وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام. أرجو أيها الإخوة طمأنتي إلى سلامة البث واستقراره من بعد إذنكم. كيف حالك يا أحمد؟ يا مرحباً بالكرام. الحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد. هذا أيها الإخوة هو مجلسنا الثاني. كل من ألقى السلام، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وكل من حيا، حياك الله وبياك، وعمت صباحاً ومساءً، ولا تنسوا أيها الإخوة التفاعل مع البث حتى يظهر لإخوانكم وحتى تزيد فرصة اقتراحه أو ظهوره؛ فكما تعلمون هناك نوع من التقييدات على الحسابات، والحمد لله.
أمس كان لقاؤنا مع المقدمات والتعريف بهذا اللقاء، والتعريف بالكتاب، والتعريف بعلوم القرآن، وكذلك علم في المكي والمدني. واليوم إن شاء الله تعالى يكون علم في معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن العظيم. هذا الباب هو باب نقلي، لا مجال فيه للاجتهاد إلا بقدر النظر على ما يأتي، لكن ليس أصلاً.
أقول: هذا الباب له علقة بالباب الماضي الذي هو علم في المكي والمدني؛ فلا شك أن أول ما نزل كان مكياً، وأن آخر ما نزل كان مدنياً، وأن أول ما نزل يحمل صبغة القرآن المكي، وأن آخر ما نزل يحمل صبغة القرآن المدني. ولا شك كذلك في أن أول ما نزل تنكشف به طبيعة الدعوة وما ينبغي أن يتحرك به المؤمن، وأن آخر ما نزل لا شك كذلك أنه قد يوحي بشيء من الكلام في الرسالة والتشريع وتمام ذلك.
ولكن يبقى بعد ذلك كتاب الله تعالى على الهيئة التي اختار الله تعالى لكتابه أن يكون عليها في ترتيب السور أو في ترتيب الآيات في السور. أما ترتيب المصحف على ما هو عليه الآن، فهذه مسألة أذكرها الآن طرافة؛ فالجمهور على أنه ترتيب اجتهادي وليس توقيفياً. أن تبدأ بسورة الفاتحة، ثم سورة البقرة وآل عمران، وهكذا بالترتيب إلى سورة الناس، ليس ترتيباً توقيفياً، وإنما هو ترتيب اتفقت عليه الصحابة أو جمهور الصحابة.
هو ترتيب اختاروا عليه الهيئة الأخيرة من المصحف، وهو ترتيب تفضيلي اجتمعوا أو أكثرهم في النسخ الأخير على هذا الترتيب على أنه مفضل، وليس على أنه توقيف من الله تعالى. وهو مختلف في مصاحف بعض الصحابة، وهناك مصاحف تقدمت سور وتأخرت. والجمهور على أن هذا الترتيب ليس توقيفياً، وإنما هو اجتهادي نظري، وبالاجتهاد والنظر.
لو أنك جئت بمصحف قدمت فيه سوراً على أخرى، هل تكون قد أخللت بكتاب الله؟ الجواب: لا. وإنما الإجماع منعقد على أن ترتيب الآيات في داخل السورة ترتيب توقيفي. أما ترتيب السور في المصحف فهذا ترتيب اجتهادي أفضلي أو تفضيلي، وليس ترتيباً توقيفياً من الله تعالى كما هو ترتيب الآيات في السور.
ومن هنا أرى كتاب الأساس في التفسير للشيخ سعيد حوى رحمه الله متعسفاً؛ فهو يجعل ترتيباً خاصاً للقرآن، ويقول إن القرآن كله تفسير لسورة الفاتحة، ويخرج ما في سورة البقرة على سورة الفاتحة، وما بعد البقرة على سورة البقرة، وهكذا. وهذا كلام في الحقيقة ليس غريباً؛ فالقرآن كله أصلاً مثاني، وبني على أبواب محدودة: الكلام في الاعتقاد، الكلام في الأحكام، الكلام في تزكية النفوس، الكلام في القصص وضرب الأمثال، وهي سبعة أبواب ذكرها محمد بن جزي الكلبي في مقدمة تفسيره.
لابد أن يكون نظرنا موضوعياً يا إخوة، ليس خيالياً وعاطفياً؛ فلن نعدم أن ترى كل ما في القرآن موجوداً في سورة الفاتحة، لأنها ليست معارف وفوائد متفردة. القرآن كله موضوعه محدود، تحصره في التوحيد وتزكية القلوب، وأعمال الجوارح، والأحكام، والقصص، إلى آخر الأبواب السبعة التي ذكرها ابن جزي. فالقرآن لن تعدم أن ترى ما في سورة آل عمران في سورة البقرة، وما بعد آل عمران في آل عمران، وهكذا، لأن القرآن بعضه من بعض. فأن تجعل كل سورة تفسيراً للتي قبلها هذا تكلف وتعسف، وللأسف النظرة العاطفية الدينية تخرج كثيراً بأهل عصرنا عن الموضوعية.
لم يكن العلماء المتقدمون كذلك؛ لم يخرجوا بالعاطفة الدينية عن الموضوعية إلا في القليل، وإن وقع من بعضهم كما حصل من أبي بكر الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن لما نقد القصيدتين لامرئ القيس والمتنبي، أو ربما زلت قدمه في فنه، لكن ليس ذلك أصلاً يبنى عليه الكلام. لكن أهل عصرنا للأسف سيقرأون كتاب الأساس في التفسير للشيخ سعيد حوى ولن ينظروا إلى أن ما ذكره إنما هو افتراض واحتمال، وأنك يمكنك أن تأتي إلى كل كتاب موضوعاته متشعبة متماهية أن تجعل بعضها علة لبعض وتفسيراً لبعض؛ هذا غلط.
ففكرة أن ترتيب السور توقيفي مسألة خاض فيها أهل العاطفة، وكنت في الأردن مع أحد الدكاترة وتحدثت معه، فقال لي: هذا كلام مخالف للإجماع. قلت له: أين الإجماع؟ وأخرجت له كلام الباقلاني وغيره من أهل العلم. تعاملوا مع الأمر على أنه ضلال مبين، وكيف تقول إن القرآن ترتيبه في السور غير توقيفي؟ نعم غير توقيفي، لأن السورة القرآنية نص قائم بذاته، كما أن القصيدة نص قائم بذاته.
السورة تبتدئ بالبسملة وتنتهي على الخلاف في هل البسملة آية من السورة أو آية تفتتح بها السورة؟ الشافعية يذهبون إلى أن البسملة آية من أول كل سورة، والحنفية عندنا البسملة آية يؤتى بها في أول كل سورة لكنها منفصلة عنها، ولذا نسر بها في الصلاة، ولهذا أثر ابن مسعود فيما أذكر. فالسورة قائمة بذاتها، والترتيب الذي عليه المصحف هو ترتيب على التفضيل والاجتهاد عند الجمهور، وذهب البعض إلى أنه توقيفي، وذهب البعض إلى أن بعضه توقيفي وأكثره اجتهادي.
تعالوا نشرع، لا أريد أن أطيل اليوم أيها الإخوة، وسأكتفي بشرح الفصل في معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل. قال: علم في معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل: أوله بإطلاق اقرأ، وهو المتوجه. وقيل بالمدثر، وأجيب عن رواية جابر. وقيل بأم الكتاب، ووهم صاحب الكشاف في ادعاء الأكثرية. وقيل بالبسملة، وليس بقول بل ضرورة سورة. وأول ما نزل في القتال الإذن، وأول ما نزل في الخمر السؤال، وأول ما نزل في الأطعمة لا أجد، وأول سجدة في النجم، وأول ما نزل من براءة لقد نصركم. وآخر التنزيل قيل واتقوا يوما بالبقرة، وقيل آيات الربا، وقيل يستفتونك بالنساء، وقيل لقد جاءكم بالتوبة، وقيل المائدة، وقيل إذا جاء نصر الله. وحرر القاضي ليس فيها ما يرفع؟ بل هو ضرب اجتهاد وتغليب، وليس من الفرائض فلا مطعن به.
أوله بإطلاق اقرأ، وهو المتوجه. قلت بإطلاق لماذا؟ لتخرج به الأولية بقيد التي ستأتي معنا. أوله بإطلاق اقرأ باسم ربك الذي خلق، هذا أول سورة العلق، وهذا أول ما نزل على الإطلاق، ولذلك الحديث المشهور في الصحيحين يحسن أن نقرأه لتكونوا منه على حضور وعلم.
دليل هذا القول حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في صحيح البخاري، أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك؛ يظل بالليالي يتفكر في الكون وخالق الكون، إلى أن يستنزف ما معه من الزاد فينزل إلى أهله يتزود لمثل هذه الليالي، ثم يرجع إلى خديجة.
حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني. قال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: 1-3].
فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فقال: زملوني زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي.
والحال أنه أخبرها الخبر، بعد أن أخبرها الخبر: «لقد خشيت على نفسي». فقالت خديجة: «كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق».
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن عم خديجة رضي الله عنها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانية، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي.
فقالت له خديجة: «يا بن عم، اسمع من ابن أخيك». فقال له ورقة: «يا بن أخي، ماذا ترى؟». فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: «هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو مخرجي هم؟». قال: «نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا». ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي، هدأ.
هذا أخرجه البخاري، وهذه الصيغة من صحيح البخاري. ولذلك قلت هو المتوجه؛ المراد من قولي هو المتوجه هو ما يتوجه ترجيحه، يعني يكون وجيها من الأقوال الأربعة الواردة في أول ما نزل بإطلاق، فيكون لترجيحه وجه دون غيره؛ لأنه لم يستشكل عليه ما استشكل على الأقوال الثلاثة الآتية الآن. إذا هذا أوله بإطلاق: ﴿اقْرَأْ﴾ وهو المتوجه.
وقيل: ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾، هذا هو القول الثاني، وفي ذلك حديث صحيح لجابر بن عبد الله. نقرأه من كتاب الفتح، فتح الباري. واستدلوا بحديث جابر المعروف في الصحيحين، وسأضيفه إن شاء الله للشرح في الطبعة الأردنية الجديدة بإذن الله. هذا كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني على صحيح البخاري، المجلد الأول، الصفحة السابعة والعشرين، هذه الطبعة القديمة المسماة بالسلفية.
قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله الأنصاري -وهو يحدث عن فترة الوحي- قال في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء، جالس على كرسي بين السماء والأرض».
أما أن أتخيل الملك جالسا على كرسي بين السماء والأرض، فحيهلا! أما أن تقول الله جالس على كرسي، وجالس على العرش، وله أطيط بسبب الثقل، فهداك الله! أن يكون للعرش أطيط من الثقل لأن الله ثقيل؛ عقلك هو الثقيل، فهمك هو الثقيل، مخيلتك هي الثقيلة. أما الملك يمشي، يجلس على كرسي بين السماء والأرض، لا بأس، هذا من مخلوقات الله ويجري عليه ما لا يجري في حق الله.
بين أن ما تقول: ملك يجلس على كرسي، والله يجلس على كرسي أكبر أو عرش أكبر، ولم يرد هنا أطيط، وورد في الله أطيط لأنه ثقيل. نعوذ بالله من مثل هذا الفكر في حق ذات الله سبحانه وتعالى. الله تعالى لا يشبه بمخلوقاته ولا يجسم، ولا يقال جالس على كرسي، ولا للكرسي أطيط وكذا، فيقال ذا جالس والكرسي له، والعرش له أطيط من ثقل الله، أطيط صوتي يعني صوت احتكاك الخشب والمسامير. معاذ الله، وتعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
بين: «بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء، جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني». فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، فحمي الوحي وتتابع.
هذا هو أثر جابر بن عبد الله، واستدل به البعض على أن أول ما نزل المدثر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. وهذا أجيب عنه بوجوه.
الأول: أن هذه أولية مقيدة بعد فترة الوحي، يعني بعد فتوره وانقطاعه. وهذا جواب مناسب جدا ومقبول أيها الإخوة؛ لأن سياق كلام جابر رضي الله عنه لا يأبى أن يكون مقيدا بالرواية، وجابر ترجح ذلك لأن كلامه في فترة الوحي ولأن الحديث فيه: «الذي جاءني بغار حراء». والذين يقولون بهذه الرواية أو يستدلون بهذه الرواية يلزمهم أن يكون لما جاء في غار حراء أول مرة ألا يكون قال قرآنا في النزول الأول، وهذا ما لا يثبتونه بل الأثر يثبت عكسه؛ يثبت أن أول ما نزل من سورة العلق ﴿اقْرَأْ﴾. فإذا أصحاب هذا القول يسقط قولهم بيسر؛ لأنهم يرد عليهم أن ذلك كان بعد حادثة وقعت في حراء بنص الحديث كما قرأناه الآن. إذا الملك الذي جاءني بحراء، فمن أين لهم أن في حراء لم يكن هناك نزول؟ بل الأثر الصحيح يدل على، أو يصرح بوجود نزول وهو ﴿اقْرَأْ﴾، القول الأول.
وهناك من يقول: هذه أولية مقيدة بالإنذار، وهذا قريب من الأول، بل هو عين القول الأول أصلا، يعني الآن إنذار الأول ﴿اقْرَأْ﴾، وإنذار الآن: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾.
الثالث: أن أنها أولية مقيدة. الوجه الثالث في التأويل...
مقيدة بسبب الإنزال، يعني الأمر بالإنذار، يعني نفس القول تقريبًا.
الرابع أنها أولية مقيدة بنزول السورة بتمامها، وهذا يخلو من التحقيق تمامًا؛ لأن حديث جابر ظاهر في أن ما نزل من المدثر كان إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 5]. فهذا يخلو من التحقيق. ثم هو تأويل بعيد يستجلب ولا يتأتى من نفسه، وإلا فالتأويل الأول ظاهر جدًا، وهو أنه نزول بعد انقطاع الوحي؛ فإذا الملك الذي جاءني في حراء وحادثة النزول، نزول الملك في حراء، فيها أنه قرأ عليه قرآنًا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: 1-3]. ففيها أنه حصل وحي ونزول للقرآن.
والتأويل الخامس أن جابر رضي الله عنه فهم ذلك باجتهاده دون رواية، فيقدم حديث عائشة لأنه عن رواية. وهذا لا حاجة إليه أصلًا، لا نحتاج إلى الوصول بعد التأويل الأول الظاهر الواضح إلى التأويل الثالث أو الخامس، هذا طبعًا كما عرفتم. فليس كل خلاف جاء معتبرًا إلا خلاف له حظ من النظر؛ كما قال أبيات بن الحصار: "فليس كل خلاف جاء معتبرًا، إلا خلاف له حظ من النظر". فكل هذه التأويلات تذكر، والاعتبار في حق كثير منها قليل.
والصواب، وهو الذي دل عليه الأثر بوضوح شديد بالتصريح، أنه نزول بعد الفتور، بعد الفترة. وفيه كذلك: "فإذا الملك الذي جاءني في حراء"، فلا نحتاج إلى كثرة هذا التأويل. إذاً معنى القول الأول أن أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ من سورة العلق. والقول الثاني المدثر، وعرفتم ما فيه، إذاً قول يسقط لا يعتبر.
القول الثالث أم الكتاب الفاتحة، وقيل بأم الكتاب، ووهم صاحب الكشاف في ادعاء الأكثرية، وهذا شيء غريب. كنت ربما أحتاج إلى كتاب أسباب النزول هنا إذا كان تحت يدي مباشرة، لأن فيها كلامًا هو الذي أوهم صاحب الكشاف. ربما إذا استطعت الحصول عليه أتيت به، وربما أكتفي فقط بالعزو لأن هذا في الشرح موجود، الإحالة إلى الكتاب أو العزو للكتاب.
أم الكتاب أيها الإخوة هي الفاتحة، والقول بأنه أول ما نزل قول ضعيف في مستنده، أي في دليله. دليله ذكره الواحدي، ربما لو استطعت الإتيان بكتاب الواحدي لحظة واحدة، قد تمكنت من جلبه والحمد لله، نطلع على دليله. هذا كتاب أسباب النزول للإمام أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري.
نقرأ: قال حدثنا أبو عثمان سعيد بن أحمد بن محمد الزائد، قال حدثنا فلان، قال عن رسول الله، عن أبي ميسرة، أن رسول الله ﷺ كان إذا برز سمع مناديًا يناديه: "يا محمد"، فإذا سمع الصوت انطلق هاربًا، فقال له ورقة بن نوفل: «إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقول لك». قال: فلما برز سمع النداء: "يا محمد"، فقال: "لبيك". قال: قل: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله»، ثم قال: قل: «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين»، حتى فرغ من فاتحة الكتاب، وهذا قول علي بن أبي طالب.
قال: وهذا قول علي بن أبي طالب؛ أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد المفسر، قال أخبرنا الحسن بن جعفر المفسر، أخبرنا أبو الحسن بن محمد بن محمود المروزي، حدثنا عبد الله بن محمود، حدثنا مروان بن معاوية، عن العلاء بن المسيب، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش»، بهذا الإسناد إلى آخره.
هذا هو الأثر أيها الإخوة، أنه أوحي إليه لما قال له ورقة بن نوفل: «إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع»، فلما ثبت، قال له: قل: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله»، ثم قال له: قل: «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين»، حتى فرغ من فاتحة الكتاب، قال: وهذا قول علي بن أبي طالب.
هذا المستند يا إخوة، وسنناقش ذلك إن شاء الله. قلت هنا: القول بأنها أول ما نزل قول ضعيف في مستنده، وقد وهم الزمخشري رحمه الله في القول إن أكثر الأئمة على أنها أول ما نزل. الزمخشري ادعى في الكشاف أن أكثر الأئمة على أنها أول ما نزل، أما ابن حجر فقد قال في الفتح: "لم يقل بذلك إلا عدد أقل من القليل". والحديث الذي اعتمد عليه الزمخشري في الفاتحة أخرجه البيهقي في الدلائل ووصفه بالانقطاع.
قلت مرة أخرى، ويحتمل عندي أن الزمخشري رحمه الله من أين جاء هذا الغلط -الله يرضى عليكم- هذا كلامي أنا، في الغلط الذي جاء إلى الزمخشري من أين جاءه؟ قلت: فهذا كلامي أنا له غنمه وعلي غرمه، يحتمل عندي أن الزمخشري رحمه الله قد أدخل عليه قول أبي الحسن الواحدي النيسابوري: "اختلفوا فيها فعند الأكثرين هي مكية"، من أوائل ما نزل من القرآن. فهذه الجملة ربما أوهمت ما ذهب إليه الزمخشري رحمه الله.
تعال نقرأ ما قاله الواحدي في كتابه أسباب النزول، وهو توفي عام 468هـ، أي من علماء القرن الخامس، ومن معاصري الإمام عبد القاهر الجرجاني. في هذا العصر، أول ما قال في الفاتحة: "اختلفوا فيها، فعند الأكثرين هي مكية، من أوائل ما نزل من القرآن". قوله: "من أوائل ما نزل" كلام مستأنف جديد، لم يقل "أول ما نزل".
فأنا تحليلي لغلطة الزمخشري لأن الزمخشري قال: "هي أول ما نزل عند الأكثرين"، لا، الواحدي له كلامان: الكلام الأول: "اختلفوا فيها فعند الأكثرين هي مكية"، انتهى، واضح، يعني بعضهم قال مكية وبعضهم قال مدنية لكن الأكثرون على أنها مكية. ثم ابتدأ الواحدي كلامًا جديدًا، وليس أنه معلق بقوله "عند الأكثرين"، أي ليس داخلًا في التعلق بـ "عند الأكثرين"، ابتدأ كلامًا جديدًا قال: "من أوائل ما نزل من القرآن". فظن الزمخشري أن قوله "من أوائل ما نزل" داخل في "عند الأكثرين"، أي فعند الأكثرين هي مكية من أوائل ما نزل من القرآن، والحقيقة أن ما ذهب إليه الأكثرون ينتهي عند قوله: "هي مكية".
من أوائل ما نزل من القرآن؛ هذا كلام جديد، فليس يرى الأكثرون أنها أول ما نزل من القرآن. يدل على ذلك أن الإمام ابن حجر يقول: لم يقل بذلك إلا عدد أقل من القليل، بمعنى لم يقل إن أول ما نزل من القرآن هو الفاتحة إلا عدد أقل من تصريح ابن حجر العسقلاني.
تفسير ذلك عندي أن الزمخشري تعجل في قراءة كلام الواحدي، قال: «اختلفوا فيها، فعند الأكثرين هي مكية من أوائل ما نزل»، فظن أن "من أوائل ما نزل" هو من مذهب الأكثرين، ومن تفسير الواحدي أي: فعند الأكثرين هي مكية من أوائل ما نزل، فظن أن ذلك كذلك. وإنما الصواب: "فعند الأكثرين هي مكية"، كلام انتهى. "من أوائل ما نزل من القرآن" كلام جديد ولا يدخل في مذهب الأكثرين، هذا تحليلي للمسألة، أنه تعجل في قراءة نص الواحدي، ونص الواحدي لم يكن حقيقة مميزًا جدًا للمعنى.
كما قلت، كلام ابن حجر واضح وصريح في هذا، ما قال بذلك إلا أقل القليل. ثم الواحدي ما قال: أول ما نزل، قال: "من أوائل"، يعني من بواكير النزول، وليس "أول ما نزل". قال إنها من أوائل ما نزل يعني من البواكير في النزول والوحي، وليس أنها أول ما نزل، فهذا كله لم يدققه الزمخشري رحمه الله تعالى، ويؤكد ذلك أنه اعتقد أن الأكثرين على ذلك وهذا خلاف الحقيقة.
ولكل جواد كبوة، حتى لو كان الزمخشري، أمر عادي جدًا. أما هؤلاء الذين يقفون على أخطاء العلماء ويقولون: "أخطأوا وعندهم وكذا"، بعضهم عنده عبارة: "هذا الإمام عنده أخطاء"، وأنت خطأ على بعضك أصلًا، أنت على بعضك غلطة ارتكبها أبوك وأمك، بل الدنيا بك. يكلمك في فلان يقول لك: "عنده أخطاء"، ومين الذي ليس عنده أخطاء؟ الشيخ فلان الذي يتبعه؟ شيء مقزز جدًا، لما تجد أول يتكلم عن عالم يقول لك: "عنده أخطاء"، وأنت عبارة عن إيه؟ أنت كوز غلطة أصلًا، أنت غلطة في ذاتك، جوهرك غلطة، الله المعين.
الشيخ محمد عبده، طبعًا قائد التنوير المعروف، تعرف من هو لا شك، له طريقة ومنهج في هذه الأمور. نرى سلامة البث واستقراره يا إخوة، هل لي مستقر؟ وأرجو التفاعل مع البث لو سمحتم؛ لأنه واضح أن الاختيارات قليلة، أو أن الناس الآن لم يعتادوا على الموعد المبكر.
الشيخ محمد عبده رحمه الله ذهب إلى القول بأن الفاتحة هي أول ما نزل، لم يعتمد في ذلك على رواية، ولكن قال: هكذا يقتضي العقل وتقتضي السنة الإلهية أن ينزل الله تعالى أولًا بالمجمل ثم يتبعه بالتفصيل، فالفاتحة أجملت الدين كله. والغريب أنه لم يتعرض من قريب أو بعيد إلى ما ثبت في الصحيحين، وهذا غريب ويدل على إغراقه في مسلكه العقلي، لم يتعرض لحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين، وهي تخبر بما كان من النزول والتعبد في غار حراء على ما فيه من التفصيل والتوثيق، ولم يتعرض إلى أنه قول الجمهور، بل قال الحكمة تقتضي أن يكون أول ما نزل المجمل ثم يأتي التفصيل، وكلامه ضعيف جدًا في حقيقته.
بل من السهل أن يعترض عليه بنفس المسلك؛ فمن السهل أن يقال إن التشريع الجزئي هو أولى في المقام العملي من التشريع الكلي، ويقال إن «اقرأ» هي التي تشمل الفاتحة وأكثر، وهي أصل العلم، "اقرأ" قبل الفاتحة. هذا مزاد عقلي أو مزاد اجتهادي، وعندنا خبر فيها.
المذهب الأول، وهو مذهب الجمهور، مذهب أهل العلم والجمهور، وهو المتوجه، بل لا يذكر قولًا بعدها بعد هذا القول له اعتبار، لكن هكذا جرت المصنفات به. فيمكن أن يقال إن «اقرأ» قبل الفاتحة؛ لأن الذي يسبق الفاتحة هو الأمر بقراءتها: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وفي ضمن ما ستقرأ الفاتحة.
القول الثاني: "المدثر"، ويستدل فيه بحديث جابر بن عبد الله، ورأيتم كيف أجيب عنه؟ فليس موجودًا. القول الثالث: "الفاتحة"، ورأيتم من أين جاء الزمخشري بأنه الأكثر وليس له مستند كما رأيتم.
والمذهب الرابع معنا الآن: "البسملة"، قالوا البسملة، وهذا فيه أثر توارد أو تفرد به الواحدي، ورواه بإسناده إلى عكرمة والحسن، أنهما قالا: أول ما نزل من القرآن "بسم الله الرحمن الرحيم"، وأول سورة "اقرأ باسم ربك". وأنا قلت في المتن "وليس بقول"، يعني هذا ليس قولًا يوضع بجوار القول الأول والثاني والثالث، بل هو ضرورة سورة. السورة تبدأ بـ "بسم الله الرحمن الرحيم"، فإذا نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، لا شك أن ضرورة نزول أول السورة أنه نزل بـ "بسم الله الرحمن الرحيم"، وأن النبي ﷺ لما أخبر بأنه "اقرأ باسم ربك" فإنه قال "اقرأ باسم ربك الذي خلق"، لا شك إذا قلنا إن السورة لا تنزل إلا بالبسملة، فلا شك أن النبي ﷺ فهم أن ذلك ما ستقرأه بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" على تفسير البسملة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، كما في: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يعني ما سيأتي فيه سيكون بـ "بسم الله الرحمن الرحيم". فـ "بسم الله الرحمن الرحيم" إعلان بمصدر الرسالة والقائل، ولهذا قلت: "وقيل بالبسملة" وليس "بقول"، بل ضرورة سورة. أنا أعرف أن المتن مختصر جدًا لكن الشرح يبين ويفصل إن شاء الله.
بعد ذلك هناك أقوال أخرى يا إخوة لم يذكرها السيوطي ربما، أطلعكم عليها من كتاب "إتقان البرهان في علوم القرآن" للأستاذ الدكتور فضل حسن عباس، المجلد الأول صفحة 122. قال: وهناك قول لمجاهد أن أول ما نزل سورة "نون"، وفي أول سورة نزلت قول آخر عن عطاء الخراساني، قال ابن حجر رحمه الله: وفي أول سورة نزلت قول آخر عن عطاء الخراساني قال: "المزمل نزلت قبل المدثر".
يبقى عندك نون، وعندك قول المزمل نزلت قبل المدثر. قال وعطاء متكلم فيه، وروايته معضلة. طبعاً الذين درسوا الحديث يعرفون ما معنى المعضل من السند أو من الإسناد المعضل. قال وروايته معضلة لأنه لم يثبت لقاؤه بصحابي معين.
قال وظاهر في فتح الباري، وظاهر الأحاديث الصحيحة، تؤخر المزمل لأن فيها ذكر قيام الليل وغير ذلك مما تراخى عن ابتداء نزول الوحي، بخلاف المدثر فإن فيها ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾. وعن مجاهد: أول سورة نزلت نون والقلم، وأول سورة نزلت بعد الهجرة ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. فهذه أقوال عُرج عليها.
الدكتور فضل حسن عباس لم تذكر حتى في إتقان السيوطي، لكن لا نحتاج بعد حديث الصحيحين إلى غيره، أو إلى غير القول الأول الذي ذكرت أنه المتوجه والأمر بعد ذلك لصاحب النظر إن كان له نظر. ما أقوله هو مناقشات؛ أنا لا أحكم عليك ولا أقول لك انسخ كلام أبي قيس، أنا أقول لك ما عندي، وهذا دأب أهل العلم وأدب طلاب العلم والمشتغلين به؛ يطرح لك ولا يغلق الباب ويقول لك فكر.
هكذا قلت؛ لماذا قلت لك الحجة؟ ليس لتقول قد احتجت فهو قوي، لا، قلت لك الحجة لتكون تحت نظرك. ولو كنت أريدك أن تأخذ بقولي والسلام لقلت لك القول وأقول لك وبناء على ثقتك فيَّ قل به، وأنا لا أقول لك هذا ولا أحبه ولا أريده ولا أحترمه أصلاً حقيقة. أحب الذي يناقش؛ وافق عن مناقشة، خالف عن مناقشة. والذي يخالفني ويناقش كما ناقشته أقرب إلي من الذي يطبل ويزمر.
الذي يناقشني مناقشة حقيقية مؤدبة مهذبة كما ناقشته، ويعطي مناقشتي حقها، حتى وإن خالف؛ ليس الأمر أن تخالف وتعرف، أنا حتى يحترمني أبو قيس أخالف، أنت تخالف حتى تخالف بعلم. هناك مرحلة أخرى أن تقول أنا لم أعرف، أنا لا أستطيع المناقشة، حسن لا بأس، المهم.
أنا الذي يناقشني في المسألة بأدلتها بعد أن أراه راعى ما قلته، وليس أنه لم يره ثم جاء يخالف وخلاص. راعى ما قلته وفهمه وناقشني على نفس المستوى، على ذات الصعيد والحيثية العلمية، أحترمه جداً وإن خالفني، بل أنا أتفق معه أصلاً؛ نحن في طريق واحد.
أما الذي يطبل ويزمر، الآن يطبل ويزمر لي، وغداً يطبل ويزمر على رأسي لو غضب مني، وغالباً سيغضب؛ لأن الذي يقترب مني لا يرى الود الذي يظن أنه سيصاحبه ويرى الود، غالباً لا يرى الود الذي ينتظره فينقلب. سيرى جفوة وسيرى شخصاً مشغولاً عنه وسيرى كذا، حتى قال أحدهم لصديق لي: قال له أبو قيس يبيع أبوه عشان مشروع، وطبعاً هو مجاز، يقول لك أبو قيس ينشغل عنا يبيع أبوه عشان المشروع، قال له من حقه أن يحافظ على المشروع؛ فهو عبر تعبيراً مبالغاً عن أنه ليس له مساحة كبيرة من الود والصحبة والخروج واللقاء.
فأنا لا يغريني الذي يحبني الآن ويأتي يطبل ويزمر ويسحج؛ لأنه يفعل ذلك وأنا أعلم أنه يفعل ذلك طمعاً فيما يظنه أنه سيرى الصديق المرحب المصاحب الذي يطبل له، فلما يراني لم أختلف عن حالي ولم أزد توددي إليه بتطبيله، ينقلب ويطبل على رأسي. فالذي يطبل لي هو في حكم المطبل على رأسي، فاذهب من الآن طبل يلا، لكن الذي يناقش أحترمه.
الذي يفهم مستوى النقاش والعلم والمسائل أحترمه؛ لأني أعلم أولاً أنه فهم المستوى الذي أكلمه فيه، وأعلم ثانياً أنه لا يتكلم إلا ببراهين ومناقشات، فأنا آمن جانبه، وسيحترمني كما أحترمه، وهو وإن خالفني سيقدر بحثي وأنا سأقدر بحثه، فنحن في الحقيقة مذهب واحد. وإن قال بالقول الثاني، ممكن واحد يناقش يقول لك: لا، جابر بن عبد الله بعد فترة الوحي، الفترة هنا وليس الكذا، وأنا عندي دليل على أنه الذي نزل بغار حراء لم يكن فيه قرآن، إلى آخره؛ قد يناقش، إذا ناقش سأقدر كلامه لو كان مبنياً على أسس.
نأتي الآن إلى النزول المقيد يا إخوة. لا أريد أن أطيل. أول ما نزل في القتال الإذن، وهو قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: 39]. وأول ما نزل في الخمر السؤال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: 219]. ما أول ما نزل في القتال؟ نزولات مقيدة بالموضوع أو المعنى.
أول سجدة: آية السجدة التي في النجم ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ في آخر السورة. أول ما نزل في الأطعمة: قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: 145]. وأول ما نزل من براءة: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة: 25].
وآخر التنزيل قيل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ [البقرة: 281]. وقيل آيات الربا، وقيل ﴿يَسْتَفْتُونَكَ النِّسَاءَ﴾ بسورة النساء، وقيل ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: 1]. وحرر القاضي الباقلاني أنه ليس فيها ما يرفع، بل هو ضرب اجتهاد وتغليب، وليس من الفرائض فلا مطعن به.
اعلم أن الكلام في آخر ما نزل كثير، وليس كالكلام في أول ما نزل. ويفسر كثرة الأقوال فيه قول البيهقي في دلائل النبوة؛ يجمع بين هذه الاختلافات إن صحت بأن كل واحد أجاب بما عنده. لماذا حددت الأقوال في أول ما نزل وكثرت في آخر ما نزل؟ لما كان الكلام في أول ما نزل كان العلم به عند واحد، هو النبي ﷺ، ولذلك أخبر بأول ما نزل، والخلاف وقع بسبب رواية حديث جابر ورواية حديث عائشة رضي الله عنهما.
ففي الأخير المخرج واحد؛ لا مجال للإخبار بأول ما نزل إلا النبي ﷺ. أما الإخبار بآخر ما نزل، فإنه يكون إخباراً بعلم كل مخبر، وعلمه قد يكون قاصراً؛ يعني قد يقول شيئاً هو يظنه آخر ما نزل، ولا يعلم أن النبي ﷺ قال قرآناً بعده. فهذا معنى كلام البيهقي في دلائل النبوة: "يجمع بين هذه الاختلافات إن صحت بأن كل واحد أجاب بما عنده". هنا كلمة للقاضي الباقلاني لكتاب...
أبو بكر الباقلاني له كتاب كبير، بالمناسبة، لا يعرفونه إلا بكتاب إعجاز القرآن الذي شكك بعض الباحثين المعاصرين في نسبته إليه. وأنا أكثر شخص في العالم وفي التاريخ يتمنى ألا يكون له، لأن كلامه في النقد فيه سقوط.
لا يملك ناقد للشعر، أو أكاديمي، أو دارس، أو شاعر، أو متذوق، أو ممارس لعلم نقد الشعر وتذوقه، حجة يجادل بها في سقوط ما كتبه صاحب كتاب إعجاز القرآن على قصيدتي امرئ القيس والبحتري. وأنا الآن في هذه الفترة، إن شاء الله، سيكون في معرض الكتاب القادم، بعد أقل من عام، يكون موجودًا.
منذ مدة، وفي هذه الفترة، أؤلف كتابي "البيان عن تهافت النقد المنسوب إلى أبي بكر الباقلاني على قصيدتي امرئ القيس والبحتري". عنوان الكتاب هكذا بالضبط: "البيان عن تهافت النقد المنسوب إلى أبي بكر الباقلاني على قصيدتي امرئ القيس والبحتري". أنا أكثر شخص في العالم وفي التاريخ يتمنى بل يرجو ألا يكون هذا الكتاب منسوبًا إلى الباقلاني. وهناك من ألف من المعاصرين شكك في نسبته إليه، لا من هذه الجهة، بل من جهة الأسلوب والمستوى وكذا إلى آخره، لا من هذه الجهة.
الباقلاني له كتاب آخر كبير وضخم، اسمه "الانتصار للقرآن". وهو عندي مستواه العلمي أكبر بكثير من كثير من مواضع كلامه في كتاب إعجاز القرآن، وأنا أرجو ألا يكون إعجاز القرآن للباقلاني، ولهذا وضعت هذا الاحتمال في عنوان كتابي؛ قلت: "البيان عن تهافت النقد المنسوب إلى أبي بكر الباقلاني". لا يعنيني إن كان قائله الباقلاني أو غيره، يعنيني مستوى هذا النقد، ومستوى هذا النقد ساقط، ولا أحد يجادل في هذا، ولا أحصي من الأكاديميين في هذا، آخرهم الدكتور سعد المصلوح، في آخر اتصال بيننا قلت له: يا سيدي، هذا النقد الذي كتبه الباقلاني على قصيدتي امرئ القيس والبحتري يجعل القصيدة العادية في عصرنا أجود من القصيدتين لامرئ القيس والبحتري، قال: طبعًا. قلت له: هل ترى أن الناس تخاف من اسم الباقلاني إذا أتت عند هذا النقد وهذا النص فتلتأ؟ قال: نعم، يتنكبونه، يصطدمون بالاسم فيتنكبون الكلام.
أنا لن أصطدم بالاسم، سأصطدم بالنص، سأعامل النص على أنه للباقلاني أو غيره. وإنما طالب العلم والواحد من أهل العلم يعالج كلامًا وعلمًا، لا يعالج أسماء، يعالج كلامًا، وسأعطي هذا الكلام حقه، وأنا أرجو ألا يكون للباقلاني؛ لأن الكلام ساقط في موازين النقد، وهذا ما ينبغي أن يقال وبوضوح وجرأة، لأن الجميع من الدارسين يعلم أنه كلام ساقط.
هناك كتاب آخر عالٍ في المستوى اسمه "الانتصار للقرآن"، قال فيه هذا النص. قال الباقلاني في هذا الكتاب -وهو كتاب كبير بالمناسبة-: «وليس في شيء من الروايات إلى النبي ﷺ، ولا شيء على هذا الباب، وليس في شيء من الروايات في آخر ما نزل إلى النبي ﷺ، وقد يجوز أن يكون قال بضرب من الاجتهاد وتغليب الظن وبظاهر الحال، وليس العلم بذلك أيضًا من فرائض الدين، ولا هو مما نص الرسول على أمر فيه، وأشاعه وأذاعه وقصد إلى إيجابه وإقامة الحجة به، فلذلك لم يجوز ظهوره عنه وحصول الاتفاق عليه وثبوت العلم به قطعًا يقينًا».
وقد يحتمل أن يكون كل قائل ممن ذكرنا يقول: إنما حكم به بأن ما ذكره آخر ما نزل، يعني في خلل في هذه العبارة، في النظم، لا بأس، يقع كثيرًا في كتب أهل العلم حينما يملون أو يرتجلون. وقد يحتمل أن يكون كل قائل ممن ذكرنا يقول: إنما حكم به بأن ما ذكره آخر ما نزل لأجل أنه آخر ما سمعه من رسول الله ﷺ في اليوم الذي مات فيه أو ساعة موته، على بعد ذلك أو قبل مرضه الذي مات فيه بيومين أو ساعة، يعني ربما سمع من النبي ﷺ فظنه آخر ما نزل، وهو لم ينزل الآن، إنما قرأه، وأما آخر ما نزل فقيل قبل مدة.
في نقد ما كتبه الباقلاني، هو يريد أن يقول: ربما سمعه من النبي ﷺ قبل موته فظنه آخر ما نزل، لم يسمعه من قبل، في حين أن آخر ما نزل نزل قبل ذلك بمدة، وأن هذا الذي قاله قبل موته من القرآن الذي نزل وليس آخر ما نزل، بل نزل من قبل من مدة، من أعوام مثلًا. قال: «وقد يحتمل أن يكون كل قائل ممن ذكرنا يقول: يا أخي لأجل أنه آخر ما سمعه من رسول الله ﷺ في اليوم الذي مات فيه أو ساعة موته، على بعد ذلك أو قبل مرضه الذي مات فيه بيومين أو ساعة، وقد سمع منه غيره شيئًا نزل بعد ذلك، وإن لم يسمعه هو لمفارقته له ونزول الوحي بقرآن بعده».
وقد يحتمل أيضًا أن تنزل الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول ﷺ مع آيات نزلت معها، فيؤمر برسم ما نزل معها وتلاوتها عليه بعد رسم ما أنزل أخيرًا وتلاوته، فيظن سامع ذلك أنه آخر ما نزل في الترتيب أو أنه آخر ما نزل. ويحتمل أيضًا إلى آخر ما ذكره من وجوه، يعني ظل الباقلاني يذكر وجوهًا كثيرة لهذه الأقوال.
يحسن هنا تلخيص أشهر ما قيل في ذلك، الذي ظهر لكم أنه لا يتعارض، وإنما هي اجتهادات. هناك أقوال متروكة لشدة ضعفها كمذهب الجويني، أن آخر ما نزل قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأعراف: 33]، والسورة مكية باتفاق، ولم يرد ما يستثني الآية، فهذا القول وإن قال به الجويني فهو قول ساقط لا يعتبر، لأن السورة مكية باتفاق، ولم يرد ما يستثني الآية، فهذا قول غير معتبر. أما أن آخر ما نزل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 281] من سورة البقرة.
أو أنه آيات الربا، فليس بقولين عند التحقيق، وإنما هو نزول واحد تضمن آيات الربا المختومة بالأمر بالتقوى. وقد ثبت نزول القرآن آية وآيتين وثلاث آيات وسورة تامة، فهذا قول في قول، قول واحد. فكل موضع من المجموع النازل يصدق أنه آخر ما نزل.
وأما أن آخر ما نزل قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: 176]، فالآية من سورة النساء، فهي الأخيرة من سورة النساء، وهو قول البراء بن عازب رضي الله عنه، فتلك آخرية مقيدة بالفرائض. أي آخر ما نزل من الفرائض، فهمتم؟ آخر ما نزل من الفرائض.
وثمة أقوال أخرى، يمكن تقييدها كتصريح عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الوارد في صحيح مسلم أن آخر سورة نزلت هي ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1]، فيقيد بنزول السورة كاملة، يقيد ذلك بنزول آخر ما نزل سورة كاملة، أو السور القصيرة. وربما أضيف أن هذه السورة، وربما معها سورة الكوثر، هي السورة القصيرة المدنية الوحيدة.
وأما ما لا يمكن تقييده بقيد قريب يحمل على أنه جواب للقائل بما عنده من العلم، كما نقل البيهقي ذلك، أما قولي بعد ذلك: "وليس من الفرائض فلا مطعن به"، هذا كلام القاضي الباقلاني رحمه الله بعينه؛ لم يفرض علينا تعلمه، فلا ينبغي أن ينشأ الخلاف فيه طعنًا على من خالف، لأنه إذا كانت مهمات المسائل المفروضة لا يطعن بالخلاف فيها إذا ساغ، فما لم يفرض يكون كذلك من باب الأولى.
في الأخير، الأمر له علاقة بما ذكرته في أول الكلام حول ترتيب المصحف؛ أذكركم بأن ترتيب المصحف ترتيب اجتهادي على مذهب الجمهور. فكذلك مسألة آخر ما نزل وأول ما نزل هي أقل أهمية في ذلك، لأنها لا تخرج عن مسألة تفرق النزول، وأنه ينزل لحكمة ولحاجة معينة، وبمجرد النزول وسد الحاجة انتهت الحكمة التي لأجلها نزل هذا القدر من القرآن في هذا الموضع.
بعد ذلك تنتظم الآيات في مكانها من المصحف أو من السورة؛ في المقدمة، في أول السورة، في وسطها، في آخرها. الآيات نزلت في الأول، نزلت في الأخير، نزلت في الأثناء، نزلت مكية، نزلت مدنية، تأخذ مكانها في السورة. وقضية أول ما نزل وآخر ما نزل، وقضية المكي والمدني، هذه قضايا تنتهي بالنظر إلى المصحف على أن السورة فيه وحدة كاملة أراد الله تعالى بها توقيفًا بالإجماع على هذه الهيئة.
وانتهينا هنا من المكي والمدني، وانتهينا من قضية أول ما نزل وآخر ما نزل، وما الذي يسبق في النزول وترتيب النزول، والقصة التي ذكرتها في المحاضرة الماضية. أما ترتيب السور في المصحف فهذا كما سيأتي معنا إن شاء الله في أبواب آتية، الكلام فيها على أنها اجتهاد من الصحابة وأنها أفضلية وليست لازمة، وقد اختلفت مصاحف الصحابة في ترتيب هذه السور.
إلى اللقاء غدًا إن شاء الله تعالى، شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، رضي الله عنكم. شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. رضي الله عنكم مولانا. رضي الله عنكم. مولانا فقط ذكرني في رسالة بيننا شيخ خير الدين على بكلام عبد الله الطيب، ربما الآن لا يذهب ذهني إلى الموضع. في أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد