دخولتسجيل الدخول

الدرس 1 - مقدمات، علمٌ في المكيّ والمدنيّ

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً ومرحباً بالإخوة الكرام، كل عام وأنتم بخير وتقبل الله تعالى منا ومنكم. تقبل الله سبحانه وتعالى منا ومنكم الصلاة والصيام وتلاوة القرآن وسائر العبادات في هذا الشهر الفضيل.

أرجو أيها الإخوة طمأنتي إلى استقرار البث وسلامته صوتاً وصورة من بعد إذنكم. ما شاء الله، كل من ألقى السلام وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حياك حياك الله وبياك، وعمت صباحاً ومساءً وأهلاً وسهلاً ومرحباً.

أسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل القرآن وأهل البيان؛ فلا فهم للقرآن إلا بالعربية، ولا ارتقاء في حيثياته البيانية الرفيعة إلا بمعرفة بيان العرب. أهلاً وسهلاً ومرحباً يا خالد. أطمئن إليه كذلك من جهتي وأرسل الرابط لبعض الفضلاء ريثما اجتمع إخوانكم لنبدأ إن شاء الله تعالى هذه السلسلة العلمية المهمة. رضي الله عنكم وأرضاكم ورفع الله تعالى قدركم، وكل عام وأنتم بخير.

يبدو البث عندي جيداً يا إخوة، وإن كان ثقيلاً عندي بعض الشيء على الهاتف. أرجو تفاعلكم أيها الإخوة مع البث حتى يزيد ظهوره للإخوة لو سمحتم.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

أما بعد أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا الأول من مجالسنا المباركة إن شاء الله تعالى في تيسير علوم القرآن للمبتدئين، واليوم هو الثاني من رمضان المبارك للعام 1447 من الهجرة النبوية المباركة. ها هو البث يعرض لكم الآن مباشراً ثم يسجل للاستفادة منه. كنت أريد منذ قديم أن أعمل هذه المجالس، ولما حل شهر رمضان المبارك أمس في أول يوم رأيت أنه الوقت المناسب والحسن لأن تعقد فيه هذه المجالس، وهذا هو الوقت اللائق والملائم بحمد الله.

لا بأس بمجالس في الشعر كذلك والتأويل، أو في تدبر آيات من القرآن ستكون إن شاء الله تعالى متخللة هذه المجالس. لم أستطع أن أحدد عدد المجالس لهذه السلسلة، لكن في الغالب سيحويها شهر رمضان ويكون لها ظرفاً إن شاء الله تعالى، لا معياراً. إخواننا الأصوليون يعلمون الفرق بين الظرف والمعيار؛ فشهر رمضان معيار للصوم، وأوقات الصلوات ظرف لها. ومعنى أنني قلت سيكون رمضان إن شاء الله ظرفاً لهذه السلسلة؛ يعني أنها ستكون داخلة فيه.

كنت قد ألفت قديماً كتاباً طبع عام 2014، وهو كتاب الشرح الكافي على المتن الوافي في علوم القرآن، وطبعاته نفذت من قديم جداً. وقصة هذا الكتاب أنني عنيت شديداً بعلوم القرآن، وهو ليس موجوداً الآن، لكن أبشركم بأنه سيكون موجوداً في الطبعة الأردنية الجديدة التي أطلقتها دار مسك، وسيطبع ويجدد كما طبعت كتبي القديمة والجديدة إن شاء الله تعالى.

قصة هذا الكتاب أنني عنيت شديداً بعلوم القرآن، وأصل قصتي مع الشعر بدأت من القرآن أصلاً؛ فمنه ولجت إلى عبد القاهر والزمخشري ومنهما إلى الشعر. كان يضايقني أنني إذا أردت أن أشرح علوم القرآن لأحد لا أجد متناً مختصراً يمكن شرحه، على أنني قرأت المطولات، وأفضل كتابين من هذه الكتب هما كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي وكتاب البرهان في علوم القرآن للزركشي. احفظوا هذين الاسمين: الإتقان للسيوطي، والبرهان للزركشي. عُنيت بهذين الكتابين شديداً وعشت معهما قطعةً من عمري أقرأهما وأذهب وأجيء عليهما حتى أحطت بهما بحمد الله تعالى.

بدا لي أن أعمل كتاباً مختصراً من هذين الكتابين، لا على طريقة بعض الكتب المعاصرة، بل أردت أن يكون هناك متن في علوم القرآن. فلخصت هذين الكتابين واعتمدت على ترتيب السيوطي، وأضفت من البرهان ما يلزم، فصنعت متناً صغيراً هو المتن الوافي في علوم القرآن. جعلته وافياً لأن بعض المتون المنظومة ليست وافية ولا تحوي كل الأبواب، فجئت بالأبواب من الإتقان والبرهان وصنعت متناً أبرز ما فيه أنه وافٍ.

في الحقيقة، أعد حينها إعدادي له بهذه الصورة مثلبة لا ممدحة؛ فقد وضعت المتن على طريقة من يختصرون المتون شديداً، فتكون متونهم داخلة في ما يشبه الرمز والإشارة، ثم وضعت عليه الشرح الكافي، ولكنه تأثر أيضاً بالاختصار. اعتبرته حينها متوسطاً لأنني كنت غارقاً في المتون والدراسة المتونية وشديد الإغراق في الشروح والحواشي، وهذه الطريقة استهوتني في ذلك الحين. ولا أستطيع أن أقول إنني كنت حسن النية حينما اختصرت هذا المتن بهذه الصورة، كنت أريد أن أرى نفسي وأنا أختصر على طريقة أهل العلم، واطلع بعدها عدد من طلاب العلم وقالوا لقد نجحت في ذلك، ولكن المتن جاء ملغزاً أو مختصر الاختصار شديد لا يكاد يبين عن نفسه إلا بالبيان والشرح.

لكنه ظل متيناً ومختصراً قوياً في ذاته. لو كنت واضعاً الآن متناً في علوم القرآن ما وضعته على هذا النحو، لكن كما قلت لكم كنت طالباً أزهرياً وأردت أن أرى نفسي في هذا السياق، وكنت غارقاً متفرغاً طيلة شبابي على هذا العلم. سأقرأ لكم بعضاً منه في هذه السلسلة وستفهمون ما أقصد من هذا الاختصار الشديد.

نويت نية، وهي أنني حتى وإن احتفظت بالمتن الأصلي على صورته أو أضفت إليه بعض التيسيرات، فإنني سأضيف في الشرح إن شاء الله تعالى شيئاً من التوضيح والتيسير. ثم أطبع الكتاب طباعة جديدة في دار مسك، وسيكون من الكتب التي تطبع قبل المعرض القادم إن شاء الله تعالى.

هذا الكتاب سأعتمد عليه في هذه السلسلة؛ بحيث من يحصل الكتاب بعد ذلك يستطيع اعتبار هذه السلسلة شرحاً على الكتاب، وإن لم يكن شرحاً مباشراً؛ لأجل التيسير لأنني قصدت إلى التيسير. أنا سأشرح نفس مادة هذا الكتاب ميسرة سهلة في هذا الشهر المبارك، وبعد ذلك من سيحصل الكتاب يستطيع أن يعتبر هذه المجالس شرحاً له، بالضبط كما كان كتاب الإيضاح للقزويني مع تلخيص القزويني، إذ فكك مادة كتابه فعدّ بذلك شرحاً له.

أولاً أيها الإخوة، ما المقصود بعلوم القرآن؟ هي مقدمات ومسائل ومعارف ومفاهيم تشترك جميعاً، حتى وإن تفرقت في مادتها، أنها حول القرآن. هي أشبه بمقدمات الكتب، إذا وضعت كتاباً فأردت أن تضع له مقدمات حتى يفهم، فأنت ترى المقدمات ربما متفرقة لا ترتبط ببعضها، ولكنها تشترك في أنها جميعاً متجهة نحو مادة هذا الكتاب.

كذلك ما يعرف بعلوم القرآن؛ هي فصول وأبواب ومسائل ومقدمات، كلها في الأخير تساعد في فهم القرآن وتفسيره، ولكنها تمتاز عن بعضها، وليست تلتقي إلا في كونها مهيئة لفهم كتاب الله تعالى. فهي بالفعل تسمى علوم التفسير أو مقدمات التفسير، وأنا أنبه إلى هذا حتى لا يفهم أن هذا يسمى علم القرآن كعلم أصول الفقه. علم أصول الفقه علم تتكامل وتشد أبوابه إلى بعضها، ويتفرع كله من قضية كلية هي الخطاب الشرعي للمكلفين، ولهذا ترون كتب أصول الفقه تبدأ بالأدلة وبتعريف الخطاب الشرعي.

ما يعرف بعلوم القرآن ليس كذلك، هي عبارة عن مباحث وفوائد ومقدمات ومعارف تتعلق فقط بأنها مضافة إلى القرآن. أشبه العلوم بذلك ما يعرف بعلوم الحديث؛ فأنت تعرف ما هو الحديث الصحيح والضعيف والحسن، ثم ترى فناً في المدبج، وفناً في رواية الأقران، وفناً في معرفة السنن والآثار، أبواب متفرقة ولكنها تتعلق بالسنة. فهذا أول شيء تفهمونه: هي مقدمات تفسير. ولذلك ترون المقدمات التي قدم بها الطاهر بن عاشور لكتابه التحرير والتنوير هي من صلب علوم القرآن.

من الذي يستفيد من هذه المجالس؟ يستفيد منها الجميع أيها الإخوة، ولولا ذلك لاكتفيت بشرحها للناس أو للخاصة.

لطلاب العلم، وهذه المجالس الرمضانية أو بوصفها مجالس كما قلت هي مفيدة للجميع؛ لأنها معارف تدور حول القرآن. كثير منها ضروري أن يعلمه قارئ القرآن الذي يتدبره، أو المتدبر العادي. كأن إذا قلت بالنسخ مثلاً أن تقرأ المنسوخ؛ ما نيتي في قراءة المنسوخ؟ أن تتدبر طبيعة الآيات المدنية والآيات المكية إذا كنت تلحظ المراتب الأولى من طبيعة القرآن المكي والمدني، أو تلحظ الحكمة من ذلك.

وكما قلت سأعتمد على مادة كتاب الشرح الكافي الذي ألفته قبل 12 عاماً تقريباً. ولخصت فيه متن الوافي، لخصت فيه كما قلت الإتقان والبرهان في متن شديد الاختصار، ثم شرحته شرحاً لطيفاً في الشرح الكافي. أعتمد عليه بحيث يكون ما سأقوله هنا وإن لم ألتزم نص الكتاب -وإن كنا سنقرأ المتن- كالشرح على الشرح الكافي، بحيث من حصل الكتاب اعتبره شرحاً، ومن لم يحصله يكون قد أخذ علوم القرآن.

الذي سيحتاج إلى هذا الكتاب هو الذي سيحتاج إلى تثبيت المادة في ذهنه، وأن يكون معه كتاب ورقي مطبوع يراجع منه. أما الذي يريد الفهم والتحصيل ويستطيع ذلك بمجرد السماع وتكرار هذه المجالس، فسيحصل ولن يحتاج كثيراً إلى الكتاب إن شاء الله تعالى، لكن الكتاب سيكون لطالب العلم الذي يريد حبس المادة وتدوينها عنده.

دعونا نبدأ. ربما أقرأ لكم ما قلته في المتن ابتداءً في مطلعه على الأقل لتعلموا طبيعة المتن، وهذا المتن كتبته تقريباً قبل 13 عاماً، وما طبع إلا عام 2014. قلت: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب الأرض والسماوات، منزل القرآن بأحسن اللغات. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد أشرف المخلوقات، وعلى آله وصحبه صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يومٍ تنقطع فيه التعلقات. أما بعد، فهذا مختصرٌ في مقدمات التفسير التي هي علوم القرآن، قصدت منه سد الفجوة وإيناس الخلوة في علوم القرآن، ولمثله يحتاج الطلاب إذ خلت المجالس عن مختصر الكتاب سوى ما كان من النقاية ولا تتحقق به كفاية، فيبقى الافتقار إلى الاختصار مع الاستيعاب للأبواب.

وجريت فيه على سنن الإتقان في الغالب، وقصدت البرهان لبعض المطالب. وجاء العمل فيه على حسن ترتيب لمسائل العلوم، واقتبست لها من أشهر المنظوم متبركاً بأوزان قليلة من خاقانية وجزرية وشاطبية وعقيلة، مع احتياج دون إقحام وانسجام في تسلسل الأفهام، وذهبت فيه مذهب أولي العلم والفضل والبراعة، والله أرجو في قبول الكتاب ونفع الطلاب، وأسأله التجاوز عني في غدٍ فما زال ذا عفوٍ جميلٍ وذا غفر. هذه الطريقة التي كتبت فيها قديماً واضعاً هذا المتن على طريقة المتون المختصرة التي تعتمد على كثير من السجع والمزاوجة كما رأيتم. وهذا فن يعرفه الممارس للمتون، وكنت غارقاً فيها قطعة من دهري حينما كنت طالباً أزهرياً محضاً، أما الآن فأسلك غير هذا المسلك، كما تعلمون.

ذكرت العلم في المكي والمدني فقلت: تدرك ثمرته في التخصيص والنسخ، ومعرفة حكمة التشريع، ومعرفة البيان لمن رامه، ويرجع فيه إلى النقل، ولم يبلغنا تشريعاً لعدم فرض تبليغه، وإنما ينظر فيه أهل العلم كنظرهم في المسائل. وأصله أن ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما بعدها فمدني اعتباراً بالزمان، وقيل باعتبار المكان، وقيل باعتبار الخطاب. والمدنيات باتفاق 20، والمختلف فيهن 12، وما عداها فمكيات باتفاق؛ ذكره ابن الحصار. وعن ابن عباس اعتبار فاتحة السورة، ولهم في تمييزه ضوابط. هذا باب العلم المكي والمدني هكذا اختصر تماماً.

هذه قراءة لمطلع الكتاب، وقراءة للعلم الأول وهو في معرفة المكي والمدني. دعونا نتحدث بكلمة حول المقدمة، وهي أنني لم أجد مختصراً في التفسير يكون فيه كفاية إلا ما كان من النقاية، ولا تتحقق به الكفاية؛ لأنه ليس تاماً في الأبواب. فبقي الافتقار إلى الاختصار مع الاستيعاب للأبواب. وللأسف أضحت علوم القرآن التي هي مقدمات التفسير دون النضج في التصنيف.

لا تنضج التصانيف بالمطولات في غير عصر الملكات. إذا انتهى عصر الملكة، وانتهى عصر الفهم الذي كان يمكن لعالم أن يقرأ فيه كتاباً ضخماً، فلا بد من وجود المختصرات والمتون والشروح التي تدرك بها هذه العلوم. وجود كتاب كـ الإتقان للسيوطي وبرهان الزركشي لا يعني أن هذا العلم بخير في الناس؛ لأننا لسنا في عصر الملكة. فمن من الشباب الصغير الآن يستطيع أن يقرأ الإتقان والبرهان؟ مكثت عليهما مدة من عمري سنوات أحررهما ولخصتهما في المتن الوافي.

نحن بحاجة شديدة إلى متون قليلة الألفاظ صغيرة تحيط بالعلم، يتقوت بها الطالب ثم يبدأ في التوسع شيئاً فشيئاً. أما الآن فالقارئ المثقف هو الذي يقرأ القصة القصيرة، وأنبهكم إلى هذه المصيبة التي أعانت فيها وسائل التواصل والسوشيال ميديا، فهي تنشئ أنفاساً قصيرة للناس. نحن بحاجة شديدة إلى المتون لنستنقذ بها الناس من هذا السبات، ونحيي العضلة العقلية من هذا الضمور.

أما لماذا لم يحتج القدماء إلى مثل هذه المصنفات؟ لأن هذه المعارف كانت عندهم مداخل في علوم القرآن، تحققت فيهم دون أن تكون مسطورة مجتمعة، واكتفوا حينًا بالتصانيف المتفرقة. يعني أحاطوا بالعلوم في جملتها، وصنفوا تصانيف متفرقة في أبواب؛ كتاب في الناسخ والمنسوخ، كتاب في الفضائل، كتاب في الأحكام، فكانوا يعرفون الناسخ والمنسوخ، ويعرفون حفاظ القرآن ورواته، ويعرفون القراءات والتجويد، والوقف والابتداء، ومعرفة الغريب. كان هذا كله ثقافة ومعارف وعلومًا حول كتاب الله تعالى يعرفونه، ولهذا لم يجمعوا. لكن إذا كان ترك التصنيف مفهوماً من هؤلاء الأئمة في القرون الأولى، فهو غير مفهوم في الزمان المتأخر مع الحاجة إلى ضم تلك العلوم والتنبيه إليها للمشتغل بالكتاب العزيز.

هناك علوم تداركتها الأيدي في هذا الوقت بالنضج، مثل علم النحو والصرف؛ وهو من العلوم التي يقال فيها: علم نضج واحترق. وبعض علوم أخرى كالقراءات إذا صح أنها كذلك؛ فإذا ما أخرجنا منها توجيه القراءات، فإن التلقي والتجويد علوم نضجت واحترقت. وعلوم الحديث نضجت وما احترقت. وعلوم نقد الشعر ما نضجت وما احترقت مع وجود أصولها، يقع فيها الخلل ويقع فيها كذا مع ثبات.

مبادئها وأصولها في كلام الأئمة الكبار: الصولي والآمدي وعبد القاهر والقاضي الجرجاني. الأصول موجودة، لكن ما نضجت وما احترقت، ما زالوا في عهودهم الأولى والوسطى يشتكون من تدخل العلماء من غير أهل هذا الباب في هذه العلوم، لا سيما المتكلمون. لأن المتكلم هو المجادل في أمور الاعتقاد، هو الذي يحسب من شدة وجود ملكة الجدال عنده أنه يستطيع أن يتكلم في كل العلوم. وأنا إلى الآن ما رأيت متكلما قال كلاما موزونا ذا ثقل في نقد الشعر، والقرطاجني أتى بأمثلة على ذلك وغير القرطاجني. وكذلك الفقهاء يتكلمون في نقد الشعر ويتجرأون على البيان، فعلم ما نضج وما احترق.

ما كانوا يتجرأون هكذا على النحو في الأول لأنه أخذ مساحة من الإنضاج بسرعة، لأنه تعلق بنطق اللسان فبسرعة عدلوه. الإمام شعبة بن الحجاج مر على جماعة من العجم، وهذا في وقت مبكر في العهد الإسلامي، مر على جماعة من العجم يتدارسون النحو فقال: أصلحوه فقد أفسدتموه. أصلحوه فقد أفسدتموه. يقول أصلحوا هذا، فأنتم من أفسده. وحسبكم أن تعلموا أن أقل المؤدبين شأنا في العهود الأولى كان أستاذ النحو. هذا عجيب! هذا الذي يجلس يقول لك في زمان فيه الفرزدق: قال زيد وجاء زيد وكلمت زيداً ونظرت إلى زيد، فإذا كان الفعل مسنداً إلى زيد قلت: زيد، رفعت وضممت، وإذا كان الفعل واقعاً عليه قلت: زيداً، أو مجروراً فقلت: زيد، إذا كان مسحوباً بأحد هذه الحروف أو كان كذا قلت: زيد. هذا الكلام كانوا يستجهلونه، من هذا الذي؟ هذا معلم الصبيان، معلم العجم، الذي يقول: دون دان دين. وأعلى هؤلاء شأناً كان من؟ كان معلم الشعر، كان مؤدب الشعر الذي يروي أشعار العرب وأخبار العرب، هذا كان أعلاهم شأناً.

فأقول: العلوم تختلف، منها ما نضج واحترق، ومنها ما نضج وما احترق، ومنها ما لم ينضج ولم يحترق. فنحن الآن نحتاج إلى علوم القرآن هذه، نحتاج إلى أن توضع فيها المتون، وأن يدون فيها. وعلوم القرآن للأسف الشديد هي أقل حظاً في هذا الباب. لا نكاد نظفر فيها بالإحالة إلى منهج وضعت فيه المتون والكتب، ولا يغرك هنا كما قلنا الثناء على الإتقان للسيوطي والبرهان للزركشي؛ فمدحه مقيد، مدحه مقيد من حيث كونه كتاباً مرجوعاً إليه واسعاً جامعاً، ولا يصلح أن يفيد منه الشادي المبتدئ، يعني الشادي المبتدئ تتشتت فيه همته من أهل العصور المتأخرة. ويكفينا في كشف هذا القصور الآن أنه لو سئل الآن واحد من المعتنين عن كتاب معتبر في علوم القرآن لم يحيلنا على غير كتاب السيوطي أو كتاب الزركشي، قاطعاً نظره عن مرتبة السائل في العلم. يقول لك: السيوطي، الزركشي، الإتقان، البرهان. وأنت تنظر في السائل، ينبغي أن تنظر في السائل، هذا مبتدئ تقول له السيوطي؟ أصلاً حجم الكتابين لن يطيقه أصلاً.

بقي بعد ذلك أن أقول إن من صور التفريط في حق هذه العلوم أن اندثرت طريقة المتون المسلوكة لحفظ العلوم تحت دعوى التطوير وروح الدراسة العصرية، وكأن المتون هي العلوم. طبعاً ليس لأن المتون هي الهيئة الأمثل لتحقيق العلوم كما يظن العجم، لا، بل الرتبة الأمثل هي رتبة الملكة، ونحن تعلمون قضيتنا في الشعر، الرتبة الأمثل هي رتبة الملكة التي تتبدد عندها الحاجة إلى المتون أصلاً. يعني هل أنت الآن تستطيع تخيل أنك ذهبت إلى الشيخ الحصري، ملك القراءة الشيخ محمود خليل الحصري كبير قراء مصر، وسألته عن متن مثلاً تحفة الأطفال أو المقدمة لابن الجزري فلم يستحضرها، هل ستعده بليداً في هذه العلوم في القراءة؟ أسألكم أجيبوا. لو أنك الآن أمام الشيخ الحصري، ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: 30]، فسألته عن تحفة الأطفال فقال لك بلهجته المصرية: والله يا ابني ما فاكرها، حفظناها من 60 أو 70 سنة، مش فاكر. والجزرية بتاعة ابن الجزري والله ما أنا فاكرها، روح للشيخ فلان ممكن تلاقيه حافظها يعني. هل ستحط من قدره؟ لا، لأنه وصل إلى رتبة الملكة التي لا يحتاج فيها إلى متون العجم. العجم هم الذين يحتاجون إلى هذا، تاتا تاتا خط العتبة، تاتا تاتا حبة حبة. لكن الذي حصل الملكة هذه أشرف الرتب.

إذا حصلت الملكة تكون قد حصلت أشرف الرتب في العلوم، وإنما المتون بوابات. هذا ما نقرره، المتون بوابات إلى العلوم في حق المتأخرين، هذه العبارة التي أريد. المتون بوابات أو جسور أو ممرات إلى العلوم في حق المتأخرين، نعم هذا هو. ليست مما يتفاضل به الناس. إياك أن تظن أنك صرت متخصصاً لأنك درست متوناً. اقعد يا حبيبي اقعد كخ، البط يا حبيبي اقعد، مسكين، أبو شبر. لماذا؟ لأن المتون ورؤوس المسائل ليست مما يتفاضل به الناس. دعني أقرأ لك كلمة للزمخشري نقلتها في كتابي الشرح الكافي، يقول الزمخشري: اعلم أن متن كل علم، هذه من مقدمة الكشاف. إياك أن تظن أنك درست ما شاء الله علوم القرآن أو درست أصول النحو أو أصول البلاغة أنك متخصص عميق، لا حبيبي، أنت لا تفضل زميلك الذي درس نفس العلم إلا إذا كان هو بليداً. لكن لن تكون إماماً في الآجرومية، لن تكون إماماً في متن علوم القرآن الوافي، لن تكون إماماً في متن فقهي. لا يوجد إمام في الآجرومية ولا إمام في تحفة الأطفال، هذا كلام السفهاء، هذا كلام المسوقين المخادعين الغشاشين. لا مساحة للإمامة في المتون، لا تقل أنا إمام في هذا المتن، أنت كذاب.

اسمع إلى الزمخشري ماذا يقول: يقول اعلم أن متن كل علم وعمود كل صناعة طبقات العلماء فيه متدانية، وأقدام الصناع فيه متقاربة أو متساوية. إن سبق العالم العالم لم يسبقه إلا بخطى يسيرة، أو تقدم الصانع الصانع لم يتقدمه إلا بمسافة قصيرة. هذا كلام الزمخشري. أنا إمام في متن الورقات! اتنيل يا أهبل، أنا إمام في متن الورقات، كيف إمام؟ لا مسافة للإمامة في الورقات، الإمام في الورقات يقابله صفر، عدم العلم. أنا إمام في الآجرومية، كان بعضهم يقول للناس سأجعلك إماماً في الآجرومية، أنت ستجعله إماماً في العبط والهبل والتخلف العقلي. كان بعضهم يشرح للناس يقول سأجعلك إماماً في الآجرومية، يخادع العجم مسكين ومساكين، يخادع العجم يقول لهم سأجعلكم أئمة في الآجرومية. أو توجد إمامة في الآجرومية؟ الآجرومية يقابلها الصفر، لا يعلم شيئاً. فرؤوس المسائل ليس فيها مساحة إمامة، مساحة الإمامة في نتائج الفكر، في توليد المسائل وفي توليد التحقيقات، ليست في رؤوس المسائل مهما كانت متقدمة. لا تقل أنا إمام في قطر الندى، كيف إمام في قطر الندى؟ قطر الندى شرح معروف للمتوسط في التأسيس، الطالب الذي يتأسس متوسط في التأسيس، فكيف تقول إمام في قطر الندى؟ بعضهم والله قال لبعضهم سأجعلك إماماً في الآجرومية، تجعله إماماً في التخلف العقلي هكذا، في المسكنة، غِر يكلم أغراراً للأسف الشديد. كيف إمام في الآجرومية يعني؟ عيب هذا الكلام، عيب والله، تكلم سفهاء.

يقول الزمخشري: اعلم أن متن كل علم أصول العلم، أصل المسائل، اعلم وهذا بالعقل أمر بديهي بالبديهة والعقل، اعلم أن متن كل علم وأصوله وعمود كل صناعة طبقات العلماء فيه متدانية وأقدام الصناع فيه متقاربة أو متساوية. إن سبق العالم العالم لم يسبقه إلا بخطى يسيرة، أو تقدم... هذا يتكلم في علماء، يعني يقول لك المفسرون متقاربون، النحاة متقاربون إلا بالتحقيق، بالتحقيق ماذا قدمت من تحقيق؟ اسمع: إن سبق العالم العالم لم يسبقه إلا بخطى يسيرة، أو تقدم الصانع الصانع لم يتقدمه إلا بمسافة قصيرة. وإنما الذي تباينت فيه الرتب وتحاكت فيه الركب ووقع فيه الاستباق والتناضل وعظم فيه التفاوت والتفاضل، حتى انتهى الأمر إلى أمد من الوهم متباعد وترقى إلى أن عد ألف بواحد، ما في العلوم والصناعات من محاسن النكت والفقر ومن لطائف معان يدق مباحث للفكر، ومن غوامض أسرار محتجبة وراء أستار، لا يكشف عنها من الخاصة إلا أوحدهم وأخصهم، وإلا أوسطهم وأفصحهم. وعامتهم عمات عن إدراك حقائقها بأحداقهم، عناة في يد التقليد لا يمن بجز نواصيهم وإطلاقهم.

أنت أخبرني، ليس أن تشرح أصول العلم تقول أنا الآن إمام. المتون أصول العلوم، نحتاج إليها لكن ليست منتهى، إنما ما ترمي فيه مما ذكره دقائق الفكر. هذا هو، ليس بالمتون. فلماذا يأتي بعض المعاصرين أو من يسمون بالمتنورين يضعون الانطلاقات الحديثة والحرية والوهمية الفكرية مكان المتون، وكأن المتون يقول لك متون جامدة، والله أنت الجامد لأنك لا تفهم طبيعة المتون، تقف عندها وتحسبها العلوم، لا تعرف الإبداع. بالضبط كهؤلاء الذين ظنوا أن الشعر معنى ووزن فقالوا أين الإبداع؟ أيضاً والله حبيبي بيت واحد من الجاهلية يغرق بحر عصرك إبداعاً، وأنتم رأيتم أمثلة على ذلك، تعلمون أن أبا قيس لا يبالغ هنا، رأيتم أمثلة على ذلك. نعم، لكن هم لما رأوا أن الشعر وزن ومعنى وقفوا عندها وطالبوا بالإبداع والحرية، والشعر ليس الوزن والقافية لكن منه الوزن والقافية. فكذلك لما وقفوا عند المتون قالوا نريد الحرية في العلم، حبيبي الحرية ستأتيك بعد المتون، جسور وأبواب تمر منها. نعم، فهذا الزمخشري يحثك على هذا الانطلاق، أو على أن تتجاوز متون العلوم وعمود الصناعة في أصله.

بعد ذلك تحدثت عن الكتاب على طريقة شرحي فيه وهو ما سيظهر لكم من خلال الشرح إن شاء الله. قال: علم في المكي والمدني. سنتحدث في هذا أيها الإخوة عن مسائل: ما هي ثمرة معرفة المكي والمدني؟ وكيف نعرف المكي من المدني؟ وما هو الضابط؟ ضابط المكي والمدني وعدد الآي المكي والمدني والمختلف فيه، ومذهب ابن عباس وضوابط التمييز. إذاً نعد: ثمرة المكي والمدني، كيفية الوقوف عليه، كيف نعرفه، ما هو ضابطه، مسألة أخرى، عدد المكي والمدني بعد ذلك، والمختلف فيه، ومذهب ابن عباس في المدني والمكي والمدني، وضوابط في تمييز المكي والمدني. يعني تستطيع أن تقول ست مسائل نتناولها في هذا العلم أو هذا الفن أو هذا الفصل إن شاء الله تعالى.

قلت: تدرك ثمرته في التخصيص والنسخ ومعرفة حكمة التشريع ومعرفة البيان لمن رامه. هذه أربعة فوائد في معرفة المكي والمدني: تدرك ثمرته في التخصيص، والنسخ، ومعرفة حكمة التشريع، ومعرفة البيان لمن رامه. أول شيء التخصيص الذي هو الأصولي، طبعاً أنا أقول هذا من باب التواضع والإنصاف لأنني حنفي، لأن الحنفية لا يخصصون السابق باللاحق، لا يخصصونه. لماذا؟ هذا يرجع إلى مسألة عندنا، وهو أن النص العام قطعي كالخاص. يخالفنا في ذلك الشافعية ومعهم جمع يقولون العام ظني، وأما الخاص فقطعي. نحن عندنا العام في القرآن قطعي كما أن الخاص في القرآن قطعي. يعني مثلاً أضرب لك مثالاً بكلام ليس بالأمثلة الشرعية الآن، لو قلت لك: أحضر الطلاب، ثم قلت لك في كلام آخر: لا تحضر زيداً وعمراً وحاتماً، هذا سيسمى تخصيصاً، يعني أحضر الطلاب باستثناء فلان وفلان وفلان، هذا عند من يقول بالتخصيص. هذا عندنا نحن الحنفية سيكون ماذا؟ سيكون نسخاً، وإذا دخلنا في النسخ بحثنا عن رتب الثبوت والدلالة، لأن النص لا ينسخ إلا بمثله أو بما هو أقوى منه. لماذا جعلته نسخاً يا أبا قيس؟ ليس أبو قيس هو الذي جعله نسخاً، أبو حنيفة جعله نسخاً، لماذا؟ لأن العام قطعي. والذين قالوا إن التخصيص هنا يجري اعتبروا العام ظنياً، فالعام الظني يقبل التخصيص، أما نحن لأن العام قطعي فلا يقبل التخصيص، سيكون حينها نسخاً، سيكون نسخاً. يعني لما تأتي... نعم، عندنا السنة لا تنسخ القرآن طبعاً. أنت عايز تنسخ القرآن بالسنة يا ولدي؟ بتهزر؟ المهم، هو عادي كذا يلا انسخ القرآن بالسنة؟ بتهزر يا ابني؟ يعني أحاديث فيها قال وقلنا وجلسنا وقال وأسند وعن فلان وهذا ضعفه واختلفوا فيه وكذا، وفي الأخير تريد أن تنسخ بها القرآن بعد كل هذا؟ أنت بتهزر؟ خليني ساكت، المهم عادي كذا؟ المهم، هذه ملاكفة، أرى الشوام بذاكرك يعني، ملاكفة حنفية، أنا حنفي، أنا حنفي، اللي يهزر أنا حنفي، تستغرب.

يقول لك: وهل عند أهل السنة نسخ؟ الحنفية غير أهل السنة؟ يا ابني نحن أهل السنة يا ابني، وما بقي فرع، وما بقي تابع. الحنفية أهل السنة، وما بقي فرع يا رجل.

هي مسألة مختلف فيها طبعاً ترجع إلى العام والقطع والظن. هذا هو. يقول لك تعصب أعمى، لا يا حبيبي طبعاً. أنت لما أقول أبو حنيفة هو السنة يبقى تقول لي تعصب أعمى؟ هو أي كلام؟ أنت حافظ مش فاهم أنت كمان يا عم جرير. يلا، أنت كمان حافظ مش فاهم.

بدأ الإخوة تهيج عشان مسائل الكلام ولا يا طوائف وبتاع، هو ده اللي بيحرككم. هذا ما يحرككم مش مسائل العلم. شوف هاجت الإخوة كانت نايمة من شوية، شاف الشيخ خالد الدبيخي الإخوة هاجت.

فمعرفة المكي والمدني تفيد في مسألة التخصيص الأصولي يعني المستعمل في أصول الفقه؛ لأنه يذهب جمع من الأصوليين إلى حمل العام على الخاص. يذهب جمع من الأصوليين، أنا أمزح معك يا مولانا أنا أعرف. أنا لا أتشاجر مع أحد، أنا أوبازحكم وألطفكم يعني.

كان في مرة زارني أحد الإخوة من فلسطين وهو شافعي، وأخذ يتكلم عن تفضيل الشافعية على أبي حنيفة، مذهب الشافعي على مذهب أبي حنيفة، وأنه أفقه وأنه كذا، فرآني لست منشغلاً معه وأخذ يكلم وأخذت أجاذبه في مسائل في التفسير، وكنا في جامعة الأزهر يعني هذا الوقت ذهبنا إلى جامعة الأزهر عندي في كلية الشريعة، وجلسنا على سلم الجامعة هكذا أذكر هذا والله جيداً. وربما تعلمون هذا الشخص من يكون، هو معروف ومشهور وهو الشيخ عبد السلام أبو خلف من القدس، الشافعي من القدس، مشهور معروف كان عندنا في المعرض هذا العام والتقيت به، ويعني كان بيننا صحبة قديمة أيام الدراسة في الأزهر، وزار مصر وصحبته أياماً يعني المهم.

فأخذ وهو شافعي أخذ يكلمني على المذهب الشافعي وأنه وأنه وأنه، وأنا أكلمه في مسائل في التفسير والفكر، فنظر لي ونحن جلوس على سلم درج كلية الشريعة القديم الرخامي هذا الكبير، فنظر لي وقال: أنت حنفي، قال: أنت مش حنفي. قلت له: لماذا؟ فقال: لو كنت حنفياً لرميتني من هنا، من السلم يعني، من بهو بير السلم يعني، لو كنت حنفياً لرميتني من هنا بعد أن قلت ما قلت. قلت له: لا والله تركتك تقول، أنا مواردي الوقتية والجهدية والعصبية محدودة، وأنت تقول الشافعي أفقه من أبي حنيفة، وأنا أرى التاريخ يقول: من أراد الفقه فعليه بأهل العراق أو فعليه بأصحاب أبي حنيفة، فإنهم قد أولوا لهم الفقه كما أولوا لداود الحديد. والشافعي يقول: ما فتق لساني بالفقه مثل محمد بن الحسن الشيباني، وأحمد بن حنبل تفقه لما حصل على حمل بعير من كتب محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة، تلميذ تلميذه، فأنت بتتكلم في إيه؟ أنا مش فاضي، التاريخ معي وخلصنا، هو أنا هرفع أبو حنيفة زيادة يعني؟ أنت كلامه كلام يضعه وكلامي لن يرفعه، الواقع واقع فتعال نتكلم في المفيد.

أول شيء يا إخوة التخصيص الأصولي بعض الأصوليين يذهب أو جمع من الأصوليين يذهب إلى حمل العام على الخاص، وجمع من هذا الجمع يشترطون تأخر المخصص في الزمن عن المخصص، طبعاً هذا ليس عندنا الحنفية. بالمناسبة أنتم إذا فهمتم هذه المسائل الأصولية ستفهمون ما تستغربون منه من الأحكام الفقهية. يعني مثلاً في مذهب أبي حنيفة نفرق بين الفرض والواجب، ونقول إن قراءة الفاتحة في الصلاة ليست فرضاً ركناً وإنما هي واجب، يأثم بتركها مع القدرة عليها ولكن تصح صلاته.

هذا مبحث أصولي طبعاً، أنا لا أريد الخوض في أصول الفقه الآن لأنني التزمت معكم من الأول أن هذه المجالس هي تحت تيسير علوم القرآن للمبتدئين، فلا أريد لشخص من أول محاضرة يصطدم، يقول لك عام قطعي وظني وتخصيص أصولي، لا أريد صدمة. لكن أيسر قليلاً بما يغريك بالعلم فقط، يغريك ويحثك على طلب العلم. مثلاً أنت تأتي يقولون لك أبو حنيفة لا يقول بفساد الصلاة لمن ترك فاتحة الكتاب حتى لو كان قادراً عليها، بل يقول بالإثم فقط. أقول له طيب وما المشكلة؟ كيف تقول هذا؟ ﴿لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ﴾. أقول له لا صلاة نفت ماذا؟ نفت الجنس أم نفت الصحة؟ أم نفت التمام والإثم؟ التمام وعدم الإثم، هذه درجات. عند الجمهور أو عند غير الحنفية نفت الصحة أصلاً، لأن الصلاة موجودة لكن نفت صحتها، نحن عندنا نفت تمامها بخلوها من الإثم.

طيب ما أصل المسألة في ذلك؟ أننا في نصوص القرآن أمرنا بصريح نص القرآن أن نقرأ ما تيسر من القرآن في غير موضع من القرآن، وهذا نص عام، والعام قطعي عندنا، فأصبح الذي تفسد به الصلاة عدم قراءة شيء من القرآن، وأصبح الركن الذي تقوم به الصلاة وتصح مع الإثم أو غيره قراءة شيء من القرآن، بعد ذلك وجدنا في السنة ﴿لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ﴾، فغير الحنفية قالوا بالتخصيص، أو بتفسير المجمل أن ما تيسر هو الفاتحة مع غيرها أو كذا، نحن لم نقل هذا؛ لأن العام قطعي كما أن الخاص قطعي، وإذا كان كذلك وجدنا السنة لا تنسخ القرآن، لا ترفعه، لا نقول منسوخ، قراءة ما تيسر من القرآن منسوخ من المصحف؟ منسوخ حتى من المعنى؟ لا هذا ثابت.

طيب ماذا نفعل في لا صلاة؟ نقول هناك مراتب أخرى، هناك نفي الجنس، نفي الصحة، لا يتأت عندنا لوجود نص قطعي بأن الركن قراءة ما تيسر من القرآن، بقي نفي الإثم، فلذلك قلنا من صلى بغير أن يقرأ فاتحة الكتاب وهو قادر عليها آثم، ويجب عليه أن يعيد الصلاة بفاتحة الكتاب ليذهب الإثم وتكون صلاته على تمامها، وإذا لم يفعل صحت صلاته مع إثمه، عرفتم الآن؟ هذه مسألة، وأنا من إنصافي مع أن مؤلف الكتاب حنفي أوردته لأنني منصف.

المسألة الثانية التخصيص الأصولي، قلت تدرك ثمرته في التخصيص والنسخ. المسألة الثانية النسخ الأصولي، يعني نسخ المتأخر للمتقدم، وهذا لا يكون إلا أصولياً، ولذلك كان القيد هنا لبيان الحال لا للإخراج، يعني ليس للتقييد والإخراج، نعم، وهذه مسألة معروفة في أصول الفقه. وهنا مسألة تكلم عنها بعض أهل العلم: هل القرآن المكي فيه منسوخ؟

الدكتور فضل حسن عباس له كلام في هذا، له كتاب اسمه إتقان البرهان في علوم القرآن، هذا هو، الدكتور الفلسطيني فضل حسن عباس له كتاب في مجلدين اسمه إتقان البرهان في علوم القرآن، يذهب مذهباً، تعالوا نقرأه، في المجلد الأول طبعاً هو دار النفائس الأردنية، وهو من فلسطيني الأردن وعالم مشهور ومعروف رحمه الله، يقول في المجلد الأول صفحة ٣٨٢: وقد ذكروا من فوائد المكي والمدني كذلك معرفة الناسخ والمنسوخ، وأقول إن المتتبع بدقة للآيات المنسوخة في القرآن الكريم لا يجد في الحقيقة آيات مكية منسوخة، اللهم إلا ما قيل عن آية المزمل وهي قوله ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 1-2]، وسيأتي لهذا بسط في موضع النسخ إن شاء الله، ربما إذا جئنا إلى موضع النسخ أتكلم فيها أقرأ كلامه إن شاء الله تعالى. نعم.

فهذه فائدة على هامش الكتاب، وأضيفها في الطبعة الجديدة إن شاء الله أن من العلماء من حرر أن المكي لا نسخ فيه، وهذا لا يصعب تصوره لأن المكي ليس في الأحكام، المكي جله ليس في الأحكام، المكي كان في أصول الأحكام وفي أصول بناء العقيدة والنفس المسلمة السوية، فالنسخ فيه ليس مظنة النسخ، إنما مظنة النسخ هو القرآن المكي الذي فيه الأحكام وتتجدد وتشرع ثم تنسخ وهكذا. نعم.

بعد ذلك معرفة حكمة التشريع، وهذا لا يصعب تصوره، لأنك تتأمل ما كان في القرآن المكي وما كان في القرآن المدني، فتعلم بماذا خاطب الله تعالى المؤمنين في القرآن المكي وبماذا خاطب الله المؤمنين في القرآن المدني. أنت ترى سورة البقرة، آية الدين، نص عقود، نص لشروط العقود مع الإعجاز البياني فيها، وترى سوراً مدنية تنزل وهي مليئة بالأحكام والآداب، وسنعرض لها أو لبعضها إن شاء الله، آداب كاملة وأحكام، فهي طبيعة المجتمع المدني الذي قامت فيه دولة الإسلام اقتضت الحكمة في هذا المجتمع أن يتوسع في الأحكام وأن تتبدل الأحوال، فمن هنا يحصل النسخ وعدم النسخ. أما في الفترة المكية، فإما تأسيس اعتقاد أو أصول أحكام. نعم.

معرفة البيان، والحكمة الثالثة والرابعة التشريع، ومعرفة البيان مما سأضيفه في الطبعة الجديدة إن شاء الله، اكتفيت في القديمة بالتخصيص والنسخ. معرفة البيان لما رامه، تعرفون لو نظرتم إلى النصوص المكية يغلب على السور أنها قصيرة، ويظهر فيها السجع، نعم السجع. بعض العلماء لا يريد أن يسمي ما في القرآن سجعاً، وهو في كتب البلاغة سجع، وفي حقيقته سجع، وأنا أتشدد في هذا بالمناسبة؛ لا هو سجع؛ لأنه لا وجه من جهة العلم أن تنفيه، فلا أريد أن يوصف العلم بالعاطفية. خلاص؟

بعض العلماء، وأقول العلماء ليس التافهين، بعض العلماء منهم أبو بكر الباقلاني يقول ما في القرآن ليس سجعاً، يقول ما في القرآن يسمى الفواصل. طب لماذا يا إمام؟ يقول السجع، انظر، كنت أتحدث مع الدكتور فراس السوداني في العراق اتفقنا على هذا، قال لا نجد فرقاً في الحقيقة في ماهية الشيء، ما الفرق بين الفاصلة في القرآن والسجع في النثر كما في المقامات أو في حتى النثر المرسل؟ ما الفرق؟ لا فرق، الحقيقة واحدة، الفواصل القرآنية سجع، وفي كتب البلاغة يمثل للسجع بالقرآن، ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، هذا في ذاته هو السجع، الذي في الخطب والذي في الرسائل والذي في المقامات والذي في مقاطع الحكمة هو السجع.

ولكن بعض الناس ديناً خاف من السجع، السجع كسجع الكهان، ارتبط السجع بالكهان، مع أن سجع الكهان ممجوج حتى عند أهل البيان، والسجع فن بياني موجود في البلاغة العربية وكتب البلاغة جميعاً تقريباً تراهم يمثلون في أبواب البديع للسجع بالقرآن، بعض العلماء كما قلت كالباقلاني في كتاب إعجاز القرآن قال: السجع ليس من القرآن، لا يسمى سجعاً هو فواصل، طبعاً هنا هو عالم وفاهم يعلم أنه لا بد وأن يقدم دليلاً.

ماذا قال الباقلاني؟ قال السجع يتبع فيه اللفظة المعنى، وأما الفواصل فيتبع فيه اللفظ المعنى، قال: إن السجع يتبع فيه اللفظ المعنى. يعني اللفظ مطبوع، يعني هم يحطون أولاً الألفاظ ويجعلون المعاني تابعةً لها، ولذلك هو رديء، ولم يستطع أبو بكر الباقلاني أن يقول غير هذا. خذوا عندكم هذا تعريف السجع الرديء في كتب النقد جميعاً، جعله أصلاً في السجع حتى ينفي السجع عن القرآن. فهناك من يقول لا، هذا ليس سجعاً، هذا لا، هذا سجع، ما في سورة الناس سجع، ما في سورة الفلق سجع، ما في سورة الكافرون سجع، ما في سورة الرحمن سجع، كل هذا سجع. والسجع حتى يكون جيداً في كلام الناس لا بد وأن يكون اللفظ تابعاً للمعنى.

المعنى أصيلًا في هذا المكان وأن يكون اللفظ موافقًا له. مثال ماذا؟ مثال خطب الحجاج: يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق، إني أرى رؤوسًا قد أينعت، وإني كل هذا سجع، وسجع صحيح، يتبع فيه اللفظ المعنى. وأما الذي يتبع فيه المعنى اللفظة فهو الرديء.

فلما أراد الباقلاني رحمه الله ورضي عنه أن ينفي السجع من القرآن أو عن القرآن عرف السجع بالوجه الرديء، عرف أصل السجع بالسجع إذا رديء وقبح، لم يستطع غير هذا. ولولا ذلك لأثبت السجع في القرآن، والسجع حاصل في القرآن لأن القرآن نثر والسجع من ظواهر الفن النثري. والقرآن نثر والسجع من ظواهر النثر الفني، وهذا لا شيء فيه من جهة الدين ولا جهة إعظام القرآن. فالسجع موجود في القرآن سترون السجعات القريبة جدًا في السور المدنية والمكية.

وسترون السورة طول، إذا كانت مدنية، هذا في الغالب، وإلا فهناك طوال في المكي كذلك نعم، لكن الذي كثر من عدد السور المكية هو أنها قصيرة.

بعد ذلك، معرفة ما معنى معرفة البيان؟ أنك تنظر إلى الطبيعة التي بنيت عليها السور المكية، الطبيعة الفنية التي بنيت عليها السور المكية لأجل الأغراض، والطبيعة التي بنيت عليها السور المدنية لأجل الأغراض. وهذا باب واسع جدًا، كل هذا يفيده معرفة المكي والمدني لأنه يتعرض لما جاء في بيئة معينة وبيئة اختلفت بعد قيام الدولة. وكذلك أن تنظر في حكمة التشريع، وأما على المستوى الفقهي والأصولي فأن تنظر في مسألة التخصيص، وليست عند الحنفية، ومسألة النسخ ونفي أن يكون في المكي منسوخ.

تعالوا الآن إلى بعد معرفة الثمرة، أن نعرف بأي طريق نعرفه. ما الطريق التي يعرف بها؟ قال: ويرجع فيه إلى النقل بس. يعني الاجتهاد ليس فيه مجال، الاجتهاد ليس له مجال في هذا الباب معرفة المكي والمدني لا يوجد، بل هناك فقط أمارات وعلامات يستضاء بها لترجيح الأقوال وترجيح الحكم هذا مكي أم مدني، تستعمل علامات في هذا وخلاص. وإنما كان الرجوع فيه إلى النقل لأنه شأن إخباري. يعني لا تقوى الأمارات على القطع بزمان النزول؛ لأن طبيعة القرآن المكي قد تقع في المدني، ولأن طبيعة القرآن المدني قد تقع في المكي.

طب أنا أسألكم سؤالًا: سورة الأنعام مكية أم مدنية؟ من يعرف من الدارسين أهل التفسير سورة الأنعام مكية أم مدنية؟ سورة الأنعام يا إخوة مكية أم مدنية؟ طب مسموح بالبحث حتى تثبت عندكم. سورة الأنعام يا إخوة مكية أم مدنية؟ مسموح بالبحث يا إخوة حتى تثبت الفائدة. سورة الأنعام مكية أم مدنية يا إخوة؟ تقولون بالتخمين؟ مكية أم مدنية؟ طويلة مليئة بالأحكام فهي من هنا تشبه سورة البقرة صح؟ طويلة تشبه سورة البقرة مليئة بالأحكام، مكية أم مدنية؟

مدنية؟ على القاعدة مدنية؟ طيب من منكم يتأكد من أنها مكية؟ أنتظر جوابكم يلا، لن تنسوها إن شاء الله. سورة الأنعام مكية باتفاق، ونزلت دفعة واحدة على المشهور المستقر. سورة الأنعام مكية باتفاق، ونزلت تامة دفعة واحدة على طولها على المشهور، خلاص، هي مكية باتفاق ونزلت قطعة واحدة. ومليئة بالأحكام المرتبطة شديدًا بالشعائر وقضية الاعتقاد والذبائح إلى آخر ذلك، فقد يحكم البعض عليها بأن من الظاهر أنها مدنية لتعلقها بأحكام، والحقيقة أنها على طولها مكية، ونزلت في مكة، نزلت دفعة كاملة في مكة في وقت لم يقم المسلمون فيه دولتهم في المدينة، فهي مكية.

إذًا هذه شواهد، هذه شواهد فقط، فالرجوع في ذلك إلى النقل، وإنما قد نستعين بالشواهد والضوابط التي سنذكرها إن شاء الله تعالى. قلت: ولم يبلغنا تشريعًا لعدم فرض تبليغه، وإنما ينظر فيه أهل العلم كنظرهم في المسائل. النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بتبليغ ترتيب النزول وما كان مكيًا أو مدنيًا. فالوقوف إذًا على المكي أو المدني ليس علمًا ضروريًا يستغرق الآي، نعم كالتفسير والإعراب مثلًا، وإنما هو يعرض من خلال المسائل وأنت تتدارس. خلاص؟ سواء بالتخصيص والنسخ، أو تريد أن تعرف حكمة التشريع أو تعرف البيان، أمور تعرض لك. وكذلك في التماس العبرة التربوية فيما صح من سبب النزول كذلك، هذا مثل معرفة أسباب النزول المكي والمدني، خلاص؟

لأجل ذلك ترتيب المصحف الحائز إجماع الصحابة ليس على ترتيب النزول، هذا ترتيب انتهى بوقته، انتهى ببيان الحكمة منه. ولهذا للأسف الشديد أقول وقع شغفٌ مضلل في فترة من الفترات أذكرها أنا وأنا في العشرينات من عمري، وقع في الأوساط العلمية شغف مضلل، أخذ أيضًا استمد أيضًا تضليله وإغراءه من فكرة الجديد أو من لذة الجديد، وكنت حينها مضطربًا يعني أقول لهم ما لكم يا قوم. وقع شغف مضلل في ترتيب القرآن على زمان النزول، خلاص؟

وأنا قلت مضلل لماذا؟ لأن الحكمة الجزئية الحاصلة بالتفريق قد انتهت، والله تعالى أبقى القرآن سواء ما نزل في مكة والمدينة، ما نزل مفرقًا، ما نزل ما هو في الأخير هناك سورة، لا تحتاج أو الحكمة فيها أن تأخذها تامة، وأما ما كان على اختلاف النزول وتقديم وربما شيء في مقدم السورة نزل متأخرًا بعد شيء ذكر في آخر السورة أصلًا، هذا موجود وربما نمر عليه. ربما، خلاص؟

فالبعض أخذه الشغف بترتيب النزول وكذا، والحقيقة أنك تحتاج إلى ترتيب السورة كما رتبها الله سبحانه وتعالى وقضى بها. أما معرفة ما نزل أولًا وأخيرًا هذا وقت انتهى بوقته، انتهى بحاجته في لحظاتها في وقت النزول، انتهى. يعني آية اللعان أو الملاعنة انتهت فائدة نزولها في هذا الوقت بأن نزلت في حادثة، بعد ذلك أنت الآن وبعد نزولها بدقيقة أنت تأخذها في مكانها من السورة. بعد نزولها مباشرة هي نزلت لحكمة وقتية وانتهت بحل المشكلة وبالاستجابة للتشريع، بعد ذلك أنت المسلم تتلقى السورة في مكانها، فهمت الفكرة؟ تتلقى الآية في مكانها من السورة وانتهينا.

فأقول حصل شغف للأسف الشديد وفي هذا السياق طرح أو خرج مؤلف هو كتاب معارج التفكر ودقائق التدبر للشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، معروف الشيخ من الغوطة الشيخ حسن حبنكة الميداني في دمشق، ابنه الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني هو الذي ألف هذا الكتاب معارج التفكر ودقائق التدبر وجعله تدبر للقرآن بحسب ترتيب النزول، وقع شغف شديد واتجاه في هذا الوقت بهذا الكتاب. وأنا هنا أطرح سؤالًا: ماذا لو لم نقف على شيء من المكي والمدني؟ هل سنقول إننا لن نستطيع الوقوف على حكمة التشريع من القرآن الذي بين أيدينا أو من النصوص النبوية الشريفة؟ ماذا لو لم نعرف المكي والمدني؟ فهذا كان غريبًا في الحقيقة وكان شغفًا شديدًا بهذا الكتاب.

فلا معنى لطلب المصحف على بعضهم كان يسأل فيما أذكر يا هل رتب مصحف على ترتيب النزول؟ لا يوجد، لا يوجد ترتيب مصحف على النزول. ما لك بترتيب النزول؟ الله قضى توقيفًا بترتيب المصحف أو السورة، الآيات في السورة على هذه الهيئة وانتهينا. للأسف وقع الشغف زيادة بكتاب الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة رحمه الله لما رتبه على النزول دون ترتيب المصحف، وشغل الناس عن الحقيقة وعن الأصل، أنك يجب أن تقرأ السورة كما هي كما أرادها الله سورة، لا كما فرق نزولها لحكمة قد انقضت.

ولو كان الوقوف على المكي والمدني علمًا ضروريًا لحفظ بحفظ القرآن كما حفظ ترتيب الآي في السور، لكن هذا علم يغلب فيه الظن ويكثر فيه الخلاف، وفوائده تحصل من غيره فدل ذلك على عدم ضرورته، فلم يبلغنا تشريعًا كما قلت لعدم فرض تبليغه، وإنما هو شيء ننظر فيه كما ننظر في غيره من العلوم المعينة، نعم.

شوف الشيخ خالد الدبيخ يقول: أحس أن السورة تنزل كاملة مثل القصيدة، لا مولانا بل قطع السور فرقت في النزول، حتى القصيدة فرقت في الصنع، لو تحسب الشاعر يصنع القصيدة من أولها لآخرها بالترتيب، ربما يضع آخرها قبل صدرها تخيل، وهذا ما سماه محمود شاكر بالتشعيف على زمن النفس في إنشاء القصيدة، باب آخر كبير جدًا، يعني أنا أخشى فقط الدخول في تفاصيله حتى لا أخرج عن أن يكون الشرح للمبتدئين، لكن أنا تكلمت من قبل عن هذا، عن شبه بين صناعة القصيدة مشعثة على المواقف ثم ضمها على بناء جديد، بين هذا وبين السورة التي تنزل أيضًا مفرقة على المواقف والحاجة التشريعية والحكمة ثم يرتبها الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم على بنائها الجديد الأخير. فالشاعر كذلك وللقرآن المثل الأعلى، الشاعر كذلك يصنع الأبيات والمقطعات من القصيدة على مواقف ويرتبها على هيئة تكون بها القصيدة قصيدة عظيمة، أما المواقف التي قال فيها الشعر انتهت بانتهاء الاستشهاد بالشعر فيها وخلاص، نعم.

أنا أظن هذا مولانا مما اتفق عليه، والشيخ خالد يقول الأحاديث الواردة في التفريق ضعيفة، أنا أظن هذا والله أعلم مما تواتر معناه، أن القرآن نزل مفرقًا، هذا مما تواتر معناه مولانا، وثبت ليس حتى بأحاديث صريحة، ثبت بأحاديث بدلالة الاقتضاء، أنه نزل كذا. يعني آيات اللعان نزلت، هل نزلت السورة كاملة؟ آيات كذا، حصل كذا فنزل الله كذا، هل نزلت السورة كاملة؟ ظاهر الأحاديث أن الآيات نزلت في الحادثة، ووردت أحاديث أنه كان يقال ضع هذه مكانها في سورة كذا وفي سورة كذا، سواء حديث عن جبريل عليه السلام أو عن كتابة النبي صلى الله عليه وسلم في الرقاع، لما كان يدعو بعض الكتبة كزيد بن ثابت. فأحسب أن النزول المفرق أمر مقطوع به متواتر المعنى والله تعالى أعلم، ولا يقف على الأحاديث التي ترد فيه صريحة التي قد يكون فيها ضعف أو لا يكون، والله تعالى أعلم.

طيب، نأتي الآن إلى ضابط المدني والمكي، قال وأصله أن ما نزل، هذا المتن، وأقرأ لكم الآن متن الوافي، وأصله أن ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما بعدها فمدني، اعتبارًا بالزمان، وقيل باعتبار المكان، وقيل باعتبار الخطاب. يعني هذه مقاييس ثلاثة في معرفة المكي والمدني، الآن معنا مقاييس ثلاث.

مكي باعتبار الزمان ما نزل قبل الهجرة مكي، بعد الهجرة مدني، إذًا الزمان المعتبر هنا. وهذا القول قوي جدًا. وقيل باعتبار المكان، وهذا سيقتضي أن هناك قرآن ليس بمكي وليس بمدني، لماذا؟ هناك قرآن نزل في غير مكة والمدينة، خلاص؟ وقيل باعتبار الخطاب، بعض الظواهر الخطاب. إذًا هنا ثلاثة اعتبارات أو ثلاثة مذاهب في حد المكي والمدني. المذهب الأول اعتبار الزمان، هذا هو المشهور وهو مذهب جماهير العلماء باعتبار المكان واعتبار الزمان، نعم.

فما نزل قبل الهجرة اعتبار الزمان فقط، فهو مكي، وما نزل بعد الهجرة فهو مدني، فإذًا يكون ما نزل عام حجة الوداع مدنيًا، لأنه نزل بعد الهجرة حتى لو نزل بمكة. القرآن الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة عام حجة الوداع قرآن مدني لأنه نزل بعد الهجرة، خلاص؟ حتى لو كان نزوله بمكة، وكذلك ما نزل بأسفاره صلى الله عليه وسلم خارج مكة والمدينة، هذا كله يقال فيه مكي، ما خرج من أسفاره، أو مدني ما نزل في أسفاره صلى الله عليه وسلم بعدما أقام في المدينة وأقام الدولة في المدينة، هذا كله مدني.

المذهب الثاني يعتبر المكان، يعني الذي نزل بأرض مكة هو المكي، والذي نزل بأرض المدينة هو المدني بقطع النظر عن الزمان، يعني إذا ما نزل عام حجة الوداع مكي أيضًا. وعلى هذا المذهب يعتبر بعض القرآن غير مكي وغير مدني.

المذهب الثالث اعتبار الخطاب، يعني ما نزل خطابًا لأهل مكة فهو مكي، حتى لو كان في المدينة، وما نزل خطابًا لأهل المدينة فهو مدني بقطع النظر عن النزول بمكة أو بالمدينة بجهة الخطاب.

وبقطع النظر عن الزمان. ولكن يرد هذا المذهب بماذا؟ يرد بأن من القرآن ما هو مدني باتفاق، كسورتي البقرة والنساء. ورد فيهما خطاب المؤمنين وخطاب الناس على سواء؛ ففيهما يا أيها الذين آمنوا، ويا أيها الناس، وهما مدنيتان باتفاق. وحصل فيهما خطاب الناس جميعاً وأهل مكة، فهذا ليس ضابطاً.

المذهب الثاني هو المكان. هناك قاعدة يا إخوة: أي تقسيم لا بد له من فائدة. تذكرون كلامنا في الشعراء المخضرمين؛ هل نعد الأعشى شاعراً مخضرمًا لأنه عاش في الإسلام؟ لا نعده مخضرمًا. هل نعد لبيد بن ربيعة رضي الله عنه الذي عاش إلى زمان معاوية شاعراً مخضرمًا؟ لا نعده مخضرمًا، هو شاعر جاهلي. هل نعد أبا ذؤيب الهذلي شاعراً مخضرمًا وهو ظل في بادية هذيل وظل على جاهليته في القصيدة وإن دخل الإسلام؟ لا، هو شاعر جاهلي، وقصيدته العينية التي قرأناها ونقرأها وما زلنا نقرأها أعدها قصيدة جاهلية.

حتى وإن قالها في مقتل أو في موت أبنائه في الإسلام لما جاؤوا إلى مصر في موتهم بالطاعون في مصر، فتخرم ولكل عبد مصرعه. هذه القصيدة العينية: أمن المنون وريبها تتوجع، والدهر ليس بمعتب من يجزع. قالت أميمة ما لجسمك شاحباً منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع. وهذا شاعر جاهلي؛ قصيدة في الموت لم يذكر الله في بضع وستين بيتاً لم يذكر الله فيها مرة، ونسيجها جاهلي وألفاظها جاهلية وصورها جاهلية، والشاعر لا نعرف له إغراقاً في الإسلام وفي العلم وفي الصحبة. أسلم مع من أسلم وظل في البادية جاهلية. لماذا أعده جاهلية؟ ما الذي يفيدني ويعود علي من أن أقول إنه شاعر مخضرم وإن قصيدته من المشوبات مخضرمة؟ لا شيء.

ولذلك تقسيم القرآن باعتبار المكان المحض، أن المكية ما نزل في مكة والمدنية ما نزل في المدينة، هذا لا ينبني عليه نفع ولا تعرف له فائدة. والذي يفيد هنا وينجع ويتحصل منه شيء أن تقول: المكي ما كان قبل الهجرة، والمدني ما كان بعد الهجرة، بقطع النظر عن المكان، وبقطع النظر عن الخطاب؛ لأن ما قبل الهجرة طبيعة وأحوال اقتضت حكمة التشريع أن تكون آيات القرآن على صفة من المعاني ومن البيان، وما بعد الهجرة طبيعة وأحوال اقتضت الحكمة أن تكون آيات القرآن وسور القرآن على طبيعة من البيان والحكمة والتشريع.

انظروا الإغراق في المكان ولد ماذا؟ ولد أن يكون لك السماوي والسريري والنومي والفراشي؛ تخيلوا، كل مكان ينسب له هذه الآية نزلت في سريره، هذا سريري، أو في الفراش هذا فراشي، هذه شرعت في السماء سماوي، ما فائدة هذا التقسيم؟ لا تقسيم إلا إذا كانت هناك فائدة بنيت عليه، خذوها قاعدة. ولذلك لم أورد أنا شيئاً من السرير والفراش، وكذلك أن يكون هناك قرآن مكي وقرآن مدني بحسب اسم كل مكان ذهب إليه النبي صلى الله عليه وسلم ونزل فيه القرآن. فأقول هنا يسمى القرآن باسم المكان، ماذا استفدنا؟ إنما القرآن قبل الهجرة له طبيعة وأحوال وحكمة، وبعد الهجرة له طبيعة وأحوال وحكمة تظهر في المعاني وتظهر في البيان للسور. فمن نزل في مكة عام حجة الوداع هو قرآن مدني بعد الهجرة في طبيعته وفي حكمته وفي بيانه. هذا هو التقسيم المشهور ومذهب جماهير العلماء.

نأتي الآن إلى العدد المكي والمدني، السور المدنية باتفاق 20 سورة، والمختلف فيهن 12 سورة، وما عداها مكي باتفاق. ذكرها ابن الحصار، وما ذكر هو لابن الحصار في الناسخ والمنسوخ، هذا نقلاً عن الإتقان، فقد قال فيما أنشده بعد بيان العدد واسم السور في المدني باتفاق وما اختلف فيه:

وذا الذي اختلفت فيه الرواة له، وربما استثنيت آي من السور، وما سوى ذاك مكي تنزله، فلا تكن من خلاف الناس في حصر، فليس كل خلاف جاء معتبراً، إلا خلاف له حظ من النظر.

يعني سورة مكية لكن آيات مدنية أو العكس. في هذه الكتب تجد أشياء عجيبة؛ في مسألة الأحرف السبعة في كتب علوم القرآن بلغت الأقوال فوق الأربعين قولاً، والمعتبر ثلاثة، بل اثنان على التحقيق. فليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلاف له حظ من النظر. أنا أعمل إيه بقى؟ هناك قرآن فراشي وقرآن منامي وقرآن سماوي؛ ما هذا الكلام؟ ما فائدة تعليق القرآن بالصفة فيما نزل فيه في المكان؟ هناك أقوال تكنسها كنساً، عيب أن تعتد بها، ولكن أهل العلم الذين يريدون الجمع والاستقصاء يريدون كل شيء. أنت في الأربعين قولاً من الأحرف السبعة ترى أقوالاً صوفية إشارية بعيدة؛ ما هذا الكلام؟ نتكلم في تشريع، في أنزل القرآن على سبعة أحرف، وتقول لي فيها معاني كذا ومقصد كذا وأقوال خيال. هذا كله درسته في الإتقان وأعرفه، من يجمعون يأتون يكنسون ما حقه أن يكنس أيضاً.

إذاً فلا يخلو المكي من استثناء، وربما استثنيت آي من السور. طبعاً أنت تعرف المدني باتفاق 20 والمختلف فيه 12 وما عدا ذلك مكي، والمكي أكثر كما ترى. والسبب في هذا هو قصر السور، فالبقرة سورة والكوثر سورة. فإذاً لا يخلو مكي أو مدني من آيات مستثناة كما يذكرون، والسيوطي نقل عن البيهقي في الدلائل أنه في بعض السور التي نزلت بمكة آيات نزلت بالمدينة وألحقت بها، فوصفت بوصفها أنها مكية على سبيل التغليب في السورة، لا استقلالاً على أنها وصف للآية.

وذكر السيوطي كذلك عن ابن حجر في الفتح أن نزول شيء من السورة في مكة بحيث يتأخر نزول السورة إلى المدينة لم يره إلا نادراً. والدكتور فضل حسن عباس قرر في المجلد الأول صفحة 389 أنه غير موجود أصلاً. هذا الدكتور فضل حسن عباس من الكتب التي قرأتها من المعاصرة وراجعتها كاملة لما وضعت كتابي، لأنه أحاط بالإتقان والبرهان بلغة عصرية لكن توسع، وأنا أردت لكتابي أن يكون صغيراً للمبتدئين. يقول: ونحن مع الحافظ رحمه الله بل نذهب إلى أبعد مما ذهب إليه، حيث قال إن الآيات المكية في السور المدنية أمر نادر، والذي يظهر لي أنه شيء لا وجود له؛ فلا يعقل أن تنزل الآية في مكة المكرمة وأن تبقى سنين طويلة لا مكان لها إلى أن تنزل السورة في المدينة المنورة ثم توضع تلك الآيات في تلك السورة.

هذا رأي الدكتور فضل حسن عباس، وزاد وأحكم جداً على عبد القاهر قال لا ليس نادراً بل معدوم أصلاً. وربما قال ابن حجر نادر بمعنى الاحتياط. بل قال ابن الحصار كذلك إن من الناس من اعتمد في الاستثناء على الاجتهاد دون النقل؛ يعني يقصد استثناء الآيات المدنية من السور المكية أو العكس، والتحقيق على خلاف ذلك. الدكتور فضل حسن عباس يقرر أن ذلك فيه تكلف وغلو وأن الاستثناء يقع لأسباب واهية، وأخذ يحرر المواضع كلها في القرآن بما يحسن الرجوع إليه.

مثلاً مما أورده السيوطي في الإتقان، وهو أصل فيه، نزول النصف الثاني من سورة الفاتحة بالمدينة، قال هذا لا دليل لهذا القول. كتابي الشرح الكافي على المتن الوافي هذا كتاب ألفته قبل 12 عاماً، وليس موجوداً الآن أصلاً، لكن سأعيد طباعته مرة أخرى في الأردن إن شاء الله طبعة أجود وأحسن، فأبشروا. قيل بنزول النصف الثاني من سورة الفاتحة بالمدينة، وقيل يستثنى آيات من سورة الأنعام، ونقل ابن الحصار قوله ولا يصح به نقل. واستثنى مقاتل بن سليمان قوله ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: 30] وزعم أنها نزلت بمكة، قال السيوطي يرده ما صح عن ابن عباس أن هذه الآية بعينها نزلت بالمدينة. إلى مواضع غير ذلك؛ البعض استثنى من سورة التوبة آيتين من قوله لقد جاءكم رسول، قال السيوطي غريب فقد ورد أنهما آخر ما نزل أصلاً.

ابن عباس نظر باعتبار فاتحة السورة؛ إذا تداخلت الآيات المدنية والمكية في السورة الواحدة، متى نعد السورة مكية أو مدنية؟ قال انظر متى نزل أولها. ليس أين؛ اعتمدنا الزمان مذهب الجمهور وهو المذهب المفيد. نقول: متى نزل أول السورة؟ إذا نزل أول السورة قبل الهجرة توصف السورة بأنها مكية، وإذا نزل أول السورة بعد الهجرة توصف السورة بأنها مدنية وإن وقع فيها آيات مكية، بغض النظر عن الخلاف الذي وقع. فإذا نزل صدر السورة، أقول هنا هذا الميزان حسن يا إخوة.

الكتاب الذي سأعيد نشره هو كتاب الشرح الكافي على المتن الوافي في علوم القرآن، هذا المتن الصغير لخصت فيه رؤوس المسائل والأبواب من الكتابين المرجعيين الرئيسيين الإتقان للسيوطي والبرهان للزركشي، وهما أكبر كتابين وأكثر مرجعين معتمدين في علوم القرآن. لخصت فيهما الأبواب في هذا المتن وشرحته في الشرح الكافي، فأصبح كتابي هذا نافعاً جداً للمبتدئين في علوم القرآن. وإذا انضم إليه هذا الشرح فهو بمقام شرح لهذا الكتاب، وإذا نزل إن شاء الله وقبل أن ينزل يمكن سماع هذه السلسلة والاستفادة كما ترون الآن إن شاء الله.

لا، أنا لا أنشره بي دي إف؛ لأنه سيكون غلطًا؛ لأنني سأعطيه لدار النشر على أساس أنها تأخذ حق النشر، فسيكون لها حقوق، إلا إذا نشرته بي دي إف هكذا خلاص مجاني وانتهينا للناس، لكن وجوده مطبوعًا في كتاب أفضل؛ لأن كثيرًا من الناس -وهذا يراعى- لا يقر بالكتاب إلا أن يشتري كتابًا ويقرأه ويكتب فيه وكذا ويحتاجون إلى هذه التعليقات، فلذلك أنا سأبذله كتابًا في المكتبة إن شاء الله، سأدفعه للنشر مرة أخرى بعد تعديلات إن شاء الله تعالى.

مولانا، أرى مزجكم بين التكوين الأزهري والتكوين الشعري الجاهلي يعطيكم شرعية ومصداقية في الخوض في الكتاب العزيز، مع علمي أنكم تتحرجون من ذلك.

لن يكون الآن على الأقل إن شاء الله، لن يكون على الأقل، ربما في آخر عمري وأنا مقبل على ربي ستكون نيتي أجود، ربما وأنا مقبل على ربي تكون نيتي أجود، وأكون خلاص عارف إن ما فيش مفر وفي إقبال، فإذا وضعت هذا سيكون هذا نية لله إن شاء الله؛ لأني سأكون أكثر زهدًا في الدنيا وفي الناس، ولن أعمل عملًا عظيمًا ثقيلًا لأجل أن أعجب الناس، أما الآن فما زال لي حظ في الناس وفي الدنيا، فلا أريد أن يكون عملي الذي أحظى به عند الناس متعلقًا بكتاب الله، فيعني أصلًا ربنا يستر علينا في الشرح ده، ويعديها على خير.

خلاص طيب، إذا أقول يا إخوة: ميزان عبد الله بن عباس في الحكم على السورة هنا ميزان حسن جدًا، إذا نظرنا إلى قيمة الافتتاح وأنه به يتحدد الغرض من النص التام سورةً كان أو قصيدة، نعم، أنت ترى مطلع القصيدة يكاد يتحدد منه غرضها، صح؟ ترى مطلع القصيدة يرتسم منه غرض القصيدة، ويُبنى غرض القصيدة عليه أصلًا، بل هكذا الأصل، فلأن السورة بعد تعدد النزول وتفرقه قبل وبعد صارت شيئًا واحدًا لما تمت ورتبت، فلا شك أن مبدأ السورة هو المولج إلى السورة. بعد ذلك هناك ضوابط في تمييزه، قلت: ولهم في تمييزه ضوابط فقط ولم أقل شيئًا في المتن، وضوابط تمييزه ذكروها للترجيح والتمييز بين المكي والمدني، خلاص؟

هم استقرؤوا المكية والمدنية فخرجوا بدلالات يوقفون بها المريد على مراده في معرفة المكي والمدني؛ يعني يقولون له: لو وجدت كذا فهو مكي، لو وجدت كذا فهو مدني، أشياء وظواهر استقرؤوها ووقفوا فيها على ذلك. طيب، تعالوا من هذا، قالوا: ما كان فيه «يا أيها الناس» فهو مكي، و«يا أيها الذين آمنوا» هو مدني، طيب، لكن سبق أن ذلك غير مضطرد، صح؟ سبق أن ذلك غير مضطرد، فالسورة التي هي سورة البقرة وسورة النساء وقع في كل منهما النداءان: «يا أيها الناس» و«يا أيها الذين آمنوا»، ولذلك ردوا ذلك عن أن يكون ضابطًا، لكن وجدت هذا يشكل، هذا الرد يشكل؛ «يا أيها الناس» مكي، «يا أيها الذين آمنوا» مدني، هذا يشكل لورود حديث أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما كان «يا أيها الذين آمنوا» أنزل بالمدينة، وما كان «يا أيها الناس» فبمكة، هكذا ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وليس من اليسير رد كلام ابن مسعود وهو من هو.

ليس من اليسير رد كلام ابن مسعود وهو من هو؛ فيقال هنا يمكن حمله على الغالب، ذكروا صحة الضابط في «يا أيها الذين آمنوا»، وأما «يا أيها الناس» فقد تقع في المدني كذلك، وهذا ما قرره مكي بن أبي طالب حين قال: هذا إنما هو في الأكثر وليس بالعام، كما نقله السيوطي في الإتقان، فيستطيع أن نقول إن الشأن أو إن الضابط غالب، وبذلك لا نرد كلام عبد الله بن مسعود، ولن نتخذه ضابطًا أخيرًا.

كذلك قالوا من الضوابط: قرروا أن ما كان في ذكر الأمم والقرون والأنبياء وآدم -ما عدا البقرة- مكي، لأن البقرة مدنية، أول ما تجد سورة -إذا لم تكن البقرة- فيها ذكر الأمم السابقة والقرون السابقة والأنبياء وآدم عليه السلام، سورة مكية ما عدا سورة البقرة، وما كان في ذكر الأحكام والحدود والسنن والفرائض والجهاد فمدني، الله يرضى عليكم يا رب، رضي الله عنكم ورفع قدركم، ما كان في ذكر الأحكام والحدود والسنن والفرائض والجهاد فمدني، هذا مدني، نعم.

طيب، ومن هذه الضوابط أيضًا: أن كل سورة -ما عدا سورة العنكبوت- فيها ذكر المنافقين مدنية، خلاص لأن العنكبوت مكية وفيها ذكر المنافقين، لكن المنافقون ظهروا متى؟ في عهد القوة، متى سيظهر الخائن؟ وقت الالتحام بالعدو، أو وقت عمل مع العدو يظهر الخائن، متى يظهر المنافق؟ لما يظهر لنا شيئًا خلاف ما يبطن، هنا سنقول منافق، إنما في مكة ماذا يفعل المنافق؟ من ينافق؟ من يحفر لهم في الأرض ويشقون نصفين؟ أو من يمشطون أو من كذا، أو من في حكمهم يعني؟ قد كان فيمن قبلكم، لكن ينافق من يوضع الحجر في الرمضاء على صدورهم؟ ينافق من طعنت بالحربة في فرجها؟ ينافق من اضطر إلى أن يبيت مكان النبي صلى الله عليه وسلم في بيته؟ ينافق من استطاعوا الاجتماع على البيت للقتل؟ فسينافق من؟ فالمنافقون -فيما عدا سورة العنكبوت- كل سورة فيها ذكر المنافقين هي مدنية إلا سورة العنكبوت، نعم.

كل سورة فيها سجدة مكية، هذا ضابط أيضًا استقرؤوه، كل سورة فيها سجدة مكية، كل ما فيه لفظ «كلا» مكي، وكذلك قالوا كل سورة افتتحت بالحروف المقطعة مكية، طبعًا هذا كله كما هو واضح مبني على الاستقراء، استقراء المسموع واستخراج الضوابط، فهو استنباط منه لا يناظر المسموع، نعم، كل سورة افتتحت بالحروف المقطعة مكية، نعم، البقرة مدنية بالاتفاق طبعًا، وابتدأت بالحروف المقطعة، ويمكنك أن تستثنيها، لأنها مدنية بالاتفاق، طبعًا ينبغي أن يقال إلا البقرة، لأنها مدنية بالاتفاق، نعم.

هكذا ذكروا هذه الضوابط كما لخصتها من بعض كلام أهل العلم في هذا، وهناك أثر حسن يا إخوة، وجدته في كتاب فضائل القرآن لأبي عبيد، نعم هذه قواعد أغلبية بالضبط، هناك أثر صحيح أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه فضائل القرآن، وكذلك ابن أبي شيبة في المصنف، يقول في هذا الأثر عن عروة بن الزبير -هذا طبعا ليس مما دونته بقلمي على النسخة، ليس في النسخة الموجودة، سأضيفه إلى النسخة الجديدة إن شاء الله- قال: إني لأعلم ما نزل من القرآن بمكة وما أنزل بالمدينة، فأما ما نزل بمكة فضرب الأمثال وذكر القرون، وأما ما نزل بالمدينة فالفرائض والحدود والجهاد. هذا الأثر في مصنف ابن أبي شيبة وفي فضائل القرآن لأبي عبيد عن عروة بن الزبير، أظن الصورة اتضحت، واتضح أن الأمر ليس قطعيًا، وأنه ليس ضروريًا جدًا، وإنما قد يعين في الدراسة والبحث، لكن عدمه لا يسقط في الضلال، عدمه لا يوقع في الضلال، نعم.

هنا فائدة عظيمة أوردتها، قلت هنا عظيمة قرآنية، قال السيوطي في الإتقان: أخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: نزل المفصل بمكة فمكثنا حججًا نقرأه لا ينزل غيره. المفصل هو السبع الأخير من القرآن يا إخوة، على خلاف من سورة الحجرات أو من سورة ق أو غيرهما على خلاف أهل العلم في ذلك، وهنا يا إخوة كلمة ابن مسعود «نزل المفصل بمكة فمكثنا حججًا» سنينا يعني «نقرأه لا ينزل غيره»؛ المفصل هذه السور يا إخوة الصغيرة أو القصيرة، قر في أذهاننا يسرها وقصر الجمل فيها، حتى استقر عمل العامة على البدء بها في تلقين الأطفال، صح؟ استقر عمل العامة على البدء بها في تلقين الأطفال، نعم، فهذه السور القصار التي نقول نعلمها الأطفال والأطفال يحفظون وكذا، كانت زاد الصحابة لسنوات طوال في المرحلة المكية، كانت زادهم من الحجرات أو ما يسمى المفصل إلى آخر المصحف، كانت زادهم يا إخوة، خلاص؟

ولكن بسبب السليقة العربية فيهم لم يكن وقع هذه السور على أذهانهم كما هو واقع عندنا نحن؛ نحن لا نرى فيها سوى الفواصل القصيرة، ونرى العبارات القريبة أو المتقاربة في أطوالها وفي أوزانها وفي كذا، ونرى السجعة تأتي بعد السجعة فنحفظ القرآن سريعًا بها وكذا، هم لم يروا هذا، هم كانوا يعيشون بها، هم كانوا يجدون إعجاز القرآن فيها، وشتان شتان بين من يجدون إعجاز القرآن في السور القصار أو في المفصل -في السبع الأخير من المصحف- وبين من لا يجدون فيه إلا صوت السجع أو الفواصل وإلا السهولة في الحفظ، فيحفظها الأطفال سواء الأطفال الكبار الذين بدأوا الحفظ أو الأطفال الصغار، فشتان بيننا وبينهم في هذا.

عبد الله بن مسعود يقول: نزل المفصل بمكة فمكثنا حججًا نقرأه لا ينزل غيره؛ كان زادهم المفصل، وكان إعجازهم، وكان تحديهم، كان تحديهم للكافرين والفصحاء والشعراء والخطباء أن يأتوا بمثله، في الفترة المكية حججًا ظللنا حججًا لا ينزل غيره، فهذا الخبر استوقفني كثيرًا، عاشوا حججًا بقصار السور يتحدون به، ويصلون به، ويتعبدون به، ويتلونه ويلتذون بقراءته وبيانه وبلاغته المفصل، ونحن الآن نقول: أين البيان في قصار السور؟ يعني عجيب ما انتهينا إليه، الواحد فكر هينفجر غيظ، خلينا ما نفكرش، كل عام وأنتم بخير، وجزاكم الله خيرًا، ونبدأ إن شاء الله تعالى بإذن الله تعالى غدًا إن شاء الله في معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل إن شاء الله تعالى، وتستمر مجالسنا إلى أن ننتهي من الكتاب في أثناء رمضان إن شاء الله، شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جعلكم الله تعالى من أهل القرآن.