دخولتسجيل الدخول

المجلس السادس - سورة الحجرات

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحبته، سبحانه وتعالى، الحمد لله رب العالمين. حجة الإسلام، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله يا أحبتي في مجلس جديد، نعطيكم في مجالس التفسير هذه المجالس المباركة التي نتعلق فيها كل ثلاثاء، فحاول أن نغتنم فرصة في معاني كتاب الله سبحانه وتعالى، نتدبر في معانيها. وهذا التدبر هو غاية للإنسان حتى يعرض منهجية التفسير والعيش مع كتاب الله سبحانه وتعالى. وكذلك عندما يأتي رمضان القادم بإذن الله، سيكون هناك أثر آخر في طريقة تعاطيك مع كتاب الله سبحانه وتعالى، والسبب أنك بدأت تتعرف منهجية القراءة والفهم للنصوص الشرعية.

هذه منهجية لا يمكن أن تحصل للإنسان إلا من خلال التلقي من المشايخ والأساتذة، ومن خلال مجالس التعلم. التفسير ليس مجرد أن تفتح كتاب تفسير وتقرأ كما يتوهم البعض، التفسير هي عملية تعليمية أيضاً؛ تحتاج كيف تفهم الكلمة، كيف تفهم النص، كيف تتدبر، وهذا إن شاء الله نفعله من خلال هذه المجالس. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يديم هذا النعيم علينا ولا يحرمنا من نعمة تدبر كتابه وفهمه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

بدأنا في المجلس السابق الحديث في آيات سورة الحجرات، والتفسير المعتمد كما كان جديداً في الحضور هو تفسير العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى عليه وبارك، «التنزيل بحقائق التأويل». بدأنا في الكلام عن سورة الحجرات، وبينا أن سورة الحجرات تمثل المنهج العام، الأخلاق، القيم السلوكية التي ينبغي أن يتصف بها المسلم في خلافته مع الله سبحانه وتعالى.

ابتداءً، السورة واضحة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]. المنهج الأخلاقي في التعامل الإيماني وهذا شيء ركزت عليه السورة تركيزاً واضحاً. آياتها في الإصلاح بين المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]. الأخلاق الاجتماعية، لا يسخر قوم من قوم. ثم بينت حقيقة الإيمان التي تحتاج إلى مشاهدة ودخول في هذا الدين. طبعاً أتكلم عن الإيمان، ليس الإيمان المطلق، أتكلم عن الإيمان الكامل؛ هذا لا يكون بمجرد أن تقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، إعراب قالتها الأعراب: آمنا، ولكن الإيمان عندما يدخل في القلوب، في الآية التي تليها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ...﴾ [الحجرات: 15].

الإيمان الكامل متى يصل الإنسان إلى هذه المرتبة؟ إن هذه منة من الله سبحانه وتعالى، لا تأتي إلا بالمجاهدة والصبر والسباق، حتى تصبر وتلتقي إلى هذا المكان. أظن أننا انتهينا عن الثانية.

لا إله إلا الله. سنشرع في التعليق على الآية الثالثة وهي مرتبطة بموضوع، سنقرأها لنا. اقرأ باسم الله، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله. سورة الحجرات، في الآية الثالثة، ثم نقرأها بعد ذلك من التفسير. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1].

قلنا ما معناها بالعبارة: «لا تقدموا بين يدي الله ورسوله»؟ الدلالة الإيمانية لهذا التعبير «لا تقدموا بين يدي الله ورسوله»، قلنا لهذا دلالة إيمانية، من يراجع معنا؟ فقط 58. على الجانب، لكن التعبير النهائي: لماذا لم يقل لا تقدموا بين يدي حكم الله؟ بل قال لا تقدموا بين يدي الله مباشرة. كان هذا تعظيماً لله عز وجل، رب العالمين. حق أمر الله لا تتحقق حكم الله، لكن عبر عنها بهذه الطريقة من باب المبالغة لتعظيم هذا المعنى.

قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2]. هذه الآية، أهلاً وسهلاً في الكتاب. قصة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب عندما ارتفعت أصواتهما في النقاش في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبعض قال إنها نزلت فيهما، لكن لا يظهر أنها نزلت فيهما وإنما هو لآثارهما تأثر بها وليست هي التي نزلت فيهما.

«أعمالكم وأنتم لا تشعرون»، قلنا هذا الأسلوب يفسر بطريقتين، أفتحها لكم من الناحية اللغوية، هناك طريقتان في تفسيرها، من يتذكرهما؟ وأنا في الدرجة حتى نشعر أننا نفهم ونبني، لا نصنع الدرس وننساه. الطريقة الثانية هي الأقصى منها، أن تُقدم فتقدر ذلك. لماذا نركز في كتاب الله هذا الأسلوب كثيراً؟ وصف رحيم. «أعمالكم وأنتم لا تشعرون»، تدل على أن هذا الفعل قد يوصل للكفر بكلمة وأنتم لا تشعرون. هذا الأمر، أحسنت، أن الإنسان قد يكفر وهو لم يتصيد، هذا حكم عقدي علينا أن ننتبه إليه، لأن المرجئة هم الذين يقولون الكفر لا يكون إلا بالتعمد، والآيات ترد عليها.

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولمن استمع لنا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ تمَّ اسمه، «إنَّ» عند رسول الله، والمعنى يغضون أصواتهم في مجلسه تعظيماً له، «أولئك» مبتدأ خبره «الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى»، وتمَّ صفة «الذين» عند قوله «للتقوى»، و«أولئك» مع خبره خبر «إنَّ».

تحليل هذه الآية من الناحية الإعرابية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [الحجرات: 3]. دعونا نبدأ بالناحية الإعرابية، «إنَّ» وأخواتها، التي درستها في المدرسة، تحتاج إلى مبتدأ وخبر، أو اسم «إنَّ» وخبرها. اسم «إنَّ» هو قوله: ﴿الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، هذه الجملة الاسمية هي اسم «إنَّ».

أين خبر «إنَّ»؟ «أولئك» مبتدأ جديد، «أولئك» اسم إشارة مبتدأ، و«الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى» خبر لهذا المبتدا، وجملة «أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى» هذه الجملة الاسمية هي خبر «إنَّ». إذاً هنا جملة داخل جملة. «إنَّ» حرف توكيد ونصب، تحتاج إلى اسم وتحتاج إلى خبر. اسم «إنَّ» قوله: ﴿الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، وخبرها جملة: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾. لأنه مهم جداً عندما تقرأ الآية أن تعرف أين المبتدأ وأين الخبر، لكي تكون المعلومة صحيحة.

المعلومة حتى تعرف أين المبتدأ وأين الخبر: الله عز وجل ماذا يريد أن يخبرنا في هذه الآية؟ الخبر هو الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله، هؤلاء الذين أخلصهم الله للتقوى، هذا هو المعنى العام للآية: الذين أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى.

