دخولتسجيل الدخول

المجلس التاسع - خاتمة الحجرات وبداية سورة(ق)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، سبحان الله، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الإخوة والأخوات في مجلسنا الجديد على موائد القرآن، وعلى كتاب الله، أجمعنا نلتقي فيه لنتفقه في رسالات الله سبحانه وتعالى إلينا. نحمد الله سبحانه وتعالى استمرارًا في هذه المدارس، ونعتقد أنه هو سبحانه وتعالى صاحب المن والفضل.

يتناسب مدخلنا اليوم في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾. وصلنا إلى هذه الآية في تفسير سورة الحجرات، بقي علينا الحديث عن الآيتين الأخيرتين، ثم ننتقل بعد ذلك إلى سورة قاف، مستعينين بالله.

اقرأ الشيخ سليمان آخر آيتين. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا وللسامعين.

يقول المصنف رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.

ما زالت سورة الحجرات تعالج هذه الطائفة من الأعراب الذين أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أسلموا ومَنوا بإسلامهم، بل زعموا أنهم وصلوا إلى مرتبة الإيمان، فالله سبحانه وتعالى ماذا قال لهم؟ قال لهم: ﴿قُلْ لَنْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾.

هذه الطائفة ارتكبت عدة أخطاء؛ الخطأ الأول -أحبكم الله الكرام- أنهم ادعوا مرتبة لم يصلوا إليها بعد، قالوا إننا وصلنا إلى مرتبة الإيمان، وهم في الحقيقة ما زالوا يحومون حول مرتبة الإسلام. والخطأ الثاني أنهم مَنوا بإسلامهم وإيمانهم على النبي صلى الله عليه وسلم.

الخطأ الأول الله سبحانه وتعالى عدده صراحة معهم: ﴿قُلْ لَنْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، وأما الخطأ الثاني فقد جاءت الآية تعالجه، وهو خطأ على النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام، والله عز وجل قال لهم: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾.

ما معنى ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾؟ أي أتخبرون الله أنكم أسلمتم؟ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، يعني ما في داعي أيها الأعراب أن تمنوا على النبي صلى الله عليه وسلم أنكم أسلمتم أو آمنتم، فهذا شيء في قلبكم بينكم وبين الله سبحانه وتعالى، يكفي أن الله سبحانه الذي يعلم غيب السماوات والأرض مطلع على مواطن قلوبكم، فيعلم أين أنتم؛ هل أنتم منافقون؟ هل أنتم مسلمون؟ هل أنتم مؤمنون؟

لذلك ماذا قال النسفي في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾؟ قال: «أي أتخبرونه بتصديق قلوبكم، والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله في كل شيء عليم من النفاق والإخلاص وغير ذلك». ما معناها أتخبرونه بتصديق قلوبهم؟ وهذا معنى "أتعلّمون"؛ ما معنى "علمته فلانًا"؟ أي أخبرته، فمعنى ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ﴾: أتخبرون الله أنكم آمنتم؟

فأنتم أولاً لم تؤمنوا، ثم ما الفائدة؟ لماذا تأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وترددون هذا الكلام؟ تريدون مَنًّا عليه، والله يعلم إذا كنتم صادقين أو لم تكونوا صادقين. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ما مناسبة هذه الآية؟ يعني إيمانكم لم يخفَ عليه، فهو يعلم غيب السماوات والأرض، لا يوجد شيء يمكن أن يخفى عليه سبحانه وتعالى الذي وسع علمه كل ما في السماوات والأرض، فهو يعرف النفاق، يعرف الإخلاص، يعرف الصادق، يعرف الكذب؛ فلا داعي إذن من هذا التظاهر ومن هذا التصنع أمام النبي صلى الله عليه وسلم والمنّ عليه.

ثم قال سبحانه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾، أي بأن أسلموا، والمنُّ هو ذكر الأيادي تعريضًا للشكر، فلان له يد على فلان، أي له معروف وصنيعة منه، فمعنى المن أن تذكر الأيادي، يعني أن تذكر صنائع المعروف التي فعلتها تجاه فلان؛ أكون مثلاً ساعدتك وأقربتك مالًا وساعدتك في أمور حياتك، فأتي أقول لك: تذكر يوم ساعدتك في كذا، وتذكر يوم أعطيتك مبلغًا ماليًا، هذا اسمه ذكر الأيادي.

ذكر الأيادي أن تذكر أفضالك على الشخص الذي أمامك، وهذا منه، لذلك قال: ﴿وَيَمُنُّونَ﴾ ذكر الأيادي تعريضًا للشكر، أي يشكرني عليك، حتى أنت تشكرني! وهل هذا من أخلاق أهل الإسلام؟ لا، لذلك ماذا قال؟ ونهينا عنه، إن الله سبحانه نهانا عن هذا الخلق، فهذه أخلاق الأراذل، هذه أخلاق أراذل الناس، ولا تصدر ممن عنده دين أو مروءة، حتى من عنده مروءة لا يفعل ذلك ولو لم يكن عنده ديانة، فهذا الخلق ينافي الدين وينافي مروءات الرجال.

ثم قال: إذا جاء الأعراب يمنون على النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أسلموا، وهذا حال كثير من الناس، ولو لم يكونوا من الأعراب في وقتنا المعاصر؛ تجد أحدًا يدخل المسجد يصلي مع الناس في جماعة، إذا حدثت مشكلة بينه وبين شخص في المسجد يقول: خلاص، أصلاً حتى أتى المسجد، وإذا وجدت أحذية على باب المسجد بطريقة معينة يقول: وعمري ما أصلي في المساجد! كل ما رأى شيئًا لم يعجبه يمنّ علينا أنه يصلي.

أخي، هذه صلاتك وقت تنفعك عند الله سبحانه، إياك أن تمنّ على الله أنك تصلي، وإياك أن تمنّ على الله أنك محجبة أو مصلية أو مجلببة، بل الله يمنّ عليكم، هو صاحب المنّ أن وجه قلبك للمسجد، هو صاحب المنّ أن شرح قلبك للجلباب أو الحجاب الشرعي. لذلك تكملة الآية: ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾، ما أحد يحملنا جميله، ما أحد يقول والله إحنا أسلمنا، يلا أعطونا هذا الشيء، أنت تنقذ به نفسك من النار، لما تصلي ولما تسلك درب الاستقامة، أنت من ينتفع، أنت من ينتفع.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: 6]. يجاهد المرء لمصلحته، فلا تقل: يا رب أنا عملت لك هذا، أشيله لك؛ فالله سبحانه هو الغني ونحن الفقراء. وهذه قضية يمكن أن تقع من أي إنسان يشعر بها أحيانا، قد لا يتفوه بها طالب العلم لكن تقع منه ضمناً.

كيف ذلك؟ عندما يقع الإنسان في بلاء، يبدأ يحدث نفسه: لماذا أنا مبتلى؟ حتى ولو لم يصرح بذلك. يقول: أنا أطلب العلم، وآتي المساجد، وما شاء الله مميز وأحفظ المنظومات، فلماذا ربنا ابتلاني بهذا البلد وما عافاني؟ هذا الكلام نوع من المنّ على الله.

إن توفيق الله لك لطلب العلم ليس شيئاً تقول فيه: يا رب مقابل أني أطلب العلم أعطني أو عافني؛ لا، أخي، الأمر كله لله أولاً وأخيراً. فإياك أن تمنّ على الله بأنك تطلب العلم، بل الله يمنّ عليك بأن صرف قلبك لحضور مجالس العلم والتعلم، وأيسر لك وسخر لك من يعلمه. إياك أن تتحلى بهذا الخلق، فهذا الخلق موجود عند كثيرين، وليس فقط عند العوام.

قال رحمه الله تعالى في ذم هذا الخلق: «ولا تمنوا علي إسلامكم، بل الله يمن عليكم»، أي: الله يمنّ عليكم إذ هداكم، أو هو صاحب المنة والفضل أن اختارك. وإلا فقد كان سبحانه قادراً أن يجعلك كافراً. لماذا اختارك الله من بين الناس لتكون مسلماً؟ أليست هذه منة وفضلاً واختياراً؟ كان بإمكانه أن يصرفك عن العلم، فهو صاحب المنة إذ اختارك من بين هذه الجموع المتكافرة لتكون على درب الاستقامة.

قوله: ﴿إِنَّ هَدَاكُمْ﴾، هناك حرف جر محذوف، والتقدير: "بأن هداكم" أو "لأن هداكم"، وكلاهما يصلح في السياق. ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. وهذا يقتضي منكم أيها الإخوة والأخوات الشكر والاعتراف لله سبحانه وتعالى أنه وجهكم لهذا الطريق، فهو صاحب المنة والفضل أولاً وآخراً. فنحمد الله على طلب العلم، ونشكره على هذا الخير، ونحمده أن جعلنا مؤمنين، وأن هدانا لطريق الالتزام والتدين، وأن أذن لنا أن نقرأ كتابه. هو صاحب المنة والفضل في كل نفس من الأنفاس التي يتنفسها العبد في طاعة الله سبحانه وتعالى، فاستشعروا عظمة المنة الإلهية عليكم.

قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ الآية تريد أن تتنزل حتى لو كنتم مؤمنين كما زعمتم، فصاحب المنة في الإيمان هو الله، ولكن أنتم أصلاً لستم صادقين في دعواكم الإيمان ابتداءً، فأنتم لم تصلوا أصلاً إلى مرتبة الإيمان. فالآية تقول لهم: بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين أصلاً في أنكم مؤمنون، لكنهم لم يكونوا كذلك، بل كانوا أبعد ما يكون عن مرتبة الإيمان. فلا يأتي أحد إلى النبي ﷺ ليمُنّ عليه بإسلامه أو إيمانه، بل قال: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَدْعُونَ مَا لَا يَسْمَعُ مِنَ الدُّعَاءِ وَمَا لَا يُجِيبُكُمْ ۖ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَزْعُمُونَ﴾، والله عليم بخلافه.

إذا أعدنا قراءة النص من بدايته: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ وجواب الشرط هنا محذوف لدلالة ما قبله عليه، وتقديره: "إن كنتم صادقين في ادعائكم للإيمان، فلله المنة عليكم". أليس الذي يسبق جملة الشرط يدل على جوابها؟ لو سألتك: "إن كنتم صادقين..." ما جواب الشرط؟ ستجيب: "فالإيمان لكم" أو ما شابه. هذا الجواب لم يكتب في الآية لأن السياق دلّ عليه، والقرآن كثيراً ما يحذف الأمور التي يمكن أن تُفهم من السياق اكتفاءً بها.

فالتقدير كما قال النسفي: "إن كنتم صادقين في ادعائكم الإيمان، فجواب الشرط هو: فلله المنة عليكم". ثم أشار إلى أن هناك قراءة أخرى غير قراءة عاصم، وهي: "إنه هداكم"، وإذا قرأناها تصبح جملة شرطية أيضاً.

ثم تأمل قوله تعالى في ختام السورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. تأمل مناسبة هذا الختام؛ لماذا ذكره الله في هذا الموضع؟ هذا الختام المهيب العظيم يبرز جلال الله في علمه واطلاعه وبصره. وما مناسبة هذا الختام للجدلية الأخيرة التي أثيرت؟

الله عز وجل يريد أن يرسخ عقيدة للمؤمن، وهي أن موضوع إيمانك وصدقك وصفاء قلبك لا تحتاج أن تخبر به أحداً، لأن الذي يطلع عليه أولاً وأخيراً هو الله، الذي يعلم غيب السماوات والأرض، وهو بصير بما تعملون. ولو كانت الآية: "إن الله يعلم غيب السماوات والأرض وهو بصير بما تعملون"، لكانت كافية، فلماذا تكرر لفظ الجلالة صريحاً؟

قال في المرة الأولى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾، وفي الثانية: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ﴾. في البلاغة، الأصل أن تذكر الاسم ظاهراً ثم تتبع بالضمائر، كأن تقول: "جاء محمد ثم قام"، لكن تكرار لفظ الجلالة هنا هو من باب "الإظهار في موضع الإضمار"؛ وذلك لغرض التفخيم والتعظيم لله سبحانه وتعالى، تعظيماً لعلمه وبصره.

ينبغي أن يأتي فيه ضمير، لأن هكذا سياق الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَهُوَ بَصِيرٌ﴾. لكن الآية أتت بالاسم الظاهر بدلاً من الضمير لسياق التفخيم لله سبحانه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. شفت التفخيم والتعظيم لله لما كرر اسمه مرتين؟ ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾؛ ليكون في النفس أكثر شعوراً بالخوف والإجلال والتعظيم لله سبحانه وتعالى.

اقرأ، قال رحمه الله تعالى: وبالياء، مكيين، ابن كثير المكي قرأها: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ على قراءتنا "تعملون"، وهذه قضية القراءات. أنا لا أنصحك الآن أن تركز عليها كثيراً حتى لا يتشوه ذهنك، فالإخوان ليسوا حافظين لكتاب الله، قد يتشوه ذهنك، فركز على التفسير أكثر من القراءة، ولكن اقرأها مروراً سريعاً.

قال: وهذا بيان لكنهم غير صادقين في دعواهم؛ أيها الأعراب لستم صادقين في دعواتكم، فالله الذي يعلم غيب السماوات والأرض هو الذي كذبكم وقال: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾. فهمتم؟ يعني أن تعالى يعلم كل مستتر في العالم، ويبصر كل عمل تعملونه في سركم وعلى نيتكم، لا يخفى عليه منه شيء، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم؟

فإذاً هذا الكتاب يتناسب مع دعوى الأعراب وإيمانهم، وأنهم أسلموا وصلوا، فالله يعلم كذبهم: "إنكم أسلمتم وإياكم"، يعني ما في داعي مرة أخرى أن تأتوا وتدّعوا، فالله يعلم ما في قلوبكم، ويعلم صادقكم من كاذبهم. وهذه عقيدة؛ بالنسبة للإنسان المؤمن في كل شؤون حياته يكون عالماً بأن الله سبحانه وتعالى مطلع على قلبه، مطلع على سرائره، يعلم خطواته، يعلم أنفاسه. فإياك أن تستخفي وأنت تتظاهر بشيء ليس فيك، بعض الناس يتظاهر بالصلاح وهو في قلبه يلبس قلوب الذئاب، تتظاهر بشيء ليس فيك، إياك أن تتظاهر بشيء ليس فيك وأنت تشبع بما لم تُعطَ، فالله سبحانه وتعالى يعلم البواطن.

الآن هكذا ختمنا سورة الحجرات، وهي سورة الآداب، سننطلق إلى سورة جديدة وهي سورة ق. سورة ق سورة مكية أو مدنية؟ دائماً المواضيع هي التي تحدد فضلاً عن أسباب النزول. سورة ق مكية على الصحيح، لأنها جاءت تعالج قضايا عقدية أساسية جوهرية.

وهنا سريعا أقول لكم ماذا قال ابن القيم في كتابه الفوائد عن سورة ق، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «وقد جمعت هذه السورة من أصول الإيمان ما يكفي ويشفي ويغني عن كلام أهل الكلام ومعقول أهل المعقول، يعني لا نحتاج إلى طرائق المتكلمين ولا إلى فلسفة أهل الفلسفة، هذه السورة في تقرير العقائد وتقرير المسائل الكبرى كافية».

نعيد الكلام: «وقد جمعت هذه السورة من أصول الإيمان... فإنها تضمنت تقرير المبدأ والمعاد». سورة ق نستطيع أن نقول المحور الأساسي لها معالجة قضية الإيمان باليوم الآخر، هذا هو المحور الأساسي الذي تحوم حوله سورة ق؛ معالجة عقيدة الإيمان بالبعث والنشور ووجود اليوم الآخر، وفي ضمن ذلك عالجت بعض القضايا العقدية الأخرى مثل قضية التوحيد، وقضية النبوة، وقضية الإيمان بالملائكة، حيث تحدثت عن انقسام الناس إلى هالك شقي وفائز سعيد.

هذه أول فائدة من كتاب الفوائد لابن القيم، تستطيع أن تكتب: ابن القيم، كتاب الفوائد، الفائدة الأولى وأنتم تراجعونها إن شاء الله، فإنها تضمنت تقرير المبدأ والمعاد، والتوحيد، والنبوة، والإيمان بالملائكة؛ يعني بالمسائل العقدية الكبرى كلها تم تقريرها في سورة ق، وبينت أن من الناس إلى هالك شقي وإلى فائز سعيد، وأوصاف هؤلاء؛ أي أهل الشقاء وهؤلاء أهل السعادة.

وتضمنت إثبات صفات الكمال لله، وتنزيهه عما يضاد كماله من النقائص والعيوب، وذكرت فيها القيامتان: القيام الصغرى والقيام الكبرى. القيام الصغرى القبور، والقيام الكبرى هي الدار الآخرة، والعالمين: عالم الآخرة وعالم الدنيا. وذكر فيها خلق الإنسان ووفاته وإعادته وحاله عند وفاته ويوم معاده، وإحاطته سبحانه به من كل وجه، حتى علمه سبحانه بما يوسوس به نفسه، وإقامة الحفظة عليه يحصون عليه كل لفظة يتكلم بها، وأنه يوافيه يوم القيامة ومعه سائق وشهيد، إلى آخر ما ذكره.

طبعاً أكثر من ذلك، لكن أنا أحببت أن أذكر هذا القدر من سورة ق، لماذا؟ لأنه أبين لك أن هذه السورة التي مقبل عليها سورة تؤسس للعقيدة، لكنها تؤسس العقيدة ليست بطرائق المتكلمين والجدليات القياسية، بل بطريقة القرآن الشافية الكافية. أي إنسان تعالجه شقوق في موضوع العقيدة، في موضوع البعث والنشور، عليه أن يقرأ سورة ق ليشعر بالطمأنينة والأمان تجاه هذه العقيدة الحقّة.

إذاً سورة الحجرات كانت تتكلم عن موضوع الآداب والأخلاق، بينما سورة ق تتكلم عن موضوع العقائد، وبالتحديد عن موضوع الإيمان بالبعث والنشور والدار الآخرة، وهذا ستلاحظونه من بدايتها إلى خاتمتها وهي تسعى لمعالجة هذه القضية. لكن دائماً القرآن وهو يعالج القضية الأساسية، يعالج أيضاً بعض القضايا الفرعية في الطريق؛ دائماً السورة القرآنية وإن كانت تعالج بعض القضايا الأساسية، لكنها أيضاً تعالج بعض القضايا الفرعية في أثناء مسيرها، هكذا القرآن بجلالته وبهاءه.

طيب نبدأ، أقرأ أول خمس آيات ثم نعلق عليها. قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. عندما تبدأ تقول: قال الله تعالى. ما قلت: قال فلان، ولا فلان، ولا قال ابن تيمية، ولا ابن القيم، ولا النووي، ولا الغزالي -على كل جلالة قدرهم- هؤلاء لا نذكر كلام أحد، وإنما تقول: قال الله تعالى، وهذا بحد ذاته إجلالاً وتعظيماً للكلام الذي أنت تقرأه. فإنا لا أتكلم الآن عن رأي عالم أو اجتهاد مجتهد، إنما أتكلم عن كلام ملك الملوك سبحانه وتعالى جل في علاه.

قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ۖ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق: 1-3].

رحمه الله تعالى، الكلام في "ق والقرآن المجيد" كالكلام في "ص والقرآن للذكر"، بل الذين كفروا سواء... لن أعيد الكلام مرة أخرى؛ ما ذكرته في تفسير "ص والقرآن للذكر" هو نفسه ما يُذكر في تفسير "ق والقرآن المجيد" لأن السياق واحد. وهذه طبعاً أشكل من يقرأ التفسير من منتصفه أنه تفوت بعض المعلومات السابقة، لكن ليس بالشيء الكبير، أنا أختصره لكم بإذن الله.

"ق والقرآن المجيد"، هناك عدة احتمالات في تفسير المقطع الأول؛ إما أن نقول "ق" هذا حرف هجاء للذكر ابتداءً، والمقصد منه بيان التحدي والإعجاز، أن القرآن الكريم مما تم تركيبه من "ق" و"ص" و"ألف لام ميم".

الأحرف هي التي كُتب بها القرآن، وشُكل منها القرآن. أيها العرب تفضلوا، ائتوا بكتاب مثل هذا الكتاب، فهذا هو نوع تحدٍ وإعجاز. نوع متحدث وإظهار لإعجاز القرآن الكريم هو أن هذه الأحرف؛ قاف وصاد وغيرها ونون، هي التي شُكل منها القرآن، فهل تستطيعون أن تأتوا بصورة واحدة؟ لم يستطيعوا أن يأتوا بأصغر سورة من القرآن، وهذا فيه إظهار لمعجزة القرآن وأنه كلام أعجزه العرب قاطبتهم.

فذكر "قاف" هو للتحدي والإعجاز، التحدي للعرب وإظهار الإعجاز لهم. ثم تكون الواو في "والقرآن" واو القسم بالقرآن، والقرآن المجيد. والقسم يحتاج إلى جواب مقسم عليه، وتقديره: قالوا والقرآن المجيد إن هذا الكتاب لمعجز، هكذا قدره؛ إذ ذكر القسم وحذف جواب القسم لدلالة السياق عليك. الله يقسم بالقرآن، والقرآن المجيد، ما هو المقسم عليه؟ أنا لما أقول لك: "والله"، أنت ماذا تنتظر؟ ماذا ستفعل؟ دائماً القسم في جواب "والله".

على ماذا أقسم؟ ومن أين أتينا أن هذا هو جواب المقسم؟ قالوا من خلال السياق، فسياقات القرآن هي التي تنبه هنا إلى أن هذا هو الجواب. "والقرآن المجيد"؛ هذا هو التخريج الأول. والتخريج الثاني أن يقال: "قاف" هي خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هذه سورة ق، هكذا ذكر النسب، التقدير "قاف" خبر، وأين المبتدأ؟ محذوف تقديره "هذه سورة ق"، ثم جاء القسم "والقرآن المجيد"، فالقسم الثاني واضح، وهذا أيضاً قسم.

وهذا على رأي طائفة من الصحابة والتابعين أن "قاف" و"صاد" هي مختصرات لأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، فيجعلون "قاف" اختصاراً لاسم من أسماء الله كالمقيت أو نحوها، ويقولون: أقسم الله باسم من أسمائه الحسنى، فتكون "قاف" قسماً، و"والقرآن المجيد" قسماً ثانياً. طبعاً هذا قسم غريب نوعاً ما، يعني كيف يكون قسماً؟ هذا القول الغريب أجعلُه في آخر الأقوال؛ أن تكون "قاف" اختصاراً لكلمة وهي اسم من أسماء الله الحسنى كالمقيت، أو أي اسم يبدأ بحرف القاف يصلح أن تُجعل "قاف" اختصاراً له. وهذه قضية جدلية، أنا لا أريد إدخالكم فيها، لكن العرب أحياناً يكتفون بحرف من الكلمة في الدلالة عليها، وهذا رأي بعض المفسرين أن "الم" و"الر" هي اختصار لـ "ألم" و"الر"، ولكن يبقى قولاً لا شيء عن النبي ﷺ ثبت فيه ذلك الرأي.

ونبقى على القول الأول فإنه أظهر الأقوال. لقد ذكرت ثلاثة أقوال، الصحيح هو القول الأول: أن "قاف" ذُكرت كحرف من حروف الهجاء للإعجاز والتحدي، و"القرآن المجيد" هذا قصده، وتواب القسم محذوف، وتقديره: أن هذا الكتاب لمعجز؛ أي أقسم بالقرآن أن هذا القرآن لمعجز. هذا المعنى هو الذي أريدك أن تحفظه وتركز عليه. المعنى الأول أن "قاف" ذُكرت للتحدي، والواو واو القسم، والقرآن اسم مجرور، ولماذا هو مكسور؟ لأن هناك حرف جر، وحروف القسم هي حروف جر.

لكن ما معنى كلمة "المجيد"؟ سيبين لنا النسفي ما معنى أن يوصف القرآن بأنه مجيد. قال رحمه الله تعالى: «والمجيد: ذو المجد والشرف على غيره من الكتب ومن أحاط...». وما معنى أنه شريف؟ قال: «ذو المجد والشرف على غيره من الكتب»، أي هو أشرف الكتب السماوية. ثم أكمل الوجه الثاني لشرفه قال: «ومن أحاط علماً بمعانيه وأعمل بما فيه، ما جوده عند الله وعند الناس».

إنه يشرف حامله. شوف هذا الجمال، إنه يشرف حامله؛ لذلك قال: «ومن أحاط علماً بمعانيه»، كما تفعلون الآن، تريدون أن تحيطوا علماً بمعاني القرآن، أي من تدبر القرآن وفسره وعمل بما فيه. يا جماعة، الكلام عند النسفي محسوب بالحبّة، فالمطلوب ليس فقط أن أحفظ القرآن، المطلوب ماذا أفعل فيه؟ الأساس هو أن أتعلم معانيه ثم أعمل بها، لذلك ضعوا خطاً مهماً تحت هذه العبارة: "من أحاط علماً بمعانيه وعمل بما فيه". المطلوب من القرآن الفهم والعمل، فالقرآن منهج حياة ودستور للمسلمين في حياتهم، ومن أحاط علماً بمعانيه وعمل بما فيه هو الذي بلغ ذروة المجد، قال: «مجوده عند الله»، أي شرف عند الله وعند الناس. فالقرآن شريف في نفسه، ومشرف لغيره؛ هو شريف في نفسه فهو أشرف الكتب السماوية، ومشرف لمن يفهم معانيه ويعمل بها. والتفسير دائماً أصحابه أصحاب مجد وشرف عند الله سبحانه، وهم أهل الله وخاصته.

قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾، أي كفار مكة. نكتب ما هو المقصود منه هنا؛ "بل" هي إضراب انتقال، أي للانتقال إلى موضوع آخر، وهذا من معاني "بل" الإضرابية، تكون كأننا انتهينا من موضوع ونريد الدخول في موضوع جديد أو قضية أخرى. "بل" التي تكون بين الجمل نوعان: إما للإضراب وإبطال وإلغاء جملة سابقة وافتتاح جملة جديدة، أو انتقالية وهي الانتقال من موضوع إلى موضوع آخر. فهنا الله عز وجل قال: ﴿ق ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾﴾، يخلصنا من هذا الموضوع الآن ويجعل موضوعاً صلباً، ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ كأنه ينتقل نحو محور الصورة.

واو الجماعة تعود على من؟ تعود على الكفار، من هم الذين عجبوا؟ هل سبق ذكرهم في السورة؟ "بل عجبوا"، من هم كفار مكة وكل من كان على شاكلتهم، ليس الأمر متعلقاً بكفار مكة بالتحديد. عجبوا من شيئين؛ أحدهما مذكور صراحة والآخر مفهوم من السياق. الأول الذي عجبوا منه قال: ﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، أي محمد ﷺ. جاءهم منذر منهم، أي من جنس البشر، فقالوا: كيف يأتينا رسول من البشر؟ أصل يأتينا رسول ملائكة من عند الله سبحانه؟ وهذه شبهة متكررة في القرآن الكريم عند كفار مكة، عجبوا أن جاءهم منذر منهم، أي من جنس البشر، وكانوا يريدون ملكاً من جنس الملائكة.

وهذه ليست بعجب، والجملة خبرية والمراد بها الإنكار، فالله عز وجل ينكر عليهم تعجبهم من شيء لا يقتضي العجب.

يأتي يا رسول من البشر، وهذا هو المنطق والعقل. ما رأيكم؟ هل هناك شيء عجيب أن يكون الرسول بشرياً، أم المنطق والعقل يقتضيان أن يكون بشرياً؟ المنطق والعقل يقتضيان أن يكون بشرياً وليس غير ذلك.

يعطيني آية في القرآن الكريم تخبر أن المنطق أن يكون الرسول من جنس المرسلين إليهم. في القرآن الكريم ما يدل على أن المنطق والعقل يقتضيان أن يكون الرسول من جنس المرسلين إليهم.

لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين، لكان المنطق أن أرسل إليهم ملكاً. وبما أن أهل الأرض بشر، فالمنطق إذاً أن نرسل إليهم بشراً. في هذه الآية هي أصرح آية في أن الرسول ينبغي أن يكون من جنس المرسلين إليهم حتى يألفوه، لكن الكفار قريش عندهم عناد ولو طال.

لو جاءهم رسول من الملائكة، لماذا نحن غير قادرين على رؤيته؟ ولو كشف لهم اليهود وهكذا؛ أهل الباطن هم لا يريدون الإيمان، هم يريدون المباحة والمجادلة فقط، فلذلك القرآن أجابه إجابة واضحة وما أطال معهم النفس لأنهم قوم مجادلة وليسوا قوم إسلام.

إذاً أنكر الله عليهم تعجبهم مما ليس بعجب؛ فما المشكلة أن يأتيهم رسول من جنسكم؟ بل هذا هو المنطق والعقل. أكمل: ﴿وَهُوَ أَن يُنذِرَ قَوْمًا لَّمْ يُنذَرُ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: 6]. رجل منهم قد عرفوا عدالته وأمانته، ومن كان كذلك رجل، وهو أمي صلوات ربي وسلامه عليه، يعني ما أجابنا رجل من غابات إسكندنافية، هو قاعد معكم يا جماعة وكنتم ترونه صادقاً أميناً، وهو من أصلابكم ومن أشرافكم، فلماذا تعجبون من شيء لا يقتضي العجب؟ فهذا إنكار لتعجبهم.

قال: ﴿وَمَن كَانَ كَذَّابًا إِلَّا مُفْتَرِيًا﴾، ومن كان كذلك لم يكن إلا ناصحاً لقومه خائفاً أن يناله مكروه. فهو إذاً من أصلابكم، فهو ناصح لكم، خائف عليكم، ليس داعياً ولا كذاباً ولا أفاکاً. قال: ﴿وَإِذَا عَلِمَ أَنَّ مُجَاوَرَتَهُمْ سَوْءٌ لَّزِمَهُمْ أَن يُنذِرَهُمْ﴾. هكذا الصادق الذي يكون من قومه؛ أنت مع عشيرتك كيف تتصرف معها؟ ألا تكون حريصاً على سلامتها؟ وإذا علمت أن هناك أمراً يضرهم تحاول أن تنذرهم حتى لا يقعوا في المحذور، هكذا يكون الإنسان مع عشائره، فهكذا كان محمد ﷺ مع أقاربه المقربين.

قال: ﴿فَكَيْفَ بِما هُوَ غَايَةُ الْمَخَاوِفِ﴾. الأصل أن أخوف على عشيرتي وأبدأ بهم، فما هو أعظم المخاوف؟ النار، جهنم هي أعظم شيء مخوف يمكن تصوره. بالتالي النبي ﷺ أنذرهم من أعظم المخاوف وغاياتها. فما هي غاية المخاوف؟ غاية المخاوف هي نار جهنم. فأراد النبي ﷺ أن يستنقذهم مما هو في أعلى درجات الخوف، فإذاً لا عجب، وإنما أنتم قوم بهت تتعجبون مما لا يقتضي العجب.

هذا هو العجب الأول الذي أنكره الله عليهم. ثانياً، قال: إنكار لتعجبهم مما أنذرهم به، وفيه أيضاً ضمنياً إنكار لتعجبهم مما أنذرهم به. ما الفرق بين البشارة والنذارة؟ البشارة تكون بالأمر الخير، والنذارة تكون من الأمر الشّر. هنا طالب العدو أن جاءهم منذر، فهذه نذارة؛ ما هو الشيء الذي أنذره؟ من النار والحساب يوم القيامة.

فلذلك في الآية إنكار لتعجبهم مما أنذرهم به من البعث مع علمهم بقدرة الله سبحانه وتعالى على خلق السماوات والأرض وما بينهما، وعلى اختراع كل شيء، وإقرارهم بالنشأة الأولى مع شهادة العقل بأنه لابد من الجزاء. شهادة العقل هذه كلمة مهمة جداً تدل على أن قضية اليوم الآخر هل ثبتت فقط بالشرع والعقل لا يدل عليها، أم أن الإيمان باليوم الآخر شيء يدل عليه العقل قبل الشرع؟ هل العقل يدل على وجوب وجود اليوم الآخر؟

أحسنت، العقل يدل على وجود اليوم الآخر كما أن الشرع يدل عليه. يعني هناك مسائل لا تعرف بدون الشرع، وهناك مسائل يمكن أن يستدل عليها بالعقل قبل الشرع؛ مثل وجود الله، هل نحن لم نعرف وجود الله حتى جاءنا الرسول وأخبرنا أن الله موجود؟ أم أن العقل يدل على ذلك؟ هذه مسألة دل عليها العقل والشرع.

طيب، اليوم الآخر، هل المسألة التي عليها الشرع فقط أم العقل والشرع؟ بعث الرسل، إنما بعثة الرسول هي منه وفضل من الله سبحانه، وهذا كثير في القرآن؛ يمتن الله علينا بإرسال الرسل، وإلا فليس واجباً عقلياً، العقل لا يوجب بعثة الرسل وإنما هو تفضل من الله. لكن العقل يقتضي وجود ماذا؟ اليوم الآخر. ففرق بين هذه المسألة وهذه المسألة؛ مسألة بعثة الرسل شرعية، ومسألة الدار الآخرة عقلية شرعية. اكتبوا هذه الخلاصة فإنها ستفيدكم في القراءة في علم العقائد.

قال رحمه الله تعالى: ثم عول على أحد الإنكارين بقوله: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾. سورة "يس" حقيقة لم تأتِ لتعالج موضوع نبوة محمد ﷺ، وإنما جاءت تعالج موضوع ماذا؟ البعث والدار الآخرة. لذلك هم أنكروا شيئين: أنكروا البعثة، وأنكروا الدار الآخرة. السورة جاءت لتعالج أي موضوع؟ الدار الآخرة، وموضوع البعثة تكلمت عنه تبعاً وليس أصالة.

لذلك ثم عول، أي اعتمد على أحد الإنكارين، وهو إنكارهم تعجبهم من البعث والنشور. فقال: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾، وهذا شيء عجيب، فقال هذا تفصيل الجزئي؛ ماذا قالوا بالضبط؟ ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ [يس: 53]. دلالة على أن تعجبهم من البعث دخل في الاستبعاد، أي أكثر في الاستبعاد، وأحق بالإنكار من ادعائهم النبوة أو عدم النبوة. لو سألتكم لماذا هم الآن تعجبوا من شيء؟ تعجبوا من موضوع النبوة وتعجبوا من موضوع الدار الآخرة. لماذا التعجب من موضوع الدار الآخرة أبعد في الاستبعاد؟ يعني شيء غير منطقي بتاتاً بأشكال من الأشكال؟ لماذا ذكرناه قبل قليل؟

حصلت النتيجة، أحسنت؛ مسألة عقلية شرعية، بينما بعثة الرسل مسألة شرعية فقط. والأبعد في الاستبعاد أن تنكر مسألة عقلية شرعية؛ فالأبعد ذهنياً أن يكون إنكاره أكثر استبعاداً، وهذا معنا أن إنكار الدار الآخرة يجب أن يكون أكثر استبعاداً وأحق بالإنكار من إنكار الرسل، وإن كان كلاهما فاسداً.

الرسل غلط، وإن كان الدار الآخرة غلط، بس مين أكبر غلط؟ تذكر الآخرة؛ ليش؟ إن كانت دار الآخرة غلط أكبر من إنكار الرسل، لأن الدار الآخرة بالعقل وبالشرع، لكن الرسل ثبتته بالشرع فقط.

في ترتيب أولويات المسائل جاء رحمه الله تعالى: «ووضع الكافرون موضع الضمير للشهادة على أنهم في قولهم هذا مقدمون على الكفر العظيم». ما يسمى ماذا؟ الإظهار في موضع الإضمار. الآن الله عز وجل قال أولاً: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾، قلنا تعود على من؟ على الكفار، صح؟ طيب ليش في آخر الآية صرح بهم؟ ما قال "فقالوا هذا شيء عجيب"، قال في آخر الآية: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾، مع أنه في البداية استعمل الضمير لهم. وهذا هو السؤال المنطقي: ربنا في الابتداء ماذا قال؟ ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ تكلم عنهم بالضمير، لكن لما جاء في آخر الآية صرح باسمهم فقال: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾، لماذا؟

لماذا؟ للدلالة المباشرة في الآية "كافر"، فقال: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾. يعني يا شيخ في واحد في الحارة ينكر الدار الآخرة، يعني مش مشكلة إن شاء الله خير، لكن عندما قال: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾، يعني هذا ما يقوله إلا كافر. فهي تصريح أن من ينكر الدار الآخرة كافر. ربنا يريد أن يعطيك الحكم جاهزًا، فقال: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾. هذا شيء ليس فيه آراء أو احتمالات أو أنه يحتمل تأويلًا، أو أنه جاهل؛ إنها مسألة عقلية شرعية في غاية الوضوح والجلاء، فلا يقبل أن أحد ينكرها، فمن أنكرها فهو كافر. فقال: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾، هذا هو المقصد من الإظهار. طبعًا لما يقول هذا المقصد، لا يحق لأي مفسر أو متدبر أن يخرج عن كلام الله، فهذا مقصد بارز في الواجهة. ممكن أنت غدًا تستنبط مقاصد أخرى، فهذا التفسير بحر لا ساحل له.

قال: «ووضع الكافرون موضع الضمير للشهادة على أنهم في قولهم هذا مقدمون على الكفر العظيم». لما يقول هذه الكلمة على ماذا؟ على الكفر العظيم، كما قال هذه المقولة، فهو كافر عند الله.

قال: «وهذا إشارة إلى أن ذلك رجع بعيد مستبعدًا مستنكرًا». رجوعه مرة أخرى إلى الدار الآخرة. "إذا" منصوبة، "متنا وكنا ترابًا"، الآن إذا متنا وكنا ترابًا، هنا تقف، "إذا متنا وكنا ترابًا الآن"، "إذا" هنا ظرف للمستقبل، "إذا" ما إعرابها؟ تحتاج إلى فعل. "إذا متنا وكنا ترابًا" ما هو الفعل الذي تتعلق به؟ سنبعث؛ "إذا متنا وكنا ترابًا سنبعث". لذلك قال "إذا" هنا ظرف منصوب بمضمر، أي بفعل مضمر معناه: حين نقرأ.

قال: "وإذا" منصوب بمضمر حين نموت ونبلى ونرجع. فالفعل الذي يتعلق به الظرف ما هو؟ من أين أتى بهذا الفعل؟ ذلك أن الفعل الذي تتعلق به "إذا" هو الفعل "نرجع". "إذا متنا"؛ "إذا" ظرف زماني للمستقبل، أي أحيانًا نموت ونبلى ونرجع، هذا لا يمكن، هكذا يتصورون أنه لا يمكن البعث والنشور.

قال: «ذلك رجع بعيد مستبعدًا مستنكرًا». هناك من كلام الكفار على تخريج معين، وهناك أن يرى من يرى أنها من كلام الله. والأظهر هو نعم كما تفضلتم أن من كلام الكفار، ذلك رجع بعيد، يعني شيء مستبعد أن يحصل. ما معنى رجع بعيد؟ أي مستبعد حصوله، لذلك قالوا: "ذلك رجع بعيد". القول الأول أنها من كلام الكفار، ومن تتمة استبعادهم فقالوا: "أي"، كقولك: هذا قول بعيد، أي بعيد من الوهم والعادة. ويجوز أن تكون الرجعة بمعنى المرجوع وهو الجواب.

لاحظ، ولماذا قال أول شيء "هذا" ثم قال "ذلك"؟ "ذلك" إشارة للبعيد لا للقريب. طيب ليش قال: "ذلك رجع بعيد"؟ يدل على استبعاد الشيء أكثر وأكثر. وشوفوا جمالية القرآن لما ابتدأ ماذا قال؟ ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * فَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذلك رجع بعيد﴾. لماذا أولًا استعمل "هذا" ثم بعد ذلك استعمل "ذلك"؟ الكلام الرسول ﷺ بينهم في الحياة الدنيا، فالإشارة إلى الكلام الذي يصلهم هذا قريب منهم، وهو بعيد عن عقولهم، فهذا سبب اختلاف أسماء الإشارة، وهذا من بلاغة القرآن في تقليب أسماء الإشارة.

