسنا شرحاً ميسراً من بداية سورة البقرة، والفكرة من ذلك تتجلى في عدة أمور.

أولاً: أننا بكتاب الله سبحانه وتعالى نحاكي الصحابة الكرام. والبقرة ليست هي من أول ما نزل على الصحابة، وإنما نزلت في المدينة لتشرع الأحكام، وحتى يتأثر المسلم بكتاب الله سبحانه وتعالى ويشبع بروحه كما شبع به الجيل الأول. نحن نحتاج محاكاة طريقة التربية، والصحابة في دار الأرقم بن أبي الأرقم، الجيل الأول في مكة، إنما نشأوا على المفصل، إنما نشأوا على هذه السور القصيرة ذات الآيات العظيمة المعاني.

فلذلك ينبغي على طالب التدبر وطالب التفهم لكتاب الله أن يطلب ابتداءً تفسير هذه الآيات وتطلب معانيها؛ فإنها تتضمن أصول الاعتقاد، وأصول الأخلاق، وأصول القيم، وأصول المعاني القلبية التي يحتاج المسلم أن ينشئ عليها قلبه. إن البدء بالسور الطويلة التي تتكلم عن أحكام الصلاة والطهارة والطلاق والظهار والنساء والمواريث وما شابه ذلك، قد يجعل المرء يؤسس نفسه وإخواني على أحكام فقهية متأخرة، ويطول المسير فلا نستطيع الوصول إلى السور المتقدمة في التنزيل.

الهدف الثاني: لماذا نبدأ من المفصل؟ لأننا في مجالس التفسير عندما يبدأ المفسر بشورات طويلة، فربما يجلس شهراً أو سنة أو سنتين في تفسير البقرة وآل عمران، فتفتُر به العزائم. فالطالب لا يفيد الأساسيات بالكثير، فربما حاول الكثير منكم أن يشرع في تفسير كتاب الله، فبدأ بنفسه كثيراً، وبدأ بسورة البقرة وقضى في تفسير سورة البقرة فتجد البقرة كثيرة، ما مررت على تفسيرها لكنك انقطعت قبل أن تصل إلى نهايتها.

فقلنا نحن من باب تحفيز الإيمان: دعونا نبدأ من خصال المفصل، لأن الإنجاز سيكون سريعاً، تنتج السور بعد الأخرى في ثلاث أو أربع أو خمس مجالس، فتكون أنجز سورة، ومن تحت إلى السورة التي تليها، فتشرب الإنجاز، وفي نفس الوقت تمر على معاني العقيدة وأعمال القلوب، والديّات من الأساسيات التي نشأ عليها الصحابة الكرام؛ فهكذا يحاكي في تربية قلوبنا تربية أوليائهم، وفي إيماننا إيمانهم، فيلجأ الإنسان محباً لكتاب الله سبحانه وتعالى. ولذلك بعد الاستشارة والنظر وجدت أن هذا النهج قد يكون أفضل وأسلم لطالب العلم وللمسلم مما يريد أن يقبل على تدبر كتاب ربه سبحانه وتعالى.

أما ما هو المفصل؟ أحبابي الكرام، اختلف العلماء في بدايته، ما هي أول سورة من المفصل؟ والخلاف يسير؛ فبعضهم قال المفصل يبدأ من سورة ق إلى الناس، وبعضهم قالوا يبدأ من الحجرات إلى الناس، يعني هذا هو الخلاف المشهور، وهناك أقوال أخرى، لكن أشهر الأقوال: هل المفصل يبدأ من سورة قأم أم يبدأ من الحجرات؟ الخلاف بين أهل العلم يسير.

والمفصل معانيه الاعتقاد والأخلاق والقيم، هي تفصيل لـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، هي التفصيل الأساسي لـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وإن كانت سور القرآن تفسر هذا الصراط المستقيم على بلحة من أنحاء، لكن كما يقولون: سور المفصل تضمنت مجمل هذا التفصيل تماماً. وسنبدأ إن شاء الله بسورة الحجرات، يعني سنعتبر أن المفصل يبدأ من سورة الحجرات.

والمفصل ينقسم إلى طوال وموسط وقصار؛ فهناك طوال المفصل، ثم به وسط، من سورة عمّ وحتى سورة الضحى، هناك تنتهي الأوساط، ثم بعد ذلك قصار المفصل من سورة النبأ إلى الضحى، هذا يسمى اختصار المفصل. ومن أسباب تسميته بالمفصل أن جلّ آياته قصيرة، فالآيات فيها فواصل كثيرة، ليس هذا هو الدائم لكنه شائع فيها، خاصة في جزء عم، مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾، الآيات فيها فواصل كثيرة، فلذلك سميت مفصلاً لأن فيها تجزؤات كثيرة، بخلاف سورة البقرة والنساء التي تكون آياتها طويلة قد تكون من أربع أو خمس أسطر.

وهناك معانٍ أخرى للتسمية، لماذا سمي المفصل؟ قالوا لأنه يفصل معاني الاعتقاد والقيم التي يحتاجها المسلم في حياته، وننتهي إلى الناس إن كان لنا نصيب وعمر في هذه الحياة. ثم بعد ذلك من سورة البقرة نبتدي إن شاء الله، ولكننا سنبدأ من سورة الحجرات.

سورة الحجرات، أحبابي الكرام، كما قال أهل العلم هذه سورة عظيمة فخمة في معانيها، وهي ترسم ملامح العالم الذي أرادت الشريعة الإلهية أن يسود في الأرض. سورة الحجرات تتكون من ثماني عشرة آية، هي قصيرة من حيث العدد لكنها فخمة وعظيمة من حيث المعاني؛ لأنها ترسم ملامح العالم الذي أرادت الشريعة الإلهية أن يسود في هذه الأرض. وهذا العالم ملامحه كما سنمر عليه الآن، يتكون أولاً من عالم الكلمة، الأول والأخير فيه لله سبحانه وتعالى، فلا يوجد شيء يقدم بين ﴿قَالَ اللَّهُ﴾ و ﴿قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ﴾، هذه أعظم قاعدة منهجية في حياة المسلم أثبتتها سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا...﴾.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1].

أول ملامح سورة الحجرات هي أن الله سبحانه وتعالى وضع ملامح لعالم يريد أن يسود في هذه الأرض. المعنى الأول هو ألا يتقدم أحد، لا عقل ولا دور ولا هوى، بين ما قال الله وما قال رسوله ﷺ.

ثانيا، العالم الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يسود ملامحه هو عالم يقوم على الصدق والمعلومة، وليس على الكلام والفنون؛ وهذا يمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. فالله سبحانه وتعالى أراد للمؤمنين التثبت والتفكر وسلوك منهج علمي في هذا الموضوع.

ثالثا، إن الله سبحانه وتعالى أراد أن يبنى العالم في جانب أهل الإيمان على ابتغاء إبعاد الخصومات والنزاعات، وأن تكون العلاقة التي تسود بين المؤمنين هي الأخوة الإيمانية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10]. لم يرد الله سبحانه وتعالى أن تكون رسالته هي الخصومات والخلافات، وإنما يريد منا أن نبني مجتمعاتنا على الصلاة وعلى التماسك، ونحاول دائما أن ننهي الصراعات الداخلية لنتفرغ للجبهات الخارجية.

المعنى الرابع، إذا كان أخوك حاضرا، فما هي العلاقة معه؟ عدم السخرية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾ [الحجرات: 11]، وعدم اللمز، ولا تلمزوا أنفسكم، وعدم التنافس في الألقاب: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11].

وإذا كان غائبا، فما هي العلاقة؟ أولا: عدم التجسس: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]. ثانيا: عدم الغيبة: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12]. وثالثا: اجتناب كثير من الظن: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ ۖ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12].

بعد ذلك، الإيمان ليس على الأجناس ولا على الألوان ولا على الأصناف، وإنما أساس التقدم فيهما هو: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. فالتقوى هي ميزان التقدم في ميزان الله سبحانه وتعالى. هذه هي الملامح الأساسية التي رسمها رسول الله ﷺ في سورة الحجرات لهذا العالم الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يسود.

هذا العالم يقوم على الإيمان، والإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، وإنما هو عمل. ولما قالت الأعراب: «آمنا ولم نؤمن»، قال الله تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14]. فما حقيقة الإيمان؟ فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15].

هذه السورة تعني أن أعظم نعمة أنعم الله بها عليك أيها المؤمن في هذه الحياة هي الرزق بالإيمان والإسلام. إياك أن تمنّ على الله بإيمانك، أو تمنّ على الله بفهمك، أو تمنّ على الله بإسلامك، بل الله هو الذي يمنّ عليك: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 4]. هذه هي خلاصة سورة الحجرات لمعالم المجتمع المسلم.

ثم بعد ذلك بيان طبيعة الإيمان أنه ليس بالتحلي ولا بالتمني وإنما هو عمل، ثم ختمها في بيان أن أعظم النعمة يمكن أن تحصلها في حياتك هي نعمة الإيمان والإسلام، وأنها منّة من الله عليك وليس شيئا تكتسبه بجهدك ابتداء.

سورة الحجرات كما قلنا مؤسسة لمجتمع فاضل، وأنت تدرك أن مجتمع الصحابة رضي الله عنهم لم تكن تسود فيه الفضيلة مباشرة، وإنما اجتمعوا وتربوا على هذه المعاني وتعلمها وترعرعوا عليها، فعندما علمها النبي ﷺ أصحابه، نشأ المجتمع الفاضل؛ مجتمع تسود فيه روح الأخوة، مجتمع علاقاته مع الله ورسوله، مجتمع فيه تودد ومحبة، الإنسان يشعر فيه بخطئه ومسؤوليته، مجتمع لا يوجد فيه هوى ولا توجد فيه نفوس مادية، وإنما نشأ من خلال التربية.

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين. قال رحمه الله تعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.

يا أيها الذين آمنوا، بعد البسملة، أول شيء بدأت به سورة الحجرات هو الخطاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: «إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا، فاعمل لها سمعك؛ فإنها إما أمر بخير فاعمل به، أو نهي عن شر فانته عنه».

ماذا سمعت الله في كتابه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؟ هذا نداء، لكن الله خاطبنا بالإيمان ليستثير هذه المعاني في نفوسنا. فإذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فاستعد، فإنه إما أمر بخير يؤمر به، أو شر ينهى عنه. هذه قاعدة نتعامل بها مع كتاب الله؛ متى سمعت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فقل لبيك يا الله، فهناك رسالة يريد الله سبحانه وتعالى أن يوصلها لي ولك، فعليك أن تنتج معناها.

الرسالة الأولى في سورة الحجرات هي: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وهي أعظم الرسائل التي تربى عليها الصحابة الكرام. إياك أيها المسلم وأيتها المسلمة أن تقدموا أي شيء بين أمر الله ورسوله؛ إياك أن تقدم عقلك، أو شهوتك، أو اختياراتك، أو ما تنظر به أو تثق بنفسك على حساب الله ورسوله. إياك إذا وجدت الله سبحانه وتعالى قد حكم في قضية، أن تسمح لإنسان يقول أمامك شيئا يخالف ما قال الله وقال رسوله، فتسمع له وتحترم رأيه وتجعل له مكانا.

هذه القاعدة هي التي نشأ عليها الصحابة، لذلك لم يقدّموا نفوسهم ولم يقدّموا شهواتهم وأهواءهم؛ بل كانوا وقاقا عند كتاب الله كما وصف عمر رضي الله عنه. حتى قيل إن سبب نزول هذه الآية أن أبا بكر وعمر اختصما بين يدي رسول الله ﷺ لما جاء وقت بني تميم، فقال أبو بكر: يا رسول الله، امر عليهم فلانا، فقال عمر: يا رسول الله، امر عليهم شخصا آخر، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا مخالفتي، أي أن الموضوع بيني وبينك يا عمر ولكن لي نظرة أخرى، فنزلت هذه الآية.

الآية وعيد وتأديب لكبار الصحابة، فما بالكم بحالنا؟ إنه لا تقدم. كان رسول الله ﷺ أراد أن يبرم أمرًا في هذا الموضوع، وأبو بكر وعمر استعجلا في المناقشة، فجاءهم الأمر والتوجيه من الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]. وهذا لما أبي عمر، فما بالكم بمن هو دونهم في المنزلة والاتباع؟

إنها قاعدة منهجية عامة تتفق عليها في حياتنا، أن أمر الله وأمر رسول الله ﷺ يجب أن يُمتثل، سواء على مستوى الأفراد في حياة كل شخص منا، أو حتى على مستوى الجماعات والدول والأمم؛ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله. وسيأتي معها كلام النسبي؛ لا تقدموا ماذا؟ هل ذُكر المفعول به؟ لا، لم يذكر شيئًا. لا تقدم عقلاً، لا تقدم رأيك، لا تقدم هنا، لا تقدم شهوة ولا طريقًا؛ المفعول به حُذف ليدل على الإطلاق والعموم. وكان المعنى: لا تقدموا أي شيء بين يدي الله ورسوله.

وهذا عنده آية أخرى في كتاب الله، ومن يأتي بها؟ القرآن يفسر بعضه بعضًا، وجميل ضرب معاني كتاب الله بعضها ببعض. من يأتي بآية مفهومها يتفق تقريبًا مع قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؟ إذا قضى الله ورسوله أمرًا، فليس لهم الخيار من أمرهم. هناك آية ثابتة ممكن تؤكد هذا المعنى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. إذا دعوا إلى الله ورسوله فليقلوا: سمعنا وأطعنا.

هذه الآيات تكمل بعضها بعضًا، وتوضح معناً عظيماً في النفس الإنسانية، وهو معنى التسليم. ذلك لما أخذنا من شروط "لا إله إلا الله" في دول المدارس كلها، من شروط "لا إله إلا الله" هو الانقياد والتسليم؛ "لا إله إلا الله" سلوك عملي في حياتك. هذا المعنى تكرر في كتاب الله سبحانه وتعالى في مواطن متعددة، كل مرة بأسلوب آخر. كانت العبارة واضحة ومباشرة: لا تقدم أي شيء أيها المسلم، وأيتها المسلمة، بين أمر الله ورسوله. لا تدر أمرًا حتى تعرف حكم الله، فلا حكم لغيره.

بهذا يهمنا في كثير من الجوانب، وفي جانب العقيدة؛ لماذا نقول عقيدة أهل الحديث، عقيدة أهل السنة والجماعة، العقيدة الحقة؟ لأن أبناءها وأساسها هو الوحي، بخلاف عقائد المتكلمين التي بنيت على العقل، فإذا جاء العقل وخالف الوحي فعدوه في عقائدهم وفي مقرراتهم. ما الذي يقدم العاقل إذاً؟ أنت الأول، لا تقدم بين يدي الله ورسوله. إذا قال الله وقال الرسول، فما يُقدم هو قول الله وقول الرسول، ليس عقله، وليس ما قال أرسطو ولا أفلاطون، ولا ما قالوا فلاسفة الفرس والهند، ولا ما قاله أحد.

السمو هو العقد والتقديم لله ولشرعه، لا لآراء البشر ولا للشريعة الوضعية أمام حكم الله ورسوله. ذات القيم، فما يجوز للطفل والمرأة والأسرة، ما قالهما وما قدره الله هو الذي يقرر، لا ما قالته الطوائف أو الأمم المتحدة. معاني عظيمة جداً في هذا النص القصير: «لا تقدموا بين يدي الله ورسوله»؛ منهج حياة، هذه الجملة هي منهج حياة ورؤية واضحة للمسلم وللمجتمع، ولولي الحكم الأول والأخير في مجتمعاتنا وفي حياتنا.

أي مجتمع يقوم على هذا، وأي أسرة تقوم به، وهي التي امتثنت قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]. يعني لو سألتك: "اهدنا الصراط المستقيم" في سورة الفاتحة ما ترجمتها؟ ترجمتها: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله. لكننا قلنا إن الصراط المستقيم في سورة الفاتحة جاء جملة، والقرآن كله يفسر بعضه بعضًا؛ الصراط المستقيم ما هو؟ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7]. وما هو "لا تقدموا بين يدي الله ورسوله"؟ وما كان المؤمن ولا مؤمنة، "وربك لا يؤمنون حتى يحاكموك فيما شجر بينهم"، هذا هو الصراط المستقيم. الصراط المستقيم ليست كلمة تقولها في الصلاة وينتهي الأمر، هي منهج حياة، عليك أن تعرف ثمنه وغربته، لكنه في النهاية سعادة وراحة وكمال.

قال ابن عباس في تفسيره لهذه الآية: «لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة». انظر كلام ابن عباس يصف الاتجاه، لا نتكلم فيه؛ "لا تقدموا بين يدي الله ورسوله" ماذا قال في تفسيرها؟ "لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة وأقوال السلف". تفسيرها يمكنكم أن تراجع تفسير ابن جرير وغيره من التفسير الذي يهتم بالآثار، ولكن أعجبتني هذه الكلمة لابن عباس: «لا تقولوا خلاف كتاب الله ورسول الله ﷺ».

من الناحية اللغوية، فإن "قدم" إذا اقترنت بالهمزة "أقدم" أو بغيرها، ففي قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾، وحذف المفعول به، يتناول كل ما يقع في النفس مما يقدم من القول أو الفعل. والنهي متوجه إلى نفس التقدم، كقوله: «وهو الذي يحيي ويميت»، أو هو من "قَدِمَ" بمعنى تقدم، كقولنا: "مقدم الجيش" وهي الجماعة المتقدمة منه، ويؤيده قراءة يعقوب: «لا تَقْدُمُوا» بحذف الهمزة.

هذا الكلام بصورة مبسطة هو كلام سهل، لكن قد يستطيبه من ليس عنده خبرة كبيرة. لننظر في الفعل "قَدِمَ"؛ ما نوعه؟ هل هو ماضٍ أم مضارع؟ الفعل "قَدِمَ" في العربية له معنيان: الأول يأتي بمعنى وضع شيئاً أمام شيء، مثل: "وضعت الجوال أمام المايك"، في هذه الحالة "قدمتُ الجوال" ويكون فعلاً متعدياً يأخذ مفعولاً به.

أما المعنى الآخر، فهو بمعنى "تقدم"، أي وضع نفسه في الواجهة، ليس بمعنى وضع شيئاً أمام شيء، بل بمعنى أنه هو نفسه تقدم، كما نقول: "فلان مقدم"، أي تقدم بنفسه. فإما أن تأتي بمعنى وضع شيئاً أمام شيء وهنا تأخذ مفعولاً به، وإما أن تأتي بمعنى هو بنفسه تقدم، وفي هذه الحالة لا تأخذ مفعولاً به.

واضح الكلام، إذا ما هو المعنى الأول الذي قدمه؟ وضع شيئاً ما، كان شيئاً، وهذا هو الاحتمال أن يكون «لا تقدم»؛ تقدم فعل مضارع، بعضها أيش قدم؟ يقدم. ولاد لا تقدم، إذا قلنا تقدم من «قدم» الذي بمعنى وضع شيئاً أمام شيء، لا تضعوا شيئاً أمامه أمر الله، فإذا كنا «قدم» في الآية بمعنى وضع شيئاً أمام شيء، يكون الله ينهى أن نضع أي شيء؛ عقل، هوى، ثور، شهوة، نضعها بين يدي أمر الله ورسوله.

وإذا كانت على المعنى الثاني، «قدم» بمعنى تَقَدَّم بنفسه، فماذا يكون معنا؟ «لا تتقدموا»؛ أي لا تتقدموا أنتم بأنفسكم أمام أمر الله ورسوله. وسنلاحظ أن المعنى يؤول إلى المعنى الأول، أي ما معنى لا تتقدم أنت بنفسك إن لم تقدم عقلك وهواك؟ فالمعنى متقاربة، لكن علماء التفسير صوّروا أن «قدم» أكثر من وجهة نظر في التفسير.

يقول النسفي: «أما أن تكون بمعنى وضع شيء أمام شيء، وفي هذه الحالة سيكون (قدم) إلى مفعول به، لأنه وضع شيئاً أمام شيء». إذا قلنا «قدم» بمعنى وضع شيئاً أمام شيء، أين المفعول به في الآية؟ «لا تقدموا»، لا نقدم إيش يا رب؟ ما الذي لا نضعه أمام حكمه؟ هذه المفعول به باختصار مذكور محذوف.

أما للتعب هنا، فالحرف المتعدد الدلالة على العموم، فلما ربنا قال «لا تقدموا» وحذف المفعول به مع أن الأصل أن يذكر، أراد بذلك أن يدل على العموم؛ أي شيء، حتى تفهم أنه يريد منك العموم حتى لا تخص شيئاً ولا تستثني شيئاً.

هذا المعنى الأول، أما على المعنى الثاني، إذا قلنا «لا تقدم» بمعنى «تتقدم» هنا، هل سنحتاج إلى مفعول به؟ لا، لأنه دخلنا في المعنى الثالث، «قدم» والفعل يتقدم أو تتقدم، لا يأخذ مفعولاً به. فبالتالي ما في شيء ثاني في التفسير الثاني، وإن كان المعنى الثاني يؤول إلى المعنى الأول؛ لأنه إذا كان المعنى «لا تتقدموا بين يدي الله ورسوله»، فما معناها؟ أنك لا تقدم عقلك، فإنا رجعنا للمعنى الأول لكن بطريقة ما يسمى في علم المنطق بدلالة الالتزام، أحياناً هناك ما يسمى دلالة المطابقة وهناك دلالة الالتزام، هنا عدنا إلى المعنى الأول من خلال دلالة الالتزام.

إذن، تكون «تقدم» إما من الفعل «قدم» إذا وضع شيئاً أمام شيء، ونقول إن «تقدم» هنا بمعنى لا تتقدم بنفسك ولا يوجد مفعول به محدود. بس بدي أرجع، نحن قلنا «قدم» الأولى بمعنى وضع شيئاً أمام شيء وتحتاجه مفعول به، وحذفنا المفعول به ليدل على العموم أنه لا يجوز أن تقدم أي شيء. لكن أحياناً من أساليب العرب في بلاغتها يقولون: الفعل المتعدي يجوز أن يعامل معاملة الفعل اللازم إذا قصدت النهي عن نفس الفعل دون النظر إلى المفعول به.

سأعطيك مثالاً حتى تتكرر لك الصورة؛ أنا عندما أقول لك: «لا تبصر اللوحة»، هنا أنا أدخلت المفعول به، صح؟ لو قلت لك: «لا تبصر»، ولم أدخل المفعول به هنا، يوجد احتمال أول أنني حذفت المفعول به، واحتمال آخر أنني أريد النهي عن نفس عملية الإبصار بغض النظر عن المفعول به؛ فيكون المفعول به ليس مقدراً، يعني لن يلتفت إليه ابتداءً لأن النهي منصب على نفس الفعل، وهو نفس الإبصار. فأنا أقول لك: أنا مش قصدي «لا تبصر شيئاً»، قصدي عموم لا، أنا قصدي نفس الفعل، ما بدي إياه منك، فهنا أنا لم أدخل المفعول به لأنه ليس مهماً لي، وإنما المهم عندي أن لا يقع ذات الفعل وهو الإبصار.

خليني الآن أرجع لقضية «لا تقدموا»، إذا كنا «لا تقدموا» معناها لا تضع شيئاً أمام شيء، فإما أن يكون المفعول به قد حذف في الآية للعموم، أو هناك احتمال آخر وهو أن يكون أصلاً ربنا ما بده إيانا نركز على المفعول به في الآية، بل نركز على ماذا؟ على نفس الفعل؛ لا يوجد أي تقديم في حياتك، «لا تقدموا»، ما بدي أي تقديم في حياتك، ما تسألني عن الشيء المقدم، هي نفس عملية التقديم المنهي عنها من جذرها. وهذا أبلغ؛ كأن الله ينهى عن جذر الفعل، جذر التصرف الذي هو عملية التقديم.

هذا الموضوع من أصله أوعك تفكر فيه، صح؟ هسه في أشياء مثلاً أنت بتفكر فيها، باجي بقول لك هذا الموضوع من أصله، وأصل الموضوع مجدي! فكان سبحانه وتعالى يقول لك: كل موضوع التقديم، مجرد أن تفكر في التقديم بغض النظر عن الشيء المقدم، هذا سهل، لا تحطه في عقلك أبداً. وهذا معنى بليغ وشريف؛ لأنه ليس عن تقدير أي شيء لنا، وإنما عن مجرد التفكير في عمليات أن تقدم شيئاً بين يدي الله ورسوله، وهذا معنى عظيم.

كيف أتى هذا المعنى؟ أننا لا نركز على المفعول به، وإنما المعنى عن أصل الفعل وجذره. إذا رجع الكلام للنسفي حتى أعلق عليه، قال رحمه الله تعالى: «قدمه وأقدمه منقولاني بتثقيل الحشو في أصل الفعل اللغوي». «قدمه» اليس كذلك «قدماً»؟ وهناك أيضاً يقول «قديماً». الآن إذا الفعل «قدم»، وقلنا إن حشوه هو منتصفه، فقوله «بتثقيل الحشو» يعني بتثقيل الحرف الذي في المنتصف. «قدماً»، شوف الحرف الذي في المنتصف، هو بيقول لك إن أصلها «قدمه» بتثقيل الحشو. وهناك لغة أخرى وهي «أقدم» ونفس الشيء أصلها «قدم»، فالفعل بإمكانك أن تشدد الحشو فيصبح «قدمه»، وبإمكانك أن تضيف همزة في البداية فيصبح «أقدم»، فلذلك قال: «قدماً وأقدمه منقولاني بتثقيل الحشو».

هذا بالنسبة لمن قال إن «قدم» و«أقدم» من أصل واحد، فإنه يحلل لك الكلمة لغوياً، أن «قدم» و«أقدم» من أصل وجذر واحد وهو «قدم»، أما «قدمه» فبسبب تثقيل الحشو، أو «أقدم» إذا أضفت همزة في البداية. والمعنى كما قلنا، ما معنى سواء «قدم» أو «أقدم»؟ إذا كنا هنا «قدم» بالمعنى الذي هو وضع شيء، كما في قوله تعالى في فرعون: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ أَتَتْهُمْ بَآيَاتِنَا ۖ فَالزَّمُوا بِقُرَىٰ مَدَائِنِهِمْ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾، الفعل «قدم»؛ إذاً يجوز أن يكون من «قدم» بمعنى وضع فرعون قومه أن يأتوا أمامه. طيب لماذا حذف المفعول به؟ الآن سيسأل هذا السؤال، قال رحمه الله تعالى: وحذف المفعول به...

تقدم ولم يذكر المفعول به، ليش ما قبل قليل؟ الحذف ماذا يفيد؟ العموم. قال: حذف المفعول ليتناول كل ما يقع في نفسه مما يقدم من القول أو الفعل، هذا العموم؛ لذلك قال: وحذف المفعول به حتى تتناول الآية كل ما يخطر في الذهن أنه يمكن أن يقضى.

وقال رسول الله ﷺ لو قال لك «لا تقدم» وسكت، كان لا يخصص الأمر بجزئية معينة، لكن لما قال لك: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فتح المجال أمام كل الاحتمالات.

قال رحمه الله تعالى: وجاز أن لا يقصد المفعول؛ معنى وضع شيء أمام شيء يحتاج إلى مفعول به، ونحن نعترف للعلوم، لكن ممكن أن نقول لا، حتى المفعول به ليس مقصودًا أصلاً، والنهي عن جذر الفعل وأصله، كأن الله يقول: لا تفكر في أصل الموضوع. لذلك قال: جاز ألا يقصد المفعول، والنهي متوجه إلى ماذا؟ إلى نفس التقدمة، هذا هو الكلام. إن الله ينهى أن تسعى، إياك أن تتفكر في عملية تقديم مسؤول، هذا خط أحمر بالمفهوم البلدي، يعني من الخطوط الحمراء عند رب العالمين، بين أمر الله ورسوله، لدرجة أن الله نهاك عن أصل الفعل بقوله: إياك أن تفكر في التقديم، إياك أن تفكر في هذه العملية. اجعل أمر الله وأمر رسوله، وارفع الشيء الأول والأخير في حياتك.

هذا كله طبعًا على المعنى الأول: يقدم الشيء أمام الشيء. تمام، على قضية كيف يمكن أن الفعل المتعدي يحذف المفعول ولا يكون مقصودًا ويكون النهي عن أصل الفعل؟ بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، الآن الفعل «يحيي» فعل متعدٍ، يحيي الإنسان، هنا المفعول به موجود، صحيح. طب هل هو له؟ قالوا في هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ المفعول ليس للعموم، بل الحذف لأنه لا يريده ويريد أن يركز على ماهية الإحياء. فهذا تنظير من النسفي لفكرة كيف يمكن أن يحذف المفعول به ولا يقصد في السياق؟ لأن المراد التركيز على ماذا؟ على نفس الفعل دون النظر إلى المفعولات. ففي قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، التركيز على نفس عملية الإحياء والإماتة. طبعًا المفعول به يكون في شيء من العرب، هذا كله كما قلنا تقديراً على المعنى الأول.

قال: أو هو "قَدِمَ" بمعنى تقدم، أنه الآية هنا "قَدِمَ" فيها بمعنى ماذا؟ تقدم. وهنا معناها بنفسه، وفي هذه الحالة الفعل "قَدِمَ" فعل لازم لا يوجد أصلاً مفعول به من البداية. ويقول: لذلك مثل وجهه؛ تأتي بمعنى توجهت، ومنه أخذنا مقدمة الجيش، وإلى الجماعة المتقدمة منه.

ما الذي يؤيد الفهم الثاني؟ يعني ما الذي يؤيد أن "قَدِمَ" في الآية بمعنى "تقدم بنفسه"؟ قال: يؤيده قراءة يعقوب في قوله. ماذا قال يعقوب في هذه الآية؟ لا أن يشمل، تقرأ الآية: "لا تقدِم" بضم التاء ونون أخرى، "لا تقدِموا" بفتح التاء، يكون هناك تاء محذوفة والتقدير: لا تتقدموا. وآية الفهم الثاني أنه "قَدِمَ" بمعنى "تقدم"، وأن الله ينهى أن نتقدم بأنفسنا، فقراءة يعقوب تؤيد المعنى الثاني؛ لذلك قال: ويؤيد المعنى الثاني قراءة يعقوب "لا تتقدموا"، لأنه على هذه القراءة تكون هناك تاء أخرى محذوفة وتقديرها: لا تتقدموا أنتم، لا تتقدموا بين يدي الله ورسوله. وهنا "تتقدم" على ماذا؟ تحتاج إلى مفعول به لأن الفعل لازم.

واضح عليه الصوتية، لا يمكن أن تعيش مع القرآن بدون لغة، كلها من أجل شعورك بمعنى القرآن وفهمك لقوة القرآن وجماليته، لا يمكن أن يكون بمجرد الكلام العادي. بعض الناس فقط تحبها، يعني للشيوخ، كلام عادي، كبار في السن ممكن يكون مناسب، حتى تتوغل في المعاني اللغوية وتشعر بالقرآن. لكن لطالب العلم والمسلم، الذي ما شاء الله كما يعاشر شبابه، يود أن يفهم شيئًا من اللغة حتى يعيش مع النص القرآني. فكرة أن الله لا يريدنا أن نفكر في موضوع التقدم، ما أساسًا من أين أخذناها؟ من التحليل اللغوي، من التحديد اللغوي للمصطلح.

طيب، انتهينا من كلمة "لا تقدم"، الآن ننتقل لتفسير ما معنى "بين يدي الله ورسوله". ندخل لله، يعني حتى نكون واقعيين، "لا تقدم بين يدي الله"، هل كلمة "يدي الله" في هذا السياق أريد بها إثبات صفة؟ أتفقون معي أنه ليس المراد في هذا السياق صفة يد الله؟ نحن نثبت صفة اليد لله، لكن من الآيات الصريحة في هذا السياق وغيرها من الآيات الأخرى، لكن هنا كلمة "اليد" نحن نتفق أنها مجاز، لأنك أنت يا طالب وتظن أنه كل كلمة "يد" لازم تفهمها على معناها الحقيقي، وإلا... نحن ما عندنا مشكلة، لكننا نؤمن بالتأويل الذي يكون من داخل النص، وليست التأويلات التي تفرضها علينا الفلسفة الإغريقية. نحن نؤمن بالتأويل الذي يكون من داخل النص، كما قال الطبري وغيرهم من أصحاب التأويل، تأويل الذين نقول به، تأويل يستنبط من النص بذاته.

قوله تعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، حقيقة قولهم: "جلست بين يدي فلان" يُعلمك شيئًا. هذا الأسلوب مرة كثير في القرآن الكريم، مثلاً لما وصف الله القرآن الكريم ماذا قال؟ قال: ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ [فصلت: 42]. إيش معنى لما أقول لك: جلست بين يدي فلان؟ إيش معنى لما أقول: لا تقدم بين يدي الله؟ إيش معنى "بين يدي القرآن"؟

الحقيقة قولهم "جلست بين يدي فلان" أي أن تجلس بين الجهتين المتماثلتين، اليمين والشمال، قريبًا منه، فسميت الجهتان يديْن على سبيل المجاز. قال: سميت الجهتان يديْن لكونهما على سمك اليدين مع القرب منهما، توسع. إذن هناك من مجازات العرب، وهذا حتى الشيخ رحمه الله تعالى ممن يرفض أن العربي يقول "بين يديه" واليد المراد بها هنا "الجهة". ما المراد باليد؟ الجهة. سميت الجهة ماذا؟ يقدر أنه في جهة يمين وجهة شمال، هذه الجهات التي تقع، فلما أقول لك: درست بين يدي فلان، أي جلست بين الجهتين الواقعتين، يعني يمينه وعن شماله. لذلك حقيقة "جلست بين يديه" أي جلست بين الجهتين.

فـ "بين" هنا بمعنى "الجهة". لماذا سميت الجهة اليمين والجهة الشمالية يدين؟ قال: سميت الجهتان يديْن لكونهما على محاذاة اليدين؛ الجهة اليمين هي على يدك اليمين، والجهة الشمال على سبت يدك الشمال، سميت الجهة من باب التجوز والعلاقة، بس العلاقة هي علاقة المجاورة. أعطيك مثالًا ثانيًا، احنا نطلق كلمة "الغائط" على ما يخرج من الإنسان من القاذورات، صح؟ لكن شو أصل كلمة الغائط في اللغة؟

الغائط في اللغة أصلاً هو المكان المنخفض من الأرض. هذا معنى كلمة الغائط؛ المكان المنخفض من الأرض. فلما كانت العرب في عادتها إذا أراد الشخص أن يلقي حاجته يذهب إلى مكان منخفض من الأرض، سمي ما يخرج من الإنسان أيضاً غائطاً لعلاقة تسمى علاقة المجاورة؛ لما كان ما يخرجه الإنسان يكون عادة في الغائط، أي في المكان المنخفض، سمي نفس الخارج غائطاً لأنه مجاور للمكان.

هنا نفس القضية، لما كان المساند بيدك اليمين قالوا "خلص من يمين"، سمي نفس الجهاز يميناً لأنها مجاورة للجهة اليمين، والجهة اليسار لما كانت مساندة لليد اليسار تسمى نفس الجهاز يساراً. فلما أقول في النهاية "جلست بين يدي فلان"، مش معناها أني جلست في المنتصف، بل يعني في المنطقة التي بين اليمين والشمال، هذا معنى أسلوب بين يدي.

كذلك الكتابة، لا يأتي لدى الكتاب سريان، بل من أوله إلى خاتمته. ننتقل الآن إلى الآية التي عندها: ما معنى قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؟ ما معنى لا تقدم بين يدي الله؟

كأنك أحسنت، وكأنه من الفهم العميق، حكم الله محصور. حكم الله أن له بداية وله نهاية. معنى أنك تقدمت بين يدي الله ورسوله أنك طلعت عن الجهة التي حصرت فيها الشريعة. الشريعة هي مجموعة من أعمالنا، نحن نسميها التكاليف، الأوامر والنواهي، هذه التكاليف هي الجهة، فإذا طلعت عنها كأنك قصرت. أنت إذا قدمت عقلك وقدمت هواك، أنت تقدمت على هاتين الجهتين اللتين حصرك الله فيهما، وهذه مخالفة شديدة عند الله سبحانه وتعالى.

إذاً، ما معنى بين يدي الله؟ فالمراد بيد الله، يعني الجهة التي ربنا حصرك فيها، أحكامه، الشريعة التي ربنا حصر فيها الشريعة إلى حد أول وحد آخر. واجتهاداتك تكون داخل هذه الدائرة، وأي اجتهاد يأتي خارج الدائرة، ماذا نقول عنه؟ تقدم بين يدي الله. أنا فاهم، هذا مهم جداً. معنى "يدي الله" في الآية هو المراد حكم الله الذي حصرك في بداية ونهاية، لا يجوز أن تتجاوزها ولا أن تتخطاها.

قال رحمه الله تعالى: "كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاء وراءه المجاورة لعلاقة بلاغية تسمى المجاز، أو أراد أن يبين العلاقة". وذكر مثاله: لماذا سمي الخارج من الإنسان غائطاً؟ لأنه يجاور المنطقة المنخفضة من الأرض والتي كانت العرب في الحقيقة تسميها الغائط.

بسم الله الرحمن الرحيم، وفي هذه العبارة ضرب من المركب؛ يعني الله سبحانه وتعالى يريد أن يرسم في ذهنك صورة وينهاك عنها. هنا مجاز مركب، هناك مثال صورة يريد أن يرسمها لك في ذهنك وينهاك عنها. ما هي هذه الصورة المركبة المجازية التي يريد الله أن ينهى عنها؟

قال: «وفي فائدة جميلة وهي تصوير البشاعة والشناعة في ماله عنه من الإقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء بأمثلة الكتاب والسنة». الله سبحانه وتعالى لما قال لك: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، يعمل لك نوعاً من التركيب في دماغك؛ أنت يصوّر لك قضية تقديم عقلك وهواك على أحكام الله. شبه هذه الصورة بصورة الإنسان الذي يقدم عقله وهواه على حكم الله ورسوله.

المشبه هو الإنسان الذي يقدم عقله وهواه، والمشبه به هو ما سيأتي. هذه الفكرة باختصار: شبه الله الإنسان الذي يقدم عقله وهواه على حكم الله ورسوله، شبههم بهذه الصورة؛ يعني عندما تقدم عقلك، كأنك إنسان تجاوز حدوداً معينة. وهذا معنى البشاعة، أن ربنا يصور هذه الصورة في ذهنك؛ أنت تخيل لما قدمت عقلك، كأنك تجاوزت حكم الله. هذه صورة مستبشعة؛ أن تعرف أن حكم الله ورسوله في جهة معينة وأنت تخطيتهم وتجاوزتهم، فهنا في استبشاع لهذه الحالة.

المؤمن لما يرى الصورة ويتخيل نفسه، عندما يقدم عقله إلى شيء لا يرضي الله، يشعر أنه تخطى حكم الله وتجاوزه. المؤمن ماذا يصير في نفسه؟ نوع من الاستشعار: ماذا فعلت؟ فالله سبحانه وتعالى أراد أن يرسل لك حقيقة ما فعلته أنت عندما قدمت هواك وعقلك على الشريعة؛ أنت تقدم بين يدي الله ورسوله.

قديش أنت شايفها كبيرة؟ لما تقدم حكمك وشهوتك على حكم الله، أنت تخطيت رب العالمين. وهذه بتكون عظيمة في أثرها النفسي والإيماني. أنت لما تستشعر أن أي حكم أو تشريع أو دستور أرضي تجاوز الأحكام الشرعية، كأنك تخطيت رب العالمين. وهذا معنى كلام الناس، أي شيء في حياتك مخالف لمنهج الله هو كأنه تخطٍ لوجود رب العالمين.

أراد الله بهذا المجاز وبهذا التركيب أن يجعلك تستبشع ما فعلته وتستشعر قبح ما فعلته من الإقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء بأمثلة الكتاب والسنة. يعني لما لم تهتدِ ولم تقتدِ بخطوات الكتاب والسنة وقدمت عقلك وهواك، أنت كأنك تقدمت على رب العالمين، وهذه صورة مستبشعة.

شوف البلاغة وأنا أريدك أن تعيش مع النص، هنا نعيش مع القرآن. أنا لا أريد أن أخرج عن المعنى الإجمالي، المعنى الإجمالي أنتم فاهمونه، لكن نحن نعيش مع النص لنفهم لماذا جاء تركيب الآية بهذه الصورة؟ لأن الله يريد أن يصور لك أيها المسلم أن تقديم العقل والهوى والشهوة كأنما هو تخطٍ لوجود رب العالمين، وهذا الشيء مستبشع، وبالتالي تبدأ تشعر بعظمة القرآن.

تبارك الله وتعالى، فكذلك هنا المعنى "بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم". ولكن هو طرح وجهة نظر مفسرين آخرين؛ بعض المفسرين ماذا يقول؟ أنه المقصود في هذه الآية "لا تقدموا بين يدي رسول الله"، يعني لا تتقدموا، وكلاهما جائز. المهم أن المقصود هو عدم التقدم بين يدي رسول الله، لماذا ذكر الله؟

ذكر الله لاختصاص رسوله بالله أنه مبلغ لأوامر الله، لذلك قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]. انظروا الآن كيف يظهر هذا التفريق، ويجوز الآن أن تكتبوا عندكم في التفسير: هو يجوز أن يجري الرياء في قوله "سرني زيد وحسن حاله"، أي سرني حسن حاله.

عندما أقول أنا "سرني زيد وحسن حاله"، فأنا في اللي يصارني ماذا بالضبط؟ مثل سيدنا نفسه، "سرني" تجعل الخبر أكثر عبيرًا وأكثر احتفاءً مما لو قلت "سرني حسن حاله" مباشرة. لكن لما أردت التفخيم والتعظيم، قلت "سرني زيد وحسن حاله"، استعملت العطف كأنه يريد أن يقول إن البعض بين يدي الآخر فقط، والتعظيم والمقصود من الآية إنما هو لا تقدموا بين يدي الله ورسوله؛ لأنهم تقدموا بين يدي رسول الله ﷺ، فكانت الآية والسورة تريد أن تقول لهم: ما أحد يتقدم بين يدي رسول الله.

لكن حتى يكون هذا النهي له وضعهم الإيماني، ربنا قدم نفسه على ذكر النبي ﷺ فقال: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]. لكن المقصود ليس الرسول فقط، وإنما ذكر الله لكون الرسول مختص بالله عن الله، لكن على المعنى الأول -وإن كنا نذهب للمنى الأول- أن أمر الله مقصود فما رسوله مقصود، وليس المراد به المرافقة.

ذهب إليها البعض بناءً على سبب نزول الآية، أن بعض الصحابة كأنهم اتخذوا من النبي ﷺ في هجرته قولك "سرني زيد وحسن حاله" مع أن المعنى "لا تقدموا بين يدي رسول الله". فكذلك هنا، رسول الله سبحانه المقصود: لا تقدموا بين يدي رسول الله ﷺ. وفائدة هذا الأسلوب بناءً على هذا الفهم هي الدلالة على قوة الاختصاص، فالسلام خط أحمر لا يجوز تخطيه، فالرسول الأعظم ﷺ عنده خصوصية عند الله سبحانه وتعالى، فلذلك عطفه الله علينا بذكر اسمه مختصلاً باسمه وعطف نبيه عليه بشدة الاختصاص.

فهذا المعنى الأول الذي ذهب إليه هو أجمل وأوعب؛ لأنه لا داعي أن نقول المراد لا تقدموا بين يدي رسول الله، بل نتركها على عمومها: لا تقدموا بين يدي أمر الله وأمر رسوله، الذي هو في النهاية يعود إلى أمر الله وأوامر النبي ﷺ.

سؤالي هو: في زمن الصحابة كيف فهموا الآية؟ هل فهموها على عمومها "لا تقدموا بين يدي الله ورسوله"، أم على خصوصها "لا تقدموا بين يدي رسول الله ﷺ" وذكر الله فقط لبيان الاختصاص؟ وأكيد هم فيهم واحد. وجوه التفسير في القرآن حمالة أوجه، لكن أنا أرى أن المعنى الأول أجمل من حيث الفخامة والتاكيد الايماني أكثر من المعنى الثاني، وهو لا يتعارض مع مبنى الآية بل هو الظاهر.

قال رحمه الله تعالى: ولما كان رسول الله ﷺ من الله في المكان الذي لا يخفى، سلك به هذا المسلك، ومعنى الاختصاص هي أنه لما كان ﷺ عند الله بالمكانة التي اختصه الله بها، عطفه عليه فقال: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]. لكن كما قلنا المعنى الأول قد يكون أكثر تأثيرا ووقعًا في النفس من قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2].

تعريف هذه الآية أنها تمهيد للآية الثانية. ما سبب نزول هذه السورة؟ سورة الحجرات؛ المشكلة التي صارت لماذا سميت سورة الحجرات؟ بني تميم وجاء الأقرب من حاجز، وجلسوا أمام النبي ﷺ من وراء الحجرات بصوت مرتفع لا يليق بمقام النبوة، فالله عز وجل زجرهم عن هذا الأسلوب في التعامل مع النبي ﷺ ورفع الصوت. الآيات أصلاً نزلت في هذه الواقعة، لكن السورة لم تبدأ مباشرة بـ "يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم"، بل جاءت كأنها مقدمة عقدية تشريعية مهمة. وهذه طريقة القرآن في استغلال المواقف؛ أنه يحدث موقف معين، الله سبحانه وتعالى يعطينا منه دروسًا وعبرًا.

ما هو الدرس المستفاد من قصة بني تميم وما قصة أبي بكر وعمر؟ هي سبب نزول الآيات أنه لا يجوز أن تقدم شيئًا بين يدي الله ورسوله ولو كان صوتًا. هي بيان للقاعدة العظيمة الأساسية، وهي قاعدة عربية إيمانية سلوكية: لا يجوز أن نقدم هوى أو عقلًا أو أي شيء أمام الله ورسوله. السورة بينت لها، ولو كان هذا الشيء الذي ستقدمه مجرد صوت، فما بالك بما هو أعظم من الصوت؟ ما بالك بتقديم العقل والهوى والسلوكيات والدول والتشريعات على الله ورسوله؟

إذن أعادت السورة قضية بني تميم في رفع صوتهم على النبي ﷺ، لكنها أعادت معها قضية أكثر من هذا، وهي قضية تحكيم العقول والأهواء وتقديمها على الله ورسوله. فإذا كنت منجزيًا أن ترفع صوتك، واعتبر رفع الصوت تقدمًا بين يدي الله ورسوله، فما بالك بمن يقدم تشريعات ومنظومات ومواثيق على حكم الله ورسوله؟ فالمشكلة تصبح أصعب وأصعب، فهذا ما أراد أن ينبه له رحمه الله.

لذلك قالوا في هذا: هذه الآية الأولى هي مشاركة للآية الثانية، وهي ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2]. إن من فضله الله بهذه الآية المختصرة، أن أدنى ما يجب له من التهيب والإجلال أن يخفض بين يديه الصوت، فما بالكم بما هو أعظم من ذلك؟

قال: وإن الحسن البصري رضي الله عنه قال: إن أناساً ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة، فنزلت ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. فكانت سبب نزولها أنهم قدموا بين يدي الله ورسوله. طبعًا قضية "لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي" سبب نزول بعض آياتها سيأتي، لكن هذه الآية الأولى "لا تقدموا بين يدي الله ورسوله"، روي عن الحسن البصري في حديث مرسل أن سببها أن أناساً ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة، والمعروف أن الأضحية بعد الصلاة لا قبلها.

الحكم فربنا سجرهم أنه أنتم كيف ذبحتوا قبل الصلاة قبل أن تسألوا رسول الله ﷺ عن الحكم، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]. لكن هذا الحديث عن الحسن البصري منقطع، فالحسن البصري ليس صحابياً، ولم يعرف من الصحابي الذي روى هذا الحديث بل أثر فيه ضعف.

هناك قول آخر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت إنها نزلت في النهي عن صوم يوم الشك، وهذا قول عائشة عند النهي عن صوم يوم الشك. وشو يوم الشك؟ وأنا لست في موطن تحية، هذه المسألة المهمة: نزلت في النهي عن صوم يوم السبت حقيقة، وليس سبب نزول الآية هو صوم يوم الشك، وإنما هناك رجل صام يوم الشك في زمن عائشة رضي الله عنها، فقالت عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؛ لأن صيام يوم الشك مخالفة بأمر الله ورسوله، فإذا صامته فكأنك قد اتبعت هواك على حب الله. فعائشة استدلت بالآية على هذا الرجل، وليس سبب نزول الآية أن رجلاً صام يوم الشك، فهذا الكلام ليس بدقيق أيضاً.

لذلك نقول الأشهر أنه سبب نزول آية: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ هو الخلاف الذي وقع بين أبي بكر وعمر بحضرة النبي ﷺ، وهذا للأسف ذكر كلام عائشة، وما هو أصر وأظهر في سبب نزول الآية وهو الخلاف الذي وقع بين أبي بكر وعمر، فنكتبه لأنه هو الذي ذكره ابن كثير وغيره من المحققين في سبب نزول الآية فيهم الله تعالى.

سبحان الله تعالى، قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات: 1]. لماذا ربنا قال هنا: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؟ لقد عرفنا التوجيه: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ثم جاء ختام الآية بماذا؟ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. لماذا ذكر التقوى هنا؟ لأنك لا يمكن أيها المسلم أن تنتهي القاعدة في حياتك "لا تقدموا بين يدي الله ورسوله" إلا إذا زرع في قلبك تقوى الله سبحانه وتعالى.

بالتالي كأنك تأخذ مفهوم المخالفة، أنه أي إنسان يقدم شريعة أو عقلاً أو هواً على أمر الله ورسوله، ما هو الشيء الذي يفتقده؟ الذين يقدمون أهواءهم وعقولهم وشهواتهم وأحكامهم على أمر الله ورسوله، ماذا يفتقدون في حياتهم؟ يفتقدون تقوى الله؛ لأنه من اتقى الله ستُقوِّت إليه الوقوف عند حكم الله وعدم تخطيه.

لماذا الله سبحانه وتعالى قال هنا: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؟ التقوى لله سبحانه وتعالى عن التقدم المنهي عنها، إذا كنت متقياً لله ستحول بينك وبين أن تقدم شيئاً بين حكم الله ورسوله. الثاني هنا، يصير أنا وإياك نبحث عن كيف نحقق التقوى في حياتنا، لأنني أعرف أن هناك نهياً: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، لكن هذا النهي لن أستطيع أن ألتزم به إلا إذا حققت التقوى في حياتك، فابحث كيف تتحقق التقوى حتى تستطيع أن تلتزم بهذا.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لِمَا تَقُولُونَ عَلِيمٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [الحجرات: 1]. هذا التغيير في ختام الآية؛ عندما تختم الآيات بأسماء من أسماء الله الحسنى، فإن قواعد التدبر تقول: عندما ترى الآية انتهت باسم من أسماء الله، افهم ما علاقة هذا الاسم بمضمون الآية، أكيد لم يُذكر اعتباراً، بل ذكر أن الله سميع عليم في ذيل الآية ليرتبط بفحوى الآية السابقة.

لماذا ختمت الآية بهذا التكييف: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؟ وكأن الله في النهائي يهددنا ويقول لنا: إن من سيقدم شيئاً بين حكمه، أنا سميع بما يقول، فلا تظن أنك ستضحك على رب العالمين أو أن الأمر يمشي تحت الطاولة. السمع هو لإدراك المحسوسات المباشرة، والعلم يعني يقول الله وأنا أعلم ما في صدوركم. فهو سبحانه سميع لما يصدر منكم من أقوال، بعض الناس قد يخبط في حكم رب العالمين ولا يصرح بذلك، لكن هو في قلبه ذلك، فأنا سميع بالذي صرح بمعاداتي، وعليم بما تخونه صدوركم حتى لمن لم يصرح.

خليك واضح في حياتك، ظاهرك وباطنك، إن الله سميع للذين يحادونه في أحكامه وتشريعاته إذا صرحوا بذلك، وعليم بمواطنهم في حال لم يصرحوا، لكنهم يريدون محاداة الله ورسوله. فالختام يليق بالقاعدة؛ "لا تقدموا بين يدي الله ورسوله" والطريقة لعلاج هذا الأمر "واتقوا الله"، ثم الختام "إن الله سميع عليم". فهنا انسجمت الآية مطلعاً ووسطاً وختاماً في تأصيل هذه القاعدة وهذا المنهج للحياة الذي تربى عليه الصحابة. بالتالي عندما جاءت خلافة أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة الكرام، أصبحت منهج حياة وسلوكاً بارزاً في حياتهم، أنهم لا يقدمون شيئاً بين حكم الله وحكم رسوله.

رحمة الله تعالى، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، هي إعادة للنداء عليهم في استدعائهم، وتجديد للاستبصار عند كل خطاب، وتحري منهم بأن لا يغفلوا عن أوامره. لماذا ربنا سبحانه وتعالى كرر النداء مرة أخرى مع أن الآية الأولى قصيرة؟ المتوقع عند السامع أن يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم، ثم مباشرة ننتقل لآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ...﴾، لكن هناك تكرار للنداء مرة أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا...﴾.

ما فائدة تكرار النداء؟ قال: إعادة النداء عليهم لاستدعائهم، لتجديد الاستبصار عند كل خطاب. كأنني أقول لك يا محمد افعل كذا، ثم أقول لك يا محمد افعل كذا، فبين كل أمر هناك حكمة، والقرآن ليس فيه شيء هكذا بلا حكمة. الله سبحانه وتعالى كررها لكي يتجدد انتباهك في كل مرة.

لا ترفعوا أمرًا جديدًا أو في نهي شديد: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾. إذا نطق، فعليكم ألا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته، بحيث يكون كلامه عاليًا لكلامكم، وجاهه باهرًا لجهركم، حتى تكون ميزته عليكم لائحة وسابقته لديكم واضحة.

من الآن يفسر ما معنى: لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﷺ. الموقف الأول يقول: إذا كان النبي ﷺ يتحدث ويتكلم، فإياكم أن ترفعوا أصواتكم فوق صوته، فكل نبرة صوتي أقل من صوت النبي ﷺ، فإياكم أن ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﷺ، والمعنى واضح قوي.

قال رحمه الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. وبين لا تدعوا له بالقول، ما الفرق بين النهيين؟ الأول: «لا ترفعوا أصواتكم»، هذا رقم واحد. الثاني: «ولا تجهروا له بالقول»، أكيد هذا لا يتكلم عن الموضوع الأول، بل يتكلم عن موضوع آخر.

ما معناه؟ قال: أي إذا كلمتموه وهو صامت، فإياكم والعدول عما نهيتكم عنه من رفع الصوت. كان ﷺ صامتًا، ما يتكلم، برضه بتقديمه أنه لا ترفع صوتك، فإياكم أن ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﷺ في أي حالة؛ في حال كان يتكلم، والحالة الثانية: «ولا تجهروا له بالقول»، في حالة أنه ﷺ ساكت، حاول برضه تحافظ على نظافة معتزلة تليق بالمقام، صلوات ربي وسلامه عليه. فالأولى في حال كلامه، والثانية في حال سكوته.

قال: «بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائرة بينكم»، يعني ما ترفعوا عندما تتكلموا فيما بينكم؛ يجوز مثلاً أبو بكر وعثمان، هذا بينكم، هذا الشيء ذات ما بينكم، ولكن هذا الذي يدور بين يدي رسول الله ﷺ. وهذه الإشارة لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، أنه كان النبي ﷺ ساكتًا وكان أبو بكر وعمر يناقشان فيه من يؤمن النبي ﷺ على بني تميم، فقال كويس، فارتفع صوتهم قليلاً، فهي إشارة حتى لو كان الرسول ﷺ ساكتًا: إياكم أن ترفعوا أصواتكم بين يديه.

قال: هو أن تعمدوا في مخاطبته بالقول اللين المقرب من الهمس الذي يضاد الجهر، بحيث يكون كلامك هكذا في هذا المستوى مقابل الجهر. حتى في علم التجويد، هناك بعض الحروف في مقابل الحروف، فكأن الله يريد أن يقول: ولا تجهروا. هل لصوتك لأنك تحمس مع صديق: يا محمد، يا أحمد؟ النبي ﷺ لا تناديه يا محمد أو يا أحمد، لكن الحقيقة لا نتحدث عن هذا الموضوع في آية أخرى تتكلم عن هذا الموضوع، أنه لا يجوز أن تنادي النبي ﷺ باسمه، يا محمد أو يا أحمد.

لكن الموضوع وين؟ كان في أحد الأقوال في تفسيرها، لكن الأصح في الكلام أنه قضية؛ قضية «لا تجهروا» هذا موضوع، وقضية «ذلك باسمه» موضوع آخر، فلا ينسب للمعنى الأول لا يرفع الصوت بين يدي النبي ﷺ في حال صمته، أما هذا التفسير الذي ذكره النسبي ففيه شيء من البعد واستبعده أيضًا الألوسي، يذهب معه. إذاً، لا تقل له يا محمد أو يا أحمد، بخاطره رحمه الله بالنبوه والسكينة والتعظيم.

ولما نزلت هذه الآية، ما كلم النبي ﷺ أبو بكر وعمر إلا كأخي السر. يعني مثلاً هذه الآية، خلاص أبو بكر وعمر وباقي الصحابة، تعلم صاروا يتكلمون مع النبي ﷺ كالإنسان عندما يسر لأهله في شأن، كيف أحكي معه؟ تعال تعال. هكذا أصبح الصحابة يتحدثون مع النبي ﷺ عندما نزلت هذه الآية، كأنه الأخ الذي أسر له بصوت منخفض.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وكان في أذنه صمم، وكان رضي الله عنه فقيهاً، فكم اضطر أنه يرفع صوته بين يدي النبي ﷺ، فرفع صوته ورد ما كان يكلم النبي ﷺ فيتأذى بصوته، فنزلت الآية. والقول الثاني أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، ولما نزلت هذه الآية اغتسلت مجالس النبي ﷺ، وجلس يبكي في بيته، فالنبي ﷺ استفقده، قال: «دوروا لي على ثابت بن قيس»، فذهبوا إليه.

فقال له: ما لك؟ قال: «فوق صوت النبي فلا تجعل له من قوله بجاه بعضكم لبعض إن تحفظ أعمالكم وإنكم لا تشعرون، وأنا قد حدث عملي فقد رفعت صوتي بين يدي رسول الله ﷺ». شوفوا كيف قال، قال إنه من أهل الجنة، النبي ﷺ يقول إنه من أهل الجنة، لذلك هو من المبشرين بالجنة، ليس من العشرة لكنه من المبشرين بالجنة، خدم له ومسلم له أنه من أهل الجنة بشهادة النبي ﷺ، أعظم صلوات ربي وسلامه عليه.

ولا نتأثر بها ولا نفعل ما قدمنا من أحوال بين يدي الله ورسوله، وكأن هذه الآية ليس لها علاقة بما أخطأنا فيه من أمورنا ونظرنا في هذا الحرام وفعلنا أموراً لا ترضي الله، وعين آيات ما أثرت في قلوبنا. ثابت بن قيس مع أنه لم يكن في شيء يسويه، ومع ذلك فآية تتكلم عنه وأنه حفظ عمله، فجلس يبكي في بيته وهو الخطيب المسكن، النبي ﷺ من هو خطيبهم؟ ثابت بن قيس، شاعره وخطيبه.

قال رحمه الله تعالى: وكافة التشبيه في محل نصب، أي تقدير: ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض.

هذه في محل نصب على المفعول به المطلق، والتقدير: أي اقرأوا لا تجهروا له جهراً، مثل جهر بعضكم لبعض، فبالتالي الآية: اقرأوا.

وفي هذا الكلام إشارة إلى أنهم لم ينهوا عن أي شكل من الأشكال من الجهر، بل المنهي عنه هو الجهر المعين؛ أي لا تجهروا له بالقول؛ فكان هذا في نوع من التقييد، أن المنهي عنه جهر معين.

أي أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقاً، حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالمخافتة، لا أن يتكلموا إلا بالسر. ليس الأمر بهذا التصور، إنما نهوا عن خروج مخصوص، وهو الجهر الممنوع فيما بينهم، وهو الخلق من مراعاة مقام النبوة وجلالة قدرها. فالجهر المنهي عنه هو الجهر الذي فيه إخلال بمراعاة مقام النبوة وجلالة قدرها، أما الجهر الذي لا يخل بمقام النبوة فليس منهياً عنه.

وهذه الآية برأيكم كيف نطبقها؟ قال النبي ﷺ: «لا تجهروا له بالقول». لا يجوز أن يرفع الصوت عند قبر النبي ﷺ في يوم الأسد. بعض الناس يرفع صوته حول القبر، وهذا من الجهل بالقدر النبوي؛ فلا يجوز أن ترفع صوتك وتتكلم، والحديث النبوي يقرأ بين يدي هذا من الجهل بمقام النبوة في أي وقت، ولكن كما هو في المسجد النبوي بما فيه من ارتفاع الصوت وجهل في حق النبي الأعظم ﷺ حتى بعد وفاته، فالآية أيضاً لها تطبيقات بعد وفاته، صلى الله عليه وسلم.

يقول الله تعالى: ﴿لَا تَحْبِطُوا أَعْمَالُكُمْ﴾. ما معنى "أن تحبط أعمالكم"؟ "أن" هنا مصدرية، و"تحبط" فعل، فالمصدر المؤول في محل نصب مفعول له، بمعنى: "قيامكم توقيراً له"؛ أي أنكم قمتم توقيراً له، فالمفعول لأجله هو الشيء الذي من أجله وقع الفعل.

لماذا قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾؟ ما السبب؟ السبب هو ﴿لِئَلَّا تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾. هذا التركيب له طريقتان لغويتان. الطريقة الأولى التي ذكرها الناس هي أنكم نهيتم عن الجهر لخشية حبوط الأعمال، فـ "أن" مصدرية، و"تحبط" مصدر، فيكون التقدير: "لخشيةِ حبوطِ أعمالكم".

وعندما نستخرج هذا المصدر، يصبح تقدير الآية: "ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض حبوطاً لأعمالكم". وفي كلمة "خشية" تقدير في السياق، فكلمة "خشية" يجب أن تُقدّر في السياق حتى يكون المعنى: "لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض خشيةَ حبوطِ أعمالكم". وهذا ما قد لا تدركه في البداية، ولكن من يتدبر القرآن سيحتاج أن يقدر كثيراً من المعاني.

وهناك طريقة أخرى، وهي أن هناك لاماً محذوفة، والتقدير: "لأن تحبط أعمالكم"، أي لماذا نهيتم عن الجهر؟ لئلا تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. وهذه الآية خطيرة؛ لأن "لا تشعرون" تدل على أن الإنسان قد يخرج من الملة دون أن يشعر.

الناقة إذا أكلت أكلت خمسة، ثم جلست على الأرض، فهذا دلالة على أنها أصبحت منهكة، كذلك الإنسان إذا فعل أفعالاً تخرجه من الملة، كأنه كان يسير باستقامة ثم فجأة سقط. فحبوط الأعمال هو دلالة على الكفر، وليس مجرد نقصان الإيمان، لأن "الحبوط" في القرآن يدل على الكفر.

بالتالي، كأن الله يحذركم من هذه المرحلة الخطيرة بقوله: "لا تجهروا ولا ترفعوا صوتكم"؛ لأن قلة أدبكم بين يدي رسول الله ﷺ قد تخرجكم من الملة وأنتم لا تشعرون، وهذا شيء مخيف. وهذا يدل على عقيدة أهل السنة، في مقابل بعض الفرق الارجائية التي تقول إن الإنسان لا يكفر إلا إذا قصد الكفر، وهذا خطأ؛ فالنواقض تخرج من الإسلام ولو لم تقصد الكفر.

فبعض الناس يستهزئ بالحديث النبوي أو يرفع صوته عليه بطريقة استهزائية، فتقول له: أنت قد كفرت ولو لم تقصد الكفر؛ فمجرد الاستهزاء بالحديث ورفع الصوت عليه بطريقة استهزائية كفر. لذا قال: ﴿لَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ لأنها تحفظ الأعمال من الحبوط.

فما بالك بمن يستهزئ بقوله تعالى: ﴿لَا تَحْبَطْ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [المنافقون: 3]. أنت كفرت وأنت لا تشعر، قل: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104].

هناك أناس يأتون يوم القيامة في حكم الله، وإن كانوا في الحياة الدنيا على الهوية مكتوب مسلم وبحياة الناس مقابل المسلمين، لكن عند الله سيكون كافراً. سيرتجع ويتفاجأ يوم القيامة: "أنا لماذا وُضعت مع الكفار؟"، أنا ماذا أعرف؟ الكافر مع الجماعة.

وتقول الحقيقة وتُشير بيدك، مثل المشايخ وكلامهم: رأيت اللحية استهزئنا بها، رأيت هذا الدين والصلاة، عبد النبي ما في شك عليها، مجانية عند ربك تمشي. وإذا الرجل لا يتكلم، لا يلقي لها بالاً، تحويلية من الناس.

فأنا أقول إن هناك أناسًا -وعلى نصف الآية هناك ناس- لا يشعرون أنهم ارتدوا، ويوم القيامة سيتفاجأون وينصدمون أنهم سيكونون عند الله في جماعة الكفار، ويكونون مخلدين في نار جهنم، رغم أنهم في الدنيا في مقابر المسلمين.

وهذا أمر مخيف، لأننا تعاملنا بالظاهر، وقد نقول ما سمع رب العالمين، نحن لا نعرف ماذا دار بيننا وبين رب العالمين، لكن عند رب العالمين هو الكفر. فالآية مرعبة ومخيفة، وتجعل الإنسان يحسب الكلمات التي تخرج منه؛ لأن ﴿لَا تَحْبَطْ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا العمل به، يا أرحم الراحمين. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.