طبعاً المراد هو ما ذكر، والنموذج هو خفض الصوت، والمراد ما هو أشرف وأبعد؛ خفض الصوت في تحديداً هو المقصود لذاته، وأعلى من ذلك. هذه مهمة وأنا أقرأ كتاب الله سبحانه وتعالى؛ أن أتفهم هذه الجزئية، أن الله في الصوت ضرب مثالاً على حاجة قليلة، فإذا كانت هذه المسألة التي شدد الله فيها هذا التشديد، فما بالك بما هو أعلى من خفض الصوت؟ ممن يتجاوز بهواه بحكم الله، أو يرفض حديث رسول الله ﷺ، ممن يأبى؟ ستكون مشكلتهم أعوص بكثير. فهذا نموذج للحد الأدنى، إذا كان هذا الشيء اليسير الله عظمه وشدد به حق النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه، فما بالكم بما هو أعظم منه من تخطي أوامره؟

إذا أردنا أين خبر: «أن الله امتحن قلوبهم للتقوى»، هذا التركيب ما معناه؟ «امتحن الله قلوبهم للتقوى»، وهنا أعطى المعنى المختلف، وهي عبارة مجاهد، وهي التي اختارها ابن جرير الطبري في تفسيره المأثور. ماذا قال؟ قال رحمه الله: «والمعنى أخلصناه، إذا التحق الله بالتقوى». فلماذا أخلصها للتقوى؟ هل كلمة «امتحن» هي معنى كلمة «أخلص»؟

«امتحن» تدل على ماذا؟ الامتحانات والاختبارات في حقيقة الخلاصة النهائية، وكأنه يقول: أولئك الذين امتحن الله قلوبهم واختبرها مرة بعد مرة حتى أخلصها وجعلها خالصة للتقوى، وأزال منها الشوائب التي في القلب، وإخلاص القلب للتقوى بحيث لا يكون فيه إلا تقوى الله سبحانه وتعالى، هذا لا يكون إلا بعد امتحان واختبار.

هذه قضية منهجية سلوكية في حياة المسلم، ما معنى هذا الكلام؟ أنك لن تنال التقوى براحة الجسد، لن ترى التقوى وأنت نائم، لن تنال التقوى ولا تصل إلى مرتبة المتقين حتى تُمتحن وتُختبر. أولئك الذين امتحن الله قلوبهم؛ فبعد الامتحانات وجربها وقرّها عليها البلاء، وبعد البلاء وتعرضت للكتاب نجحت، فأصبحت بعد هذا النجاح خالصة صافية لله سبحانه وتعالى. هذا القلب صحيح كان فيه حب شهوات ونرى الحرام وخواطر رديئة، ماذا قال؟ «خالص للتقوى»، لكن كيف خلصها الله؟ خلال الامتحانات والتجارب.

وشوف التعبير الدقيق: «امتحن الله قلوبهم»، هذا الامتحان مثل اللسان وليس الدماغ، وليس للأقدام ولا لليد، هو للقلوب؛ امتحان للقلوب. الله سبحانه وتعالى يرافق قلبك، كيف تفكر في الأمور من حولك؟ هل أنت مستعلٍ في قلبك عن الشريعة؟ أمانة الله، مسلم لحكم الله والرسول ﷺ؟ ينظر في قلبي من خلال الأحكام الشرعية؛ إذا نجح الاختبار أخلص الله هذا القلب للتقوى. ما معناها أخلصه؟ يعني التقوى وأصبحوا الفرس لهم، ولكن بعض الناس يفشل في هذا الاختبار، فلا يكون قلبه خالصاً للتقوى.

فهنا الآية تقول: الذين نجحوا في هذا الاختبار، اختبار خفض الصوت، بالتأكيد هم سيكونون ناجحين من ذلك الأمر، ومن يغضون أصواتهم، فتخبرنا أن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين اختبر الله قلوبهم فنجحوا في الاختبار، فأصبحت قلوبهم خالصة للتقوى.

ثم شبه ذلك بامتحان، اقرأ رحمه الله تعالى من قولهم: «امتحن الذهب وفتنه إذا أذابه فخلص إبريزه من خبثه ونقاه»، امتحن أي أعرضه على النار حتى أزال منه الكبر وبقي منه ماء الذهب الخالص، فهذا مثل قوله: «امتحن الله قلوبهم»، لأن الله أعرضها على الفتن والشبهات والشهوات فنجحت، فأزال منها الفدَر وأصبحت خالصة للتقوى كما أن الذهب يخلص من كل كدر ويصبح خالصاً.

وحقيقة كلمة «امتحن» أن تأتي بتفصيلة في معنى «أخلصنا» رحمه الله، بعبارة مفصلة، كما قال المجاهد: «من جديد لا هو خبرها ورقّاها فسبت رجاءها وإخلاصها»، والمعنى متقارب، لكن المهم نحن نريد أن نخلص، أن تجرد التقوى قلبك، وأن تكون التقوى هي الحاكمة في حياتك، هذا الشيء لا ينال إلا بعد اختبار. هذا معنى عظيم تأخذه من هذه الآية، أن التقوى تحتاج إلى اختبار وامتحان حتى يهيئك الله سبحانه وتعالى لتكون من أهلها.

قال رحمه الله: «وأذهب الشهوات عنها»، عمر رضي الله عنه وهو أحد المعاني الدائرة تحت عموم الآية، والمعنى العام هو الذي ذكرناه، لأن الخواطر الرديئة والشهوات إذا كانت هي التي تحكم قلبك، يعني قلبك ليس خالصاً في التقوى، فمن خلص القلب للتقوى أن يتخلص من خواطر الشهوات.

والامتحان افتعال من مِحنة، والامتحان هو اختبار بليغ، وكأننا نسأل: ما الفرق بين كلمة الامتحان والاختبار؟ الامتحان بالعربية أخص من الاختبار، لماذا؟ لأن الامتحان هو الاختبار في البلاغ والقول، فما الاختبار؟ هذا سؤال لغوي، الفائدة أن الامتحان أخص من الاختبار، فالامتحان اختبار في البلاغ أو بلاء، ليس أي بلاء، بل بلاء جِدّ.

قوله تعالى: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، هذه جملة أخرى، إذن الآية تتكون من جملتين: الجملة الأولى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ﴾، فما هي الجملة الثانية في الآية؟ ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.

طيب لماذا؟ أين المبتدأ وأين الخبر؟ المبتدأ هو المؤخر، وأين الخبر؟ «لهم» متعلق بمغفرة، وكأننا نرجع على الكلام العام. فأيهما يقدم في الكلام، المبتدأ أم الخبر؟ عند البلاغيين، هناك تقديم، لأن المهم ليس فقط بيان أن هناك مغفرة، بل المهم هو بيان المستحق للمغفرة، فكان المستحق هنا أهم فقدمه الله فقال: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، هذا فيه دلالة على الأهمية، وثانية فيه دلالة على...

ماذا عن شيء من الاختصاص؟ من أين تقول هؤلاء الذين يستحقون المغفرة دون غيرهم؟ أين هذا الاختصاص؟ من خلال تقديم ما حكم بالتأخير كثيرًا ما يدل على الاختصاص والحصر. فقوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، على ماذا تقول يا شيخ؟ على أنهم هم الذين يستحقون المغفرة دون غيرهم، وهذا شيء هو شكل من أشكال الاختصاص.

قرر رحمه الله تعالى: وقيل نزلت في الشيخين رضي الله عنهما، فيمن كان منهما من غض الصوت. وأول من تصلح في الشيخين من هم؟ الشيخين، ليس البخاري، بل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما؛ لأنه من شأن من حكم الله فالله سبحانه وتعالى أعد لهم مغفرة فورًا، واعلم أن يدخل فيها غيرهما.

رحمه الله تعالى، وهذه الآية بنظمها الذي رتبت عليه، يعطيك كم من آية فخمة في أسلوبها. انظروا ماذا ذكر. وهذه الآية بنظرها الذي ركبت عليه، الإيقاع الغاضبين أصواتهم، اسم إن المؤكدة أولًا، ستشوف استعمال «إن» في بدايتها، إنها حرف توكيد. وتركيب التوكيد عند البلاغيين يكون إذا خاطب إنسان ناسًا، ممكن يكون إنسان منزّل مسير الشعب، أو منكرًا، فكانت تخاطب ناسًا مشاكين مترددين أو منكرين لهذه القضية، فتؤكد لهم هذه القضية. فإذا فهمت التوكيد في أول النص، الله يؤكد هذه الفكرة.

نحن عندنا «إن» تصبح خبرها جملة من مبتدأ وخبر، لكن كل ما خبرها: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ فَتَحَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. هنا «أولئك» اسم إشارة، وهو معرفة، والذين خبر المبتدأ. إذا جاء المبتدأ هو الخبر، كيف هذا؟ هذا أسلوب حصر، فيه دلالة على الحصر، وتعرف الفرق بين الحصر الحقيقي والحصر النسبي، لكن المهم أنه يفيد حصرًا. الآية تقول إن الذين يغضون أصواتهم، أولئك دون غيرهم على الحصر، أولئك الذين امتحن الله قلوبهم. لذلك قال وتصدير خبرها، يعني خبر «إن» جملة من مبتدأ وخبر معرفتين، ويريد أن يعطي الانقسام في البلاغة، وعارف ماذا قصد؟ خبر ما أعرف، هذه أقل أساليب الحصر والاختصاص.

فقوله: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ﴾، كانوا دون الجماعة هم الذين أخلصهم الله للتقوى دون غيرهم. نعيد ونقول: استعمال «إن» المؤكدة في البداية، وجاء خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين، والمبتدأ اسم إشارة، واسم الإشارة للبعيد يدل على التعظيم. لماذا استعمل «أولئك» ولم يقل «هؤلاء»؟ عجائب كثيرة في القرآن. لماذا لم يقل هؤلاء الذين امتحن الله؟ الإشارة للبعيد إذا لم يكن بعدًا حسيًا فتدل على العظمة، كقوله تعالى في بداية سورة البقرة كاملة، الإشارة للبعيد تدل على ذلك. هو «أولئك» اسم إشارة للبعيد، الإرادة فيها التعظيم والتشريف والإقرار.

والمبتدأ اسم الإشارة، واستئناف الجملة المستودعة: ما هو جزاؤهم على عملهم؟ من الجملة الأخيرة المستودعة: ما هو جزاؤهم على عملهم؟ «له مغفرة»؛ والجزاء والأجر العظيم، وكلمة الجزاء نكرة، والجزاء لهم مغفرة، وليست «المغفرة» بالتعريف، بل هي نكرة، لماذا؟ لأن التنكير يدل على التعظيم أيضًا.

هذا كله يدل على ماذا؟ ستدرك مع الوقت أنك تحتاج أن تدرس ولو مائة المعاني والبيان في البلاغة، أنا أنصحكم بدراسته، هذا النظم في المعاني والبيان في البلاغة وفي التفسير. أنا معكم الآن على اليوتيوب، لكنه قوي، يذهب إلى مختصراته يشرحها بصورة مختصرة مقتضبة أيضًا. المهم أنا أنصحك اقرأ هذا النظم حتى تختصر كثيرًا من الكلام الذي فيه، مثلاً سيساعدك فيختصر عليك مسافة التركيب.

من معانيه التعليل، فقال «وأجر» مبهمة، والابهام يدل على التعظيم أيضًا، يعني كان قوله «له مغفرة» أي مغفرة عظيمة. هذا رحمه الله تعالى أمر دانه على غاية الاعتداد، وقراءتها مرتبطة، والإرادة في الجزاء مبهمة، وهو النكرة لإفادة التعظيم، ما قال «المغفرة».

لماذا فعل الله كل هذه الأمور في الآية؟ لماذا بدأ بـ «إن»؟ ولماذا استعمل الحصر «أولئك الذين امتحن الله»؟ ولماذا أبهم فقال «لهم مغفرة»؟ ولماذا قدم الخبر على المبتدأ؟ في هذه المعاني البلاغية ما الهدف النهائي؟ قال: هذا كله خلاصة ما يريد أن يصل إليه. أراد الجزاء «مغفرة» مبهمة، والابهام دال على غاية الاعتداد، والارتقاء بفعل خافضين أصواتهم. كل هذه الحركات تخبرك بشيء غاية الاعتداد والارتقاء الإلهي عن هؤلاء الذين خفضوا أصواتهم عند رسول الله ﷺ. إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ﷺ، أولئك الذين دون غيرهم امتحن الله قلوبهم، هؤلاء دون غيرهم لهم مغفرة.

شوف هذه المعاني كلها، إلى ماذا تخلص بها؟ إلى كمال الرضا الإلهي عن هؤلاء الذين خفضوا أصواتهم عند رسول الله ﷺ. هذا من حيث التصريح ومن حيث التلميح، وفيها دلالة على عظم المنكر الذي فعله من رفع صوته بحضرة رسول الله ﷺ. فبعد علمه بهذه الآية، فهي تدل بمنطقها على عظيم الاعتدال والرضا لمن خفض صوته، وتدل بمفهومها على عظمة الذي وقع فيه من رفع صوته بحضرة النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه.

وهذا كله في أي شيء؟ ليس فقط في رفع الصوت، بل في كل الجزئيات، في رفع الصوت، وأهمها القضية مع رسول الله ﷺ، ويتلاعب به ويستهزئ بسنته، ولا يتحاكم إلى الله سبحانه وتعالى. إذا كان الله تكلم بهذه الآية لمن يرفع صوته على النبي الأعظم، فماذا عن من يرفع صوته على سنته ولم يطبقها في حياته؟ من يعلم بسنته ويرد أحاديثه؟ هكذا يكون المصير المرعب، وما هو أسوأ من ذلك؟ لكم الخيانة.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، نزلت في بني تميم، وهذا من تناسب الآيات. كيف تتناسب الآيات مع بعضها؟ الآن نحن قلنا الجزء الأول من السورة كان يتكلم عن قضية أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ورفع الصوت، لأن المقطع الثاني أيضًا سنتكلم عن رفع صوت حصل لكن من جهة أخرى، أو من طائفة أخرى، أو مشهد آخر، وهو في بني تميم.

أتى رسول الله ﷺ وقت الظهيرة وهو راقٍ وفيهم الأقرع بن حابس وأولينه. أيضاً هو تفسير لغوي، ذكر أسباب النزول يشير إلى المعاني والأفكار البعيدة للآية، فهو تفسير جامع مختصر، اهتموا به واجعلوه أصلاً. وبالتالي ما في تفسير كامل، كان كل تفسير في عيون، لكنه يُصيب ويجعل هذا ملكنا مبتدأً تنطلق منه في علم التفسير.

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. من الإعراب، نقرأ من حادث مشهورة قصص الصحابي الجليل علي الرأس والعين رضي الله عنه، ولكن كان أعرايب، فكان في شيء من هذه القسوة، فيه شيء قسوة الأعراب. وكذلك قال ونادى النبي ﷺ من وراء حجراته، وقال: «أخرج إلينا يا محمد»، قالوا: فإن مدحنا زان، وإن ذمنا شَان. أعرف الجماعة كما يقولون، يعني اخرج إلينا يا محمد، نحن إذا مدحنا واحداً طاب، وإذا ذممنا ثلاثاً... دم شيء حرام. الكلام مع من الجماعة؟

عند نانيه ربي وسلامه عليه، بل النبي ﷺ شو بدو يعمل بهذا الموضوع؟ أعرايب، يعني النبي عليه الصلاة والسلام بظله من خلف، أنا هذا تفسير كلمة "وراء". وراء هي الجهة التي يواريك عنها الشخص بظله، أي جهة تكون خلف الحائط، من خلف أو خدام. فـ "من وراء" من هنا لابتداء الغاية، يقول ذهبت من البيت إلى المدرسة، أو إلى الجامعة، أو إلى المسجد، أو إلى حلق العلم، من هناك تدل على ابتداء الغاية، فكذلك هنا أن الذين ينادونك، وبداية هذه المناداة من أين وقعت؟ من ورائك.

قال: وإن المناداة نشأت من ذلك المكان، والحجرة هي الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها، هذا تدقيق لغوي عادي. الحجرة، ما هي الحجرة؟ هي في الأصل ليست الغرفة، الحجرة الأصلية بمعنى مفعولة، بمعنى مفعول، يعني حجرة وتؤدي بمعنى اسم المفعول. قالوا هي كعله بمعنى مفعولة، القبضة كالقبة التي تقول قبضة، والمقصود الفعل بمعنى المحجوب عليه، فحجر بمعنى محجور وهكذا.

قال: هو جمع "الحجرات" بضمتين، والحجرات الثانية حجرات هي قراءة ويزيد إحدى القراءات الواردة. والمراد حجرات نساء رسول الله ﷺ، هم المقصودون في الآيات، حجرات نساء النبي ﷺ. طيب ليش ما حكينا سؤال واحد فيها؟ الآية "من ورائكم"، لماذا قال إن الذين ينادونك من وراء الحجرات، إذا كان المقصود حجرات النساء قال إنه حجران وسكت؟ "إن الذين ينادونك من وراء الحجرات" إلى النساء أصحابه فلا ينادي عليهم.

المعنى الثاني الوصف، نعم، أنه الحجرات لنساء، لكنه النبي ﷺ أعلى قدر أن يقال إنه هذا بيت عائشة فقط، بل هي حجرات النساء؛ تأدباً مع مقامه ﷺ، لأن الإنسان الرجل ماذا يعرف بحجرة المرأة؟ إنه مع هذه أماكن خاصة، فهيبة وإجلال له، الله سبحانه وتعالى لم يكن حجرات نساء فقط، وقد يشير إلى ذلك النسب.

قال رحمه الله: وكانت في كل منهن حجرة، ومناداتهم من ورائها، ولعلهم تفرقوا على الحجرات من نسائه، كانت لكل واحدة منهن حجرة. فماذا قال هنا؟ قال لهم تفرقوا من ورائها، أي من ورائها جميعاً، لعلهم تفرقوا على الحجرات، فعلاً يعني كل واحد راح عند حجرة. ولا أنهم تفرقوا على الحجرات متقاربين، أو نادوه من وراء الحجرة التي كان ﷺ فيها، كونوا ناجوه من وراء حجرة واحدة، لكن لماذا جمعت؟ فقال: نادوه من وراء حجرات، وهي التي كانت فيها ﷺ، ولكنها جمعت إجلالاً لرسول الله ﷺ، والفعل جمعها هكذا، أن هذه الحجرات كلها لك وملكه، وهذه كلها مضاربك ومنازل، فيكون الجمع للإجلال والتعظيم.

النقطة الأولى أنهم لم يكونوا يعرفون أين ﷺ، فهو بعضهم راحوا هنا، وبعضهم هنا، وبعضهم ذهب إلى فترة أخرى، فتعمّموا الحجرات بالصورة. قال: والفعل وإن كان مسنداً إلى الجميع، فهذا الخطأ؛ لأن الجميع "إن الذين ينادونك" فيقول لك، والفعل وإن كان مسنداً إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم، وكان الباقون راضين، فكان توليهم على هيئة الرضا.

متى يجوز تثبيت هذه الفئة إلى أهل الذكر وإن لم يكونوا جميعاً يقومون بهذا الحرام؟ إذا كانوا الذين لا يفعلون كانوا ساكتين ولم ينكروا على من فعله. أما إذا كان كثير من أهل القرية لا يفعلون وينكرون الخطأ هنا، لا يجوز أن نقول أهل هذه القرية يفعلون كذا وكذا من الحرام، يجب أن تخصص أن بعضهم يفعل والبعض الآخر لا يفعل.

أما نسبة الخطأ، يقول في أحد حالتين: إما أن الجميع يتبع الخطأ، أو أن البعض والبعض الآخر ساكت، ليس من الممكن لا، وهذه قضية منهجية؛ هل يجوز نسبة الأمر إلى أهل بلدة أو إلى جماعة مثلاً؟ اليوم جماعة فلان، بعض الشباب تحمس، تعرف الخلافات بين الجماعات، يقول الجماعة الفلانية أو الطائفة الفلانية تفعل كذا، تحت أمرين: إما أن كل واحد فيهم يفعل، أو أنه يفعل والباقي ساكت، أما إذا كانوا مختلفين فيما بينهم، فالبعض يفعل والبعض ينكر عليه، من الإنصاف أن لا تنسب الخطأ إلى الجميع.

قوله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ يحتمل أن يكون فيه من قصد استثنائه، ويحتمل أن يكون المراد النفي العام، إذا القلة تقرأ موقعاً كل شيء فيها، وهذا هو الذي يجعل المعنى أفخم في ذهنك لما تفهم الآية على أكثر من وجهة. قال: لماذا قال "أكثرهم لا يعقلون"؟ جميعهم صح أن الذين ينادونك هم لا يعقلون، لكن الآية تكلمت عن الجميع، بل الأصل في النهاية "إن الذين ينادونك من وراء الحجرات لا يعقلون"، لكن هناك مقصد إلهي.

قال الوجه الأول: يحتمل أن يكون فيهم من قصد استثنائه، يعني هناك احتمال من هذا الخطأ، فبعضهم سكت ولم يخطئ، فنستطيع أن نقول إن أكثرهم لا، يعني هناك بعضهم أراد الله، ولعل بعضهم أراد الله سبحانه وتعالى أن يستثنيه، فيكون عاقلاً، لكنه لم يستطع أن يُستثنى لسبب من الأسباب، ففي احتمالية في الاستثناء، والله لم يرد أن يشمله جميعاً بأنهم لا يعقلون، هذا الاحتمال.

يحتمل أن يكون المراد النفي العام إذا كانت القلة تقع موقع الكثرة، وهناك من قال إن المراد بالكثرة هنا الجميع، أي أطلق الكثرة وأراد الجميع، لكن هذا ضعيف. قال إن القلة تقع موقع الكثرة، كأن يقول أحدهم: قام القوم إلا قليلًا، ويكون المراد أنه قاموا جميعًا، فهذا طبعًا ضعيف وفيه نظارة، والله تعالى أعلم في موضوع الكم.

أما قوله: ﴿شُرِبَ بِهَا﴾، وهذا لم يصرح بها وإنما قال الله: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾، لا يقول مباشرًا فالقلة تقع موقعًا، فنقول: ﴿إِذَا أَصْبَحَ بِهَا﴾، وهنا لم يصرح بها وإنما أخذ منه المفهوم، فلذلك لأن المعنى الأول أولى وأسلم.

قال رحمه الله تعالى: وورود الآية على النمط الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى من إجلال مقام رسول الله ﷺ. في تفسيره لهذه الآية مع رسول الله ﷺ، قال: منها التنزيه على الصفات، به من السفه والجهل، لا يعقلون، حتى وصفوا بهذا، أنا فقط أذكر الوصف. التنزيه يعني الحكم على الصالحين، من بيت تميم قالوا إنه مستخف بالجهاد، وهذا لقوله: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾. وهذا التعظيم الأول لمقام النبي ﷺ.

قال: منها قوله ﴿مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾، كناية عن الموضع، خلوته ومقيله، ومقام الحجرات، وأنت فهمت أنها حجرات النساء، وهذا من تأدب الله مع نبيه ﷺ. وهل فيه درس لنا؟ إذا كان الله يتأدب مع النبي ﷺ في الخطاب، فمن نحن حتى نستعلي على مقام النبي الأعظم ﷺ؟ نحن لا نرى ذلك في تعاملنا مع النبي الأعظم ﷺ، إلا ومنها التعريف باللام دون الإضافة: «الحجرات».

قال: ولو تأمل متأمل من أول السورة إلى آخر هذه الآية لوجدها كذلك، فتأمل كيف ابتدأ بالإيجاب من أول السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا﴾، إلى هذه الآية الرابعة مع النبي ﷺ. هذا الذي ينبغي أن يقوله أهل العبارة، ولو تأمل لأنه متأمل من أول السورة إلى آخر هذه الآية وجدها كذلك؛ أي لو وجدها كلها تدل على الاحترام والتقدير والتعظيم لمقام النبي الأعظم ﷺ، متقدمة على الأمور كلها من غير تقييد.

فهذا أول شيء يدل على هذا؛ أن الأمور كلها يجب أن تكون متأخرة عن أمر الله ورسوله. فتأمل كيف ابتدأ به إيجابيًا، أي أن تكون الأمور التي تنتمي -أي الأحكام الشرعية التي تنتمي إلى الله ورسوله- متقدمة على أهوائنا ورغباتنا من دون استثناء أي حكم آخر.

ثم قال: ﴿فَذَلِكَ النَّهْيُ﴾ عن ما هو من جنس التقديم، وهو رفع الصوت، نوعًا من بين يدي الله، وهو جنس التقديم. ثم ذكر الله، قال: كان الأول بساطًا للثانية، أي أن الآية الأولى بساط للآية الثانية. قال: ﴿ثُمَّ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُمْ﴾ ليدل على عظيم موقعه عند الله، ثم أثنى في الآية الثالثة على رفع الصوت، يدل ذلك على عظمته وموقعه وأثره عند الله.

ثم عقبه بما هو إقامة وهزيمة، وأتموا من الصياح لرسول الله ﷺ. ما الفرق بين فعل أبي بكر وعمر؟ هذا الذي أراد السفي أن ينبه عليه، أي وقت صياح، هذه الآية وهجرته، أتم من الصياح برسول الله ﷺ. كان أبو بكر وعمر، لأنهم لم يستطيعوا الكلام مع النبي ﷺ وارتفعت أصواتهم، وبعد ذلك قدرهم الله، ففعلوا ذلك.

ثم عقبه بما هو استقبال رسول الله ﷺ في حالته من وراء الجدر، كما يصاحب بأهون الناس قدرًا. يعني لما تروح لبيت واحد، أنت تضيع عليه لما يكون بينك وبين المشكلة جدار، هذا قليل مروءة، وهذا يزعل. أكيد رسول الله ﷺ، هذا من قلة أدب.

قال: ليُنبّه على فراقه، ما جَسَروا عليه، لأن من رفع الله قدره عن أن يجهر له بالقول، كان صنع هؤلاء من المنكر الذي بلغ في التفحش مبلغًا. يعني إذا كان لا ترفعوا أصواتكم في الآية الثانية، فأنتم ترفعون أصواتكم عند رسول الله ﷺ، فهذا أقبح وأبعد. لذلك قال العبارة: لأن من رفع الله قدره عن أن يجهر له بالقول، كان صنع هؤلاء من المنكر الذي بلغ في التفحش مبلغًا. وهذا يظهر مقدار العظمة للنبي ﷺ، وأدب راقٍ ومعالجة عظيمة من الله سبحانه وتعالى في المنهج الأدبي في التعامل مع النبي ﷺ.

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾، بالنسبة لتحقيق النساء، أليس فيها المعنى الذي أردته في البداية؟ أنه إذا كانت في حجرات النساء، كان النبي ﷺ ينام عند أم سلمة، فإذا علم أنه خارج قدرات النساء قال: ﴿نَادُوهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ أينما كان بصوت عالٍ. أليس المنع للصوت ليس من منهج الحجرات بالأخصية من أجل حجرات النساء، بل في أي حجرة يكون فيها؟ لا أستطيع أن أقول هذا، يمكن نقول إن التعريف يدل على حقوق الخطاب في أي حجرة.

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾، أي ولو ثبت صبرهم، ومحل أنهم صبروا الرفع على أنهم صبروا، وتأتي بعدها جملة، والأصل أن يأتي بعدها جملة فعلية تتكون من فعل، وهنا جاءت تابعة لـ «لو» الفعلية والاسمية. يجوز أن تكون اسمها وخبرها، و«لو» هنا جاء بعدها جملة اسمية، فكيف نعالج ذلك؟ نجعل الجملة الاسمية في محل رفع فاعل لفعل محذوف تقديره: «ثبت»، فالتقدير: ولو ثبت أنهم صبروا حتى تخرجوا إليهم. «لو» أداة شرط غير جازمة، وهذه الجملة «أنهم صبروا» خبر، حتى تخرجوا إليهم جواب الشر.

محلها الرفع على الفاعلين في محل آخر فاعل. فاعل ماذا؟ للفعل، طيب وين الفعل؟ محذوف تقديره: فهت هذه أضيفوها حتى تفهموا، وكاتبها هكذا لأنه متوقع أن اللقاء كلام.

ماذا قالت في البداية؟ "ولو ثبت صبرهم"، لأن المقدم في السياق: "وصبرهم"، من أين أتى بها؟ "صبرهم" هي هذا المصدر المؤول من "أن" واسمها وخبرها: "أي ولو ثبت صبرهم"، حتى لكان خيرا لهم. نعم، "إلا وصبر حق النفس عن أن تنازعها هواها". هذا هو تعريف الصبر.

تعريف الصبر: أن تمنع نفسك عن التماشي مع هواها. شوف المعنى الجميل، ما معنى أن أصبر؟ أصبر على طاعة الله، وأصبر عن معصية الله. ما معنى ذلك؟ أنك تمسك نفسك عن التماشي مع هواها؛ نفس لا تريد الطاعة وتدعوك إلى المعصية، فحبسك لها هو الصبر، ومسكها عن تلك الشهوات وكل المعاصي والزلات، هذا هو الصبر؛ حبس النفس. هل أنت نازل، يا شيخ الأزهر، تتماشى مع هواها؟ "عن التماشي مع هواها" هذه هي حقيقة الصبر، وهذا سعي الأنصار.

الصبر صعب، مرٌّ، لكن نهايته جميلة. والتعاون في الطاعات والوقوع في السلّات سهل، لكن عاقبته وخيمة؛ حفرة من النار. قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28]. لماذا أتى بهذه الآية؟ لكي يشهد على أن هذا التعريف صحيح، أتى بهذه الآية شاهدًا على هذا التعريف، "نفسك" هو هذا الشاهد على المعنى الذي قدمه للصبر.

بدليل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾؛ فكرة "نفسك" في داخلي تدل على أن الصبر عن كذا محذوف منه المفعول وهو النفس. وقوله "ومن صبر عن كذا" لابد أن تقدم محذوفه، فإذا قلت: "صبرت عن الحرام"، ما التقدير؟ "صبرت نفسي عن الحرام"، "صبرت على طاعة الله"، فالتقدير: "صبرت نفسي على طاعة الله" وهكذا.

وقيل: «الصبر مرٌّ لا يتجرعه إلا حرٌّ»، يعني مثلاً مرّ لا يتجرعه إلا نفس أبية شريفة، النفس الحرة، صاحب النفس الأبية.

قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ يفيد أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم لأجرهم لازمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم. ما معنى هذا؟ ولو أنهم صبروا حتى تخرج... لم يقل "ولو أنهم صبروا حتى تخرج" الكلام، مرة ثانية: ولم يكن إليهم بل إلي طائفة أخرى، ما كانوا إلا أن يصبروا حتى يعلموا أن خروجه كان إليهم بالتحديد. وهذا زيادة أدب.

قال: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾، ما جزاؤه الآن؟ لما عليك كان هذا... لكان الصبر خيرًا لهم، خيرًا لهم في ماذا؟ في نيل المغفرة والأجر العظيم عند الله. طيب أيضًا ماذا أيضاً؟ "خيرًا" نكرة لتفيد العموم، وشوف التركيبة أحيانًا يكون مقصدها حتى تفتح مجالاً للتفكير في معنى الخيرية، تخيل، لا أعرف في ماذا تفضل.

أحسنت، خير لهم؛ ليس فقط المغفرة والأجر العظيم، بل أيضًا أن يخرج إليهم طيبًا يجيبهم عن أسئلتهم وهو مشتبه. وهذه الآية يستخدمها أهل العلم في بيان الأدب مع المشايخ والعلماء. هذه الآية يستدل بها أهل العلم في كتب التسلية على الأدب، فعلى المشايخ والعلماء دائماً... يقولون: الشيخ في الأمة في مقام النبي، لأن العلماء هم الأنبياء، فكما أن هذا الأدب مع الأنبياء، فيكون مع العلماء.

«ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم». الذي أتى بهذا المعنى الذي قدمه هناك، هو أن الشيخ والعالم لما يأتيه الطالب وهو مستريح ومقبل عليه، تكون إجابته كيف؟ ورأينا عليه 15 تليفونًا الساعة 11:00 بالليل ويرشق منك... ضحك، بس من أجل الله يرضى عنك، بعض الطلبة بهذا الكهف ويقول إذا خطر في باله سؤال. ومن مواقفك العظيمة أن تحترم الشيخ، وهذه عظيمة في التوصيل له في هذه الأحوال، أسبوعين عادي، بدك تتحمل. فهذه الآية في الأدب مع المشايخ، وهذه القاعدة صحيحة: "ولو صبرت على شيخك حتى... فكان خيرًا لك". سياق آخر: لو صبرت على شيخك ومعلمك حتى يأتي بنفس منشرح للتدريس والتعليم، لكان خيرًا لك، لكن تحصل على المعلومة الدقيقة، بدل ما يكون الشيخ فلان يعطيهم طلب إيده، فهو خير الناس في المغفرة والأجر عند الله سبحانه وتعالى، فهو خير في الدنيا وخير في الآخرة.

في قواعد التفسير، إذا استطعت هذه بمعنى بدون تقدير محذوف... يعني إذا الإشكال... إذن، ودخولهم في المغفرة والأجر، مش مشكلة أفكار كثيرة، وأنا فقط أشغل الأفكار حتى يكون الدرس أكثر حضورًا في ذلك.

نكمل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. الغفران والرحمة واسعتاهما، فلم يضيقهما غفرانه ورحمته عن هؤلاء، ينتابهم الجماعة، بالنسبة لهم آية تبهدلهم، ومع ذلك الله سبحانه وتعالى ما يقصر، والله سيقول: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ويرحمكم. من القسمة لابد من التقدير ابتداءً حتى ما أحد يفكر هي نفس... ربي وسلامه عليها، وبعد ذلك ﴿فَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. هذه جمالية النص لما يعالج كل الإشكاليات ويفتح باب الأمل للجميع.

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. الآية رقم خمسة، المقطع الأول من السورة أو الموضوع الأول، وهو الأدب اللازم في حضرة المصطفى ﷺ. كيف تتعامل مع شرعه وهديه والأدب معه؟ في خط الصوت، طبعًا في الآيات لها أبعاد كبيرة، وكل هذا الذي نقدمه إنما هو مختصر ركز الأفكار والمعاني الأساسية. وعلى كل حال تحتاج إلى مراجعة في الكتاب، تحتاج إلى تكوين الأفكار التي تطرح أثناء المناقشة، هذا هو الذي يرسخ الآيات ويجعل لها أثرًا في حياتك، أما مجرد أن تحضر وتغيب فهذا سريع النسيان.

قوله تعالى: سنبدأ في سيرة آخر، إذا وقع أمام الخير مثبت، كيف يتعامل معه أهل الإسلام؟ كيفية ومنهجية التعامل مع الأخبار والشائعات غير المنسبة التي تكتشف في المجتمع، والتي قد ينبني عليها كذا وكذا، عشيرة لبنانية مع عشيرة فلانة، ونبدأ... من المؤمنين، فما ستبدأ الآية تسود مجموعة من القيم المهمة في بناء المجتمع المسلم. اقرأ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. إنها نزلت في الوليد بن عقبة، وقد بعث... الوليد بن عقبة للصحابة الكرام، لكنه وقع في هذا الخطأ، والصحابة ليسوا معصومين، لا، المعصومون هم... والله يغفر لهم، رحمة الله سبحانه وتعالى، لكن هذه لا تتكلم عن خطأ في الصحابة، ماذا فعل هذا الصحابي؟

وقد بعثه رسول الله ﷺ مصدقًا إلى بني المصدر، ليأخذ من صدقات غير قبيلته. قديما كان النبي ﷺ يبعث المصدق، وهو الذي يقوم بجمع الزكاة الواجبة من القبائل. فهذا الصحابي الوليد بن عقبة، أُرسل ليأخذ الزكاة من قبيلة بني المصطلق بعد أن أغار النبي ﷺ عليهم، ثم تزوج ابنه سعيد بن جويرية بنت الحارث، وهي بنت زعيمهم، وقد أسلموا جميعا.

المهم أن الوليد بن عقبة ذهب ليأخذ الزكاة، وكانت بينه وبين هذه القبيلة في الجاهلية عداوة. فلما أشرف على ديارهم وركبوا مستقبلين إليه، كان القوم على أحصنتهم وجاهزين، فظن الوليد أنهم يريدون قتله، بينما الواقع أنهم كانوا جاهزين لاستقبال المصدق ودفع الزكاة، لكنه تأخر عليهم، فظنوا أنه سيذهب إلى المدينة حتى يصلوا النبي ﷺ بالزكاة.

قال الوليد: «فما شرفتُ ديارهم، ومقبلين إليه، فحسبتهم وقاتليه»، فهرب وذهب إلى المدينة قبل أن يصلوا. فرجع وقال لرسول الله ﷺ: «لقد قتلوهم». وهذه المعلومة الخطأ التي وصلها الوليد استعجالًا، لو وقع اغتيال بسببها! فقال النبي ﷺ: «من يا رسول الله؟»، قال: «كلهم»، أي بالشكل الذي وصفه.

فجهز النبي ﷺ خالد بن الوليد بسرية يذهب لقتالهم، فوجدهم يصلون، فسلموا إليه الصدقات، فرجع. وهكذا، أخبرهم الوليد بالخبر، فكيف يتعامل المسلم مع الشائعة؟ أو لنقل: كيف يتعامل مع أي خبر لم يصل لدرجة اليقين؟ خصوصا إذا كان هذا الخبر يترتب عليه أمور كبيرة.

لذلك قال الراغب الأصفهاني: «النبأ هو الخبر العظيم وليس أي خبر». فالخبر العظيم الذي تترتب عليه أمور كبيرة جاءت الآية بكلمة «نبأ» وليس بكلمة «خبر»، في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: 1-2]. وفي تنكير «فاسق» و«نبأ» و«شياعا» تفيد العموم، أي: إن جاءكم أي فاسق بأي نبأ فتبينوا.

هذا أمر الله للجميع: «أيها المؤمنون جميعا، تبينوا». انظروا كم نحتاج لهذا في واقع الحياة؛ كم شخص أعطاك معلومة عن صاحبك خطأ فأفسد العلاقة، أو أفسد بين عشيرتين، أو بين طائفتين من الطوائف الإسلامية. كم من طالب علم يفسد بين شيخين بأخبار منقولة تتناقل هنا وهناك! ما أكبر هذه المفاسد، خاصة لأهل العلم والكبار.

المشكلة أن بعض طلاب العلم في وسائل التواصل الاجتماعي، وكل شيخ وأتباعه، يقعون في هذه القطيعة، وهذه من أعمال الشياطين. لذا يجب أن يكون الشيوخ والدعاة على درجة عالية من العقلانية، ويأخذوا بهذا الأمر الإلهي: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. أي إذا جاءكم أي فاسق بأي نبأ، فتوقفوا فيه واطلبوا بيان الحقيقة.

والفاسق هو الذي يفعل أي شيء من أجل أن يفسد بين شيخين أو بين القائمين على أمر ما. ومن لا يتوقع الفسوق، لا يمانع أن ينشر الكلام الكاذب ويغرس الفتنة بين الطوائف والجماعات. وفي الآية دلالة على قبول خبر الواحد العدل؛ فلو توقفنا في خبر العدل كما نتوقف في خبر الفاسق، لأصبحت الآية لا معنى لها.

فالأصل أننا إذا جاءنا خبر من عدل، نأخذ به، أما التنصيص على الفاسق فهو للتفريق بينه وبين العدل في قبول الخبر. فإذا ذكر الفسق، فالأصل أن الخبر عنه غير مقبول.

أما المعنى اللغوي للفسق، فهو الخروج عن الشيء. ومن مقلوب «فسق» إذا أخرجت الشيء من يده، فإنه يفسق عنه. وفي الشريعة الإسلامية، استعملت بمعنى الخروج عن طاعة الله، وهو ارتكاب الكبائر مع الإصرار عليها، وهذا هو الفسق الأصلي.

من حيث القراءة الفردية، هما طلبوا الثبات والبيان والتعرف. ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾، الله عز وجل أتى بعد ذلك بـ ﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾. كيف تفهم هذه؟ لا يستهدفها بطريقتين.

الطريقة الأولى خفية: ﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾ أي خشية أصابتكم قوماً بجهالة. الطريقة الثانية واضحة: النظم مكشوف أمامك في طريق الكفاح. أما حين نقول خشية أصابتكم أو بانه اختاروا طريقة ثانية، فهناك أخطار. الطريقة الأولى، وهذا من التنويع فقط، هذا كله من تنويعه وتعليم الفائدة: ﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾، قال لأنها تصيب بجهالة الحال، لأنها تصيبكم جاهلين، إذاً بجهالته يا جماعة؛ فالجار والمجرور حال متعلق بالمحذوف، أي لأن المصيبة حالها كونكم جاهلين قوماً، وهم لم يخطئوا، إذاً لم تصيبوا قوماً بجهالة، يعني قال جاهلين بحقيقة أمرهم.

إذاً التقدير بعد تحليل الآية: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا﴾ وأن تؤذوا قوماً وأن تصيبوا قوماً وأنتم جاهلون بحقيقة الأمر. على جاهلها بحقيقة الأمر وكنه القصة، في الحقيقة بطبيعة أمر النبي خلف القبضة ونحن جاهلون بحقيقة ما فعلتم، نادمين، الندم وضرب من الغم؛ جميع هذا الكلام.

ما الفرق بين الندم والغم؟ ما الفرق بين الندم؟ حتى لا نستشهد كثيراً، قال: الندم هو أن تتمنى ما وقع منك، تتمنى أنه لم يقع، وهو يصحب الإنسان. والغم هو ما يشغل من أشكال الغم، ما هو بالتحديد؟ قال: وهو أن تتمنى ألا يقع ما وقع منك، وهو يصحب الإنسان صحبة، وله دواء.

الندم على شيء صدر منك، وليس على شيء جاء من الخارج. ثانياً، لابد أن يكون مستصحباً معك. ثانياً، فلذلك أن تتمنى على ما وقع عليك وليس شيئاً فعله الآخرون بك، ثانياً وهو عمره يسحب الإنسان، وله دواء فيه وليس الشيء الآن، فيزول. فهذا هو الفرق. الندم لابد فيه من هذين العنصرين: وهو أنه يكون بشيء أنت فعلته وليس جهداً خارجياً، وأن يكون مصاحباً لك على الدوام أو فترة طويلة.

يأتي الآن على الخطيئة التي ذكرها الشيخ آخرها، وهي قضية: هل يجوز وصف الصحابي بالفسق؟ الآية ظاهرها ما هو؟ ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾، الآية ذات الكلام عنه عن الوليد بن عقبة، الصحابي، المتبادل أن الفاسق هو نفس الوليد. هل يجوز وصف الصحابة بالفسق؟ ماذا ذكر الألوسي في هذه القضية؟ وروحي معها من التفاسير المهمة، فكلام العلم حقيقة وإن كان واسعاً لكنه مهم في معالجة القضايا والشبهات الفكرية التي تطرح حول الآيات في القرآن.

نعم، قال الألوسي رحمه الله تعالى: واستدل بها على أن من الصحابة رضي الله عنهم من ليس بعدل. بعض الناس يقول هذه الآية دليل على أن بعض الصحابة ليسوا بعدول، بعض الصفة بالفسق. طيب، ننظر، هذا سيكون فلا؛ لأن الله تعالى أطلق الفاسق على الوليد بن عقبة، طعمها أن الله... طيب، أنا فإن سبب النزول قطعي الدخول، قطعية بسبب الوليد نفسه هو سبب نزول الآية، يعني لا شك في دخوله قطعاً. إذاً يقول إنه هو سبب نزول الآية، وإلى هنا يسكن طبق عليه، لكن كلامنا هل استمر؟

قال: وهو صحابي بالاتفاق، فيرد بها على من قال إنهم كلهم عدول. في مناقشات في كتب أصول الفقه والحديث: هل الصحابة كلهم عدول؟ الجمهور: نعم. لكن بعض أهل العلم قال: لا، استدلوا بهذه الآية بفسق بعض الصحابة، قد يكون فاسقاً؛ والدليل أن الله وصف الوليد. هذه حجة، ولكننا نحن نحتاج ضمن سياقها.

أكيد، قال إنهم كلهم عدول، ولا يبحث عن عدالتهم في رواية ولا شهادة، فهذا أحد أقوال في المسألة، فقد ذهب إليه أكثر من العلماء السلف والخلف. فمنهم من قال: الصحابة كلهم عدول، لكن هناك طائفة قالت: لا، يمكن أن يكون بعض الصحابة فاسقاً بناءً على ظاهر هذه الآية. فكيف يعالج هذا الموضوع؟

القول الثاني: أنهم كغيرهم فينهدون عن العدالة، فيهم في الرواية والشهادة، إلا من ثبتت عدالتهم بالقطع كالشيخين أبي بكر وعمر. إذاً القول الأول: أن الصحابة كلهم عدول. القول الثاني في المسألة: أن الصحابة ليس كلهم عدول، بل هم مثل سائر الناس، منهم العدول ومنهم الفاسق، هذا رأي ثانٍ، إلا أن ثبتت عدالته بالقطع.

الثالث: أنهم عدول إلى قتل عثمان رضي الله عنه، الصحابة كلهم حتى مقتل عثمان. بعد مقتل عثمان اختلف الصحابة، منهم من فسقوا، ومنهم من بقي على عدالته، ومنهم من أصبح فاسقاً؛ وهذا رأي ضعيف.

الرابع: أنهم عدول إلا من قاتل علياً كرم الله وجهه، نظر، يعني أخرج من الشيعة تماماً، ولكنه لسه بالشتق، أن يكون خطأ، لأنه من قول الشيعة في النهاية. القول عندما قدر... من الصحابة، طيب قال: من الخروج على الإمام الحق، وإلى هذا ذهبت المعتزلة؛ لأن المعتزلة أصلاً سواء معتزلة بغداد أو معتزلة البصرة، قالبها على شيعة بغداد، أصلاً المنهج الاعتزالي من الاتزان والتشريع والتقيانهم.

إلى هنا، ما ذهب إليه الأكثرون وهم يقولون: إن من طرأ له منهم قادح ككذب أو سرقة أو زنا، فإنه يُحكم بمقتضاه في حال يسر، فلا يقول الحق ما ذهب إليه الألوسي، بل ما ذهب إليه الجمهور. ونحن مع قول الجمهور، وهذا هو الأصل في طالب العلم أن الصحابة كلهم عدول.

النووي ذكر الإجماع على ذلك، حتى يُعتبر الخلاف. فكيف يأخذ الإجماع على عدالتهم والآية؟ النووي والألوسي يجيبان عنها. قال: همم، أو سرقة أو زنا، أو منها بمقتضاه في حق، طيب، سنقول إن الصحابة كلهم عدول، لكن إذا عملت تجسس خفيف، طيب، نحن نقول إنك فسقت في هذه الحالة. هذا معناه بالمختصر أنه في هذه الحالة قد تكون فسقت، لكن هل استمر الفسق؟ هذا هو المعلم.

قال: إلا أنه لا يسر على ما يخل بالعدالة بناءً على ما جاء في مدحهم من الآيات من الأخبار وتبارك من محاسن الآثار، فلا يسوغ لنا الحكم على من يرتكب منهم مفسقة في أنه مات على الفسق. إيوه، هنا المشكلة؛ اختلف، هل الصحابي منهم قد يكون فسق في بعض التصرفات لكن هل استمر على الفسق أم مات على العدالة؟ كلهم ماتوا عن العدالة، وعلى قول الجمهور أن الصحابة كلهم عدول، يعني لا يوجد منهم أحد مات فاسقاً حتى ولو صدر منه.

وفسقًا في حياته، وهكذا نفهم الآية. قال الله تعالى: ﴿...أَمْ يَقُولُونَ إِنَّا إِذَا مَا اشْتَهَيْنَا وَعَصَيْنَا وَفَسَقْنَا كُنَّا سَوَاءً...﴾ [الزمر: 58]. نحن لا ننكر أن منهم من يرتكب في حياته مفسقًا فقط، وربما كان يقال له قبل توبته فاسق، لكن لا يقال باستمرار هذا الوصف.

فيه ثقة ببركة النبي ﷺ، ثقة ببركة الصحبة؛ أن الله لا يميت صحابيًا على الكفر في القرن، وذلك ببركة صحبته من النبي الأعظم ومزيد ثناء الله عز وجل عليهم، كقوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]، و﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾، و﴿وَأَنْتُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، إلى غير ذلك.

نحن نريد أن نقول إن من الصحابة من ليس بعادل، أي أن منهم من يرتكب في وقت ما ما ينافي العدالة، فدلالة الآية مسلمة في حياته. لكن، هل هناك محل نزاع بها؟ هل يوجد صحابي يفسق في حياته ثم يتوب؟ هذا كلام قوي وأصيل. نعم، قال: «لكن ذلك ليس محل نزاع به»، أي أن من استمر على ما ينافي العدالة فدلالة الآية غير مسلمة.

هل تدل على أن الوليد بن عقبة مات مفسقًا أم تدل على أنه ارتكب مفسقة؟ انظر إلى العبارة بين الجملتين؛ هذه الآية تدل على أن الوليد ما تفاسقه أمر كره مفسقة ثم أتى فاسقًا. الاستدلال بالآية على أن هناك من الصحابة من مات فاسقًا هو خطأ، فما دخله بالآية؟

المهم، إذا كان الاستدلال بهذه الآية على أن هناك من الصحابة من مات فاسقًا فهو خطأ في الاستدلال؛ لأن الآية تدل على أن هناك من الصحابة من يرتكب، لكنها لا تدل على ثباته على ذلك بشكل من أشكال الاستمرار. وهذا كلام أصيل، فاحفظه جيدًا حتى ترد به على من يشكك في عدالة الصحابة ويستدل بهذه الآية: «ألم يقل الله عن الوليد بن عقبة إنه فاسق؟». كيف تجيب عن هذه الشبهة بكلام الآلوسي رحمه الله؟

تفضل يا شيخ.

الآية تتكلم عن أهل الإيمان ومواصفاتهم، لكن كيف يمكن الرد على من يقول إن الصحابة لم يكونوا بما أمر الله عز وجل به؟ هناك الضابط، أما أنا فليست شغلي الأحكام، لكن الذي حكم في هذه الآية هو الله رب العالمين، فهناك فرق بين حكم الله وحكم الإمام. هل هذا الحكم على الناس إذا ارتكبوا الكبائر؟

بماذا عُرف الفاسق في الأفعال؟ ارجع لحديث الفاسق؛ عن طريق عدم الاستقامة وارتكاب الكبائر، هذا هو الفاسق عندنا، شخص يُسمى فاسقًا لا يُعرف.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.