إذن، في القول الأول أن هذا من أقوال الكافرين، أي كقولك: هذا قول بعيد، أي بعيد من الوهم والعادة. ويجوز القول الثاني أن "وذلك رجع بعيد" من كلام الله. القول الثاني: أن "ذلك رجع بعيد" من كلام الله، انتهى قول الكفار عند قولهم: ﴿فَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾. وقف كلامهم، والله يجيبهم ماذا يقول؟ "ذلك رجع بعيد"؛ شو يعني؟ هنا سيختلف المعنى تمامًا، مستحيل يكون الله يوافق الكفار على كلامهم. فما معنى كلمة "الرجع" هنا؟ ماذا قال النسفي؟ قال رحمه الله تعالى: «ويجوز أن يكون الرجع بمعنى المرجوع وهو الجواب».

إذن "ذلك" لا ينبغي لكم أيها الكفرة أن تتفوهوا به. فإذا كان "الرجع" على المعنى الأول معناه البعث، لكن المعنى الثاني معنى الرجع ما هو الجواب؟ ممتاز، فقال: «ويجوز أن يكون الرجع بمعنى المرجوع والمراد بالمرجوع الجواب». أقول: "هذا رجع رسالتك"، أو "هذا مرجوع رسالتك"، ما معنى هذا الرجوع إلى رسالتك؟ في العرب تعبر بالرجع بمعنى الجواب. فإذا قلنا "ذلك" جواب بعيد من المتكلم، الله سبحانه يقول جوابكم أيها الكفرة وردكم على محمد ﷺ ما يخبرهم به بعيد سافر ساقط.

نعم، قال: «ويكون من كلام الله تعالى استبعادًا كريمًا لإنكارهم ما أُنذر به من البعث». والوقف على "ترابًا" على هذا الوجه يكون أحسن. لو وقفت على "ترابًا" في التفسير الأول ما في مشكلة، ولو كان ميتًا برضه ما في مشكلة، لأن الكلام كله كلام... من أنتم معي؟ لا، فصلتوا يا جماعة. ما هو القول الأول؟ من يعطيني ملخصه؟ القول الأول: أن من الذي قال "ذلك رجع بعيد"؟ فيكون "إذا متنا وكنا ترابًا ذلك رجع بعيد" من كلام الكفار. فبالتالي لو قلت: "إذا متنا وكنا ترابًا ذلك رجع بعيد" لو وصلتها بضبط، ولو وقفت لكن على القراءة الثانية أو المعنى الثاني أنه "ذلك رجع بعيد" إذا كانت من كلام الله، فالوصل يكون قبيحًا.

قال رحمه الله: «ونصب الظرف إذا كان الرجوع بمعنى المرجوع».

عليه المنذر من المنذر به وهو البعث، وكلاهما نفس المعنى، فليس هناك فرق كبير، حتى على القول الثاني، إذا قلنا إذا متنا وكنا ترابًا فإنا سنبعث، فهي سنبعث. فأنا شايف أنه ما فيش فرق كبير سواء على المعنى الأول أو على المعنى الثاني، إذا متعلقها فعل: إما نرجع أو نبعث، أو يحوم حول هذه الأفعال، فإنا مش شايف أنه كان يحتاج كثيرًا أن ينبه على هذه الفكرة.

قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾؛ الأقوى في الظهور أن هذا من كلام الكفار. ذكرنا قولين صحيحين، لكن ما الأظهر منهما؟ أن هذا كله من كلام الكفار: «إن ذلك لرجع بعيد»، هذه تتمة كلام أهل الكفر، فالله الآن سيجيبهم، سيأتي الجواب الإلهي.

ماذا يقول الله لهم؟ ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾؛ رد استبعادهم، ما معنى تنقص الأرض منهم؟ يعني ما تأكل من لحومهم وعظامهم، كلهم مسجلون عند الله. قال: رد استبعادهم الرجل؛ لأن من لطف علمه حتى علم ما تنقص الأرض من أجسادهم، علمه حتى أدرك هذه الدقائق، تطفئ العلم؛ يعني إدراكه للدقائق، علمه أي أدرك دقائق الأمور ووصل لهذه المرحلة. من كان يعرف كل ذرة لحم منك أين تذهب في الأرض؟ أين ذهبت؟ هل هذا عاجز عن عودتك؟ حاشاه سبحانه وتعالى.

قال: لأن من لطف علمه حتى علم مما تنقص الأرض من أجساد الموتى، وما تأكله اللحوم منهم وعظامهم، أليس قادرًا على إرجاع هذه اللحوم والعظام على حالها؟ سبحانه وتعالى، هذا دليل منطقي عقلي. لو سألتك ما تقرير هذا الدليل أو هذا الجواب عليهم؟ علمه بماذا؟ يجب أن تكون أدق في الجواب. كل قطعة لحم تذهب منك مسجلة في اللوح المحفوظ، راحت قطعة لحم، راحت ذرة لحم، كل شيء مسجل. أنت عارف كم حجم العلم الإلهي الذي لا يمكن للعقل البشري أن يستوعبه؟

﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾؛ في الفخامة في هذا التعبير، كل لحم، كل دم، كل ذرة من العظم تسجل في اللوح المحفوظ: فلان أكلت الدود منه كذا، أكلت كذا، أكلت كذا. من الذي سجل هذا الأمر؟ فلما تنظر في علم بهذا الفخامة والعظمة والجلال، لا تستبعد أن يعيدك ويحاسبك على كل ما فعلته في حياتك الدنيا. هكذا النص القرآني يريد أن يزرع الهيبة لهذا العلم الإلهي الدال على إله قادر على كل شيء.

قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾؛ محفوظ من الشياطين ومن التغيير. إما أن يكون بمعنى اسم المفعول، أو يكون بمعنى اسم الفاعل؛ فإذا قلنا حفيظ بمعنى مفعول، أي محفوظ، فما هو الكتاب المراد هنا؟ هو اللوح المحفوظ، وعندنا كتاب، الكتاب هو اللوح المحفوظ عند الله سبحانه وتعالى.

ما معنى أنه حفيظ؟ إما حفيظ بمعنى محفوظ، كما في قوله: محفوظ من الشياطين ومن التغيير، أن يصل إليه، أو يكون حافظًا. إما كتاب محفوظ من الشياطين، أو كتاب حافظ لما أودعه الله فيه من المعلومات، ولعل هذا يعني أجمل وأبهج في المعنى أن تكون حفيظ بمعنى حافظ؛ أنه قال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾، كل قطعة لحم وكل ذرة مكتوبة في اللوح المحفوظ، إذا هذا الكتاب حافظ بكل ما ذهب منهم، حافظ، قد تكون أقوى وإن كانت أيضًا مقبولة من حيث المعنى ومعانيها صحيحة.

قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ إضراب، أتبع الإضراب الأول للدلالة على أهلهم، تكررت معنا "بل" مرة أخرى، ليس كذلك، هذه بل إضرابية، وهل هي إضراب انتقالي أم إضراب إبطالي؟ حقيقة محتملة أن يكون إضرابًا انتقاليًا، لكنني أرى أنها قد تكون إضراب إبطال أقوى، لأنه يريد أن يبطل تعجبهم، يريد أن يبطل تعجبهم ولا يريد الانتقال إلى موضوع آخر. فكونها إضراب إبطالي، أي إبطال لهذا التعجب، أقوى من جعلها إضراب انتقال، لأن الانتقال أنك دخلت في موضوع آخر، وهي ما زالت تعالج نفس الموضوع. فجعلها إضرابًا إبطاليًا أقوى؛ إبطال للتعجب الذي صدر منهم. الآية تقول هم ليسوا متعجبين فعلاً، بل هم كذبوا، يريدون التكذيب، لذلك ماذا قال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ هم كذبون وليسوا على حقيقة التعجب، قال للدلالة على أنهم جاءوا بما هو أفضع من تعجبهم، وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوة الثابتة.

قال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾، الآن برأيكم الحق هنا ما هو؟ قالوا وقيل في آخر الفقرة: وقيل الحق هو القرآن، وقيل الحق هو الإخبار، وهو واضح أنه يرجع للنبوة. لكن الحقيقة أنا أميل مع الرأي الذي يقول إن الحق هنا ليس النبوة، لأن السياق سياق كلام عن إنكار البعث، فالأنسب أن تكون الإخبار بالبعث، الكذب بالحق أي بالحق الذي هو وجود البعث والدار الآخرة. لكن هو اختار الرأي الأول أن الحق هنا هو نبوة محمد ﷺ، هم كذبوا بالثلاثة -صلى الله عليه وسلم- كذبوا بالنبوة، وكذبوا بالقرآن، وكذبوا بالبعث، لكن هنا في هذا السياق الأنسب أن يفسر الحق بما نتحدث عنه وهو الذي يقوم حوله الكلام، والله تعالى أعلم.

حتى الكلام ستجدون فيه شيءًا من الاضطراب، لمن ينتبه معي في المحاضرة، وسأسألكم الآن: من يلتقط الاضطراب في الكلام؟ من أولها قال: للدلالة على أنهم جاءوا، أتبع الإضراب الأول، بالحق الذي هو النبوة الثابتة بالمعجزات، في أول وهلة من غير تفكر ولا تدبر هذا الكلام، وأصل شيئًا كلام هذا هو يرى أن إنكاره من النبوة أفضل، لأنها مسألة عقلية. فهذا الكلام فيه شيء من الاضطراب وعدم الانسجام؛ لأنه لما أعاد العبارة قال: للدلالة على أنهم جاؤوا بما هو أفضع من تعجبهم، لأنه قال: وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوة، لو جعلت الحق هو الدار الآخرة كلامك منسجم، أما تجعل الأفضل النبوة، لا؛ لأن إنكار النبوة ليس أفضع من إنكارهم للدار الآخرة على القواعد التي قررناها قبل قليل، فكان ينبغي أن يختار القول الثالث ليكون الكلام كله في سياق واحد، والله تعالى أعلم.

طبعًا هذا مجرد مناقشة أمام الناس، هؤلاء أئمة كبار، نحن هنا نصل إلى علمهم وفهمهم من الأمور، لكن هذه مجرد مناقشة مع العالم. لكن هذا العالم أحيانًا انتقد تناقشه وتظن أن كلامك، لكن هو يأتي يوم القيامة تناقشه في كتابه فيقنعك أن كلامه غلط وهو كلام صحيح، لكن الله يستر على ضعافنا.

قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾.

مرج الخاتم في إصبعه إطار على سعته، أي مضطرب، يقولون مرج الخاتم في الإصبع إذا كان الخاتم واسعًا بظله يفتل معك ويلف ولا يثبت، فمرج الخاتم في إصبعه أي اضطرب.

وبالتالي معنى قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ هو أنهم في أمر ما يريد أن يقرأهم في أمر مضطرب. وهذه قاعدة عامة: كل من كذب الحق الواضح الأبيض لابد وأن يضطرب رأيه، ولذلك أهل البدع أكثر الناس اضطرابًا في العقائد. اكتبوا هذه الفكرة؛ لأن الآية تدل على منهج عام، كل من رد الحق الواضح الأبيض في العقائد لابد وأن يضطرب.

في فرق المتكلمين، وهم يخوضون في أسماء الله، فكل واحد منهم على طريقة. أين الله؟ بعضهم يقول لك الله في كل مكان، وبعضهم يقول الله لا داخل العالم ولا خارج العالم، وبعضهم يحتار أين الله ولا يعرف جوابًا لما يتكلموا في الأسماء والصفات وتعلقاتها. الرازي له رأي، والجويني له رأي، وفلان له رأي.

لماذا؟ طبعًا لما نقول ردوا الحق، قد يكون عنادًا واستكبارًا، وقد يكون تأولًا أو جهلًا؛ بغض النظر عن سبب ردك للحق، هو أنك مكذب. لا حاشاها، هؤلاء العلماء ليسوا مكذبين، لكنهم ردوا الحق. وكيف كانت أقوال أهل البدع؟ فهم في أمر مريج. فالمعتزلة على رأي، والأشاعرة عن توصيفات، والكرامية عن توصيفات، وكل من رفض الانصياع لظاهر الكتاب والسنة وتتبع فلاسفة أرسطو وطاليس وأفلاطون، وآراء المتكلمين وابن سينا ومن شابههم، لابد وأن يقع في أمر مريج، أي تضطرب آراؤهم في العقائد.

هذا وقع للكفار، ويقع لأهل البدع في دائرة الإسلام لوقوعهم في نفس الخطأ. ما هو الخطأ؟ بل كذب بالحق لما جاءهم، ورفضوا الانصياع لظواهر الكتاب والسنة. لكن كما قلت، لما نطبقها على أهل البدع، ليس المراد أنهم كذبوا وأنهم قصدوا وتعمدوا؛ فالكثير منهم علماء صادقون -رحمه الله تعالى عليهم ونعذرهم- لكن في النهاية الحق كان واضحًا لكنهم تدرؤوا بعلم الكلام فوقعوا في الأخطاء العقدية ولم يثبتوا على رأي.

الرازي -رحمه الله- يقرر في كتابه مسألة ينقضها في الآخر؛ لأن آراءه مختلفة، يوم مع الفلاسفة، ويوم يجرح الاعتزال، ويوم يقترب من الأشاعرة، ولذلك ابن القيم كثيرًا ما كان يصفه بالاضطراب، والسبب في ذلك أنه في أمر مريج. لماذا ردوا الحق لما جاءهم؟ لأنهم لم يقفوا عند نصوص الكتاب والسنة، فلما وقعوا في هذا، خلطوا في تصور أسماء الله وصفاته وأفعاله وحكمه وأقدار الله.

فمن أخذ بغير الكتاب والسنة الظاهرة، لا بد أن يضطرب رأيه؛ في العقائد، وفي الفقهيات، وفي الأخلاقيات، والسلوكيات، بل في كل أمور الحياة. هذه منهج حياة؛ أنا أسميها منهج حياة: من لم يتمسك بالكتاب والسنة فهو في أمر مريج، هو مضطرب في حياته؛ فكريًا وسلوكيًا وعقديًا وأخلاقيًا إلى غير ذلك.

لذلك كفار قريش لما أنكروا القرآن مثلاً أو لما أنكروا النبوة، هل اتفقت آراؤهم فيه؟ ماذا قالوا؟ بعضهم قال عنه شاعر، وبعضهم قال عنه ساحر، وبعضهم قال عنه كاهن؛ كل واحد على سلفه، كل واحد على سلفه، واضح يتبعونه.

والذين أنكروا البعث والنشور، هل اتفقوا؟ أين مصير الأجسام؟ واحد ثاني يقول لك أيُّ بعث؟ تُبعث إلى الدنيا مرة أخرى لتعيش؟ وواحد يقول لك خلود أبدي، وآخر يقول لك تناسخ الأرواح، وكل واحد بسالفة؛ فهم في أمر مريج. وكل من أنكر الحق لابد وأن يضطرب، فهذه فتوة في حياتكم: أن تتمسكوا بكتاب ربكم وسنة نبيكم ﷺ ولا تعدلوا عنهما، فمن عدل عنهما لا تضمن له الهداية. «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي». هي قاعدة.

نعم، يقولون تارة شاعر وتارة ساحر ومرة كاهن؛ لا يثبتون على شيء واحد. الكفر وأهل البدع لا يثبتون على شيء واحد، كل يوم جراي، وكل يوم يقعد نفسه بنفسه. وقيل الحق القرآن، وقيل الإخبار بالبعث، وهذا هو الراجح والله أعلم؛ أن الحق في الآية هو الإخبار بالبعث وليس هو النبوة، وإن كان هذا أحد الآراء المطروحة، يبقى في النهاية رأي غير مستقر، لكن أنا أرجح هذا القول الثالث لأنه المتناسب مع السياق.

قال رحمه الله تعالى: ستبدأ الآيات تذكر أدلة الدار الآخرة، ستبدأ الآيات تذكر أدلة البعث والدار الآخرة مستوفاة. فقال -ثم دلهم على قدرته على البعث-: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا﴾. هي عقلية منطقية على الدار الآخرة، وأن الله قادر على إحياء الناس بعد موتهم، هم كانوا مستبعدينها: إذا متنا وكنا ترابًا كيف نبعث؟ نعم، قال: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَرَفَعْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾؛ أي ينظروا إلى آثار قدرة الله تعالى في خلق العالم، كيف بنيناها ورفعناها بغير عمد؟ وزيناها؛ إلى السماء، من الذي بناها بهذه الطريقة ليس لها عمود وليس لها أخشاب تقوم عليها؟

﴿وَزَيَّنَّاهَا بِالنَّيِّرَاتِ﴾ النجوم والكواكب؛ من الذي أمسك النجوم والكواكب حتى لا تسقط على الأرض؟ ﴿وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾؛ هل هناك أي شخص في السماء أو عيب فيها في أي منطقة من المناطق؟ هل هناك عيوب أو شقوق؟ طيب من الذي فعل كل هذا؟ ﴿مِن فُتُوقٍ وَشُقُوقٍ﴾؛ أي أنها سليمة من العيوب، لا فتق فيها ولا سطعة ولا خلل. ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾؛ دحاها الله سبحانه وتعالى وأصلحها وجعلها ممدودة حتى يصلح العيش عليها. ولا يعني هذا طبعًا أن الأرض مستوية، إن بعض الناس يستدلون بمثل هذه الآيات على أن الأرض مستوية، لا؛ المراد أنك عندما تدعس على الأرض تشعر أنها ممدودة أمام عينيك، لكن ما له علاقة بقضية كروية الأرض؛ عندنا كروية الأرض مثلاً عليها الإجماع، طوائف وأئمة كبار منهم ابن تيمية وغيرهم نقل الإجماع على أن الأرض كروية، فهذه المسألة منتهية ومحسومة حقيقة.

﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ جبالًا ثوابت، لولا هذه الجبال لما حدث في الأرض ماذا؟ لولا هذه الجبال الثوابت؛ ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. يبتهج به لحسنه البهي؛ من كل زوج بهيج من كل سنة من الأطعمة والأشربة الذي يسر به الإنسان من أنواع الطعام والشراب. لكن هنا الكلام عن الإنبات من كل زوج.

إحدى الآيات هي التي تأخذك إلى الاستدلال بقدرة الله العالية جدا على فعل هذه الأمة؛ فمن فعل هذه الأمور، يقدر على أن... في سياق الآيات، من يفعل هذه الأمور ليس قادراً أن يعيد جسماً، بلى هو قادر سبحانه وتعالى.

عليك أن تنظر في السماء حتى ترسخ هذه العقيدة في نفسك؛ مجرد كلام هكذا تقرأ لا يمشي الحال، إذا ما جلست وفكرت وتدبرت. لا يمكن أن تترسخ هذه العقيدة في النفس إلا بالنظر في السماء في الليل الدامس والتفكر حتى ترسخ العقيدة. ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: 8].

المنيب هو كل عبد راجع إلى ربه، ينظر في السماء فوق كيف بنيناها وزيناها، ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [ق: 7-8]. لماذا فعلنا كل هذه الأفعال؟ ما إعراب تفصيله؟ هو مفعول لأجله؛ لماذا فعلنا كل هذه الأفعال؟ لتبصروا وتعتبروا. إن من صنع هذه الأمور قادر على أن يعيد أجسادكم.

﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾؛ نُفسر بها ونذكر بها قدرة الله سبحانه وتعالى. قد يكون الفعل هو النظر، ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا﴾، فـ«تبصرة» هنا وسيلة وهي مفعول لأجله، لكن لأي فعل؟ هل هو لفعل ينظرون، أم لفعل بنيناها؟ الذي يظهر لي أنه مفعول لأجله هو لفعل «ينظرون»، أي «أفلم ينظروا ليكون نظرهم تبصرة وذكرى»، لعل هذا يكون هو الأنسب في عامل المفعول لأجله.

لكن هي «تبصرة وذكرى» لكل إنسان؟ لا، بل الله عز وجل وضع بين هذه المخلوقات، هذه السماء وهذه الجبال وهذه النباتات، من الذي يتبصر بها ويتذكر وينتبه لدلالتها على الخالق؟ قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾، إذاً ليس كل إنسان يستدل بها. ما أكثر الغفلة في حياتنا عن مثل هذه الدلالات! فالذي يستدل بهذه الأمور على قدرة الله هو العبد المنيب.

المنيب هو الذي يقبل على الله، وبعبارة أسهل: كل عبد يريد الإقبال على الله هو الذي يستفيد من هذه الآيات وينتبه لها، أما العبد الغافل الذي ليس مقبلاً على مولاه، هل سيستفيد من هذه الدلائل؟ لن يستفيد. فالله وضع شرط الاستفادة، قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾، وماذا فسر المنيب؟ قال: راجع إلى ربه مفكر. ربما ما خطر في بالك أن كل هذه الأمور تدل على البعث، لأننا لا ننطبق علينا صفة العبد المنيب، فالمنيب هو المقبل على الله حقاً بكلية، فهذا شرط للاستفادة من الآيات الكونية. قال: راجع إلى ربه مفكر في بدائع خلقه.

قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا﴾ [ق: 9]. البركة هي كثرة النفع، لما نقول هذا رجل مبارك، أي كثير النفع. ﴿مَاءً مُّبَارَكًا﴾ أي كثير المنافع فيسقى به ويشرب.

﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: 9]. أي أحب الزرع الذي من شأنه أن يُحصد. عملية الإنبات هي عملية بعثة، وهي متناسبة مع الاستدلال على البعث والنشور، لذلك قبل قليل قال: ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: 7]. ونزلنا من السماء ماءً مباركاً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد؛ لماذا التركيز على الإنبات؟ لأن الإنبات مشابه لعملية ما سيحدث لما نُبعث يوم القيامة، كيف سنخرج من قبورنا؟ فهي شبيهة بعملية إنبات البذور، لذلك تم التركيز عليها.

قوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 10]. والطلع هو كل ما يطلع من ثمر النخيل، ونضيد أي منضود؛ أعواد البلح عندما تكون في العذق تكون مرتبة بعضها فوق بعض. من الذي جعله يخرج بهذه الطريقة المنسقة؟ كل أشجار النخيل تخرج بهذا النمط، هل رأيتم نخلة تمشي على منوال ثاني أو غير مرتبة؟ لا، بل من هذا النمط، لولا سبحانه، فما في نخلة على هذا النظام إلا بتقديره. ﴿طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أي بعضه فوق بعض لكثرة ما فيه من الثمر.

قوله تعالى: ﴿رِزْقًا لِّلْعِبَادِ﴾ [ق: 10]. الثمار منضوضة، أي مرتبة فوق بعضها البعض، ﴿رِزْقًا لِّلْعِبَادِ﴾ أي أنبتناها رزقاً. و«رزقاً» مفعول لأجله أيضاً لفعل مقدر، أو قد يكون مرتبطاً بالفعل «أنبتنا» السابق، بمعنى: أنبتنا جنات وحب محصود ونخلاً باسقات، كل هذه النباتات ما فائدتها؟ ﴿رِزْقًا لِّلْعِبَادِ﴾، أي رزقاً من الله لنا.

هذا موضوع الآخرة، ولكن فيه فوائد في الطريق؛ من الذي رزقكم؟ الله، وما الذي يستحقه ذلك؟ الشكر. هناك فوائد يجب أن نشتريها ولا نغفل عنها، فالله يتمنن علينا بهذا وهو صاحب المن والفضل سبحانه وتعالى. قال لأن الإنبات في معنى الرزق، فيكون «رزقاً» مصدراً من غير لفظه وهو مفعول له، أي أنبتناها لنرزقهم. وإما أن يكون مفعولاً مطلقاً من غير لفظه، مثل قولك: "جلست جلوساً وقمت وقوفاً"، لكن الاحتمال الثاني أوضح في الأذهان وهو أن يكون «رزقاً» مفعولاً لأجله للفعل «أنبتنا».

﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: 11]. أي كما أحيا الله هذه البلدة الميتة بهذا الماء، كذلك ستخرجون أنتم أحياء بعد موتكم من قبوركم.

معي آخر عبارة قال: لأن إحياء الموات كإحياء الأموات. شو يعني هذا الكلام؟ هي الأرض الميتة، فكأنه يقول لأن إحياء الأرض الميتة كإحياء الأشخاص الميتين. في الفقه الإسلامي باب اسمه إحياء الموات، الأراضي الميتة التي لا فيها زرع، فيقول: إحياء الموات. وهذا دليل كثير التكرار في القرآن؛ أن الله يريد منا أن ننظر إلى إحياء النبات لنعرف كيف يحيي الأموات، سبحانه وتعالى.

نكتفي في اليوم بهذا القدر إن شاء الله، خلاص لا نطير عليكم، وفي المحاضرة القادمة نكمل هذه الصورة المهيبة الجميلة، وفيها العديد من الوقفات الإيمانية الرائعة. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا، ارحم يا أرحم الراحمين. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.