بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحسن سبحانه وحمداً ذاكرين شاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وفدائنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله، وأحبها على مائدتي كلام ربنا سبحانه وتعالى، ننهل بهذا المهدي، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفهم لكتابه ومقاصد رسالاته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
قبل البدء في مجلس اليوم، ما زال التصويت قائماً على قضية تحويل الدرس، لكن كان هناك شيء من المشادة، 51% تريد البقاء على ما هو عليه، والأصل البقاء ما كان على ما كان حتى يثبت خلاف ذلك، هذه القاعدة الفقهية: "الأصل بقاء ما كان على ما كان". فيبقى درس التفسير يوم الثلاثاء ما دام الأكثر يريدون بقاءه يوم الثلاثاء. أظن الأخ عبد الرحمن سيغلقه مساء اليوم، سيكون آخر شيء ثم نغلقه حتى يتم الإعلان عن مجلس السماع بإذن الله والكتب المخصصة له، فلا بد أن نغلق التصويت الليلة. إلى الآن، الأصل بقاء ما كان على ما كان، يبقى هذا الحال الذي نحن فيه، مجلس التفسير يبقى يوم الثلاثاء.
نبدأ مستعينين بالله، ما زال حديثنا مع سورة الحجرات، التي يسميها كثير من أهل التفسير "سورة الآداب"، أحسنت، لما تضمنته من الآداب العظيمة والحكم الجميلة التي ينبغي أن تؤسس عليها المجتمعات المسلمة. وانتهى بنا المسار إلى الآية الثانية عشرة، أليس كذلك؟ اقرأ، اقرأ الآية ثم نقرأ في التفسير.
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ ۖ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ۖ فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12].
هذه مجموعة من الآداب التي أمر الله سبحانه وتعالى أن تلتزم في حياتنا، وأمر المجتمع المسلم أن يتأسس عليها. هذه الآية كما ستلاحظ تتكلم عن ثلاث قضايا أساسية: قضية الظن بالناس، قضية التجسس، وقضية الغيبة.
دعونا نبدأ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ماذا قال ابن مسعود؟ إذا قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فارعها سمعك، فإنه خير يؤمر به أو شر ينهى عنه. هذه وظيفة المؤمن عندما تأتي الآية بهذا النداء العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، لبيك يا الله، هناك شيء يريد الله أن يعلمك إياه، فما هو؟ اقرأ.
﴿اجْتَنِبُوا﴾ من الجنابة، إذا أبعدت الشر عنه، فقال "اجتنبوا" على وزن "افتعل". أصلها قبل أن تأتي على وزن "افتعل" من "جنبه". فما معنى جنبته الشر؟ قال: جنبت فلاناً الشر أي أبعدته عنه. ونلاحظ أن الفعل "جنب" يأخذ مفعولين، يحتاج مفعولاً به أولاً ومفعولاً به ثانياً: "جنبته زيداً الشر"، أي جعلته في جانب، هذا معنى "جنبته الشر"، كما قالوا: حقيقته جعله في داره وأنت في جانب آخر، هذا هو التجنب.
الفعل "جنب" على وزن "فعل" يأخذ مفعولين، لكن الفعل الوارد في الآية ليس الفعل "جنب" بل فعل "اجتنب" وهو على وزن "افتعل"، وهذا الوزن إما أن يكون لازماً أو يتعدى إلى مفعول به واحد. فإذا كان الأصل يتعدى لمفعولين بوزنه، فلاحظ ماذا قال الله تعالى.
"جنب" تأخذ مفعولين، كقوله: ﴿وَجَنَّبُنِي وَبَنِيَّ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ﴾، فينصب مفعولاً به أولاً وهو الياء، والمفعول به الثاني هو المصدر المؤول "أن نعبد الأصنام". أما الفعل "اجتنب" على وزن "افتعل" فهو مطاوع لـ "جنب". أنا عندما أقول كسرت الزجاجة، فماذا حدث؟ فانكسرت. طيب، "جنبتك الشر" فـ "اجتنبت"؛ فـ "اجتنب" هو مطاوع، لذلك أتى بـ "جنب" ثم عاد إلى "اجتنب".
فإذا قلت: "جنبت محمداً الشر"، فكانت النتيجة "اجتنب محمدٌ الشر"، ففعل "اجتنب" يأخذ مفعولاً به واحداً فقط. وحقيقة هو لو ركز النسفي على قضية أخرى أكثر من قضية "المطاوعة" لكان أولى وأحرى، وهي قضية أن وزن "افتعل" يدل في العربية على المشقة والجهد. وهذا كان الله يقول لك: "اجتنبوا"، وهذا يحتاج منك إلى مجهود ومشقة؛ لأن الإنسان بطبيعته يحاول أن يتحسس أخبار الناس ويعرف ما فيهم، فعملية الابتعاد عن الظن تحتاج إلى مجهود، ولما كان شاقاً عبرت عنها الآية بـ "اجتنبوا"، أي ابذل جهدك حتى تجتنب الظن.
هذا أظن معنى أفخم لو أن الناس ركزوا عليه. "افتعل" تدل على مشقة وجهد، وهذا مناسب لاجتناب الظن؛ لأنها عملية تحتاج منك إلى تدريب نفسي وإيماني وإعداد عالٍ حتى تصل إليها، فإن الإنسان للأسف يحب فضول النظر، وفضول السمع، وفضول الكلام، فاجتنابه للظن يحتاج إلى كلفة وتدريب. لذلك قال "اجتنبوا" وهو مطاوع "جنب"، والمطاوع دائماً ينقص عن أصله بمفعول واحد، فـ "اجتنب الشر" ينقص مفعولاً.
دعونا نعود إلى الآية: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾. أين مفعولها؟ "كثيراً" هو المفعول به على أحد التفاسير للآية، وسياتي معنا أكثر من معنى للآية. المأمور به هو ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾.
تأمل إلى قوله: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. الله سبحانه وتعالى لما قال: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾، يريدنا أن نجتنب كل الظن عن بعضه. اختلف السادة العلماء، البعض يقول كله، والبعض يقول بعضه. أنا الآن أريدك تتفكر وتتأمل: هل المطلوب مني أنا كمسلم أن أجتنب جميع الظن أم جزءاً منه؟
هناك بعض الظن مطلوب، مثل الظن بأهل الفسق والفجور الذين يرتدون فسقهم، مثل هذا لست مؤاخذاً به. سنأتي لنقرأ كلام ابن القيم في "الروح" و"مدارج السالكين". إذا كان إنسان هو أصلاً فاسقاً فاجرًا، فظنك أنه يعاقب أو يشرب الخمر ويفعل من الفجور، هذا ليس ظناً سيئاً أو ممنوعاً منه، لأنه هو الذي وضع نفسه في موطن اتهام.
أحسن الظن الحسن، وهذا ظن مطلوب منك. أما في الأعداء، فأحسنت أن تكون على عدو تظن في أعدائه السوء وأنهم يمكرون، والله أظن فيهم خيرا، فظن الشر بالعدو هذا المطلوب، أما ظن الخير فلا هو مطلوب لكنه مباح.
إذن الله عز وجل نهى عن كل الظن لكنه ينهى عن كثير منه. يعيد القراءة مرة أخرى، والمأمور باجتنابه هو بعض الظن، لكن الله ما قال اجتنبوا بعض الظن، قال: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: 12]. لأن هذا البعض الذي يريد الله منا أن نجتنبه هو كثير عند الله، فهمتم ماذا يريد؟ يقول إن الناس... لماذا هذا هو الأصل؟ لأن تكملة الآية ما هي؟ إن بعض الظن إثم. إذن الأصل أن يقولوا بعض الظن إثم، لكن لما كان الظن الذي طلب منا أن نجتنبه كثيرا، هذا البعض الذي أراد الله أن نجتنبه كثير، جاءت الآية ابتداءً بالكثرة: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ ۖ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12].
هذا أحد الأقوال في تفسير الآية، وسياتي قولان آخران معنا في تفسير الآية. القول الأول الذي اختاره الناس في رحمة الله تعالى عليه ما هو: أن الله أراد أن ينهى ابتداء عن بعض الظن، لكن لما كان هذا البعض عند الله كثيرا سماه الله كثيرا، فقال: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾. فالآية ابتداءً تريد النهي عن بعض الظن وهذا البعض كثير فسماه الله كثيرا، ثم جاء التعليل: لماذا يا الله؟ ﴿كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ ۖ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، فهذه جملة استئنافية تعليلية.
ما هو بعض الظن الذي يريد الله منا أن نجتنبه؟ قال: هو أن تظن بأهل الخير سوءا، هذا إذا المطلوب اجتنابه. وأما أن نظن فيهم مثل الذي ظهر منهم، وأما أهل الفسق فلا حرج؛ لو أنني ظننت في إنسان فاسق يرتاد حالات الخمر، يعني إنسان رأيته يخرج ويدخل حالات الخمر وعليه علامات السكر، ماذا تقول؟ هل ظني في أنه سكر ظن سيء؟ لا يجوز، هو الذي وضع نفسه في هذه المواطن؛ إنسان يرتاد أماكن الفجور والخنا والزنا ويذهب ويأتي إليها، ظني به أنه يعاقب هذه المحرمات، هل هو ظن منهي عنه؟ كلا، لأنه وضع نفسه في هذه المواطن.
فالظن إذاً المنهي عنه في الآية كما قال الزجاج هو أن تظن بمن ظاهره الخير والصلاح أن تظن فيه سوءا، وأما من ظاهره الفسق والفجور فلا حرج عليك لو ظننت فيه السوء. وهذا أكد عليه الرازي أيضا في روح المعاني، يقول: «ويشترط في حرمة الظن أن يكون المضمون به ممن شوهد منه التستر والصلاح وأونست منه الأمانة، وأما من يتعاطى الريب والمجاهرة بالخبائث كالدخول والخروج لأماكن الخمر وصحبة الغواني الفاجرات وإدمان النظر إلى المردان، فلا يحرم ظن السوء به». قال: فلا يحرم ظن السوء به، مباح، أنت مش مطلوب منك الظن به، لكن السوء لا حرج فيه وإن كان الظان، حتى ولو كان الظن لم يره يشرب الخمر ولم يره يزني ولا يعبث بالشباب.
إذن هذه قاعدة مهمة حتى لا تكلف الناس فوق طاقتهم، إذا أنا رأيت إنسان عليه علامات الفجور والفسق فمش مطلوب مني أكون مثاليا جدا وأظن فيه الخير، لا بأس بهذا الظن، لكن أهل الخير والعدالة ومن سترت أحواله فهذا الأصل فيهم والعدالة، فلا يجوز أن تظن فيهم ظنة السوء. فأدي قاعدة مهمة في ضبط ما يجوز من الظن وما لا يجوز.
قال أو معناه اجتنابا كثيرا، أو احترس من الكثير. الآن سيعطينا معنى آخر للآية؛ المعنى الأول: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾، وكثيراً هنا إعرابها مفعول به، ومن الظن الجار والمجرور متعلق بماذا؟ بكثير؛ أي اجتنبوا كثيراً من الظن، فالجار والمجرور متعلق بكثير.
هناك اقتراح آخر في تفسير الآية، أو تحليل آخر؛ قال أو معناه كثيراً، فكثيراً في هذه الحالة إعرابها مفعول مطلق أو صفة للمفعول المطلق، هذا تفسير آخر وهيك راح تختلف ترتيب الآية. نعيد التفسير الثاني: اجتنابا كثيراً، كثيراً هي وصف لمفعول محذوف مفعول مطلق، وهنا يصبح الجار والمجرور "من الظن" متعلق بماذا؟ بالفعل "اجتنب"، وليس بـ"كثير"؛ أي اجتنب من الظن اجتنابا كثيراً. فالمطلوب هنا أن تجتنب الظن بالجملة، وهذا الاجتناب يجب أن يكون اجتنابا كثيرا، فكثيراً ليس وصفا لما يجب اجتنابه وإنما هي وصفا للاجتناب بنفسه؛ اجتنبوا من الظن اجتنابا كثيرا.
هذا وجهة نظر ثانية. القول الثالث في تفسير الآية: "من الكثير ليقعد تحرج عن البعض"، وهذا المعنى الثالث، وأفخم المعاني وأوضحها، وهذا المعنى الثالث وكثير ما يركز عليه علماء السلوك، أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا﴾ وليس المراد بالكثير البعض، هذه المراد بالكثير الكثير؛ قال أمرنا أن نجتنب الكثير خشية أن نخطئ في القليل. فكأنها الآية تطلبنا بقاعدة من قواعد أصول الفقه وهي سد الذرائع؛ أنه يا عمي إذا الظن يأخذك إلى أخطاء، فاجتنب الكثير من الظن حتى لا تخطئ في بعضه. فهذا المعنى الثالث من أفخم المعاني وأجلها، أن الله سبحانه وتعالى يأمرنا باجتناب الكثير حتى لا نخطئ في ماذا؟ في القليل.
هكذا نكون انتهينا من تفسير ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾، ودعونا أن نسير على الرأي الثاني، وهو أن الله نهانا عن الكثير خشية الوقوع في ظن السوء الخاطئ القليل. ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، طبعاً ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ هذه جملة استئنافية جوابية، يعني تعليلية، كأن الله قال اجتنبوا كثيرا من الظن، وهناك سؤال مقدر في نفسك أيها السامع: لماذا يا الله؟ فماذا يكون الجواب؟ ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. فهل جملة استئنافية خرجت جوابا لسؤال مقدر؟ خرجت جوابا لسؤال المقدر في نفس القارئ: لماذا نشتري كثيرا من الظن؟ لأن بعضه إثم.
قال الاسم، نعم، قال الإثم: الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب، هذا تعريف الإثم، فالإثم غير الخطأ، أنت قد تخطئ ويكون ذنبا لكنك لا تستحق العقاب، فالإثم ما هو؟ ذنب يستحق صاحبه العقاب، ومنه قيل لعقوبته الإثام، ففي العربية العقوبة التي تكون على ارتكابك للإثم والإثام على وزن فعال، وعذاب، فلاحظ كل العقوبات على وزن فعال؛ عذاب، جميل.
قال في المكان والعذاب، ولا تجسسوا من المقطع الأول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾، والله سبحانه وتعالى بين لنا لماذا نحتاج وهذا الاجتماع... يقال التجسس الأمر إذا تطلب دفعا، من عنده تجسس هو على وزن تفعل، صحيح، وهذا تفعل.
أصل كلمة تجسس مأخوذة من الجسم؛ جعل تتبع عورات الناس، الإنسان لما يتبع عورات الناس كأنه يتحسسهم ويتلبسهم، كأنه ماذا يفعل؟ يتحسسهم، فسمي تتبع العورات تجسساً من هذه الفكرة.
عن مجاهد بن جبر، هذه الفكرة العامة: يجب على المسلم أن لا يتتبع عورات إخوانه من أهل الإيمان.
النهي الثالث: «ولا يغتب بعضكم بعضا»، الغيبة هي الذكر بالعيب في ظهر الغيب. ما هي الغيبة؟ قال: الغيبة أن تذكر عيوب أخاك وهو غير حاضر معك. وطبعاً هنا بتعريفها، الذكر بالعيب في ظهر الغيب يعني أخوك ليس حاضراً في المجلس، فأنت تذكر مساوئه ومعايبه. وقد فسر النبي ﷺ الغيبة في بعض الأحاديث فقال: «ذكرك أخاك بما يكره».
يقول الله عز وجل: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12]. الغيبة مصدرها الحقيقي الاغتيال، وأما الغيبة فهي اسم مصدر، وهذه قضية لغوية مطرفة قليلاً، دعونا فيما هو أهم منها؛ وفي الحديث هو أن تذكر أخاك بما يكره، هذا تفسير النبي ﷺ للغيبة.
إذا ذكرت عيباً في أخيك وهو غير حاضر، إذا كان هذا العيب موجوداً فيه فهذه غيبة، وإن كان عيباً ليس موجوداً فيه أصالة فهذا ما اسمه بهتان، اسمه بهتان.
عباس أعطاك عبارة فخمة يحفظها: «الغيبة إدام كلاب الناس». يعني الناس الكلاب، ما هو الإدام؟ تعرف لما تعمل صحن الأرز عادة يكون معه جنبه شيء من الملوخية أو الفاصوليا أو ما شاء الله، هذا الصحن الذي فيه فاصوليا أو لوبيا أو ما شاء فعل؛ ابن عباس يقول الغيبة هي طعام كلاب الناس. يعني تجعل عندك شيئاً من التخوف أنه إذا غبت عن أخيك فأنت داخل في عموم كلام ابن عباس أنك من كلاب الناس. فبحث ذات هذه الكلمات صحيح حادة، لكنها تجبر الإنسان. الغيبة احفظوها وخبروها لمن بعدكم.
قال ابن عباس: الغيبة طعام الناس، وهذا شيء يجب أن يحترس منه الرجال، وأكثر منه النساء، فانتبهوا إلى هذا.
قال تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: 12]. لأنها أكثر شيء ينتشر في المجتمع، ضرب لها مثلاً لأن الغيبة أكثر انتشاراً في المجتمع من غيرها، فذلك ضرب الله عز وجل لها مثلاً يجعلك تنفر منها وتكرهها من باطنك. ما هو المثل الذي يغتابه أخاه؟ انظر ماذا قال سبحانه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾.
النسابة يهتم بهذا المجاز ويعلق عليه تعليقاً مفيداً، والسبب فيه لاحظ ماذا قالت: وهذا تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض أخيه الذي اغتابه، وهو تمثيل على أفحش صورة. يعني بدك تتخيل هذه الصورة البشعة، أنت هكذا فعلت بأخيك لما اغتبته، وأنت يا طالبة العلم هكذا فعلت بأختك لما اغتبتها وذكرتها بسوء، أفحش ما هي هذه الصورة؟ وكيف رسمتها الآية على أبهج وأكمل أسلوب.
الآية فيها مجموعة من البلاغات أو المبالغات أو التعمق؛ أولها الاستفهام الذي معناه التقرير، أتت على صورة استفهام تقريري: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ...﴾، هل هو استفهام حقيقي؟ لا، هو استفهام تقريري أنه لا أحد منكم يحب هذه الصورة.
ثانياً: جعلوا ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بماذا؟ بالمحبة. ما معنى هذا الكلام؟ ما هو الشيء الغاية في الكراهة؟ أكل لحم أخي، هل يمكن للإنسان أن يحب ما هو غاية في الكراهة؟ لا، هذا معنى قول الآية؛ أن الله رسم ما هو غاية في الكراهة وربطه بالمحبة، حتى يكون مستكرها مستقراً في النفس.
ثالثاً: ﴿أَحَدُكُمْ﴾، يعني هل ممكن واحد من الناس، أي واحد، أي أحد عاقل بالغ يرضى هذه الصورة أن يأكل لحم أخيه ميتاً؟ فالأحدية هنا لدلالة الشيوع، أنه لا يوجد أي فرد يمكن أن يتقبل هذه الحالة السيئة.
رابعاً: ﴿أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾، يحب أحدكم أن يأكل لحم إنسان وإن كانت مستبشعة، لكن الاستبشاع الأكبر أن يكون هذا الإنسان ميتاً. في قراءتنا «ميتاً»، وعلى قراءة غيرنا «ميتٌ»، ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾، يعني ليس لحم أخيك وهو حي، فمن الممكن أن يأكل اللحم، لكن أن تأكل لحم أخيك وهو ميت مطروح في قبره، هذا استكمال لعناصر المشاعة في المشهد.
السديسي، أحد كبار المفسرين رحمه الله تعالى، يقول: الإنسان سوياً الفطرة لا يقترب منها، فكذلك لحم أخيك الحي، إياك أن تقترب منه، فأنت إذا اغتبته كأنك أكلت من لحمه وهو على قيد الحياة. وكلمة اللحم وحالة كون اللحم ميتاً، أو من أخيه، فالميت هو الأخ، كلاهما مقبول، لكن الثاني أجل وأوضح أنها حال وصاحبها الأخ: لحم أخيه، في حالة كونه ميتاً، هذا أوضح، والله تعالى أعلم.
بما أنه لا أحد يحب أكل لحم أخيه ميتاً، فجاءت الجملة التي تليها لتعطي الجواب مباشرة؛ فالله سبحانه وتعالى يعلم أن الإنسان سوياً يعطيك الجواب مباشرة، فقد تحققت كراهتكم له باستقامة العقل، فكذلك فلتتحقق من الغيبة باستقامة الدين. عبارة جميلة؛ كما أنه باستقامة العقل لا يمكن أن تأكل لحم أخيك الميت، فكذلك باستقامة الدين إياك أن تأكل لحم أخيك الحي.
إنه بالعقل السليم لا يأكل لحم أخيه الميت، فالدين السليم لا يقبل أن يأكل لحم أخيه الحي؛ عبارة وقاعدة ملهمة جيد أن تحفظها وتضبطها.
التواب الرحيم، التواب في قبول التوبة هنا، ما مناسبتها؟ لماذا ختمت الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ثم ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾؟ ما مناسبة ذكر تقوى الله في الختام؟ احسب من الذي سيعينك على الامتناع عن التجسس وكثير من الظن والغيبة؟ ما هو؟ تقواك لله سبحانه وتعالى.
روي أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوي لهما طعامًا، قصة ضعيفة لكن هكذا رويت. قال: فنام عن شأنه يوم عرفة إلى رسول الله ﷺ، وهو الذي يحضر طعام النبي ﷺ أسامة بن زيد. قال: فقال ما عندي شيء، فأخبرهما سلمان فقال: يا لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها، يعني بقلك هم الله يهديهم. قالوا: أفلان إذا بتروح وتديه على بير بتغور، يعني بيجيش بخير. هذا مثل عندنا؛ إذا راح سلمان الفارسي ووديناه البيت مفيش منه خير، حكوها من وراء الله سبحانه وتعالى، فنهاهم عن ذلك النبي ﷺ.
قال له النبي ﷺ لهما -انظروا للعبارة-: «مالي أرى حمرة اللحم في أفواكما؟». قالوا: ما أكلنا لحم يا رسول الله. وللأسف أن كثيراً من طلاب العلم يقعون في الغيبة؛ غيبة المشايخ وغيبة الصالحين. بعضهم -الله يكرمه- يصورها لك من باب الجرح والتعديل، وهذا فساد عريض. منهج الجرح والتعديل له أئمته وله شأنه وله رجالاته وله مقاصد، هناك جرح وتعديل لمقاصد محمودة، وليس تفكهًا بالمجالس في الأئمة والدعاة والمصلحين ثم تسمى بعد ذلك بهذا الاسم. هذا منهج أهل الغيبة والفساد وليس منهج أهل السنة والجماعة.
أهل السنة، الأئمة الكبار كي يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري، عندما كانوا ينقضون الرجال كان هناك هدف وكانت هناك فكرة، وما كانوا فاكهة في المجالس أن يقعوا في أعراض المشايخ والدعاة والمصلحين بحجة الجرح والتعديل. هذا كذب وإشباع لشيء في النفوس، وعدم تربية على صلاح هذه الأمة، فيحضر طالب العلم من هذه القضية. فإياك أن تظن أننا نتكلم عن الناس في الخارج يغتابون لأننا نتكلم عن أنفسنا الذين نقع في هذا الأمر سواء بإدراك أو بدون إدراك.
هذا من كلام أهل التصوف وهو كلام صحيح: «غيبة الخلق إنما تكون نتيجة غيابك عن الحق». ما معنى هذا الكلام؟ أولاً، من المراد بالحق؟ الله؛ يعني كانوا يقولوا للناس إن الغيبة هي ثمرة غيبتك عن الله. ما معنى الكلام؟ يعني الإنسان الذي منشغل بطاعة رب العالمين ويراقب الله، هل يمكن أن يختار من الذي يغتاب؟ الذي لا يراقب الله سبحانه وتعالى.
قبل أن ننتقل إلى الآية التي تليها، أريد أن أسأل سؤالاً: برأيكم، هل هذا الظن والتجسس والغيبة بينها ارتباط في هذه الآية أو هي نفس التصرفات؟ هل هي مرتبطة ببعضها البعض؟ فكر قبل أن ترفع.
الآية كما قال العلماء أتت فريدة في تميزها في طريقة صياغتها عن ثلاث أشياء، هل بين هذه الأشياء رابط عجيب؟ لا، ليس هذا هو الموطن الذي نريد أن نقوله. أحسنت، هي هذه، فكرة باختصار قالها أبو حيان في تفسيره: إن الله عز وجل جاء بها عن الأمر بالتدرج؛ نهاك عن الإكثار من الظن، لأنك إذا ظننت ظن السوء فإنك ستبحث عن تأكيده من خلال ماذا؟ التجسس. فإذا تجسست وتأكدت من العيب في أخيك ماذا ستفعل؟ والله نهاك عن بادئ الأمر؛ ريحك من البداية؛ اشترت كثيراً من الظن حتى لا يقودك الظن إلى التجسس، فإن قدك الظن إلى التجسس، فإياك أن تخطئ خطأً ثانياً فتقع في ماذا؟ في الغيبة بعد أن علمت من تجسسك أن أخاك فعلاً عنده ذلك.
حتى يطمئن ويقول: "أنا والله ما ظلمته، أنا اكتشفت"، كيف اكتشفت؟ وأنت تتجسس عليه! كيف اكتشفت أن هو فعلاً في هذا الخلق الذميم؟ وأنت تتجسس! كان الأصل من البداية أن تترك الظن، أليس كان من الحري بك أن تستر على أخيك؟ أليس هذا هو الحري بك حتى لو تأكدت من المعلومة؟ لماذا تقع في الخطأ الثالث والكبير وهو الغيبة؟ عند أكثر العلماء الغيبة من الكبائر وليست من صغائر الذنوب. فالموضوع خطير جداً، والآية جاءت على أفخم حال في هذا التناسق في الترتيب: النهي عن الظن، ثم التجسس، ثم الغيبة؛ لأن كل واحد يؤدي إلى ما بعده. فانتبه لهذا الترابط العجيب والترتيب العميق من الإله سبحانه وتعالى في صياغة هذه الآية، فهي آية عظيمة في الأخلاق.
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].
ننتقل إذاً إلى آية أخرى أيضاً تتكلم عن مجموعة من المفاهيم التي أراد الله سبحانه وتعالى أن تقوم عليها المجتمعات المسلمة. أبدأ بالمقطع الأول، قال قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ﴾؛ من آدم وحواء، أو كل واحد منكم من أبي وأمي. هذا القول الأول، والقول الثاني أن كل واحد منكم خلق من أب وأم، والذكر والأنثى هي ليست آدم وحواء بالتحديد وإنما هي جنس أي الأب والأم.
برأيكم هل نحن نجهل ذلك؟ الله يخبرنا أخباراً: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ﴾؛ فمن ينكر ذلك من الكفار؟ ما المراد من هذا الخبر؟ ما الذي يلزم على ذلك؟ هناك شيء محذوف هو المقدر في السياق، كلمات مقدرة هي: "لا يفخر بعضكم على بعض". فالآية ظاهرياً لا تذكر "لا يفخر بعضكم على بعض"، لكن من السياق نفهمها؛ لأن الله لا يذكر أشياء حشواً، ولا يذكر أشياء أساسية يعرفها الجميع، فالمقصود من الإخبار أنه خلقنا من ذكر وأنثى هو لبيان ما يلزم من ذلك.
الفائدة ما الذي يلزم على ذلك؟ أي لا يفخر بعضكم على بعض: أنا ابن العشيرة الفلانية، أنا من الشمال، أنا من الجنوب، أنا من الشرق، أنا من الغرب. هذه الجاهلية العمياء التي تعوم في بلادنا وفي كل بلاد الإسلام.
عن ابن العشيرة الفلانية عند الله؛ يا آدم وحواء على الرأي الأول، كل واحد فيكم من أب وأم، يعني شيل القشرة العظيمة اللي فعلته، أنت لما كنت ابن العشيرة الفلانية، مش ابن العشيرة الفلانية، شو الشيء العظيم اللي سويته؟ شو الإنجاز الكبير اللي حققته؟ أنه أبوك وأمك فلان حتى تفخر به على الناس؟ هل أنت اخترت ذلك أم هو شيء اضطررت إليه؟ إذن فلا يفخر بعضكم على بعض.
يدلي يعني ينزل؛ أنا أدلي بأبي وأمي وأنت تدلي بأبيك وأمك، وكل واحد فينا ما يدلي، ويوجد من خلال الأب والأم، فلا معنى بالتفاخر والتفاضل في النسب. الإضافة النسبية هي المراد في السياق، فلا معنى للتفاخر والتفاضل بالإنسان، لا تقل أنا بني فلان ولا بني فلان، كلكم لآدم وآدم من تراب. وهذا معنى جليل على الناس أن يعتقدوه ويؤمنوا به، ولا يصلح المجتمع المسلم إلا على هذا.
إذا كنت تريدنا أن لا يسخر بعضنا من بعض، لماذا جعلتنا إذاً شعوباً وقبائل؟ كان هناك سائل يسأل، وفهمته لأنه خلقنا قبائل وعشائر، مادام يريدنا أن نكون شيئاً واحداً ولا يبغي بعضنا على بعض ولا يسخر بعضنا على بعض، إذاً لماذا كانت سنة الله وجود القبائل والشعوب والأفخاذ؟ لماذا فعلت ذلك يا رب؟
فماذا قالت الآية؟ الآية الثانية التعليل فيها واضح: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ [الحجرات: 13]، ما هو الهدف؟ للتعارف وليس للتفاخر. جعلناكم شعوباً وقبائل للتعارف وليس للتفاخر، وأن تقول إني أنا ابن فلان وفلان، هذا هو الهدف؛ حتى لا يشككنا شاك في حكمة الله سبحانه من خلق الشعوب.
في مادة الاجتماعيات، القبائل ثم من القبائل العمارات، قال: الشعب هو القبيلة، وتحتها قبيلة، والقبيلة تنقسم إلى عمارة، والعمارة تنقسم إلى بطن، والبطون تنقسم إلى أفخاذ، والأفخاذ تنقسم إلى فصائل. هو أعلى شيء في التقسيم الاجتماعي الهرم؛ تجمع البطون والبطن يجمع الأفخاذ، والفخذ يجمع الفصائل.
خزيمة مثلاً، هي مش قبيلة عفواً، خزيمة التي في التاريخ شعب من القبائل، التي تحتها قبيلة من قبائل خزيمة، وخزيمة شعب تحتها مجموعة من القبائل، من قبائلها كنانة، وكنانة قبيلة، إيش تحت القبيلة؟ قريش تسمى عمارة لأنها فخذ من أفراد كنانة، فرد من أفراد كنانة. وقال وسميت الشعوب لأن القبيلة شعبت منها، لأن القبائل تشعبت منها، فمن هنا سمي الشعب شعباً لأنه أصل التشعب والتفرق من البداية من الشعب.
قال تعالى: ﴿وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]، يعرف بعضكم نسب بعض وأصوله، وليس الهدف من جعلكم شعوباً وقبائل للتفاخر والتفاضل في بعضكم على بعض بنسبكم. قال فلا يعتدِ إلى غير آبائه، الله جعلنا أنساب قبائل حتى كل إنسان يعزو نفسه لعقبيلته، ما بين فلان من العشيرة الفلانية يعزو نفسه إلى قبيلة أخرى، كل إنسان عليه أن يعزو نفسه إلى القبيلة التي ولد منها. فإذاً فلسفة وجود القبائل والشعوب هي المحافظة على الأنساب، ويعرف كل إنسان الفخذ والبطن الذي أتى منه، هذه آية فخمة عندما تفهم بهذه الطريقة.
ما هي الخصمة التي يفضل بها الإنسان غيره؟ التفاضل في الميزان الإلهي إذا كان ليس الأنساب وراء الشعوب ولا القبائل، ما هو معيار التفاضل بين الناس عند الله سبحانه وتعالى؟ المعيار الإلهي هو التقوى. قد يكون الإنسان عبداً أسود، سعد الشعر، قطط، مخرق الثياب، لكنه عند الله أعز بآلاف المسافات والسنوات الضوئية من إنسان غني وثري وعنده قصور، وقد يكون مسؤولاً وغير مسؤول، لكنه لا يزن عند الله جناح بعوضة. لا عشيرة ولا ابن فلان، الميزان عند الله هو التقوى.
قال النبي ﷺ: «من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله». وعن علي بن عباس رضي الله عنهما: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى. عند الناس فهذا بالفلوس، لكن الذي يبحث عن كرم الآخرة، فالمعيار الإلهي هو التقوى. عليه الصلاة والسلام، الناس هكذا، لا يوجد شيء ثالث؛ إما إنسان كريم عند ربنا أو إنسان شقي عند ربنا، غير ذلك من المعايير دعكم منها.
ثم قرأ الآية التي نحن فيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]. مرّ رسول الله ﷺ بمرض العبد، فعده، فقالوا في ذلك شيئاً، ليش رسول الله يحضر دفن مثل هذا العبد؟ يشم قيمة؟ وهذا كلام لا يصح، إن الله عليم بكرم قلوب وتقواها، قدير بهمم.
ثم الآن سيشرح المقطع الأخير: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]. قيل إنه هذا سبب نزول الآية، وذكره الواحد في أسباب النزول، ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَأْتُونَ﴾، وفي بعض النسخ: ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَأْتُونَ﴾، وفي نسخة أخرى: ﴿خَبِيرٌ بِنَفْسِ الْهَوَى﴾، ولعل هذا أوضح؛ أي الله سبحانه وتعالى خبيراً بما تهم به أنفسنا في دعواها الجاهلية وما تنطوي عليه هذه الصدور من حب الافتخار والتناسب وما شابه ذلك. هذا يتناسب مع الآية، إياك أن تظن أن الله جاهل بمواطن قلوبنا، في الذي يريد أن ينتسب للقبيلة من باب الفخر، ومن يريد أن ينتسب من باب التعارف وإظهار النسب ليس أكثر من ذلك.
وتعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 14]. يجب أن يدرس من هنا إلى آخر السورة، هذا مقطع واحد وفلسفة بيان ما هو الإيمان عند الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]. ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 16]. ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: 17]. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات: 18].
قبيلة من قبائل الأعراب اسمها قبيلة أسد، جاءت إلى النبي ﷺ تريد أن تسلم وتمنّ بإسلامها عليه، وفي نفس الوقت تريد تطلب صدقة، يعني خربان من كل الجهات، جاييني منه بدون صدقة! سبحان الله كيف نفوس العرب، فالآية جاءت تعالج هذه القضية لتبين حقيقة الإيمان.
الإيمان، وإنكم يا عرب أولاً لم تؤمنوا. ثانياً: إياكم أن أحد يمنّ بالاسلام، لماذا؟ لأنه أسلم، هذه نعمة من الله تفضل بها عليك، إياك أن تمنّ بها على أحد. هذه خلاصة الفكرة التي تعالجها الآية القرآنية، وتعالج قضية إيمانية عميقة.
قالت تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14]. الأعراب؛ أي بعض الأعراب، المفسرون يقولون ليس كل العرب، أنت تتوهم أنه قال الأعراب أي كلها، هل هذا هو المراد؟ لا، ليس كل الأعراب الذين قالوا ذلك، وإنما هم بعضهم. لذلك الناس هنا قالوا الأعراب أي بعضها وليسوا جميعاً، فالكلام وإن كان ظاهره أن جميعهم قالوا، لكن المقصود البعض، وهذا من إطلاق الكل وإرادة الجزء، ومن إطلاق الكلي وإرادة الجزئية.
وقد قالت الأعراب أي بعض الأعراب، لأن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ولم يقع في أخطاء غيره، فليس كل الأعراب كانوا سيئين. من هم الأعراب المقصودون في الآية؟ هم من قبيلة اسمها بني أسد من الأعراب، ما مشكلتهم؟ في سنة جدبة، أي قحط، فكانوا بحاجة للدعم كما يقولون، فأظهروا الشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وامتنوا بإسلامهم يريدون الصدقة.
وفي نفس الوقت، من سوء فعلهم أنهم منّوا بإسلامهم على النبي ﷺ، وهذا قد يقع فيه حتى كثير من المتدينين والمتدينات؛ لما يقع في مشكلة في الحياة يمنّ على الله: «يا رب أنا ملتزم، أنا متدين، لماذا يصير معي هيك؟» في الجامعة أو في الشغل أو في الزواج. حاشا لله أن تجعلها سبباً في المنّ على إلهك، فتُحرم هذه النعمة.
قال: يريدون الصدقة ويمنّون عليه، وباطناً يا محمد ﷺ... الآن الله عز وجل لقّن نبيه الجواب، ماذا تقول لهم يا محمد؟ قل لهم إنكم كاذبون، لكن سيذكر الناس أن الله تأدب معهم حتى لا ينفروا؛ أن منهم من حسن إسلامه، فقال ما قال: «أنتم كاذبون»، بل قال: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾. الكلام لم يحدث، لم يقل لهم أنتم كذابون، ولكن من باب عدم التصريح لهم بالكذب؛ فقولوا: «أسلمنا»، لأن الإسلام هو الظاهر والإيمان هو الباطن، هذا إذا ذُكر معاً، وهذه هي القاعدة فيهما.
إذا ذُكر الإسلام والإيمان معاً، فالإسلام والمراد به الظاهر، والإيمان والمراد به الباطن. وأما إذا ذُكر كل واحد على حده، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، فيكون المراد بكل واحد منهما المعنى الذي يشمل الظاهر والباطن. فهنا ذُكر الإسلام والإيمان في سياق واحد، فالمراد بالإسلام هو الظاهر والمراد بالإيمان هو الباطن، وهذا هو الصحيح في التفريق بينهما، وإن كان الأشاعرة والماتريدية لا يوافقوننا على هذا الكلام.
قالب الإيمان هو التصديق، والإسلام هو الدخول في السلم والخروج من أن يكون حرباً للمؤمنين بإظهار الشهادتين. وهذا قد يكون من المنافقين؛ فالمنافق يمكن أن يظهر الإسلام، مثل عبد الله بن أبي بن سلول، كان مسلماً في الظاهر لكنه كان كافراً في باطنه. فالإسلام يمكن أن يكون من المنافق ومن غير المنافق، لكن الإيمان لا يكون إلا من صادق، يدخل الإيمان في قلوبه.
«أسلمتم» أو «بالكاد لسه أسلمت»، تقولوا «أسلمنا»؛ لأن الإيمان لم يدخل بعد في القلوب، أنتم الآن جئتم وحكيتوا: «أشهد أن لا إله إلا الله»، وواضح من السياق أنكم جئتم لطلب الصدقة ليعينوكم ليس أكثر من ذلك، فلا تقولوا إن الإيمان دخل في قلوبكم، فهذا قول غير صحيح. فاعلم أن ما يكون بالشهادة باللسان والقلب ليس معتلفاً، فإذا كان الإسلام الذي فيه صورة النفاق، أو يكون صاحبه منافقاً، يكون قد أقر بلسانه لكن في قلبه ليس مؤمناً.
أو الإسلام الذي صاحبه عنده إيمان ضعيف؛ في حديث جبريل المشهور، سأل جبريل النبي ﷺ: «ما الإسلام؟» ثم قال: «ما الإيمان؟» ثم قال: «ما الإحسان؟». فالإسلام مرتبة تحت الإيمان، هو المرتبة الأولى، قد يكون صاحبه منافقاً كافراً في الباطن، وهذه حالة، وقد يكون مسلماً لكن إيمانه ضعيف، فلا يسمى مؤمناً، يسمى المسلم الذي ليس بمؤمن. ركزوا في هذا الكلام، فهو دقيق.
هناك حالتان للمسلم الذي لم يصل بعد إلى أن يكون مؤمناً: الحالة الأولى أن يكون مسلما في الظاهر لكنه في الباطن منافق، وهذا مع الكفار يوم القيامة. والحالة الثانية أن يكون مسلما ليس مؤمناً، لكنه ليس كافراً، بل عنده إيمان ضعيف لم يرتقِ به بعد ليكون مؤمناً فيصدق عليه أنه مؤمن، فهذا أيضاً يسمى مسلماً.
في الآية، الأعراب هؤلاء أسلموا وكانوا منافقين أم إيمانهم ضعيف؟ هذه مسألة اختلف فيها المفسرون اختلافاً كبيراً. الأعراب هؤلاء هل كانوا مسلمين لكنهم منافقون في الباطن؟ هذا رأي لبعض المفسرين. والرأي الآخر لبعض المفسرين أن هؤلاء لم يكونوا منافقين فعلاً، لكن كان إيمانهم ضعيفاً جداً، وأنا أميل لهذا الرأي؛ بدليل ما جاء في الآية: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، و«لما» هنا تفيد توقع حصول الإيمان عما قريب، مما يدل على أن الإيمان لم يحصل لكنه متوقع حصوله عما قريب، وهذا يدل على أن هؤلاء ليسوا منافقين، بل هم أسلموا ومعهم إيمان ضعيف. هذا الرأي الذي أميل إليه، وأنا أستحي أن أقول ترجيحاً لأن الترجيح مقام العلماء الكبار، لكن شأني من طلاب العلم أن أقول ما أميل إليه.
هذا من حيث اللغة، وأما من حيث الشرع، فالإيمان والإسلام واحد عند من عرف في العقائد أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، هكذا يعتقد الأشاعرة والماتريدية، وفي تصانيف أغلب الأشاعرة والماتريدية يقولون إن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، فإما أن تكون داخلاً وإما أن تكون خارجاً، فلا يوجد تفاوت في الإيمان عندهم.
هو الإسلام شيء واحد؛ يا أنت مؤمن مسلم، يا أنت كافر بره اللعبة. ما فيش شهادة أنك أنت مؤمن بس ضعيف الإيمان، بنسميه مسلم؛ هذه مش متصورة عندهم طبعًا. هذه المسألة الخلاف فيها لا يعتبر خلافًا في أصول؛ على ذلك، حتى بعض أهل السنة والجماعة الإمام النسفي، وعرفته محمد بن ناصر، قال إن الإسلام والإيمان شيء واحد وأخطأ في ذلك، لكن أنبه أن هذه ليست من أصول العقيدة، وإنما هي مسألة فرعية.
لكن ما يهمني أن تعرف لماذا الأشاعرة والماتريدية لا يقبلون تفاوت الإيمان والإسلام؟ لأن عندهم الإيمان لا يمكن أن يزيد وينقص، هو «بكج» واحد عندهم؛ يا أنت في، يا أنت بره، خلصنا تمامًا. فإذا كنت جوه، إذا أنت مؤمن وأنت مسلم، لكن أهل السنة والجماعة يرون أن الإيمان يزيد وينقص، بالتالي متصور عندنا أن يكون شخص مسلم إيمانه ضعيف، فلا أعطيه اسم المؤمن الكامل، فهمت الفكرة؟
فلذلك هو جعل التفريق بين الإسلام والإيمان، وقال لك الناس راح يلزموني: طيب إيش فرقت؟ يعني هذه الآية حجة على النسفي أن الآية فرقت بين الإسلام والإيمان. قراءة الآية: ﴿قُل لَّن تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، ففيه فرق، صح؟ انتبه أنه في فرق، فكيف جعل الفرق لغويًا؟ قال لك هذا فرق اللغة، أما في الشريعة مش موجود، ليخلصك من القضية. لغويًا: أنه في اللغة الإسلام أن يكون الشيء باللسان دون القلب، والإيمان أن يكون الشيء متواطئًا عليه القلب واللسان، هذا كله لغة، لكن في الشريعة الإسلام والإيمان شيء واحد. وصل إلى ما يريد بأنه فرق بين الإسلام والإيمان لغة، والآية ماشية على التفريق اللغوي، وأما في عقائدنا أهل الإسلام فلا يوجد فرق، فنقول له: الفرق بين الإسلام والإيمان لغة وشرعًا، لغة وشرعًا، هذا هو الصحيح. رحمه الله على العلامة النسفي.
قال: وفي «لمَ» ما معنى التوقع؟ والآن يتقدم. إيش يعني لما تفيد التوقع؟ ما معنى لما تفيد التوقع؟ نعم، أحسنت، فهي أداة نفي ولكنها تفيد توقع حصول الشيء المنفي عما قريب، تفيد توقع قصور الشيء عما فيه. أقول لك: «لما أدخل المدينة»، ماذا تفهم منها؟ أحسنت، أنني لم أدخلها بعد، لكن عما قريب سأدخلها، وهذا دليل على أن كثيرًا منهم آمنوا فيما بعد.
معنى التوقع مهم جدًا، لكن توقع حصول المنفي عن قريب. يعني ليش ربنا قال «لما» ولم يقل «لم»؟ هنا لماذا لم تستعمل «لم»؟ لأن هنا يريد الله أن يعطيكم إشارة أن هؤلاء كثيرًا منهم حسنا إسلامه وأصبح مؤمنًا فيما بعد، كما أراد الله سبحانه وتعالى.
والآية تنقض على الكرامية أصلًا من أصول النقاشات العقدية. من الكرامية هم أتباع محمد بن كرام، وظهروا في مناطق ما وراء النهر. الكرامية ماذا يرون في الإيمان؟ أحسنت، الكرامية يقولون الإيمان هو مجرد القول باللسان، وهذا قول لم يسبقهم إليه أحد. الإيمان عند أهل السنة ما هو؟ اعتقاد وقول وعمل. عند الكرامية الإيمان هو مجرد القول. وعند الأشاعرة والماتريدية الإيمان ما هو؟ التصديق فقط. فكلام الكرامية أيضًا فاسد كما أن كلام الأشاعرة ومن وافقهم فاسد في هذا.
كلام الكرامية أيضًا فاسد في جعلهم أن الإيمان هو مجرد القول باللسان؛ يعني بناء على قولهم المنافق شو حكمه في الدنيا؟ مؤمن! مش الإسلام بس على رأي الكرامية؟ المنافق مؤمن! يعني الإنسان دائماً لا يبغي على الطوائف بجهل. الكرامية يقولون المنافق مؤمن في الدنيا، لكنه يوم القيامة خارج في نار جهنم، فتسميته مؤمنًا هو باعتباره الدنيا فقط.
الكرامية أتباع محمد بن كرام يقولون: الإيمان هو مجرد أن تقول بلسانك «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، حتى لو كنت منافقًا، حتى لو كنت عبد الله بن أبي بن سلول، أنت مؤمن بس مؤمن وين؟ في الدنيا. إذا مت على النفاق، فإنه يوم القيامة... هل يقول إن المنافقين في الجنة؟ فالخلاف معهم أقرب أن يكون لفظيًا، لكنه فاسد في النهاية لأنهم استعملوا اللفظ الشرعي في غير موضعه. فالخلاف معهم مش في النتيجة النهائية، لكن لفظ الاستعمال الخاطئ؛ لأن الإيمان ليس مجرد القول باللسان، هو قول واعتقاد وعمل.
الماتريدي يريد أن ينقض على الكرامية، والنسفي يريد أن ينقض على الكرامية؛ أن الإيمان لا يكون مذهبهم في أن الإيمان عندهم لا يكون بالقلب، وإنما الإيمان يكون باللسان. هذه كما قلنا قولًا فاسدًا من حيث التأصيل، وإن كانت ثمرته ليست كبيرة معنا، الخلاف من حيث الثمرة ليس بشيء كبير، لكنه في النهاية قول فاسد، فإن الإيمان لابد فيه من اعتقاد القلب.
البلاغة في الآية الآن، مقتضى نظم الكلام أن يكون... قال: إن قلت مقتضى نظم الكلام أن يكون... قل لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا، أو ﴿كَلَّا لَمْ تُؤْمِنُوا﴾. نرجع للآية، نقرأها مرة أخرى؛ قالت الأعراب آمنا، ماذا قالت الآية لهم؟ ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾. «لم تؤمنوا» هذا خبر ولا إنشاء؟ صح، يعني ليس أمرًا ولا نهيًا، خبر. «ولكن قولوا أسلمنا»، هذا خبر ولا إنشاء؟ إنشاء؛ لأنه أمر. فالمقطع الأول «لم تؤمنوا» خبر، والمقطع الثاني «قولوا أسلمنا» إنشاء. فبيقول لك الآية فيها شيء غريب، أنه جاءت بخبر وإنشاء؛ الله أعلم أن يكون إما كلاهما خبرًا، أو كلاهما إنشاء.
الأصل الذي كان ينبغي لأن هو أكيد عد إلى الأصلي؛ يعني معنى الفائدة نحن يجب أن نعرف ما هو الأصل. الأصل أن تكون الآية كلها خبرًا، أو أولها إنشاء وكلها خبر، يعني أن يقول لهم: «لم تؤمنوا ولكن أسلمتم»، هيك بيكون «لم تؤمنوا» خبر، و«ولكن أسلمتم» برضه خبر. هذا الاحتمال الأول. الاحتمال الثاني أن تكون كلها إنشاء، فيكون: «لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا»، فتكون «لا تقولوا» إنشاء، و«قولوا» إنشاء.
أعد الكلام مرة أخرى، مقتضى سياق الآية، يعني الذي كان ينبغي أن يكون، ما هو الأصل؟ أن يكون: «لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا»، هيك بتكون الآية كلها إنشاء؛ «لا تقولوا» نهي، و«قولوا» أمر. أو «قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم»، أو تكون كلها خبر؛ «أنتم لم تؤمنوا ولكنكم أسلمتم»، فما فيها لا نهي ولا أمر، كلها على سبيل الخبر. طب لماذا جمع الله بينهما؟ جاء الأول خبرًا والثاني إنشاء: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾.
﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. ننظر في هذه اللفتة الجيدة، حيث أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أولاً؛ أي أن هذا الأسلوب أفاد تكذيب دعواهم في قولهم «آمنا»، فكان لابد أن يكون خبرهم «لم تؤمنوا».
ولكن الله سبحانه وتعالى أخذهم بحلمه، فقال «لم تؤمنوا» لتكون تكذيباً لهم من دون أن يصرح بلفظ الكذب، حتى يلطف عليهم أجواءهم كما يقول. وبقوله «لم تؤمنوا» بدلاً من أن يقال «لا تقولوا آمنا»، هناك عبرة أيضاً.
لماذا لم يقل «لا تقولوا آمنا»؟ هذه نظرة مستبشرة، أن هو سبحانه يريد منا أن نصل إلى الإيمان، فحتى لو كنت غير مؤمن، ليس من حسن الخطاب أن يقول الله للإنسان: «لا تقل آمنا»، وإن كان هذا هو الواقع. فهل من لباقة الخطاب أن يقال لهم «لا تقولوا آمنا»؟ هذا ليس من اللباقة لأن الله يريد منهم الإيمان، فانظروا ماذا فعل واستغنى بقوله «لم تؤمنوا».
يستقبح أن يخاطبهم الله بقوله «لا تقولوا آمنا» مع أن هذا هو الواقع، لكنه لا يريدهم أن يقولوا هذا الكلام. فهذا استهجان أن يخاطب بلفظ مؤداه النهي عن القول بالإيمان، فالعبارة بحد ذاتها ليست لبقة في الأدب مع الله، فالله لم يستعملها تأدباً.
إذا كان المقطع الأول قد جاء على صورة الخبر، فلماذا لم يأتِ المقطع الثاني على صورة الخبر أيضاً؟ لماذا لم يقل «قل لن تؤمنوا ولكن أسلمتم»، بل قال «قولوا أسلمنا»، ولم يقل «ولكن أسلمتم»؟ ليكون الأمر خارجاً مخرج الزعم والدعوى.
إن الله عز وجل لا يريد أن يحترم هؤلاء كثيراً لأنهم امتنوا بإسلامهم، فلما قال «قولوا أسلمنا» جعلها بالضلال دعوة من دعواهم، لكن لو قال «ولكن أسلمتم» لكانت شهادة من الله لهم بالإسلام، والله لا يريد أن يعطيهم هذه الشهادة بسبب سوء أدبهم في امتنانهم بالإسلام، فيجعل كلامهم مجرد دعوى.
لماذا لم يشهد الله لهم بالإسلام؟ حطاً من مقامهم نتيجة أدبهم؛ فلو قال «ولكن أسلمتم» لكان ذلك اعتداءً واعتداداً من الله سبحانه وتعالى بقولهم، والله لا يريد أن يظهر أنه اعتد بهم، لأن سبب إنزالهم في هذا المقام هو امتنانهم بالإسلام، فالله يريد أن يقول لهم: حتى إسلامكم هو مجرد دعوى، أنتم لم تؤمنوا، فقولوا «أسلمنا» فقط، ولا تحكوا «آمنا»، وحتى «أسلمنا» هي أيضاً مجرد دعوى لم يشهد الله لكم بها بعد. وهذا كله تخويف لهم حتى لا يظنوا أن الإيمان بالتمني أو بالتحلي، وإنما هو عمل كما سيأتي في الآية التي تليها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾.
أما قوله «ولم يدخل الإيمان»، فإن فائدة قوله «ولم يدخل الإيمان» هي جملة حالية؛ أي: قولوا أسلمنا حال كون الإيمان لم يدخل في قلوبكم بعد. ففهم السياق مهم حتى تفهم لماذا وجدت، وإلا لو أخذتها وحدها ستظن أنها تكرار كما نفى ذلك النسفي.
فهي حال مقيدة لجملة «قولوا أسلمنا»، أي قولوا أسلمنا حين لا يكون قد ثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم في الإيمان. ففهم الحال مهم حتى يكون السياق واضحاً في ذهنك، وصاحب الحال هو الضمير (الواو) في قوله «أسلمنا».
أما الرأي الثاني الذي يرى أن هؤلاء كانوا منافقين، فهذا رأي آخر لبعض المفسرين، لكننا لا نختاره، ونرى أنهم ما كانوا منافقين ولكنهم كانوا ضعفاء الإيمان، والله تعالى أعلم.
ما معنى «لا يلتكم»؟ على قراءة البصريين «لا يلتكم»، وهناك قراءتان في الآية؛ «لا يلدكم» وهذه قرأتنا، و«لا يلتكم» وهي قراءة البصريين، والمعنى واحد، أي: لا ينقصكم من أعمالكم شيئاً. فإذا صح إيمانكم بالله ورسوله، حينئذٍ لن ينقصكم الله شيئاً من الأعمال التي كنتم فعلتموها قبل أن تصلوا إلى هذه الدرجة من الكمال، أي لا ينقصكم من ثواب حسناتكم شيئاً. وسياق النفاق سياق زجر وشدة، أما هذا فسياق مغفرة.
فهذا يدل على أنهم كانوا ضعافًا ولم يكونوا منافقين، والله تعالى أعلم. أكمل على وصف الله وصف المؤمنين؛ الله سبحانه وتعالى وصف حال هؤلاء الأعراب وكيف ادعوا الإيمان ولم يصلوا بعد إلى مرتبة الإيمان الحق. أراد الله أن يبين ما هو الإيمان الحق الذي يستحق صاحبه أن يقول عن نفسه إنه مؤمن. متى أقول أنا مؤمن؟ عندما نحصل على هذه المرتبة التي لا نزعل فيها من الله.
المؤمنون الذين آمنوا بالله، إنما المؤمنون -يعني الذين يستحقون الإيمان أو أن يلقبوا بهذا اللقب، وإنما قلنا من أساليب الحصر- هؤلاء هم المؤمنون حقًا. من هم؟ على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: 15].
«ارتاب»؛ إذا أراد هو مطاوع للفعل الثلاثي «رَابَ»، تقول: رَابَهُ، فارتاب. هذه مثل قضية «جَنَبَه فَاجْتَنَبَه» التي بدأنا بها درس اليوم. المهم، «ارتاب بالشيء» ما معنى ارتاب؟ إذا وقع في الشك مع وجود تهمة للمقابل؛ إذا أنا شككت فيك ومتهمك، فأنا في ريبة منك. إذا شككت بدون تهمة اسمه شك، أما إذا شككت مع اتهام فاسمه ريبة.
«نفوسهم فيما آمنوا به آمنوا ثم لم يشكوا لحظة واحدة في الإيمان»، لم يقع في نفوسهم أي شك ولا اتهام لما صدقوا من الكتاب والسنة والأحكام الشرعية، ولا اتهام لما صدقوا. ولما كان الإيقان وزوال الشك ملاك الإيمان -والملاك بمعنى الكمال هنا- لما كان حصول اليقين وزوال الشك به يكون كمال الإيمان.
لماذا قال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ مع أن نفي الريب جزء من الإيمان؟ فهمتم السؤال؟ الله عز وجل ماذا قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾. لماذا ذكر الريب مع أن الريبة هي شرط في الإيمان أصلاً، فهي موجودة ضمناً في قوله: ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؟ أعيد السؤال مرة ثانية: إنما المؤمنون من أول وصف لهم هم الذين آمنوا بالله ورسوله، وطبعًا من شرط الإيمان عدم وجود الريبة، فلماذا ذكر الريبة وحدها؟
قال النسبي: لأن للريبة أهميتها ومحوريتها في استكمال الإيمان؛ لذلك قال: «ولما كان الإيقان وزوال الريب ملاك الإيمان»، أفرد نفي الريبة بالذكر بعد تقدم الإيمان تنبيهًا على مكانته ومحوريته وشرطيته في استكمال الإيمان، فأنت لن تستكمل الإيمان حتى ينتفي الريب والشك من قلبك.
قال أبو عقبة: عطف على الإيمان بكلمة «ثم» التراخي؛ ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾. لماذا قال «ثم»؟ هل تفيد «ثم» أن الريب وقع بعد نفي الريب؟ هل يكون بعد حصول الإيمان أم يحصلان معًا؟ لو سألتكم سؤالًا: هل هم آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، أم أن الذي حصل في نفس الوقت؟ كيف إذاً؟ «ثم» تجئهم.
أنت لما تقول: «ثم لم يرتابوا» تشعرني بأنهم آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، وهذا ليس هو المقصود قطعا؛ لأن عدم الريب في نفس الوقت الذي حصل فيه الإيمان. فما فائدة «ثم»؟
أحسنت، هنا «ثم» ليست للترتيب الزمني، وإنما هي لبيان الاستقرار، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30]. هل الاستقامة تكون بعد «ربنا الله» أم هو شيء متلازم؟ اقرأ ماذا قال النسبي، وهو أمر مهم جداً تعرف هذه النقطة البلاغية: «وعطف بكلمة التراخي "ثم" على الإيمان بكلمة التراخي إشعارًا باستقرار الأمر على مدة متراخية متطاولة، وبقي غضًا طريًا، وهو عدم الريب».
هذا منهج عاشوا عليه في حياتهم وبقي غضًا طريًا لم يبْلَ؛ منهج عدم الريب. من أين أخذنا هذه الدلالة؟ من كلمة «ثم»، فالعطف بـ «ثم» في هذا السياق ليس للترتيب الزمني، وإنما للإشعار باستقرار الأمر على مدة متراخية متطاولة وبقي غضًا طريًا، وهذا كلام فخم حقيقي.
«جاهدوا بأموالهم وأنفسهم»، يجوز أن يكون المجاهد منويًا، وهو العدو، على وزن «فَاعَلَ» الذي يحتاج إلى مفعول به. جاهدوا بأموالهم وأنفسهم، أين المفعول به؟ من جاهدوا؟ أعداء الأمة، أو جاهدوا أنفسهم (الأمارة بالسوء)، أو جاهدوا على طاعة الله؛ فالمفعول به محذوف. إذا قلنا إن الفعل على حقيقته على وزن «فاعَلَ»، فهو يحتاج مفعول به، وهنا يكون حذف المفعول به لإفادة العموم.
جاهدوا بأموالهم وأنفسهم؛ العدو، الإسلام، جاهدوا بأموالهم وأنفسهم نفوسهم الأمارة بالسوء، وأيضًا فيها احتمال جاهدوا الشيطان. فإما أن يكون الشيء المجاهد منويًا، أي المفعول به منوي، وهو إما العدو المحارب أو الشيطان أو الهوى (وهي نفس الأمارة بالسوء)، وإما أن يكون «جاهد» بمعنى «جَهَدَ»، وهذا احتمال آخر أن تكون «جاهد» بمعنى «جَهْدًا»، وإذا كانت بمعنى «جهدًا» فلا نحتاج إلى مفعول به لأن الفعل «جَهَدَ» فاعله مفعول به مقدم.
قال: «يجوز أن يراد بالمجاهدة بالنفس الغزو، وأن يتناول العبادات بأسمائها، وبالمجاهدة بأموالهم وأنفسهم». ما المراد بـ «جاهدوا بأنفسهم»؟ المعنى المتبادل إلى ذلك، ومن الجهاد بالنفس ما هو قتال الأعداء، وهذا هو الأصل. لكن يمكن أن يدخل فيه معانٍ أخرى أيضًا، مثل أن يتناول جهاد النفس في كل العبادات، ويجوز أن يراد بالجهاد بالنفس الغزو، وهذا أول معنى.
والله يا جماعة الخير، المواظبة على طلب العلم والحضور للمجالس، عبد الرؤوف، بدها جهاد نفس. والله بدها جهاد نفس يا جماعة؛ الحضور في أي مجالس تحتاج جهادًا، والاستمرار في رحلة طلب العلم جهاد. الجهاد شيء عام ليس فقط في الغزو في سبيل الله وإن كان ذروة سنام الإسلام، لكن هناك جهاد على قيام الليل، هناك قراءة القرآن، هناك جهاد على حفظ المنظومات وعلى الاستمرار في مجالس العلم، جهاد على الصبر على الشيخ حتى يخلص.
طيب، إن شاء الله عند هذه الآية، بسم الله. «بأموالهم وأنفسهم»، عرفنا الجهاد بالنفس، طب الجهاد ماذا يدخل فيه؟ إذن إما أن تدفع مالك لتجهيز المجاهدين والغزوات والمعارك، وثانيًا يشمل أيضًا كل أعمال البر، الصدقات، صلة الأرحام، إلى غير ذلك من الأمور التي قد تدخل تحت الجهاد بالمال. وإن كان أصل الجهاد بالمال المعنى الأصيل له، وهو بذل المال في الغزوات والجهاد في سبيل الله، ودعم الناس في غزواتهم، فهذا هو المعنى الأصيل، والعلماء لا يجوز أن يُطوى هذا المعنى، ولكن بالتأكيد لكل شيء زمان وهو مقتضى الحكمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والالتزام.
بالضوابط هذا كله يعرف في وقته، لكن ما يصير أنا أحرك الآية حتى أجمد لبعض الناس ما يريدون، لا الآية هكذا قال النسفي: «ولست إمامكم».
الصادقون الآن خبر المبتدأ، إذا هو يرى النساء. إنما المؤمنون، المؤمنون مبتدأ، والذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا، هذا كله نعت صفة للمبتدأ، فأين الخبر؟ إنما المؤمنون، ماذا يريد الله أن يخبر عنهم؟ الذين آمنوا هذا ليس إخباره، هذا وصف لهم؛ يعني المؤمنون الذين صفاتهم أنهم آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، والذين من صفاتهم أنهم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، هؤلاء هم الصادقون، هذا هو الخبر.
المؤمنون الذين صفاتهم واحد، اثنين، ثلاثة، يريد ربنا أن يخبر عنهم أنهم هؤلاء هم الصادقون؛ فأولئك هم الصادقون. هذه الجملة كلها خبر للمبتدأ، أين المبتدأ؟ أنت تريد أن تشعر من خبريه هنا، الله يريد أن يخبرني عن المؤمنين الذين صفاتهم أنهم هم الصادقون.
«أولئك هم الصادقون» فيها حصر، ما هو الحصر؟ إن المبتدأ "أولئك" مبتدأ ثانٍ، و"الصادقون" خبر ثانٍ، وكلاهما معرفة، فإذاً كم حصر في الآية؟ الله لما يؤكد قضية كيف يحصرها؟ حصرين في سياق واحد، هناك حسران في السياق الواحد لأن المعنى فخم، هذا معنى عقد رفيعة الإيمان؛ أنت اكتشف نفسك أنك مؤمن، ربك أقسم على هذه الآية. "إنما" أداة حصر، صح؟ و«أولئك هم الصادقون» حصر آخر، حصران في سياق واحد، لماذا؟ لأن المعنى فخر.
أهل الإيمان الحق آمنوا بالله ورسوله ولم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، هؤلاء هم من يستحقون أن يقولوا آمنا، ولستم أنتم أيها الأعراض الذين أمسح إمبارح حكيت عنهم. أشهد أن لا إله إلا الله. أما هذا الإيمان المبتدئ من مدة، هذا الاسم محتاج إلى تطوير وشغل حتى ترسخوا فيه رسوخ هؤلاء الصادقين.
تختم، اقرأها قراءة خاتمة ومن في المجلس: «أولئك هم الذين إيمانهم صدق وحق»، نعم، الصادقون في قولهم آمنا، يعني الصادقون في ماذا؟ «أولئك هم الصادقون» في قولهم آمنا، أو هم الذين إيمانهم إيمان صدق؛ يعني إما أن نقول الصادقون في قولهم آمنا، هذا التقدير، أو هم الذين إيمانهم إيمان صدق، يؤدي نفس المغزى.
«الذين آمنوا ثم لم يرتابوا وجاهدوا»، كلها صفات لأهل الإيمان، والخبر للمبتدأ كان في جملة «أولئك هم الصادقون»، هذا التقرير للإعراب.
ولما نزلت هذه الآية جاءوا الأعراف، والله يا رسول الله، «وإنما أعلم بما تعملون»، وهي عليّ أنا، كان رسول الله، هذا شيء يطلع الله عز وجل عليه في قلوبكم، فلا يحتاج إلى إخبار؛ يعني أنت ما في داعي تحكي أنا مؤمن، أنا مؤمن، ربنا عارف، إذا أنت مؤمن ربنا عارف، إذا أنت كاذب ربنا عارف، ما في داعي أنك أصلاً تشغل نفسك بقضية الإخبار هنا، تعلمون الله بدينكم بس.
إن شاء الله سورة الحجرات في المجلس القادم بإذن الله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل