غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الكرام في مجلس يتجدد بنا في التعليق على كتاب جامع بيان العلم وفضله للإمام العلامة ابن عبد البر الأندلسي عليه رحمة الله تعالى.
هذا الكتاب وهذا السفر بإذن الله لعلنا نختمه اليوم ونمر على أفكاره التي تبقت منه. كتاب مبارك نافع لكل طالب علم ينشد أن يفهم وأن يتصور هذا الطريق قبل أن يخوض فيه. هذا الكتاب أيها الكرام يوقف طالب العلم على آداب التعلم، يوقفه على مهارات التعلم، يوقفه على منهجية التعلم، يوقفه على طريقة السلف رضوان الله تعالى عليهم في خوض هذه الرحلة الشاقة؛ فإن طلب العلم رحلة منذ أن تخطط أن تدخل فيها إلى أن تلقى الله سبحانه وتعالى، رحلة لا نهاية لها.
لذلك حتى إن بعض السلف كان يقول إننا لنرجو أن نطلب العلم في الجنة؛ حتى في جنات النعيم. قال بعضهم: إنني لأرجو أن أطلب العلم في الجنة. وهذا هو العشق للعلم، والعشق للمعرفة، والعشق لكل ما يقودك إلى الله سبحانه وتعالى، يجعل الإنسان دائما يحب أن ينظر في طرائق الأوائل الذين كانوا أحكم منا وأعدل منا وأمتن منا في هذه الرحلة الشاقة؛ كيف وصلوا وكيف نجحوا. لا بد وأن تضع غرزك على غرزه، وأن تخط حياتك العلمية على الطريقة التي خطوا عليها حياتهم؛ فهم وصلوا لأنهم سلكوا المسالك الصحيحة رضوان الله تعالى عليهم. ونحن إنما تقصر بنا هذه المسالك لجهلنا بها وعدم اطلاعنا عليها، أو قد نعرفها ولكننا لا نتمسك بها ونحاول أن نخترع طرقا جديدة لطلب العلم فنفشل.
هذا الطريق طريق مسلوك واضح كما قالوا، والإنسان عليه أن يسلك الطرق المسلوكة لأنها هي التي توصل. أما الذي يذهب في الصحراء هكذا، طريق والله يوصل إلى عمان، من عمان إلى العقبة، معروف إذا دخلت فيه تصل. بعض الناس يقول لك: لا أنا لن أسلك الطريق الذي يسلكه الناس. فتقول يا أخي هذا يوصل، سلكه الآلاف ووصلوا، يقول لك: لا، أنا أخترع طريقة جديدة. فيذهب في الصحاري ويحاول أن يصل، فإذا وصل بالكاد، بعد أن يكون ضيع ردحا من العمر والوقت وهو يحاول أن يفتش عن طرق جديدة. لذلك دائما اسلك ما سلك الأوائل، وكيف أعرف طريقة الأوائل؟ بالنظر في مثل هذه المصنفات التأسيسية التي توقفك على هذا الطريق. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا مناهج السلف، وأن يوقفنا عليها، وأن يرزقنا التمسك بها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
نشرع في مجلس اليوم، بسم الله. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ولجميع المسلمين، آمين.
ساق المصنف بإسناده رحمه الله تعالى إلى معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: «يا معشر العرب، كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع أعناقكم، وزلة عالم، وجدال منافق بالقرآن؟». فسكتوا، فقال: «أما العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وإن افتتن فلا تقطعوا منه آناءكم، فإن المؤمن يفتتن».
ثم العالم: فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، ما معنى ذلك؟ يعني حتى لو وثقت بعالم لا تظن وتعتقد أن هذا العالم كل ما يقوله صواب، فتقلد في كل شيء؛ لأن بعض الناس إذا أعجب بشيخ أو عالم قلده دينه. ما معنى قلده دينه؟ يقول كل ما يقوله هذا العالم سآخذ به. يقول لك: هذا خطأ، حتى لو أعجبت بعالم أو وثقت بعلمه وفكره ونضجه وظهرت عليه سمة الاهتداء، في النهاية لا تقلده دينك؛ يعني لا تعتقد أن كل ما سيقول بعد ذلك صواب. كن واضعا فكرة أنه هذا العالم يمكن أن يزل، وجود هذه النظرية عندك وتقبلك زلة العالم هذه ستجعلك عندما ترى زلة العالم تقف ولا تتعصب؛ فإن كثيرا من طلاب العلم اليوم يتعصبون لمشايخهم، لماذا؟ لأنه لا يتصور أن شيخه يمكن أن يخطئ، ولا يريد أن يقنع نفسه بذلك، بل يحاول أن يطرد هذه الفكرة عن عقله. لا، لا يمكن شيخي أن يخطئ. لماذا تحاول أن تنازع الفطرة وتنازع نفسك؟ الشيخ يمكن أن يخطئ، فلا تحاول أن تطرد هذه الفكرة عنك.
لذلك ماذا قال؟ قال: «أما العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم»، يعني لا تعتقد أن كل ما سيقوله بعد ذلك سيكون صوابا. الأصل أنه صواب نعم حتى يظهر الخطأ بالتدقيق، لكن دعك من التعصب. هذه فكرة مهمة. قال: «وإن افتتن»، طب بالعكس إذا العالم افتتن وظهرت منه فتنة، ايش قال؟ «فلا تقطعوا منه آناءكم»، يعني شوي شوي عليه، قد يراجع الحق، لعلها زلة لسان، لعلها هفوة، لعله لم يقصد، لعلك فهمته خطأ. فبعض الناس في المقابل يسرع في إسقاط المشايخ والعلماء لهفوة أو لزلة صدرت. كن متوازنا، لا يكن حبك يعميك ولا يجعلك تقطع الإنسان، يكون متوازنا نفسيا طالب العلم في التعامل مع المشايخ الفضلاء.
قال: «وأما القرآن فله منار كمنار الطريق لا تخفى على أحد، فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه، وما شككتم فكلوه إلى عالمه».
وأما الدنيا، طيب، هذا تعليقه على الخصلة الثانية وهو جدال منافق بالقرآن. وما أكثرهم اليوم الذين يتصدرون على وسائل التواصل الاجتماعي ممن يسمى بالمثقفين، يحاول طرح القضايا الدينية بطريقة جديدة خلاف منهج السلف، ويستدل على رأيه بماذا؟ ويتعلق بآيات من القرآن؛ فهو رجل يريد أن يفسد على الناس دينهم. مثلا تجد بعض الناس يتكلم عن الاختلاط وإباحته، وأنه لماذا أنتم ترفضون مثل هذه المظاهر؟ ويبدأ يستدل بآيات، ويستدل بقصة امرأتين تذودان، قال: «ما خطبكما؟ قالت لا نسقي»، فهاتان امرأتان كانتا تعملان في أماكن يعمل فيها الرجال؛ يعني هو يأتي إلى أي آية بالقرآن يوظفها لخدمة ماذا؟ أفكاره الضالة. فهذا معنى جدال منافق بالقرآن، إنسان منافق يريد أن يهدم الشريعة ولكنه لا يستطيع أن يواجه المشايخ والدعاة مباشرة، فلا بد وأن يأتي بشبهة دليل من آية قرآن أو حتى من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، يحاول أن يظهر للناس أن كلامه صحيح.
والمشكلة أن العوام ينطلي عليهم ذلك؛ يعني كثيرا، وأنا لا أذكر الأسماء، عموما كثير منهم من العوام تناقشه، يا أخي هذا الشيخ الذي تمدح ترى أفكاره مغلوطة، يقول لك: يا شيخ، طب هو يقول بالقرآن مثلك مثلي، يعني هو يستدل بالقرآن، كيف ستقنع العامي أنه يا أخي هذا يلعب بالقرآن؟ هو لا يستدل بالقرآن، العامي لا يمتلك منهجا ليعرف به من الذي يستدل حقيقة ومن الذي يلعب. فالمشكلة أن المنافق الذي يستعمل القرآن ليخدم فكره، مشكلة المنافق الذي يتصدر على الإعلام ويوظف القرآن ليخدم فكره، أنه يضحك على من؟ على العوام. ولذلك كثير من العوام اليوم مفتونون برموز يظنونهم رموزا دعوية وهم في الحقيقة أقرب إلى النفاق منهم إلى الإيمان، والسبب في ذلك تلاعبهم بثوابت الشريعة وتوظيفهم للنصوص بطريقة فيها هوى.
لذلك ما هو الحل عند معاذ بن جبل؟ يقول لك كيف تحل هذه المعضلة؟ ماذا يقول؟ قال معاذ: «وأما القرآن فله منار، كمنار الطريق»، قديما الطرقات كانوا يضعون عليها ماذا؟ منارات. تعرفوا المنارة العالية؟ ترونها منارة عالية وفيها أضواء حتى تضيء الطريق. فيقول لك القرآن فيه قواعد كلية، إذا أنت فهمتها سينير لك كل شيء، وبالتالي لا ينطلي عليك كلام المنافق الذي يجادل بالقرآن. يعني من عرف القرآن وعرف كليات القرآن سيعرف يجيب عن كل الشبهات التي يثيرها أهل النفاق بأي آية من القرآن. إذا: «وأما القرآن فله منار كمنار الطريق لا يخفى على أحد»، يعني حتى العامي إذا فهم أصول القرآن لا يحتاج أن يكون مفسرا، إذا فهم طريقة القرآن ومعنى الآيات عموما سيعرف ما هو مقبول شرعا وما لا يمكن أن يكون مقبولا شرعا حتى ولو كان عاميا، بس بشرط أنه يفهم مجمل القرآن وكلياته.
نعم، هذا معاذ بن جبل، موقوف طبعا هو موقوف من كلام معاذ بن جبل، وهو حديثه حسن موقوف.
قال: «وأما الدنيا فمن جعل الله الغنى في قلبه فقد أفلح، ومن لا فليس بنافعه دنياه».
إذا قلنا: «الدنيا تقطع أعناقكم»، هي كناية عن ماذا؟ الفقر، نعم، الفقر. قال: «فمن جعل الله الغنى في قلبه فقد أفلح، ومن لا فليس بنافعه دنياه». إذا قلنا تقطع أعناقكم بمعنى الفقر، كان يتنبأ عن الفقر، فيكون مراد معاذ بن جبل: «وأما الدنيا فمن جعل الله الغنى في قلبه فقد أفلح». الغنى في قلبه يعني القناعة؛ أنني أقنع بما رزقني الله سبحانه وتعالى، «ومن لا فليس بنافعه دنياه». وأما من ليس في قلبه غنى ولا قناعة لن ينتفع من هذه الحياة، بل سيبقى يطلب ويريد ويتأسف على ما فاته منها، فهو دائما متعلق بها، والله لو كان له واديان لتمنى واديا ثالثا، وهكذا الإنسان. نعم، فالقناعة كنز.
قال عن سلمان رضي الله عنه: «كيف أنتم عند ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم؟ فإما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وأما مجادلة منافق بالقرآن فإن للقرآن منارا كمنار الطريق، فما عرفتم منه فخذوه، وما لم تعرفوه فكلوه إلى الله». هنا قال: «فكلوه إلى الله»، سلمان قال ماذا؟ فكلوه إلى الله، في حديث معاذ ايش قال؟ فكلوه إلى عالمه. شوف الفرق بين رواية سلمان ورواية معاذ، رواية معاذ أعم شوي، صح؟ فكلوه إلى عالمه، يعني ممكن يدخل فيها إلى العلماء الربانيين، وهذا هو الصواب؛ لأن القرآن لا يوجد فيه شيء غير مفهوم تماما، القرآن إنما نزل ليكون ماذا؟ بيانا للناس، فلا توجد آية في القرآن توقف العلماء عندها، قال: والله هذه الآية غير مفهومة، صح؟ كل القرآن مفهوم، لكن هناك ما هو مفهوم للعامة والعلماء، وهناك ما هو مفهوم للعلماء؛ فما أشكل على العامة فيما ليس مفهوما لديهم يكلوه إلى العلماء.
قال: «وأما الدنيا تقطع أعناقكم فانظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم». آه، هذا يؤكد أن المراد الدنيا التي تقطع الأعناق هو الفقر، لأنه قال: إذا افتقرت كانه يقول أما إذا افتقرت وشعرت أن الدنيا لا تأتيك ماذا تفعل؟ قال: انظروا إلى من هو دونكم، انظر إلى من هو أفقر منك، فهذا يهون عليك مصيبتك، ولا تنظر إلى من هو أعلى منك مالا ودخلا حتى لا تتأسف، فهذا يعني معنى الكلام.
قال: «وشبه العلماء زلة العالم بكسارة السفينة؛ لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير». نعم، حقيقة قضية زلة العالم اليوم وحتى عندما يحصل في الأمة أي حدث وأي نازلة مثل حادثة غزة أو غيرها من الأمور، ترون أن أي إنسان متصدر ولو كان عالما له جمهوره، إذا قال كلمة يتبعه الآلاف؛ يعني الآلاف يتبعونه لثقتهم بشيخنا وأستاذنا وهو درس وتعلم. ففعلا، العالم إذا زل كارثة؛ العالم إذا زل كارثة لأنه الذي يتبعك ليس أهل مسجد أو أهل منطقة معينة، يتبعك الآلاف من طلاب العلم أو المشايخ أو الشباب. ففي الحقيقة لذلك دائما نقول أهمية أن طالب العلم يهدأ قليلا قبل أن يتصدر؛ لأنك إذا تصدرت وأنت لست كفئا ولست مستعدا لتدفع ثمن التصدر ستكون كارثة على هذه الأمة. فزلة العالم فعلا خطيرة.
قال: «وإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ لم يجز لأحد أن يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه». نعم، يعني الأصل هو كما قلت لك ابن عبد البر يؤكد، إذا ثبت أن العالم يزل ويخطئ، إذا جاء عن عالم كلام مش مفهوم أو غير واضح لا يجوز أن تتبعه حتى تعرف وجه كلامه، يعني دليله لا يعرف وجهه؛ أي دليله. فيقول لك إذا سمعت من عالم كلام غير واضح أو غير متوقع منه أو كما قال لك يعني ليس عادته هو في أن يفتي، فأقول لا، دقيقة شيخ، أعطيني تفسيرا لهذا القول الذي انتهجته أو القول الذي سرت عليه، حتى أطمئن أنه كلامك قائم على أدلة وليس عن هوى.
جميل، وبإسناد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول: «اغدُ عالما أو متعلما، ولا تغدُ إمعة فيما بين ذلك». نعم، إن الإنسان يجب عليه أن يكون في الدنيا إما عالما إذا وصل، أو على الأقل تكون ماذا؟ متعلما، ولا تغدُ إمعة؛ الإمعة الذي كلما سمع ناعق تبعه، وكلما سمع جماعة طار معها، فكن مع المهزوز الذي ليس هو لا عالما ولا متعلما، وإنما مع الهيشات، فهمتم.
سألت سفيان عن الإمعة، فحدثه بإسناده عن ابن مسعود قال: كنا ندعو الإمعة في الجاهلية الذي يُدعى إلى الطعام فيذهب معه بغيره، وهو فيكم اليوم المحب بدينه الرجال، الذي يبقى مع الرجال؛ كلما كما قلت لكم خرج رجل بدين أو بفكرة أعطاه دينه، اليوم خرجت الجماعة الفلانية أنا معها، اليوم خرجت الطائفة في المشرق أنا معها، اليوم خرجت الطائفة في المغرب أنا معها؛ لا أخي ما ينفعش، دينك تعلقه للرجال لا يصلح. أما قديماً في الجاهلية كان الذي يذهب كما قال: الذي يُدعى إلى طعام فيذهب معه بغيره، يعني أنا عزمت الشيخ عمار وما عزمت الشيخ معه، راح عمار جاب الشيخ معه بدلاً ما يقول لي.
وبإسناد عن ابن عباس قال: ويل للأتباع من عثرات العالم. قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئاً برأيه، ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله صلى الله عليه وسلم، فيترك قوله ذلك ثم يمضي الأتباع.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد النخعي -وهو حديث مشهور عند أهل العلم يستغني عن الإسناد لشهرته عندهم-: يا كميل، إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق؛ هم الإمعة، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق. ثم قال: إن هاهنا لعلماً -وأشار بيده إلى صدره- لو أصبت له حملة. يعني هو يقول: أنا عندي علم يا ليت جاء الطلاب يحملونه. قال: بلى، لقد أصبت لقناً غير مأمون، يستعمل الدين للدنيا، ويستظل بحجج الله تعالى على كتابه وبنعمته على معاصيه.
أف، بعدين هو كأنه حزين أن بعض الناس الذين يأخذون العلم يأخذونه ليصيبوا به من الدنيا ويوظفوه للدنيا، فيقول: بلى، أصبت من يحمل هذا العلم، لكن أصبت ماذا؟ قال: لقناً -من هو اللقن؟- هو للأسف يختلس الدين للدنيا، يعني هو فهمان لكنه غير مأمون، يستعمل الدنيا للدين، ويستظهر بحجج الله على كتابه. ايش يعني؟ شو يعني يستظهر بحجج الله على كتابه؟ كيف يمكن يفهم هذا النص؟ يعني ايش السلبي أنه يستظهر بحجج الله على كتابه؟ يعني هو يستعمل حجج الله عز وجل على الكتاب نفسه لينقض القرآن بالقرآن؛ أحسنت، يعني كأنه يناقض القرآن بالقرآن، يأتيك لآية في جهة ينقض بها آية أخرى في جهة أخرى، أو يأتي مثلاً يقول لك: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾، يا أخي فعفواً عنهم واصفح، مش ربنا قال للنبي صلى الله عليه وسلم؟ أخي ماشي، بس في آيات أخرى تقول: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، ليش تقرأ آية وتنسى الآية الثانية؟ تمام، فهو يعني هذا تقريب للصورة أنه كيف يأخذ بالقرآن لينقض مكاناً آخر في القرآن، وهذا نوع من اللعب، باختصار اللعب والتلاعب بنصوص الله سبحانه وتعالى.
وبنعمته على معاصيه؛ أف، نعم يستعمل النعم، يستعين بنعم الله على فعل المعاصي؛ أف لحامل حق لا بصيرة له، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا يدري أين الحق، إن قال أخطأ، وإن أخطأ لم يدرِ، مشغوف بما لا يدري حقيقته، فهو فتنة لمن افتتن به، وإن من الخير كله من عرفه الله دينه، وكفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف دينه. نعم، فالبصيرة في الدين والله نعمة، البصيرة في الدين التي تجعلك تعرف الفتنة عندما تُقبل وعندما تذهب، هذا أفضل من الذي لا يعرف الفتنة إلا بعد زوالها ويكون قد غرق فيها.
وبإسناد عن الحارث الأعور قال: سُئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن مسألة، فدخل مبادراً ثم خرج في حذاء ورداء وهو متبسم، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنك كنت إذا سُئلت عن المسألة تكون فيها كسكة المحماة. قال: إني كنت حاقناً، ولا رأي لحاقن. يعني وعلي بن أبي طالب كان سُئل عن مسألة علمية فدخل إلى البيت، وهكذا دخل إلى البيت وخرج ومعه وفي، ثم خرج في حذاء ورداء وهو مبتسم، فقيل له: لماذا أخرت الفتوى؟ إحنا عادةً كنا نسألك فتكون كالجالس على الجمر، تريد الجواب مباشرة. فقال لهم: أنا كنت محتاج إلى دورة المياه باختصار، فلا يحسن لي أن أفتي وأنا حاقن، والحاقن هو الذي يحتاج إلى دورة المياه، يذهب ليبول، فقال: إنني كنت حاقناً ولا أرى لحاقن أن يفتي، لا يصلح له.
ثم أنشأ يقول: إذا المشكلات تصدين لي.. كشفت حقائقها بالنظر فإن برقت في مخيلة صوابي.. عمياء لا يجتليها البصر مقنعة بغير أوبة.. الأمور وضعت عليها صحيح الفكر لساناً كشقة الأرحبِي.. أو كالحسام اليماني الذكر وقلباً إذا استنته الفنون.. أبر عليها بواهٍ درر ولست بأمعة في الرجال.. أسائل هذا وذا ما الخبر ولكنني مضرب الأصغرين.. أبين مع ما مضى ما غبر
قال أبو علي: المخيلة السحاب يُخال فيه المطر، والشقشقة ما يخرجه الفحل من عند هياجه، ومنه قيل لخطباء الرجال: شقاشق، وأبر زاد على ما تستنطق، والإمعة الأحمق الذي لا يثبت على رأي، والمذرب يعني الحدة عندي حدة وذكاء في اللسان وفي القلب.
قال أبو عمر: من الشقشقة ما رواه بإسناده عن أنس رضي الله عنه أن عمر رأى رجلاً يخطب فأكثر، فقال عمر: وإن كثيراً من الخطب من شقاشق الشيطان. إذاً الشقشقة هذا ما استعمله الصحابة رضوان الله عليهم، طبعاً هو فسرها، أصلها في اللغة ماذا؟ ما يخرج من فم الفحل؛ الفحل تعرفون فحل الجمال، ما يخرج منه عند هيجانه من الزبد، وهذا يقال لكل إنسان يتكلم هكذا ويهري وهو غير منضبط بطريقة غير منضبطة ويتشدقون.
وبإسناد عن علي رضي الله عنه قال: إياكم والاستنجاء بالرجال، فإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت وهو من أهل الجنة، فإن كنتم لا بد فاعلين فبالامتحان. فلذلك كان دأبهم يقولوا: اقتدوا بمن مضى ولا تقتدوا بالأحياء؛ بمعنى لا تثق أنه لن يُفتن، فإنه لا يؤمن على حي فتنة، فهذا معنى قول: إياكم والاستنجاء بالرجال الأحياء. طيب كيف يعني لا أستنجي ولا أسير؟ طيب ايش أعمل بمشايخي وأساتذتي؟ أنت تتبعهم وتحبهم وتسير على خطاهم، لكن المراد أنني في النهاية لا أجزم لهم أنهم سيموتون على هذا، ولا أعطيهم الثقة التامة والعلامة الكاملة؛ فهذا عند الله سبحانه وتعالى، كل واحد لا يعطي نفسه العلامة الكاملة حتى يعطي غيره.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً؛ إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أُسوة في الشر. هي نفس الفكرة؛ لا أحد يدندن أن مهما كان الشخص عالماً باختصار وله منزلة في ألا يتصور منه الخطأ، فأنت في النهاية تتبع الرجل على قدر اتباعه للسنة، وأما إذا رأيت منه لخبطة بدأت تخرج في تصرفاته وأقواله، لا قف وسطر جديد.
وأنشد الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن عمر بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لنفسه -وكان أفضل أهل بيته وزمانه في وقته-: تريد تنام على ذي الشبه.. ولعلك إن نمت لن تنتبه فجاهد وقلد كتاب الإله.. لتلقى الإله إذا مت به فقد قلد الناس رهبانهم.. وكل يجادل عن راهبه وللحق مستنبط واحد.. وكل يرى الحق في مذهبه ففيما أرى عجب.. غير أن بيان التفرق من أعجبه
قال: وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مما قد ذكرناه في كتابنا هذا أنه قال: ﴿تَذْهَبُ الْعُلَمَاءُ ثُمَّ يُتَّخَذُ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا يُسْأَلُونَ فَيُفْتُونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ﴾ [متفق عليه]. قال: وهذا كله نفي للتقليد وإبطال له لمن فهمه وهُدي لرشده.
وبإسناد عن سفيان قال: طبعاً التقليد لا بد منه للعوام، نرجع نقول إنه بعض الناس قد يفهم أنه أنا لا أقلد، لا، أنت كعامي أو كطالب علم لا بد وأن تتبع العلماء، لكن نرجع نقول ليس الاتباع الأصم الأعمى، الاتباع المتوازن؛ يعني أنا واضح أن هذا الرجل يسير على خطى مفهومة واضحة، فعندئذ أطمئن، متى شعرت أنه بدأ ينحرف أترك، فلا يوجد شيء اسمه التقليد على كل أحواله ولا أفكر، لا، حتى وأنت تقلد تفكر، حتى وأنت تقلد أيها العامي أو أنت أيها الطالب الناشئ، تفكر هل هذا الرجل متوازن في تصرفاته ولا غير متوازن؟ هذا الشيخ هذا الذي أثق به، فلا يوجد شيء اسمه التقليد الذي لا يفكر فيه الإنسان أبداً، لا بد من بقاء هذه المسافة.
وبإسناد عن سفيان بن عيينة قال: اضطجع ربيعة مقنعاً رأسه وبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: رياء ظاهر وشهوة خفية. مقنعاً رأسه يعني يغطي رأسه، ويبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: رياء ظاهر وشهوة خفية، والناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم؛ ما نهوه عنه انتهوا، وما أمروهم به ائتمروا. يعني هو يجلد نفسه أنه أنا عالم وأعاني من الرياء وأعاني من شهوات خفية، وهؤلاء مساكين الطلاب بين يدي؛ ما أمرتهم ائتمروا وما نهيتهم انتهوا، فهو يجلد نفسه ويخشى من أن يبطل عمله أو أن يؤثر سلباً على طلابه رحمهم الله.
وقال أيوب رحمه الله: ليست تعرف خطأ معلمك حتى تجالس غيره. هذه فكرة مهمة في مهارات طلب العلم، وهي أن طالب العلم يجب أن لا يبقى عند شيخ واحد، بل يسمع من أكثر من معلم وشيخ، لماذا؟ لأنك لن تعرف خطأ شيخك حتى تسمع من غيره، أما الذي فقط يعتقد أنني أجلس على شيخ واحد طوال عمري ولا أسمع من غيره من الشيوخ، طيب إذا شيخك أخطأ كيف ستعرف خطأه؟ لن تعرف خطأ الشيخ حتى تسمع من عالم آخر قال المعلومة نفسها بطريقة أخرى وبشكل آخر أو فتوى أخرى، وتبدأ أنت تفهم: آه والله، شيخي إذا أخطأ لما قررها، ذاك الرجل كان أكثر دقة منه، وهكذا.
وقال عبد الله بن المعتز: لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يُقاد. يعني ابن المعتز يقول لك: الإنسان المقلد تماماً والبهيمة التي يقودها هي نفس الشيء.
قال: وهذا كله لغير العامة، فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها لأنها لا.
تتبين موقع الحجة ولا تصل لعدم الفهم إلى علم ذلك؛ لأن العلم درجات، لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها، وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة، والله أعلم.
قال: لأن العلم درجات، لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها. ما معنى هذا الكلام؟ أي: صعد لأعلى الهرم دون أن يصل. فكأنه يقول: العامي لا يمكن أن يصل إلى الأفكار والمنتجات النهائية والفتاوى النهائية ويحكم في النوازل؛ لأنه يفقد الأصول. العلم درجات، أنت كعامي لا تستطيع الوصول إلى النتائج لأنك تفقد الأصول الأساسية التي هي أسفل البناء، فلا يجوز للعامي أن يخوض في دين الله؛ لأنه يفقد الأصول التي تبنى عليها النتائج، أما العالم لأنه أتقن الأصول وفهمها ودرسها وجلس سنوات، هذا يتوقع منه الوصول إلى النتائج.
قال: ولم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المراد بقول الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بخبره بالقبلة إذا أشكلت عليه، فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه. نعم، الإنسان الأعمى إذا أشكلت عليه القبلة سيسأل البصير، فكذلك العامي هو أعمى البصيرة، فعليه أن يسأل العالم الذي هو مستيقظ البصيرة.
قال: وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا، وذلك والله أعلم لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم والقول في العلم، يعني جهل بالمعاني أي بعلل الأحكام التي يبنى عليها التحريم والتحليل وما شابه ذلك.
قال: وقد نظمت في التقليد وموضعه أبياتاً رجوت في ذلك جزيل الأجر لما علمت أن من الناس من يسرع إليه حفظ المنظوم ويتعذر عليه المنثور، بل هم الأكثر من طلاب العلم، يسهل عليه حفظ المنظومات ويصعب عليه حفظ المنثور، أي الكلام النثري. فيقول وهي من قصيدة لابن عبد البر في الكلام عن التقليد: يا سائلي عن موضع التقليد خذ عني الجواب بفهم لُبٍّ حاضري وأصغِ إلى قولي ودن بنصيحتي واحفظ عليّ بوادر ونوادر لا فرق بين مقلد ومهيم تنقاد بين جنادل ودعائر تباً لقاضٍ أو لمفتٍ لا يرى عللاً ومعنى للمقال السائر فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة المبعوث بالدين الحنيف الطاهر ثم الصحابة عند عدمك سنةً فالك أهل نُهى وأهل بصائر وكذاك إجماع الذين يلونهم من تابعيهم كابراً عن كابر أجمع أمتنا وقول نبينا مثل النصوص لدى الكتاب الزاهر وكذا المدينة حجة إن أجمعوا متتابعين أوائل بأواخر
وكذا المدينة حجة، أي إجماع أهل المدينة حجة، لكن هذا على رأي ابن عبد البر لأنه يسير على خطى المالكية، لكن الجمهور يخالفونه في بعض تفاصيل ذلك. قال: وإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد ومع الدليل فمل بفهم وافر وعلى الأصول فقس فروعك لا تقس فرعاً بفرع كالجهل الحائر والشر ما فيه فديتك أسوة فانظر ولا تحفل بذلة ماهر
فانظر ولا تحفل بذلة ماهر، يعني لا تغتر بزلة العلماء، فالعالم قد يزل.
وبإسناد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، ومن استشار أخاه فأشار عليه بغير رشدة فقد خانه، ومن أفتى بفتيا من غير تثبت فإنما إثمها على من أفتى». يعني العامي الذي استفتى، سأل وهو ظن هذا عالماً فسأله فأفتاه، وهذا الذي تصدر هو في الحقيقة غير ثبت وغير عالم، فمن على من الإثم؟ العامي أخذ بقول إنسان متصدر ظنه العامي المسكين عالماً فسأله فأفتاه. طبعاً الفتوى غلط، من الذي سيتحمل النتيجة؟ ليس العامي؛ لأنه جهل وغُرِّر به، وإنما هذا الذي أفتى وصدر نفسه للفتوى وهو ليس أهلاً لها. هذا معنى «ومن أفتى بفتيا من غير تثبت»، يعني عن شخص غير عالم غير محقق وهو جهل الناس وأقنعهم أنه عالم، فإنما إثمها على من أفتاه، يعني على الذي صدر نفسه، أما العامي فلا يكلفه الله.
والذي بعده نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من أفتى بفتيا وهو يعمى عنها كان إثمها عليه. وقد يعمى عنها، يعني يعمى عن حقيقتها؛ أي أفتى وهو ليس فاهماً لها، بالتالي إثمها عليه.
قال: وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية بعد ما تقدم، فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني رحمه الله، وأنا أرده: يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة فيما حكمت به؟ فإن قال: نعم، أبطل التقليد؛ لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد. وإن قال: حكمت فيه بغير حجة، قيل له: فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟ قال الله عز وجل: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ [الصافات: 156] أي من حجة بهذا.
قال: فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف حجة؛ لأني قلدت كبيراً من العلماء وهو لا يقول إلا بحجة خفيت عليَّ. قيل له: إذا جاز لك تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليه، فإن قال: نعم، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإن أبى ذاك نُقض قوله، وقيل له: كيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علماً ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علماً؟ وهذا متناقض. فإن قال: لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه، فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما أهمل. قيل له: وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه، فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك، وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك.
فإن أعاد قوله جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابعي، والتابعي من دونه في قياس قوله، والأعلى الأدنى أبداً. وكفى بقول يؤول إلى هذا قبحاً وفساداً. هذا قول آل إلى أن الصحابي يلزمه أن يتبع التابعي، وهذا قول بين فساده. لكنه يريد أن يقول أهمية أن الإنسان لا يبقى مقلداً، وأن الإنسان عليه أن يصل إلى مرحلة الاجتهاد ويأخذ من المنابع الصافية ولا يعتقد أن معلميه المعاصرين هم أعلم ممن قبله.
قال أبو عمر: وقال أهل العلم والنظر: حد العلم التبيين وإدراك المعلوم على ما هو فيه، فمن بان له شيء فقد علمه. قالوا: والمقلد لا علم له، ولم يختلفوا في ذلك. ومن هاهنا والله أعلم قال البحتري في محمد بن عبد الملك الزيات: عرف العالمون فضلك بالعلم وقال الجهال بالتقليد وأرى الناس مجمعين على فضلك من بين سيد ومسود
وقال أبو عبد الله بن خويز منداد المصري المالكي: التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وهذا ممنوع منه في الشريعة، واتباع ما ثبتت عليه حجة. حقيقة هذا التعريف للتقليد ليس هو التعريف المشهور عند الأصوليين؛ لأن هذا التقليد الذي يحكي عنه هو الممنوع.
لا يجوز، فهذا التقليد الذي عرفه ابن خويز منداد وهذا ممنوع منه في الشريعة. كلام صحيح، وهو نفسه قال لك هذا التقليد أن تتبع قولاً لا حجة لصاحبه عليه؛ جائز ولا حرام؟ حرام. لأنه أي قول سآخذ به لا بد أن قائله له حجة، سواء فهمت أم لم تفهم، لكن لا بد وأن يكون له حجة. قال: وأما الاتباع ما ثبت عليه حجة، كان ابن خويز منداد يرى أن اتباعنا للمذاهب لا يسمى تقليداً. ابن خويز منداد يرى أن اتباعنا للمذاهب لا يسميه تقليداً، ليش؟ هو خلص رأى أن إذا اتبعت إنساناً له حجة حتى ولو لم تفهمها أنت لا تسمى مقلداً، تسمى متبعاً. طبعاً هذا اصطلاح خاص، خلينا نقول به، أنه هو يفرق بين التقليد والاتباع، فيجعل التقليد دائماً حراماً والاتباع هو الصحيح. طب ما الفرق؟ التقليد أن تأخذ قولاً لا حجة عليه، والاتباع أن تأخذ قولاً عليه حجة. طبعاً هذا اصطلاح كما قلت، لكن ليس هو المعمول به في كتب أصول الفقه.
وقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح. وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع. يعني هذه فكرة أخرى، مرة أخرى ابن خويز منداد يرى أن التقليد لا يجوز، وإنما الذي يجوز هو الاتباع. لكن هنا ماذا يقول؟ كل شخص اتبعته ولم يقم دليل على أنه يجوز اتباعه فأنت مقلد، هكذا. كل شخص أنت اتبعته ولم يقم دليل على مشروعية اتباعه فأنت مقلد وهذا حرام. طب من الذي أتبع؟ قال: وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه. يعني أما إذا قام الدليل، أو دل الدليل على وجوب اتباع قول هذا الشخص، فهذا يسمى اتباعاً لا تقليداً.
طب السؤال ما هو الدليل الذي يدلني على اتباع هذا الشخص؟ يقول لك ابن خويز منداد: كل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه. طب هنا بدنا نفكر الآن، كيف يعني أوجب علي الدليل اتباع قوله؟ كيف سيكون ذلك؟ يعني حتى نربط كلامه هنا أيضاً بكلامه السابق، حقيقة الذي أوجب عليك الدليل اتباع قوله من هو؟ هو الذي يقول بحجة، ونرجع للتعريف السابق. وشو قال قبل شوي في تعريف التقليد؟ قال: التقليد في الشرع هو الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، والاتباع هو أن ترجع إلى قول صاحبه له حجة. فهذا الكلام بناءً عليه سنفهم الفقرة الثانية، فأقول من الذي أوجب علي الدليل أن أتبعه؟ كل عالم يقول قولاً بحجة، فالشريعة تقول نعم هذا يتبع. وأما الذي يقول قولاً لا حجة له عليه فهذا الذي لا يوجد دليل على اتباعه، فاتباعي له يكون تقليداً مذموماً؛ فهمتم؟ فالفقرة الثانية تفهم بناءً على تعريفه الأول للتقليد والاتباع.
وذكر عن سحنون قال: كان مالك بن أنس وعبد العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن هرمز، فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابه، وإذا سأله ابن دينار لم يجب. فتعرض له يوماً فقال له: يا أبا بكر، ألم تستحل مني ما لم يحل لك؟ قال له: يا ابن أخي وما ذاك؟ قال: يسألك مالك وعبد العزيز فتجيبه، وأسألك أنا وذوي فلا تجيبنا. فقال: أوَ وقع ذلك يا ابن أخي في قلبك؟ قال: نعم. قال: إني قد كبرت سني ورقّ عظمي، وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي خالطني في بدني، ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان، إذا سمعا مني حقاً قبلاه، وإذا سمعا خطأ تركاه، وأنت وذووكم ما أجبت به قبلتموه.
الفاهِم ماذا يقول لك؟ يقول أنا يا بني أصبحت مسناً، وأخشى أني ما عدت أضبط المعلومات جيداً، فمالك وعبد العزيز متقنان، فإذا سألاني وأجبت هما يعرفان صوابي من خطئي؛ يعني هما ليسا مقلديَن تماماً، هم عندهم نقد، يدركون أنني هنا أصبت أو أخطأت، وأما أنت يا ابن دينار وأصحابك كل ما أقوله لكم تقولون: سمعنا وأطعنا، ما عندكم الحس الناقد أنك تعرف هل المعلم هنا أصاب أو أخطأ. وهذا يدل على فكرة مهمة وجميلة، وهو أن الطالب حتى لو سأل المعلم، إذا ربنا رزقك عقلاً يا طالب العلم تستطيع أن تعرف هل المعلم هنا ضابط لهذه المسألة أو يهرج كما نقول؛ يعني يتكلم وهو غير ضابط لها، غير فاهمها، غير مستوعبها.
وهذا حقيقة كنا نجده في حياتنا، وكان حتى شيخنا الشيخ عبد الله البارقي مطع الله بالصحة والعافية يقول حتى في كتب الأوائل: إذا وجدت صاحب الكتاب يكتب كلاماً واضحاً فاعرف أنه ضبط المسألة، وإذا وجدته كتب كلاماً غير مفهوم فاعرف أنه هو لم يضبط المسألة جيداً؛ لذلك لم يستطع أن يشرحها بشكل جيد حتى في كتب الأوائل، وهذا كلام صحيح. يعني لا تظن أن الأوائل لما ألفوا الكتب كلهم كانوا متصورين تماماً ودقيقين، لا، الأوائل مثلنا قد تكون عنده مسألة يضبطها جيداً فيتكلم بكلام واضح بيّن مفهوم، وقد تكون المسألة غير واضحة عنده وهو يحسبها واضحة فيتكلم بكلام يا أخي لما تقرأ تقول والله ما أنا فاهم ايش يقول. طبعاً هناك حالتان، قد يكون المشكلة منك وكلام واضح، وهذا في العادة في كلام الأوائل، لكن اجعل هذا الاحتمال إذا كنت أنت تثق في فهمك، يعني تقول يا شيخ أنا أقرأ مثلاً في أصول الفقه للغزالي، يا أخي الكلام واضح، في المستصفى للقرافي الكلام واضح، تقرأ لبعض المتأخرين الكلام ملغز ويدخل في بعضه مش مفهوم وأوله ينقض آخره، أقول لك نعم قد يكون هو مش فاهم، عادي يعني، لكن احتراماً للعلماء أنت لا تستعجل في الحكم عليه. هذا قد يقع، هذه فكرة جميلة.
قال محمد بن حارث: هذا والله هو الدين الكامل والعقل الراجح، لا كمن يأتي بالهذيان ويريد أن ينزل من القلوب منزلة القرآن. جيد، شوف هذا الكلام، قال: هذا والله دلالة على ديانة ابن هرمز، أنه يتوقع في نفسه أنه يمكن يخطئ، يقول لك أنا إنسان كبرت وممكن أخطأ، هذه ليس سهلاً يحكيها عالم. كل الناس ما شاء الله تظن أنه كلام المعصوم، اليوم تأتي على شيخ تقول له أنت ممكن تخطئ في محاضرة كأنك فعلت إحدى الكبائر. فيقول: هذا دلالة على ديانة ابن هرمز والعقل الراجح لديه، لا كمن يأتي بالكلام الهذيان غير المفهوم ويخربط الدنيا ببعضها، ويريد من الناس أن ينزلوا كلامه في قلوبهم كمنزلة القرآن، يعني أن كلامي معصوم. يقول بعض الناس يأتي بالهذيان، يعني كلامه غلط ومش مفهوم وداخل في بعضه، ويريد من طلابه أن هذا الكلام ينزل في قلوبهم منزلة القرآن، أنه ما حدا ينتقدني، كيف أنت ما بتقدر تنتقد القرآن؟ كلامي أنا لا ينتقد؟ شوف ورع ابن هرمز الذي يقول أنا ممكن أخطأ فلا أريد أعطيكم معلومة تقبلونها وبعدين تكتشفوا أني أنا مخطئ، ديانة سبحان الله.
قال أبو عمر: يقال لمن قال بالتقليد: لما قلت به وخالفت السلف في ذلك؟ فإنهم لم يقلدوا. فإن قال: قلدت لأن كتاب الله عز وجل لا أعلم لي بتأويله، وسنة رسوله لم أحصها، والذي قلدته قد علم ذلك، فقلت من هو أعلم مني. قيل له: أما العلماء إذا اجتمعوا على شيء من تأويل الكتاب، أو حكاية سنة عن رسول الله ﷺ أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه، ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض، فما حجتك في تقليد بعض دون بعض؟ يعني العلماء في أشياء أجمعوا عليها، هذا ما أحد ينازع فيه، الإجماعات الكل يأخذ بها، ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه، أما المسائل التي أنت قلدت فيها هذا الشيخ دون ذاك الشيخ إذاً هي واضحة أنها مسائل خلافية اجتهادية.
قال: ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض، أنت قلدت الشافعي وتركت أحمد، أو قلدت أبا حنيفة وتركت مالكاً، فما حجتك في تقليد بعض دون بعض وكلهم عالم؟ ليش قلدت الشافعي وما قلدت أحمد مع أنه كلهم علماء؟ ليش قلدت مالكاً وما قلدت أبا حنيفة مع أنه كلهم علماء؟ فماذا قال؟ قال: ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه. فإن قال: قلدته لأني علمت أنه صواب. قيل له: علمت ذلك بالدليل من كتاب أو سنة أو إجماع؟ وكيف عرفت أن مذهبك هو الصواب؟ فإن قال نعم، فقد أبطل التقليد. نعم، إذا عرفت أن مذهبك صواب بناءً على أدلة إذاً أنت لست مقلداً، أنت مجتهد إذا عرفت أن مذهبك صواب بناءً على الأدلة. وطولب بما ادعاه من الدليل، وطولب، يلا أعطينا ما هو الدليل رجحان مذهبك؟
وإن قال: قلدته لأنه أعلم مني. قيل له: فقلد كل من هو أعلم منك، فإنك تجد من ذلك خلقاً كثيراً. بتقول والله قلدت أحمد لأنه أعلم مني، طب برضه الشافعي أعلم منك ومالك أعلم منك، قلدهم كلهم، فهو عم يحيره. قال: ولا تخص من قلدته، إذ علتك فيه أنه أعلم منك، وتجدهم في أكثر ما ينزل بها من السؤال مختلفين، فلماذا قلدت أحدهم؟ فإن قال: قلدته لأنه أعلم الناس. قيل له: فهو إذاً أعلم من الصحابة، لأنه الصحابة مختلفين، أحمد أخذ قول بعضهم، إذاً أحمد أعلم من الصحابة؟ وكفى بقول مثل هذا قبحاً. وإن قال: إنما قلدت بعد الصحابة. قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم؟ ولعل من تركت قوله منهم أعلم وأفضل ممن أخذت بقوله، على أن القول لا يصح لفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه.
طبعاً هذا كله واضح أن ابن عبد البر يريد أن يقول يا طالب العلم: إذا وصلت لمرحلة تجتهد فيها لا تبقى جامداً على مذهبك، هذه هي الفكرة التي يدندن حولها ابن عبد البر. ابن عبد البر على طريقة من يسمى محدثي الفقهاء الذين يتمذهبون، لكنه بعد أن يستوي عوده ويقوى على الحجة لا، يقول لك أنا لا أقلد، خلاص أنا الآن أتخير من المذاهب أقربها إلى سنة النبي ﷺ. لكن من الذي يقوى على ذلك؟ من وصل إلى رتبة ابن عبد البر، أما طالب يتهجى في الآجرومية يأخذ كلام ابن عبد البر ويقول انظر ماذا قال ابن عبد البر عن أهمية الاجتهاد، ابن عبد البر يتكلم مع واحد في مرتبته بعلمه وزِنته، ويقول لك لا تقنع بالتقليد وعليك في النهاية أن تذهب تبحث عن الأدلة بنفسك، أما طالب ما زال يتتعتع في أبجديات العلم فابن عبد البر بالتأكيد لا يقصد هذا الطالب في هذا الكلام.
وذكر عن مالك قال: ليس كلما قال رجل قولاً وإن كان له فضل يُتَبَع عليه، يقول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18]. فإن قال: قِصَرُ علمي يحملني على التقليد. قيل له: أما من قلد فيما ينزل به من أحكام الشريعة عالماً بما يتفق له على علمه فيصدر في ذلك عما يخبره به، فمعذور لأنه قد أتى بما عليه وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولا بد له من تقليد عالمه في ما جهله؛ لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة، لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك.
ولكن من كانت هذه حاله، هل تجوز له الفتوى في شرائع دين الله؟ فيحمل غيره على إباحة فروج، أو إراقة دماء، أو استرقاق رقاب، أو بإزالة الأملاك وتصيرها إلى غير من كانت في يده، بقول من لا يعرف صحته ولا قام له دليل عليه، وهو مقر بأن قائله يخطئ ويصيب، وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب فيما خالفه.
فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى لحفظ الفروع، لزمه أن يجيزه للعامة. وقف هنا، هو الآن ماذا يقول؟ يقول: أتينا لإنسان قاضٍ في محكمة فقلنا له: أنت لماذا تقلد؟ قال: أخي أنا جاهل ما عندي معرفة، ولا يسعني إلا أن أقلد. قلنا له: تمام، أنت جاهل وفهمنا أنك جاهل ولست من أهل النظر، فأذن لك بالتقليد، لكن التقليد لا يخولك -يقول ابن عبد البر: أذن لك لا يخولك- أن تصبح قاضياً مقلداً، خلص، إذا أنت مقلد لجهلك، إذا الله يكرمك تنحى عن القضاء وتنحى عن الفتوى، فأنت مقلد وليس لك أن تفتي في دماء المسلمين وفي أعراضهم وفي الأنكحة بناءً على التقليد؛ لأنه أنت عندما قلدت، قلدت شخصاً أنت تقول إنه يمكن يكون مصيباً ويمكن يكون مخطئاً، أنا لا أجزم بصحة الشافعي الذي أتبعه، وإنما أنا جاهل ورأيت الشافعي ودرست مذهبه فأصبحت مقلداً له. فيقول ابن عبد البر: ماشي، نحن أذنا لك أن تقلد الشافعي، لكنك مقلد ولست جازماً بصحة قول الشافعي، فإياك أن تتصدر للقضاء أو الفتيا.
هذه وجهة نظر من؟ طبعاً ابن عبد البر، شوف ابن عبد البر هو على طريقة المتقدمين، المتقدمون كانوا لا يرون للإنسان أن يفتي أو يقضي إذا كان مقلداً لمذهب، المتأخرون من الفقهاء والمحدثين هم الذين لما رأوا أن الأمة ما عاد يصلح فيها الاجتهاد، ولا يمكن على طريقة ابن عبد البر، لا يمكن اليوم يكون هناك قاضٍ، لا يمكن اليوم يكون مفتٍ، لأنه كلنا اليوم -يعني 9.9- حتى ما عبارة عن مقلدين، أليس كذلك؟ لكن ابن عبد البر في سياق الزمن في القرن الذي عاش فيه، ما كانوا يقبلون ذلك، كانوا يقولون المقلد التام لمذهب اسمه مقلد، فلا يفتي ولا يقضي، لكن كما قلت هذا تغير هذا المنهج عند المتأخرين، وأجازوا لمقلدي المذاهب أن يفتوا وأن يقضوا؛ لأنه لا يوجد مجتهدون بعد ذلك، نعم إلا النزر اليسير.
قال: وكفى بهذا جهلاً ورداً للقرآن، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]، وقال: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 68]. وقد أجمع العلماء أن ما لم يتبين يستيقن فليس بعلم، وإنما هو ظن، والظن لا يغني من الحق شيئاً. وقد مضى في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما فيمن أفتى بفتوى وهو يعمى عنها أن إثمها عليه، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». الظن لا يدل على شيء يقيني، فلا تعتمد. لكن حقيقة الاستدلال بهذا الحديث في هذا السياق يحتاج إلى نظر؛ فإن أغلب الأحكام الشرعية حتى عند المجتهدين مبنية على ماذا؟ على الظن. أما الظن المراد بهذا الحديث أن تظن بأخيك ظن سوء وتبني عليه مقاطعة له أو صارماً له، والله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]، فالمراد هنا ظن السوء بإخوانك لا تبني عليه، فإن الظن كثيراً ما يخدعك ويمنعك من حسن الوصال. أما أن يستدل به على الأحكام الشرعية بهذا الحديث ففيه نظر تماماً؛ لأن الأحكام إنما بنيت في أغلبها على الظن.
قال: ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد، فأغنى ذلك عن الإكثار. أرجع أقول إذاً ابن عبد البر واضح أنه يتجه نحو فكرة أنه يا طلاب العلم، إذا تعلمت على مذهب لا تبقى جامداً عليه، يجب إذا نظرت في الحديث والسنة والقرآن وفهمت أن تجتهد وترجح وتختار، ويكون قولك بالاجتهاد كما اجتهد من قبلك. فكرة وتنظير لا شك صحيحة، لكن صعب الذي يقوله ابن عبد البر في هذه الأزمان؛ الوصول إلى مرتبة ابن عبد البر والوصول إلى مرتبة هذه الطبقة ابن الصلاح يحتاج إلى جهد كبير جداً، من وصل إليها جزاه الله خيراً، نعم يجتهد، لكن إياك أن تظن أن من السهل الوصول إلى مرتبة ابن عبد البر وابن الصلاح وهؤلاء الأئمة الكبار، كما قال ابن رجب في رسالته الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة، يقول: هذا لا يجود الزمان إلا بالواحد والاثنين والثلاثة، فلذلك لا تعتمد هذا كتدليل حالياً.
نعم، نقول ما لا يؤخذ كله لا يترك جله، نقول لك بعض المسائل أنت اجتهدت كإنسان وصل لهذه المرتبة، نعم مش شرط تجد في كل المسائل؛ قصدك تجزؤ الاجتهاد إذا اجتهدت في بعض، هذه مسألة أخرى مسألة تجزؤ الاجتهاد، لكن أنا فقط أعلق على الفكرة العامة التي يتكلم عنها ابن عبد البر، لذلك ماذا ختم الباب؟ قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إن العلم بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى يومئذ للغرباء». كأنه يقول لطريقتنا، طريقة أهل الحديث الذين يجتهدون ويرجحون ولا يتعصبون، طريقة قل من يسلكها وهي زمن الغربة، وذكر عن زيد بن أسلم في قول الله عز وجل: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ [يوسف: 76]، قال: بالعلم. وعن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء». قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: «الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله»، وكان يقال: العلماء غرباء لكثرة الجهال.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبدأ إن شاء الله الجزء الثاني. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: باب ذكر من ذم الإكثار من الحديث دون التفهم له والتفقه فيه. بإسناده عن قرضة بن كعب قال: خرجنا، فشيّعنا عمر إلى سرار، ثم دعا بماء فتوضأ ثم قال لنا: أتدرون لما خرجت معكم؟ قلنا: أردت أن تشيّع وتكرمنا. قال: إن مع ذلك لحاجة خرجت لها؛ إنكم تأتون بلدة لأهلها دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم. قال قرضة: فما حدثت بعده حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قرضة بن كعب ماذا يقول؟ خرجنا فشيّعنا عمر إلى سرار، سرار اسم منطقة، شيّعنا عمر يعني مشى معنا حتى أوصلنا إلى هذه المنطقة، ثم دعا بماء فتوضأ ثم قال: أتدرون لما خرجت معكم؟ قلنا: أردنا أن تشيّع -بدك تودعنا قبل أن نسافر-، فقال: إن مع ذلك لحاجة خرجت لها، يعني هناك أيضاً حاجة أخرى أريد أن أخبركم بها، قال: إنكم تأتون بلدة لأهلها دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم.
يعني لا تكثر عليهم من الأحاديث حتى لا ينشغلوا عن القرآن. في ممكن فهم آخر، شوف فهمك أحد الاحتمالات، لكن أنا بناءً على توظيف ابن عبد البر هذا الحديث هنا، تشعر أنه ماذا يريد أن يقول؟ يعني لا تكثر عليهم من الأحاديث، لا تروِ عليهم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. هل يمكن نقول إنكم تأتون بلدة لأهلها دوي بالقرآن كدوي النحل، يعني أحسنت، يعني هم يقرأون القرآن بس كدوي النحل، لسه مش مستوعبين نفس القرآن، فبالتالي إشغالهم بالحديث سيكون إشغالاً لهم عن فهم القرآن الذي هم لم يفهموه بعد، فإذا قرأتهم الحديث لن يفهموه لأنهم لم يفهموا الأصل وهو كتاب الله سبحانه.
أنت تقول لك هذه الدار فيها صوت دندنة، صوت الدندنة دوي، أحياناً يكون دوي صوت أجراس إنه صوت لكنه غير فاهم، يقرأ القرآن ويشتغل به، كيف تلاقي حلقات تسميع وتحفيظ، يقرأ ويقرأ ودوي نحل بس هو لسه مش مستوعب ما الذي يقرأه، فيقول لهم: فلا تصدوهم بالأحاديث، يعني لسه خليهم يفهموا القرآن وينشغلوا به، إذا فهموه ننتقل معهم إلى فهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لأن المطلوب ليس فقط هو الرواية، هيك بدي أقول لك، يعني أنا مش فائدتي أني أنا أقرئك القرآن وأنت مش فاهمه، بعدين أروي لك أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأنت مش فاهمها، يعني هذا ليس مطلباً، المطلوب هو الوصول إلى الفهم، فإذا أنت لست مؤهلاً بعد لفهم الحديث فإشغالك بالحديث مشكلة.
وبإسناد عن قرضة أن عمر قال له: أقلل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم. وبإسناد عن عروة بن الزبير قال عن عائشة رضي الله عنها قالت: ألا يعجبك أبو هريرة؟ جاء إلى جانب حجرتي، هنا على الرواية الأخرى، قد يقوي الفهم الذي قدمه الأخ قبل قليل، الرواية الأخرى: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالحديث فتشغلهم، جردوا القرآن وأقلل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم، الفكرة متقاربة، أنه خلاهم يشتغلوا بالقرآن أكثر، خلي إقبالهم على القرآن أكثر من إقبالهم على الحديث، خاصة أن عمر رضي الله عنه في زمنه كانت الأحاديث لسه لم تضبط في أسانيدها، فكان يخشى من الإكثار في الرواية الذي يشغل عن الانشغال والانكباب على كلام الله سبحانه وتعالى.
نعم، ربما تختلف الطرائق باختلاف الزمان، زمن عمر بن الخطاب الناس عرب يفهمون في العادة أو يدركون معاني اللغة العربية في الجملة، اليوم الطالب المبتدئ لازم يدرس لغة ولازم كذا حتى أصلاً يصل إلى استيعاب القرآن، اختلاف الزمان أو المسافة بيننا وبين السلف تجعل هناك اختلافاً في ترتيب بعض الأولويات في التعلم والله أعلم.
وذكر عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت: ألا يعجبك أبو هريرة؟ جاء إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسمعني وكنت أسبح فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم. هذه مشكلة، عائشة رضي الله عنها كانت في الحجرة تصلي السنة، فسمعت أبا هريرة وهو جالس على السارية في المسجد، فهو يسرد مجموعة أحاديث هكذا ويرويها، فعائشة ما كان يعجبها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان راوية للحديث، ما كان يجلس هكذا ويروي عشرين حديثاً والصحابة يكتبون، لا، كان يعطي حديثاً يفهمهم معناه ثم بعد ذلك يعطيهم حديثاً آخر، فعائشة لم يكن يعجبها هذا السرد المتواصل.
وبإسناد عن أبي هريرة أنه كان يقول: لو أحدثكم بكل ما أعلمه لرميتموني بالقشع. أبو هريرة كان يحفظ كثيراً فيقول: لو حدثتكم بكل شيء لرميتموني والقيتوني. القشع هو النفايات، يعني رميتموني بالنفايات، هذا المراد.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فإما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطعت هذا البلعوم. ما هو الذي لم يبثه؟ الفتن، فتن آخر الزمان كان أبو هريرة يعرفها، لكن كان يخشى أن يرويها فتقوم عليه مقاطعة، يطلع بنو أمية عليه يقولون هذا حديث فينا، أقلوا أبا هريرة وهكذا.
وبإسناده عن أبي الطفيل قال: سمعت علياً على المنبر يقول: أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ لا تحدثوا الناس إلا بما يعلمون. وهذا من فقه طالب العلم، طالب العلم أحياناً يقرأ أحاديث في البخاري أو مسلم أو كذا يريد أن ينشرها، يقول لك هذا علم وهذا كذا، طب أحياناً بعض الأحاديث قد تكون تشكل على العوام، هي صحيحة، لكن الذي يستوعبها في سياقها طالب العلم المرتفع، لكن العامي قد تكون له بعض الأحاديث الصحيحة فتنة، ترى من الخطأ أن ترويها على المنابر وتقول يا شيخ ما دام حديث عند البخاري ومسلم لا بد أرويه، لا، هذا خطأ. هذا علي بن أبي طالب يقول: حدثوا الناس بما يعرفون، ليس كل حديث نبوي أنت فهمته تتوقع من العامي أن يفهمه، يمكن لا يفهمه فتسبب له فتنة، خاصة مثلاً الأحاديث التي تتعلق بالمرأة، حديث أن المرأة تقطع الصلاة، أنت اليوم نصف النساء المسلمات اليوم ما راح يقتنعوا بهذا الحديث، وإن الحديث صحيح في طرقه، ففي بعض الأحاديث خلص العاطفة تغلب، فإذا رأيت من عدم المصلحة روايتها ما في مشكلة، وهذا من فقه طالب العلم، وقد تقدم.
قول ابن مسعود رضي الله عنه: ما أنت محدث قوما حديثًا لم تبلغه عقولهم إلا كان عليه فتنة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لقد حدثتكم بأحاديث لو حدثت بها زمن عمر بن الخطاب لضربني عمر بالدرة؛ يعني لو كنت زمن عمر لكان عمر ضربني أني حدثت بها.
قال أبو عمر: احتج بعض من لا علم له ولا معرفة من أهل البدع وغيرهم الطاعنين في السنن بحديث عمر هذا، على قلة الرواية عن رسول الله ﷺ، وعلى الزهد في سنة رسول الله ﷺ التي لا يوصل إلى مراد كتاب الله إلا بها. أنت لا يمكن أن تفهم القرآن إلا بالسنة؛ فهذه الأحاديث إياك أن تفهم منها الزهد بقراءة كتب الحديث والسنة، ليس هذا الذي يراد بها، والطعن على أهلها.
ولا حجة في هذا الحديث ولا دليل على شيء مما ذهبوا إليه من وجوه قد ذكرها أهل العلم؛ منها أن وجه قول عمر هذا إنما كان لقوم لم يكونوا أحصوا القرآن، فخشي عليهم الاشتغال بغيره عنه. هذا هو الفهم الذي قلناه، هؤلاء القوم الذين قال عمر لهم لا تحدثوا بالقرآن، لم يحصوا القرآن؛ أي لم يجمعوه ولم يفهموه ولم يدركوه، فليتفهموا القرآن ثم أشغلهم بالسنة، إذ هو الأصل لكل علم. هذا معنى قول أبي عبيد في ذلك.
واحتج بما رواه عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: مل أصحاب رسول الله ﷺ ملة، فقالوا: يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله عز وجل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23]. قال: ثم ملوا ملة أخرى، فقالوا: يا رسول الله حدثنا شيئًا فوق الحديث ودون القرآن؛ يعني القصص، فأنزل الله عز وجل: ﴿الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: 1-3]. قال: فإن أرادوا الحديث دلهم على أحسن الحديث، وإن أرادوا القصص دلهم على أحسن القصص.
وقال غيره: إن عمر إنما نهى عن الحديث عما لا يفيد حكمًا ولا يكون سنة. وطعن غيرهم في حديث قرضة هذا وردوه؛ لأن الآثار الثابتة عن عمر خلافه. منها ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث السقيفة أنه خطب يوم الجمعة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني أريد أن أقول مقالة قد قدر لي أن أقولها، من وعاها وعقلها وحفظها فليحدث بها حيث تنتهي به رحلته، ومن خشي ألا يعيها فإني لا أحل له أن يكذب علي. إن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان مما أنزل معه آية الرجم. وذكر الحديث.
وهذا يدل على أن نهيه عن الإكثار وأمره بالإقلال من الرواية عن رسول الله ﷺ إنما كان خوف الكذب على رسول الله ﷺ، وخوفًا أن يحدث مع الإكثار بما لم يتقن حفظه ولم يعه؛ لأن ضبط من قلت روايته أكثر من ضبط المستكثر، وهو أبعد من السهو والغلط الذي لا يؤمن مع الإكثار، فلهذا أمرهم عمر بالإقلال من الرواية. ولو كره الرواية وذمها لنهى عن الإقلال والإكثار، ألا تراه يقول: فمن حفظها ووعاها فليحدث بها؟ فكيف يأمر بالحديث عن رسول الله ﷺ وينهاهم عنه؟ هذا لا يستقيم.
وهذا يوضح لك ما ذكرنا، والآثار الصحيحة عنه من رواية أهل المدينة بخلاف حديث قرضة هذا؛ وإنما يدور على بيان عن الشعبي، وليس مثله حجة في هذا الباب؛ لأنه يعارض السنن والكتاب. قال الله عز وجل: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، وقال في النبي ﷺ: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158]. ومثل هذا في القرآن كثير، ولا سبيل إلى اتباعه والتأسي به والوقوف عند أمره إلا بالخبر عنه.
وقد قال رسول الله ﷺ: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها». وقد ذكرناه من طرق في صدر هذا الكتاب، وفيه الحث الأكيد على التبليغ عنه صلى الله عليه وسلم، وقالوا: خذوا عني إلى غير ما حديث. ولا يخل حديث عن رسول الله ﷺ من أن يكون خيرًا أو شرًا؛ فإن كان خيرًا ولا شك فيه أنه خير فليكثر من الخير، وإن كان شرًا فلا يجوز أن يتوهم أن عمر يوصي بالإقلال من الشر، وهذا يدلك على أنه إنما أمرهم بذلك خوف مواقعة الكذب على رسول الله ﷺ، وخوف الاشتغال عن تدبر السنن والكتاب، إن المكثر لا تكاد تراه إلا غير متدبر ولا فقيه.
وذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: من سمع حديثًا فأداه كما سمع فقد سلم. ومما يدل على هذا ما قد ذكرناه من مروي عن عمر أنه كان يقول: تعلموا الفرائض والسنة كما تتعلمون القرآن، سوى بينهما. وبإسناد عن المورق العجلي قال: كتب عمر: تعلموا السنة والفرائض واللحن كما تتعلمون القرآن. قالوا: اللحن معرفة وجوه الكلام وتصرفه.
وعمر رضي الله عنه هو الناشد للناس في غير موقف، بل في مواقف شتى: من عنده علم عن رسول الله ﷺ في كذا؟ نحو ما ذكره مالك وغيره عنه في توريث امرأة من دية زوجها، وفي الجنين يسقط ميتًا عند ضرب بطن أمه، وغير ذلك مما لو ذكرناه لطال به كتابنا. وكيف يتوهم على عمر ما توهمه الذين ذكرنا قولهم، وهو القائل: إياكم والرأي؛ فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وعمر كان يامر بحفظ الحديث.
وقد ذكرنا هذا الخبر بإسناده عن عمر رضي الله عنه في بابه من كتابنا هذا. وعمر أيضًا هو القائل: خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. وهو القائل: سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله.
وقد يحتمل عندي أن تكون الآثار كلها عن عمر صحيحة متفقة، ويخرج معناها إلى أن من شك في شيء تركه، ومن حفظ شيئًا وأتقنه جاز له أن يحدث به، وإن كان الإكثار يحمل الإنسان على التقحم أن يحدث بكل ما سمع من جيد ورديء.
قال: إن لهم دويّاً كدويّ النحل. إذاً هو يتكلم عن قرية ليست مستعدة بعد لاستقبال الحديث، وليس المراد منع رواية الحديث عموماً. نعم.
قال: وقد قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع». ولو كان مذهب عمر رضي الله عنه ما ذكرنا لكانت الحجة في قول رسول الله ﷺ دون قوله؛ فهو القائل: «نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها». يعني لو فرضنا فرضاً أن عمر رضي الله عنه كان في مذهبه أنه لا يُروى الحديث لتركنا قول عمر وأخذنا بقول النبي ﷺ؛ في النهاية عمر قد يخطئ لو فُرِضَ، لكن نحن قلنا إن عمر لم يخطئ والله أعلم؛ لأنه قصد شيئاً معيناً. نعم.
قال: فهو القائل: «نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها وبلغها»، وقد تقدم ذكره في هذا الكتاب. وقال النبي ﷺ: «تسمعون ويسمع منكم ويسمع مَن سَمِعَ منكم».
قال أبو عمر: الذي عليه جماعة المسلمين وعلمائهم ذمُّ الإكثار دون تفقه ولا تدبر، والمكثار لا يُؤمن وقوعه في الكذب على رسول الله ﷺ لروايته عن مَن يُؤمن وعمّن لا يُؤمن. طبعاً هذا في زمنهم متوقع؛ لأنه زمن ابن عبد البر ومَن قبله كانت روايات الحديث لا تزال قائمة، لكن في زمننا لا يتوقع الكذب في الأصل؛ لأن الأحاديث خلص موجودة في كتب السنة واستقرت ودُوّنت، فأنت تكتشف الكاذب من خلال فتح الكتاب ومعرفة أنه صدق أو كذا؛ فالأمر أسهل الآن. نعم.
وبإسناد عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ: «إياكم وكثرة الحديث، ومن قال عني فلا يقولن إلا حقاً». وبسند عن خالد بن عبد الله قال: سمعت ابن شبرمة يقول: أقلل الرواية تفقّه. وبإسناد عن الشافعي الأصبحي قال: لتفتحن على هذه الأمة خزائن كل شيء، حتى تفتح عليهم خزائن الحديث. وبإسناد عن الشافعي: إن الحديث تفتح فيكثر رواية الحديث عن النبي ﷺ، فيكون الموضوع والضعيف ومختلق وهكذا. نعم.
وبإسناد عن شعيب بن حرب قال: كنا عند سفيان يوم نتذاكر الحديث فقال: لو كان في هذا الحديث خير لنقص كما ينقص الخير، ولكنه شرّ فأراه يزيد كما يزيد الشر. طبعاً هو لا يقصد أن الحديث شرّ -والعياذ بالله-، ويقصد أن انشغال الطلاب بالأسانيد والطرق وما شابه ذلك ليس انشغالاً محموداً، الانشغال بالطرق والتزود في الأسانيد يقول هذا شرّ. الأصل أنك تأخذ حديثاً، تعرف طريقاً صحيحاً له، تفهمه، هذا الذي يفيدك، أما لا يكون هدفك فقط تتبع الطرق؛ فإنه سيقع كثير من الوضع والكذب حتى في هذه الطرق. نعم.
وبإسناد عن حماد بن زيد قال: قال لي سفيان الثوري: أبا إسماعيل، لو كان هذا الحديث خيراً لنقص كما ينقص الخير. وبإسناد عن زكريا القطان: لو كان خيراً. إذاً ما هو شر الحديث النبوي؟ ماذا يقصدون: لو كان خيراً لنقص لكنه يزيد إذاً الحديث شرّ؟ المراد كما قلت لكم الإكثار بالأسانيد وتتبع الطرق، هذا كان بعض السلف يذمه وهو صحيح؛ لأن بعض الطلاب فقط همّه يجمع أسانيد لهذا الكتاب؛ يا أخي أنت جمعت إسناداً جيداً وخلاص يكفي، وانشغل بعد ذلك بالتفقه في الحديث وفهم معانيه، هذا هو المطلوب.
نعم، قال وبإسناد عن زكريا القطان قال: رأيت سفيان بن عيينة وقد التفت أصحاب الحديث إلى الميل الأخضر، فالتفت إليهم فقال: ما أرى الذين يطلبونه من الخير، ولو كان من الخير لنقص كما ينقص الخير. قال أبو عمر: هذا كلام خرج على ضجر، وفيه على العلم نظر. يعني ابن عبد البر ينتقد سفيان على هذه العبارة؛ يقول لك أنتم كيف تقولون لو كان في الحديث خير لقلّ لكنه يزيد، فهذا شرّ! يعني كأن ابن عبد البر شاف العبارة هذه فيها مبالغة قليلاً، وأنا لا ألوم ابن عبد البر؛ العبارة فعلاً مهمة، يعني من يقرأ كلام ابن عيينة أو غيره لو كان فيه خير لنقص لكنه يزيد قد يتوهم الطالب أن هذا الحديث شرّ، فابن عبد البر يقول ليت سفيان بن عيينة لم يقل هذا؛ كلام خرج عن ضجر، يعني كان سفيان بن عيينة زهقان من أهل الحديث فحكى هذه الكلمة، ولا هو لو أعاد توازنه لما قالها هكذا.
قال: وقد أخذه بكر بن حماد فقال: لقد جفّت الأقلام بالخلق كلهم ... فمنهم شقي خائب وسعيدُ تمرُّ ليالي بالنفوس سريعةً ... ويبدئ ربي خلقه ويعيدُ أرى الخير في الدنيا يقلُّ كثيره ... وينقص نقصاً والحديث يزيدُ فلو كان خيراً قلَّ كالخير كله ... وأحسب أن الخير منه بعيدُ ولابن معين في الرجال مقالة ... سيُسأل عنها والمليك شهيدُ فإن يكُ حقاً قوله فهي غيبة ... وإن يكُ زوراً فالقصاص شديدُ وكل شياطين العباد ضعيفةٌ ... وشيطان أصحاب الحديث مريدُ
قال أبو عمر: قالوا شيطان أصحاب الحديث مريد، يعني أصحاب الحديث عفاريتهم وشياطينهم قوية، يظلون يشغلون العالم يشغلون حتى يطلع الكلام الذي ما حُكي.
قال أبو عمر: قد رد هذا القول على بكر بن حماد جماعةٌ نظماً، فمن ذلك ما أخبرني غير واحد عن مسدد بن قاسم قال: ذكرت أبا الأصبغ عبد السلام بن يزيد بن غياث الإشبيلي يقول: فلان سيء الحفظ، وفلان واهي. قال: هذا علم الرجال، إذا كان حقاً اللي قاله ابن معين فهو غيبة لهؤلاء الرجال، وإذا كان خطأً وهو حكى كلاماً مش دقيق فهذا زور وبهتان عليهم، بس هذا كلام كله مش صحيح. لذلك سيأتيك الآن الرد على هذا الشاعر ماذا قال:
وفيه تعرضت يا بكر بن حماد خطة ... بأمثال في الناس شاب وليده تقول بأن الخير قلّ كثيره ... وأخبرت أن الحديث يزيده وسيرته إذ زاد شراً وقام في ... ضميرك أن الخير منه بعيدُ فلم تأتِ فيه الحق إذ قلت فيه ما ... به عن سبيل الصالحين تحيدُ وما زال ذا قسمين حقاً وباطلاً ... فهذا خلاخيل وذاك قيودُ وذا ذهب محض وذلك أنكٌ ... وذا ورق صاف وذاك حديدُ وذا "الأنك" هو الرصاص. نعم. وهذا أمير في الأنام معظم ... وذاك طريد في البلاد شريدُ فذمك هذا في المقال مذمّم ... وذمك هذا في الفعال حميدُ وألزمت هذا ذنب ذاك معاقب ... ضباءً بذنب قارٍ فهي أسودُ وهل ضر أحراراً كراماً أعزةً ... إذا جاورته في البدِي عبيدُ ولولا الحديث المحتوي سُنن الهدى ... لقامت على رأس الضلال بنودُ وقول رسول الله يُعرف حدّه ... فليس له عند الرواة مزيده وما كان من إفك وزور فإنه ... كعدّة رمل تحتويه زرودُ وليس له حد وفي كل ساعة ... يزيد جديداً يقتفيه جديدُ ولابن معين في الذي قال أسوةٌ ... ورأي مصيب للصواب سديدُ يعني ابن معين ليس هو الوحيد الذي دخل في علم الرجال. نعم. وأُجّر به يُعلي الإله محله ... وينزله في الخلد حيث يريدُ يناضل عن قول النبي ويطرد ... الأباطيل عن أحواضه ويزودُ فعلم الجرح والتعديل إنما كان هدفه حماية حياض أحاديث النبي ﷺ. نعم.
وجلّة أهل العلم قالوا بقوله ... وما هو في شيء أتاه فريده يعني ابن معين لم يتفرد بعلم الجرح والتعديل؛ البخاري وغيره كلهم تكلموا فيه. نعم. وقلتَ: وليس صدقٌ منك سجيةً ... وشيطان أصحاب الحديث مريدُ وما الناس إلا اثنان بر وفاجر ... فقولك عن سبل الصواب عيودُ وكل حديثي تأزر بالتقى ... فذاك امرؤ عند الإله سعيدُ أهل الحديث إذا تأزروا بالتقى فهؤلاء السعداء. نعم. ولو لم يقم أهل الحديث بديننا ... فمن كان يروي علمه ويفيده هم ورثوا علم النبوة واحتووا ... من الفضل ما عنه الأنام رقودُ وهم كمصابيح الدجى يقتدى بهم ... يهتدى بهم وما لهم بعد الممات خمودُ عليك ابن غياث لزوم سبيلهم ... فحالهم عند الإله حميدُ
قال أبو علي ابن ملولة القيرواني يعارض بكر بن حماد: ولابن معين في الرجال مقالة ... تقدّمه فيها شريك ومالكُ فإن يكُ ما قالاه سهلاً وواسعاً ... فقد سهلت ابن المعين المسالكُ وإن يكُ زوراً منهم أو نميمة ... فما منهم في القول إلا مشاركُ
وأنشدني أحمد بن عمرو بن عصفور رحمه الله لنفسه يعارض بكر بن حماد: أجل إن حكم الله في الخلق سابق ... وما لامرئ عما يحمّ محيدُ هو الرب لا تخفى عليه خفيّة ... عليم بما تخفي الصدور شهيدُ جرت بقضاياه المقادير في الورى ... فمقترب من خيرها وبعيدُ أيا قادحاً في العلم زُند عَمائه ... رويداً بما تبدي به وتعيدُ جعلت شياطين الحديث مريدةً ... ألا إن شيطان الضلال مريدُ وجرحت بالتكذيب من كان صادقاً ... فقولك مردود وأنت عنيدُ ذوو العلم في الدنيا نجوم هداية ... إذا غاب نجم لاح بعد جديدُ بهم عز دين الله طرّاً وهم له ... معاقل من أعدائه وجنودُ
سبحان الله، هذا في كل زمان ومكان واضح في مناوشات بين أهل الحديث وبين مخالفيه في كل زمان وفي كل وقت، هذا يعطيك نموذجاً من هذه المناوشات والخلافات التي كانت تدور ما بين عالم زاهد في الحديث أو يرى أن الأصل الانشغال بالفقه، وما بين إنسان محب لرواية الحديث، وهذا استفدنا منه وهذا استفدنا منه، لكن حقيقة لا ينبغي أن يُذمّ هذا انشغالَ هذا، ولا أن يُذمّ هذا انشغالَ هذا؛ فكلا العلمين مطلوب وأساس.
نعم، وبإسناد عن مطر الورّاق قال: العلماء مثل النجوم، فإذا أظلمت تكشف على الناس. وبإسناد عن مطر أنه سأله رجل عن حديث فحدثه به، فسأله عن تفسيره فقال: لا أدري إنما أنا زاملة. فقال له الرجل: زاملة؟ يعني زي كأني جرّة أو شيء، أنا فقط موجود فيه حديث لكن ما أفهم معناه. فقال له الرجل: جزاك الله من زاملة خيراً، فإن عليك من جزاك الله خيراً من جرة خيراً، جزاك الله خيراً أنت جرّة جيدة زاملة جيدة.
وبه عن مطر الورّاق فإن عليك من كل إيش؟ حلو وحامض، يعني واضح أنك جامع كل شيء، معك الحلو والحامض كله موجود في الجرّة.
قال وبه عن مطر الورّاق أنه قال في قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17] قال: هل من طالب علم فيُعان عليه؟ يعني هل من مدكر ما معناها؟ هل من طالب علم فأنا أعينه؟ كان الله لما يقول ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ هذا شرح للآية، هل من طالب علم فيُعان؟ أي أنا أعينه أيها البشر، كلام من الله.
قال أبو عمر: أما من طلب الحديث على ما يطلبه كثير من أهل عصرنا دون تفقه فيه ولا تدبر معانيه، فمكروه عند جماعة أهل العلم. إذا هو طلب الحديث بدون تفكر وتدبر في خطأ؛ لأنه بعض الشباب فقط همّهم جمع الأسانيد، وهذا ليس علماً، إنما يطلب الحديث ليتفقهوا.
بإسناد عن أبي سليمان الداراني يقول: دخلنا على سفيان بن سعيد الثوري وهو بمكة في بيت، جالس في زاوية على جلد، فقال لنا: ما جاء بكم؟ فوالله لئن لم أركم خير لي من أن رأيتكم. قال أبو سليمان: فسكتنا وتكلم بعضنا، يعني أنا بس شفتكم ومرضت، والله أنا بدون شوفتكم برتاح! يعني هو طبعاً كان بعض العلماء يتثاقل، هو شوف بعض الطلاب قال يعني دائماً داخلين عليك، دائماً داخلين عليك، واليوم بدهم مجلسه، فبعض أهل الحديث كان يضجر؛ في النهاية بشر ونفوس إنسانية، يقول لك خلص ملّيتكم، أعطوني بس مساحة أتنفس، خلّي آخذ إجازة عطلة. قال أبو سليمان: فسكتنا وتكلم بعضنا بكلامه، فقطعه علينا، فما بُحنا حتى تبسم إلينا وحدثنا؛ يعني شوية شوية رطب الأجواء على سفيان وابن الحلال وكذا، وهذا مزح مزحة، وهذا قال حتى هدت نفسيته وحدثنا الحديث.
نعم، وبإسناد عن أبي خالد الأحمر يقول: يأتي على الناس زمان تُعطَّل فيه المصاحف ولا يُقرأ فيها، يطلبون الحديث بالرأي. ثم قال: إياكم وذلك؛ فإنه يُصفّق الوجوه، ويكثر الكلام، ويشغل القلب.
نعم، وبإسناد عن وكيع قال: قيل لداود الطائي: ألا تحدث؟ قال: ما راحتي في ذلك؟ أكون مستملياً على الصبيان، فيأخذون عليَّ سقطي؛ فإذا قاموا من عندي يقول قائل منهم: أخطأ في كذا، ويقول آخر: غلط في كذا. سقطي يعني خطئي، يقول شو راحتي في ذلك؟ أكون مستملياً على الصبيان، يعني بدك أجلس مجلس حديث، أصبح أملي على الصبيان والشباب الصغار الناشئين في العلم، وإذا أخطأت خطأً ولا ترددت في...
كلمة الشيخ: أخطأ الشيخ، أخطأ، قال هي فضيحة، فأنا أستغني عن رواية الحديث، قال: يأخذون علي أخطائي، فإذا قاموا من عندي يقولوا: أخطأ الشيخ في كذا، ويقول آخر: والله الشيخ غلط في كذا، تمام ما راحتي في ذلك؟ مسامحهم، ما بدي أروي لهم حديث، قال: ما راحتي في ذلك؟ ترى عندي شيئاً ليس عند غيري، يعني خلص خلي غيري هو الذي يروي، أنا عندي غير المشايخ الأحاديث، راحني من الموضوع.
وقيل لداوود الطائي: كم تلزم بيتك ألا تخرج؟ قال: أكره أن أطأ رجلي في غير حق. طبعاً هو كان داوود الطائي من العلماء الذين طلبوا العلم ثم تركوا تعليمه وانشغلوا بالعبادة، وهذا كان مسلكه، لكن حقيقة ليس هو المسلك الصواب، عموماً داوود الطائي حتى قيل إنه دفن كتبه، قال: ما بدي أعلم ولا بدي شيء، خلص بدي أرجع عابد زاهد وأغلق علي باب بيتي، وأنا مسامح طلاب العلم، لكن هذا ليس هو مسلك العلماء الكبار، وهذا اختياره الشخصي، قد يكون الصواب بالنسبة له، قد رأى نفسه، لكن ليس هو المسلك المطلوب الذي يقتدى به فيه، فهمتم؟
وبإسناد عن الحسن بن بشر الكوفي قال: دخلت على داوود الطائي أنا وجابر وإسحاق بن منصور، فسأله أن يحدثنا، فقال: أتريدون أن أكون مؤدباً لكم تتبعون عثراتي؟ لا أحدثكم. نفس الفكرة، تتبعون عثراتي، يعني تريدون أن تعرفوا أخطائي، لا خلاص.
وبإسناد عن أحمد بن عبد الله بن أبي الحواري يقول: قلت لأبي بكر بن عياش: حدثنا، فقال: دعونا من الحديث، فإنا قد كبرنا ونسينا، حدثونا بذكر المعاد والمقابر، إن أردتم الحديث فاذهبوا إلى هذا الذي في الرواس، يعني وكيعاً. قلت: إني رجل من أهل الشام، قال: ذاك أهون لك عندي. أنه وكيع الرؤاسي هو أصلاً وكيع بن الجراح الرؤاسي.
وبإسناد عن الفضيل بن عياض يقول: أنؤجر على هذا الحديث؟ لقد شقينا. وبإسناد عن أبي الحواري قال: أتينا فضيل بن عياض سنة خمس وثمانين ونحن جماعة، فوقفنا على الباب فلم يأذن لنا بالدخول، فقال بعضهم: إن كان خارجاً لشيء فسيسخرج.
قلت لأبي بكر بن عياش: حدثنا، فقال: دعونا من الحديث، فإنا قد كبرنا ونسينا، حدثونا عن الرقائق والزهد والدار الآخرة، قال: وإن أردتم الحديث فاذهبوا إلى وكيع بن جراح، فقلت له -فهذا الرجل يحكي لأبي بكر بن عياش- أنا رجل من أهل الشام، قال: ذاك أهون لك عندي. ذلك أهون لك عندي؛ أهون من أي شيء؟ أهون هي من الهوان، كأنه يريد أن يقول له: لسه هذا بيخليك أنزل منزلة عندي، الله يسهل عليك. ذاك أهون لك عندي، الذي يظهر لي من معناها أنه هذا أصلاً يخليني، دافع آخر إني ما أروي لك حديث، كأنه في مشكلة؛ يعني هذا عراقي كأنه أظنه، وذاك شامي، فكانت بين أهل العراق وأهل الشام إشكاليات دائماً، فقال: كمان شامي وبدك أروي لك حديث؟ قال: ذاك أهون لك عندي، يعني هذا بخليك أبغض عندي أكثر وأكثر إني ما أروي لك.
وبإسناد عن ابن أبي الحواري قال: أتينا فضيل بن عياض سنة خمس وثمانين ونحن جماعة، فوقفنا على الباب فلم يأذن لنا بالدخول، فقال بعضهم: إن كان خارجاً لشيء فسيسخرج لتلاوة القرآن، قال: فأمر قارئاً فقرأ، فأطل علينا من كوة فقلنا: السلام عليكم ورحمة الله، فقال: وعليكم السلام، كوة في الباب أو في الجدار تكون زي الشباك، نعم فقال: وعليكم السلام، قلنا: كيف أنت يا أبا علي وكيف حالك؟ قال: أنا من الله في عافية ومنكم في أذى.
قال: وأنتم فيه حدث في الإسلام؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، ما هكذا كنا نطلب العلم، ولكن كنا نأتي المسجد فلا نرى أنفسنا أهلاً للجلوس معهم في الحلق، فنجلس دونهم ونسرق السمع، فإذا مر الحديث سألناهم إعادته، وقيدناه، وأنتم تطلبون العلم بالجهل، وقد ضيعتم كتاب الله، ولو طلبتم كتاب الله لوجدتم فيه شفاء لما تريدون. قال: قلنا: لقد تعلمنا القرآن، قال: إن في تعليمكم القرآن شغلاً لأعمالكم وأعمار أولادكم. قلنا: كيف يا أبا علي؟ قال: لن تعلموا القرآن حتى تعرفوا إعرابه ومحكمه من متشابهه وناسخه من منسوخه، فإذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن عيينة. ثم قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 57-58]. وأراد الاستدلال بهذه الآية: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾، يعني القرآن، ﴿وَهُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من الأحاديث والطرق التي تجمعون، هذا الذي يفرح به.
أنا أتصور وأفهم تماماً من هي الطبقة التي يتكلم عنها هؤلاء العلماء ويذمونها، لأننا قد رأينا بعضهم، هؤلاء قوم ما عندهم انشغال بالقرآن وتأمل وزهد فيه، فقط يريدون الإكثار من الرواية، حتى يقول أحدهم في المستقبل: أنا رويت عن ألف شيخ وألف شيخ، فقط هذا شغله. ما زال بعضهم موجوداً إلى الآن، اللي هو فقط يتتبع الأسانيد والطرق، وبيشغل الشيخ: وبدي إسناد، وأجزني، وبظل يتتبع ويملل الشيخ، فهؤلاء فعلاً مذمومون، لا تبقى هكذا، لا، خلِّ لك فوائد علمية ومجالس مع القرآن والفقه، بس هدفك في الحياة تجمع أسانيد، وهدفك في الحياة تصبح أشد أهل الأرض، ثم إذا نظرنا في فهمك للقرآن والفقه خل الوطاب، هذا ضعف وليس شيئاً ممدوحاً، هؤلاء كانوا فعلاً يذمون على هذه الطريقة في طلب العلم، فهي طريقة خاطئة وغير منتجة فعلياً.
وبإسناد عن الضحاك بن مزاحم يقول: يأتي على الناس زمان يعلقون فيه المصحف حتى يعيش عليه العنكبوت، لا ينتفع بما فيه، وتكون أعمال الناس بالروايات والأحاديث، وهذا في زمان مضى، اليوم لا قرآن ولا حديث، الناس الله المستعان.
وبإسناد عن فضيل بن عياض يقول لأصحاب الحديث: لما تكرهون على أمر تعلمون أني له كاره؟ لو كنت عبداً لكم فكرهتموه، ولو أعلم أني لو دفعت إليكم ردائي هذا ذهبتم عني لدفعته إليكم، يعني لو كنت أخلع ثيابي وأعطيكم إياها بس روحوا، لدفعتها.
وبإسناد عن سفيان الثوري قال: ليس طلب الحديث من عدة الموت، ولكنه علة يتشاغل به الرجل، ليس عدة تستعد بها للقاء الله، ليس ممدحاً، قال: وإنما هو شيء تملؤون به أوقات الفراغ، لكن علة يتشاغل بها الرجل، أنت فقط تملأ به أوقات فراغك، ولا هو ليس عدة للدار الآخرة، أن يكون أنت عندك 100 سند وهذا عنده 50 سند وهذا عنده 150 سند، ليس شيئاً يتشاغل به.
وبإسناد عن سفيان الثوري قال: أنا في هذا الحديث منذ 60 سنة، ووجدت أني خرجت منه كفافاً، لا لي ولا علي. وبإسناد هو كان يشعر بالمسؤولية، قال: أنا 60 سنة وأنا متخصص في الحديث، أتمنى أني أقبض وأطلع من الدنيا لا لي حسنات، بس أهم شيء ما يكون علي سيئات، طبعاً هذا ليس زهداً منه في هذا، لكن شعوره بالمسؤولية، مسؤولية حمل حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أنه مش مجرد معك أسانيد أنك انتهيت، لا، مسؤولية التبليغ والشرح والفهم والتوعية كبيرة.
وبإسناد عن سفيان الثوري أنه قال: ما تدرك إلى شيء إذا بلغت منه الغاية تمنيت أن تنقلب منه كفافاً.
وبإسناد إلى يموت بن المزرع يقول: إذا رأيت شيخاً يعدو فاعلم أن أصحاب الحديث خلفه، إذا رأيت الشيخ هارباً في الشارع، اعرف أن أصحاب الحديث ألحقوه، فهو يريد أن يهرب منهم، يعدو يركض في الطرقات.
وبإسناد عن أبي عاصم النبيل: الرئاسة في الحديث مذلة، إذا صحح الشيخ الحديث وحفظ وصدق قالوا: شيخ كيس، وإذا وهم في الحديث قالوا: كذب، يعني بهدلة أنك تكون إماماً في الحديث، لأنك إذا أخطأت في كلمة قالوا: الشيخ كذب، وطارت في الآفاق وسجلت في الكتب، ووهم شيخنا في هذا الحديث.
وذكر أحمد بن سعيد القطاني قال: رواة الشعر أعقل من رواة الحديث، لأن رواة الحديث يروون كثيراً من الأحاديث الموضوعة غير الصحيحة، ورواة الشعر ساعة ينشدون المصنوع يتفقدون ويقولون هذا مصنوع، مباشرة يتفقدون، يعني رواة الشعر يعرفون مباشرة البيت المصنوع الذي ليس من كلام امرئ القيس وغيره، أنه مختلق على لسانه، وكثير من رواة الحديث مسكين حتى الأحاديث الموضوعة يرويها وهو لا يعرف أنها موضوعة.
وبإسناد عن عمرو بن الحارث قال: ما رأيت علماً أشرف ولا أهلاً أسخف من أهل الحديث. وبإسناد عن مسعر قال: ما رأيت علماً أشرف من علم الحديث، ولا رأيت أهلاً أسخف من طلاب الحديث، لكن أرجع وأقول لك إنه هذه مشكلة، بيجي اليوم أحد مشتغل بالفقه ويوظفها في سياق ذم أهل الحديث، فكيف تقول؟ أقول لك: هو نفسه عمرو بن الحارث يقول ولم أجد أهلاً أسخف من أهل الحديث، أرجع وأقول لك فهم هذا السياق، قل لا يا أخي الله يرضى عنك، هو يتكلم عن نوع معين ممن يتتبع الأسانيد ولا يتعلم فقه الحديث ولا ينظر فيه، فقط شغله الشاغل في حياته أن يقال: أجازني فلان وأجازني فلان، هذا الذي يتكلم عنه، أما طالب الحديث المنشغل به شرحاً وتعليقاً ومعرفة للصحيح من الضعيف، هذا من أعظم ثغور الإسلام التي يجب الانشغال بها.
وبإسناد عن مسعر قال: من أبغضني جعله الله محدثاً، وجدت أن هذا العلم كان حمل قوارير، حملته على رأسي فوقع فتكسر، فاسترحت من طلابه، ووجدت أن هذا العلم كان حمل قوارير، تمنيت أنه قوارير على رأسي ووقع وتكسر وخلصت من طلاب الحديث من مشاكلهم.
وبإسناد عن سفيان بن عيينة ونظر إلى أصحاب الحديث فقال: أنتم سخنة عيني، لو أدركنا وإياكم عمر بن الخطاب لأوجعنا ضرباً. أيش يعني سخنة عيني؟ أي مرض عيني، كان بيطفي مرض عيني، وباء عيني.
وبإسناد عن مغيرة الضبي يقول: والله لأنا أشد خوفاً منهم مني من الفساق. يعني أصحاب الحديث، أنا خايف من أصحاب الحديث أكثر من خوفي من الفساق.
وبإسناد عن شعبة قال: كنت إذا رأيت أحداً من أهل الحديث جئت وفرحت به، فصارت اليوم ليس شيء أبغض إلي من أن أرى واحداً منهم. طبعاً كما قلت لك هو يدل على تبدل الحال، وأنه صار هؤلاء الطلاب فقط شغلهم الشاغل الرواية مع عدم الفهم والدراية.
وبإسناد عن شعبة قال: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟ أنزل عليهم الآية. قال أبو عمر: بلغني عن جماعة من العلماء أنهم كانوا يقولون إذا حدثوا بحديث شعبة هذا: وأي شيء كان يكون شعبة لولا الحديث؟ يعني كانوا يقولون: يا شعبة، أنت برضه زودتها، يعني أنت مش أمير المؤمنين في الحديث؟ شعبة أيش لقبه؟ أمير المؤمنين في الحديث، فأنت قاعد بتذم أهل الحديث وأنت أصلاً أمير المؤمنين في الحديث؟ ماذا كنت لولا الحديث يا شعبة؟ فلا تزودها على طلاب الحديث، بدها شوية معايرة.
قال أبو عمر بن عبد البر في الباب الذي ذكر: دون التفهم له تفقه، طبعاً هو هذا الذي يصل. قال أبو عمر: إن معيب الإكثار خوف من أن يدفع التدبر والتفهم، ألا ترى ما حكاه، كل النصوص السابقة؟ أيش يقول ابن...
عبد البر إنما عاب الإكثار خوفاً من أن يرتفع التدبر والتفهم. إذاً هذه مشكلة السلف الذين عابوا بعض طلاب الحديث، عابوهم على عدم الفهم والتدبر. ألا ترى ما حكاه بشر بن الوليد عن أبي يوسف؟ فقال: سألنا الأعمش عن مسألة، وأنا وهو لا غير، فأجبته. فقال لي: من أين قلت هذا يا يعقوب؟ فقلت: بالحديث الذي حدثتني أنت. ثم حدثته به، فقال لي: يا يعقوب، إني لأحفظ هذا الحديث من قبل أن يجتمع أبواك، ما عرفت تأويله إلا الآن! سبحان الله، يعني قال: سألني الأعمش عن مسألة فقهية، وكنا أنا وإياه جالسين لحالنا ولا غيري، فما إن سألنا الأعمش عن مسألة فقهية فأجبته، فقال لي: يا أخي، من أين أنت؟ كيف عرفت حكم هذه المسألة؟ قلت له: من حديث أنت حدثتني إياه، تمام. قال: والله أنا هذا الحديث أعرفه من خمسين أو ستين سنة، أول مرة أفهم معناه اليوم. هذا يدل على أن بعض الناس يروي الحديث، وهذا الأعمش وهو أحد رجال الصحيح ما كان عنده قمة الدراية بالاستنباط الفقهي.
نعم، قال: وروي نحو هذا أنه جرى بين الأعمش وأبي يوسف وأبي حنيفة، فكان من قول الأعمش: أنتم الأطباء ونحن الصيادلة. جميل، شوف هذا الإنصاف ما أجمله! الأعمش ماذا قال لأبي حنيفة وجماعته؟ أنتم الأطباء، يعني أنتم الفقهاء، ونحن الصيادلة، نحن الذين نصف الوصفة. فعلماء الحديث صيادلة، يصفون الوصفة، والفقيه طبيب.
قال ومن هاهنا قال الزبيدي: إن من يحمل الحديث ولا يعرف فيه التأويل كصيدلاني. وقد تقدم ذكر هذه الأبيات بتمامها، طبعاً عالم الحديث يكون صيدلانياً إذا كان لا يعرف الفقه فيه، أما إذا كان عالم الحديث يعرف الفقه فيه فهو طبيب صيدلاني. وبإسناد عن عبيد الله بن عمر قال: كنت في مجلس الأعمش فجاء رجل فسأله عن مسألة فلم يجب فيها، ونظر إلى أبي حنيفة فقال: يا نعمان قل فيها. قال: القول فيها كذا. فقال: من أين؟ قال: من حديث كذا أنت حدثناه. فقال الأعمش: نحن صيادلة وأنتم الأطباء، نفس الفكرة السابقة.
الحديث لا يحتمل حسن الظن، ايش هذا ما عندكم؟ عن أبي داود يقول: الحديث لا يحتمل حسن الظن. سمعت أبي يقول، الحديث عندكم النسخة أبي بس هو أبو داود نفسه عن أبيه، ايش يقول: الحديث لا يحتمل حسن الظن. ايش يعني هذا الكلام؟ يعني هذا أحسنت، هذا جانب يعني الحديث لا يحتمل حسن الظن، يعني مجرد أن شخص يروي الحديث لا يجعلني أحسن الظن بعلمه. حتى لو حدث عن النبي ﷺ، الحديث لازم إسناد، لازم في ثقة، لازم أتأكد منه، تمام هذا فهم. لكن قد يرويه من لا يفهم، فمجرد أنك محدث أو تروي الحديث هذا لا يجعلني أحسن الظن بسعتك وفهمك، قد تروي حديثاً موضوعاً أصلاً، قد تروي حديثاً غير دقيق، وقد تروي حديثاً وأنت لا تفهمه. هذا أظنه من الأفهام القريبة خاصة توظيف ابن عبد البر له في هذا السياق.
وبإسناد عن يحيى الإيماني يقول: يكتب أحدكم الحديث ولا يتفهم ولا يتدبر، فإذا سئل عن مسألة جلس كأنه مكاتب. يعني يكتب أحدكم الحديث لا هو فاهم ولا هو متدبر له، فإذا سئل عن مسألة فقهية جلس كأنه مكاتب، المكاتب هو العبد الذي يكاتب على مال، فكأنه يقول جلس العبد ويبدأ يحاول يفهم، مع أنه صار له في الحديث سنوات، لكن مسألة فقهية واحدة يضيع فيها.
وعن ابن المبارك أنه قال: ليكن الذي تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث. وقال وكيع: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به، وكنا نستعين على طلبه بالصوم. جميل سبحان الله، شوف فقه السلف هذا، جميل النص: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به. يعني أبرز وسائل تثبيت الحديث النبوي في قلبك أن تعمل به، طيب كيف تعمل به؟ بدك تكون فقهته وتدبرته، هذه موطن الشاهد، أن كيف استعين على الحفظ بالعمل به؟ إذاً لا بد أنني سمعته ففقهته ففهمت فعملت به، إذاً ما كانوا يقرؤون الحديث ولا يعملون بها، كانوا يفقهونها، السلف نعم.
قال وروى ابن مبارك عن سفيان قال: قال لي إياس بن معاوية: أراك تطلب الحديث والتفسير، فإياك والشناعة فإن صاحبها لن يسلم من عيب. قال أبو عمر: مثل هذا يقول الشاعر: زوامل للأسفار لا علم عندهم بجيدها، إلا كعلم الأباعد لعمر كما يدري البعير إذا غدا بأحمال أو راح. ما في غرائر، الغرائر هي الجرار، هي فكرة أنه أنا زاملة حديث ولست أعرف ما عندي من الحديث من معانيه.
وقال عمار بن الكلبي: إن الرواة على جهل بما حملوا مثل الجمال عليها يحمل الودع، لا الودع ينفعه حمل الجمال له، ولا الجمال بحمل الودع تنتفع. وقال الخشني: قطعت بلاد الله للعلم طالباً، فحملت أسفاراً فصرت حمارها. إذا ما أراد الله حتفاً بنملة، أتاح جناحين لها فطارت. وقال منذر بن سعيد: انعق بما شئت تجد أنصاراً، وارم أسفاراً تجد حماراً، يحمل ما وضعت من أسفار، مثله كمثل الحمار يحمل أسفاراً له، وما درى إن كان ما فيها صواباً أو خطأ. إن سئلوا قالوا كذا روينا، ما إن كذبنا ولا اعتدينا. أوجههم من قال ذي رواية، ليس بمعناها له دراية، كبيرهم يصغر عند الحفل، لأنه قلد أهل الجهل.
وبإسناده عن الأعمش قال لأصحاب الحديث: لو رددتم حتى صار في حلقي أمر من العلقم ما عطفت على أحد إلا حملتم على الكذب. قال أبو يوسف القاضي: من تتبع غرائب الأحاديث كذب، ومن طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس. ومن تتبع غرائب الحديث كذب، كان بعض العلماء أو بعض المحدثين قديماً كان حتى يظهر أنه مميز يأتي بأحاديث غريبة، يقول لك هذا الحديث ما أحد يرويه إلا أنا، ويظهر في النهاية كذب.
وبإسناد عن ابن أبي ليلى قال: لا يفقه الرجل في الحديث حتى يأخذ منه ويدع. وبإسناد عن حمزة بن محمد بن علي الكناني قال: خرجت حديثاً واحداً عن النبي ﷺ من مائتي طريق أو نحو من مائتي طريق. قال: فدخلني من ذلك من الفرح غير قليل، وأعجبت بذلك. قال: فرأيت ليلة في منامي يحيى بن معين فقلت يا أبا زكريا، خرجت حديثاً عن النبي ﷺ من مائتي طريق. قال: فسكت عني ساعة ثم قال: أخشى أن يدخل هذا تحت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: 1] تكاثر بما لا ينفع، نسأل الله العفو والعافية.
قال وقال عمار بن زريق لابنه وراه يطلب الحديث: يا بني، يعمل بقليله تزهد في كثيره. يعني أنت إذا كان شغلك الشاغل العمل فإنك ستكتفي بقليل الحديث، دوبك تعمل بقليل الحديث، كهذا المراد يعني. وبإسناد عن أبي ثعلبة الخولاني عن النبي ﷺ قال: إن الله تبارك وتعالى لا يزال يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم بطاعته. قال أبو يعقوب: بلغ أحمد بن حنبل قال: هم أصحاب الحديث. يعني هنا بدأ في الجانب الآخر، يعني شوي نخفف على أهل الحديث، أنه في المقابل لهم مدائح، أصحاب الحديث أنهم من الغرس الذين يستعملهم الله في طاعته. دائماً أي قضية يجب أن تدرس بتوازن، تفهم أين تذم وأين تمدح.
وبإسناد عن شعبة يقال: إذا رأيت المحبرة في بيت إنسان فارحمه، وإن كان في كمك شيء فأطعمه. قال: إذا رأيت المحبرة في بيت إنسان فارحمه، وإن كان في كمك شيء فأطعمه، لأنه انشغاله بعلم الحديث سيجعله يتشاغل عن طعامه وأهل بيته، وراح تكون طفران وفقير ومسكين، هكذا حال بعضهم لكثرة انشغاله بالكتابة والتصنيف. وهذا يدل على أن العلم يشغل الإنسان ويأخذ عقله، وهي حقيقة ممدحة من هذا الجانب أن طالب العلم يستوفي وقته وجهده على طلب العلم وتحصيله، وليس هذا ذماً مطلقاً.
وبإسناد عن مالك قال: ينبغي أن تتبع آثار رسول الله ﷺ، لا تتبع الرأي. مدح على اتباع الأحاديث، لا يفقه الرجل في الحديث حتى يأخذ منه ويدع.
باب ما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي والظن والقياس على غير أصل، وعيب الإكثار من مسائل دون اعتبار. عن عمار بن زبير قال: لا يجوز أن يقال في دين الله بالرأي غير المبني على أصول شرعية، والظن غير المبني على أصول، والقياس على غير أصل. الرأي والظن والقياس هذه المفاهيم الثلاث أيها الشباب تمدح في سياق وتذم في سياق. عموماً متى يمدح الرأي والظن والقياس؟ إذا كان مبنياً على أصول علمية، فأغلب المسائل الفقهية هي ظن أصلاً، أغلب المسائل هي ظنية.
الظن في المسائل الفقهية أغلبها ظن، كما كان مالك يقول: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ [الجاثية: 32]. لكن ظن العلماء ظن مبني على قواعد، وهذا ممدوح. أما الظن المنهي عنه هنا، كما قال ابن عبد البر: هو الرأي والظن والقياس على غير أصل؛ يعني بدون أن يكون لك أصل بنيت عليه رأيك أو ظنك أو قياسك. وعيب الإكثار من المسائل دون اعتبار وتدبر وتفكر؛ يعني ليست العبرة أن تعطيني خمسين أو ستين مسألة في المجلس، لا، أعطني خمس مسائل أفهمها وأعيها، أفضل من أن نتكلم في ستين أو سبعين مسألة، وفي النهاية نحن غير متصورين وغير مستوعبين لحيثياتها.
عن عروة بن الزبير قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله عز وجل لا ينتزع العلم من الناس بعد إذ أعطاهموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون، فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون». هذا موطن الشاهد في الحديث: «فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون». إذًا هذا ذم للإفتاء بالرأي. هم يفتون برأيهم، لكن أي الرأي هنا الذي ذمه صلى الله عليه وسلم؟ هو الرأي الذي ليس مبنيًا على قواعد، وإلا ففقهاء الكوفة فقهاء الرأي، هل هؤلاء مذمومون؟ لا، المراد الرأي بغير أصل.
حدث عروة بذلك عائشة رضي الله عنها، ثم إن عبد الله بن عمر حج بعد ذلك، فقالت لي عائشة: يا ابن أختي، انطلق إلى عبد الله فثبت لي منه الحديث الذي حدثتني به عنه. قال: فجئت فسألته، فحدثني به كنحو ما حدثني. فأتيت عائشة فأخبرتها، فعجبت وقالت: والله لقد حفظ عبد الله بن عمرو.
وعن أبيك الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفترق أمتي على بضع وسبعين شعبة فرقة، أعظمها فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم، يحرمون به ما أحل الله، ويحلون به ما حرم الله». هذا موطن الشاهد: «يقيسون الدين برأيهم»؛ أي بهواهم وليس على أصول الشريعة وكلياتها. وما أكثرهم اليوم، وإن كان هذا الحديث لا يصح حقيقة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر: هذا هو القياس على غير أصل، والكلام في الدين بالتخرص والظن. ألا ترى إلى قوله في الحديث: «تخرص»؟ التخرص هو الظن والتخمين والتقدير بدون علم وقواعد. وقال: ألا ترى إلى قوله في الحديث: «يحللون الحرام ويحرمون الحلال»؟ ومعلوم أن الحلال ما في كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم تحليله، والحرام ما في كتاب الله وسنة الرسول تحريمه. فمن جهل ذلك وقال فيما سُئل عنه بغير علم، وقاس برأيه، حرم ما أحل الله بجهله، وأحل ما حرم الله من حيث لم يعلم، فهذا هو الذي قاس الأمر برأيه فضل وأضل. ومن رد الفروع في علمه إلى أصولها فلم يقل برأيه. أما من قاس، ومن رد الفروع إلى أصولها، فهذا لا يعتبر أنه قال برأيه. صحيح القياس هو شكل من أشكال الاجتهاد، لكن هل نقول إن من قاس قال برأيه؟ لا، هو قال بناءً على القياس على أصول الشريعة.
وبإسناد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله، وبرهة بسنة صلى الله عليه وسلم، ثم يعملون بالرأي، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا». هذا الرأي غير المبني على أصل.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال وهو على المنبر: يا أيها الناس، إن رأي النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان صوابًا؛ لأن الله كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف. إذًا كان ليس مبنيًا على قواعد. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "أصبح أهل الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يعوها وتفلتت منهم أن يرووها، فاستبقوا بالرأي".
اتقوا الرأي في دينكم، قال سحنون: "يعني البدع". اتقوا الرأي في دينكم؛ يعني اتقوا البدع في دينكم، فالرأي هنا فسره سحنون بمعنى البدع. قال أبو بكر بن أبي داوود: أهل الرأي هم أهل البدع، وهو القائل في قصيدته: ودع عنك آراء الرجال وقولهم ... فقول رسول الله أزكى وأشرح
وعن عبد الله بن مسعود: لا يأتي عليكم زمان إلا وهو شر من الذي قبله، أما إني لا أقول أمير خير من أمير، ولا عام أخصر من عام، ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفًا، فيجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم، فهذا فساد الزمان بذهاب الفقهاء، وكلما ذهب عالم فهذه ثلمة في جدار الأمة.
وعن ربيع بن خثيم أنه قال: يا عبد الله، ما علمك الله في كتابه من العلم فاحمد الله، وما استأثر عليه به من العلم فكله إلى عالمه، ولا تتكلف. إن الله عز وجل يقول لنبيه: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: 86]. التكلف ما هو؟ خوض في شيء بغير علم. فالله نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن التكلف، ونحن إذًا من باب أولى وأحرى. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: 87-88].
وبإسناد عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها». هذا موطن الشاهد، إن في أمور سكت الله عنها رحمة لا نسيان، فلا تبحثوا عنها، لا تفتش في أشياء سكت الله عنها رحمة بنا.
وبإسناد عن ابن عباس قال: إنما هو كتاب الله وسنة رسوله، فمن قال بعد ذلك برأيه فما أدري في حسناته يجد ذلك أم في سيئاته. وبإسناد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: السنة ما سنه الله ورسوله، ولا تجعل خطأ الرأي سنة للأمة. لا يجعل الإنسان رأيه إمامًا يُتبع.
وذكر عن عروة بن الزبير قال: لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيمًا حتى أحدث فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم، فأحدثوا فيهم بالرأي فأضلوا بني إسرائيل. وذكر المولدون أبناء سبايا الأمم؛ يعني تعرفون لما تحدث الفتوحات، فكان يحدث سبايا من الأمم التي تُفتح، وهؤلاء كلهم أغلبهم لم يكونوا ممن يتقنون العربية وفهمها، فأتوا على الشريعة وجنوا عليها. هذا حدث في بني إسرائيل وحدث في هذه الأمة.
وذكر عن الشعبي أنه قال: إياكم والمقايسة، فوالذي نفسي بيده، لئن أخذتم بالمقايسة لا تحلون الحرام ولا تحرمون الحلال، ولكن ما بلغكم من حفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحفظوه. طبعًا المقايسة هنا القياس الذي على غير الأصل، نرجع نقول القياس الذي على غير أصل، أما القياس على الأصل فهذا الكل سلكه.
وعن الشعبي قال: إنما هلكتم حين تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس. وبإسناد عن مسروق قال: لا أقيس شيئًا بشيء. قلت: لما؟ قال: أخاف أن تزل قدمي. تمام، لكن هذا لا يجعل قاعدة عامة، القياس مطلوب. وبإسناد عن ابن سيرين قال: كانوا يرون أنه على الطريق ما دام على الأثر؛ يعني كانوا يرون أن الإنسان على طريق السلف ما دام متمسكًا بالآثار، ولم يقل برأيه المذموم الهوى.
وبإسناد عن عبد الله بن المبارك قال: إن ابتليت بالقضاء فعليك بالأثر. وعن سفيان قال: إذا ابتليت بالقضاء، يعني إذا جُعلت قاضيًا في بلدة، فعليك أنك تتمسك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم تقضي من خلالها وليس برأيك وهواك. وعن سفيان قال: إنما الدين الآثار، وهو أصل الدين. يعني هذا حصر، وهذا هو حصر يسمونه مبالغة دعائية لبيان أن أهم ركن في الدين هو السنة وآثار النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.
وعن ابن المبارك يقول: ليكن الذي تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث. وعن شريح أنه قال: انتقي من الآراء ما يفسر الحديث، والأصل هو الحديث. وعن شريح أنه قال: إن السنة تطفئ قياسكم، فاتبعوا ولا تبتدعوا، فإنكم لن تضلوا ما أخذتم بالأثر.
وروي عن الشعبي قال: إن السنة لم توضع بالمقاييس؛ يعني أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وسنته ليس الشيء وضع بالمقاييس وإنما هو وحي إلهي. السنة لم توضع بالمقاييس والهوى واجتهادات السنة، السنة وحي إلهي. فإياك أن تقلل منها وتأتي إلى آراء الرجال، فآراء الرجال ليس وحي، ما في رأي معصوم.
قال وروي عن الشعبي قال: إنما هلك من كان قبلكم حين تشعبت بهم السبل وحادوا عن الطريق، فتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم، فضلوا وأضلوا. وعن مسروق قال: من يرغب برأيه عن أمر الله يضل. من يرغب عن أمر الله يعني يترك أمر الله ويأخذ رأيه يضل. إن اليهود والنصارى بعد ذلك إنما انسلخوا من العلم. وذكر عن ابن شهاب أنه قال، وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي وتركهم سننًا، فقال: إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي كان بأيديهم حين استبقوا الرأي وأخذوا فيه.
وبإسناد عن عروة بن الزبير أنه كان يقول عن أبيه: السنن السنن، فإن السنن قوام الدين. وكان عروة يقول: أزهد الناس في عالم أهله. ما معنى أزهد الناس في عالم أهله؟ هي ربما شرحتها مرارًا، الفكرة أنه دائمًا الناس الذين يعرفونه ويختلطون بك حتى ولو كنت عالمًا يزهدون بك، لذلك عادة أبناء العلماء لا يكونون علماء في العادة؛ ليه؟ لأنه يزهد في علم أبيه، وأبوه ممكن ينشغل عنه قليلًا فالولد يضيع، ولكن هذا ليس صوابًا، الأصل العالم على الأقل أن يربي أولاده ويهتم بهم ويرعاهم، حتى على الأقل إذا لم يخرجوا علماء يخرجوا على استقامة، فإن هذا ليس بجيد أن يقال هذا العالم انشغل بتربية الناس ونسي تربية أولاده، هذا ليس بصواب ولا شرع.
وبإسناد عن أحمد بن سنان قال: سمعت الشافعي رحمه الله يقول: مثل الذي ينظر في الرأي ثم يتوب منه مثل المجنون الذي عولج ثم برئ، فأعقب ما يكون قد هاج به. وبإسناد عن هشام بن عروة قال: إن بني إسرائيل لم يزل أمرهم معتدلًا حتى نشأ فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم، فأخذوا فيهم بالرأي فضلوا.
وعن الزهري قال: إياكم وأصحاب الرأي، أعيتهم الأحاديث. قال ابن عبد البر: قال أبو عمر: اختلف العلماء في الرأي المقصود إليه بالذم والعيب في هذه الآثار المذكورة في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه رضي الله عنهم، وعن التابعين لهم بإحسان. فقال طائفة: الرأي المذموم هو البدع المخالفة للسنة في الاعتقاد؛ ك رأي جهم بن صفوان وسائر أهل الكلام، لأنهم قوم استعملوا قياسهم وآراءهم في رد الحديث.
فقالوا: لا يجوز أن يُرى الله عز وجل في القيامة؛ لأنه عز وجل يقول: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: 103]، فردوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم ترون ربكم يوم القيامة». يعني هؤلاء الجهم بن صفوان والمعتزلة، مثلًا رؤية الله يوم القيامة كيف نفوه؟ النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث متواترة أخبر أن الله يُرى يوم القيامة، هم نفوا هذه الأحاديث وقالوا: الله يقول لا تدركه الأبصار، هذه مقايسة عقلية وفهم عقلي، هم وصلوه، بل أغلبنا، ونحن قلنا دائمًا أهل البدع المعطلة إنما شبهوا ثم عطلوا، مش كنا دائمًا نقول إنهم تصوروا الله بصفاته كما يُتصور في المخلوق، فلما رأوا أن هذا لا يكون في الله نفوا أصل الصفات، فخطؤك أولًا أنك قست الله على المخلوق ثم نفيت بعد ذلك، من الذي أذن لك أن تقيس الله على المخلوق ابتداءً؟
قال: وتأولوا في قول الله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23] تأويلًا لا يعرفه أهل اللسان ولا أهل الأثر، وقالوا: لا يجوز أن يُسأل الميت. إيش قالوا في ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؟ قالوا: أي تنتظر أن يأتي ربها، وهل هذا مع الآية؟ إلى ربها ناظرة أي تنتظر أن يأتي ربها حتى ينفوا أن هناك رؤية بصرية لله، حرفوا الآية.
بهذه الطريقة، وهذا مسلك أهل البدع عموماً. نعم، وقالوا لا يجوز أن يُسأل الميت في قبره؛ لقول الله عز وجل، وكثير من المعتزلة، بل كثير منهم لا كلهم، نفوا عذاب القبر وفتنة القبر التي هي سؤال الميت في قبره. نعم، إلى قول الله عز وجل ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: 11]، فردوا الأحاديث المتواترات في عذاب القبر وفتنته، وردوا الأحاديث في الشفاعة على الآية، يعني لا يوجد فيها أي دليل؛ فكونك ميتاً في القبر هذا لا يعني أنك لا تعذب بطريقة لا يعلمها إلا الله أو لا تفتن. نعم، فردوا الأحاديث المتواترة في عذاب القبر وفتنته، وردوا الأحاديث في الشفاعة، وقالوا: لن يخرج من النار من دخل فيها، وقالوا: لا نعرف حوضاً ولا ميزاناً ولا نعقل ما هذا، وردوا السنن في ذلك كله برأيهم وقياسه إلى أشياء يطول ذكرها من كلامهم في صفات الباري تبارك وتعالى.
وقالوا: علم الباري محدث في حين حدوث معلومه؛ لأنه لا يقع علمه إلا على معلوم، فراراً من قدم العالم بزعمهم، يعني هذا من قول المعتزلة عفواً أنهم يقولون، وقول بعضهم طبعاً حتى دائماً ننصف أنه يقول: إن الله لا يعرف الأشياء إلا بعد أن تحصل. وهؤلاء كفرهم السلف الذين قالوا إن الله لا يعرف الأشياء إلا بعد أن تحصل. هؤلاء حدثوا في آخر زمن الصحابة، هم الذين جاؤوا إلى ابن عمر فأخبروه بأن أقواماً قالوا: إن الأمر أُنُف، وإن الله لا يعرف الشيء إلا بعد حصوله، فقال لهم ابن عمر: بلغوهم أن ابن عمر بريء منهم، وأنهم براء مني حتى يعودوا. فالذين يقولون إن الله لا يعرف الأشياء حتى تحصل، إذاً أنت وصفت الله بالجهل، وهذا كفر والعياذ بالله؛ فعلم الله سابق. قال: فلهذا قال أكثر أهل العلم إنما الرأي المذموم المعيب المهجور الذي لا يحل النظر فيه ولا الاشتغال به هو رأي المبتدع وشبهه، نعم من ظروف البدع.
طب هذا القول الأول في تفسير الرأي المذموم. وبإسناد عن أبي بكر بن أبي داوود قال: سمعت أبي يقول: سمعت أحمد بن حنبل، سمعت الشافعي يقول: مثل الذي ينظر في هذا الرأي ثم يتوب منه مثل المجنون. وبإسناد عن أبي بكر بن أبي داوود قال: سمعت أبي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا تكاد ترى أحداً نظر في هذا الرأي إلا وفي قلبه دغل؛ يعني دغل، كأنه يقول لك شبهة، فساد، يعني عدم وضوح شيء من ذلك.
وقال آخرون وهم جمهور أهل العلم: إن الرأي المذموم، القول الثاني أن المراد بالرأي المذموم في هذه الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين هو القول في أحكام شرائع الدين بمجرد الاستحسان والظن غير المبني على علم، والاشتغال بحفظ المسائل المعضلة التي لا يحتاجها الناس والأغلب اللي هي المسائل فيها ألغاز، ورد الفروع والنوازل بعضها على بعض قياساً دون ردها إلى أصول الشريعة؛ تقيس الفرع على الفرع وليس على الأصل والنظر بدون الرد إلى أصولها ودون النظر في عللها واعتبارها. فاستعملوا فيها الرأي قبل أن تنزل، يعني دخلوا حتى في مسائل لم تقع في واقع الأمة وافترضوها وبدؤوا يتكلمون فيها؛ فاستعملوا فيها الرأي قبل أن تنزل يعني قبل أن تصبح نازلة يحتاج إلى الفتوى فيها، اللي هو الفقه الافتراضي، فرّع وشقق قبل أن تقع وتكلم فيها قبل أن تكون يعني قبل أن توجد، كيف تكلم فيها بالرأي المضارع للظن؟ يقصد بالظن غير المبني على أصول. قال: وفي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل السنن والبعث على جهلها، وهذا هو الصحيح، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها ومن كتاب الله ومعانيه.
واحتجوا على صحة ما ذهبوا إليه من ذلك بأشياء، منها ما رواه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: لا تسأل عما لم يكن، فإني سمعت عمر يلعن من سأل عما لم يكن؛ هذه قضية كان الصحابة يذمون أي فقه افتراضي، لا تسأل عن المسألة إلا إذا وقعت. ونهى رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن الأغلوطات، عرفنا الأغلوطات المسائل اللي يحصل فيها الغلط وهي المسائل اللي بسموها الألغاز، أعطيك مسألة دوبك أنت فاهمها وفيها لغز وفيها خفاء، ما الفائدة من ذلك؟ قال فسره الأوزاعي قال: يعني صعاب المسائل. الأوزاعي فسر الأغلوطات يعني المسائل الصعبة اللي هي نادر أن تحصل، لكل مثلاً 100 سنة تحصل مرة واحدة، طيب ايش فائدة أن أشغل الشباب بمسألة لكل 100 سنة تصير مرة؟ لا علمهم أحكام الطهارة والصلاة.
وبإسناد عن معاوية بن أبي سفيان أنهم ذكروا المسائل عنده فقال: أما تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن عضال المسائل؟ واحتج أيضاً بحديث سهل بن سعد وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره المسائل وعظالها، وبأنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل يكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال». وعن سهل بن سعد قال: لعن الرسول صلى الله عليه وسلم المسائل وعظالها، هكذا المسائل يعني الفقه الافتراضي، هذا المراد أنه تظلك تقول: فإن حصل كذا فإن حصل كذا فإن حصل كذا فما الحكم؟ وتكون كلها أشياء افتراضية يندر جداً أن تحصل، فلا داعي لإشغال الناس بها؛ ربما شيخ متخصص مع طلاب محدودين يمكن أن يبرر له، لكن في المجالس العامة إنما يُشغل الناس بتعليمهم ما يفيدهم وما يثمر في حياتهم.
وبإسناد عن عبدة بن أبي لبابة قال: وددت أن أحظى من أهل هذا الزمان أن لا أسألهم عن شيء ولا يسألوني عن شيء، يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدراهم بالدراهم. وبإسناد عن جرابي بن مسلم أنه سمع الحجاج بن عامر الثمالي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم وكثرة السؤال». وفي سماع أشهب سُئل مالك عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنهاكم عن قيل وقال وكثرة السؤال» فقال: أما كثرة السؤال فلا أدري أهو ما أنتم فيه مما أنهاكم عنه من كثرة السؤال، فقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعظالها، وقال الله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101]، فلا أدري أهو هذا أم السؤال في مسألة الناس في الاستعطاف. وقد ذكرنا ما للعلماء من القول في قيل وقال وكثرة السؤال في الموطأ في كتاب التمهيد والحمد لله.
واحتج أيضاً بما رواه ابن شهاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أباه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته». طبعاً هذا إنما يتصور في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أنك تسأل عن شيء لم يحرم فيُنزل الله تحريمه، هذا متى يتصور؟ في زمن الوحي، زمن النبي عليه الصلاة والسلام، أما في زمننا هذا ما في وحي ينزل. وروى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك الذين من قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم»، والذي بعده نحوه.
وبإسناد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو على المنبر قال: أحرج بالله على كل امرئ سأل عن شيء لم يكن، فإن الله قد بين ما هو كائن. وبإسناد عن ابن عباس قال: ما رأيت قوماً خيراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أسأله إلا عن ثلاثة عشر مسألة حتى قُبض صلى الله عليه وسلم، كلها في القرآن. يقول لك الصحابة لم يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة عشر مسألة، لكن الذي يظهر أن المراد بالصحابة الصحابة الذين كانوا ملازمين له، وأما إذا كان الأعراب يأتون فكان الصحابة يحبون مجيء الأعرابي ليه؟ لأنه الأعرابي يسأل ولا يلتزم بمقامات الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، أما الصحابة الملازمون قيل إنهم لم يسألوا إلا ثلاثة عشر مسألة كلها وردت في القرآن، يسالونك عن الأهلة ويسألونك عن المحيض ويسألونك عن اليتامى وهكذا. نعم كلها في القرآن، ويسألونك عن المحيض ويسألونك عن الشهر الحرام من المسألة إلى ثلاث.
قال أبو عمر: ليس في الحديث من الثلاث عشر مسألة إلا ثلاث، قالوا يعني هذا الحديث لم يُذكر فيه من الثلاث عشر مسألة إلا الثلاث آيات هذه. قال: ومن تدبر الآثار المروية في ذم الرأي المرفوعة وآثار الصحابة والتابعين في ذلك علم أنه ما ذكرنا قالوا؛ ألا ترى أنهم كانوا يكرهون الجواب في مسائل الأحكام ما لم تنزل، فكيف وضع الاستحسان والظن والتكلف وتسطير ذلك واتخاذه ديناً؟ وذكروا من ذلك، وأذكر من الآثار أيضاً بإسناده عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعجلوا بالبلية قبل نزولها، فإنكم إن لا تفعلوا أوشك أن يكون فيكم من إذا قال سدد أو وُفّق، فإنكم إذا عجلتم تشتت بكم الطرق هاهنا وهاهنا». يعني إذا لم تنزل النازلة يا أخي ما في داعي تبحثون، قال فإذا تركتم كل شيء لأوانه أوشك إذا نزل بكم هذا الشيء أن الله يوفق أحد العلماء أو كذا ويسدد لأن يقول فيها بالصواب إذا نزلت، فهمتم؟ لا تعجلوا بالبلية أي النازلة، لا تعجل في كلام في شيء لم يقع؛ فإنكم إذا سكتّم عن الشيء حتى يقع أوشك الله أن يجعل فيكم من يسدد ويوفق، أنه يأتي العالم في النازلة فيسدد ويوفق لها. أما أنكم تستعجلوا في الكلام فيها قبل وقوعها بنصير نختصم ونتجاهل ونختلف وهي لسه ما صارت، فالإنسان ينتبه لذلك.
مثل بعض الشباب يعني: إذا يسر الله لنا وفتحنا هذا البلد كيف سنحكم؟ فهذا بيختلف، لا لا يا أخي أنا مع الشيخ الفلاني راح أكون، لا أنت مع أي شيخ ستكون يا أخي واحنا فتحنا البلد ولا احنا ماسكين شبر؟ وهذا يحدث عادة في مسائل المسلمين ونوازلهم، يختصمون على طريقة الحكم وكيف سيحكم في هذه الدولة بعد فتحها وهو لساته شبر واحد مش ماسكه منها، فيقول لك يا أخي إذا نزلت المسألة بنتكلم فيها، إذا نزلت بنسأل، أما الآن دعونا على ما تتفق عليه القلوب. ومشكلة بيصيروا جماعات وطوائف وأحزاباً، لأنه والله منهج الشيخ في الحكم بعد الانتصار يختلف عن منهج شيخنا، وأنت شيخك ولا شيخه ماسك شيء! هذا للاسف، أنتم رأيتم ما حدث في تاريخ الأمة، اختلاف وطوائف وجماعات ورايات، وكل واحد يظن أنه هو صاحب الحكم وهو ما مسك شبراً على الأرض، هذا دلالة الجهل، وأن هذه الطوائف والجماعات لا يقودها أهل علم وإنما يقودها أهل جهل، والعالم يعرف متى يتكلم في المسألة ومتى لا.
لا تعجلوا بالبلية قبل وقوعها، شوف فقه الصحابة والأئمة كيف يكون. وبإسناد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إنه لا يحل لأحد أن يسأل عما لم يكن، فإن الله تبارك وتعالى قد قضى ما هو كائن. وعن مسروق قال: سألت أبي بن كعب عن مسألة فقال: أكانت هذه؟ قلت: لا. قال: فأجلني حتى تكون؛ يعني خلاص نعني بس تيجي مسألة بنتكلم فيها. وبإسناد عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه كان لا يقول برأيه في شيء يُسأل عنه حتى يقول: أأنزلت أم لا؟ فإن لم تكن نزلت لم يُفتِ فيه، وإن تكن وقعت تكلم فيه. وبإسناد قال: وكان إذا سُئل عن مسألة فيقول: أوَقَعت؟ فيقال له: يا أبا سعيد ما وقعت ولكنا نعدها، فيقول: دعوها، فإن كانت وقعت نجهز لها، نعد لها، يعني عم نجهز إذا وقعت، قال: لا، أنتم خلوها إذا وقعت بنسولف.
هذا منطق عظيم وجميل عموماً في الجملة، خاصة المسائل التي تختلف فيها الأنظار ويحصل فيها تنافر قلوب. لا تطرح مسألة يختلف فيها قلبك وقلب أخيك ويصير جماعتين، ونفرغ ونحن لم نفعل شيئاً بعد.
وذكر عن هشام بن عروة قال: ما سمعت أبي يقول في شيء قط برأيه؛ قال: ربما سئل عن شيء فيقول: هذا من خالص السلطان. وعن ابن شهاب قال: من أحب أن يسأل وليس بأهل أن يسأل فما ينبغي أن يسأل.
وذكر عن ابن هرمز قال: أدركت أهل المدينة وما فيها إلا الكتاب والسنة، والأمر ينزل فينظر فيه السلطان. وقال لي مالك: أدركت أهل هذه البلاد وهم لا يكرهون هذا الإكثار الذي في الناس، أدركت أهل المدينة وما فيها إلا الكتاب والسنة والأمر ينزل فينظر فيه السلطان. يعني إذا نزلت الواقعة سلطان الزمان إذا كان مجتهداً، أو من هو في حاشيته ينظرون فيه ويفصلون؛ هذا معنى قوله سابقاً: هذا من خالص السلطان، أي هذا حق للسلطان. لما ينزل الأمر، إذا كان من أهل الاجتهاد -قديماً بعض السلاطين كان هو نفسه من أهل الاجتهاد- وإذا لم يكن من أهل الاجتهاد، فمعاوية.
هذا كله يدل على أن السلف رضوان الله عليهم طريقتهم كانت باختصار الاهتمام بما تحته عمل، والاشتغال بالعمل. نحن طلاب العلم للاسف لما قل عملنا أصبحنا نتكاثر بماذا؟ بالمسائل والردود والإشكالات، وماذا فعل فلان، والشيوخ، ورد الشيخ الفلاني على الشيخ الفلاني، والتبديع. نحن لماذا عندنا تضخم في هذه الأمور؟ لأننا لم نشتغل بقيام الليل وتدبر القرآن والعمل بما نتعلم والمحافظة على الأوراد والأذكار. السلف هذا كان شغلهم، هكذا كانت طريقة تفكيرهم في طلب العلم أنني أطلب لأعمل؛ نحن نطلب لنتكامل، يقال فلان دكتور أو كذا، فلذلك اختلفت النفسية فاختلفت الآثار.
وذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لأبي مسعود عقبة بن عمرو رضي الله عنه: إني منبه أنك تفتي الناس ولست بأمير، ولي حارها من تولى قارها. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إياكم وهذه العضل، ولي حارها من تولى قارها. يعني الذي يكون هو في زمن البرد، هو الحاكم أو صاحب الشيء، هو الذي يكون في زمن السخونة صاحب الأمر. يقول لك: ولي حارها من تولى قارها؛ يعني لما يكون الذي يتولى زمن القر هو الذي يتولى زمن الحر. أما الذي ليس صاحب رأي في الحالة الطبيعية لا ينبغي أن يتكلم في هذه المسائل، لأنه إذا نزل شيء فليس هو صاحب الأمر فيها؛ السلطان هو الذي سيكون صاحب الأمر، أو المجتهد الذي يعمل مع السلطان، أو الهيئة الشرعية أو السلطة القضائية هي المسؤولة عن هذا الأمر، هي المسؤولة في حالة القر وفي حالة الحر.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إياكم وهذه العضل، فإنها إذا نزلت بعث الله عز وجل إليه من يقيمها ويفسرها. وعن يزيد بن أبي حبيب، عبد الملك، الله يرسل من يوفقه، ومن يوفق لفهمها كما مر معنا قبل قليل؛ يعني إذا نزلت بلية كن واثقاً أن ربنا سيسخر للمسلمين من يفهمها، لا تقلق، بس خليها تنزل ما تشغلني فيها الآن، لما تنزل الله يوفق من يحلها.
وذكر عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الملك بن أبي مروان أنه سأل ابن شهاب عن شيء، فقال له ابن شهاب: أكان هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: لا. قال: فدعه، فإنه إذا كان آت الله عز وجل له بفرج. وبإسناد عن ابن عمر رضي الله عنه قال: يا أيها الناس لا تسألوا عما لم يكن، فإن عمر كان يلعن من يسأل عما لم يكن. وبإسناد عن أبي موسى بن علي عن أبيه قال: كان زيد بن ثابت إذا سأله إنسان عن شيء قال: هل كان هذا؟ فإن قال نعم، نظر، وإلا لم يتكلم.
وبإسناد عن عامر قال: أتى زيد بن ثابت قوم فسألوه عن أشياء فأخبرهم بها فاكتبوها، ثم قال: لو أخبرنا. قال: فأتوه فأخبروه فقال: عذراً، لعل كل شيء أحدثكم به خطأ؛ إنما اجتهدت لكم رأيي. وعن عمر بن دينار قال: قيل لجابر بن زيد إنهم يكتبون ما يسمعون منك، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، يكتبون رأياً أرجع عنه غداً.
وعن المسيب بن رافع قال: كان إذا جاء الشيء من القضاء ليس فيه في الكتاب ولا في السنة سمي صوافي الأمراء فيرفع إليهم، فجمع له أهل العلم فما اجتمع عليه رأيهم فهو الحق. وذكر الطبري في كتاب تهذيب الآثار له حدثنا حسن بن صباح: ايش يعني صوافي الأمراء؟ يعني هذا ليس من شغل عوام المفتين، حتى وإنما من شغل الهيئات الشرعية التي يعينها الأمراء. فهمتم؟ يعني إذا نزلت نازلة ليست في الكتاب ولا في السنة هي نفس الفكرة الماضية؛ هذا خالص السلطان، هذا صوافي الأمراء، عبارة عم تتكرر معنا صحيح. يعني إذا نزلت النازلة السلطان يكل، إذا كان مجتهد اجتهد، مش مجتهد يكلف الهيئات الشرعية والخلص له من المشايخ أهل العلم ينظرون فيها ويفتون فيها، فليس من شأن كل من هب ودب أن يأتي ليقترح شيئاً في مسألة لم تقع بعد ولم تنزل.
وذكر الطبري في كتاب تهذيب الآثار له بإسناد عن مالك قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تم هذا الأمر واستكمل، فإنما ينبغي أن تتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتبع الرأي، فإنه متى تتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى في الرأي منك فاتبعته، فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته. أرى هذا لا يتم؛ أنت صارت القضية من الأقوى في الحجة راح أتبعه، وبالتالي تصير أنت كل يوم على رأي شيخ من الشيوخ.
قال وقال عبدان سمعت عبد الله بن مبارك يقول: ليكن الذي تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأي ما تفسر به الحديث. قال ابن مبارك، قال مالك بن دينار: قد تدري أي علم رفعت؟ رفعت قيماً بين الله وبين عباده فقلت: هذا يصلح وهذا لا يصلح. وذكر عن يحيى بن سعيد قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب فسأله عن شيء فأملاه عليه، ثم سأله عن رأيه فأجاب، فكتب الرجل، فقال الرجل من جلساء سعيد: أيُكتب يا أبا محمد رأيك؟ فقال سعيد: ناولنيها، فناول صحيفة فأحرقها؛ يعني أراد ألا يكتب رأيه ولا يدرى.
وذكر عن عبد الله بن وهب أن رجلاً جاء إلى القاسم بن محمد فسأل عن شيء فأجابه، فلما ولى الرجل دعاه فقال له: لا تقل إن القاسم زعم أن هذا هو الحق، ولكن إن أطلت إليه عملت به. وروى عن الأوزاعي قال: عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرف لك القول. وذكر البخاري عن بكير عن الليث قال: قال ربيعة بن شهاب: يا أبا بكر إذا حدثك الناس برأيهم فأخبرهم أنه رأيك، وإذا حدثت الناس بشيء من السنة فأخبرهم أنه سنة لا يظنوا أنه رأيك.
جميل وهذا جيد، أن بعض الناس يريد أن يجعل رأيه هو السنة. بعض المشايخ هداهم الله لما تأتي مسألة هو يراها هكذا، يقول: والسنة في فعل النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فالعامي ايش يظن؟ أنه هي السنة، وبالتالي بصير يظن أن المخالف مبتدع، مع أنه المسألة يكون فيها خلاف بين المذاهب الأربعة. فمهم جداً إذا تصدرت غداً ومسألة فيها خلاف بين المذاهب الفقهية، لا تقل من السنة كذا، ليه؟ حتى لا توهم الطالب أن المخالف لرأي الشيخ سيكون مبتدعاً. لا، إذا كنت أنت سنة صريحة متفق عليها قل من السنة كذا، أما شيء لم يتفق عليه أنه سنة فالمالكية قالوا برأي والشافعية قالوا والحنابلة وآراء ليست آراء بدعية؛ من آراء المتأخرين ممن يكثر فيهم التصوف والتمشي. الفقهاء الأوائل مسألة فيها خلاف، فإياك أن تقول من السنة كذا حتى لا توهم الطالب أن الرأي المخالف لك مبتدع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا وقع في بعض المشايخ وفعلاً أثروا على طلبتهم بهذا الطلب.
أحياناً قد يقال إذا رأيت أن هذا العامي ممن عقله متشنج، وأعطيته أنه كذا، سيحمل الناس أنه قال شيخنا كذا وكذا والمخالف لا، أنت حب سيدنا الشيخ أنت عامي. فأنا أحياناً للعوام أنا لا أشتت وأقول وقال الشافعي وقال أحمد، أقول هذه مسألة اختلف فيها العلماء والذي أفتيك به كذا وكذا، لماذا أقول هذه مسألة اختلف فيها العلماء؟ حتى هو يفهم أنه مش مسألة متفق عليها، فهمه فقط أنها مسألة مش متفق عليها يعينه على أن يحمل الناس على رأي شيخه، وأنه فقط شيخه هو الذي قال وغير كلام شيخه باطل. فأحياناً هل أنا ملزم كلما أفتيت أن أقول والمسألة فيها خلاف؟ لست ملزماً، لكن على الأقل لا تعطِ العامي عبارة تشعره أن قولك هو الأوحد في المسألة، إذا المسألة فيها خلاف معتبر بين الأقدمين، مهم جداً هذا؛ لأنك كثيراً من المشايخ أوهموا طلابهم أن آراءهم هي السنة.
فماذا فهم الطلاب؟ أن ما قاله الشافعي أو أبو حنيفة بدعة، وهذا ليس بصحيح. مسألة أصلاً مثلاً أعطيك مثال زكاة الفطر، تمام؟ تعرفون دائماً الخلاف في كل سنة، تخرج قيمة ولا تخرج عيناً؟ الآن بعض المشايخ يقول السنة فيها كذا، وبالتالي أصبح طلاب ايش يقولون؟ الذي يفتي بإخراجها قيمة مبتدع لأنه خالف السنة، طيب هل هذا صحيح؟ هل هذا الطرح صحيح ولا هي مسألة أصلاً خلافية من أيام السلف من أيام الأئمة أصحاب المذاهب؟ في الحقيقة هنا يأتي النظر، أنه حقيقة مسألة فيها خلاف قديم، وكثير من أهل الحديث اعتبروا الخلاف فيها، لا يحق لك أنك تيجي تقول السنة كذا والمخالف كذا مبتدع، لا. مسألة فيها خلاف، أنت ترى الأرجح إخراجها عيناً جزاك الله خير، أنت ترى الأرجح إخراجها قيمة جزاك الله خير، أما السنة وكذا والقول الثاني كأنه بدعة هذا طرح غير صحيح في المسائل الخلافية والله أعلم.
قال وبإسناده عن ابن وهب قال لمالك بن أنس وهو ينكر كثرة جواب المسائل: يا عبد الله، ما علمته فقل به ودل عليه، وما لم تعلم فاسكت عنه، إياك أن تتقلد للناس قلادة سوء. وبإسناد عن عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: دخلت على مالك فوجدته باكياً، فسلمت عليه فرد علي ثم سكت عني يبكي، فقلت له يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنب، إن لله على ما فرط مني، ليتني جلدت بكل كلمة تكلمت بها في هذا الأمر بسوط ولم يكن فرط مني ما فرط من هذا الرأي وهذه المسائل، وقد كان لي سعة فيما سبقت إليه. كانوا يتحسرون أنهم خاضوا في المسائل والإكثار من المسائل التي بعضها لم يقع.
وبإسناد عن سحنون بن سعيد يقول: ما أدري ما هذا الرأي، سفكت به الدماء واستحلت به الفروج واستخف به الحقوق؛ غير أن رأينا رجلاً صالحاً فقلدناه. وبإسناد عن الأوزاعي قال: إذا أراد الله عز وجل أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه الأغاليط. وروي عن الحسن أنه قال: إن شرار عباد الله الذين يجون بشرار المسائل. يعني تعنت تحتها وتكد العقول في فهمها فيتعب بها طلاب العلم ولا إنتاج.
وبإسناد عن أحمد بن زيد قال: قيل لأيوب، مالك لا تنظر؟
في الرأي، فقال أيوب: قيل للحمار: مالك لا تجتر؟ قال: أكره مضغ الباطل. وروينا عن رقبة بن مسقلة أنه قال لرجل: الحمار مالك لا تجتر؟ والاجترار هو أن يخرج الشيء من أمعاء البعير، فالبعير يجتر، أي يخرج من أمعائه فيرجع يمضغ بعدين ينزل، فالبعض على الاجترار مما في سنامه وأمعائه، أن يخرج الشيء إلى جوفه يعيد مضغه ثم يعيده. فقيل للحمار: مالك لا تجتر؟ قال: أكره مضغ الباطل. يعني يقول لك الذي وصل المعدة خلص، لماذا أجتر مرة أخرى وأخرجه إلى فمي وأمضغ؟ فيقول: هكذا حالي. قال: مالك لا تنظر في الرأي؟ قيل لأيوب: قال أيوب: قيل للحمار مالك لا تجتر؟ قال: أكره مضغ الباطل. وهو يقول إن الرأي باطل، فأكره أن أمضغه؛ فالانشغال بالرأي والكلام بدون علم هذا شيء باطل، لا أريد أن أمضغه بعقلي.
نعم، قال: وروينا عن رقبة بن مسقلة أنه قال لرجل يختلف إلى أبي حنيفة: هذا يكفيك من رأيه ما مضغت، وترجع إلى أهلك بغير ثقة. يعني كان يقول له: ما تستفيد من جلوسك عند أبي حنيفة؟ يكفيك الذي مضغته من كلام أبي حنيفة، وستعود إلى أهلك بآراء غير ثقة؛ لأنها إنما هي ظنون أبي حنيفة. وأرجع أقول لك أحياناً كل جملة يجب أن تقيم، لأنه أحياناً يكون رجل يغلو ورجل يجفو؛ فهل هذا الكلام صحيح؟ لا، يمكن كطالب علم أن يستفيد من أبي حنيفة ويجلس معه. فأنا أقرأ بعض العبارات، أفهم عقلية الذي قالها، وأحاول أن أفهم عقلية الذي يقول هذه العبارة ماذا يريد أن يوصل، أو هل هو عنده تحامل على فكرة معينة؟ ممكن يكون عنده تحامل؛ فأحياناً ليس كل شيء تقرأه في الكتاب تبصم له بالعشرة، خاصة مقولات أتباع التابعين وغيرهم، هؤلاء تقيم العبارة التي تخرج منهم وأحاول أن أوازن: هل هي صحيحة أو غير صحيحة؟
نعم، قال: وسئل رقبة بن مسقلة عن أبي حنيفة فقال: هو أعلم الناس بما لم يكن، وأجهل الناس بما قد كان. قال: هو أعلم الناس بالمسائل الافتراضية، وأجهل الناس بالمسائل الواقعية. يعني ما بدي أمشي له إياها، بس مش صحيح، سامحوني. نعم، قال: وقد روي هذا القول عن حفص بن غياث في أبي حنيفة، يريد أنه لم يكن له علم بآثار من مضى، والله أعلم. وهذا ليس بصحيح، وليس بإنصاف؛ أبو حنيفة إنسان افتري عليه كثيراً وادعي عليه. نعم هو ليس في مقام مالك ولا أحمد في الأحاديث، ولا هو لم يدع ذلك أصلاً، لكن العبرة أنه يقال ليس له علم بالآثار أبداً، هذا كلام مش صحيح، فهناك مسند لأبي حنيفة وآثار جمعت له، لكن طبيعة الواقع الذي عاش فيه جعل درايته بالحديث أقل من غيره. لكن هل يقال ليس له دراية بآثار من مضى؟ هذا إنما هو من تحامل مخالفيه عليه.
نعم، وبث الشعبي قال: والله لقد أبغض هؤلاء القوم إليّ المسجد، حتى لهو أبغض إليّ من كناسة داري. قلت: من هم يا أبا عمرو؟ قال: أرائي، اللي هو رأيي ورأيي، سمهم أرائي، رأيي في المسألة كذا ورأيي في المسألة كذا. نعم قال: منهم الحكم وحماد وأصحابه، حماد بن أبي سليمان والحكم بن عتيبة وغيره.
نعم، وعن ربيع بن خثيم قال: إياكم أن يقول الرجل: شيء الله حرم هذا ونهى عنه، فيقول الله: كذبت، لم أحرمه ولم أنه عنه. قال: أو يقول إن الله أحل هذا وأمر به، فيقول: كذبت، لم أحله ولم آمر به. وذكر عن مالك بن أنس قال: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا، ولا أدركت أحداً أقتدي به يقول في شيء هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، إنما كانوا يقولون نكره هذا ونرى هذا حسناً ونتقي هذا ولا نرى هذا. وزاد عتيق بن أيوب: ولا يقولون حرام ولا حلال. أما سمعت قول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 59]. الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله. قال أبو عمر: معنى قول مالك هذا أن ما أخذ من العلم رأياً واستحساناً لم يقل فيه حلال ولا حرام، والله أعلم.
وقد روي عن مالك أن ما أخذه من العلم رأياً واستحساناً لم يقل فيه حرام ولا حلال. لذلك عبارات أحمد والشافعي في المسائل الفقهية، لما ترون في مصطلحات العلماء مثلاً أحمد، ايش كان يقول؟ ينبغي أن يفعل أو لا ينبغي، صح؟ كان يخشى أن يقول حرام وحلال صراحة. أحمد وغيره من العلماء في المسائل الاجتهادية كانوا يستعملون عبارة ألطف، يقول: لا يعجبني ذلك، ينبغي أن يفعل ذلك. ليش ما يقول حرام وحلال بشكل صريح؟ ورعاً، يقول لك: يا أخي هذا رأيي، أنا أخشى أن أقول كلمة حلال تكون كبيرة أو حرام، خلص لا ينبغي، بطريقة ألطف. لكن اليوم بشوف الشباب لا، حرام مباشرة. طب يا أخي، يعني إذا كان أحمد يقول ما ينبغي، أنت مندفع تقول حرام مباشرة؟
نعم، قال: وقد روي عن مالك أنه قال في بعض ما كان ينزل فيسأل عنه فيجتهد فيه برأيه: "لا أظن إلا ظناً وما نحن مستيقنون". هكذا كان مالك يقول: "لا أظن إلا ظناً". نعم، قال: ولقد أحسن أبو العتاهية حيث قال: وما كل الظنون تكون حقاً، ولا كل الصواب على القياس. وبإسناده عن أبي وائل قال: لا تقاعد أصحاب "أرأيت"، لا تجلس مع من يكثر من "أرأيت إن حصل كذا"، اللي هو أصحاب الفقه الافتراضي: أرأيت إن وقع كذا؟ طب أرأيت طب أقولك خلينا نحن فيما نحن فيه الآن.
نعم، وبإسناده عن الشعبي قال: ما كلمة أبغض إليّ من أرأيت. طيب قال الشعبي: احفظ عني ثلاثاً لهن شأن: إذا سئلت عن مسألة فأجبت فيها فلا تتبع مسألتك "أرأيت"، يعني لا تفترض. خلص، سئلت عن مسألة في شيء، خلص أفت بما سئلت عنه ولا تبدأ تفترض "أرأيت إذا وقع"، "أرأيت إذا حصل". طيب، قال: فإن الله يقول في كتابه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: 43]، الاستدلال بهذا يعني يقول لك الله عز وجل قال ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
الثانية: إذا سئلت فلا تقس شيئاً بشيء، فربما حرمت حلالاً أو حللت حراماً. والثالثة: إذا سئلت عما لا تعلم فقل لا أعلم، وأنا شريكك. يعني إذا أنت مشيت على هذا المنهج أنا شريكك، يعني أنا وإياك نكون على نفس المنهج وعلى نفس الطريق. وبإسناده عن الشعبي قال: إنما هلك من كان قبلكم في "أرأيت".
وذكر عن ليث بن سعد يقول: رأيت ربيعة بن أبي عبد الرحمن في المنام فقلت له: يا أبا عثمان ما حالك؟ فقال: صرت إلى خير، إلا أني لا أحمد على كثير مما خرج مني من الرأي. أنه ربيعة الرأي، اسمه أصلاً كان يلقب بربيعة الرأي، شيخ مالك، لكثرة خوضه في الرأي، لكن في النهاية أنا لا أعتمد على رؤيا منام.
نعم، وبإسناده عن أيوب قال: بلغني أن أهل العلم كانوا يقولون: إذا أراد الله أن لا يعلم عبده خيراً شغله بالغالط. وإذا أراد الله أن يمحق البركة من حياة العالم، يجعله يشغل بما لا يفيد. وبإسناده عن ابن شبرمة قال: أنا أول من سمى أصحاب المسائل "الهداهد"، وقال: سألنا فلم ننل عما سألنا، وكم من عريف طرحته الهداهد. وبإسناده عن مالك قال: ما زال هذا الأمر معتدلاً حتى نشأ أبو حنيفة فأخذ فيهم بالقياس. مع أن ابن شبرمة كان من أصحاب الرأي يعتبر يعني، فلاحظوا بالتالي لما يقول أصحاب المسائل، إذاً هم يعني أصحاب الرأي كانوا يذمون بعض أصحاب الرأي، لأن ابن شبرمة من أصحاب الفقه بالرأي، لكن رأيه محمود مبني على قواعد، فبالتالي هو يذم طرفاً آخر ممن يكثر ما لا فائدة منه.
نعم، قال: وذكر عن مالك قال: لو خرج أبو حنيفة على الأمة بالسيف كان أيسر عليهم مما أظهر فيهم من القياس والرأي. طبعاً هذه مسائل يجب تفهم في سياقها الخلاف بين أهل الحديث وأهل الرأي.
وبإسناده عن ابن عيينة قال: لم يزل أمر أهل الكوفة معتدلاً حتى نشأ فيهم أبو حنيفة. قال موسى: هو من أبناء سبايا الأمم، أمه سندية وأبوه نبطي. قال: والذين ابتدعوا الرأي ثلاثة وكلهم من أبناء سبايا، وهم ربيعة بالمدينة، وعثمان البتي بالبصرة، وأبو حنيفة بالكوفة.
قال أبو عمر: وأفرط أصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة وتجاوزوا الحد في ذلك، والسبب الموجب لذلك عندهم إدخاله الرأي والقياس على الآثار واعتبارهما. وأكثر أهل العلم يقولون إذا صح الأثر من جهة الإسناد بطل القياس والنظر، وكان رده لما رد من الأحاديث بتأويل محتمل. اه، شوف، بلش ينصفه، قال: يا عمي حتى نكون منصفين مع أبي حنيفة، كان رده لما رد من الأحاديث -أي حديث ورد عن أبي حنيفة أنه لم يعمل به- له فيه تأويل محتمل، لم يقل هواه، لا هو يفكر بطريقة معينة تختلف عن طريقة علماء الحجاز وليس كلامه خارجاً عن قواعد الشريعة.
نعم، قال: وكثير منه تقدمه إليه غيره وتابعه، وكثير من خلافه ليس هو أول من قاله، كثير من آرائه كان سبق فيها من مدرسة الكوفة من إبراهيم النخعي وعلقمة وغيرهم من تلاميذ ابن مسعود، ليس أبو حنيفة أول من قال بها حتى يتحمل وزرها كما يقولون. وتابعه عليه مثله ممن قال بالرأي، وجل ما يوجد له من ذلك ما كان منه اتباعاً لأهل بلده كإبراهيم النخعي وأصحاب ابن مسعود. إذاً كل آرائه في العادة إنما هي أصلاً ناشئة من مدرسة ابن مسعود وتلاميذه علقمة وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان، وليست هي أموراً ابتدعها أبو حنيفة وكان أول من قال بها.
نعم، قال: إلا أنه أغرق وأفرط في تنزيل النوازل هو وأصحابه. ماشي، إذا بدك تنتقد أبا حنيفة أنه أكثر من الافتراض هذا يرجع لك، أنت ما بدك الفقه الافتراضي الذي كان يعتمده يرجع لك، لكن هذا لا يقدح في مقامه العلمي. هو خلص رأى أن الفقه الافتراضي مطلوب، غيره كان يرى أنه لا يتكلم في الفقه الافتراضي، لكن هذا لا ينزل من منزلة الرجل الدينية والفقهية.
نعم، قال: والجواب فيها برأيهم واستحسانهم فيأتي منهم في ذلك خلاف كثير للسلف، وشنع عليه مخالفوه ببدع. وما أعلم أحداً من أهل العلم إلا وله تأويل في آية، أو مذهب في سنة رد من أجل ذلك مذهب بسنة أخرى بتأويل سائغ أو ادعاء نسخ، إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيراً، وهو يوجد لغيره قليل. في النهاية يقول لك يعني هذا ليس خاصاً بأبي حنيفة؛ أبو حنيفة إذا تأول بعض الأحاديث فغيره من العلماء ممن هو محسوب على السلف أيضاً له تأويلات وله آراء، لكن بدك تقول مثلاً أبو حنيفة أكثر تأويلاً مقارنة بغيره، فهو ابن عبد البر بده يوصلك لموازنة معينة، أنه أخفوا على الرجل وأقلوا عليه، ودعوكم من تحميله والكلام فيه بما لا يصح، أنت لم يعجبك مستك الفقهي ممكن تلوم بعض المناحي الفقهية.
التي سلكها، لكن إسقاط حرمة الرجل وعلمه ومكانته هذا ليس من دأب المنصفين. وذكر عن الليث بن سعد أنه قال: أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما قال فيها برأيه. قال: ولقد كتبت إليه أعظه في ذلك. فمالك بن أنس، والليث بن سعد فقيه مصر، يقول مالك بن أنس خالف أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في كم مسألة؟ في سبعين مسألة خالف صريح الحديث مثل مسألة خيار المجلس وغيرها. إذاً ليس أبو حنيفة، طبعاً الإمام مالك خالف بناءً على تأويل، فبقول لك إذا مالك بن أنس قلتم هذه السبعون مسألة له فيها تأويل لذلك خالف الحديث، طيب يا سيدي أبو حنيفة مش سبعين، مئة وخمسون، في النهاية هي فقط اختلاف نسب وتناسب، وكل شخص له رأي واحتمال ولم يتعمد هذا.
ما أراد ابن تيمية أصلاً رفع الملام عن الأئمة الأعلام إنما صنفه ابن تيمية دفاعاً عن أبي حنيفة ومن كان في رتبته، أن هؤلاء لا يقولون شيئاً يتعمدون به مخالفة السنة، وإنما لهم رأي في شروط الحديث المقبول، ولهم رأي في طريقة فهم الحديث. قال أبو عمر: ليس أحد من علماء الأمة يثبت حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرده دون ادعاء نسخ ذلك بأثر مثله، أو بإجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن في سند الحديث مثلاً. ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته فضلاً عن أن يتخذ إماماً، ولزمه اسم الفسق، ولقد عافاهم الله عز وجل من ذلك.
يقول لك ابن عبد البر: ولقد عافاهم الله من ذلك، يعني أبا حنيفة وغيره، عافاهم الله من أن يكونوا في فسق أو يتقصدوا رد الأحاديث، وإنما هم اجتهاد وتأويل، أما في قبول الحديث فلهم شروط، يقول لك هذا الحديث لا يصح على أصولي، يعني لا يلزمني أن آخذ بشروط أهل الحجاز، فهو رجل وأهل العراق لهم مدرسة معروفة في قبول الحديث، فالكلام يطول في هذا.
ونقم أيضاً على أبي حنيفة الإرجاء، وهي النقطة السلبية الثانية التي انتقمت على أبي حنيفة، الإرجاء الذي هو إرجاء الفقهاء، ماشي، هذه ثابتة كما قال شيخ الإسلام، لكنه إرجاء إرجاء فقهاء وليس إرجاء الجهمية والأشعرية، فإرجاؤه يعني خطأ لكنه محتمل مقارنة بغيره، ولا يسقط مكانته ومنزلته. قال أهل العلم: من ينسب إلى الإرجاء كثير، لم يعن أحد بنقل قبيح ما قيل فيه كما أعين بذلك في أبي حنيفة لإمامته. يعني بقول لك أنت اشتغلت في أبي حنيفة في الإرجاء، طيب قتادة بن دعامة السدوسي وغيره من كبار المفسرين واتهموا بالإرجاء، قال في كثير من أهل العلم الأول اللي كان عنده إرجاء فقهاء ما اشتغلوا فيهم، اشتغلوا في أبي حنيفة، فواضح أنه في تقصد لهذا الشخص لسبب من الأسباب، يعني عرض على الساحة أكثر من غيره مع أن الإرجاء الذي كان عنده كان موجوداً عند غيره.
وكان أيضاً مع هذا يحسد وينسب إليه ما ليس فيه، الثالثة أنه كان مع هذا يحسد، لأن أبا حنيفة كان من أذكياء الدنيا وهذا بشهادة أهل زمانه، واضح أنه في نوع من الحسد. يعني ابن عبد البر يقول لك في نوع من الحسد لهذا الرجل خاصة أن مذهبه حكم شطر العالم الإسلامي عبر قرون متطاولة، ففي نوع من الحسد وتحميل الرجل كلاماً لم يقله. ويختلق عليه ما لا يليق به، وقد أثنى عليه جماعة من العلماء يفضلونه، ولعلنا إن وجدنا نشطة نجمع من فضائله وفضائل مالك والشافعي والثوري والأوزاعي رحمهم الله كتاباً، أملنا جمعه قديماً في أخبار الأئمة، طبعاً هذا الكتاب مناقب الأئمة الثلاث لابن عبد البر، ألف كتاباً في مناقب أبي حنيفة ومالك والشافعي.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ولجميع المسلمين. ساق المصنف بإسناده رحمه الله إلى يحيى بن معين قال: أصحابنا يفرطون في أبي حنيفة وأصحابه، فقيل له كان أبو حنيفة يكذب؟ فقال: كان أنبل من ذلك. فيحيى بن معين ممن عدل أبا حنيفة. وسأحكي عن سفيان بن شبيب يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي سفيان كله رأي وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الأثر. يعني حتى أحمد كان يقول في النهاية حتى كلام الأوزاعي ومالك رأي، فليس إذاً مالك والأوزاعي أفضل من أبي حنيفة في هذه الفكرة.
وبسند عن الدراوردي قال: إذا قال مالك: وعليه أدركت أهل بلدنا، والمجتمع عليه عندنا، فإنما يريد ربيعة الرأي ابن أبي عبد الرحمن وابن هرمز. وبالتالي مالك الموطأ الشاهد اعتبر برأي ربيعة مع أن ربيعة من أهل الرأي. وذكر عن يحيى بن معين قال: ما رأيت أحداً أقدمه على وكيع، وكان يفتي برأي أبي حنيفة وكان يحفظ حديثه كله، وكان قد سمع من أبي حنيفة أحاديث كثيرة، إذاً أبو حنيفة كان شيخ ربيعة، وربيعة شيخ مالك. قال الأزي: هذا يحيى بن معين تحامل وليس وكيع كيحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي.
وقيل ليحيى بن معين أبا زكريا، أبو حنيفة كان يصدق في الحديث؟ قال: نعم صدوق. قيل له: والشافعي كان يكذب؟ قال: ما أحب حديثه ولا ذكره. وقيل ليحيى بن معين: أيما أحب إليك؟ يعني هذا يدل على تحامل يحيى بن معين أنه ماذا قال، أن الشافعي أنا لا، عنده مشكلة معه يحيى بن معين هذه، لذلك كان يقول ابن عبد البر: هذا كلام الأقران، كلام الأقران في زمانهم لا يلتفت إليه كثيراً، قد يكون في جانب من بشرهم في النهاية وفي أمور نفسية تدخل في هذا.
وقيل ليحيى بن معين: أيما أحب إليك أبو حنيفة أو الشافعي أو أبو يوسف القاضي؟ فقال: فأما الشافعي فلا أحب حديثه، وأما أبو حنيفة فقد حدث عنه قوم صالحون، وأبو يوسف لم يكن من أهل الكذب كان صدوقاً، ولكن لست أرى حديثه يجزل. قال أبو عمر: لم يتابع يحيى بن معين أحد في قوله في الشافعي، وقوله في حديث أبي يوسف، وحديث الشافعي أحسن من أحاديث أبي حنيفة، يعني الإنصاف، الإنصاف أن حديث الشافعي أقوى من حديث أبي حنيفة حتى نكون منصفين.
وقال الحسن بن علي الحلواني: قال لي شبابة بن سوار: كان شعبة حسن الرأي في أبي حنيفة. إذاً شعبة أيضاً ممن أثنى على أبي حنيفة. وكان يستشهدون بأبيات مساور الوراق: إذا ما الناس يوماً قايسوا بأبي حنيفة من الفتية لطيفة، وذكر الأبيات. وقال علي بن المديني: أبو حنيفة روى عنه الثوري وابن مبارك وحماد بن زيد وهشيم ووكيع بن الجراح.. التي فيها مدح لرأي أبي حنيفة. وعباد بن العوام وجعفر بن عون وهو ثقة لا بأس به، وقال يحيى بن سعيد: ربما استحسن شيئاً من قول أبي حنيفة فنأخذ به. قال يحيى: وقد سمعت من أبي يوسف الجامع الصغير، ذكر الأزي حدث محمد بن حرب بإسناده المديني فذكر من أوله إلى آخره حرفاً بحرف.
قال أبو عمر: الذين رووا عن أبي حنيفة ووثقوه وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلموا فيه، والذين تكلموا فيه من أهل الحديث أكثر ما عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس والإرجاء. وكان يقال: يستدل على نباهة الرجل الماضين بتباين الناس فيه. انظر إلى الإنصاف الختامي، أول شيء ابن عبد البر يقول لك الذين رووا عن أبي حنيفة ووثقوه أكثر من الذين تكلموا فيه، طبعاً الخطيب البغدادي كان له وجهة نظر أخرى حقيقة في تاريخ بغداد أنه قال: لا، وأكثر أهل الحديث على ذم أبي حنيفة. لكن حقيقة هو قال أكثر أهل الحديث، لكن هو العلماء ليسوا فقط أهل الحديث، الدائرة أوسع، فابن عبد البر وهو من أهل الحديث يقول لك: لا، الذين وثقوا أبا حنيفة أكثر من الذين طعنوا فيه. طيب أنا مش مقتنع بكلام ابن عبد البر، إذاً أقل شيء أنها تكون المسألة عندك يا أخي خلافية محتملة، يا أخي أنت عامي مقتنع بذم أبي حنيفة، لكن هذا ليس شيئاً يدافع عنه وليس رأياً، لأنه في غيرك من هو أعلم منك دافع عنه، هذه فقط ما أحاول أن أوصلك إليه.
قال: ألا ترى إلى علي بن أبي طالب قال: يستدل على نباهة الرجل من الماضين بتباين الناس فيه، يقل من علامة أن له فضل وذكاء ونبوغ، أن له حساداً، وبالتالي تباين الناس فيه يدل أن له حساداً وخصوماً، فهذا يدل على فضله وليس على جرحه. هكذا يريد أن يقول لك. قال: ألا ترى إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قد هلك فيه فتيان، نعم علي بن أبي طالب كان له محبون ومبغضون، أليس كذلك؟ نعم، محب مفرط ومبغض مفرط، طيب حكم تقول بعض العلماء، وقد جاء في الحديث أنه يهلك فيه رجلان محب مطر ومبغض مفتر، وهذه صفة أهل النباهة ومن بلغ في الدين والفضل الغاية، والله أعلم.
وقال أبو عمر: بلغ عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: ما أحدث أحد في العلم شيئاً إلا سئل عنه يوم القيامة، فوافق السنة تسالم، وإلا فهو العطب. وقد ذكر من آثار في باب أصول العلم وفي باب صفة العالم ما يغني عن الكلام في هذا الباب، وبالله التوفيق. وبإسناد عن مالك بن أنس قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استكمل هذا الأمر، فإنما ينبغي أن يتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما بعده.
ورووي عن حفص بن غياث عن أبيه قال: كنت جالساً عند أبي حنيفة، ربما سمعته يقول في اليوم الواحد في مسألة واحدة خمسة أقوال، انتقل من قول إلى قول، فقمت عنه وتركته وطلبت الحديث. لكن هذا لا يدل على ركاكة أبي حنيفة وإنما على تقواه، أحمد بن حنبل أليس عنده في بعض المسائل سبع روايات وخمس روايات، هل أحد طعن في أحمد بن حنبل لأنه أحياناً يختلف رأيه إلى رأيين وثلاث وأربع، هذا ليس ذماً.
وبسند عن عبد الله بن المبارك قال: كان يعجبني مجالسة سفيان الثوري، وكنت إذا شئت رأيته مصلياً، وإذا شئت رأيته في الزهد، وإذا شئت رأيته في الغامض من الفقه، وربما مجلس شهدته ما صلى فيه. قال عبدان: كأنه عرض بمجلس أبي حنيفة. باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض، ورب مجلس شهدته ما صلى فيه على النبي عليه الصلاة والسلام. قال عبدان: كأنه عرض بمجالس أبي حنيفة. باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض، وبسند عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، البغضاء هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين.
هنا يعني بس حتى عفواً، ربما أنا فهمي كان خاطئاً لما قال: ورب مجلس شهدته ما صلى فيه، يعني ابن المبارك يقول مجالسة سفيان، هذا هو الفهم الصحيح، مجالس سفيان لا دائماً فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما ورب مجلس شهدته، عرض بمجالس أبي حنيفة، يعني كان ابن المبارك يريد أن ينتقد أبا حنيفة فيقول يا أبا حنيفة كثير من مجالك لا يفشو فيها الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، يعني أنت لا تروي الحديث، بينما سفيان مجالسه متنوعة فيها حديث وفيه فقه. على هذا الفهم الذي أضافه ابن عبد البر يكون الشرح مختلفاً تماماً، لكن ابن المبارك هو أصلاً كان من تلاميذ أبي حنيفة لكن قيل إنه في آخر أمره اختلف عليه.
باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض، وبسند عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، قال: دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، البغضاء هي الحالقة، ما يعني حكم قول العلماء بعضهم في بعض، التي ذكرتها لكم، ابن عبد البر سيعطيكم قاعدة، لا يؤخذ كلام الأقران بعضهم في بعض، حكم قول بعض العلماء في بعض، يعني هذه المسألة عليك أن تفهمها، مهمة وخطيرة في واقعنا المعاصر، العلماء زي السخاوي والسيوطي معارك طاحنة بين السخاوي والسيوطي وكلام عالي جداً رحم الله الاثنين، كلام أقران، وهكذا في كل زمان، فأبو حنيفة له أقران حسدوه، يعني هذا الذي يريد أن يقوله.
يقول لك يا ابن عبد البر: أو تحامل، ممكن أخطأ أبو حنيفة بس زادوا عليه العيار شوي. فبيقول لك كلام الأقران يجب أن يتوقف ولا يتسرع في الأخذ به. نعم وبإسناد عن زيد رضي الله عنه قال: «دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء». نعم البغضاء وهي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، لكن تحلق الدين. والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أنبئكم بما يثبت ذلك بينكم؟ أفشوا السلام بينكم.
ابن عباس رضي الله عنه قال: استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده، لهم أشد تغيراً من التيوس في زربها. قال العلماء: بينهم غيرة وحسد أشد من التيوس التي تكون في الحظيرة، تمام؟ يعني غيرة في النهاية. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: خذوا العلم حيث وجدتم، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعض في بعض، فإنهم يتغيرون تغير التيوس في الزرب. يعني إذا فقيه ذم فقيهاً، شوي شوي، أنت لا، يعني في النهاية بشر هؤلاء، ممكن يكون في تحامل.
نعم وبإسناد عن الحسن بن جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: يؤخذ بقول العلماء القراء في كل شيء إلا قول بعض في بعض، فهم أشد تحاسداً من التيوس، نفس الفكرة ما بعدها. وقال سعيد في حديثه: إني وجدتهم أشد تحاسداً من التيوس. وبإسناد عن كعب قال: قال موسى صلى الله عليه وسلم -كعب الأحبار يروي عن موسى عليه السلام- أنه قال: يا رب، أي عبادك أعلم؟ قال: عالم غرثان من العلم، ويوشك أن تروا جهال الناس يتباهون بالعلم ويتغيرون عليه كما تتغير النساء على الرجال، فذاك حظهم منه. يعني قال جهال الناس يصبحوا يتباهون بالعلم ويتغيرون عليه تمام، كل واحد يقول أنا عندي العلم، وواحد يقول لك لا، كما تفعل النسوة إذا أحبت رجلاً، كل واحدة تريد هي أن تقول هو يحبني لا يحبني أنا، وعلى هذا الحال.
نعم وبإسناد عن عبد العزيز بن أبي حازم قال: سمعت أبي يقول: العلماء كانوا فيما مضى من الزمان إذا لقي العالم من هو فوقه في العلم كان ذلك يوم غنيمة، وإذا لقي من هو مثله ذاكره، وإذا لقي من هو دونه لم يزهُ عليه. حتى كان هذا الزمان، فصار الرجل يعيب من هو فوقه ابتغاء أن يقطع منه حتى يرى الناس أنه ليس به حاجة إليه، ولا يذاكر من هو مثله، ويزهو على من هو دونه فهلك الناس. قال أبو عمر: يعني البخاري يقول لا ينبل الرجل حتى يتعلم ممن هو مثله أو فوقه ودونه، لكن هذا يصف حالاً مختلفاً. بعض الناس لا يتعلم ممن فوقه حتى لا يقال إنه أعلم منك، ولا يتعلم ممن هو دونه تمام ازدراءً به، ولا يتعلم ممن هو مثله حتى يغلب.
قال أبو عمر: هذا باب قد غلق فيه كثير من الناس، وضلّت فيه نابتة جهلة لا تدري ما عليها في ذلك. والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته، وثبتت في العلم إمامته، وبانت ثقته وعنايته بالعلم، لم يلتفت فيه إلى قول أحد. انظر، هذا قاعدة سامحوني، لو جلسنا للفجر، هي قاعدة مهمة ما بقدرش أنط عنها حتى تفهم كيف الحكم على أبي حنيفة وغيره. إيش قال؟ والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته في الجملة، وثبتت في العلم إمامته، أنه راسخ في العلم وبانت ثقته وبالعلم عنايته، واضح أنه منشغل بالعلم وليس بالأهواء. قال: لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة، جيب لي كلام موثوق علمي موثق. لماذا جرحته؟
فرح يجي يقول لك يا أخي هي أحمد جرح أبا حنيفة وسفيان وكذا، أقول أحمد هؤلاء نقل إليهم كلام يعني الأسانيد إليهم صحيحة، لكن هم أنفسهم نقل إليهم كلام وليس شيئاً رأوه بأنفسهم. أحمد بن حنبل أصلاً ما كانش في زمن أبي حنيفة، فهو لم يرَ شيئاً بعينه، وإنما أسانيد نقلت إليه. نعم، قال: إلا أن يأتي في جرح ببينة عادلة يصح بها جرحه على طريق الشهادات، والعمل فيها من المشاهدة المعينة لذلك، بما يوجب تصديقه فيما قاله لبراءته من الغل والحسد والعداوة والمنافسة، وسلامتهم من ذلك كله، فذلك كله يوجب قبول قوله من جهة الفقه والنظر. وأما من لم تثبت إمامته ولا عرفت عدالته ولا صحت لعدم الحفظ وإتقان روايته، فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه، واجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه.
ودليل على أنه لا يقبل فيما اتخذه جمهور من جماهير المسلمين إماماً في الدين قول أحد من طاعن؛ إن سرف الطعن عليهم قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير منهم في حال الغضب، ومنه ما حمل عليه الحسد، كما قال ابن عباس ومالك بن دينار وأبو حازم، ومنه على جهة التأويل مما لا يلزم المقول فيه ما قال القائل فيه. يعني ما هو الدليل يا ابن عبد البر أن العالم الذي ثبت علمه واشتهر لا يقبل فيه قول الطاعنين؟ إن من اشتهر بالعلم وعرف وطارت سمعته في البلدان، وأخذت به مذاهب وأمم، ونصف العالم الإسلامي على مذهبه، لا يأتيني كذا، أقول والله بكلمة أسقطه وكأنه لا شيء. ما هو الدليل على أنه لا يجوز الإسقاط بهذه الطريقة الشنيعة؟ قال: حتى لا يقول أحد أن السلف قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير.
يعني السلف يعني في النهاية بشر، نفسيات إنسانية، فيعني لا تظن فيهم العصمة، فيمكن يكون سفيان تحامل شوي على أبي حنيفة عقلاً ممكن، وهذا لا يقدح في جلالة سفيان ولا يقدح في جلالة أبي حنيفة. قال: فالسلف إذاً بشر، كان يصدر منهم كلام في حال الغضب، كان يصدر منهم كلام حملهم عليه الحسد، بشر في النهاية كما قال ابن عباس ومالك بن دينار وأبو حازم. ومنه ما يكون منهم على جهة التأويل مما لا يلزم المقول فيه ما قال القائل فيه. يعني ممكن سفيان يا أخي تأوّل واجتهد في نقد أبي حنيفة، بس رأي سفيان لا يلزمني، لا يلزمني في أبي حنيفة، قد يكون متأولاً في ذمه.
قال: وقد حمل بعضهم على بعض السيف تأويلاً واجتهاداً، لا يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان ولا حجة توجبه. قال: وقد حمل بعضهم على بعض، يعني إذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان حملوا السيف، فتجيء تتصور في السلف أنهم سيكونون أنقى نفسياً حتى من بعض الصحابة؟ أنت بتتصور حالة مثالية، دعك منها، إذا الصحابة حملوا السيف بينهم، ليس كذلك ووقع الخطأ، ألا يمكن أن يحصل خلاف مثل هذا ويكون حاصل تحامل من بعضهم على بعض؟ ممكن عقلاً ولا لا؟ ممكن عقلاً وواقعاً. فالنظرة المثالية أنه لا يمكن أن يكون سفيان وهؤلاء زادوا العيار، لا هذا مش صحيح، هذه النظرة دقيقة. نعم قال: ونحن نرد في هذا الباب من قول أئمة الجلة الثقات السادة بعضهم في بعض، مما لا يجب أن يلتفت فيهم إليه ولا يعرّج عليه، وما يوضح لك صحة ما ذكرناه بالله التوفيق.
وبإسناد عن حماد قال: إنه ذكر أهل الحجاز فقال لقد سألتهم فلم يكن سيعطيك أمثلة على كلام قاله العلماء بعضهم في بعض وهو غير دقيق وحمل عليه. انظر ماذا قال: قد سألتهم فلم يكن عندهم شيء، والله لصبيانكم أعلم منهم، بل صبيانكم يعني أنه ذكر أهل الحجاز فقال أهل الحجاز ما عندهم شيء، والله صبيانكم أعلم من كل أهل الحجاز. طيب عن المغيرة قال: قال حماد بن أبي سليمان من مكة، فعل هذا كان من علماء الكوفة، فقال لنا: احمدوا الله يا أهل الكوفة، فإني لقيت عطاء وطاوساً ومجاهداً، فوالله صبيانكم وصبيان صبيانكم أعلم منهم. عطاء وطاوس اللي هم علماء الحجاز قال صبيان أهل الكوفة أعلم من عطاء وطاوس. طبعاً هذا كلام تحامل، يعني خلاص دعك منه، لا تروه، لا تقبله.
قال المغيرة: هذا بغي منه. قال أبو عمر: صدق المغيرة، وقد كان أبو حنيفة وهو أقعد الناس بحماد يفضل عطاء عليه. وذكر عن أبي حنيفة قال: المغيرة، شوف قال المغيرة الذي روى عن حماد، شوف الإنصاف، المغيرة الذي يروي عن حماد تلميذ حماد إيش بيقول: هذا بغي من شيخي، هذا بغي من حماد، يعني حماد زودها، كيف يعني صبيان الكوفة أعلم من عطاء؟ يعني زيادة من شيخي بس خلاص. فابن عبد البر بيقول: صدق المغيرة، هذا حماد بن أبي سليمان بغى، يعني ليس لهذه الدرجة يكون التحامل. نعم وذكر عن أبي حنيفة قال: ما رأيت أفضل من عطاء بن أبي رباح، يعني إذا أبو حنيفة نفسه كان يقول عطاء عالم مكة أعلم من شيخي حماد، فأنت يعني زودتها كثيراً.
نعم قال: وقد روي عن أبي حنيفة أنه قيل له: مالك لا تروي عن عطاء؟ قال: لأني رأيته يفتي بالمتعة. وقيل له: مالك لا تروي عن نافع؟ فقال: رأيته يفتي بإتيان النساء في أعجازهـن فتركته. وبإسناد عن أبي حنيفة قال: ما رأيت أفضل من عطاء مكرر، وبإسناد عن ربيعة أبي عبد الرحمن الزهري: لو جلست للناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقية عمرك، فقال الرجل للزهري: أما إنه لا يشتهى، نعم لا يشتهى أن يرى، أو لا يشتهي أن يراك، قال فقال الزهري: أما إنه لا ينبغي أن أفعل ذلك حتى أكون زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة. وعن ابن شهاب أنه قيل له: تركت المدينة ولزمت شغباً وإدامة، وتركت العلماء بالمدينة يتامى، فقال: أفسدها علينا العبدان ربيعة وأبو الزناد.
وبإسناد عن إسحاق بن طلحة بن أشعث قال: بعثني عمر بن عبد العزيز إلى العراق فقالوا: أقرئهم ولا تستقر، وحدثهم ولا تسمع منهم، علمهم ولا تتعلم منهم. وبإسناد عن الأوزاعي وتحامل شوي على أهل العراق، بده يقول لك يعني. نعم وبإسناد عن الأوزاعي قال: كانوا يستحبون أن يتحدثوا بأحاديث فضائل أهل البيت، ليردوا أهل الشام عما كانوا يأخذون فيه. أهل الشام كان عندهم إيش تحامل على أهل البيت، فالأوزاعي وهو عالم الشام قال: كانوا يستحبون أن يتحدثوا بالأحاديث التي تروي فضائل أهل البيت، ليردوا أهل الشام عما كانوا يأخذون فيه، يعني عن بغيهم. إذاً أهل الشام في زمن السلف كان عندهم تحامل على بعض أهل البيت، إذاً التحامل موجود، يعني ما في شيء اسمه المدينة الفاضلة التي لا يوجد فيها غل ونفور، حتى في زمن التابعين وتابع التابعين، يوجد ما في النفوس البشرية، لكن بالتأكيد أقل بقليل مما عند المتأخرين.
نعم وبإسناد عن الزهري قال: ما رأيت قوماً أنقض لعُرى الإسلام من أهل مكة، ولا رأيت قوماً أشبه بالنصارى من السبئية. قال أحمد الزهيري عن الرافضة، طبعاً هذا كلام مش صحيح، يعني ما رأيت قوماً أنقض للإسلام من أهل... طيب. قال أبو عمر: فهذا حماد بن أبي سليمان هو فقيه الكوفة بعد النخعي، قائم بفتواه وهو معلم أبي حنيفة، وهو الذي قام قال فيه إبراهيم النخعي، قيل له: من نسأل بعدك؟ قال: حماد. وقعد ما قعده بعده. يقول في عطاء وطاوس ومجاهد، هم عند الجميع أرضى منه، وأعلم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم منه، وأرضى منه حالاً عند الناس، وفوقه في كل حال، لأنهم لم يُنسب واحد منهم إلى الجفاء، وقد نُسب إليه حماد. وهذا عيب به، وهذا عيب به، وهذا عيب به، وعنه أخذ أبو حنيفة، والله أعلم.
وهذا ابن شهاب أقول لك حماد، وهو على جلالة قدره حتى إن إبراهيم النخعي قال بعد حماد، ومع ذلك حماد وقع في علماء مكة وهم أعلم منه، كما قلت لك أنه يتوقع كلام بين العلماء بعضهم في بعض. نعم، وهذا ابن شهاب قد أطلق على أهل مكة في زمانهم أنهم ينقضون عرى الإسلام، ما استثنى منهم أحداً، وفيهم جلة علماء من لا خفاء بجلالته في الدين، وأظن ذلك والله أعلم لما روي عنهم في الصرف ومتعة النساء، يعني كانوا يجوزون الصرف، ربا الفضل، ويجوزون متعة النساء، لكن لم تبلغهم الآثار، ورجعوا عن ذلك، لأن ابن عباس هو أصلاً رجع عن الفتوى بجواز المتعة.
نعم، وذكر أن الأعمش قال: كنت عند الشعبي فذكروا إبراهيم فقال: ذاك رجل يختلف إلينا ليلاً، ويحدث الناس نهاراً. قال: فأتيت إبراهيم فأخبرته فقال: ذاك يحدث عن مسروق، والله ما سمع شيئاً منه قط. قال سمعت كلام يعني عن الأعمش قال: كنت عند الشعبي فذكروا إبراهيم النخعي، فقال طبعاً إبراهيم النخعي فقيه، فقال هذا إبراهيم النخعي يختلف إلينا ليلاً بيسمع منا الحديث، ويذهب للناس يحدثهم نهاراً بما سمع، يعني فأتيت إبراهيم فأخبرته فقال: ذاك يحدث عن مسروق. فإبراهيم النخعي الآن بضرب مين؟ صار يضرب الشعبي، وهو واحد، وهذه مشكلة الطلاب اللي بيخربوا بين المشايخ، إذاً هو إيش يقول: كنت عند الشعبي.
فذكروا إبراهيم، فالشعبي ذم إبراهيم النخعي، بعدين رحت عند إبراهيم النخعي، إبراهيم النخعي ذم الشعبي؛ خلص نفوس بشرية، مع أنه كلاهما علماء أجلة.
وبسند عن الأعمش قال: ذكر إبراهيم النخعي عند الشعبي فقال: ذاك الأعور الذي يستفتي بالليل ويدرس ويفتي بالنهار. قال: فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: ذاك كذاب، لم يسمع من مسروق شيئاً. وذكر الواحد يضرب على الثاني. قال: وذكر ابن أبي خيثمة هذا الخبر عن أبيه قال: كان هذا الحديث في كتاب أبي معاوية، فسألته فأبى أن يحدثنا به. قال أبو عمر: عضلة أن يكون الشعبي كذاباً؛ هو إمام جليل ومثل له جلالة وعلماً وديناً. وأظن الشعبي عوقب بقوله في الحارث الهمداني؛ حدثني الحارث وكان أحد الكذابين، ولم يتبين من الحارث كذب، وإنما نقم عليه إفراط الشعبي؛ لما الشعبي اتهم أنه كذاب في روايته عن مسروق، قول الشخص هو ليس كذاباً، هو روى عن مسروق، لكن الله ابتلاه فجعل الناس يخرجون إشاعة عن الشعبي أنه لم يروِ عن مسروق أو لم يسمع منه.
لماذا ابتلاه الله؟ قال: لأن الشعبي لما روى عن الحارث قال: حدثني الحارث وهو أحد الكذابين، مع أن الحارث ليس أحد الكذابين، فلما هو اتهم الحارث بالكذب خرجت عليه إشاعة عن الشعبي أنه ماذا؟ كذب في روايته عن مسروق. طبعاً هذا صعب أن أجزم به أن الله عاقبه بسبب ذلك، لكن ابن عبد البر قال: وإنما نقم عليه في حبه له وتفضيله له على غيره، ومن ها هنا والله أعلم كذبه الشعبي، لأن الشعبي يفضل، يذهب إلى تفضيل أبي بكر رضي الله عنه إلى أنه أول من أسلم، تفضيل عمر رضي الله عنه. وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما علم أنس بن مالك وأبو سعيد الخدري بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كانا غلامين صغيرين. يعني بقول لك حتى الصحابة كان في بينهم كلام، حتى الصحابة عائشة بتقول يعني أنس بن مالك وأبو سعيد يعني ما عرفوا شيئاً من الحديث، دعوكم من كثرة حديثهم؛ يعني إذا كان الصحابة يقع بينهم، فتصور يعني المثالية في علاقة سفيان بأبي حنيفة! جيد، متوقع.
هذا اللي كنا ننصح به دائماً، أنه بعض الناس يدافع عن ذمه لأبي حنيفة كأنه قرآن، وكأنه هو الوحيد الذي فهم كلام السلف في ذم أبي حنيفة وهو لم يفهم كلام السلف. قراءة نصوص السلف مهمة جداً أن تفهم؛ يعني ليس العبرة أنك قرأت 20 ولا 30 كتاباً في ذم أبي حنيفة، العبرة أنك عندك القدرة على الموازنة في فهم هذه النصوص واقرأها في المكان الصحيح. هذه الموازنة اللي كانت عند ابن تيمية وابن القيم وابن رجب عندما رحموا أبا حنيفة وأنزلوه منزلة الذي يليق به.
قال: وذكر المروزي في كتاب انتفاع الميت في قصة أتكلم ذباً عنه ودفعاً لما قيل فيه ما يجب أن يكون في بابنا هذا، فمن ذلك أنه ذكر حديث سمرة أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم له سكتتان في الصلاة عند قراءته، فبلغ ذلك عمران بن حصين قال: كذب سمرة، فكتبوا إلى أبي بن كعب، فكتب أن قد صدق سمرة، صدق سمرة. وهذا حديث مشهور جداً تمام، الصحابة اختلفوا في تقييم بعض الأمور. ومثله عن طاوس قال: كنت جالساً عند ابن عمر، فأتاه رجل فقال: إن أبا هريرة يقول إن الوتر ليس بحتم، فخذوا منه أو دعوا؛ ليس بحتم يعني ليس واجباً، سنة، فخذوا منه أو دعوا، فقال ابن عمر: كذب أبو هريرة! جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن صلاة الليل فقال: «مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح فواحدة». فابن عمر كان يرى أن الوتر واجب. هس معنى الكذب يعني أخطأ، صح؟ كذب بمعنى أخطأ، ليس بمعنى أنه تقصد الكذب، أحسنت.
قال: وخطأت عائشة رضي الله عنها ابن عمر في عدد عُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما معنى أن عائشة خطأت ابن عمر؟ كم مرة اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ خطأت في حديث الميت يعذب. وقد كان ذلك، وقد كان أصاب بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجل العلماء عند الغضب كلام هو أكثر من هذا، ولكن أهل العلم والفهم والفقه لا يلتفتون إلى ذلك لأنهم بشر يغضبون ويرضون، والقول في ذلك العلم، شوفها. ولكن مين الكبار اللي يستطيعوا يغضوا الطرف عن الخلاف بين العلماء؟ أهل العلم والفقه يعرفون أن هذا كلام أقران، أما الطالب المتحمس فتلاقيه مندفعاً بده يسقط أحد الطرفين، هذا ليس ممن رسخ في العلم.
قال: والقول في الرضا غير القول في الغضب، ولقد أحسن القائل: لا يعرف الحليم إلا ساعة الغضب، ليش؟ لأنه في ساعة الغضب الحكيم بيمسك نفسه لكن السفيه بينطلق. ومن أشنع شيء روي في هذا الباب وأشده نوكاً وجهلاً، ما يعني حمقاً، ما روي بإسناده عن ابن شوذب قال: كان الضحاك بن مزاحم يكره المسك، فقيل له: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يطيبون به! قال: نحن أعلم منهم. وذكر عن أيوب، يقول: يعني هذا لا يصدر عن الضحاك بن مزاحم، هذا لا يصدر، واضح أنه اللي روى هذا الحديث عن الضحاك بن مزاحم تحامل عليه، هل الضحاك بن مزاحم يقول أنا أفقه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ عشان وبعد ذلك يقول لك إيش هي نفس فكرة أنه أبو حنيفة استتيب مرتين؟ هي نفس الفكرة أنه يا أخي طب خلينا نهدأ شوي نفهم القصة، يعني إذا الضحاك بن مزاحم نسب إليه أنه قال أنا أفقه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو عالم جليل لا يمكن أن يصدر منه هذا، واضح أن القصة ماذا؟ لصقت عليه.
وذكر عن أيوب قال: قدم علينا عكرمة، فلم أزل أحدثه حتى صليت بالمريد، ثم قال: أيحسب حسنكم مثل هذا؟ قال أبو عمر: حسنكم يعني الحسن البصري. قال أبو عمر: ولقد علم الناس أن الحسن البصري يحسن أشياء لا يحسنها عكرمة، وإن كان عكرمة مقدماً عندهم في تفسير القرآن والسير، وهذا أيضاً من الغيرة. وقيل لعروة بن الزبير: إن ابن عباس رضي الله عنهما يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث في مكة بعد أن بعث 13 سنة، فقال: كذب! إنما أخذه من قول الشاعر. قال أبو عمر: وشاعره أبو قيس صرمة بن أنس الأنصاري، ويقال ابن أبي أنس، وهو القائل: ثوى في قريش بضع عشرة حجة، يذكر لو يلقى صديقاً مواتياً. قال: هذا في شعره، وكلام ابن عباس والصحيح أنه هي 13 سنة. قال: هذا في شعر قد ذكرناه في كتاب الصحابة عند ذكر أبي قيس هذا.
وعن سعيد بن جبير أنه قال في العمرة هي واجبة، فقيل له إن الشعبي يقول: ليست بواجبة، فقال: كذب الشعبي. وعن حصين: كذب الشعبي، أخطأ، حتى يعني لا نقول أن هي تحامل، هي مش تحامل، هذه العبارة حقيقة ربما نحتاج إلى قصص أوضح في التحامل، أنه هذا أخطأ، والعلماء يخطئ بعضهم بعضاً، ما في مشكلة.
قال: وعن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: إنه سئل عن قول الله عز وجل ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: 3] فأجاب فيه، فقيل له إن ابن عمر وابن الزبير قالا كذا وكذا خلاف قوله، فقال: كذب، كذب يعني أخطأ، وهذا ليس طعناً أصلاً. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: كذب المغيرة بن شعبة. وعن عبادة بن الصامت أنه قال: كذب أبو محمد، يعني في الوجوب والوتر، وأبو محمد هذا اسمه مسعود بن أوس الأنصاري البدري، وقد ذكرناه في كتاب الصحابة ونسبناه، وتكذيب عبادة له من رواية مالك وغيره في قصة الوتر، واستشهد عبادة وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات كتبهن الله على عباده».
قال المروزي عن أيوب قال: سأل رجل سعيد بن المسيب عن رجل نذر نذراً لا ينبغي له من المعاصي، فأمره أن يوفي بنذره، قال: فسأل الرجل عكرمة، فأمره أن يكفر عن يمينه ولا يوفي بنذره، فرجع الرجل إلى سعيد بن المسيب؛ نذر معصية، فرجع الرجل إلى سعيد بن المسيب فأخبره بقول عكرمة، فقال ابن المسيب: لينتهين عكرمة أو يوجعن، أو ليجعلن الأمراء ظهره! فرجع الرجل إلى عكرمة فأخبره، فقال عكرمة: أما إذ بلغتني فبلغه، أما هو فقد ضربت الأمراء ظهره؛ واقفة في تبيان من شعر، وقوا بعض الاثنين، أما هو فالأمراء ضربوا ظهره، وقيل لسعيد كذا وكذا.
قال: وسئل عن نذر طاعة هو لله أم معصية، فإن قال: هو طاعة فقد كذب على الله أنه لا تكون معصية الله طاعة، وإن قال: هو معصية فقد أمرك بمعصية الله. قال الرجل: نذر معصية، نذر مثلاً أن يفعل شيئاً حراماً، هل يوفي بنذره؟ حقيقة سعيد بن المسيب يقول: يوفي بنذره، وعكرمة يقول: لا لا يوفي بنذره، وكلام عكرمة هو الصحيح، أنه لا يوفى بمعصية الله، لكن سعيد هو رآه من إذا ثبت هذا عن سعيد طبعاً، أنه رآه أنك ألزمت نفسك به فعليك أن تفعله، لكن حقيقة أنا هذا أستغربه أن يثبت عن سعيد بن المسيب.
قال المروزي: فلهذا كان بين سعيد بن المسيب وبين عكرمة ما كان، حتى حكي عنه أنه قال لغلامه برد: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس. وكذلك كان سعيد بن المسيب كان يقول لغلامه: أوعك تكذب علي في المستقبل كما كان عكرمة يكذب على ابن عباس. وكذلك كان كلام مالك في محمد بن إسحاق لشيء بلغه عنه تكلم به في نسبه وعلمه، قال: يعني أن محمد بن إسحاق طعن في نسب مالك وعلمه، فوصلت هذه المعلومة لمالك، فمالك صار طول عمره متحاملاً على ابن إسحاق ويلمز به، نفوس بشرية، تمام لا يعتقد فيها العصمة.
قال أبو عمر: وما رويناه من وجوه عن عبد الله بن إدريس أنه قال: قدم علينا محمد بن إسحاق فذكرنا له شيئاً عن مالك، فقال: هاتوا علم مالك فأنا بيطار، أنا بيطار، أنا اللي بضبط لكم علم مالك! قال ابن إدريس: فلما قدمت المدينة ذكرت ذلك لمالك بن أنس، فقال: ذاك دجال من الدجاجلة! فمالك يحكي عن ابن إسحاق دجال مع أنه ابن إسحاق إمام علم السيرة، قال: نحن أخرجناه من المدينة. قال ابن إدريس: وما كنت سمعت بجمع دجال بجمع دجاجلة قبلها، يعني ذلك الجمع أول مرة بسمع واحد بيحكي دجاجلة، أو أول مرة بسمع واحد بيجمع دجال على دجاجلة.
وكان ابن إسحاق يقول فيه: إنه مولى لبني تيم قريش، ابن إسحاق إيش يقول؟ يقول مالك بن أنس إيش هو؟ هو مولى من الموالي ليس عربياً أصيلاً. فقال ابن شهاب وقال له فيه ابن شهاب أيضاً، فكذب مالك ابن إسحاق لأنه كان أعلم بنسب نفسه، مالك قال: أنا أعرف، أنا عربي أصيل، وإنما هم حلفاء لبني تيم في الجاهلية، وقد ذكرنا ذلك ووضحناه في صدر كتاب التمهيد. ربما كان تكذيب مالك لابن إسحاق في تشيعه وما نسب إليه من القول بالقدر، وأما الصدق والحفظ فكان صدوقاً حافظاً، أثنى عليه ابن شهاب، ووثقه شعبة والثوري وابن عيينة وجمع جلة. وقد روي عن مالك أنه قيل له: من أين قلت في محمد بن إسحاق إنه كذاب؟ فقال: سمعت هشام بن عروة يقول. وهذا تقليد لا برهان عليه، وقيل لهشام بن عروة: من أين قلت ذلك؟ قال: هو يروي عن امرأتي وما رآها قط! قيل لهشام بن عروة: أنت يا هشام لماذا كذبت ابن إسحاق؟ قال: بروي عن زوجتي وهو ما شاف زوجته قط، طيب ممكن يكون شافها قبل ما تتزوجها أو جلست في مجلس، يعني في حلول، طيب.
قال وقال أحمد بن حنبل عند ذكره هذه الحكاية: قد يمكن ابن إسحاق أن يراها أو يسمع منها من وراء حجاب من حيث لم يعلم هشام، قال: ممكن، يعني بقول لك يعني في احتمال أن ابن إسحاق سمع من زوجتك من وراء حجاب، فهذا ليس مقنعاً لإسقاط هيبة ابن إسحاق وهو إمام السيرة. وبسند عن أحمد بن صالح قال: سألت عبد الله بن وهب عن عبد الله بن زيد بن سمعان، فقال: ثقة. فقلت: إن مالكاً يقول فيه كذاب! وقال: لا يقبل قول بعضهم في بعض، أقران. دعك من كلام بعضهم. يلا شيخ أسامة.
دخلت مع أبي حنيفة على الأعمش نعوده، فقال أبو حنيفة: يا أبا محمد، لولا ثقلٌ عليك لترددت في عيادتك، أو قال: لعدتك أكثر مما أعودك. فقال له الأعمش: والله إنك علي لثقيل وأنت في بيتك، فكيف إذا دخلت علي؟
قال الفضل: فلما خرجنا من عنده قال أبو حنيفة: إن الأعمش لم يصم رمضان قط ولم يغتسل من جنابته. فقلت للفضل: ما يعني بذلك؟ قال: كان الأعمش يرى «الماء من الماء»، ويرى أن الغسل لا يكون إلا إذا أنزل الإنسان، أما إذا جامع زوجته ولم ينزل فلا غسل عليه، وكان يتسحر على حديث حذيفة، وحذيفة كان يرى أن السحور يمتد إلى شروق الشمس.
وبإسناد عن ابن وهب قال: قال مالك وذكر عنده أهل العراق فقال: أنزلوهم منكم منزلة أهل الكتاب، لا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ [العنكبوت: 46].
وبإسناد عن محمد بن الحسن أنه دخل على مالك بن أنس يوماً، فسمع يقول هذه المقالة التي حكى عنه ابن وهب في أهل العراق، قال: ثم رفع رأسه فنظر إليَّ فكأنه استحيا، وقال: يا أبا عبد الله، أكره أن تكون غيبة، كذلك أدركت أصحابنا يقولون.
وبإسناد عن زيد بن المنصور قال: كنت عند مالك بن أنس فأقبل قوم من أهل العراق، فقال: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ ۖ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [الحج: 72].
وبإسناد سمعت يحيى بن أبي كثير قال: لا يزال أهل البصرة بخير ما أبقى الله فيهم قتادة. وقال: وسمعت قتادة يقول: متى كان العلم في السماكين؟ يعرض بيحيى بن أبي كثير، كان أهل بيته سماكين.
وبإسناد عن سلمة بن سليمان يقول: قلت لابن المبارك: وضعت من رأي أبي حنيفة ولم تضع من رأي مالك؟ قال: لم أره علماً. وهذا مما ذكرنا أنه لا يسمع من قولهم ولا يلتفت إليه ولا يعرج عليه، الأخبار في بعضهم ببعض.
وبإسناد عن عبد الله بن وهب يقول: سئل مالك عن مسألة فأجاب فيها، فقال له السائل: إن أهل الشام يخالفونك فيها فيقولون كذا وكذا، فقال: ومتى كان هذا الشأن بالشام؟ إنما هذا الشأن وقف على أهل المدينة والكوفة.
وبإسناد عن الأصمعي قال: عن زهير بن إسحاق السلولي إمام مسجد بني سلول قال: ذكر سعيد بن أبي عروبة عند سليمان التيمي، فقال سليمان: والله ما كنت لأجيز شهادة سعيد ولا شهادة معلمه. قال الأصمعي: من أجل القدر؛ لأنه كانوا يقولون إن قتادة كان له رأي في القدر خاطئ، وقيل إنه تراجع عنه، وهذا هو الصواب.
وروينا أن منصور بن عمار قص يوماً على الناس وأبو العتاهية حاضر، فقال: إنما سرق منصور هذا الكلام من رجل كوفي. فبلغ قوله منصورا، فقال أبو العتاهية: زنديق، أما ترونه لا يذكر في شعره الجنة ولا النار وإنما يذكر الموت فقط؟
فبلغ ذلك أبا العتاهية فقال فيه: يا واعظ الناس قد أصبحت متهماً ... إذ عبت منهم أموراً أنت تأتيها كالملبس الثوب من عري وعورته ... للناس بادية ما لا يواريها وأعظم الإثم بعد الشرك نعلمه ... في كل نفس عماها عن مساويها عرفانها بعيوب الناس تبصرها ... منهم ولا تبصر العيب الذي فيها
وبإسناد عن يحيى بن يحيى أنه قال: كنت آتي ابن القاسم فيقول لي: من أين؟ فأقول: من عند ابن وهب، فيقول: الله الله اتق الله، فإن أكثر هذه الأحاديث ليس عليها العمل. قال: ثم آتي ابن وهب فأقول: من أين؟ فأقول: من عند ابن القاسم، فيقول: اتق الله، فإن أكثر هذه المسائل رأي.
وبإسناد عن أبي سعيد الرازي أنه كان يمارس أهل الكوفة ويفضل أهل المدينة، فجاءه رجل من أهل الكوفة ولقبه شرشير وقال: كلب في جهنم اسمه شرشير، فقال: عندي مسائل لا شرشير يحسنها إن سئل عنها ولا أصحاب شرشير، وليس يعرف هذا الدين نعلمه إلا حنيفية كوفية، لا تسألن مدنية، فتحر عن الأشياء الفائرة والرقص والطبل وما شابه ذلك.
قال أبو سعيد: فكتبت إلى أهل المدينة قد هجيت بكذا، فأجابه رجل من أهل المدينة فقال: لقد أجبت لغاوٍ ضل قدره ... وكل أمر إذا ما حم مقدوره لقد قال المدينة أرض لا يكون بها ... إلا الغناء وإلا البم والزير لقد كذبت لأمر الله إن بها ... قبر الرسول وخير الناس مقبور
وبإسناد عن سليمان بن موسى يقول: إذا كان فقه الرجل حجازياً وأدبه عراقياً فقد كمل. وذكر ابن وهب بإسناده عن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم يقول: إذا وجدت أهل المدينة مجتمعين على أمر فلا تشك أنه الحق. فرواية هذا وشبهه وكتابته أولى من رواية انطلاق الألسنة في أعراض أهل الديانات والفضل، ولكن أولو الفهم قليل، والله المستعان.
وقد كان ابن معين عرف الله عنه يطلق في أعراض الثقات الأئمة بأشياء أنكرت عليه، فمنها قوله: كان عبد الملك بن مروان أبخر الفم وكان رجل سوء. ومنها قوله في الزهري: إنه ولي الخراج لبعض بني أمية، وذكر كلاماً خشناً. ومنها قوله في الأوزاعي: إنه كان من الجند ولا كرامة. ومما نقم عن ابن معين وعيب به أيضاً قوله في الشافعي: إنه ليس بثقة.
وقيل لأحمد بن حنبل إن يحيى بن معين يتكلم في الشافعي، فقال أحمد: ومن أين يعرف يحيى الشافعي؟ هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف ما يقول الشافعي، أو نحو هذا، ومن جهل شيئاً عاداه. قال أبو عمر: صدق أحمد بن حنبل رحمه الله، إن ابن معين كان لا يعرف ما يقول الشافعي، وقد حكي عن ابن معين أنه سئل عن مسألة من التيمم فلم يعرفها.
سئل يحيى بن معين وأنا حاضر عن رجل خير امرأته فاختارت نفسها، فقال: سلوا عن هذا أهل العلم. ابن معين كان من أهل الحديث، لكن لم يكن له دراية بالفقه، فما يتكلمش عن الفقهاء، نعم. قال: ولقد أحسن أكثر من الصيفي في قوله: "ويل لعالم أمره من جاهله، ومن جاهل شيء عاداه، ومن أحب شيئاً استعبده". طبعاً المحدث الذي يجهل الفقه يزدري أهل الفقه، والفقيه الذي لا يعرف في الحديث يزدري أهل الحديث، ومن جهل شيئاً عاداه، أي علم أنت تجهله تعادي أهله وتقول هؤلاء ما يفهمون أو ضعفاء.
قال: وقد كان عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد الناصري يقول إن ابن وضاح كذب على ابن معين في حكايته عنه أنه سأله عن الشافعي فقال: ليس بثقة. وزعم عبد الله أنه رأى أصل ابن وضاح الذي كتب بالمشرق وفيه: سألت يحيى بن معين عن الشافعي فقال: هو ثقة. بعضهم يقول إن أصل الرواية أن يحيى بن معين قال عن الشافعي ليس بثقة مش صحيحة، وأن في الإسناد خللاً؛ يحيى قال الشافعي ثقة، ثم التصحيف والتلاعب بالعبارة شيلت هو ووضعت ليس. يحيى بن معين أجل قدرًا من أن يطعن في الشافعي. قال: فكان عبد الله الأمير يحمل على ابن وضاح في ذلك. كان خالد بن سعد يقول إنما سأله ابن وضاح عن إبراهيم بن محمد الشافعي، ولم يسأله عن محمد بن إدريس، أنه يحيى بن معين لما قال ليس بالثقة مش محمد بن إدريس الشافعي، عن شخص آخر اسمه إبراهيم بن محمد الشافعي، هذا الذي هو قال ليس بثقة.
ممكن ينسب على لسان الأئمة أن فلانًا قال عن أبي حنيفة كذا وهو ما قالش، أو تم التصحيف، وهذا واقع، خاصة في من ظهرت جلالته وقدره؛ هذا النوع الذي بدك أنت تحتاط فيه وتضع ألف حاجز قبل أن تخوض فيه. قال: وهذا كله عندي تخرص وتكلم على الهواء، وقد صح عن ابن معين من طرق أنه كان يتكلم في الشافعي، على ما قدمت لك حتى نهوا أحمد بن حنبل، ونبهوا على موضعهم العلم، وقال له: لم نر قط مثل الشافعي. وقد تكلم ابن أبي ذئب في مالك بن أنس بكلام فيه جفاء. وشؤون أيضاً من الإشكاليات بين السلف إشكالية ابن أبي ذئب ومالك، كلاهما من علماء المدينة، لكن ابن أبي ذئب كان يرى أن مالكاً خالف سبعين حديثاً، وكان يشد عليه ويقول: يجب أن يجلد ظهر مالك، كان كلامه شديداً في مالك. وهو مشهور عنه إنكار منه لقول مالك في حديث البيعان بالخيار، لأن مالكاً كان لا يأخذ بهذا الحديث. وكان إبراهيم بن سعد يتكلم فيه، وكان إبراهيم بن أبي يحيى يدعو عليه. وتكلم في مالك أيضاً فيما ذكره السجي في كتاب اللآلي عبد العزيز بن أبي سلمة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وابن إسحاق، وابن أبي يحيى، وابن أبي الزناد، وأبو أشياء من مذهبه، وتكلم فيه غيرهم لتركه الرواية عن سعد بن إبراهيم، وروايته عن داوود بن الحسين وثور بن زيد، وتحامل عليه الشافعي وبعض أصحاب أبي حنيفة في شيء من رأيه حسداً لموضع إمامته. وعابه قوم في إنكاره المسح على الخفين في الحضر والسفر، وفي كلامه في علي وعثمان، وفي فتياه بإتيان كل كلام عن مالك، كله طعن في مالك بن أنس وهو مالك وإمام كبير.
قال: في قعوده عن مشاهدة الجماعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسبوه بذلك إلى ما لا يحسن ذكره، وقد برأ الله عز وجل مالكاً عما يقولونه، وكان إن شاء الله عند الله وجيهاً، وما مثل من تكلم في مالك كالشافعي ونظرائه من الأمة إلا كما قال الشاعر الأعشى: "كناطح صخرة يوماً ليوهنها، فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل". وكل من يطعن في الأئمة كثور يريد بقرنيه أن يطعن صخرة، ماذا سيحدث؟ الصخرة تظلها والثور تنكسر قرناه؛ وكل من يطعن في الأئمة كأنه ثور له قرنان يريد يهدم هذا الإمام العظيم، قرنه هو الذي سيكسر وهو يضعف، والإمام سيبقى في إمامته. أو كما قال الحسين بن حميد: "يا ناطح الجبل العالي ليكلمه، أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل". واحد ينطح جبلاً برأسه، بتقول له والله دير بالك على الجبل؟ ولا بتقول له دير بالك على رأسك؟ الجبل سيظل جبلاً. وكلام أبي الزناد في ربيعة هو من هذا الباب أيضاً، ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول: "ومن ذا الذي ينجو من الناس سالماً، وللناس قالوا من الظنون وقيل". أنا أقول لك ذكرتها المرة الماضية وحتى يعملوها الإخوة: لن تسلم من كلام الناس، هي هكذا الحياة مهما كنت عالماً وجليلاً، ولن تصل لمرحلة أن الناس تجتمع عليك والكل يزكي؛ أي عالم له محبوه وله حساده قديماً وحديثاً.
وهذا خير من قول القائل: "وما اعتذارك من شيء إذا قيل؟ فقد رأينا الباطل والبغي والحسد أسرع الناس إليه قديماً". ألا ترى إلى قول الكوفي في سعد بن أبي وقاص أنه لا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السرية، ولا يقسم بالسوية؟ وسعد بدري وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر بن الخطاب الشورى بينهم؛ تصور رجل من العشر المبشرين بالجنة ويطعن فيه وفي دينه! أخي هذا مبشر بالجنة يعني داخلها داخلها، أنت تطعن في دين من قاعد؟ وهو مسلم، الطاعن مسلم برضه؛ أي إنسان له حساد. وقال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض. وروي أن موسى عليه السلام قال: يا رب اقطع عني ألسنة بني إسرائيل. فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى لم أقطعها عن نفسي، فكيف أقطعها عنك؟ الله يقول: أنا جعلت الناس الذين يشتمونني ويشركون بالله جعلتهم يعيشون ولم أقطع ألسنتهم، تريدني أقطع ألسنة من يشتمك أو يسبك يا موسى عليه السلام؟ طبعاً أنت خذ الفكرة العامة منها.
وقال أبو عمر: والله لقد تجاوز الناس الحد في الغيبة والذم، فلم يقنعوا بذم العامة دون الخاصة، ولا بذم الجهال دون العلماء، وهذا كله يحمل عليه الجهل والحسد. قيل لابن المبارك: فلان يتكلم في أبي حنيفة، فأنشد بيت ابن الرقيات: "حسدوك أن رأوك، فضلك الله بما فضلت به النجباء". انظر ابن المبارك ينتقد على من ينتقد أبا حنيفة، مع أنه هو الذي انتقد أبا حنيفة بعد ذلك، سبحان الله. وقيل لأبي عاصم النبيل: فلان يتكلم في أبي حنيفة؟ فقال هو كما قال نصيب: "سلمت وهل سلمت، وهل حي على الناس يسلموا؟". يعجبني في ابن عبد البر أنه يدافع عن أبي حنيفة بقوة مع أنه مش حنفي، هو لا يدافع عن أبي حنيفة بشخصه، هو يدافع عن منهج أهل العلم ومسلكه؛ يا شباب هو يعلمكم ليش قلت لكم هذا الكتاب مهم في بداية طلب العلم، أنه يعطيك المنهج في التعامل مع الخلاف في الشخصيات والآراء والناس، وكيف طالب العلم لا يستعجل ويتأنى ويعرف منازل الناس واحتمالات النفوس؛ هذه أهمية هذا الكتاب في تحقيق التوازن عند طالب العلم.
وقال أبو الأسود الدؤلي: "حسد الفتى إذ لم ينالوا سعيه، فالناس أعداء له وخصوم". فمن أراد أن يقبل قول العلماء الثقات الأئمة الأثبات بعضهم في بعض، فليقبل قول من ذكرنا قوله من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بعضهم في بعض، فإن فعل ذلك ضل ضلالاً بعيداً وخسر. وكذلك إن قبل في سعيد بن المسيب، وفي الشعبي، والنخعي، وأهل الحجاز، وأهل مكة، وأهل الكوفة، وأهل الشام، وعلى الجملة وفي مالك والشافعي وسائر من ذكرنا في هذا الباب ما ذكرناه عن بعضهم في بعض؛ فإن لم يفعل، ولن يفعل إن هداه الله وألهمه رشده، فليقف عند ما شرطنا: أن لا يقبل في من صحت عدالته، وعلمت بالعلم عنايته، وسلم من الكبائر ولزم المروءة، وشرُّه أقل من خيره؛ فهذا لا يقبل فيه قول القائل، هذا الذي لا يقبل فيه كلام الأقران. وهذا هو الحق الذي لا يصح غيره.
قال أبو العتاهية: "بكى شجوه الإسلام من علمائه، فما اكترث لما رأوا من بكائه. فأكثر مستقبح لصواب من يخالفه، مستحسن لخطاه. فمن المرجو فينا لدينه؟ وأيهم الموثوق فينا برأيه؟". والذين أثنوا على سيد بن المسيب وعلى سائر من ذكرنا من التابعين وأمة المسلمين أكثر من أن يحصوا، وقد جمع الناس فضائلهم وعنوا بسيرهم وأخبارهم؛ فمن قرأ فضائل مالك، وفضائل الشافعي، وفضائل أبي حنيفة، وبعض فضائل الصحابة والتابعين رضي الله عنهم وعني بها، ووقف على كريم سيرهم، وسعى في الاقتداء بهم وسلوك سبيلهم في عملهم وفي سمتهم وهديهم، كان ذلك له عملاً زاكياً نفعه. نفعنا الله عز وجل بحب جميعهم، آمين. نسأل الله أن يجعلنا ممن يحب علماء أهل السنة عموماً، ولا نكثر ولا ندخل ولا نقع في الوقيعة فيهم.
قال الثوري رحمه الله: "عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة". ومن لم يحفظ من أخبارهم إلا ما صدر من بعضهم في بعض على الحسد والهفوات والغضب والشهوات دون أن يعتني بفضائلهم ويروي مناقبهم، حُرِم التوفيق. شوف هذا الكلام الخطير، الذي يعتني بحفظ مثالب أبي حنيفة ولا يقف على فضائله حُرِم التوفيق، الذي يعتني بذكر مثالب مالك ولا يحفظ مناقبه حُرِم التوفيق، وقس على ذلك سائر الأئمة الذين كتب لهم القبول وعلمهم النشر عبر التاريخ. هذا كلام يعني ابن عبد البر يجزم به، ومن لم يحفظ من أخبارهم إلا ما صدر من بعضهم في بعض على الحسد والهفوات، يعني فقط ما قيل فيهم من المثالب ولم يحفظ ما قيل فيهم من الفضائل، حُرِم التوفيق من الله في العلم والبركة، ودخل في الغيبة وحاد عن الطريق؛ جعلنا الله وإياك ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، آمين.
وقد افتتحنا هذا الباب بقوله صلى الله عليه وسلم: "دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء"، في ذلك كفاية. وقد أكثر الناس من القول في الحسد نظماً ونثراً، وقد بينت ما يجب بيانه من ذلك واضحاً في كتاب التمهيد، عند قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تحسدوا ولا تقاطعوا"، وفرضنا للنظم والنثر باباً في كتاب "بهجة المجالس"، ومن صاحبه التوفيق أغناه من الحكمة يسيرها، ومن الموعظة قليلها، إذا فهم واستعمل ما علم، وما توفيق إلا بالله، هو حسبي ونعم الوكيل.
بإسناده عن أبي داوود سليمان بن الأشعث السجستاني يقول: رحم الله مالكاً كان إماماً، رحم الله الشافعي كان إماماً، رحم الله أبا حنيفة كان إماماً، رحم الله أهل... أبو داوود ما أنصفه؛ خلص، يترحم على الجميع، يعني دعك تلك أمة قد خلت. وبإسناده عن العوام بن حوشب أنه قال: اذكر محاسن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم تأتلف القلوب عليهم، ولا تذكر مساوئهم فتحرش الناس عليهم. وبإسناده عن الأوزاعي أنه يقول: كانوا يستحبون أن يحدثوا بحديث فضائل أهل البيت ليردوا أهل الشام عما كانوا يأخذون فيه؛ يعني في مناطق الشام كانوا يستحبون أن تروى فضائل أهل البيت حتى يعود أهل الشام عن الطعن في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
باب تدافع الفتوى وذم من سار إليها. بإسناد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: أدركت مئة وعشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -أراه قال في المسجد- فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه قد كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا. الصحابة كانوا يتدافعون الفتيا ولا يستعجلون، كل شخص يريد أن غيره يحمل الفتيا عنه. وبإسناد عن ابن مسعود رضي الله عنه لتميم أنه قال لتميم بن حذلم: يا تميم...
إذا استطعت أن تكون المحدث فافعل، وإذا استطعت أن لا تكون الملقي بل تكون السامع فافعل؛ حتى تدفع عن نفسك تبعة الكلام. وهذا طبعاً يكون إذا كان هناك كثرة في أهل العلم، لكن إذا منطقة لا يوجد فيها غيرك، أو حي لا يوجد فيه إلا أنت، هنا يجب عليك أن تتكلم وتتصدر بما تعلم.
وعن معاوية بن أبي عياش أنه كان جالساً عند عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن إياس بن البكير، فقال: إن رجلاً من أهل البادية طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟ فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة؛ فإني تركتهما عند عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فسلم عليهما ثم أتينا فأخبرنا، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفتِه يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة. فقال أبو هريرة: الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجاً غيره. أبو هريرة هو الذي أفتى في النهاية.
وعن ابن عباس قال: إن من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون. الذي يفتي الناس بكل شيء ولا يقول لا أعلم، هذا مجنون؛ لأنه كما مر معنا أنه لا يمكن أن تكون تعرف كل شيء.
وعن محمد بن سليمان المرادي عن شيخ من أهل المدينة يكنى أبا إسحاق أنه قال: كنت أرى الرجل في ذلك الزمان يدخل يسأل الناس عن الشيء، فيدفعه الناس من مجلس إلى مجلس حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب كراهية الفتيا، قال: وكانوا يدعون سعيد بن المسيب الجريء. وهذا سعيد إمام التابعين وزاهد، كانوا يقولون: إنه جريء على الفتوى.
وعن شقيق بن سلمة أنه قال: قال عبد الله: إن الذي يفتي الناس في كل ما يسألون عنه لمجنون. وعن ابن عون قال: كنت جالساً في حلقة فيها القاسم بن محمد، فجاءه رجل ومعه جارية، فقال القاسم بن محمد -أحد فقهاء المدينة السبعة-: إني أعتقت هذه الجارية عن دبر مني، فولدت أولاداً، أفأبيع من أولادها شيئاً؟ فقال القاسم بن محمد: ما أدري ما هذا. فقال رجل في المجلس: قضى عمر بن عبد العزيز أن أولادها بمنزلتها إذا أعتقت أُعتق بعتقها. فقال القاسم: ما أرى رأيه إلا معتدلاً، وهذا رأيي، وما أقول إنه الحق.
من أفتى الناس، سبق الناس إلى الفتيا، الذي يتجاسر على الفتيا دائماً دلالة على ماذا؟ أنه هو الأقل علماً؛ لأنه لا يستطيع أن ينظر في الأقوال الأخرى ويعرف أنه محتمل كذا ومحتمل كذا، فيتوقف. لكن الذي دائماً متحمس على الفتوى، إذاً هو ما عنده تأمل، ما عنده تدقيق، إذاً هو الأقل علماً فعلاً. إن بعض الناس يظن أن الذي دائماً يفتي هو الأقوى علماً، لا، هي القاعدة بالعكس، الذي دائماً يفتي وما يتردد وما يتأنى هو الأقل علماً. وقال أبو العتاهية: أشد الناس للعلم ادعاءً أقلهم بما هو فيه علماً. وبإسناد عن سعيد بن سعيد يقول: أجرأ الناس على الفتيا أقلهم علماً، ما يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه. قال سحنون: إني لأحفظ مسائل منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء، فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب حتى أتخير؟ فلم ألم على حبس الجواب؟
وبإسناد عن حماد بن زيد أنه ذكر رجلاً فأثنى عليه، فقال: لم يكن يستفتي ولا يفتي. وبإسناد عن حذيفة قال: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: من يعلم ما نسخ من القرآن، قالوا: ومن يعلم ما نسخ من القرآن؟ قال: عمر، أو أمير لا يجد بداً، أو أحمق متكلف. قال: فربما قال ابن سيرين: فلست واحداً من هذين، ولا أحب أن أكون الثالث.
وقال ابن وهب بإسناده قال ابن شهاب: فما سمعت فيه شيئاً وما نزل بنا. فقلت: إنه سأل ابن شهاب عن شيء فقال: ما أنا بقائل فيه شيئاً؛ يعني المسألة لم تقع وما نزل بنا، وما أنا؛ يعني بقول لك لا أعلم ما عندي فيها رأي، سهلة جداً عليهم. وقال ابن وهب بإسناده قال عمر لأبي مسعود عقبة بن عمرو: ألم أنبأ أنك تفتي الناس؟ ولِيَ حارها من تولى قارها؛ ومن تولى قارها مرت معنا، يعني الذي يكون في وقت الرخاء ماسكها، خليه هو في وقت الشدة يمسكها، أنت لا تورط نفسك.
وبإسناد عن أبي المنهال قال: سألت زيد بن أرقم والبراء بن عازب عن الصرف، فجعل كلما سألت أحدهما قال: سل الآخر فإنه خير مني وأعلم مني.
وبإسناد عن جعفر بن الحسن قال: رأيت أبا حنيفة في النوم، فقلت: ما فعل الله بك يا أبا حنيفة؟ قال: غفر لي. فقلت له: العلم؟ فقال: ما أضر الفتيا على أهلها. فقلت: فبما؟ قال: بقول الناس في ما لم أعلم، لِما أذِن الله مني، قال: إن الناس أكثرت من الكذب علي.
طبعاً هذه رؤيا منام، للأسف حتى الخطيب البغدادي في كتابه يذكر رؤى وتُذكر شواهد على القطع وعلى ذم أبي حنيفة. والله رؤيا أبي حنيفة في المنام، وأن جنازة يتبعها المجوس، طيب يا أخي أنت بدك تستدل على الطعن في أبي حنيفة بواحد شاف رؤية في المنام؟ رؤى منامات وخلط، وممكن رؤية منامات شر، المنام لا يُبنى عليه الطعن في الأئمة، هذه فكرة عامة. وأيضاً لا يُستجلب بها مدح، لأنك إذا نظرت في طبقات الشعراني فسترى كبار أهل التصوف دخلوا الجنات واستقروا فيها وانتهى الأمر. فعادة المنامات ليست شيئاً يُستدل به لا ذماً ولا مدحاً، وإنما يُستأنس به، خاصة مع المسلمين إذا رأيت مناماً حسناً يُستأنس به، إذا رأيت مناماً شراً تكتم عنه.
قيل جاء رجل لسحنون، فقال: يا سحنون، إني رأيتك تُعذب في النار. سحنون قال له: تعال أقول لك، هذا ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك، قال له: ابتلاك الله بهذه الرؤيا مش لأن سحنون واثق بنفسه، لكن سحنون يقول لك يا أخي أنا أصول الإسلام عندي الحمد لله، ولست فاسقاً ولا أقار طريقاً ولا كذا، فقال له: تعال أوريك. فذهب إلى من قال: دعونا أن نذهب إلى الكنيسة. فذهبوا إلى الكنيسة، فقال للكاثوليك هناك: كيف ترون زعماءكم وأساقفتكم؟ قالوا: نراهم في جنات النعيم في المنام. قال: رأيت أن الشيطان يأتي إلى أحدهم فيشوه صورة الشيخ، فيريك إياه في المنام بصورة سيئة، فأنت تستيقظ تقول هذا الشيخ سيء، واضح أني كنت أطلب العلم عنده، لكن والله هذه الرؤيا مش مطمئنة من الشيخ. أحياناً يفتيك الشيطان بأن يجعلك ترى في شيخك رؤيا سيئة حتى لا تجلس معه، لأنه إذا الكاثوليك يرون أساقفتهم في الجنة وهم في النار وماتوا كفاراً، هذا من تلبيس الشيطان عليهم، أنه يرى سيده الأسقف في الجنة فيظن أن سيده على طريقة صحيحة. فليست كل الرؤى يُتسرع ولا يُبنى عليها حكم عموماً، خاصة في جانب الذم.
وقال سحنون يوماً: إن لله ما أشقى سحنون! ثم قال: ها أنذا يتعلم مني ما تُضرب به الرقاب، وتُطأ به الفروج، وتُؤخذ به الحقوق، أما كنت عن هذا غنياً؟ وروي عن أبي عثمان الحداد أنه قال: القاضي أيسر مأثماً وأقرب إلى السلامة من الفقيه، لأن الفقيه من شأنه إصدار ما لم يرد عليه من ساعتهم بما حضرهم من القول، والقاضي شأنه الأناة والتثبت، ومن تأنى وتثبت تهيأ له من الصواب ما لا يتهيأ لصاحب غيره. عادة يعتبرون الفتوى أسهل من القضاء، لكن هنا الرأي مختلف، أن القضاء أسهل من الفتوى من أي جهة؟ أن المفتي لأن حكمه غير ملزم يتسرع في الفتوى، يحكي بسرعة، لكن القاضي لأنه ملزم، بتلاقيه أثبت وأهدأ ويتورط قبل إصدار الحكم. هذه وجهة نظر أخرى.
قال رحمه الله تعالى: باب رتب الطلب والنصيحة في المذهب. قال أبو عمر: طلب العلم درجات ومناقب ورتب، لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف. رحمه الله، احفظوه كاسمكم، هذه القاعدة، كثير ما يكثر العلماء من ذكرها، يقول ابن عبد البر: طلب العلم درجات ومناقب ورتب، لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف. ما معنى هذا الكلام؟ طلب العلم له منهجية وكتب يبدأ بها ثم ينتقل إلى ما بعدها، ثم ينتقل إلى ما بعدها، الذي يتخطى طريقة السلف في طلب العلم في المناهج التعليمية هذا يحرم العلم. إذاً نحفظ المقولة: طلب العلم درجات، كتاب تبدأ بالآجرومية، تنتقل إلى ما بعده، إلى ما بعده، تبدأ بالأحاديث الصغيرة ثم تنتقل للكبير، وهكذا. يقول: طلب العلم درجات، تنتقل من الأصغر إلى الأكبر، ومناقب، تنتقل من شيء إلى شيء، ومن مرتبة إلى مرتبة، ورتب لا ينبغي تعديها. بعض الطلاب يقول لي: شيخ ليش أدرس الآجرومية وقطر الندى، أدرس الألفية مباشرة، أختصر على نفسي؟ ليس هذا طريق السلف ولا طريق العلماء، عليك أن تسلك طرائق العلماء في الطلب، سواء في الحديث، في التفسير، في كل العلوم. إذاً ومن تعداها جملة؛ الذي يترك منهجية السلف في الطلب فقد تعدى سبيل السلف، ومن تعدى سبيلهم عامداً ضل السبيل، ومن تعداه مجتهداً زل وأخطأ. هذه قاعدة منهجية كبيرة جداً.
قال: فأول العلم حفظ كتاب الله عز وجل وتفهمه. أول شيء في مراتب التعلم تحفظ القرآن، لذلك السلف ما كانوا يقبلون أي طالب علم قبل ما يكون خاتم المصحف، هذه منهجية. ولذلك لماذا حُرمنا من البركة في كثير من طلاب العلم اليوم؟ ما بيحفظ القرآن ومستعد يدرس الألفية والمتون وهو لا يحفظ القرآن، يقول لك: أنت تخطيت منهج السلف، ولا بركة في من يتخطى منهج السلف.
قال: وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه، ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولكن أقول إن ذلك شرط لازم على من أحب أن يكون عالماً فقيهاً. ابن عبد البر يقول لك: حفظ القرآن مش فرض عين على كل مسلم يحفظ القرآن، لكنه لازم لمن يريد أن يكون عالماً. لا تقل لي بدي أكون عالم وأنت زاهد في حفظ القرآن.
قال: ناصباً النفس ليس من باب الفرض. وبإسناد عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79]، قال: حق على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيهاً. وقد تقدم قول أبي الدرداء: لن تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً. وقال مجاهد؛ يعني أن الآية لها أكثر من فهم وأكثر من احتمال، وهذا الذي يجعلك فقيهاً في تفسير القرآن، فليس نقطة ورد غطاها زي ما يقولوا، لا، الآية قد تحتمل أكثر من وجه وأكثر من تفسير، ولازم تقرأ وتتوسع في فهم الآية الواحدة. وقال مجاهد: ربانيين فقهاء، وقال سعيد بن جبير وأبو رزين وقتادة: علماء حكماء، هذا معنى ربانيين: علماء حكماء.
قال أبو عمر: القرآن أصل، فمن حفظه قبل بلوغه ثم فرغ إلى ما يستعين به على فهمه من لسان العرب، كان ذلك له عوناً كبيراً على مراده منه، من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. الآباء والأمهات الذين يريدون أن يشغلوا أبناءهم بطلب العلم من الصغر: أولاً حفظ ابنك القرآن، وحفظ ابنك من الشعر الجاهلي والكلام الجاهلي. فاول من حفظ القرآن قبل بلوغه ثم يتفرغ إلى فهم لسان العرب، يعني لا تستعجل في تحفيظ الأحاديث وتبلش تدخله في الآجرومية، لا لا لا، هذا شيء متأخر، إذا كان طفلك صغيراً وناضج يحفظ القرآن.
ويحفظ من المعلقات والشعر وكلام العرب ما يقوي لغته وطلاقته، هذا يفيده بعد ذلك في دراسة أي علم من علوم الشريعة. قال أبو عمر: القرآن أصل العلم. ثم ينظر في ناسخ القرآن ومنسوخه وأحكامه، ويقف على اختلاف العلماء واتفاقهم في ذلك، وهو أمر قريب على من قربه الله عز وجل عليه.
هناك من يقول إنه يسلك طريق المحدثين، ونحن نقول الآن إن طريقة المحدثين التي كانت زمن ابن عبد البر ما عادت تصلح لزماننا؛ لا يصلح أن الطالب يتعرف في الخلاف، يلتزم مذهباً معيناً ويتعلم، ثم إذا قدر الله له الصعود يبدأ رويداً رويداً يتعرف الخلاف. ثم ينظر في السنن المأثورة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قراءة السنن وكتب السنن ودراستها مهم جداً، حتى لو كنت مذهبياً لا بد تقرأ كتب السنة وتمر عليها. بها يصل الطالب إلى مراد الله عز وجل في سنته، وهي تفتح له أحكام القرآن فتحاً. فهذه الفقرة مهمة جداً؛ لأنه يفسر المنهج العلمي الذي ذكره في البداية، وفي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنبيه على كثير من الناسخ والمنسوخ في السنن، فلا بد لطالب العلم أن يدرس السيرة؛ لأنها هي التي توقفك على الناسخ والمنسوخ.
ومن طلب السنن فليكن معوله على حديث الأئمة الثقات الحفاظ الذين جعلهم الله عز وجل خزائن لعلم دينه، وأمناء على سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كمالك بن أنس الذي اتفق المسلمون طراً على صحة نقله ونقاوته، وابن الحجاج، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وسائر أصحاب ابن شهاب الزهري الثقات، كابن جريج وعقيل ويونس وشعيب والزبيدي والليث؛ وحديث هؤلاء عند ابن وهب وغيره. وكذلك حديث حماد بن زيد وحماد بن سلمة ويحيى بن سعيد القطان وابن المبارك وأمثالهم من أهل الثقة والأمانة، وهؤلاء كلهم أئمة حديث وعلم عند الجميع، وعلى حديثهم اعتمد المصنفون للسنن الصحيحة؛ كالبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي ومن سلك سبيلهم. طالب العلم لا يرجع لهذه الطبقة؛ فهذه الطبقة التي يريد أن يوصلها ابن عبد البر، لكن أنت في وقتك المعاصر تعتمد كتب السنة المشهورة؛ البخاري ومسلم والمصنفات المشهورة ينبغي أن تنشغل بها، هو يتكلم عن مستواه الذي يمكنهم أن يصلوا إلى هؤلاء الأئمة.
كالبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي ومن سلك سبيلهم كالعقيلي والترمذي وابن السكن؛ لا يحصون كثرة. وإنما صار مالك ومن ذكرنا معه أئمة عند الجميع لأن علم الصحابة رضي الله عنهم متبع في أقطار الأرض، انتهى إليهم لبحثهم عنه رحمهم الله، والذي يشذ عنهم نزر يسير في جنب ما عندهم؛ الذي يخرج عن الكتب الستة والموطأ نزر يسير جداً.
وإسنادي عن علي بن المديني أنه يقول: دار علم الثقات على ستة؛ اثنين بالحجاز، واثنين بالكوفة، واثنين بالبصرة. فأما اللذان بالحجاز فالزهري وعمرو بن دينار، واللذان بالكوفة أبو إسحاق السبيعي والأعمش، واللذان بالبصرة قتادة ويحيى بن أبي كثير. ثم دار علم هؤلاء على ثلاثة عشر رجلاً؛ هؤلاء الستة تفرع عنهم ثلاثة عشر رجلاً أخذوا منهم: ثلاثة بالحجاز، وثلاثة بالكوفة، وخمسة بالبصرة، وواحد بواسط، وواحد بالشام. فالذين بالحجاز ابن جريج ومالك ومحمد بن إسحاق، والذين بالكوفة سفيان الثوري وإسرائيل بن يونس وابن عيينة، والذين بالبصرة شعبة وسعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي ومعمر وحماد بن سلمة، والذي بواسط جرير، والذي بالشام الأوزاعي. هذا كله يتكلم عن علم الحديث فقط ولا يتكلم عن علم الفقه؛ هؤلاء علماء حديث.
قال أبو عمر: لم يذكر حماد بن زيد فيهم لأنه لم يكن له استنباط في علمه، وحماد بن سلمة وشعبة مثله، وذكر شعبة في البصريين وهو واسطي قد سكن البصرة. ومما يستعان به على فهم الحديث ما ذكرناه أيضاً مما يستعان به على فهم القرآن؛ وهو الدراية بالعربية، العلم بلسان العرب ومواقع كلامها وسعة لغتها وأشعارها ومجازها وعموم لفظها ومخاطبتها وخصوصه وسائر مذاهبها، لمن قدر عليه، فهو شيء لا يستغنى عنه؛ هو باختصار علم اللغة العربية وأصول الفقه، لا يستغنى عنه. وكان عمر بن الخطاب يكتب إلى الآفاق أن يتعلموا السنة والفرائض واللحن -يعني النحو- كما يتعلموا القرآن؛ لأن هذه اسمها علوم الآلة، لا بد من علوم الآلة. شاهِد كيف يركز ابن عبد البر على علوم الآلة وأنه لا ينبغي الاستهانة بها؛ لأنه عليها يُبنى الفهم الصحيح.
وقد تقدم ذكر هذا الخبر، وحدثنا عن أبي عثمان بإسناده أنه قال: كان في كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعلم العربية، وبإسناده عن عمر بن زيد أنه قال: كتب عمر إلى أبي موسى: أما بعد فتفقه في السنة وتفقه في العربية. وبإسناد عن نافع عن ابن عمر أنه كان يضرب ولده على اللحن. وقال الشعبي: نحو العلم كالملح في الطعام لا يستغنى عنه. وقال الشعبي: مثل الذي يتعلم في الحديث ولا يتعلم النحو مثل برنس لا رأس له. وقال الخليل بن أحمد: أي شيء من اللباس على ذي الرأس أبهى من اللسان البهي، ينظم الحجة السنية في السلوك من القول مثل عقد الحلي، وترى لحناً بالحسب أبهى الهيئة مثل الصدأ على المشرفي، فاطلب النحو للحجج، للشعر مقيماً، والمسند المروي، والخطاب البليغ عند جواب القول يزهو بمثله في الندي. هذا كله من مدح تعلم اللغة العربية.
وبإسنادي عن الشافعي محمد بن إدريس أنه يقول: من حفظ القرآن عظمت قيمته، ومن طلب الفقه نبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في النحو رق طبعه، ومن لم يصن نفسه لم يصن العلم. وهذه الخاتمة أهم شيء: "ومن لم يصن نفسه لم يصن العلم"؛ إذا كنت تعمل الحرام وتدخل فيه، والله لو طلبت كل العلوم لن يصنك العلم، صن نفسك عن الحرام قبل كل شيء. وبإسناد قال الشافعي رحمه الله: من حفظ القرآن عظمت حرمته.
ثم ذكر: ويلزم أصحاب الحديث أن يعرفوا الصحابة المؤدين للدين عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، ويعنى بسيرهم وفضائلهم. إذاً من العلوم المهمة معرفة طبقات الصحابة؛ تقرأ في طبقات ابن سعد، وأسد الغابة، والإصابة في تمييز الصحابة وغيرها من الكتب التي تعتني بذكر الصحابة وأحوالهم ومناقبهم. ويعرف أحوال الناقلين عنهم؛ أي أخبارهم، الناقلين عنهم من التابعين وأتباع التابعين، حتى يقف على العدول منهم من غير العدول، وهو أمر قريب كله على من اجتهد.
فمن اقتصر على إمام واحد وحفظ ما كان عنده من السنن، ووقف على غرضه ومقصده في الفتوى، حصل على نصيب في العلم وافر وحظ منه حسن صالح؛ فمن قنع بهذا اكتفى، والكفاية غير الغنى. والاختيار له أن يجعل إمامه في ذلك إمام أهل المدينة، دار الهجرة ومعدن السنة. ومن طلب الإمامة في الدين وأحب أن يسلك سبيل الذين جاز لهم الفتيا، نظر في أقاويل الصحابة والتابعين والأئمة في الفقه إن قدر على ذلك، نأمر بذلك كما أمرنا بالنظر في أقاويل في تفسير القرآن. فمن أحب الاقتصار على أقاويل علماء الحجاز اكتفى إن شاء الله واهتدى، وإن أحب الإشراف على مذاهب الفقهاء متقدم ومتاخر بالحجاز والعراق وأحب الوقوف على ما أخذوا وتركوا من السنن وما اختلفوا في تثبيته وتأويله من الكتاب والسنة، كان ذلك له مباحاً ووجهاً محموداً، إن فهم وضبط ما علم، وسلم من التخليط؛ وصل إلى درجة رفيعة. التخليط يعني هذه مرتبة ليس كل أحد يستطيعها؛ الذين يستطيعون ضبط المذاهب المختلفة هؤلاء قلة، لأنك بالكاد أنت الآن في الواقع المعاصر تضبط مذهباً واحداً.
ومن لم يضبط المذاهب واكتفى، فقد وصل إلى جسيم من العلم واتسع ونبل، وبهذا يحصل الرسوخ لمن وفق الله وصبر على هذا الشأن. الصبر هو الذي يورث، واستحلى مرارته؛ فالعلم فيه مرارة في الطريق، نجلس للمجالس للساعة العاشرة والثانية عشرة بالليل، واستحلى مرارته؛ يعني فيه مرارة وفي تعب، لكنه يستعذب مجالس العلم ويصبر على طولها، واحتمل ضيق المعيشة فيه.
واعلم رحمك الله أن طلب العلم في زماننا هذا وفي بلدنا قد حاد أهله عن طريق سلفهم، وسلكوا في ذلك ما لم يعرف أئمتهم، وابتدعوا في ذلك ما بان به جهلهم وتقصيرهم في حق العلماء قبلهم؛ الابتداع في طلب العلم أن تسلك طريقاً لم يسلكه الأوائل. فطائفة أبت في جمع أحاديث بالأسانيد لكنها لا تفهمها، وقنعت بالجهل في حمل ما لا تعلم، فجمعت الغث والسمين والصحيح والسقيم والحق والكذب في كتاب واحد؛ الصحيح والضعيف كله عندهم ولا يفرقون، وربما في ورقة واحدة، ويدينون بالشيء وضده ولا يعرفون ما في ذلك عليهم، وقد شغلوا أنفسهم بالاستكثار عن التدبر والاعتبار، فاستنار العلم وقلوبهم قد خلت من الفهم؛ غاية أحدهم معرفة الكنية الغريبة أو الاسم الغريب أو الحديث المنكر، وتجده قد جهل ما لا يكاد يسع أحداً جهله من علم صلاته وحج صلاته وزكاته.
وطائفة في الجهل كتلك أو أشد؛ لم يعنوا بحفظ سنة ولا الوقوف على معانيها، ولا بأصل من القرآن، ولا اعتنوا بكتاب الله عز وجل فحفظوا تنزيله، ولا عرفوا ما قال العلماء في تأويله، ولا وقفوا على أحكامه، ولا تفقهوا في حلاله وحرامه، قد اطرحوا علم السنن والآثار وزهدوا فيهما وأضربوا عنهما، فلم يعرفوا الإجماع من الاختلاف، ولا فرقوا بين التنازع والائتلاف، بل عولوا على حفظ ما دون لهم من الرأي والاستحسان الذي كان عند العلماء آخر العلم والبيان. هذا مثال الذي يشتغل فقط بالمذهب الفقهي ولا يعرف تفسير القرآن ولا ينظر في كتب السنة ولا يتفقه فيها، هذه مرتبة من اكتفى بحفظ ما قاله إمامه؛ لا أخي، لا بد أن تنظر في الكتاب والسنة.
والسنة، صحيح أنت لا ترجح، لكن لابد أن يكون لك انشغال بهما حقيقي ومعرفة بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم، وتفاسير معاني كتاب الله. قال: وكان الأئمة يبكون على ما سلف وسبق لهم فيه، ويودون أن حظهم السلامة منه. ومن حجة هذه الطائفة فيما عولوا عليه من ذلك: أنهم يقصرون وينزلون عن مراتب من له القول في الدين لجهلهم بأصوله، وأنهم مع الحاجة إليهم لا يستغنون عن أجوبة الناس في مسائلهم وأحكامهم؛ فلذلك اعتمدوا على ما قد كفاهم الجواب فيه غيرهم.
وهم مع ذلك لا ينفكون من ورود النوازل عليهم فيما لم يتقدمهم فيه إلى الجواب غيرهم، فهم يقيسون على ما حفظوا من تلك المسائل، ويفرضون الأحكام فيها، ويستدلون منها، ويتركون طريق الاستدلال من حيث استدل الأئمة وعلماء الأمة، فجعلوا ما يحتاج أن يُستدل عليه دليلاً على غيره. ولو علموا أصول الدين وطرق الأحكام وحفظ السنن، كان ذلك قوة لهم على ما ينزل بهم، ولكنهم جهلوا ذلك فعادوا أصحابه. فهم يفرطون في انتقاص الطائفة الأولى وتجهيلها وعيبها، ينتقصون من أهل الحديث وطرائقهم.
وتلك تعيب هذه بضروب من العيب، وكل الحديث يعيبون الفقهاء، وكلهم يتجاوز الحد في الذم. وعند كل واحد من الطائفتين خير كثير وعلم كبير، شوف الجلالة، هذا الذي يعجبك في ابن عبد البر، يقول: حقيقة أهل الحديث فيهم خير كثير وعلم كثير، والفقهاء فيهم خير كثير وعلم كبير، الأصل نتكاتف وكل شخص يستفيد من الطرف الآخر.
قال: أما أولئك فكالخزان الصيدلانيين، وهؤلاء في جهل معاني ما حملوه مثلهم، إلا أنهم كالمعجون بأيديهم لعلل لا يقفون على حقيقة الداء المولود لها، ولا على حقيقة طبيعة الدواء المعالج به. فأولئك أقرب إلى السلامة في العاجل والآجل؛ يعني أهل الحديث ولو جهلوا، أقرب من إنسان هو فقط حافظ للمذهب، حفظ ولا يعرف أدلته وعلله وما شابه ذلك، فأقول لك: أنت ما عندك شيء، أنت فقط حافظ لأقوال ليس أكثر. وهذا حال كثير من الشباب، يعني هو يظن نفسه فقيهاً وأنت لست بفقيه؛ الفقيه شيء والحافظ للمذهب شيء آخر، وهذا لي مكان آخر في تبيينه.
قال: وهؤلاء أكثر فائدة في العاجل، وأكبر غروراً في الآجل. وإلى الله تعالى نفزع في التوفيق لما يقرب من رضاه، ويوجب السلامة من سخطه، فإنما ينال ذلك برحمته وفضله. واعلم يا أخي أن المفرط في حفظ المولَدات لا يؤمن عليه الجهل بكثير من السنن إذا لم يكن تقدم علمه بها، وأن المفرط في حفظ طرق الآثار دون الوقوف على معانيها وما قال الفقهاء فيها لصفر من العلم.
يقول لك: إذا الذي يفرط في حفظ مسائل مولدة والتي لا وجود لها في الواقع يا أخي غلط، وفي نفس الوقت يقول للطرف الآخر لأهل الحديث: الإفراط في حفظ الطرق وهذا الحديث له عشرون طريقاً ورواه، فبرضه هذه زيادة لا نحتاج إليها؛ فهذا يخطئ في تفريطه، وهذا يخطئ في تفريطه، وكلاهما قانع بالشم من المطعم ومن الله التوفيق والحرمان، وحسبي ربي وبه أعتصم.
واعلم يا أخي أن الفروع لا حد لها تنتهي إليه أبداً، فلذلك تشعبت؛ فمن رام أن يحيط بآراء الرجال فقد رام ما لا سبيل له ولا لغيره إليه، لأنه لا يزال يرد عليه ما لم يسمع، ولعله أن ينسى أول ذلك بآخره لكثرته. يعني شوف إذا بدك تحفظ كل الفروع لا يمكن، تحفظ كل الفروع؛ بدي أريحك هيك بقول لك، بالتالي أنت تحفظ متناً أو متنين، ثم تتعلم بعد ذلك الكتاب والسنة لتعرف أصول النظر الفقهي؛ يعني أنت لن تصل لمرحلة أنك تحفظ كل الفروع، مئات الآلاف مرت على تاريخ الأمة لا يمكن. طيب ماذا أعمل؟ يا أخي خذ متناً أو متنين تعلمهم، ثم اشتغل بأصول الفقه واشتغل بفهم معاني الكتاب والسنة، تعرف المنهج وتصبح عندك ملكة. أنا أريد صنع إنسان عنده ملكة فقهية، ولست أريد إنساناً حافظاً فقط كالمكنة تكرر، لو ماكينة المكتبة الشاملة اليوم تؤدي الغرض وزيادة عنك.
قال: فيحتاج إلى أن يرجع إلى الاستنباط الذي كان يفزع منه ويجبن عنه تورعاً بزعمه، أن غيره كان أدرى بطريق الاستنباط منه؛ فلذلك أول على حفظ قوله. ثم إن الأيام تضطره إلى الاستنباط مع جهله بالأصول، فجعل الرأي أصلاً واستنبط عليه. وقد تقدم في كتابنا هذا كيف وجه القول واجتهاد الرأي على الأصول عندما ينزل بالعلماء من النوازل في أحكامهم ملخصاً في أبواب مهذبة، ومن تدبرها وفهمها وعمل عليها نال حظه ووفق لرشده إن شاء الله.
واعلم أنه لم تكن مناظرة بين اثنين أو جماعة من السلف إلا لتفهم وجه الصواب فيصار إليه، ويعرف أصل القول وعلته فيجري عليه أمثلته ونظائره. وعلى هذا الناس في كل بلد إلا عندنا، كما شاء الله ربنا، إلا أن يقول لك هيك الناس كل بلد إلا عندنا، تركوا طرق التعلم الصحيح وأبدعوا طرقاً من عندهم.
وعند من سلك سبيلنا من أهل المغرب، فإنهم لا يقيمون أدلة ولا يعرفون للقول وجهه، وحسب أحدهم أن يقول: فيها رواية لفلان ورواية لفلان، ومن خالف عندهم الرواية التي لا يقف على معناها وأصلها وصحة وجهها، فكأنه قد خالف نص الكتاب وثابت السنة، ويجيز حمل الروايات المتضادة في الحلال والحرام، وذلك خلاف أصل مالك. وكم لهم من خلاف أصول مذهبه، ومما لو ذكرناه لطال الكتاب ذكره.
وتقصيرهم عن علم أصول مذهبهم صار أحدهم إذا لقي مخالفاً مما يقول بقول أبي حنيفة أو الشافعي أو داود بن علي أو غيره من الفقهاء، وخالفه في أصل قوله بقي متحيراً، ولم يكن عنده أكثر من حكاية قول صاحبه. والله هؤلاء نراهم اليوم، اللي هو فقط حافظ بعض الروايات ودرس العمدة والأربعين والبلوغ، ويصبح يتهجم على الأقوال المخالفة له وذمها، وهو ليس لا يوجد عنده منهج أصولي أصلاً، لا يوجد عنده منهج أصولي في عملية الاستنباط.
أظن أنكم تعرفون عن من أتكلم، هؤلاء الذين لا يملكون منهجاً أصولياً ولا ديلاً متكاملاً، هؤلاء أفسدوا دين الأمة وضربوها في مفاصلها الحادة. ولو زعموا أنهم يسلكون طرق السلف فوالله ليست هكذا الأمور، انظر ابن عبد البر وهو من أهل الحديث يذمهم وهم لا يعرفون الكلام عنهم. هؤلاء الذين لا يضبطون أصول مذهب مالك، هم فقط حفظوا روايات من هنا ومن هنا، وإذا سمعوا قولاً للشافعي أو أحمد تحيروا كيف يرد عليه، شيء طبيعي لأنك لا تملك منهجاً. أهم شيء في الفقيه أن يملك المنهج؛ من لا يملك منهجاً لا يمكن أن يصبح فقيهاً، والمناهج استقرت وهي المذاهب الأربعة، فمن لا يملك مذهباً معيناً يبني منهجاً عليه، سيبقى حائراً فاسداً مفسداً في الأمة، هذا هو الواقع.
قال: ولجأ إلى أن يذكر فضل مالك ومنزلته، فإن عرضه الآخر بذكر فضل إمامه صار في المثل كما قال الأول: شكوا إليهم خراب العراق فعاب علينا شحوم البقر. فكانوا كما قيل فيما مضى: أريه السها وتريني القمر. وفي مثل ذلك يقول المنذر بن سعيد البلوطي من قوم يقولون كلما طلبت دليلاً: هكذا قال مالك، وإن عدت قالوا: هكذا قال أشهب، وقد كان لا تخفى عليه المسالك، فإن زدت قالوا: قال سحنون مثله، ومن لم يقل ما قاله فهو إفك، فإن قلت قال الله ضجوا وأكثروا، وقالوا جميعاً: أنت قرن مماحكات.
مالكاً في ترك ذاك مسالكه، وجاز النظر في اختلاف أهل مصر وغيرهم من أهل المغرب فيما خالف فيه مالك من غير أن يعرفوا وجه قول مالك ولا وجه قول مخالفه منهم. ولم يبيحوا النظر في كتب من خالف مالكاً إلى دليل يبينه ووجه يقيمه لقوله وقول مالك، جهلاً منهم وقلة نصح، وخوفاً من أن يطلع الطالب على ما هم فيه من النقص والتقصير، فيزهدك. يعيبون من خالفهم ويغتابونه ويتجاوزون القصد في ذمه، ليوهموا السامع أنهم على حق، وأنهم أولى بسبيل العلم وهم، إذا رأوا من يخالفهم يقول لك: يا أخي هذا ليس ضابطاً للفقه، هذا أخونا كذا متبذل متعصب، وما أسرع أن يذم مخالفيهم في هذه الأبواب.
وهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، وإن أشبه الأمور بهم فيه ما قاله منصور الفقيه: خالفني وأنكروا ما أقول قلت لا تعجلوا فإني سؤول ما تقولون في الكتاب فقالوا هو نور على الصواب دليل وكذا سنة الرسول وقد أفلح من قال ما يقول الرسول واتفاق الجميع أصل وما ينكر هذا وذاك العقول وكذا الحكم بالقياس فقلنا من الرجال يأت الجميل فتعالوا نرد من كل قول ما نفى الأصل أو نفته الأصول فأجابوا فنظروا فإذا العلم لديهم هو اليسير القليل
فعليك يا أخي بحفظ الأصول والعناية بها، وعلم أن عليك بحفظ الأصول والعناية بها، أصول العلم. واعلم أن من عني بحفظ السنن والأحكام المنصوصة في القرآن، ونظر في أقاويل الفقهاء، فجعله عوناً له على اجتهاد مفتاحاً لطرائق النظر، وتفسيراً لجمل السنن المحتملة للمعاني، ولم يقلد أحداً منهم تقليد السنن التي يجب الانقياد إليها على كل حال دون نظر، ولم يرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن وتدبرها، واقتدى بهم في البحث والتفهم والنظر، وشكر لهم سعيهم فيما أفادونا به، وحمده على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم، ولم يبرئهم من الزلل كما لم يبرؤوا أنفسهم منه؛ فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح، هو المصيب لحظه والمعلم منهج السلف، وليس من يدعي، وكل يدعي وصلاً بليلى.
فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح، والمصيب لحظه والمعين لرشده، والمتبع لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهدي صحابته رضي الله عنهم، ومن اتبع بإحسان آثارهم. ومن أثنى نفسه من النظر وأضرب عما ذكرنا، وعارض السنن برأيه، ورام أن يردها إلى ما بلغ نظره، فهو ضال مضل، ومن جهل ذلك كله أيضاً، وتقحم في الفتوى بلا علم، فهو أشد عمىً وأضل سبيلاً. لقد أسمعت لو ناديت حياً، ولكن لا حياة لمن تنادي. أي والله ولكن لا حياة لمن تنادي.
وقد علمت أنني لا أسلم من جاهل معاند لا يعلم، يعني ابن عبد البر يقول: وهذا ما نقوله سيرحل علينا أناس ويقول: لا أنتم متعصبون للمذاهب. ولست بناج من مقالة طاعن، ولو كنت في غار على جبل وعر. ومن ذا الذي ينجو من الناس سالماً، ولو غاب عنهم بين خافيتي نسر؛ يعني لو غبت بين جناحي النسر وما حدا شايفك، راح يطلع لك رجل من تحت الأرض ينتقدك، هيك الحياة، دعك من ذلك.
واعلم يا أخي أن السنة والقرآن هما أصل الرأي والعيار عليه، وليس الملكة لا تنبني فيك إلا على قدر تضلعك من الكتاب والسنة. لا يمكن أن تكون عندك ملكة فقهية إلا إذا أكثرت النظر في معاني القرآن والسنة، حتى ولو كنت متمسكاً، الرأي ليس هو الذي يتحكم بالسنة، السنة هي التي تتحكم بالرأي، ومن جهل الأصل لم يصب الفرع أبداً.
وقال ابن وهب: حدثني مالك أن إياس بن معاوية قال لربيعة: إن الشيء إذا بني على عوج لم يكد يعتدل.
قال مالك: يريد بذلك المفتي الذي يتكلم على غير أصل يبني عليه كلامه. قال أبو عمر: ولقد أحسن صالح بن عبد القدوس حيث يقول: يا أيها الدارس لا تلت مسروراً على درسه، لن تبلغ الفرع الذي رمته إلا ببحث منك عن رأسه.
ولمحمود الوراق: القول ما صدقه الفعل، والفعل ما صدقه العقل، لا يثبت الفرع إذا لم يكن بقوله من تحته أصله. ومن أبيات لابن معدان: وكل ساع بغير علم فرسه غير مستقيم، والعلم حق له ضياء في القلب والعقل واللسان. وقال أبو العتاهية: وإنما العلم من عيان، ومن سماع، ومن قياس.
وبإسناد أن أبا الدرداء كان يقول: لن تزالوا بخير ما أحببتم خياركم، وما قيل فيكم الحق فعرفتموه، فإن عارفه كفاه. وقال ابن وهب عن مالك: سمعت ربيعة يقول: ليس عرف الحق كفاعله. جميلة هذه الفكرة: من عرف الحق كأنه فعله؛ فمعرفتك الحق فضيلة حتى ولو لم تصل. وقال مالك: ليس الذي يقول الخير ويفعله بخير من الذي يسمعه ويقبله؛ قد تقول الخير وتفعله، وقد تسمع وتقبل ولو لم تفعل، فكلاهما على خير.
جميل هذا الكلام. وقال مالك في الثناء على عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما كان بعلمنا، ولكنه كان أسرعنا رجوعاً إذا سمع الحق. قال أبو عمر رحمه الله: لقد بئس الناس الهدى غير أنهم غدوا بالجلابة الهوى قد تجلبوا.
وبإسناد قال: خطب عمر بن الخطاب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة». قال: الطائفة المنصورة أهل العلم الذين يسيرون على خطى السلف، ومنهم المجاهد بلسانه وقلمه وسنانه.
وقال أبو العتاهية: إذا اتضح الصواب فلا تدعه، فإنك كلما ذقت الصواب وجدت له على اللهوات برداً كبرد الماء حين صفى وطاب، وليس بحاكم من يبالي أخطأ في الحكومة أم أصاب. وقال أبو العتاهية أيضاً: رأيت الحق لا يخفى، ولا تخفى شواكله، لعمرك ما استوى في الأمر عالمه وجاهله.
وبإسناد عن الحسن أنه قال: إن أزهد الناس في عالم أهله، وشر الناس أو قال شر الأهل أهل ميت يبكون عليه ولا يقضون دينه. وبإسناد عن ابن عباس قال: أسوأ أهل ميت هم الذين يموت فيهم ميت يبكون عليه ولا يؤدون دينه، لا يا عم، سدوا ديني وابكوا عليّ أحسن لي؛ لأنني في القبر متورط.
وبإسناد عن الحسن أنه قال: كانت للناس جلة ونابته، وكانت النابتة تأخذ عن الجلة، فذهبت الجلة والنابته. عرفنا من أين كلمة النابته؟ هي التي ملأت رؤوسنا اليوم. فذهبت الجلة والنابته، ثم جاء قوم يسمعون تلك الأخلاق كانها أحلام. وبإسناد عن عون بن عبد الله أنه قال: كان في الناس جلة ونابته، أي علماء وطلاب ينبتون، وكانت النابتة تأخذ من الجلة، فذهبت الجلة والنابته، ثم جاء قوم يسمعون تلك الأخلاق كأنها أحلام؛ صرنا اليوم لما نحكي عن أخلاق السلف: أوف! هو في أحد هكذا أخلاقه كأنها أحلام وقصص؟ فكلمة النابته هنا ليست ذماً، فهي عادي.
وبإسناد عن عروة أنه كان يقال: أزهد الناس في عالم أهله. وبإسناد آخر تفسير الحديث خير من سماعه؛ لماذا؟ لأنه مجرد السماع بدون فهم غير مغنٍ، فتفسير الحديث أفضل من مجرد السماع بدون فهم. سمعت الحسن يقول: إن أجبنا أكثرنا، وإن تركناهم تركناهم إلى أن يطول هذا، مرّ معنا. وقال كعب الأحبار لأهل الشام: كيف رأيكم في أبي مسلم الخولاني؟ فذكروا أشياء، فقال كعب: أزهد الناس في عالم أهله. أبو مسلم الخولاني ساكن فيهم في أهل الشام، فهو يسأل أهل الشام كيف أبو مسلم الخولاني فيكم؟ فذموه، فقال: فعلاً أزهد الناس في عالم أهله، يا أخي أبو مسلم الخولاني يذم؟ وهو فيكم؛ ارفعوا قدره بدلاً من أن تذكروا معايبه.
ويرى أن عيسى بن مريم عليه السلام قال له بعض اليهود: ألست ابن يوسف النجار وأمك بغي؟ قال: إنه لا يسب النبي ولا يحقر إلا في مدينته وبلده وبيته، وهو أزهد الناس في عالم أهله، نفس الفكرة. وبإسناد عن أبي الدهماء أنه قال: لقي أبو مسلم الخولاني أبا مسلم الخليلي، فقال الخليلي للخولاني: كيف منزلتك عند قومك؟ قال: إنهم لا يعرفون لي حقاً ويعرفون شرفي. فقال الخليلي: ما هكذا تقول التوراة؟ قال الخولاني: وما تقول التوراة؟ قال: تقول إن أشد الناس بغضاً للمرء صالح قومه ومن هو بين أظهرهم، وإن أشد الناس له حباً أبعد الناس منه. فقال أبو مسلم الخولاني: صدقت التوراة وكذب أبو مسلم؛ هو فعلياً أبو مسلم كان يحسن الظن في قومه.
باب في العرض على العالم، وقول أخبرنا وحدثنا واختلافهم في ذلك وفي الإجازة والمناولة. وبإسناد عن سليمان بن بك؛ الآن في أحاديث كثيرة أخبرنا فلان وحدثنا فلان، هذه قديماً كان لها أثر، أما اليوم في الوقت المعاصر أخبرنا وحدثنا كله في نفس المنزل. حتى بعض الأقدمين كان لا يرى التفريق بين أخبرنا وحدثنا.
وبإسناد عن أبي جعفر الطحاوي أنه قال: اختلف أهل العلم في الرجل يقرأ على العالم ويقر له العالم به، كيف يقول فيه: أخبرنا أو حدثنا؟ فقالت طائفة منهم: لا فرق بين أخبرنا وحدثنا، وله أن يقول أخبرنا وحدثنا، وممن قال بذلك مالك وأبو حنيفة؛ أخبرنا وحدثنا بنفس المنزلة لا فرق بينهم. كما حدثنا ابن أبي عمران بإسناده عن أبي قطن قال: قال لي أبو حنيفة: اقرأ عليّ وقل حدثني، وقال لي مالك بن أنس: اقرأ عليّ وقل حدثني.
وبإسناد أنتم تعرفون: إما الشيخ يقرأ والطالب يستمع، أو الطالب يقرأ والشيخ يستمع. مع أن البعض يقول إذا الشيخ قرأ فالطالب يروي "حدثنا"، وإذا الطالب هو الذي قرأ يصير الطالب يروي "أخبرنا"، والبعض يقول هذا الفرق بين حدثنا وأخبرنا، لكن البعض يقول نفس الشيء. وبإسناد عن يحيى بن عبد الله بن بكير أنه قال: لما فرغنا من قراءة الموطأ على مالك رحمه الله، قام إليه رجل فقال: يا أبا عبد الله كيف نقول في هذا؟ فقال: إن شئت فقل حدثنا، وإن شئت فقل أخبرنا، وإن شئت فقل حدثني، وإن شئت فقل أخبرني، وأراه قال: وإن شئت فقل سمعته.
قال أبو جعفر: وقالت طائفة منهم في العرض: أخبرنا، ولا يجوز أن يقال حدثني إلا فيما سمعه من اللفظ الذي يحدث به. قال أبو جعفر: ولما اختلف نظرنا في الذي اختلفوا فيه، فلم نجد بين الحديث وبين الخبر في هذا فرقاً في كتاب الله عز وجل ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما ما في كتاب الله فقوله عز وجل: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: 4]، فجعل الحديث والخبر واحدة. وقال: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: 94]، وهي الأشياء التي كانت منهم، وقال في مثله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ [البروج: 17]، وقال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 42]، وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [الزمر: 23]، وقال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1]، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الذاريات: 24]؛ كلمة الحديث وكلمة الأخبار استعملت في القرآن بنفس الاستعمال.
قال أبو جعفر: وكان المراد في هذا كله أن الخبر والحديث واحد. وقال: وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو عمر: قد ذكر حديث مجاهد عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبروني عن شجرة مثلها مثل المؤمن»، وحديث فاطمة بنت قيس، كلمة أخبروني. قال في الحديث الآخر: «بلغوا عني ولو آية»، وقال: «لا تخبر بتلاعب الشيطان بك في المنام»، وأنه قال: «أخبرني تميم الداري»، فذكر قصة الدجال، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية»، الأمصار تحدثوا وليت... كلها تدل على أن هذه الألفاظ متساوية في اللغة وفي الكتاب والسنة.
قال أبو عمر: وذكر أخباراً من نحو هذا تركت ذكرها لأنها في معنى ما ذكرنا، ثم قال: هذا كله يدل على أن لا فرق بين أخبرنا وحدثنا. وقد ذهب قوم فيما قرئ على العالم فأجازه وقرئ به أن يقال فيه: قرئ على فلان، ولا يقال فيه حدثنا ولا أخبرنا. قال: ولا وجه لهذا القول إذا العالم أجاز من دون أن تقرأ أصلاً فهذا لا تقول فيه لا حدثنا ولا أخبرنا، بل تقول إما أنبأنا أو أجاز لي أو قرئ.
وقد ذهب قوم إلى ما قرئ على العالم فأجازه أن يقال فيه قرئ على فلان ولا يقال حدثنا ولا أخبرنا، يعني حتى في مقام القراءة على العالم لما تروي في المستقبل تقول قرئ ولا تقول حدثنا. قال: ولا وجه لهذا القول عندنا، وسواء عندنا القراءة على العالم أو قراءة العالم في ذلك، ولكل واحد ممن سمع بشيء من ذلك أن يقول حدثني وحدثنا وأخبرنا.
وقال أبو عمر: هذا قول الطحاوي دون لفظه، وأنا عبرت عنه، وأنا أريد في هذا الباب، كل هذا الكلام وقول عن الطحاوي، فأبو جعفر هنا من هو؟ أبو جعفر الطحاوي هنا أبو عبد البر قال هذا قول الطحاوي، اللي هو نفسه أبو جعفر الذي كان يقول: أنا عبرت عنه، وأنا أريد في هذا الباب أخباراً أستدل بها على مذاهب القوم الذين يفرقون بين حدثنا وأخبرنا. وبإسناد عن محمد بن الحسن الواسطي أنه قال: أخبرنا عوف أن رجلاً سأل الحسن فقال: يا أبا سعيد إن منزلي ناءٍ والاختلاف يشق عليّ، ومعي أحاديث، فإن لم يكن بالقراءة بأس قرأت عليك؟ فقال: ما أبالي قرأت عليّ أو قرأت عليك، فقال: يا أبا سعيد فأقول حدثني الحسن؟ فقال: نعم، قل حدثني الحسن.
وبإسناده عن شعبة أنه قال: سألت منصور بن المعتمر وأي الحسن البصري على أي طريقة؟ على عدم التفريق؛ يعني سواء قلت أنت قرأت عليّ ولا أنا قرأت عليك مش مشكلة، لما تروي عني في المستقبل قل حدثني؛ فهذا يدل أن حدثني وأخبرني على نفس المقام. وبإسناد عن معمر أنه قال: سمعت إبراهيم بن الوليد، رجل من بني أمية يسأل الزهري ويعرض عليه كتاباً من علمه، فقال: أأحدث بهذا عنك يا أبا بكر؟ فقال: نعم، قال: فمن يحدثكموه غيري؟ قال معمر: ورأيت أيوب يعرض على الزهري، يعني كلهم كانوا يعرضون ويقرأون على الأئمة ثم يقول حدثنا، وليس شرطاً أن يقول أخبرنا.
وقال أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق قال: ما كان منصور لا يرى بالعرض بأساً، عرض يعني أنه الطالب يقرأ على الشيخ وليس الشيخ الذي يقرأ على الطالب. وبه عن عبد الرزاق أنه قال: سمعت معمر يقول: كنا نرى أن قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد، فإذا اللفائف قد حملت على الدواب من خزائنه من علم الزهري، حتى قتل الوليد أظن الوليد بن عبد الملك يقصد الخليفة، قال: وقال عبد الرزاق: عرضنا وسمعنا وكل سماع.
وبإسناد عن مالك أنه قيل له: أرأيت ما عرضنا عليك المشايخ وسمعنا المشايخ قرأوا علينا وكلّه بنفس المرتبة؟ قال: كله يعتبر سماعاً. وبإسناد عن مالك أنه قيل له: أرأيت ما عرضنا عليك أقول فيه حدثنا؟ قال: نعم، قد يقول الرجل إذا قرأ القرآن على الرجل: أقرأني فلان، وإنما قرأ عليه، ولقد قال ابن عباس: قد كنت أقرئه عبد الرحمن بن عوف. فقيل لمالك: أفيعرض عليك الرجل أحب إليك أم تحدثه؟ قال: بل يعرض، إذا كان يتثبت في قراءته فربما غلط الذي يحدث أو ينسى، وقال: الذي يعرض أعجب إليّ في ذلك، يعني العرض أعجب إليّ من أن أسمع؛ لأنه لما يعرض الطالب يبين خطؤه، لكن إذا أنا قرأت عليك ممكن أنت ما تحسن القراءة أو نقل الحديث أو لا تعرف الخطأ. وقال ابن.
أبو أويس، عن مالك نحو رواية ابن القاسم وابن وهب عنه على حسب ما ذكرناه. قال: وقال لي: ألست أنت قرأت على نافع وتقول أقرأني نافع؟ وبإسناد عن ابن وهب أنه قال: قلت لمالك يا أبا عبد الله، كيف نقول فيما سمعناه يقرأ عليك من هذه العلوم: أخبرنا أو حدثنا؟ قال: قولوا إن شئتم حدثنا، وإن شئتم أخبرنا، أو أنبأنا.
الأصمعي قال: أخبرنا عبد الله بن عمر قال: رأيت مالك بن أنس يقرأ على الزهري. قال: فحدثت بذلك سفيان بن عيينة، ففرح بذلك وجعل يقول: قرأ! قرأ! نعم، يعني أنس كان يقرأ على الزهري، ما في مشكلة. وبإسناد عن مالك بن أنس أنه قال: لما قدم الزهري وأخذت الكتاب لأقرأ عليه، فقال: من أنت؟ فقلت: أنا مالك بن أنس، وانتسبت له. فقال: ضع الكتاب. ثم أخذ كتاباً من محمد بن إسحاق ليقرأ وانتسب له، فقال: ألا تقرأ؟ ثم أخذ الكتاب عبيد الله بن عمر، نعم قال: وقال: أنا عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. قال: اقرأ، فجمّ، يعني عجبه نسبه؛ لأنه لعمر بن الخطاب، قال: آه يلا أنت اقرأ. طيب، قال: فجميع ما سمع الناس يومئذ مما قرأ عبيد الله بن عمر.
وبإسناد عن إبراهيم بن الوليد، رجل من بني أمية، يسأل الزهري وعرض عليه كتاباً من العلم، فقال: أحدِّث بهذا عنك يا أبا بكر؟ فقال: فمن يحدِّثكم غيري؟ حتى لو أنتم قرأت عليَّ حدِّثوا عني، أنا المحدِّث فعلياً وإن كنتم أنتم بتقرؤوا بس جالسين. نعم، قال: ما عمر رأيت أيوب يُعرَض عليه العلم فيجيزه. وبإسناد عن عبيد الله بن عمر أنه قال: كنت أرى الزهري يأتيه الرجل بالكتاب لم يقرأه عليه ولم يقرأ عليه، فيقول له: اروِهِ عني. فقال: نعم. قال أبو عمر: هذا معناه أنه كان يعرف الكتاب بعينه، ويعرف ثقة صاحبه، ويعرف أنه من حديثه، وهذه هي المناولة.
الآن هذا نوع آخر، أنه أنا تأتيني بكتاب أنا لم أقرأه عليك ولا أنت قرأتَه عليَّ، وأقول لك: خذ، أجزتُ به. هذا يسمى إجازة بالمناولة. أنه قال: قلت للأوزاعي في المناولة: أقول في حدثنا؟ قال: إن كنت حدّثتك فقل حدثنا. فقلت: أقول أخبرنا؟ قال: لا. قلت: فكيف أقول؟ قال: قل: عن.
أبو عمر قال بإسناد عن صفوان بن صالح والوليد بن عتبة أنهما سمعا: قل: عن. أو قال أبو عمر: أو قال أبو عمر يعني عن أبي عمر، مثل قال أبو عمر، لا فرق بينهما. بين «عن» و«قال» مثل «حدثنا» و«أخبرنا». نعم، وبإسناد أنهما سمعا ذلك، لذلك نقول: طلاب الحديث اليوم يجي بعض الشباب يسألني، يعني في العمدة في كذا، لما نحفظ: حدثني، قال النبي، عن النبي، كله خير، يعني ما في إشكال كبير. على رأي طائفة، مش مشكلة في حفظ الأحاديث لو غيَّرت هذه الألفاظ. نعم، بإسناد عن صفوان بن صالح والوليد بن عتبة أنهما سمعا عمر بن عبد الواحد يقول: نظر الأوزاعي في كتابه فقال: اروه عني. يعني مجرد النظر أعطى الإجازة، ولم يروِ أحد عن، يعني لم تتم قراءة في المجلس، قال: اروه عني مباشرة. نعم.
وبإسناد عن الأصمعي أنه قال: دفع إليَّ يحيى بن أبي كثير صحيفة، فقال: اروِها عني، ودفع إليَّ الزهري صحيفة فقال: اروِها عني. وبإسناد أحمد بن صم: المناولة. طيب، كان عمرو بن أبي سلمة حسن المذهب، كان عنده شيء سمعه من الأوزاعي وشيء أجازه له، فكان يقول فيما سمع: حدثنا الأوزاعي، ويقول فيما أجازه له: قال الأوزاعي، هذا على من فرّق بين حدثنا وقال. طيب، وسمعت أحمد يقول وقد سئل عن الرجل يحدِّث الرجال، يقول أحدهم: حدثني، أو يحدِّث الرجل وحده، يقول: حدثنا، قال: نعم، إذا كنت لحالك بتقول حدثني، إذا كان معك طلاب: حدثنا الشيخ. الفرق بين ياء المتكلم و«نا»، قال: ذلك كله جاء في كلام العرب.
طيب، وسمعت أحمد بن صالح يقول: إذا عرض الرجل على عالم ثم قال: حدثنا، لم أخطئ، لذب. نعم، وأحب إليَّ أن يقول: قرأت على فلان، ولا يقول: حدثنا. هذه أسئلة تقول: قرأت أفضل، لأنك إذا قلت حدثنا توهم الطلاب والناس أنك هو اللي حدثك، لكن فعلياً أنت قرأت عليه فقط. طيب، وقال سمعت بإسناد عن يحيى بن سعيد أنه يقول: حدثنا وحدثني واحد، وأخبرنا وأخبرني واحد، يعني سواء كنت وحدك أو مع جماعة، حبيت تقول حدثنا بضبط، حبيت تقول حدثني بضبط.
إليه مثله بإسناد عن يحيى بن عبد الله بن بكير أنه يقول: لما فرغنا من عرض الموطأ على مالك، قال له رجل من أهل المغرب: يا أبا عبد الله، هذا الذي قرئ عليك كيف نقول فيه: حدثنا أم حدثني أم أخبر، لما نرويه عنك، نقول حدثنا ولا حدثني؟ قال: ما شئت أن تقول فكل خير وباركه. طيب، ربيع أنه قال: كان الشافعي إذا حدّث عن مالك فمرة يقول: حدثنا مالك، ومرة يقول: أخبرنا مالك، وكأنه عنده سواء. وقال الربيع: وقد سمعت الشافعي يقول: إذا قرأ عليك العالم فقل حدثنا، وإذا قرأت عليه فقل أخبرنا. وذكر أبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي عن الحسين الكرابيسي أنه قال: لما كانت قدمة الشافعي الثانية، يعني بغداد، أتيته فقلت له: أتأذن لي أن أقرأ عليك الكتب؟ فأبى وقال لي: قد كتب الزعفراني الكتب ففسخها، فقد أجزتُها لك، فأخذتها إجازة.
قال أبو عمر: الآثار في هذا الباب كثيرة على نحو ما ذكرنا، فرأيت الاقتصار أولى من الإكثار. نعم، واختلف العلماء في الإجازة، فأجازها قوم وكره آخرون، وفيما ذكرنا في هذا الباب دليل على جوازها، وإذا كان الشيء الذي أُجيز معيناً أو معلوماً محفوظاً مضبوطاً، وكان الذي يتناوله عالماً بطرق هذا الشأن، وإن لم يكن ذلك على ما وصفت، لم يؤمن أن يحدِّث الذي أُجيز له عن الشيخ بما ليس من حديثه، أو ينقص من إسناده الرجل والرجلين من أول إسناد الديوان أو سائر أسانيد الحديث. وقد رأيت قوماً وقعوا في مثل هذا، وما أظن الذين كرهوا الإجازة كرهوها إلا لهذا، والله أعلم. الإجازة بدون أن يقرأ الشيخ أو الطالب يقرأ فقط، أنت تأتيني بكتاب أقول لك: خلاص اروه عني. يقول ابن عبد البر: إذا كان الكتاب متقناً والطالب جيداً، يمكن أن تجيزه بدون أن تقرأ، يقرا. أما الكتاب غير واثق فيه أو الطالب ضعيف، لا تصح إجازته، وإن كنا إحنا اليوم حقيقة متساهلين في الإجازة، يعني تُعطى حتى لطالب غير متقن من باب التحفيز، لأننا أيامهم كان لها أثر، أيامنا ما عاد لها إلا أثر شرفي. طيب، لا، هذا التوسع الزائد خطأ.
طيب، اقرأ. وذكر ابن عبد الحكم بإسنادي عن مالك أنه سئل عن رجل يقول له العالم: هذا كتابي فاحمله عني وحدث بما فيه عني، قال: لا أرى هذا يجوز ولا يعجبني، لأن هؤلاء إنما يريدون الحمل الكثير بالحمل اليسير، فلا يعجبني ذلك. يجي بعض الطلاب بده يقول: أجزني بكل مروياتي، وهو مسافر، يعني صار يقول له: أنت بدك حمل كثير في يوم يومين، حبة حبة، يعني. وبإسناد عن أبي العباس عبد الله بن عبيد الله الطيالسي ببغداد، يقول: كنت عند أبي الأشعث أحمد بن المقدام العجلي، إذ جاءه قوم يسألونه إجازة كتاب قد حدّث به، فأملى عليهم: كتابي إليكم فافهموه فإنه رسولي إليكم، الكتاب رسوله، فهذا سماعي من رجال لقيتهم لهم براع في فقههم وعقولهم، فإن شئت فاروه عني، فإنما تقولون ما قد قلته وأقوله، أهو إجازة الإجازة؟ نعم.
قال أبو عمر: وتلخيص هذا الباب أن الإجازة لا تجوز إلا لماهر بالصناعة، حاذق بها، يعرف -لا أجيز طالباً إلا إذا كان ماهراً، أما إذا ما كان ماهر لازم يقرأ عليَّ أو أنا أقرأ عليه لازم- قال: يعرف كيف يتناولها، ويكون في شيء معين معروف لا يشكل إسناده، فهذا هو الصحيح من كتاب معروف، زي صحيح البخاري، الكتب المعروفة، أما أُجيز في كتاب يعني مش معروف خطأ، لازم تقرأ حتى أتأكد من فهمك. طيب، وبإسناد عن يحيى بن سعيد أنه يقول: أخبرنا وأخبرني واحد، وحدثنا وحدثني واحد. وبإسناد عن مالك في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44]، قال: هو قول الرجل: حدثني أبي عن جدي. فقال عبد الله بن حمران: سمعه مني إسماعيل بن إسحاق القاضي.
باب الحض على لزوم السنة والاقتصار عليها. نعم، قال صلى الله عليه وسلم، رأسنا هنا ماذا؟ منهج النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الاعتقاد، هذا كأنه بدأ يختم ابن عبد البر. نعم، قال: قال صلى الله عليه وسلم، طيب، بس ضايل 40 صفحة، يلا مش مشكلة، نعم، طيب، خلينا نتعود الصبر قليلاً، يلا مش مشكلة، الدنيا رايحة يا مشى. قال: قد تركت فيكم اثنتين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنته. وبإسناد عن مرة الهمداني أنه قال: قال عبد الله رضي الله عنه: إن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَآتٍ * وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: 134]. وبإسناد عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقوم يوم الخميس قائماً فيقول: إنما هو اثنان، الهدي والكلام، فأفضل الكلام أو أصدق الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، ألا لا يتطول عليكم الأمر فتقسو قلوبكم، ولا يلهينكم الأمل، فإن كل ما هو آت قريب، والموت آت فهو قريب. نعم، قال: ألا إن بعيداً ما ليس آتيه، قال: البعيد حقيقة هو الذي لا يأتي، أما كل ما يأتي ولو بعد 60 سنة هو قريب.
نعم، وبإسناد عن مورق أنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تعلّموا السنة والفرائض. وبإسناد عن عرباض بن سارية أنه يقول: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ بعدي عنها إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفت من سنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، وعليكم بالطاعة وإن كان عبداً حبشياً، عضوا عليها بالنواجذ، فإنما المؤمن كالجمل الأنف، كلما قيد قاد الذي يليه مثله. قال أبو عمر: هو كما قاله البزار، حديث العرباض حديث ثابت، قال أبو عمر: كما حسن، وقد روي عن بعده حديث حذيفة، ذكره بأسانيد عن حذيفة أنه قولين من بعد أبي بكر وعمر، واعتنوا بهدي عمار، وتمسكوا بهدي ابن أم عبد، وهذا حديث فيه نظر. طيب، اقتدوا بالذين من بعد أبي بكر وعمر، إذاً من منهج السلف ومن السنة التمسك بمنهج أبي بكر وعمر بالتحديد، فهم سنة أبي بكر وعمر، منهجهم يدخل تحت السنة تماماً، لزم سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، كذلك حديث: يا رسول الله كأنها موعظة مودع، أوصيكم بتقوى الله، ونفس الأحاديث عم يكررها.
طيب حديث سفينة: الخلافة من بعدي 30 سنة ثم يكون ملكاً. نعم، ثواني بس، قرأ كلام عن ابن عباس أنه كان يقول: كلام الحرورية ضلالة. قال أبو عمر: الخلفاء الراشدون المهديون، اقرأ من هنا. لا، أنا ضيعت شوية، يلا مش مضيعك يا شيخ، جيبه يا شيخ، ضاع الشيخ. قال أبو عمر: الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، هنا ابن عبد البر يفسر ما معنى: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، من المراد بالخلفاء الراشدين؟ قال: الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
بإسناد عن ابن عباس أنه كان يقول: كلام الحرورية ضلالة وكلام الشيعة هلكة، ليش؟ لأن الحرورية كانوا يكفرون هؤلاء، يكفرون علياً ويكفرون كثيراً من الخلفاء الراشدين وعثمان، والشيعة يعني الخوارج بيضربوا مين؟ ضربوا في علي وعثمان رضي الله عنهم، والشيعة بيضربوا في مين؟ في أبي بكر وعمر رضي الله عنهم، تمام. قال: وقال ابن عباس: ولا أعرف الحق إلا في كلام قوم فوضوا أمرهم إلى الله عز وجل، ولم يقطعوا بالذنوب، العصمة من إلى الله، وعلموا أن كلاً بقدر الله. وبإسناد عن سفينة أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: خلافة بعد 30 سنة ثم يكون ملكاً، ثم قال: أمسك خلافة، أم 30 سنة هي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. نعم، قال: أمسك، خلافة أبي بكر سنتان، خلافة أبي بكر سنتين، عمر 10، عثمان 12، وعلي 6، المجموع بيطلع كم؟ 30. طيب، قال علي بن الجعد: نعم، معروف الع. قال علي بن الجعد: قلت لحماد: سفينة القائل لسعيد؟ قال: نعم. قال أبو عمر: قال أحمد بن حنبل: حديث السفينة في الخلافة صحيح، وإليه أدب الخلفاء.
نعم، نعم، وبإسناد عن محمد بن المطهر أنه قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن التفضيل فقال: نقول أبو بكر وعمر وعثمان ونقف، يعني هل يجوز التفضيل بين الصحابة؟ فقال: نعم، يفضل أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، هل نرجح بعلي؟ كان في خلاف بين السلف هل يذكر علي أنه الرابع أو؟
الذي استقر عليه كلام أهل السنة أن عليًا هو الرابع رضوان الله عليهم جميعًا. قال: فقال أحمد: علي عندنا من الخلفاء الراشدين المهديين، محمد بن سلمة عندنا الثقة المأمون وما نزداد كل يوم فيه إلا بصيرة. قال أبو عمر: قد روى عبد الله بن أحمد بن حنبل، وسلمة بن شبيب، وطائفة عن أحمد بن حنبل مثل رواية محمد بن المطهر.
الفرق بين التفضيل والخلافة على حديث ابن عمر وحديث السفينة. الفرق بين التفضيل والخلفاء يعني الخلفاء الكل متفق أنه أبو بكر، عمر، عثمان، علي، لكن التفضيل هل نقول أبو بكر، عمر، عثمان، علي، ولا البعض وقف عند عثمان وسكت؟ التفضيل فيه خلاف، البعض يقف عند عثمان ولا يربع بعلي، والبعض يربع بعلي وهذا المستقر. أما الخلافة فلم ينازع فيها أحد أن كلها خلافة صحيحة: أبو بكر، عمر، عثمان، علي؛ هذا معنى التفريق بين التفضيل والخلفاء.
روت عن طائفة تقديم الأربعة والإقرار لهم بالفضل والخلافة، الرواية الثانية عن أحمد بن حنبل أنه قال الخلافة في الأربع، وقال بالتفضيل في الأربع، فربع بعلي هي رواية ثانية عن أحمد بن حنبل. الرواية الأولى أنه سكت عن التربيع، قال: أبو بكر، عمر، عثمان، وسكت عن علي. الرواية الثانية عن أحمد أنه ربع بعلي في التفضيل، وأما الخلافة فلا خلاف فيها، قال: وعلى ذلك جماعة أهل السنة، ولم يختلف قول أحمد في الخلافة والخلفاء، وإنما اختلف قوله في التفضيل، إذ لم يختلف قول أحمد في الخلافة، اختلاف قول أحمد في مسألة التفضيل فقط.
بإسناد عن أبي علي الحسن بن محمد بن الليث الرازي أنه قال: سألت أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله من تفضل؟ قال: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وهم الخلفاء. فقال: يا أبا عبد الله إنما أسألك عن التفضيل من تفضل؟ قال: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وهم الخلفاء الراشدون المهديون، ورد الباب في وجهه؛ يعني قال له: أنا سألتك عن التفضيل، قال له: هم التفضيل هم نفسهم الخلفاء، ها الرواية الثانية عن أحمد.
وبإسناد قال أبو علي: ثم قدمت المنطقة من وراء النهر فقلت لأبي زرعة: سألت أحمد وذكرت له قصته، فقال: لا نبالي من خالفنا، نقول أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي في الخلافة والتفضيل جميعًا، هذا ديني الذي أدين الله به وأرجو أن يقبضني الله عليه.
بإسناد عن سلمة بن شبيب أنه قال: قلت لأحمد بن حنبل: من تقدم؟ قال: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي في الخلافة. قال: سلمت، وكتبت إلى إسحاق بن راهويه: من تقدم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكتب إليه: لم يكن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض أفضل من أبي بكر، ولم يكن بعده أفضل من عمر، ولم يكن بعده أفضل من عثمان، ولم يكن على الأرض بعده... سمعت قبيصة يذكر عن عباد، سمعت عن سفيان يقول: الخلفاء أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز.
هناك من يجعل الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز، لكن هذا قول سفيان كما ترون، لكن ليس قبول جمهور السلف. بعضهم يقول الحسن كذلك، الحسن لأنه خلافته لم تستقر، لم يعد، يدوب مسك فرضي الله عنه، لم تعد خلافته لأنها ليست خلافة مستقرة ستة أشهر متضاربة فلم يعتد بها. أما عمر بن عبد العزيز فالبعض جعله خامسًا، لكن ليس هو المشهور، ومن ذكره خامسًا ليس مبتدعًا، المسألة فيها خلاف.
قال أبو عمر: وقد روي عن مالك وطائفة نحو قول سفيان هذا، وتأبى طائفة من أهل العلم تفضيل عمر بن عبد العزيز على معاوية. إذًا شو المشكلة في تفضيل عمر بن عبد العزيز؟ أنك جعلته متقدمًا على معاوية، لما تقول الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز، طيب وين معاوية بن أبي سفيان؟ معاوية رضي الله عنه صحابي مهما كان فيه أخطاء لكن صحابي، والصحابة كلهم أعلى ممن بعدهم، فهذا هو وجه تخطئة إضافة عمر بن عبد العزيز.
قال: ولكلا القولين آثار صحح مرفوعة يحتج به، يعني خلاف طويل، هل يعتبر خليفة خامسًا؟ فيه نقاش، كل يحتج إلى قول. سألت أبا سلمة إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: سألت أبا أسامة: أيما كان أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لا نعدل بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. هو الصواب أن معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز؛ معاوية بن أبي سفيان يبقى صحابي، لذلك قال: لا نعدل بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحدًا. معاوية أفضل من عمر، يكفي أن معاوية من كتاب الوحي، ولا يجعل في قلبك شيء أن والله خالف عليًا، خلص ما شجر بينهم نكله إلى الله، لكن معاوية صحابي رضوان الله تعالى عليه على أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وبإسناده عن أبي إسحاق الفزاري، وعبد الله بن المبارك، وعيسى بن يونس، ومخلد بن الحسين يقولون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فهؤلاء الأربعة بدون إضافة عمر بن عبد العزيز. وبإسناد عن الشافعي محمد بن إدريس يقول: أقول في الخلافة والتفضيل بأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم.
وبإسناد عن يحيى بن معين يقول: من قال أبو بكر وعمر وعثمان وسلم لعلي سابقته فهو صاحب سنة، ومن قال أبو بكر وعمر وعلي وعثمان وسلم لعثمان سابقته فهو صاحب سنة. قال: فذكرت له هؤلاء الذين يقولون أبو بكر وعمر وعثمان ويسكتون، فتكلم فيهم بكلام غليظ؛ يعني هو كان رأى يحيى بن معين أنه لازم نذكر عليًا الرابع في التفضيل ولا ينبغي السكوت، مسألة فيها خلاف لكن استقر أهل السنة على ذكر الرابع.
وبإسناد الخلافة ثلاثون مرت معنا، الخلافة بالمدينة والملك بالشام، طبعًا حديث ضعيف. وبإسناد عن الحكم بن أبان أنه سأل عكرمة عن أمهات الأولاد فقال: هن حرائر، قلت: أحرار بعد موت أسيادهم؟ قلت: بأي شيء؟ قال: بالقرآن، قلت: بأي شيء في القرآن؟ قال: قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، لأن حكم أمهات الأولاد لم يأت في القرآن، قال له: كيف أخذت من القرآن؟ قال الله: ﴿أَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وقال: وكان عمر من أولي الأمر، واستدل بقضية أولي الأمر، وعمر كان يفتي بأنها تصبح حرة بعد موت سيدها.
قال بإسناده عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قال: عتقت ولو بسقط أم الولد؛ يعني قال: حتى ولو أنجبت سقطًا، السقط الذي يسقط قبل أن يخرج كائنًا حيًا كاملًا فتكون أم ولد وتعتق بعد موت سيدها. قال عمر بن عبد العزيز: إن عمر بن عبد العزيز رحمه الله، سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمور من بعده سننًا أخذنا بها تصديقًا من كتاب الله عز وجل، واستكمالًا لطاعة الله تعالى، وقوة على دين الله سبحانه، من عمل بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا.
وبإسناد عن صالح بن كيسان أنه قال: استمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم، فقلنا نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: نكتب ما جاء عن الصحابة فإنها سنة، وقلت أنا: ليس بسنة ولا نكتبه، قال: فكتبه الزهري ولم أكتبه فأنجح وضيعت، هذه مرت معنا أن الزهري كتب الآثار فكان أقوى علمًا. وبإسنادي عن ميمون بن مهران في قول الله عز وجل: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]، قال: الرد إلى الله إلى كتابه، والرد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حيًا، فإذا قبض فإلى سنته.
وبإسناد عن مسروق، حب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ومعرفة فضلهما من السنة. وبإسناد عن عبد الله بن مسعود، السنة يعني من العقيدة؛ السنة معنى العقيدة. وبإسناد عن عبد الله أنه قال: حب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، قال: أيها الناس إني قد سنت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتم على الواضحة، ألا إن تضلوا بالناس يمينًا وشمالًا.
ثلاث من أعلام السنة، قال: ثلاث من أعلام السنة: المسح على الخفين، والمحافظة على صلوات الجمعة، وحب السلف رحمهم الله؛ لذلك تجدون في كتب العقيدة يذكرون مسألة المسح على الخفين مع مسألة فقهية لأن من شعار أهل السنة والمخالف فيها هم الرافضة، مسألة جواز المسح على الخفين. وبإسناد عن عبد الله بن مسعود: إذا ثلاثة من أعلام السنة أنك تحب السلف، تحافظ على صلاة الجماعة والجمعة، والمسح على الخفين. قال: وكان إبراهيم التيمي يقول: اللهم اعصمني بدينك وبسنة نبيك من الاختلاف في الحق، ومن اتباع الهوى، ومن سبيل الضلالة، ومن شبهات الأمور، ومن زيغ الخصومات. عن عبد الله بن مسعود أنه قال: قصد في السنة خير من اجتهاد في بدعة؛ يعني أن تعتدل في تطبيق السنة يعني لست مكثرًا لكنك تطبق، أفضل من أنك تجتهد وتكون في بدعة.
وبإسناد عن الشعبي، وروى الشعبي عن مسروق عن عمر أنه خطب الناس فقال: ردوا الجهالات إلى السنة، رد أي شيء تجهلونه من أمور الناس ونوازلهم ردوها إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم وطريقته.
باب موضع السنة من الكتاب وبيانها له: قال الله تعالى ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، الذكر هنا السنة. فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52] صراط الله. وفرض طاعته في غير آية من كتاب الله، وقرن الله طاعته بطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم في آيات كثيرة منها ما آتاكم الرسول، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
وبإسناد عن علقمة أن امرأة من بني أسد أتت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقالت له: إنه بلغني أنك لعنت الواشمات والمستوشمات، وإني قرأت ما بين اللوحين فلم أجد الذي تقول، وإني قرأت ما بين اللوحين يعني قرأت القرآن فلم أجد لعن الواشمة، فقال لها عبد الله: أظن على أهلك منها؟ فقال لها عبد الله: خذي فانظري، إذا وجدت على زوجتي رح أطلقها الآن، قال: فدخلت فنظرت فلم تر شيئًا، فقال لها: يا أمة الله، أما قرأت ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾؟ قالت: بلى، قال: فهو ذاك. فهذه الآية تدل على وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم نها فقال: لعن الله الواشمات والمستوشمات إلى آخر الحديث.
وروى عبد الرزاق قال عبد الله بن مسعود: لعن الله الواشمات والمستوشمات. وعن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى محرمًا عليه ثيابه، فنهى المحرم، فقال: ائتني بكتاب الله تنزع؛ يعني كان المحرم لابس لباسه مش لابس ملابس الإحرام، فقالوا: ما بصير تحج وأنت لابس ملابسك، قال: أعطني آية أنه لا يجوز إني ألبس ملابسي الطبيعية، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾. كثير ما كان يستدل بهذه الآية على وجوب اتباع السنة.
وبإسناد قال طاوس: قال كان طاوس يصلي ركعتين بعد العصر، فقال له ابن عباس: اتركهما، فقال: إنما نهي عنهما أن يتخذا سنة، فقال ابن عباس: قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة بعد العصر، فلا أدري أتعذب عليهما أم تؤجر، لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].
قال صلى الله عليه وسلم: لا يشك أحدكم يقول هذا كتاب الله، ما كان فيه من حلال أحللناه، وما كان فيه من حرام حرمناه، ألا من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذب الله ورسوله والذي حدثه. إن أحدكم يتكئ على أريكته، يأتيه أمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه.
قال أبو عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تركت شيئًا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئًا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه. ورواه، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
تسليماً. وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]. والبيان منه صلى الله عليه وسلم على ضربين: بيان المجمل في الكتاب العزيز؛ كالصلوات الخمس في مواقيتها وسجودها وركوعها وسائر أحكامها، كبيانه لمقدار الزكاة ووقتها وما الذي تؤخذ منه الأموال، وبيانه مناسك الحج. وقال صلى الله عليه وسلم إذ حج بالناس: «خذوا عني مناسككم»؛ لأن القرآن إنما ورد بجملة فرض الصلاة والزكاة والحج والجهاد دون تفصيل ذلك.
وبيان آخر هو زيادة على حكم الكتاب؛ كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وكتُري الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، إلى أشياء يطول ذكرها قد لخصتها في موضع غير هذا. تعرفون السنة إما مبينة لمجمل القرآن أو تزيد حكماً على القرآن لم ترد فيه. نعم، قال وقد أمر الله عز وجل بطاعته واتباعه أمراً مطلقاً مجملاً لم يقيد بشيء، ولم يقل: وما وافق كتاب الله، كما قال بعض أهل الزيغ؛ فحتى الأحكام الزائدة على القرآن يجب أخذها من السنة.
قال عبد الرحمن بن مهدي: الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث؛ ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أتاكم عني فأعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله». هذا الحديث موضوع، وضعه الزنادقة والخوارج، ويستدل به القرآنيون اليوم لهذا الحديث الموضوع. نعم، قال وهذه الألفاظ لا تصح عنه صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه. وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم وقالوا: نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شيء ونعتمد على ذلك، قالوا: فما عرضناه على كتاب الله وجدناه مخالفاً لكتاب الله؛ لأننا لم نجد في كتاب الله: ألا نقبل من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما وافق كتاب الله.
بدنا نطبق على قاعدتكم هذا الحديث: «ما أتاكم عني فأعرضوه على كتاب الله»، هذا الحديث نفسه لو عرضناه على القرآن، ماذا يقول القرآن؟ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. فالقرآن نفسه يبطل حديثكم هذا، يسمى توظيف كلام الخصم لنقض دليله. هذا الحديث اعرضه على القرآن ستجد أن القرآن يخالفه، إذاً القرآن هو الذي يقول: خذوا بالسنة. نعم، قال بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي به والأمر بطاعته يطلق التأسي به بدون قيد، ويحذر المخالفة من أمره جملة على كل حال.
وبإسناد عن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه قال لرجل: إنك امرؤ أحمق! تجد في كتاب الله الظهر أربعاً لا تجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال: أتجد ذلك في كتاب الله مفسراً؟ أم كتاب الله أبهم هذا، وإن السنة تفسر ذلك؟ فالقرآن أجمل والسنة فسرت. ويرد على رجل لا يستدل بالسنة؛ بإسناد عن أيوب أنه أن رجلاً قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير: لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له مطرف: والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا، الذي هو من أعلم بالقرآن؟ النبي عليه الصلاة والسلام؛ لذلك نروي سنته.
وروى الأوزاعي عن الحسن بن عطية أنه قال: كان الوحي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك. قال الأوزاعي: الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب. قال أبو عمر: يريد أنها تقضي عليه وتبين المراد منه. وهذا نحو قولهم: ترك الكتاب موضعاً للسنة، وتركت السنة موضعاً للرأي؛ يعني الكتاب ترك مساحة للسنة حتى السنة تبين، والسنة لم تستقصِ كل المسائل، تركت مجالاً للاجتهاد؛ فالقرآن ترك مساحة للسنة، والسنة تركت مساحة للرأي للاجتهاد.
ومكحول قال: القرآن أحوج إلى السنة من حاجة السنة للكتاب، وهذا الواقع العلمي. قال ابن أبي كثير: السنة قاضية على الكتاب وليس الكتاب قاضياً على السنة. وقال ضمرة بن زياد: سمعت عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- وسئل عن الحديث الذي روي أن السنة قاضية على الكتاب، فقال: ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكني أقول: إن السنة تفسر الكتاب وتبينه. قال أحمد بن حنبل استصعب أن نقول إن القرآن يحتاج إلى السنة، يقول لك: لا أجسر؛ يعني ما بستطيع أقول إن القرآن يحتاج، لكن العبارة التي رآها أحمد أكثر أدباً أن يقال: إن السنة تفسر القرآن.
سمعت أحمد بن حنبل وقيل له: أتنسخ السنة شيئاً من القرآن؟ قال: لا ينسخ القرآن إلا القرآن. قال أبو عمر: هذا قول الشافعي، أن القرآن لا ينسخه إلا قرآن مثله لقوله عز وجل: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: 101] وقوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106]. وعلى هذا جمهور أصحاب مالك، إلا أبا الفرج فإنه نسب إلى مالك قول الكوفيين في ذلك، أن السنة لا تنسخ القرآن بدلالة قوله صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث». وقد بينا هذا المعنى في غير موضع من كتابنا، والحمد لله.
وبإسناد عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس كتب عليكم الحج». فقيل: يا رسول الله في كل عام؟ قال: «لا، ولو قلتها لوجبت. الحج مرة واحدة فما زاد فهو تطوع». قال أبو عمر: الآثار في بيان السنة لمجملات التنزيل قولاً وعملاً أكثر من أن تحصى، فيما لوحنا به هداية وكفاية، والحمد لله.
كان أبو إسحاق إبراهيم بن سيار يقول: بلغني وأنا حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اختناث فم القربة؛ اختناث فم القربة أن تشرب من فم الإناء الذي يشرب منه جميع أهل البيت، ما يجوز ذلك. قال: فكنت أقول إن لهذا الحديث شأناً وما في الشرب من فم القربة حتى يجيء في هذا النهي! فلما قيل لي إن رجلاً شرب من فم القربة فدخلته حية فمات، وإن الحيات والأفاعي تدخل في أفواه القرب، علمت أن كل شيء لا أعلمه تأويله من الحديث أن له مذهباً وإن جهلته. يقول لك أنا لما سمعت الحديث وأنا صغير قلت: يعني هذا الحديث مش مقتنع فيه، يعني إيش المشكلة لو شربت من فم السقاء؟ قال فبعد ذلك سمعت أن رجلاً شرب من فم السقاء فدخلت حية فلدغته، فقال عرفت إذاً أن كل شيء له فهم وله حاجة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بشيء هكذا اعتباطاً بدون فائدة.
وبإسناد عن ابن عباس أنه قال سعد بن معاذ: ثلاث أنا فيهن رجل -يعني كما ينبغي- وما سوى ذلك فأنا رجل من الناس: ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً قط إلا علمت أنه حق من الله، ولا كنت في صلاة قط فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا كنت في جنازة قط فحدثت نفسي بغير ما تقول ويقال لها حتى أنصرف عنها. يعني في هذه الأمور الثلاث أثبت رجولتي، وأما في سائر التعبت مثلي مثل غيري غير مميز فيها.
باب في من تأول القرآن وتدبره وجاهل بالسنة. قال أبو عمر: أهل البدع أجمع أضربوا عن السنة وتأولوا الكتاب على غير ما بين؛ بدع الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية للاسف في باب العقائد زهدوا بالسنة، وقالوا أحاديث الآحاد لا نقبلها في العقائد ونأخذ فقط بالقرآن، والقرآن تأولوه على أهوائهم بدون اعتبار أحاديث الآحاد.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم تحذير من ذلك في غير ما أثر، منها حديث عقبة بن عامر الجهني يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هلاك أمتي في الكتاب واللبن». فقيل: يا رسول الله، ما الكتاب واللبن؟ قال: «يتعلمون القرآن ويتأولونه على غير ما أنزله الله، ويحبون اللبن ويدعون الجماعات والجمعات ويبدون»؛ يذهبون إلى البدو ولا يقيمون في الحضر التي هي معادن الإسلام مكان العلم، أنت لما تقيم في مناطق البدو التي فيها الجهل لا تستفيد شيئاً بل تضر نفسك. وقال صلى الله عليه وسلم: «أخوف ما أخاف على أمتي المنافق عليم اللسان يجادل بالقرآن».
وقال عمر رضي الله عنه: ينافس الملك على أخيه، وبإسناد عن رجاء بن حيوة أن رجلاً قال: كنا جلوساً عند معاوية رضي الله عنه فقال: إن أغرى الضلالة لرجل يقرأ القرآن فلا يفقه فيه، فيعلمه الصبي والعبد والمرأة والأمة، فيجادل به أهل العلم. هي مصيبة؛ إنسان لا يعرف تفسير القرآن يفسره بهواه، وبيسمع له امرأة مسكينة أو صبي أو على شاشة التلفزيون أو السوشيال ميديا، وبيصير المسكين يظن أنه عنده علم ويجادل به العلماء.
وبإسناد عن ميمونة بن مهران أنه قال: إن هذا القرآن قد أخلق في صدور كثير من الناس، فالتمسوا ما سواه من الأحاديث؛ ومنهم من يتعلم ليماري به، ومنهم من يتعلم ليشار إليه، وخيرهم الذين يتعلمون. لما ملوا من القرآن وبلي صاروا يبحثون عن أشياء أخرى يروونها في السنة أو شيء، القرآن لا ينبغي أن يبلى في قلبك. قال أبو عمر: معنى قوله إن هذا القرآن قد أخلق -والله أعلم- أي أخلق تأويله من تلاوته إلا بالأحاديث عن السلف العالمين به؛ فبالأحاديث الصحيحة عنهم يوقف على ذلك، لا بما سولته النفوس. القرآن بلي أي بليت ليس تلاوته، فهمه وتدبر معانيه.
وتنازعت الآراء كما صنع أهل الأهواء. قال الحسن: عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة. وبإسناد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه ولا من فاسق بين فسقه، ولكني أخاف عليها رجلاً قد قرأ القرآن حتى أزل بلسانه ثم تأوله على غير تأويله. الفاسق البين فسقه ما بتخاف لأنه مبين، المشكلة في منافق عليم بالقرآن.
باب فضل السنة ومبينتها لسائر أقاويل علماء الأمة. وبإسناد عن الضحاك أنه قال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور: 63] قال: أمرهم أن يطيعوه ويشرفوه ويدعوه باسم النبوة. لا يجوز أن تقول محمد هكذا وتسكوت، محمد صلى الله عليه وسلم أو رسول الله، نبي الله. وقال ابن جريج عن مجاهد: أمرهم أن يدعوه في لين وتواضع. وذكر سنيد بإسناده عن أبي هريرة أنه قال: لما نزلت ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1] قال أبو بكر: والذي بعثك بالحق لا أكلمك بعد هذا إلا كأخي السرار، يعني صار يتكلم مع النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه يناجيه حتى لا يرفع صوته.
وبإسناد عن صفوان بن محرز المزني أنه سأل عبد الله بن عمر عن الصلاة في السفر، فقال: ركعتان، من خالف السنة كفر. المراد: من خالف السنة يوشك أن يكفر، إياك أن تخالف السنة، والنبي صلى الله عليه وسلم سنته القصر في السفر.
وبإسناد عن ابن مسعود أنه قال: لو تركتم سنة نبيكم لضللتم. وفي حديث ذكره بإسناد أن رجلاً قال للقاسم بن محمد: عجبنا من عائشة كيف كانت تصلي في السفر أربعاً ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين؟ فقال: يا ابن أخي، عليك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث وجدتها، فإن من الناس من لا يعاب. صحيح، يعني لا يجوز أنك تنتقص عائشة أو تقول خالفت السنة، خلص أنت عارف.
إن السنة تقصر، لعل عائشة عندها رأي تأويل، وهكذا فلا تعب عائشة ولا تخطئ فيها، كلام صحيح.
وبإسناد وروى عبد الرزاق بإسناده عن ابن عمر أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في علته التي توفي فيها: إن استخلف؛ فإن أبا بكر قد استخلف، وإن لم أستخلف؛ فقد استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. أي أضع خليفة بعدي، ولم يحدد الخليفة بعده وإنما جعلها شورى بين ستة؛ فاتبع طريقة النبي صلى الله عليه وسلم حيث لم يستخلف، أما أبو بكر فقد استخلف؛ فإن أبا بكر هو الذي حدد عمر بالتحديد. قال عبد الله بن عمر: فما هو إلا أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، فعلمت أنه لم يكن يعدل برسول الله صلى الله عليه وسلم، قارن بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر، فعرفت أنه سيختار طريقة النبي عليه الصلاة والسلام في عدم تحديد الخليفة.
وعن عبد الله بن عمر أنه قال يوماً: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد». وكان ابن عمر يحدث بهذا الحديث وكان ابنه بلال حاضراً، فقلت أنا -يعني بلال بن عبد الله-: أما أنا فسامنع أهلي، فمن شاء فليسرع أهله. فالتفت إلي -يعني أبوه- اطلع عليه وقال: لعنك الله، لعنك الله، لعنك الله، تسمعني أقول إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر! وابنه هذا تصور يعني يلعن ابنه لأن كلامه كان في غير سياق الأدب؛ حديث واضح: «لا تمنعوا النساء المساجد»، كيف تقول أنا سأمنع زوجتي؟ واللي بده يودي زوجته وييسرها يوديها، يعني لا يصلح هذا في مقام حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
وبإسناد عن عروة أنه قال لابن عباس: ألا تتق الله ترخص في المتعة؟ فقال ابن عباس: سل أمك يا عروة. فقال عروة: أما أبو بكر وعمر فلم يفعلاها. فقال ابن عباس: والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، نحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثون عن أبي بكر وعمر! وذكر الحديث. قال أبو عمر: يعني متعة الحج، وهو فسخ الحج في العمرة، وليس عن أبي بكر وعمر في متعة النساء رخصة، ولا عن أحد من الصحابة إلا ابن عباس. وبإسناد عن ابن عباس أنه قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عروة: نهى أبو بكر وعمر. كلمة المتعة أحيا بها متعة النساء التي فعلوها الروافض، ليس هي؛ أحياناً تطلق المتعة ويراد بها المتعة في الحج، وهو حج التمتع، وحج التمتع وقع فيه خلاف، أما المتعة التي يفعلها الروافض هذه كان فيها ابن عباس خالف في البداية ثم عاد بعد أن بلغه الحديث، وإلا ما فيها نقاش أصلاً بين السلف.
وبإسناد عن ابن عباس أنه قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو بكر ونهى عمر، ومثله مثله اللي قبله. وبإسناد عن عمر أنه قال: إذا رميتم الجمرة بسبع. قال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية؟ قال حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرني برأيه! لا أسكنك بأرض أنت فيها، وطلع أبو الدرداء من أرض الشام. وبإسناده قال عمر: إذا رميتم الجمرة بسبع حصيات وذبحت وحلقت، فقد حل لكم كل شيء إلا الطيب والنساء. قال سالم: قالت عائشة: أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سالم: فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع، واللفظ لحديث الحميدي.
وبإسناد عن جابر بن عبد الله أنه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنعوا له المنبر واستوى عليه، اضطربت تلك السارية وحنت حنين الجذع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، حتى سمعها أهل المسجد، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها فسكتت. ما موطن الشاهد هنا؟ الحنين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والتمسك إذا كانت.. هذا من لطيف الاستدلال، التمسك بالسنة وهدي النبي عليه الصلاة والسلام؛ إذا كانت جذع نخلة حن إلى النبي صلى الله عليه وسلم ألا يحن قلبك إلى التمسك بسنته وهديه! وبإسناد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص حنين الجذع، ألا تعجبون لحنين الخشبة؟ هكذا كان الصحابة فأقبل الناس عليه، وفرقوا من حنينها، حتى كثر بكاؤهم، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فوضع يده عليها فسكتت.
عن وهب بن منبه قال: قرأت في سبعين كتاباً أن جميع ما أعطي الناس من بدء الدنيا إلى انقطاعها من العقل في جنب عقل محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، كحبة رمل وقعت من جميع رمل الدنيا، ووجدته مكتوباً لنجحهم عقلاً وأفضلهم رأياً: قالوا ولم يبعث الله نبياً حتى يستكمل من العقل ما يكون أفضل من عقل جميع أمته، وعسى أن يكون في أمته من هو أشد منه اجتهاداً ببدنه وجوارحه، ولما يضمر النبي صلى الله عليه وسلم في عقله ونيته وفكره أفضل من عبادة جميع المجتهدين. يعني لو فرضنا أنكم تعرفون قصص السلف أنهم كانوا يتعبدون كعدد ركعات وختمات ربما أكثر من عدد ركعات النبي عليه الصلاة والسلام؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان وسطاً يعلم الناس الوسط، فبعض السلف يقول لك: يمكن أن يكون عدد الركعات التي صلاها أكثر من عدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ما في عقل النبي صلى الله عليه وسلم وما في نيته وقلبه يفوق كل ركعات كل العباد وكل الزهاد وكل العاملين إلى قيام الساعة، ما وقر في عقله ونيته صلوات ربي وسلامه عليه.
وبإسناد عن أبي سعيد أنه قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكرنا أنفسنا. وكيف لا ننكر أنفسنا والله تعالى يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: 7]. وبإسناد عن الحارث بن عبد الله بن أوس أنه قال: أتيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسألته عن المرأة تطوف بالبيت ثم تحيض، فقال: ليكن آخر عهدها الطواف بالبيت. قال الحارث: فقلت: كذلك أفتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: تربت يداك أو ثكلتك أمك! سألتني عما سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيما أخالف؟ وإذا سأل عمر بن الخطاب بده يسأله عن رأيه، فعمر أفتى باجتهاده ما كانت بلغته السنة، فلما عمر أفتى، قال: والله كلامك صحيح يا عمر، طر أنا سألت النبي صلى الله عليه وسلم وقال لي نفس كلامك، قالوا: يعني خير بيتك أنت بدك تدمرني! أنت سائل النبي صلى الله عليه وسلم خلص، قل للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يجتهد عمر، عمر لم تكن بلغت السنة، نعم هذا معنى تربت يداك.
وبإسناد عن الربيع بن خثيم أنه قال: كنا نقول: نعم المرء محمد صلى الله عليه وسلم، كان ضالاً فهداه الله، وأعلاه فأغناه الله، شرح الله صدره ويسر الله له أمره. ثم يقول: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]. وما أعظمها من جملة، من يطع الرسول فقد أطاع الله، هذه جملة عظيمة، الحرف يأتي معنى الكلمة، يأتي معنى الجملة. قال: فوض الله إليه، فإنه لا يأمر إلا، يعني إذا أطعت الرسول فقد أطعت الله، فكان الله فوض إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، أعطاه تفويضاً: من يطيعك يا محمد صلى الله عليه وسلم فقد أطاعني، هذا معنى التفويض.
باب ذكر بعض من كان لا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو على وضوء. بإسناد عن ضرار بن مرة أنه قال: كانوا يكرهون أن يحدثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم على غير وضوء. قال إسحاق: فرأيت الأعمش إذا أراد أن يحدث وهو على غير وضوء تيمم -يعني على الأقل ما في ماء يروح يتيمم- ثم يحدث. وبإسناد عن قتادة أنه قال: لقد كان يستحب أن لا تقرأ الأحاديث التي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهور. وبإسناد قال شعبة: كان قتادة لا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو طاهر، وكان جعفر بن محمد نفس الشيء، وكان مالك بن أنس نفس الشيء. وعن عبد الرحمن بن أبي الزناد ذكر سعيد بن المسيب حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض فقال: أجلسوني فإني أكره أن أحدث حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع. شوف الأدب، يعني لا يروي الحديث وهو متكئ، قال: أجلسوني؛ حتى يكون من الأدب أن أروي الحديث وأنا جالس.
باب في إنكار أهل العلم ما يجدونه من الأهواء والبدع. بإسناد عن مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال: ما أعرف شيئاً مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة. يعني يقول سهيل بن أبي مالك عن أبيه: لا أجد شيئاً مما كان عليه السلف إلا النداء بالصلاة، هذا الشيء الوحيد المحافظين عليه، طبعاً هي فيها نوع من المبالغة، لكن المراد أن سرعة جريان البدع في هذه الأمة. وبإسناد عن الزهري يقول: دخلنا على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت ما يبكيك؟ قال: لا أعرف شيئاً مما أدركت إلا هذه الصلاة، الصلاة وقد ضيعها الناس. هذا دلالة على أن الأمة سيكثر فيها البدع، وأول ما يرفع من الأمة الخشوع، وآخر ما يفقدون الصلاة. وقال الحسن البصري: لو خرج عليكم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عرف منكم إلا قبلتكم، يعني إلا أنكم تصلون باتجاه القبلة، أما سمتكم وهديكم وحياتكم فعلى خلاف السنة للأسف.
وبإسناد عن مالك بن أنس أنه قال: قدم علينا ابن شهاب، فقلت له: طلبت العلم حتى إذا كنت وعاءً من العلم تركت المدينة ونزلت الشام؟ فقال: كنت أسكن المدينة والناس ناس، فلما تغير الناس تركتهم وخرجت من المدينة لما تغير هدي الناس وسلوكهم. وبإسناد عن عروة بن الزبير: ألم أخبر أن الناس يضربون إذا صلوا على الجنائز في المسجد؟ قلت: نعم. قال: فوالله ما صلي على أبي بكر الصديق إلا في المسجد. لأنه كان في خلاف هل يجوز الصلاة على الجنائز في المسجد؟ أنت عم تستغرب ولا وين سيصلي على الجنائز؟ لا، قديماً ما كان يصلى على الجنائز في المسجد، كان يصلى عليها في مصلى خاص اسمه مصلى الجنائز، واختلف علماء الصحابة هل يجوز الصلاة على الجنازة في المسجد ولا لا؟ فهنا ذكر القول، قال لعروة بن الزبير أنا مخبر، قال: فوالله ما صلي على أبي بكر إلا في المسجد، إذاً الصحيح جواز الصلاة على الجنازة في داخل المسجد، ولا يشترط أن يذهب بها إلى مصلى الجنائز الخاص.
وذكر بثلاثة أسانيد عن هشام بن عروة أنه يقول: لما اتخذ عروة بن الزبير قصره بالعقيق -العقيق في آخر المدينة- قال له الناس قد جفوت عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني رأيت مساجدكم لاهية، وأسواقكم لاغية، والفاحشة في طرقاتكم عالية، وكان فيما هنالك، أما أنتم ففي عافية، فقلت: خلص أجلس في العقيق بعيداً عن الناس. وهذا طبعاً في زمن التابعين وتابعي التابعين، الله المستعان. وزاد أحمد بن سعيد بإسناده قال عوتب عروة في ذلك فقال: وما بقي؟ إنما بقي شامت بنكبة أو حاسد على نعمة، قال: ما بقي فيكم واحد يشمت بي إذا نزلت بي نكبة من النكبات، أو يحسدني على نعمة، فاعتزل الناس. طبعاً هذا منهج اتخذه، لكن ليس كل الناس هكذا، وذكر الزبير بن بكار بإسناده مثله سواء إلى قوله عافية، وزاد وقال: وحدثني سعيد بن عمر بإسناده أن عروة بن الزبير قال في قصره بالعقيق حين فرغ من بنائه: بنيناه فأحكمنا بناءه بحمد الله.
في خير العقيق تراهم ينظرون إليه شجراً يلوح لهم على وضح الطريق، فساح فساء الكاشحين، وكان غيضاً لأعدائي وسر به صديقي. يراه كل مختلف وسائر ومتم؛ لأن الطريق إلى مكة من المدينة إلى مكة لازم تمر بالعقيق، فيقول كل الذين يذهبون إلى مكة سيمرون بقصري الذي يحسدوني عليه.
قال وذكر الزبير بإسناده عن عروة أنه كان يقول: يا بني تعلموا الشعر. قال: وربما قال الأبيات ينشئها من عنده ثم يعرضها علينا. وقال الزبير عن ابن أبي ربيعة أنه مر بعروة بن الزبير وهو يبني قصره بالعقيق فقال له: أردت الهرب يا أبا عبد الله؟ قال: لا، ولكنه ذكر لي أنه سيصيب المدينة عذاب، فقلت: إن أصابها شيء كنت متنحياً عنها؛ فإني طلعت من المدينة حتى إذا أصابها عذاب أكون أنا على طرفها لا يصيبني.
قال أبو عمر: له أشعار كثيرة حسان رحمه الله، منها قوله: صار الأسافل بعد الذل أسنمةً وصار الرؤوس بعد العز أذناب لم تبق مأثرةً يدعوها رجلٌ إلا التكاثر أوراقاً وإذهاب
حدثني مالك قال: أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة بن أبي عبد الرحمن -وربيعة بن أبي عبد الرحمن دائماً هو نفسه ربيعة الرأي- فقال له: ما يبكيك؟ وارتاع لبكائه، فقال له: مصيبة دخلت عليك؟ فقال: لا، ولكن استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم. قال ربيعة: ولا بعض من يفتي هاهنا أحق بالسجن من السراق؛ بعض المفتين هم أحق أن يسجنوا من السراق وأصحاب المعاصي.
وبإسناد عن أبي الدرداء أنه قال: مالي أرى علماءكم يموتون وجهالكم لا يتعلمون؟ لقد خشيت أن يذهب الأول ولا يتعلم الآخر، ولو أن العالم طلب العلم لازداد، ولو أن الجاهل طلب العلم لوجد العلم قائماً. مالي أراكم شباعاً من الطعام جياعاً من العلم. وقال أبو حازم: صار الناس في زماننا يعيب الرجل من هو فوقه في العلم ليري الناس أنه ليس به حاجة إليه؛ هذا مر معه أنه لا يأخذ عن من فوقه ولا مثله.
بإسناد عن الدراوردي أنه قال: إذا قال مالك على هذا أدركت أهل العلم ببلدنا، والأمر مجتمع عليه عندنا، فإنما يريد ربيعة وابن هرمز. نعم، هذا يدل على أنهما ملئا علماً؛ لما يقول على هذا أدركت أهل العلم ببلدنا، من يقصد بأهل العلم؟ ربيعة الرأي وابن هرمز، وهذا مر معه.
باب في فضل النظر في الكتب وإدامة النظر في الدفاتر. بإسناد عن أحمد بن قال: سئل أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: ما البلاذر؟ قال: إدامة النظر في الكتب. وبإسناد عن أحمد بن أبي عمران قال: كنت عند أبي أيوب أحمد بن محمد بن شجاع وقد تخلف في منزله، فبعث غلاماً من غلمانه إلى أبي عبد الله ابن الأعرابي صاحب الغريب يسأله المجيء إليه، فعاد إليه الغلام فقال: قد سألته ذلك فقال لي: عندي قوم من الأعراب فإذا قضيت أربي معهم أتيت. فقال الغلام: وما رأيت عنده أحداً إلا أن بين يديه كتباً ينظر فيها، فينظر في هذا مرة وفي هذا مرة. ثم ما شعرنا حتى جاء، فقال له أبو أيوب: يا أبا عبد الله سبحان الله العظيم! تخلفت عنا وحرمت الأنس بك، ولقد قال لي الغلام إنما هو ما رأى عندك أحداً وقلت: أنا مع قومي من الأعراب فإذا قضيت أربي معهم أتيت. فقال: وقالوا أنا مع قوم من الأعراب، باجي، طبعاً من قصده بالأعراب؟ الكتب؛ كتب الشعر، وما بدي أقعد معهم، إذا كان بدي أقرأ راح يقولوا له: لا يا عمي بتقرأ بعدين! فهو استعمل معارضة قال: أنا مع قوم من الأعراب بجيكم بس يروح ضيوفي، وقصد كتب الشعر والنظر في الأدب.
فقال ابن الأعرابي: لنا جلساء ما نمل حديثهم ألباء مأمونون غيباً ومشهداً يفيدوننا من علمهم علم ما مضى وعقلاً وتأديباً ورأياً مسدداً لا فتنة نخشى عليهم ولا سوء عشرةٍ ولا نتقي منهم لساناً ولا يدا فإن قلت أمواتٌ فما أنت كاذباً وإن قلت أحياءٌ فلست مفنداً
الكتب أصحابها أموات، لكنهم أحياء بما تركوه بيننا. وبإسناد وقيل لأبي عباس أحمد بن يحيى، أحد أئمة الكوفيين في اللغة: توحشت من الناس جداً، يعني ليش اعتزلت الناس؟ فلو تركت لزوم البيت بعض الترك وبرزت للناس كانوا ينتفعون بك. فسكت ساعة ثم أنشأ هذا البيت: إن صحبنا الملوك تاهوا علينا واستخفوا كبراً بحق الجليس أو صحبنا التجار صرنا إلى البؤس وعدنا إلى أداد الفلوس فلزمنا البيوت نستخرج العلم ونملأ به بطون الطروس
ولغيره: لِمحبرةٌ تجالسني نهاري أحب إلي من أنس الصديقِ ورزمة كاغدٍ في البيت عندي أحب إلي من عدل الدقيقِ ولطمة عالمٍ في الخد مني ألذ لدي من شرب الرحيقِ
وقال محمد بن بشر في شعر له: أقبلت أهرب لا ألو مباعدةً في الأرض منهم فلم يحصني الهربُ لما رأيت بأني لست معجزه فوتاً ولا هرباً رأيت أحتجبُ فصرت في البيت مستوراً تحدثني عن علم ما غاب عني في الورى الكتبُ فرداً تخبرني الموتى وتنطق لي فليس لي في أناسٍ غيرهم أربُ لله من جلساء لا جليسهم ولا خليط لسوء مرتقبُ لا بادرات الأذى يخشى رفيقهم ولا يلاقيه منهم منطقٌ ذربُ أبقوا لنا حكماً تبقى منافعها أخرى الليالي على الأيام والحقبُ أو شئت من محكم الآثار ترفعها إلى النبي ثقات الخيرة النجبُ أو شئت من عرب علماً لأوله في الجاهلية تنبي بها العربُ أو شئت من سير الأملاك من عجمٍ تنبي وتخبر كيف الرأي والأدبُ حتى كأني قد شاهدت عصرهم وقد مضت دونهم من دهرهم حقبُ ما مات قوم إذا أبقوا لنا أدباً وعلم دين ولا بانوا ولا ذهبوا
وذكر الجاحظ هذه الأبيات على نسق غير هذا مع زيادة وتغيير تضم بعض الأبيات. ومما يحفظ قديماً: المؤانس والجليس كتاب تخلو به إن ملك أصحابه، لا مفشي سراً ولا متكبراً، وتفاد منه حكمة وصواباً.
وأنشدني أحمد بن محمد بن أحمد: وألذ ما طلب الفتى بعد التقى علمٌ هناك يزينه طلبه ولكل طالب لذةٌ متنزه وألذ نزهة عالمٍ كتبه
وسأل أن أزيد فيها فزدته بحضرته: يسلي الكتاب هموم قارئه ويبين عنه إن قرأ نصبه جليس إذا خلوت به لا مكره تخشى ولا شغبه
وقال بعض البصريين: العلم أنس، صاحبٌ أخلو به في وحدتي، فإذا اهتممت فسلُه، وإذا خلوت فلذ به، وإذا نشطت فلذ به. وأنشدني محمد بن هارون الدمشقي لنفسه أو لغيره: لِمحبرةٌ تجالسني نهاري أحب إلي من أنس الصديقِ رزمة كاغدٍ في البيت عندي أحب إلي من عدل الدقيقِ ولطمة عالمٍ في الخد مني ألذ لدي من شرب الرحيقِ
وقال أبو عمر بن العلاء: ما دخلت على رجل قط ولا مررت ببابهم، فرأيت ينظر في دفتر وجليسه فارغ إلا حكمت عليه واعتقدت أنه أفضل منه عقلاً. وكان عبد الله بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز لا يجالس الناس، ونزل المقبرة فكان لا يكاد يرى إلا وفي يده دفتر، فسئل عن ذلك فقال: لم أر قط أوعظ من قبر، ولا أنفع من دفتر، ولا أسلم من وحدة. إذاً لا يوجد أمتع من الدفاتر والكتب.
وروى الحسن اللؤلؤي -من تلاميذ أبي حنيفة- أنه قال: لقد غبرت لي أربعون عاماً ما قمت ولا نمت إلا والكتاب على صدري. وسئل أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن دواء للحفظ فقال: إدمان النظر في الكتب. وأنشدت لعبد الملك بن إدريس الوزير من قصيدة له مطولة: واعلم بأن العلم أرفع رتبةً وأجل مكتسبٍ وأسنى مفخرِ فاسلك سبيل المقتنين له تسد إن السيادة تقتنى بالدفترِ والعالم المدعوه حبراً إنما سماه باسم الحبر حمل المحبرِ وبضم الأقلام يبلغ أهلها ما ليس يبلغ بالجياد الضمرِ
وقد أكثر أهل العلم والأدب في جمع ما في هذا الباب من المنظوم والمنثور، فرأيت الاقتصار من ذلك على القليل أولى من الإكثار، وبالله التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل.
تم جمع هذا الكتاب، فجزى الله ابن عبد البر عنا خير الجزاء، وجزاكم الله خيراً على التعب والتحصيل والاهتمام، نسأل الله عز وجل أن يبارك فيما قرأنا من هذا الكتاب، وأن يجعله إن شاء الله حجة لنا لا علينا، وأن يعيننا على تعليمه ونشره، إن شاء الله تعلمونه لمن بعدكم، إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير. طبعاً سنعطي إجازة تامة في هذا الكتاب؛ السند المتصل لمن حضر المجالسة كاملة؛ المجالس التسعة المراد تمها حضرها تسعة. قد يذهب عنه أول عشر دقائق ربع ساعة تأخر ما في مشكلة، أما من تخلف مجلساً فحظر أوفر إن شاء الله. وهذه الإجازة لمن سمعنا هنا أو سمعنا أيضاً من الإخوة الذين يتابعون عبر البث المباشر، وجزاكم الله خيراً، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. نعلن عن الكتاب الثاني إن شاء الله خلال الأسبوع إن كان في العمر بقية، جزاكم الله خيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل