الحمد لله، سبحان الله، والحمد لله، مشكورين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وفَرَجِنا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا من صلاة الأخلاق والأعمال، والأخوات والأفوار، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
حياكم الله جميعا في هذا المجلس الجديد الذي نناقشه في مدارسه في تفسير الجسد رحمه الله تعالى، حيث نلتقي على فوائد القرآن في كل يوم ثلاثاء بحمد الله سبحانه وتعالى. ونحن نتدارس معنا الآن سورة الحجرات، وإياكم أحد يكون بعيدا، فما عزلنا. نقرأ في هذه السورة المباركة ونتدبر آياتها آية آية، ونعيش في رياض القرآن، على أن لا يحرمنا من هذا النعيم الذي رزقنا إياه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
بما أننا تأخرنا عشر دقائق، سنبدأ مباشرة في المادة حتى ننهي ورد اليوم مستعينين بالله. بسم الله، سأقرأ الآية كاملة ولا نقرأ تفسيرها. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.
قال رحمه الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۖ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7].
قال رحمه الله: «واعلموا أن فيكم رسول الله»، فلا تكذبوا، فإن تبعها في هذه الآية العظيمة في كتاب الله سبحانه؛ هذه الآية بدأت بهذه الجملة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾. السؤال الذي يوجهه المرء: هل الصحابة لم يكونوا يعرفون هذه المعلومات؟ ولا يعلمون أن رسول الله فيهم؟ يعلمون، إذا ما المراد بهذا الإخبار؟
أكيد ليس المراد ذات الخبر، وإنما المراد لازمه، وهذا يسمى في البلاغة لازم فائدة الخبر. فما لازم "اعلموا أن فيكم رسول الله"؟ هذا أحبابنا الكرام. في الآية السابقة، كما قلنا، أتى الوليد بن عقبة بخبر خاطئ استعجالا منه، فأخبر أن بني المصطلق يريدون الإغارة على المدينة.
الآن النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة الكرام، كيف تعاملوا مع هذا الخبر؟ الصحابة الكرام تعاملوا مع هذا الخبر على طريقتين؛ فرقة من الصحابة قالت: يا رسول الله، نغزو بني المصطلق وننقض إليه، ودعنا رسول الله في حاجة أخرى. وفرقة أخرى كانت أكثر، قالت: دعونا نتأنى ونصبر. فحدث خلاف بين الصحابة في طريقة التعامل مع بني المصطلق؛ هل يغزون عليهم لأنه مرتجع كما أخبر الوليد، أم بعض الصحابة اقترحوا التأني والتروي؟
فالله سبحانه وتعالى ماذا قال؟ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾؛ عليكم أن تعودوا إليه في خصوماتكم، هذا شيء مقدر في السياق فهمناه من هذه الجملة. هل هو مكتوب "فارجعوا إليه"؟ لا، لكن من أين أخذته؟ من أين استنبطته؟ من لازم فائدة الخبر والإعلام. يعني كيف أقول لكم؟ يكون مثلا اثنان يتناقشان وشيخهما موجود، فالشيخ موجود يا جماعة، فما قصدك؟ ترجع والشيخ موجود!
وهذا هو قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، أي فالتزموا الأدب معه وعودوا إليه في هذا الخلاف الحاصل. وإذا علمنا ما نستفيد، فإن الاتجاه الأول "اعلموا أن فيكم رسول الله" ينبني عليه: لا تكذبوا، فإن الله يخبره، وهذا بناء على ما فعله الوليد بن عقبة، فكأنها رسالة للوليد: إياك أن تكذب في حق هؤلاء القوم، فإن الله سيكشف الأمر.
لكن المعنى الثاني أجدُه أقوى، المعنى الثاني: "اعلموا أن فيكم رسول الله" أي ارجعوا إليه واطلبوا رأيه في هذه الواقعة، كيف نتصرف بها؟ ولا ترتكبوا على آرائكم. واضح الكلام، إذا، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ هي رسالة شديدة: يا أيها الصحابة، ترى الرسول موجود صلوات ربي وسلامه عليه، فإياكم أن تختلفوا فيما بينكم بلجا أو إلى ماذا؟ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو يفصل الأمر. وهذه سنة في أي مسألة، إذا اختلف اثنان في مثل أمر، فتقول لهما: إن فيكم هذه السنة قائمة، ارجعوا إليها لتعرفوا حكم الله فيها. فهذا ترتيب من الله في الصحابة أولا، ثم لمن بعدهم بأهمية الرجوع إلى الشرح الذي يمثله النبي الأعظم ﷺ.
وإذا فهمنا هذه الفائدة البلاغية، نكتب: بعض الجمل في القرآن لا يكون المراد ظاهرها وإنما لازم فائدتها. بعض الآيات هي جمل معناها الله لا يريد الإخبار بها وإنما يريد لازمها، وهذا يسمى في علم البلاغة لازم الفائدة. ستستفيد من هذا التفريق التطبيقي الذي نحن نفرقه على كلام الناس الآن.
إذا انتهت الجملة الأولى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، انتهى المقطع هذا، لأن المقطع الذي أقرأه قال رحمه الله ثم قال مستأنفا: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. أين وقعتم؟ في الجهل والضلال. وهذه الجملة تخاطب تلك الطائفة من الصحابة الذين كانوا مستعجلين يريدون مهاجمة بني المصطلق. الآية لما ذكرتك بهذا ظاهرها، لكن من السياق يعلم أن هناك طائفة من الصحابة كانت تريد الإغارة على بني المصطلق قبل أن يأتيهم الخبر اليقين، فالله سبحانه وتعالى يقول لهم: الرسول صلى الله عليه وسلم موجود فارجعوا إليه.
ثم قال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ﴾، المراد الأمر الشامل، لو أطاعكم في كثير من أهوائكم وشؤونكم ورغباتكم لَعَنِتُّمْ، أي أين وقعتم في المشقة والهلاك؟ فمن يتبع هواه يقول لك: إلى المشقة والهلاك، ومن اتبع مولاه فإن مولاه سبحانه وتعالى يقوده إلى ما فيه صلاحك في الدنيا وفي الآخرة. هذه أيضا آية منهجية؛ من اتبع الشرع، فالشرع يقوده إلى الصلاح في الدنيا وفي الآخرة، وأما من اتبع الهوى ورهن نفسه وربط، فأين سيقوده ذلك؟
هناك آية أخرى أيضا فيها قضية مشابهة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: 128]، فبالشريعة الإسلامية ويمثلها النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه، وتأتي بما فيه صلاحنا ونجاحنا. إذا، ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، قال: أين وقعتم؟ في الجهل والضلال. وهذا يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليوقع بني المصطلق في هذا الأمر من غير علمهم، بل من الذي يتثبت؟ فالله أقدرهم بهذا التأكيد؛ لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتبع أهواءكم أيتها الطائفة، لأوقعكم في باب المصطلق، لا يشذ عن ذلك، لحدثت فتنة بين المسلمين بعضهم بعضا.
كانوا يتصورون مقابل هناك طائفة من الصحابة، أكثر وهذه أكثر وحكيمة أكثر، لا يريدون نزع جلدهم في التقوى، فساعهم جلدهم، أي رسوبهم وتبللهم في التقوى، عن الاستعجال والاتحاد. آراء فيها مبالغة غير محلها، كان عندهم تصون، ووجدتم في التقوى جامد جدا في التقوى وتعاون نفسه في تحسين مراتب المتقين.
لذا جاء ذلك وهو ابن الذين استثناهم لقوله «الذين استثناهم»، واستدركهم بقوله: ﴿وَلَٰكِنِ اللَّهُ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 7]. الآية على الوجود خلال بين الصحابة في طريقة معالجة الصحابة، يجيدون العجلة وصحابي يريدون ماذا؟ التأني والتروي.
والله سبحانه وتعالى أكبر. القسم الأول بقوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: 4]، أنتم أيها الصحابة المتحمسون، لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتبع حماسكم لوقعتم في العنت والمشقة، ولأهلكتم أنفسكم وأهلكتم جماعة المسلمين. وهذا حاجة من الشباب المتحمس؛ لأننا نحتاج أن نضع له بريكات، لأن الشاب المتحمس يمكن يوقع نفسه ويبقى إخوانه ويوقع الكلة ويوقع المسلمين في مشقة وفي عناء، وهو لا يحسب العواطف.
﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾؛ هناك الصحابة الذين لم يتبعوا هواها، يعني خلينا نقول لم يرد شهرة شخصية، هو أراد نصرة الإسلام في رايها، لكن لما أراد نصرة الإسلام في لوحه الشارع حتى الإسلام ونصرنا المصطل، لكن هل أنت اتبعه الشرعي في ذلك؟ لا، حماس زائد سمي هواء ولا يوافق.
وأما الطائفة الثانية التي كانت متأنية في أمورها، مدحها الله سبحانه وتعالى بقوله، ولكنه قال استثناه بقوله: ﴿وَلَٰكِنِ اللَّهُ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾، وقيل هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، يعني الذين حبب الله إليهم الإيمان هم نفس من الإيمان امتحن الله قلوبهم للتقوى في بداية السورة، هؤلاء هم نفسهم.
قال: ولما كانت صفة الذين حبب الله إليهم الإيمان غير صفة المتقدم ذكرهم، وقعت لكنها في موضع الاستدراك. والعربية أداة، ما هو الاستدراك؟ عندما أقول جاء محمد لكن زيد لم يأتِ، أو العكس، لم يأتِ محمد لكن زيد جاء. بطبيعتها أن ما بعدها يخالف ما قبلها، إما نفياً أو إثباتاً.
أين الاستدراك في هذه الآية؟ انظر إلى سياق الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: 4]. عندما يقرأ ويكون هناك استدراك، الاستدراك من ماذا؟ الطائفة الأولى لم يطيعكم في كثير من الأمر، ثم استدرك الله حتى لا يكون الإيمان عند كل الصحابة، كان حال بعضهم حالاً، وبعضهم في حالة التأني والسكون، فاستدركهم الله بقوله: ﴿وَلَٰكِنِ اللَّهُ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾.
إذاً الاستدراك لبيان أن بعض الصحابة ليس كل الصحابة كان عندهم حماس وعجلة، بعضهم كانوا متصون، أقوى واحد كان يتحرك ولا يريد الهجوم قبل الاستقرار. استدركهم الله بقوله: ﴿وَلَٰكِنِ اللَّهُ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. هنا مهم حتى تجمع شغل الآية وتكون فهم التركيب القرآني، لماذا أتى على صورة الاستدراك؟ لبيان انقسام الصحابة إلى طائفتين.
قال: ومخالفة ما بعدها لما قبلها نفياً وإثباتاً، فمن لابد من وجود تغير بين ما قبل "لكن" وما بعد "لكن" لأجل ما قبل "لكن" هو الصحابة المتحمسون، وما بعد ذلك الموصلون.
﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾، والكفر هو تغطية، نعم. وهذه قضية عظيمة جداً، وهو أننا نحتاج إلى الله سبحانه وتعالى في كل موقف من مواقف الحياة. من الذي يحبب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا؟ الله سبحانه وتعالى. ومن الذي يكره إليك الكفر والفسوق والعصيان؟ الله.
إذاً أنت دائماً تحتاج إلى عون الله، ما في شيء منك، أنت فاهم، ولو كان أبوك ما شاء الله وزير، الله لو شاء لكان الأمر بخلاف ذلك، فأن شاء الله نجعلك كافراً وحبب إليك الكفر والعصيان. فبالتالي أنت تحتاج إلى تحقيق العبودية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. بدنا نربط كل صور القرآن بالفاتحة؛ لا عون إلا به على طاعة والابتعاد عن معصية، لا لك إلا به يا رب العالمين.
فلذلك الله عز وجل بكمال عبادته ونعبده، ولكن الله هو الذي حبب إليكم الإيمان، الله هو الذي حبب إليك أن تكون مسلماً، أن تكون طالب مجالس تعلم، هذا ليس بإرادتك الشخصية، أنت كذلك أسباب والله سبحانه وتعالى هو المسبب. لكن إياك أن تظن أنك تفعل شيئاً بذكائك وبمنتك وبحرثك الشخصي، أنت تحتاج في كل خطوة من خطوات الحياة وفي كل نفس من الأنفاس إلى ماذا؟ نستعين. هذه الآية ترسخ هذه القضية في قلب المسلم.
قال: ورغم تغطية الكفر في اللغة، كما يقال فلان كفر النعمة، في أصل اللغة التغطية، تغطية نعم الله وإنكارها من خلال جحودها، وجحود وجود الله وحده ونيته فتشتت به غيره، وما شابه ذلك من أشكال الكفر. ولكن الكفر معدوم الذي إذا كره إليكم وهو أسوأها.
ثم ماذا؟ سورة الخروج وإن حجة الإيمان، هذه حالة حال الإنسان إذا ارتكب الكبائر وليس الصغائر، متى يكون الإنسان إذا فعل الكبائر وأصر عليها بهذا؟ قال: والعصيان، التنازلي كفر وفسوق وعصيان، وكلها عظيم في حق الله سبحانه وتعالى.
المسلمون، هل هذه الآية فيها حصر؟ هل هذه الجملة فيها أسلوب الحصر؟ ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7]. هم الراشدون دون غيرهم، من هم الراشدون؟ الذين حبب الله إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، هؤلاء دون غيرهم هم الذين قالوا مرتبة الرشاد.
السؤال الآن: ما هو الرشد الذي يتكلم عنه؟ قال: هو الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه، من الراشدين وهم الصحابة على طريق الحق، في واحد ماشي على الطريق لأنه ليس مستقماً على طريق الحق، والاستقامة أن تكون راسخاً في استقامتك إلى الله سبحانه وتعالى.
في واحد إيمان قوي متين، وفي واحد إيمانه ضعيف؛ لأنه لغره شهوة الدنيا تغره، لذا يغويه الحرام، يغويه فتاه، هذا ليس راشدًا وإن كان مثلاً يحافظ على الصلاة.
كيف المعاني اللغوية تؤثر في المعاشات الشرعية؟ أصبحت تدل على الصلاة، أصبحت في الشريعة الإسلامية لا تكون كذلك إلا إذا كانت تدين.
قال الله تعالى: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: 7-8].
هل اجتمعت فيهم هذه الخصال؟ هؤلاء الذين وصلوا إلى مراتب الهدى. قوله تعالى: ﴿فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾؛ الفضل والنعمة بمعنى الإفطار والإنعام. لماذا تغيرت الدلالة؟ لماذا قال الفضل بمعنى الإفطار، والنعمة بمعنى الإنعام؟ قضية لغوية؛ الفضل يطلق على نفس الشيء، فتقول تفضل به، والنعمة يطلق على نفس النعمة، وليس المراد هنا تطلع من الله، أكمل في هذا الشكر.
لابد أن يرتبط المفعول بالفعل السابق؛ ما هو الفعل الذي ارتبط بـ "فضل من الله ونعمة"؟ الفعل هو "حبب". قوله تعالى: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. الجملة السابقة "أولئك هم الراشدون" هي جملة معترضة، والتقدير: حبب الله إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان؛ أولئك هم الراشدون فضلاً من الله ونعمة.
لو سألتك: لماذا حبب الله إلى هذا الشخص الإيمان وزينه في قلبه؟ ولماذا كره إليه الكفر؟ هل هذا الشخص يستحق ذلك من نفسه؟ لا، وإنما تفضل الله، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم حيث يجعل فضله. بل هذا جواب لسؤال "لماذا"؛ ما هو "تفضل"؟
لكن احتجنا إلى شيء من التأويل، لأن الفضل والنعمة على ذات نفس اللعبة، نحن لا نريد نفس النعم، نحن نريد الحدث وهو الإنعام. الفضل يدل على نفس الشيء المتفضل به، فنقول "تفضل به"، ولكن مراد الآية هو الإخبار، فاحتاج المفسر إلى شيء من التأويل؛ فقال الفضل هنا بمعنى الإخبار، والنعمة بمعنى الإنعام، أي استعمل اسم المصدر وأراد المصدر. هذه الإدارة في اللغة؛ تذكر كلاماً جيداً: استعمل اسم المصدر وأراد المصدر؛ لأن اسم المصدر يدل في العادة على الهيئة، والمصدر يدل على الحدث. فالفضل والنعمة أسماء مصادر، وهي تدل على ثواب نفس الشيء المتفضل به، والحدث هو الإفضال والإنعام.
فاحتاج إلى شيء من التأويل، ويكفيني المعنى الحق أن الله سبحانه يخبرنا أن تحبيب الإيمان لهذا القلب وتكريها الكفر والفسوق والعصيان هو تفضل من الله وإنعام، وهذا بالتالي يستوجب الاستقامة، والله تفضل عليكم بهذا الإفضال. ما الذي يستوجب شكر الله عز وجل على هذا التفضل والإنعام لكي تكون مؤمناً على طريق أهل الإيمان؟
قال رحمه الله تعالى: "أي حبب وكره هذه الفضل والنعمة، والله أعلم بأحوال المؤمنين وما بينهم من تفاوت". الحكيم حينما تفضل من الله ونعمه، والله عليم حكيم. لو سألتك: لماذا انتهت الآية بهذين الاسمين؟ ما مناسبة "العليم الحكيم" بمطلع الآية؟ لماذا لم يقل "العليم" فقط؟ قال "العليم الحكيم" لأنه يريد أن يخبرها أنه عليم بمن يستحق هذا التفضل والإنعام من غيره، وحكيم؛ أين يضع الإيمان؟ وأين يضع الصلاة؟ وأين يضع الانحراف؟ والله تعالى أعلم. إذن، الله أعلم بأحوال المؤمنين وما بينهم من التمايز والتفاضل.
حكيم حين يفضل، وحين يبطل، ويلعب بالتوفيق على المفضل؛ وهذا كان الصحابة متحمسين، لماذا؟ لأن أهل التأنّي أفضل عند الله من أهل الحماس المندفع. هذه الأخبار بأن هذه المواهب من الله سبحانه وتعالى، والله أعلم حيث يجعل مواهبه ورزقه.
قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9]. لو سألتك: ما مناسبة هذه الآيات؟ لماذا انتقل المشهد إلى كيفية معالجة ما سبق؟ كيف يعالج الكتاب موضوع الاقتتال بين المسلمين؟ لو حدث اقتتال بين المسلمين كيف تتم معالجته؟ لأنهم في الحقيقة كانوا مسلمين، فقال: كيف تتم معالجة الاقتتال الذي يقع بين أهل الإيمان؟
قال: وقف رسول الله ﷺ على مجلس بعض الأنصار وهو على حمار، وهذا من أسباب النزول. فالمنافق ابن أبي سلول قال للرسول ﷺ: "أبعد عنا حمارك يا رسول الله ﷺ". فقال عبد الله بن رواحة: «والله إن بول حمارنا لا أطيب من مسك إياها». فمضى رسول الله ﷺ وقال الخوض بينهما حتى التباع عبد الله بن أبي بن سلول، يضربون بعضهم بالعسل، وقيل بالأيدي، وبالعسعسة، والنخل؛ فرجع إليهم رسول الله ﷺ فأصلح بينهم، ونزل قوله تعالى في هذه الفتنة التي أشعلها أهل النفاق.
قال: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾؛ لماذا قال "اقتتلوا" ولم يقل "اقتتل"؟ لأن الطائفتين مثنى، ولكن الاقتتال يكون للجمع ضد الجمع، فلذلك قال "اقتتلوا" حملاً على المعنى؛ لأن الطائفة معناها مجموعة من الناس، فإذا عندنا طائفتان، فالاقتتال يكون اقتتالاً جماعياً، فكان المناسب أن يقول "اقتتلوا".
قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾؛ رجعنا لأن المراد الإصلاح بين فريقين، فكان هناك التثنية في "بينهما". أما "اقتتلوا" فلما كان الجمع هو الأول، فكان الجمع هو الأساس. ثم قال: ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَأَقِيمُوا الْعَدْلَ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9].
كيف نفعل عند وقوع خصام بين عشيرتين من أهل الإسلام؟ أول خطوة هي الإصلاح، ونسعى لرد السدعي بينهما. إذا كانت هناك طائفة غير راضية، فقال قوله تعالى: ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ﴾؛ أي إذا بغت إحدى الطائفتين بالاستطالة والظلم، وأرادت أن تنهك الدماء والأعراف وترفض المصالحة، ماذا أفعل في هذه الحالة؟ هل نقول "نحن ملناش دخل"؟ لا، يجب أن يتدخل أهل الإسلام والعقلاء.
لِفَكِّ الاشْتِبَاهِ، فَمَاذَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟ سَتَدْخُلُ فِي الْكِتَابِ وَتَنْصُرُ الطَّائِفَةَ الضَّعِيفَةَ، فَقَالَتْ لَهُ الَّتِي تَبْهَ. نَعَمْ، حَتَّى فِي الْإِمَامِ عَلِيٍّ أَيْ تَرْجِعُ وَتَعُودُ إِلَى رُشْدِهَا، وَاثْنَيْنِ وَتَعْرِفُ الْخَطَأَ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ. لَا شَيْءَ إِلَّا الرُّجُوعُ، لِذَلِكَ الظِّلُّ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الزَّوَالِ إِيشْ يُسَمَّى؟ فَيَّا؛ لِأَنَّهُ الظِّلُّ يَسْتَمِرُّ مَعَكَ إِلَى الظَّهِيرَةِ مَا يَخْتَلِفُ، ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ الزَّوَالِ.
قَدْ سُمِّيَ بِهِ الظِّلُّ وَالْغَنِيمَةُ أَيْضًا مِنْ أَسْمَائِهَا فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنْ نَرْبِطَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ. لِمَاذَا الْغَنِيمَةُ تُسَمَّى فَيَّا؟ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَعْنَى الرُّجُوعِ. لِمَاذَا الْغَنِيمَةُ؟ الطَّبِيعَةُ الْغَرِيبَةُ بِتَفْهَمُ فِي الْمَعْرِضِ، لِمَاذَا سُمِّيَتْ فَيَّا؟ تَرْبِطُهَا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الْأَمْرُ هُنَاكَ مَعْنَى إِيمَانٍ، وَهِيَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ أَمْوَالَ الْمُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، لَيْسَ لَهُمْ أَحَقِّيَّةٌ فِي أَمْوَالِهِمْ. فَكَانَ هُنَا غَنِيمَتُنَا لِهَذِهِ الْأَمْوَالِ هُوَ الشَّأْنُ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ يَكُونُ فِي حَقِّكَ. فَكَأَنَّنَا أَرْجَعْنَا حَقَّنَا، فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ هُمْ الَّذِينَ عَمِلُوهَا، لَكِنَّ اللَّهَ يُبَيِّنُ لِلْكَافِرِينَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا أَنَّ لَيْسَتْ فِي أَمْوَالِكُمْ، وَالْأَصْلُ أَنَّهَا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ. فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ حَقَّهُمْ، فَالْغَنِيمَةُ كَذَا.
الظِّلُّ يُسَمَّى فَيَّا إِذَا كَانَ الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ. وَالْغَنِيمَةُ أَيْضًا تُسَمَّى فَيَّا لِلْعَوْدَةِ إِلَى الرُّشْدِ وَالِانْتِبَاهِ مِنَ الْخَطَأِ. إِذًا، يُطْلَقُ عَلَى عِدَّةِ الْأُمُورِ. وَقَدْ سُمِّيَ بِهِ الظِّلُّ وَالْغَنِيمَةُ؛ لِأَنَّ الظِّلَّ يَرْجِعُ بَعْدَ نِصْفِ الشَّمْسِ، بَعْدَ الزَّوَالِ. إِنَّ الشَّمْسَ تَنْحَسِرُ ثُمَّ يَعُودُ الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَالظِّلُّ الَّذِي بَعْدَ الزَّوَالِ فَقَطْ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى فَيَّا، وَأَمَّا ظِلُّ الصَّبَاحِ لَا يُسَمَّى فَيَّا.
وَالْغَنِيمَةُ هِيَ مَا يَرْجِعُ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، بِأَنَّنَا نَحْنُ أَحَقُّ بِهَا مِنْهُمْ، فَكَانَ اسْتِرْدَادُنَا لِحُقُوقِنَا. وَقَالُوا: حُكْمُ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ وُجُوبُ كِتَابَتِهَا مَا قَاتَلَتْ، وَوُجُوبُ قَتْلِهَا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ جَمِيعًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى رُشْدِهَا وَتَكُفَّ عَنْ بَعْضِهَا. قَالَ: فَإِذَا كَفَّتْ وَقَبَضَتْ عَنِ الْحَرْبِ أَيْدِيَهَا، تُرِكَ الْبَاقِي بَعْدَ الْكِتَابَةِ.
هَلْ يَجُوزُ الِاسْتِمْرَارُ فِي قَتْلِهَا؟ هَلْ يَجُوزُ الْإِجْهَادُ عَلَى جَرِيحِهَا؟ هَلْ يَجُوزُ مُلَاحَقَةُ الْبَاقِي مِنْهَا؟ لَا، فَإِنَّ حُكْمَ الْبَاقِي هُوَ وَأَحْكَامُهُ فِي الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ. لَا يَجُوزُ الْإِجْهَادُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، لَا يَجُوزُ الْإِسْرَاءُ، لَا يَجُوزُ مُلَاحَقَةُ الْبَاقِي مِنْهُمْ. نَحْنُ فَقَطْ نُرِيدُ كِتَابَتَهُمْ. لِأَنَّهُ فِي النِّهَايَةِ مُؤْمِنٌ، فِي بِدَايَةِ الْآيَةِ «وَالْمُؤْمِنُونَ»، فَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ.
قَالَ: تَرْجِعُ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِهِ مِنَ الصُّلْحِ وَزَوَالِ الشِّقَاقِ. فِيهَا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، مَا هُوَ أَمْرُ اللَّهِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ؟ الْإِصْلَاحُ هُوَ أَمْرُ اللَّهِ، الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْإِصْلَاحُ وَالْوِئَامُ وَعَدَمُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ. فَإِذَا الطَّائِفَةُ الْبَاقِيَةُ خَلَاصًا قَبِلَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ، فَالْوَاجِبُ الْعَوْدَةُ إِلَى الْإِصْلَاحِ.
قَالَ: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. فَهُنَا حُكْمٌ وَاضِحٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْنَا أَنْ نَعُودَ لِلْإِصْلَاحِ، وَلَا مَجَالَ لِلْفَسَادِ. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾. الْقِسْطُ هُوَ أَيْضًا كَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيْنَ الْمُخْتَصِمِينَ ثُمَّ أَمَرَ بِالْإِقْسَاطِ، وَهُوَ الْعَدْلُ عُمُومًا فِي كُلِّ حَيَاةٍ.
فَأَصْلَحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ، وَعَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ أَنْ تَقْسِطُوا وَتَكُونُوا عَادِلِينَ فِي كُلِّ شُؤُونِ الْحَيَاةِ. فَكَأَنَّهُ مَنْ عَقَدَ عَلَى الْخَاصِّ، أَمَرَ بِالْعَدْلِ بَيْنَ الْمُخْتَصِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْإِقْسَاطِ، وَهُوَ الْعَدْلُ، أَيْ أَمَرَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ فِي كَافَّةِ شُؤُونِ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ إِنَّمَا قَامَتْ عَلَى الْعَدْلِ.
لَا يَكُونُ لِلدَّوْلَةِ إِقَامَةُ الْإِسْلَامِ إِلَّا عَلَى الْعَدْلِ، وَإِلَّا دَوْلَةُ الظُّلْمِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ فِيهَا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُمَكِّنُ لَهَا. لِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾.
أَنْتَ تَقُولُ لِي مَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾؟ تَقُولُ هَذَا تَأْكِيدٌ عَلَى أَدَبِ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ وَفِي الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ، أَهَمِّيَّةُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ. رَكِّزْ عَلَى جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ: أَهَمِّيَّةُ الْعَدْلِ وَالْإِقْسَاطِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. فَهَذَا التَّبْيِينُ بَيَانٌ إِلَى أَنَّ مِنْ قَوَاعِدِ بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ أَنَّهُ يُبْنَى عَلَى الْعَدَالَةِ، وَلَا يَجُوزُ الْمُحَابَاةُ وَلَوْ قَلَّ. كَمَا قَالَ: "الظُّلْمُ مَفْتَاتُ الْعُمْرَانِ"، وَيُؤْذِنُ بِفَسَادِ الدُّوَلِ وَانْهِيَالِهَا. لِذَلِكَ فِي كُلِّ الدُّوَلِ الَّتِي انْهَارَتْ، مِنَ الْأُمَوِيَّةِ إِلَى الْعَبَّاسِيَّةِ إِلَى غَيْرِهَا، أَبْرَزُ أَسْبَابِ انْهِيَارِهِمْ انْتِشَارُ الظُّلْمِ فِي الطَّبَقَاتِ الْعُلْيَا. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ.
قَالَ: وَهُوَ أَمْرٌ بِاسْتِعْمَالِ الْقِسْطِ عَلَى طَرِيقِ الْعُمُومِ بَعْدَ مَا أَمَرَ بِهِ فِي إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ. فَهَذَا يُسَمَّى عَطْفَ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ. كَيْفَ أَقُولُ لَكَ: جَاءَ زَيْدٌ وَالْقَوْمُ؟ زَيْدٌ مِنَ الْقَوْمِ، صَحْ؟ لِمَاذَا عَطَفْتَهُ عَلَيْهِمْ؟ هَذَا يُسَمَّى عَطْفَ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ، وَهَذَا لَهُ فَوَائِدُ بَلَاغِيَّةٌ، مِنْ أَهَمِّهَا التَّرْكِيزُ وَالتَّشْرِيدُ لِلْمَعْنَى.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. مَا الْفَرْقُ سَرِيعًا؟ انْتَبِهْ لَهَا. الْقِسْطُ بِالْكَسْرِ، وَالْجَوْرُ وَالظُّلْمُ. الْقِسْطُ بِكَسْرِ الْقَافِ هُوَ الْعَدْلُ. وَإِذَا ذُكِرَتْ خَطِئَتْ فِي مُثَلَّثِهِ، لِذَلِكَ قَالَ: وَالْفِعْلُ مِنْهُ «أَقْسَطَ». مَا مَعْنَى «أَقْسَطَ»؟ الْهَمْزَةُ لِلْمُعَانَاةِ، أَيْ أَزَالَ. هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقِسْطِ وَهُوَ الظُّلْمُ، لِأَنَّ مَعْنَى «أَقْسَطَ» أَيْ أَزَالَ ظُلْمَهُ. فَيَقُولُ: وَالْفِعْلُ مِنْهُ «أَقْسَطَ»، وَهَمْزَتُهُ لِلْمُعَانَاةِ، فَإِنَّ مَعْنَاهَا: أَقْسَطَ فُلَانٌ أَيْ أَزَالَ ظُلْمَهُ.
الْعَدْلُ هُوَ الْقِسْطُ، وَلَيْسَ الْقَسْطُ. وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ، كَمَا فِي سُورَةِ الْجِنِّ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا * وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾... أَمَّا الْقَاسِطُونَ فَهُمُ الظَّالِمُونَ الْجَائِرُونَ، فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا. شُوفْ فَائِدَةَ اللُّغَةِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ فِي تَأْكِيدِ أَهَمِّيَّةِ الِالْتِحَامِ وَالتَّمَاسُكِ دَاخِلَ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ فِي الْآيَةِ الْعَاشِرَةِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾. خَلُّونِي فِي هَذَا الْمَقْطَعِ الْأَوَّلِ، هَذَا أَيْضًا مِنْ أَسَالِيبِ الْحَصْرِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ. هُنَاكَ ثَلَاثَةُ أَسَالِيبَ ذَكَرْنَاهَا لِلْحَصْرِ خِلَالَ الدُّرُوسِ السَّابِقَةِ.
بِالْعَكْسِ، قَصْدِي التَّقْدِيمُ الْمَعْمُولُ عَلَى الْعَامِلِ، مِثْلُ: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ». مَعْنَاهُ أَنَّ تَقْدِيمَ الْمَفْعُولِ بِهِ عَلَى فِعْلِهِ يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَالْحَصْرِ.
إنما من أدوات الحصر في العربية ثلاثة. تعريف المبتدأ والخبر، فهذه الباب حصل، هنا من خلال هذا التفسير عقد تعيش البلاغة، بجانبها العمل التطبيقي وهذا أهم حقيقة من البلاغة النظرية.
تعريف أساليب العربي كما هي، على أن إنما أدوات حصر. ما معنى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾؟ ما معنى الحصر في ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾؟ يعني أهل الإيمان محصرون في الأخوة لا غيرها.
معنى الحصر، لما قلت مثلا: إنما زيد قائم، شو معنى إنما زيد قائم؟ يعني زيد قائم فقط ليس جالساً ولا نائماً. إنما محمد يأكل، شو يعني؟ محمد يأكل لا يشرب ولا يكتب ولا يدرس، فحصرت محمداً في الأكل.
لما نقول أخوة هنا، أنا حصرت أهل الإيمان في الأخوة، كأنه يريد أن يقول: أهل الإيمان هم فقط لا شيء سواهم، مع الآية: أهل الإيمان إخوة وليسوا شيئاً سوى ذلك، لا ينبغي أن يكونوا على حالة أخرى غير هذه الحالة.
شوف هذا معنى عظيم؛ الله يريد أن يقول لك إن العالم الذي يستطيع الله لنا ولا يقبل بأي حالة أخرى، أي حالة أخرى فهي مرفوضة عند الله. لذلك حصر أهل الإيمان في الأخوة لا غيرها، وهذا معناها الذي أبين لك فهمه ودلالته. ما فائدة هذا الحصر؟ الدلالة أن الحالة التي يرتضاها الله لنا هي الأخوة، ولا توجد حالة يرتضيها سبحانه وتعالى لنا سوى ذلك؛ فلا يرضى لنا النزاع، لا يرضى لنا الشقاق، لا يقبل لنا الخصومة، ولا يرضى لنا الاقتتال. وهذا معنى عظيم جداً في بناء المجتمع المسلم، لذلك سورة الحجرات هي سورة بناء المجتمعات المسلمة.
هذا تقرير لما ألزمه من تولي الإصلاح بين من وقعت بينهما مشاقة من المؤمنين: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. لماذا يجب الإصلاح؟ لماذا يجب الإصلاح بين المتخاصمين؟ الجواب: لأن الله يقول ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، فلا ينبغي إلا الإصلاح والوئام.
قال: وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله، وهذا تقريراً لما ألزمه من تولي الإصلاح بين من وقعت بينهم مشاقة من المؤمنين. لماذا يجب الإصلاح بين المتخاصمين؟ تقول: لأن أهل الإيمان لا يكونون إلا إخوة.
ثم قال: وبيان ذلك، هذا بيان الشيء الأعظم، بأن كلمة الأخوة في لسان العرب الأصل تستعمل في أخوة النسب، استعمالها في الأخوة الدينية، هذا مفهوم إسلامي. دين العرب ما كان تعريفه في العجم بقوة الدين، فالإسلام أتى بهذا المفهوم، فكيف يقرر الناس هذا المفهوم بقوله: وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله.
قال: إن الإيمان قد عقد بين أهله، أي بين المسلمين، من رابطة الدين والنسب الديني، وهو ما يضاهي القرابة البدنية والنسب البدني، إذا لم يكن أعلى فإنه يعيد العبارة: قد عقد بين أهله وهم أخص من السبب القريب والنسب اللاصق، أخوة. إذا كانت لا تفضل على الأخوة النسبية فليست بأقل منها درجة.
قال: ثم جرت العادة أنه إذا تنازع مثل ذلك بين الأخوين ولادة، ألزم السائر أن يسعى في رفعه وإزاحته بالصلح بينهما. فالأخوة في الدين؛ إذا كان الأخوة في النسب إذا تنازعوا ماذا يفعل بينهم والدهم وأمهم؟ يسعون للإصلاح، الأم تحب أن ترى أولادها إخوة وإن اختلف النسب، فكذلك يجب أن يكون حال أهل الإيمان، لا نحب أن نراه مختلفاً؛ فإخوة الدين والعقيدة لا تقل أهمية عن أخوة النسب والولادة.
هذا معنى قرره الله في عقول الصحابة، أن الأخوة التي تجمعهم من الدين إذا لم تكن أعظم من الأخوة النسبية فليست منها. وبما أنكم أصبحتم إخوة في النسب، فعليكم أن تحققوا بين الإخوان.
يجب أن يلصق هذا بعقل المسلم وهو يسير في هذه الحياة، فلا يكون سبباً في تأجيج الخلافات والخصومات بين أهل الإسلام، بل يكون دائماً كما يكون في أعراض نفوحه الخير، وجهاً للإصلاح وتأليف القلوب. بعض الشباب الذين يفسدون بين المشايخ والأساتذة والمعلمين والمربين، هؤلاء ليسوا على خير؛ المسلم دائماً في الحياة حتى لو واجه شيئاً من الخلاف بين أهل العلم أو بين أهل الصلاة، ماذا يفعل؟ يطلب الإصلاح، فلا يكون السبب في زيادة النزاع والشقاق. هذا ليس من يؤمن بسورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، أصلح بين أخويكم شو ما كان الخلاف. طبعاً كل الكلام عن الخلاف الشخصي وليس من خلاف العامة، لهذا لا ينتهي إلا إن شاء الله، لكن الكلام عن المواقف الشخصية وما حكى لي كلمة أو زعلت في موقف أو تصرف، يجب أن تزول هذه الخلافات ونصل إلى حالة الوئام.
قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. الطوائف المتنازعة لا يمكن أن تصل إلى حالة الوئام إلا إذا كان عندها واسع ديني لتعبد الله. الطوائف المتنازعة، العشيرة الفلانية والعشيرة الفلانية، إذا لم يكن عندها واسع ديني لتقوى الله سبحانه وتعالى، يصعب حدوث الوئام والاتفاق بينها. فهنا يخبرنا الله عن أهمية التقوى؛ إذا اتقيتم الله فإن تقوى الله ستؤدي بكم إلى التنازل قليلاً. ما الذي يمنع الناس؟ أنتم كل واحد يريد أن يحافظ على كبريائه ويحافظ على مكانته، والله لا ينزل فيهم آيات الكبريات، ما الذي يجعل الإنسان يتنازل عنها ويتخلى عنها؟ أحب الله سبحانه وتعالى، فإذا تقوى الله تعود إلى التواصل والوئام.
قال: وكان عند فعلكم ذلك وصول رحمة الله إليكم. هي خطوات: اتقيتم الله، فحدث الوئام والاتفاق، وإذا حدث الوئام والاتفاق فإن رحمة الله ستنزل. لذلك المجتمعات المتماسكة تجد رحمة الله سبحانه وتعالى قريبة منها، لأن رحمة الله قريب من المحسنين، فتكون مجتمعات ناجحة اجتماعياً واقتصادياً وفيها خير، وأما المجتمعات المتفرقة التي فيها تنازع لا تسكن بينهم رحمة الله سبحانه وتعالى، بل تجد بينهم وحشة، ورحمة الله عز وجل تأتي مع التقوى.
الوصال والاتفاق بين أهل الإيمان هو رجاء زوري رحمه الله على هذا المجتمع، فهذه كلها رسائل إلهية من الله تعالى يخبرنا فيها أنه إذا اتفقتم سأنزل عليكم الرحمة؛ لأن هذا ليس تحريرًا مني ولا اجتهادًا شخصيًا، بل هو يخبرك سبحانه وهو صاحب الأمر أن الوصال والاتفاق هو سبب للرحمة.
تدل الآية على أن البغي لا يخرج من الإيمان؛ لأنه سماهم مؤمنين مع وجود البغي، وهذا الكلام يرد على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون إن فاعل الكبيرة لا يبقى على الإيمان. الخوارج والمعتزلة ماذا كانوا يقولون؟ يقولون إن من يرتكب كبيرة مثل الزنا أو قتال المسلمين فإنه لا يبقى مؤمنًا، وهذه الآية فندت قول الخوارج والمعتزلة.
فالمسلم الذي يقاتل أخاه بالسيف، في النهاية يظل أصل إيمانه قائمًا ولا يصلح كافرًا بمجرد ارتكابه هذه المعصية.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ [الحجرات: 11]. هي دستور من دستور الأخلاق الاجتماعية، وبدأ الله بـ «يا أيها الذين آمنوا»، وابن مسعود ماذا قال لنا؟ إذا سمعتم يا أيها الذين آمنوا، فلا تكونوا غافلين، لا تكن غافلًا وأنت تلعب بالجوال أو تنظر في السماء والأرض، الله يلاقيك فتقول لبيك، اسمع ماذا يريد الله.
أما قول فرعون: «قوم عاد»، وقوم النبي ﷺ، فكلمة قوم يدخل فيها النساء، وفي ذلك خلاف، لكن أكثر أهل العلم على أن كلمة القوم تختص بالرجال فقط، وإذا دخلت النساء فيكون على سبيل التبع.
قال رحمه الله: القوم هم الرجال خاصة، لأنهم القوة في الأمور، والقول مأثور من كلمة القوامة، والقوامة في كتاب الله هل هي للنساء أم للرجال؟ هي للرجال، قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34]. فالقوم أُخذت من القوامة، والقوامة تتصل بالرجال، لكن أحيانًا يجوز أن يدخل فيها النساء على وجه التبعة. بالتالي، لو وقفت عند كلمة «القوم» فقط، فهي في الأصل تدل على الرجال، ولكن هل يمكن إدخال النساء بها؟ نعم، يدخلون على وجه التبع.
لذلك سيأتي هنا ويقول: أُهملت النساء، لأن القوم هم القوة في الأمور، والنساء ليسوا بالقوة في الأمور. وكلمة «قوم» في الأصل هي جمع لكلمة «قائم»، بدليل أنك تقول: صوم مفردها صائم، وقولك قوم صوم ورجل صائم، وقوم ثائر ورجل ثائر، فمفردها قائم.
واختصاص القوم بالرجال صريح في الآية؛ ففي هذه الآية نحن متأكدون أن المراد بالقوم الرجال فقط لا غير، بدليل أنه لما فصل الآية قال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ﴾. عندما فصلت الآية، دل هذا على أن الخاص قد يُذكر بعد العام إذا كان في ذلك فائدة مرجوة، فقد يقال إن عطف الخاص على العام من باب أن هذه الأخلاق الرديئة التي ستأتي قد تقع في النساء أكثر منها في الرجال.
وإن كان اختصاص القوم للرجال صريحًا، لأن القوم شملوا النساء في قوله ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ﴾، فلو كانت النساء داخلة في لفظ القوم لما قال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ﴾. وقد حقق ذلك زهير في قوله: «وما أدري»، حيث جاءت في سياق الرجال، وهذا يدل على أن القوم خاصة بالرجال.
أما قولهم في «قوم فرعون» و«قوم عاد»، فالمقصود بهم الذكور، ولكن قصد ذكر الذكور وترك الإناث لأنهن توابع لرجالهن، فالمرأة تتبع زوجها أو أباها أو أخاها، فلما كانت المرأة تابعة لهم فإنها تدخل في القوم على وجه التبعية فقط.
وتنكير «قوم» و«نساء» يحتمل معنيين: المعنى الأول أن يراد: لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض، فلو عُرِّفت القوم لقال «لا يسخر القوم»، والتعريف قد يدل على الاستغراق أي أن هذا الفعل يفعله الجميع، فلما قال «قوم» نكرة، دل ذلك على أن الأمر ليس عامًا في الجميع، وإنما هو فعل البعض.
أما المعنى الثاني فهو إزالة الشيوع، أي أن الكلام ليس موجهًا إلى طائفة محددة، فلو قال سبحانه: ﴿لَا يَسْخَرْ الْقَوْمُ﴾ لاحتمل أن يكون المراد قومًا معينين، لكنه نكرها ليدل على الشيوع، أي: لا يسخر أي قوم من أي قوم، ولا تسخر أي نساء من أي نساء.
وإما أن يحمل، وكلاب وليس مقصودة هنا، فلذلك جاء بها على وجه النكرة لا يسخر على وجه الشيوع، يعني لا يسخر أي قول من أي قوم، ولا أي نساء من أي نساء؛ فهذا غريب في التركيب، دلالة على أن الفعل يصدر من البعض وليس من الجميع، أو يتناوله إرادة عدم التعيين في طائفة معينة، وإنما الكلام على وجه الشيوع.
بالنسبة للتنفيذ، قال: رجل من رجل، ولا امرأة من امرأة، لا يسخر رجلاً من رجل ولا امرأة من امرأة، صح، قال: لا يسخر قوم من قوم ولا نساء من نساء. لماذا استعمل الجمع ولم يستعمل الإفراد؟ وهذا برضه لازم تفهم؛ قال: أعلامًا، ده غير واحد من الرجال وغير واحدة من النساء على السخرية. الفائدة الأولى: لينبه أن الذي صدر منه هذا الفعل ليس فقط واحدًا بل هم كثر، الذين يسخرون ويغتابون ويرفعون في هذه المحظورات. لو قال: لا يسخر رجل من رجل، كان هذا للدلالة على أن هذا الفعل وقعه كثير عندكم وليس فقط من واحد من الرجال أو من واحدة من النساء.
ثانية: قال الجمع، والجمع يدل على التكثير، وفيه استنباط؛ ماذا استفهام؟ أنه لا يسخر قوم، جماعة من جماعة، لا يسخر نساء من نساء، فالجمع يدل على الاستحقاق وتفخيم الأمر وتعظيمه، فهذا أيضًا من فوائد الجمعية هنا. شوف كيف المفسرين، دقيقة، كل كلمة محسوبة وكل كلمة يمكن أن تستنبط منها معاني عميقة وفوائد.
وقوله: ﴿وَعَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ كلام مستأنف، خروج إلى جواب مستقبل، يعني هذه الجملة استئنافية، هي جواب عن سؤال مقدر، ما هو السؤال؟ لماذا لا يسخر قوم من قوم؟ ولماذا يا رب لا يجوز أن يسخر النساء من النساء؟ فالجواب هو: ﴿عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾. يعني لعل الشخص الذي سخرت منه، دعوة في وجهه لعلها تصيب بدنه، لعل قدره عند الله أعلى منك بدرجة، فإنه يكون من أولياء الله الصالحين، فتكون وقعت في كبيرة أنك سخرت من ولي من أولياء الله الصالحين.
كلام مستأنف ورد لجواب مستفهم، يعني لماذا نهيت يا رب عن السخرية؟ فالجواب هو الجملة الاستئنافية. والجملة الاستئنافية تأتي جملة ابتدائية ليست مرتبطة بالجملة السابقة بحرف من حروف العطف، لذلك يقول لأنها جملة استئنافية وردت لجواب سؤال مقدر، لم يعطفها بالفاء، وإلا كان حق هذه الجملة أن تعتبر بالفعل، يعني كان الأصل أن يقول: فعسى أن يكون خيرًا منه. لكن لماذا؟ هذا مبحث كامل في البلاغة اسمه الفصل والوصل، يعني متى توقف الجمل ومتى تعطف، هذا علم جميل ورائع وبه تعرف بلاغة القرآن وإعجاز القرآن. هنا لم يعطفها الله سبحانه وتعالى وإنما أتى بها استئنافية لأنه هنا في علم جواب لسؤال مقدر، والجملة إذا كانت جوابًا لسؤال مقدر تأتي استئنافية غير مرتبطة بالجملة السابقة.
وقد كان حقه أن يوصل إلى قبله بالوصل، والمعنى وجوب أن يعتقد كل واحد أن المذكور منه ربما كان عند الله خيراً من الشخص الذي سخر منه، ربما كان عند الله خيراً منك. قال ابن القيم: "الناس إلا على الظواهر، فذاك ولا علم لهم بالسرائر، والذي يزن عند الله خلص الضمائر". عند الله، عن السرائر جمع يوم القيامة، هل هذا الميزان حق؟ رب العالمين ما نور عند الله خلص الضمائر. شكت عبارة: الميزان عند الله الإخلاص، الطبيعي كل إنسان ضميره خالص لله، ما فيه شر، ما فيه رياء، ما فيه دنيا، أخلصته لله، هذا هو سلم الارتقاء عند الله.
على هذا المعنى في الآيات التي تليها: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. ينبغي أن لا يستهزئ أحد بمن تقتحم عينه رؤيته، إذا رآه فلانًا، أو دعاه في بدنه أموالًا وهو ليس عندهم، أو عنده عاهة في بدنه، أو بذاءة في محادثته، استهزأ به، إياك أن تسلك هذا المسلك، لأنه أخلص ضميرًا واتقى قلبًا ممن هو على ضد صفته. فما هو من السرائر، يعني هذا صاحب مسكين، رجل لا يعرف يتكلم، شخصية خجولة انطوائية، لكنه عند الله أعظم بكثير من هذا الذي هو منافق، عليم اللسان، ويكون ما شاء الله على السوشيال ميديا بكره ساعتين وثلاثة ما بيوقف. الموازين عند الله ليست في موازيننا، الموازين عند الله نظر في القلب، وهذا شيء خفي عني وعنك ولا يقدر عليه إلا الله عليم الغيوب. سبحانك، يظلم نفسه بتحقير من وقاره الله تعالى.
إذا استهزأت برجل عند الله مقام عالي، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: هذا لي ولي، في حرب الله لمجرد سخرية واحد. قال علي ابن مسعود رضي الله عنه: «البلاء مبكر بالقول، لو سخرت من كلب لخفت أن أحب له البشاشة». يعني إذا شفت كلب في الشارع أتمسخر عليه، فمن الممكن أن يعاقبني ويصير مكانه، فما هو صح في ذلك لكنه مبالغة مقصودة؛ أنه حتى هذه البهائم هي خلق الله، فما بالك بما هو أعلى من الكلب، الإنسان الذي كرمه الله سبحانه وتعالى؟ إياك أن تستهزئ بشخص فيعافيه الله ويرتد ويعافيه الله.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾. هناك احتمالان للمعنى ذكرهما المفسرون؛ المعنى الأول لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ أي لا تطعنوا في بعضكم البعض. شوف التعبير الجميل في الآية، سؤال: في واحد بيلمز نفسه؟ كل واحد عليه نفسه، طيب ما معنى لماذا عبر بهذا التعبير "ولا تلمزوا أنفسكم" للدلالة على الأخوة الإيمانية؟ سابقًا فلاننا إخوة، هم كالجسد الواحد، كأنهم نفس واحدة، فإذا لمزت أخاك كأنك تلمز نفسك. كيف ربنا أعطانا هذا المعنى لما قال: لا تلمزوا أنفسكم؟ ما في أحد غير نفسه، هذا يشبه الحديث: «لا يزني الزاني وهو مؤمن»، ولعن النبي ﷺ أن يشتم الرجل والديه، ماذا قال؟ يسب الرجل فيسب أباه. هذا قريب، فالله يريد أن يعطيك فائدة: أخوك المؤمن تراه كأنك تلمز نفسك، لأنكم جسد واحد ونفس واحدة في ديار الإسلام.
والطعم بكافة أشكاله. قال: ولم تلمزوا، والطم والتأمل ليس كذلك، وجراحات اللسان أحياناً لا تلتئم، وجراحات السنان مفتريتين. فالقطع باللسان حالته جداً على أصحاب النفوس الشريفة.
في الإسلام اجتماع طيب، قال: ولا تميزوا يعقوب، يعقوب سهل. السبع أحياناً الشيخ النسفي رحمه الله عليهم بعض القراءات التي ليست من السبع، ليس كل ما ذكره وهو من القراءات السبع.
قال: ﴿هُوَ الْمُؤْمِنُونَ فِي نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، فمتى عاب المؤمن المؤمن فكأنما هو نفس المعنى الذي قررناه الآن. والمعاني المحتملة أنفس، أفخم، ولازم تكون طالب علم مسلم له، شوف المعنى الآخر الذي أكيد مش قابل الملك، كثير منكم للأهلي شوف، وقيل ومعناه: لا تفعل ما تلمزون به، لا تلمزوا أنفسكم، أي لا تفعل ما تلمزون به.
شو يعني يا شيخ؟ لا، لسه عاشق علي، أحسن لا تحط حالك، لا طبعاً نفسك في موقف شبهة، فيصبح الناس لهم مساحة يحكوا فيك، فهذه الآية على هذا المعنى، الدنيا نفسها من مواطن الشبهات، لا تضع نفسك، لا تجعل نفسك أحجية للناس.
بعض الناس أحياناً ممكن تكون المشكلة فيه غلط، ولا اللي حكم، بس أحياناً قد تكون أنت السبب في فتح الباب أمام الشبهة، لا تضع نفسك شبهة، لا تضع نفسك في أماكن الفتنة، لا تضع نفسك أمام من يذكرك، لا تجلس في مكان فيه شبهة، حتى ما يقول الناس هذا جالس يفعل هذا، هذا جالس يفعل هذا. بعض الشباب قبل نفسه مو تيه، أنت إذا معك ذلك الكلام للنساء، لا تضعي نفسك، الوقت الكريم في موضعه، لا تضع نفسك في تصرفات غير لائقة.
إذا طُعن فيك، فهو إذا طُعن فيك الطاهر المخطئ، وأنت أيضاً مخطئة لما وضعت نفسك في موطن الشبهة. قال: لأن من فعل ما استحق به اللمز فقد رمى نفسه حقيقة كبيرة، الذي يرمي نفسه، يعني لا تحط نفسك في مساحة الشتيمة له، فهذا معنى لا تلمزوا أنفسكم.
على الوجه الثاني توجيه: التنابز بالألقاب، التداعي بها، وذكر لقب السوء. والمباركة نفسها تستعمل في العربية للّقب، اللقب السيد، التي يمكن أن تقال، فالنّفس هو اللقب السيء، لا يجوز أن تدعو أخاك بما يكره، هل تصعد بلقب هو يكره؟ فإذا شأغله بحيث في هذا، خلاص إذا وقفت هذه، والترقيب المنهي عنه هو ما يتداخل والمدعو به كراهة، يعني يكرهه، هذا هو التنابز المنهي عنه.
قال بقوله: تقرأ قراءة لكونه تفسيراً به وذماً له، فأما ما يحبه فلا بأس به. ونصر هذا ما يحبه فلا بأس به كثيراً، عليه من أيام الشباب وهو مش زعلان لما ينادى به، لا يشعر بقلبه بأي عرج. لكن أصله المنع.
ورُئي أن قومها من بني تميم استهزئوا ببلال وخباب وعمار وصهيب رضي الله عنهم. وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة وكانت قصيرة، وعلى أنس رضي الله عنه النساء أهلاً وسلم أم سلمة بالقصر، نزلت كابن قيس وكان به واقف فكان يوسع له في مجلس رسول الله ﷺ، يسمع الله فقال لرجل: «تنحَّ»، لم يفعل الرجل أن يبتعد، فهذا ثابت بن قيس، من هذا؟ فهذا بإذن الله امرأة معينة بها على الإنترنت في أيام الجاهلية، فالرجل استحمل ثابت بن قيس سمعوا هذه بالكلمة، فهو شكل من أشكال التنابز.
فنزلت هذه الآية. فإذاً ما هو سبب نزول الآية؟ يمكن يكون سبب واحد، يمكن يكون مجموعة من هذه الأسباب هي التي أدت إلى نزول الآية، وأنا أرجح أن تكون مجموعة الأسباب، يعني ليسوا بسبب واحد، فالمجموعة الأخطاء الاجتماعية التي كانت تصدر من الصحابة.
قال: فقال ثابت: «لا أُبَىٰ بَعْدَهَا أَبَدًا»، بعد الإيمان، ما معنى هذا؟ الفسوق بعد الإيمان، معناه المشهور عند القراء، بعد أن اكتمل في الإيمان، كان الله سبحانه وتعالى يريد أن يكون هذا المؤمن الذي يفعل الأخطاء السابقة، المؤمن الذي يسخر، الذي يلمز، الذي يتنابز بالألقاب، هذه تعتبر كبائر، أنت علماء ألفت في كتب الكبائر: الغيبة والنميمة تعتبر من الكبائر.
فالله يخبر أن الذي يفعل هذه، استبدل اسم الإيمان المطلق بماذا؟ اسم الفسق، قبل أن أعطاك الإيمان، إن طويل الذي يجعل فيه مرض فعلك لهذه الذنوب يجعلك مستبدلاً اسم الفسق بدلاً من اسم الإيمان، فيصيرك فاسقاً بعد أن كنت مؤمناً. طبعاً الغرض، يعني إذا صيرتني فاسقاً بعد أن كنت مؤمناً هل هذا يعني لا؟ طبعاً، لكن الإيمان المطلق الذي يُقصد به، أنا فقط ما عاد عندي إيمان كامل وأصبحت ناقصاً لدرجة أني أصبحت بالفاسق في حكم الله سبحانه وتعالى وبقي معي إيمان قليل جداً، فهذا معنى ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾.
كان الله يقول بئس أن يصبح أحدكم فاسقاً ويُسمى ويُذكر فاسقاً، كان من أهل الإيمان الحق، الإيمان الكامل. كيف المشكلة الإنسان كان يسخر من إخوانه، إذا كان يلمز إخوانه، إذا كان يتنابز بالألقاب، السلام على هذه المعاصي تجعله يُذكر بأنه فاسق في حكم الله بعد أن كان مؤمناً.
الاسم هنا بمعنى الذكر، أن تُذكر وأن تُعرف بالفسق بعد أن كنت مؤمناً. قال من قولهم: طار اسمه في الناس بالفرم أو باللؤم، وحقيقتهما فلان، قسمه في الناس أنه كذب، كما قال: اسمه في الناس، على أن الاسم تأتي بمعنى الذكر. قال: اسمه كريم أي ذكره كريم وحقيقته، قال: هو حقيقتهما في ذكره.
قالوا حقيقته ما سُمِع، أي ارتفع من ذكره، أصبح يعرف به عند الناس. قال: كأن الآية تقول: بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائم، يعني المعاصي السابقة، أن يُذكروا بهذا الاسم. كأن الآية معها: بئس أن تُعرفوا بالفسق، أي بئس أن تُعرفوا بالفسق أيها المؤمنين، أن تُعرفوا بالفسق بعد أن كنتم تُعرفون عند الناس بالإيمان، كنت عند الناس أهل خير وصلاح، فعملكم لهذه الجرائم سيجعلكم تُعرفون عند الله وعند الناس بالفسق. فكأنك أيها المسكين استبدلت اسم الإيمان الجميل باسم الفسق.
وقوله «بَعْدَ الْإِيمَانِ» كل الجمع بين الإيمان وبين الفسق الذي يلحقه، كما تقول: بئس أن يتعب الإيمان، الإيمان الأصل ثم يرجع، فلا يمكن أن يجتمع الإيمان كاملاً والفسق، ممكن يجتمع إيمان ناقص وفسق، لكن إيمان كامل وفسق يجتمعان لا يمكن. قال كما تقول: بئس الشأن بعد الكبر والسطوة.
ليس الشرك كبيراً، بعدين ترجع، إيش تتصرف؟ تصرفات الصبيان، صح؟ فكان تناهى نفس الشيء أنه يتوصل لاسم الإيمان وسوف ما شاء محمد. ثم بعد ذلك اخترت لنفسك الهدوء لتوصف بالفسق بعد أن كنت بلغت منتهى العالية.
هناك تفسير آخر للآية؛ هذا المقطع «بئس الاسم الفسوق»، وقيل كان في شتائم لمن أسلم من اليهود، يا يهودية فاسقة؛ فهذا رأي آخر في تفسير الآية، وهو أن معنى قوله: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ أي إياهم أن تشتم شخصاً بأنه فاسق بعد أن آمن بالله وتاب إليه. فإذاً، أبو العباس -ما شاء الله- في تفسيره، أن بعض الصحابة كان يخطئ فيقول لليهودي، فما مسيره؟ تقول له بعد ما أسلم: أنت إيش؟ يهودي وفاسق. فهذا نهاهم الله عنه أن يسموا أهل الإيمان فاسقين باعتبار أنهم كانوا من قبل ذلك، هذا لا يجوز. هذا تفسير آخر للآية، وإن كان أكثر أهل العلم على التفسير الأول، وهو الأشهر، وهو لضعف في السياق.
«وحد وجمع للفظ "من" ومعناه».. ما معنى هذا الكلام؟ أعيد العبارة مرة أخرى: «وحد وجمع للفظ "من" ومعناه». لنقل "من" ومعناه، ونحن شغالين أنت مستقبلاً ذهنياً مع الوقت، بالنسبة لك سهل، وهذا لا يكون إلا أن تشغل دماغك مع النسك، النسب يروح لك باللغة، والعقيدة تدخلك في أفريقيا.
نشوف السادات العلماء أهل الخير والتقى والصلاح. أين الموحد المفرد؟ هو ليس في ضمير مستتر، "ومن لم يتب" هو مفرد، وهذا معناه "وحد"، أي أتى به مفرداً. ثم قال: «ومن لم يتب هو»، بعدين شرح "فأولئك". قال: «فأولئك»، كيف؟ أول شيء قال "هو" (من لم يتب هو)، بعدين رجع جامعاً "فأولئك"؛ مش "أولئك" اسم إشارة للبعيد؟ كيف وحد ثم جمع؟ مش غريبة؟ يقول: «ومن لم يتب فهو»، فهذا طالب مش هؤلاء. لماذا قال "فأولئك"؟
خليني أكمل، أنا بدي أكمل حتى الذي على عرشه. لماذا جمع بعد واحد؟ إذا كان، ونقول لك: «وحد وجمع للفظ "من" ومعناه»، معناها جمع، معناها "الذين". "ومن لم يتب" يعني الذين لم يتوبوا، فهي كلام، لكن معناها يدل على معنى الجمع "الذين". فيجوز عندما نستعمل الضمائر وتعيدها على "من"، يجوز أن تراعي لفظها وهو المفرد، ويجوز أن تراعي معناها فتأتي بالضمير أو اسم الإشارة جمعاً. وهنا في الآية راعى مرتين؛ فالمعنى فلما قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ﴾ هو، هو يعود على "من" باعتبار لفظها أنه مفرد، ثم قال: ﴿فَأُولَٰئِكَ﴾ باعتبار معناه وهو "الذين"، فهذا معنى أنه وحد وجمع.
وحد وجمع، أي في "من" الذي جُمع الضمير في قوله ﴿أُولَٰئِكَ﴾. فلماذا جاز أن يجمع بين الإفراد والجمع مع أن المرجع كله واحد؟ لما نظر إلى لفظ "من" قال مفرد، ولما نظر إلى معناها قال جمع، فأن يقول ذلك. ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. هل هناك عصر في هذه الآيات؟ هؤلاء في حسن تعريف المبتدأ والخبر، هذا معرفة، و"هم" هذا الاسم، وكيفية التأكيد، ويفيد التوكيد بضمير يفيد التوكيد؛ يعني ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
كأنها ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ﴾ الذين يصدق عليهم هذا، ويموتون دون غيرهم من أصناف الناس، فهذا حصر. المراد هنا للمبالغة في بيان أن الذي يسخر من أخيه، والذي يلمز أخاه، والذي يلبز أخاه، هؤلاء هم الظالمون، وهؤلاء هم الذين أصبحوا فاسقين بعد أن كانوا من أهل الإيمان. وهذا تحذير من هذه الأمور التي قد نكون نحن طلاب العلم واقعين فيها. أنا لا أتحدث عن المجتمع الخارجي، أنا وأنت كأبطال في مجلسنا، فكتبنا فلان، وذكرنا فلان، أو جلست مع أخت، فذكرت أنها فقدت صديقتها وذكرتها.. والله يخبرنا أن تفتكر بهذا الاسم عند الله ما في شيء. طالب الشريعة، ليس هناك شيء اسمه دكتور شريعة، هذا كله لا يعتبر، المعتبر هو كتاب الأخلاق ما دمت ملتزماً بالأخلاق. أنت عند الله مهما حملت من الألقاب الدنيوية والمناصب العالية، إذا كنت ترتكب هذه الأخلاق الرديئة فأنت ظالم في ميزان الشريعة الإلهية.
كم باقي لأذان المغرب؟ إن شاء الله مرتب عند هذا الفرد. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل