الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ إلى يوم اللقاء. حياكم الله معاشر طلبة العلم في برنامج جديد من البرامج التي نطلقها، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب لنا فيها خيرها، نسأله عز وجل أن يكتب فيها لنا العلم النافع والعمل الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
هذا البرنامج هو برنامج المدارسة، وهذا البرنامج بطبيعته الفئة المستهدفة به هي فئة طلبة العلم؛ لأن طبيعة الكتب التي سنختار ستكون في مستوى طلاب العلم وليس لعموم المسلمين. وجيد أن يعرف الإنسان هذا البرنامج من يستهدف؛ لأن الكتب ستكون كتباً متخصصة في الاعتقاد، وكتباً متخصصة في بعض النواحي الفكرية والعلمية التي يحتاج إليها طالب العلم، هي ليست كتباً متقدمة ولكنها بطبيعتها وبطبيعة سردها وبطبيعة المسائل التي تحتويها تحتاج إلى إنسان يريد أن يتعمق في بعض العلوم الشرعية اعتقاداً وفقهاً وسلوكاً وإلى ما شابه ذلك.
الكتاب الأول الذي سنشرع فيه، كما يقولون، اخترناه كتاباً سهلاً حتى تتشوقوا له، وإلا فما بعده سيكون أثقل منه. الكتاب الأول هو كتاب «جامع بيان العلم وفضله» للإمام العلامة ابن عبد البر رحمه الله تعالى عليه. طبعاً ابن عبد البر غني عن التعريف علماً واطلاعاً، ومن صناعته الفقهية وذكر آرائه الفقهاء؛ فهذان السفران العظيما لو لم يخلف ابن عبد البر غيرهما لكفاه شرفاً وعزاً، ومن كتب الإمام ابن عبد البر: كتاب التمهيد وكتاب الاستذكار، وهما موسوعات حديثية وفقهية ضخمة، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
هذا الكتاب الذي بين أيدينا هو كما قلنا فاتحة برنامج المدارسة، يتحدث عن أمرين يظهر ذلك من العنوان؛ قال: «جامع بيان العلم وفضله»، إذاً هو سيتكلم عن قضيتين. ما هي القضية الأولى؟ بيان العلم، ما معنى بيان العلم؟ أي ما هو العلم؟ وما هي العلوم التي ينبغي أن يعتني بها الطالب؟ وكيف يدرسها؟ وما هو المنهج العلمي للسلف في تلقي العلوم؟ هذا سيركز عليه؛ إذاً سيركز على بناء المنهجية العلمية وذكر بعض القواعد في الدراسة والحفظ وكتابة العلم واستحضاره واستذكاره وما شابه ذلك.
ثم سيعقد قسماً أيضاً في بيان فضل العلم، وما ثواب أن يتعلم الإنسان العلوم الشرعية ويعكف عليها، وماذا أعد الله سبحانه وتعالى للعالم والمتعلم من الثواب الجزيل والخير العظيم في الدنيا وفي الآخرة. طبعاً أيها الأحبة، طبيعة برنامج المدارسة هو برنامج يحتاج إلى طول نفس؛ نحن لا نتكلم عن ساعة وساعتين، نحن نريد أن ننجز ونستغل هذه الفسحة التي أتيحت لنا حتى نلتقي بهذه الوجوه الطيبة إلى أن يأذن الله سبحانه وتعالى لنا بالخير دوماً.
الفكرة أن هذا البرنامج كما ترون هو من الساعة الثالثة إلى الساعة السابعة، يتخللها وقت صلاة العصر لنصلي، لكن من المهم جداً أن توطن نفسك على الصبر؛ بما أنك أتيت هنا وجلست بين يدي، عليك أن توطن نفسك على الصبر والتحمل. مثل هذه الدروس ومثل هذه المجالس المطولة ترفع همة طالب العلم للقراءة والمطالعة العلمية والنظر في كلام أهل العلم والتدقيق فيه. دائماً طالب العلم إذا أراد أن يكتسب عادة القراءة في مصنفات أهل العلم والنظر فيها والتدقيق في معانيها يحتاج إلى شيء من الإجهاد، ويحتاج أحياناً إلى برامج قاسية، ربما لكن مع الوقت ستصبح هذه البرامج محبوبة ولذيذة للنفس؛ لأنه يشعر الطالب أنه ينجز وأنه يقرأ ويطالع، وأنه استطاع أن ينجز مصنفات كثيرة للعلماء الأفاضل في أبواب متعددة.
مثل هذه المجالس ليست فقط برنامجاً لأخذ معلومات، بل هي حقيقة تكسبك العديد من المهارات الشرعية؛ مهارة الجلوس لفترة طويلة، ومهارة محاولة التركيز لأطول أمد قدر الإمكان، والقدرة على التحليل في كلام أهل العلم، والقدرة على أن تجمع معلومات كثيرة في أقل فترة ممكنة. في زمنك هذا مهم جداً أن يكتسب طالب العلم هذه المهارات إذا أراد أن يكون له شأن بإذن الله في هذه الأمة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيكم جميعاً وأن يستعملنا ويستعملكم في طاعته.
فهذا كان فقط استطراداً، ونعود إلى هذا الكتاب كما قلنا؛ هذا الكتاب اسمه «جامع بيان العلم وفضله». من المهم جداً دائماً إذا شرعت في كتاب أن تعرف المصنف وتعرف العنوان وما المقصود به. أنا عندما سأدرس هذا الكتاب أو سنقرأ ونعلق عليه، ما هي المحاور التي سنستهدفها؟ أو ما هي المحاور التي سيعلق عليها ابن عبد البر؟ واختصرتها لك في العنوان؛ سيعلق على محاور علمية وقواعد في التعلم والتدرج أو المدارسة الشرعية، ومجموعة من الأحاديث النبوية التي تتكلم عن فضل العلم.
سنلاحظ أيها الأحبة في هذا الكتاب أنه يسير على طريقة المتقدمين من العلماء؛ فالمتقدمون من العلماء في مثل هذه الكتب يهتمون بسرد الآيات والأحاديث النبوية والآثار المنقولة عن السلف في قضايا العلم وفضل العلم. وبالتالي عليك أن تستحمل ابن عبد البر في قضايا الأسانيد؛ يعني هذا الكتاب ستجدون أن كمية الأسانيد وعدد الأحاديث كم كبير، سواء عن النبي ﷺ أو عن علماء الصحابة والتابعين، وستجد في الحديث الواحد لا يذكر سنداً ولا سندين، بل ستجد بعض الأحاديث يسرد لها عشرين سنداً، وستجد تكرار الأحاديث خمس أو ست أو سبع مرات.
والهدف أن يعدد لك أن هذا الحديث له أكثر من أصل في كتب السنة. هذه طريقة العلماء قديماً؛ إذا أرادوا أن يثبتوا فكرة أو حديثاً أو أثراً ووجدوا للحديث أكثر من مخرج، فإنهم يستوعبون كل هذه المخارج، خاصة إذا كان الحديث مثلاً فيه مقال والعالم يرى أنه يمكن أن يُحسّن بطريقة؛ فحتى يثبت لك أن هذا الحديث وإن كان فيه مقال في بعض الطرق، لكن له طرق متعددة يرجى أن يرتقي بها من الضعيف إلى الحسن، فهو يحتاج أن يذكر لك لربما عشرة أو خمسة عشر سنداً ليؤكد لك هذه القضية.
فما أريد أن توطن نفسك عليه هو أن تتحمل كمية الأسانيد وكمية التكرار الموجود؛ لأنه ليس تكراراً ممجوجاً بل هو تكرار له فائدة عند العلماء المحققين، تكرار له فائدته من بيان أن الحديث وإن كان ضعيفاً في سند، لكن لعله بطرقه يقوى. هذه الجهة، والجهة الأخرى التي أريد أن أنبه عليها، أنك ستجد كثيراً من الأحاديث المذكورة في هذا الكتاب -خاصة في بيان فضل العلم- ستجد فيها ضعفاً، وهذه عادة أيضاً العلماء في المسائل التي في فضائل الأعمال؛ أنهم يتساهلون في رواية أحاديث لم تبلغ درجة الصحة أو الحسن، لكنها ليست ضمن الأحاديث الموضوعة.
شديدة الترك أو شديدة الضعف، وإن كان في الحقيقة لا، سنجد بعض الأحاديث التي أوردها ابن عبد البر هي من النوع شديد الضعف، بل بعضها حُكم عليه بأنه موضوع وإن كان قليلاً. لكن حتى لا تقول في نفسك لماذا ابن عبد البر يورد الأحاديث الضعيفة، أنا من الآن أسردها لك، ستجد أحاديث ضعيفة، لكن العلماء في باب فضائل الأعمال قد يرون هذه الأحاديث من باب لعلها تصح.
فإن حكمنا على الحديث بأنه صحيح أو ضعيف هو حكم على ماذا؟ على الظاهر. يعني أقول مثلا: هذا السند فيه راوٍ سيء الحفظ، إذا الحديث ضعيف، هذا حكم على الظاهر، لكن في واقع الأمر، سيء الحفظ ألا يمكن أن يكون عقلًا قد أصاب في هذا؟ ممكن. وبالتالي يقولون مادام الأمر في فضائل الأعمال وليس في الدماء ولا في الحدود ولا في الحلال والحرام، فيمكن أن يغتفر ذكر مثل هذه الأحاديث.
أيضًا من الأمور التي تجعل العالم يروي أحاديث ضعيفة أنه هو من جهته قد لا يراها ضعيفة، ما يقوله المحققون هنا بأن الحديث ضعيف لأن فيه كذا وكذا، هذا في النهاية كثير منه رأي مجتهد أو محقق أو إنسان متخصص، لكن ابن عبد البر أيضًا متخصص وعالم في الحديث. فقولك الحديث ضعيف، كثير من هذه الأحكام تكون نسبية، يعني عالم معين يراه ضعيفًا وابن عبد البر قد يراه صحيحًا وهو عالم وهذا عالم. فهي ليست هذه المسائل مسائل قطعية، يعني إذا قال المحشي الحديث ضعيف خلص، هذا حكم قاطع لا يناقش فيه، لا، هذا في النهاية قد يكون كثير منه من باب الاجتهاد والنظر.
هذه أمور أنبه عليها الطالب قبل أن يشرع في قراءة هذا الكتاب حتى لا يستشكل مثل هذه الأمور، ولا أريد أن أطيل حتى ننجز ما يبارك الله عز وجل لنا إنجازه في هذه الساعات.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.
قال الأديب أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد الإشبيلي: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن موهب الجزامي، أخبرنا أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النبري الحافظ.
كنيته أبو عمر، وهذا مهم، تحفظ هذه الكنية، له كثيرًا في كتب الفقه في "المغني" وغيره يقولون: «وقال أبو عمر»، هذه كثيرًا. ابن عبد البر لما يذكر في كتب الفقهاء لا يقولون: "قال ابن عبد البر"، يقولون: «قال أبو عمر»، فهذه كنية شهيرة له، ففي كتب الفقه في العادة، كتب الفقه التي تعتمد الفقه المقارن، إذا قيل أبو عمر فيقصد به ابن عبد البر، فهذه كنية مهمة.
نعم، الحمد لله مدئ بالنعم، بارئ النسم، ومنشر الرمم، ورازق الأمم، الذي علمنا ما لم نكن نعلم، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله الطيبين، والحمد لله رب العالمين. أما بعد: فإنك سألتني -رحمك الله- عن معنى العلم وفضل طلبه، والحمد للسعي فيه، والعناية به.
هل هناك إنسان طلب من ابن عبد البر أن يصنف هذا الكتاب؟ نقول لعل هناك شخصًا طلب من ابن عبد البر أن يصنف هذا الكتاب فبناء عليه صنفه، لأنه قال: «فإنك سألتني». وعن تثبيت الحجاج بالعلم، يعني سألتني كيف أن الإنسان إذا تكلم بحجة ينبغي أن يتكلم بحجة بناء على علم، وليس بحجة بناء على ذوق أو هوى، لذلك قال: «وعن تثبيت الحجاج بالعلم»، أي سألتني كيف أن الإنسان يثبت حجته بالعلم والأدلة الصحيحة وليس بالهوى والرأي والذوق.
«وتبين فساد القول في دين الله بغير فهم، وتحريم الحكم بغير حجة، وما الذي أجيز من الاحتجاج والجدل، وما الذي كره منه، وما الذي ذم من الرأي وما حُمد منه، وما جوز من التقليد وما حرم منه». إذاً هذه كلها المحاور التي يدور حولها هذا الكتاب؛ ما هو التقليد المذموم؟ ما هو التقليد المحمود؟ ما هو الرأي الذي يعتبر هوى؟ ما هو الرأي الذي هو مقبول ويسير على أصول الشريعة؟ ما هو الحجاج والجدال الذي تقبله الشريعة؟ ما هو الحجاج والجدال المرفوض شرعًا؟ وهكذا. هذا جزء من المواضيع التي سيتطرق لها.
ورغبت أن أقدم لك قبل هذا من آداب التعلم، وما يلزم العالم والمتعلم التخلق به والمواظبة عليه، وكيف وجه الطلب وما حُمد وما ذُم فيه من الاجتهاد والنصب، إلى سائر أنواع آداب التعلم والتعليم وفضل ذلك. وتلخيصه مما روي عن سلف هذه الأمة رضي الله عنهم أجمعين؛ لتتبع هديهم، وتسلك سبيلهم، وتعرف ما اعتمدوا عليه من ذلك.
جميل، إذاً أيها الأحبة: العلم بالاقتفاء. العلم هو باقتفاء طريق السلف، لذلك ابن عبد البر قال هنا قاعدة، ولماذا يفعل كل هذا ولماذا صنف هذا الكتاب؟ قال: «لتتبع هديهم وتسلك سبيلهم». إذا من أراد أن ينبغ في العلم، ومن أراد أن يكون طالب علم جاد، فعليه أن يسلك مسالك الأوائل في طريقة التعلم وفي بناء المنهج العلمي، ولا يخترع وسائل جديدة ليست على خطى السابقين، هذه قضية مهمة ومنهجية في تلقي العلم.
«وتعرف ما اعتمدوا عليه من ذلك مجتمعين أو مختلفين في المعنى منه». فإني أجبت قوله: «وتعرف ما اعتمدوا عليه من ذلك مجتمعين أو مختلفين في المعنى منه». ما معنى قوله: "أو مختلفين في المعنى منه"؟ هو يقصد أن العلماء اعتمدوا الكتاب والسنة ومصادر التشريع، أليس كذلك؟ واعتمدوا كثيرًا من الأحكام، لكن أحيانًا قد يعتمدون حديثًا أو قد يعتمدون نصًا، قد يجمعون على معناه وقد يختلفون في معناه. يعني أنا وإياك متفقون على أن السنة حجة، أليس كذلك؟ وقد نتفق أيضًا على كثير من الأحاديث أنها صحيحة، لكن اتفاقي أنا وإياك على أن الحديث صحيح هل يلزم أن يكون فهمي للحديث كما أنت فهمته؟ لا، يمكن أن تختلف الفهوم هنا، فلذلك قال: «وتعرف أيضًا ما اعتمدوا عليه من ذلك».
مصادر التعلم مجتمعين، سواء اتفقوا على المعنى منها أو اختلفوا في المعنى، أي هل هم متفقون على هذه المصادر؟ بعضها اتفقوا على معانيها أيضًا، وبعضها قد اختلفوا في توجيهها وفي معانيها. فهذا الحديث صحيح، لكن الشافعي فهمه بطريقة، وأحمد فهمه بطريقة، وأبو حنيفة أعطى له وجهًا، ومالك أعطى له وجهًا آخر؛ فاتفاق على الأصول لا يعني أننا سنتفق على طريقة الفهم، أليس كذلك؟ وهذا مما تعرفونه، فهذا معنى قوله: «وتعرف ما اعتمدوا عليه من ذلك مجتمعين»، يعني متفقين على معناه أو اختلفوا في المعنى، أو قد يكون وقع بينهم خلاف في توجيهها وفي معانيها، فكل هذا واقع.
نعم، فجبتك إلى ما رغبت وسارعت فيما طلبت، رجاء عظيم الثواب وطمعًا في الزلفة يوم المآب، ولما أخذه الله تعالى على المسؤول العالم بما سئل عنه من بيان ما طلب منه وترك الكتمان. فهذا هو سبب آخر دفع ابن عبد البر ليصنف هذا الكتاب، وهو أن الله أخذ على العلماء أن يبينوا ما عندهم من العلم، فيقول: أنا لماذا صنفت هذا الكتاب؟ بعد أن سألتني عن قواعد العلم وعن آدابه وما شابه ذلك، أريد أن أثبت لك هذه المعلومات في هذا الكتاب لأن الله أخذ على أهل العلم ميثاقًا ألا يكتموا علمهم.
ثم الآن سيذكر الأحاديث التي تدل على هذا الأصل، أن العالم الحق هو العالم الذي ينشر علمه ويبين العلم للناس ولا يكتمه. الآن سيذكر مجموعة من الأحاديث أو حديثًا بأسانيد. قال الله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [البقرة: 154]. هذا دليل من القرآن على أن العالم يجب أن يبين علمه الذي استودعه الله إياه، ولا يجوز له أن يكتمه. وقال ﷺ: «من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار». اللجام أيها الأحبة تعرفونه، هو الذي يوضع على فم الناقة أو فم الفرس حتى يمنع من الطعام، فالذي يكتم العلم الله سبحانه وتعالى يضع عليه لجامًا من نار يوم القيامة والعياذ بالله.
طبعًا هذا الحديث يجب أن يفهم بشكل صحيح، يعني هي كقاعدة عامة، إذا احتيج إلى علم العالم فيجب أن يبينه، لكن هل يجوز للعالم أن يسكت في بعض الأحايين؟ نعم، سائل يسألني عن مسألة أرى أنه لا يليق أن أجيبه بها، أو أؤخرها لوقت آخر أفضل. فإياك، فإن بعض الشباب المتحمسين المندفعين إذا أخذ حديثًا يريد أن يطبقه في جميع الصور والأحوال، لا، هذه قاعدة عامة: إذا احتيج إلى علمك أيها العالم فلا يجوز أن تكتمه وقد توعد الله على كتمان العلم، لكن العالم الصادق قد يظهر له في بعض الأحايين، أو مع بعض الأشخاص، أو في بعض الأزمنة، أو في بعض الأماكن، أن يسكت عن بعض الأمور حتى لا يحدث فتنة، حتى لا يشق صفًا، وغير ذلك من المصالح المرعية.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان، أن قاسم بن أصبغ حدثهم، قال حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا عبد الوارث، عن علي بن الحكم، عن رجل، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة عليه لجام من نار». قال أبو عمر: الرجل الذي يرويه عن عطاء يقولون إنه الحجاج بن أرطاة.
إذا لاحظتم هذا الكتاب جميل، أنه ليس فقط فوائد في العلم، حتى فوائد في الحديث؛ ابن عبد البر محدث كبير وعالم وناقد كبير في علم الحديث. فلاحظوا في السند السابق ماذا قال: «عن علي بن الحكم عن رجل عن عطاء»، الآن هذا رجل مبهم وهذا سيسبب ضعفًا في الحديث، فعالم الحديث الذي يبحث ويفتش يحاول قدر المستطاع أن يرفع الإبهام، يقول: عن الرجل عن عطاء، من هو هذا الرجل؟ إذا أردت أن تكون محققًا في الحديث، لا بد تعرف وتحاول وتسعى قبل أن تتسرع في الحكم على الحديث بأنه ضعيف، تتتبع الطرق من أماكن متعددة لعلك تظفر بهذا الرجل.
فهنا ابن عبد البر دائما في الكتاب إذا قال "قال أبو عمر"، من هو أبو عمر؟ نفسه ابن عبد البر، يعني ما تخبط، فيقول: الرجل هذا المبهم الذي يرويه عن عطاء، من هو؟ قيل هو الحجاج بن أرطاة، طبعًا هذا بناء على استقراء الأسانيد الأخرى. ويقول: "وليس عندي كذلك والله أعلم"، يعني لا أعتقد أنه كذلك، ليس عندي كذلك، لا أعتقد أنه الحجاج بن أرطاة، هو يعتقد أنه رجل آخر، لكن من هو؟ والحجاج لم يذكره هنا. والحجاج بن أرطاة مشهور أيضًا بالتدليس عندهم، يعني حتى لو كان الحجاج بن أرطاة هو المبهم أيضًا سيكون هناك مشكلة لأن الحجاج بن أرطاة مشهور بالتدليس، لكن بعض أهل العلم يحسنون روايات الحجاج بن أرطاة.
حدثنا أبو عثمان سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن أبي العوام، أخبرنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا الحجاج بن أرطاة، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من سئل عن علم يعلمه فكتمه...» فذكر نحوه، يعني كما الحديث: «جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار».
طيب، هنا أنت يمكن تقول: ماذا؟ من الذي روى الحديث عن عطاء؟ الحجاج بن أرطاة. طيب لماذا إذاً ابن عبد البر في الإسناد السابق يقول: "ولا أعتقد أن الرجل المبهم هو الحجاج بن أرطاة"؟ لماذا؟ لا، أنت فهمت سؤالي، أنا أقصد هنا الذي روى الحديث عن عطاء في هذا الإسناد هو الحجاج بن أرطاة بشكل صريح. ابن عبد البر في الإسناد السابق لما جاء إلى الرجل المبهم "عن رجل عن عطاء"، ماذا قال؟ قال: "وقيل هو الحجاج بن أرطاة ولا أعتقد أنه كذلك". طيب لماذا لا تعتقد مع أنه جاء في الإسناد القادم الذي له لماذا جاء عن الحجاج بن أرطاة؟
أحسنت، هنا عليك أن تنظر في "قبل" الحجاج بن أرطاة، فهنا يزيد بن هارون قال: "أخبرنا الحجاج بن أرطاة"، فيكون ابن عبد البر يقول نعم، يزيد بن هارون من عادته أنه يروي عن الحجاج بن أرطاة. لكن نعود إلى الإسناد السابق الآن، الذي روى عن الرجل المبهم، من هو؟ عبد الوارث عن علي بن الحكم، هل علي بن الحكم من عادته أن يروي عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء؟ فهنا يبدأ عالم الحديث يفتش: هل علي بن الحكم في الإسناد...
السابق، هل هو من عادته أن يروي عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء؟ فهنا ابن عبد البر لم يعتقد ذلك، في هذا الحديث يقول: "لا أعتقد أن علي بن الحكم رواه عن الحجاج بن أرطاة". لكن هل الحديث روي عن الحجاج بن أرطاة من طريق آخر؟ نعم، روي عن طريق الحجاج بإسناد يزيد بن هارون، فلذلك تختلف آراء المحدثين في هذه الجزئية.
أخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا أبو داوود، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد قال: حدثنا علي بن الحكم عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة».
شوف، جميل، ركزوا أحياناً إخواني، كما قلت هو مجلس علم هذا، ليس مجلس سماع، فبالتالي سنقف عند بعض الأمور. لاحظوا في هذا الإسناد ماذا؟ قال: حدثنا علي بن الحكم عن عطاء مباشرة. إذا نعود إلى الإسناد قبل قليل، علي بن الحكم عن رجل عن عطاء، وهنا عن علي بن الحكم عن عطاء مباشرة، فهذا من الأسباب التي دفعت ابن عبد البر أن يقول قبل قليل: "لا أعتقد أن الرجل مبهم من وعطاء"، لأن علي بن الحكم يروي عن عطاء مباشرة في هذا الإسناد.
قال رسول الله ﷺ: «من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة». وكذلك رواه عمارة الصيدلاني عن علي بن الحكم عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما من رجل حفظ علماً فسئل عنه فكتمه إلا جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار».
حدثنا سعيد بن نصف، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن وضاح، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر قال: حدثنا عمارة بن زاذان قال: حدثنا علي بن الحكم عن عطاء عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ فكره ذكره، أي نفس الحديث السابق.
ورواه ليث بن أبي سليم عن عطاء، طبعاً ليث بن أبي سليم فيه لين معروف عند المحدثين. حدثنا خلف بن جعفر، حدثنا أبو الحسين عبد الوهاب بن الحسن بن الوليد الكلابي قال: حدثنا أبو بكر محمد بن خريم بن مروان العقيلي قال: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي سليمان ابن أبي الجون، قال: حدثنا ليث بن أبي سليم عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من كتم علماً عنده...» فذكر معناه.
ورواه عن النبي ﷺ أيضاً عبد الله بن عمرو بن العاص كما رواه أبو هريرة. إذاً هذا الحديث باختصار له مخارج عديدة؛ هذه الفكرة التي أراد ابن عبد البر أن يثبتها. هذا الحديث، حديث «إن من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار»، ليس له سند أو سندين، بل له عدة طرق ومخارج وعن عدة من الصحابة الكرام، عن أبي هريرة، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعن غيرهم.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، حدثنا علي بن محمد بن مسرور، حدثنا أحمد بن داوود، حدثنا سحنون بن سعيد، حدثنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الله بن عياش عن أبيه عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما... لاحظوا، كل الأسانيد التي سبقت كان صحابيها أبو هريرة، كل الطرق التي سبقت عن أبي هريرة، الآن سيبدأ يذكر لك طرق هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، الآن سيبدأ يذكر لك طرق هذا الحديث عن طريق صحابي آخر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار».
وهذا الحديث رواه عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن وهب بإسناده، هذا مثله، وهذا يخرج في رواية النظير عن النظير، والصغير عن الكبير. حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا قاسم بن أصبغ بن يوسف، قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل، قال: أخبرنا نعيم بن حماد، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب عن عبد الله بن عياش عن أبيه عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «من كتم علماً فذكره...».
ورواه عن النبي ﷺ أيضاً عبد الله بن مسعود من حديث سوار بن مصعب عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من كتم علماً ينتفع به جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من النار».
قوله: رواية النظير عن النظير، ويعني باعتبار أن ابن المبارك وعبد الله بن وهب متناظران، يعني في نفس المرتبة. ما معنى رواية النظير عن النظير؟ أي أنهما في نفس المرتبة، كيف أن أكون أنا وإياك في نفس الصف؟ اسم رواية الأقران، أنا أروي عنك وأنت تروي عني، فهذا يسمى من قبيل رواية النظير عن النظير، أي رواية الأقران بعضهم عن بعض. وقال: ويحتمل أيضاً أن يخرج من رواية الصغيرة عن الكبير، هذا قد يكون يتعلق بأن عمر ابن المبارك أقل من عمر عبد الله بن وهب، والله أعلم.
حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن مطرف، قال: أخبرنا سعيد بن عثمان وسعيد بن خمير، قال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: قال الحسن: «دخلنا فَاغْتَمَّ وَخَرَجْنَا فَلَمْ نَزْدَدْ إِلَّا غَمًّا، اللَّهُمَّ إِلَيْكَ نَشْكُو هَذَا الْغُثَاءَ الَّذِي كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْهُ، إِنْ أَجَبْنَا لَمْ يُفْقَهُوا، وَإِنْ سَكَتْنَا عَنْهُمْ...».
الآن طريقة ابن عبد البر في هذا الكتاب، بعد أن يذكر أي مسألة سيصل إليها، هذا ستجدونه منهجا له، وليس فقط خاصاً بابن عبد البر، هو منهج العلماء؛ أي مسألة يؤصلها، أولاً يذكرون فيها ما ورد من الآيات، ثم ما ورد في أحاديث النبي ﷺ، ثم ما ورد بعد ذلك من كلام الصحابة أو التابعين أو التابعين بإحسان. فهو تكلم عن مسألة: ماذا؟ خطورة كتمان العلم. هذه أول مسألة منهجية في هذا الكتاب: خطورة كتمان العلم. إذا علمك الله شيئاً، فإياك أن تهجر العلم وأن تتركه وتتشغل عنه بالدنيا، فإنك مسؤول عن هذا العلم الذي استودعه الله إياك.
تمام، الآن ذكر أولاً آية ما هي الآية التي ذكرناها قبل شوي؟ نعم، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187]. ثم ذكر الحديث: «من سئل عن علم فكتمه، لجم بلجام من نار» على مختلف رواياته.
الآن سيذكر آثار السلف في التحذير من كتمان العلم. مهم جداً يا طالب العلم إذا قرأت كتاباً أن تفهم إليه، بناء الكتاب، يعني كثير من الشباب أو من طلاب العلم المقبلين لما يقرأ في هذه الكتب هو ضائع، لا يعرف لماذا أورد هذا الأثر، وما علاقة هذا بما قبله. مهم جداً إذا قرأت كتاباً أن تفهم المنهجية التي يسير عليها صاحب هذا الكتاب.
ابن عبد البر رحمه الله ومنهجية العلماء قبله وبعده، أنهم إذا أصلوا مسألة -وهذا من الأدب وليس فقط من منهجية علمية، من الأدب أن تأتي بالآية التي تدل، ثم بأحاديث النبي ﷺ، ثم بعد ذلك تذكر ما ورد في الآثار عن السلف- وهذا حتى في المنهج العلمي عندما تكتب بحثاً. كثير من الشباب تجد مثلاً يكتب بحثاً جامعياً في مسألة شرعية، تجد أول شيء يقول: قال الحسن البصري وكذا، قال، والدليل الثاني قوله تعالى. هذا خطأ أخي في كتابة البحث العلمي. أنت أولاً تقدم بماذا؟ بالقرآن، ثم بالحديث النبوي، ثم بآثار السلف. هكذا طريقة أهل العلم والمنهجية الصحيحة.
فهنا أعد العبارة: قال الحسن البصري: «دخلنا فتممنا وخرجنا فلم نزدد إلا غمة». الظاهر أن الحسن البصري دخل على شباب متحمسين للعلم، لكنه لم يرهم أهلاً للعلم، أو لتلقي الحديث أو ما شابه ذلك، الله أعلم، القصة لم تبين لنا التفاصيل. فيقول: «دخلنا» يعني دخلت على هؤلاء في المجلس، «فاغتم وخرجت من عندهم وأنا قد زاد غمي وهمي». الظاهر تعبوه بشرح يلقن وليس أهلاً لهذا العلم.
أكمل فقال: «اللهم إليك نشكو هذا الغثاء الذي كنا نحدث عنه». يعني هؤلاء الطلبة الذين دخلت عليهم، أو هذه المجموعة والحلقة التي دخلت عليها غثاء، يعني متعبون. لماذا تدرسهم إذا كانوا متعبين؟ وإذا دخلت أصابك غم وإذا خرجت ازددت غماً؟ هذا ربما حتى يحدث معكم في حلق التدريس، حتى في المدارس تقول: والله هذا الصف إذا دخلت عليه يا أخي قلبي ينغلق، وأخرج منه ويزداد الانغلاق، نفسي لا تنشرح أن أجلس معهم أو أن أعلمهم. غثاء غير مهتمين، مشاغبين، غير متقنين. واضح أن بعض الناس لا يكون أهلاً لأن يدرس العلوم الشرعية العميقة، أو أن يلقن الأسانيد والأحاديث، ليس من شأنه.
فيقول: «اللهم إليك نشكو هذا الغثاء الذي كنا نحدث عنه». النبي ﷺ قال: «غثاء كغثاء السيل». كنا نحدث عن أن تأتي أمم يكون فيها الحال أنهم غثاء كغثاء السيل، قال: «إن أجِبنا لم يفقهوا، وإن سكتنا عنهم وكلنا إلى عي شديد». يعني هؤلاء الناس الذين تتعامل معهم، إذا علمناهم الفقه لا يفهمون، وعلمناه مرة ومرتين وثلاث لا يفقهون ولا يفهمون، خلص اتركهم. «وإني أخشى أن أكلهم إلى عي شديد»، يعني أن يبقوا جهالاً.
يقول الحسن البصري كأنه يقول: لا أدري ماذا أفعل بهم، إذا علمتهم لا يتعلمون، وإذا سكتت عنهم ولم أعلمهم أخشى من ماذا؟ أخشى أن أكلهم إلى العي، والعي هو الجهل، أن يبقوا في جهل شديد، فأعود أعلمهم والمشكلة تبقى نفسها، قوم ليسوا أهلاً لحمل العلم. فيقول: «والله وهذا موطن الشاهد من العبارة: والله لولا ما أخذ الله على العلماء في علمهم ما أبانت بشيء أبداً». يعني لو لولا أن الله أخذ على العلماء أن يعلموا الناس الخير وأن لا يكتموا ما عندهم لتركت هذه الحلقة ولم أعلمها شيئاً، فهذا الذي دفعه أن يبقى مصابراً، وأحياناً الإنسان يحتاج إلى الصبر.
ثم قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان، أخبرنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، قال أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسماء، أخبرنا جويرية بن أسماء، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة أنه كان يقول: لولا آيتان في كتاب الله عز وجل ما حدثتكم شيئاً. إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159].
ثم قال: إن الناس يقولون أكثر، وذكر الحديث. تعرفون أبا هريرة رضي الله عنه، لما كان يروي الأحاديث الكثيرة في زمن الخلفاء الراشدين، أصبح بعض الناس يتهمه أنه: يا أبا هريرة أكثرت من رواية الحديث، هل معقول كل هذا أنت سمعته من النبي ﷺ؟ فأبو هريرة شعر بالضيق أن بعض الناس اتهمه، فيقول: والله أيها الناس لولا هذه الآية التي سمعتها في كتاب ربي ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ﴾ لما رويت لكم حديثاً. يعني هو تضايق أن الناس تقول: أكثر أبو هريرة، ما معنى أكثر أبو هريرة؟ يعني أبو هريرة يروي أحاديث كثيرة، هل معقول كل هذا سمع؟ استغربوا لأن أبا هريرة ليس من السابقين في مجالس النبي ﷺ ومع ذلك روى آلاف الأحاديث، فبعض الناس استغرب وللأسف بدأ يتهم. ولا أقول هذا، ترى اليوم كثير ممن يخوضون في اتهام السنة يخوضون في أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وفي كثرة روايته. فيقول: لولا هذه الآية لما رويت لكم شيئاً، لكن الله سبحانه وتعالى استأمن أهل العلم أن يكتموا ما عندهم من العلم.
قال حدثنا قاسم بن محمد، حدثنا خالد بن سعد، قال حدثنا أحمد بن عمرو، قال أخبرنا محمد بن سنجر، قال أخبرنا خالد بن مخلد، قال حدثني سليمان بن بلال، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن يزيد بن هرمز، قال: كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن خمس، نجدة هذا أحد رؤوس الخوارج، نجدة الحروري، أحد رؤوس الخوارج، شوفوا هذا الحديث ترى فيه فقه واقع.
قال: كتب نجده إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال، فقال ابن عباس: «إن الناس يقولون خمس خلال»، يعني سألوا عن خمس مسائل فقهية. تخيل رجلًا خارجيًا، من أهل البدع، يرسل إلى ابن عباس يسأله عن خمس مسائل فقهية. وقال ابن عباس: «إن الناس يقولون إن ابن عباس يكاتب الحرورية، ولولا أني أخاف أن أكتم علمًا ما كتبت إليه».
ذكر الحديث طويل، ولكن هذا الجزء هو الذي يهمنا؛ فهذا الحب يدل على أمرين. أولًا، يا طالب العلم ويا أيها المتصدر لتعليم الناس الخير، لن تسلم من حديث الناس. وهذا نستفيد من قصة ابن عباس ومن قصة أبي هريرة السابقة. تخيل أبو هريرة، الملازم للعلم الذي لازم النبي ﷺ على جوع بطنه، يتحدث فيه ويطعن فيه في زمن الصحابة أو الخلفاء الراشدين. وكذلك ابن عباس، ترجمان القرآن؛ لأنه كان يجيب الخوارج عن أسئلتهم الفقهية، فكان يطعن فيه بعض السفهاء ويقولون: «يا ابن عباس، كيف تجاوب الخوارج هؤلاء؟ وكيف تجيبهم عن مسائلهم الفقهية؟ ألا ينبغي أن نقاطعهم مقاطعة تامة ولا نجيبهم؟».
فيا طالب العلم، في حياتك إذا تصدرت، يصعب أن يجتمع الناس كلهم عليك، لابد أن تجد لك مبغضًا، لابد أن تجد لك كارهًا في هذه الحياة. بالتالي عود قلبك أن لا تكون ضعيفًا بحيث إذا انتقدت تترك العلم والتدريس؛ لأن بعض الناس عنده هشاشة نفسية لدرجة أنه إذا انتقد أو وجهت إليه السهام يقول: «خلص، ما عاد أدرس». الناس تنتقد وتتكلم، هل تعتقد أنه يتكلم فيك؟ وهل تعتقد أن إنسانًا يتصدر ولا أحد يخالفه؟ هي طبيعة الحياة هكذا. إذا كان الصحابة الكرام وعلماء الصحابة تعرضوا للانتقاد من الناس ومن ضعاف العقول، فهل تتوقع أن تسلم؟ لن تسلم، بالتالي طيّب نفسَك.
القضية الثانية هي فقه ابن عباس. نجد الحروري كان من الخوارج، وكان من أشد الخوارج وسفاك دماء المسلمين، وكان رأسًا لطائفة. فابن عباس وازن بين المصالح والمفاسد؛ قال: هذا رأس لطائفة وله منطقته التي يحكمها، هل امتنع عن إجابته أم أن إجابته عن هذه المسائل هي أخف الضررين؟ فرأى أن هذا رجل خارجي ومبتدع وضال، لكن إجابته عن المسائل تبقى أخف من أن يبقى جاهلًا بها فيزداد شره. يعني إذا كان شره 70% ربما أنا أجيب عن المسائل فيصبح 60%، وهذا فقه الصحابة في التعامل حتى مع أهل البدع؛ أنه يحاول أن يتعامل بمنهج أخف الضررين وليس بمنهج المقاطعة التامة. هذا فقه الصحابة الذي يجب أن نتعلمه ونتبحر فيه.
وقالت الحكماء: «من كتم علمًا فكأنه جاهل به». وهذا الآن بعد أن ينتهي من ذكر آثار الصحابة والتابعين، يذكر منهجية ابن عبد البر لقول الحكماء. وقول الحكماء يعني أصحاب الخبرة، هذا ليس كلام صحابي ولا تابعي وإنما هو كلام أصحاب الخبرة والتجارب. ماذا قالت الحكماء؟ «الذي يكتم علمًا فهو كالجاهل فيه»، لأنه الجاهل لا يفيد، والذي يكتم علمه لا يفيد، فمن كتم علمًا فكأنه جاهل به من جهة أنه لم يفد الناس شيئًا.
قال: «وقد جمع أقوام في نحو ما سئلنا عنه وذكرناه في كتابنا هذا أبوابًا لو رايتها كافية دللت عليها». الآن سيبين ابن عبد البر أيضًا لماذا أقدم على كتابة هذا الكتاب، فيقول: «رأيت من العلماء قبلي من صنف كتبًا في ذكر منهجية التعلم وآداب العلم وما شابه ذلك، فلو أن الكتب التي صنفت قبلي وجدتها كافية في هذا الباب وسدت هذا الثغر لما أقدمت، ولكنني لم أجدها كافية؛ فلذلك أقدمت لأكتب ما عندي وما في زمرتي».
إذًا، قد جمع أقوام في مثل ما سئلنا عنه -الذي هو ما ذكرناه في المقدمة- من آداب العلم وقواعد التعلم والرأي والتقليد وما شابه ذلك، لكنه لم يرها كافية فأحب أن يدلي بدلوه. قال: «ولكني رأيت كل واحد منهم جمع ما حضره وحفظه وما خشي التفلت عليه وأحب أن ينظر المسترشد إليه». فكأنه يقول: من كان قبلي لم يجمع شتات هذا الموضوع، وإنما ما حضر في ذهنه وما خشي أن ينساه سجله ودونه، أما كتاب متكامل في هذا الموضوع فلم أجد، فهذا الذي دفعه أيضًا إلى أن يصنف هذا الكتاب.
قال: «ولو أغفل العلماء جمع الأخبار وتمييز الآثار، وتركوا ضم كل نوع إلى بابه وكل شكل من العلم إلى شكله، لبطلت الحكمة وضاع العلم ودُرس». وإن كان -لعمري- قد دُرس، يعني زال. وإن كان لعمري -هنا لعمري البعض يقول هذا يقسم بحياته، مش قلنا لعمري هذه ألفاظ القسم؟ «عمرك إنهم لفي سكرتهم»؛ الصحيح أن هذه العبارة وإن كانت من حيث النحو هي صيغة قسمية، لكنها لا يراد بها القسم، وكثيرًا ما تستعمل في درج الكلام. كيف يقول النبي ﷺ: «وأبيك»؟ هذا ورد في بعض الألفاظ النبوية، وإن كانت صورته صورة القسم لكنه لا يقصد به في الكلام القسم، لذلك ليس إثمًا إذا وجدته في كلام العلماء، حتى لا يستعجل الإنسان في تخطئة كبار العلماء.
كيف ابن عبد البر يقسم بحياته؟ "لعمري" يعني وحياتي، والعمر هو الحياة، فيقول لعمري يعني وحياتي. هل هو يقسم؟ لا، هو هذا من الأمور التي أصبحت دارجة على الألسنة ولا يقصد بها القسم، كما تقول مثلاً في العامية "دخيلك"، تجدها مالها معنى أو لا يقصد بها القسم، وإنما عبارة درجت على الألسن، فلا يستعجل بتخطئة أهل العلم.
قال: «ولكن الله عز وجل يبقي لهذا العلم قومًا، وإن قلوا، يحفظون على الأمة أصوله». هذا من بركة الله سبحانه وتعالى؛ إذا بارك في الإنسان فاجعله من هؤلاء القلة من طلبة العلم، القلة الذين يستودع الله علوم الشريعة ويحفظون لهذه الأمة أصولها وفروعها، فضلاً من الله ونعمة.
«ولا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم منه الآخر». شوف هذه العبارة جميلة، يقول: «ولا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم منه الآخر»، يعني لا يزال الناس بخير ما بقي علماؤهم يعلمون الجيل القادم، هذا معنى كلامي. الأول هو الكبير العالم، والآخر هو الصغير الناشئ، فلا يزال الناس أمورهم بخير ما دام هناك علماء يعلمونهم؛ لأنه إذا ذهب العلماء وذهب التعليم ودرس انتشر الجهل واتخذ الناس رؤوسا جهالا فافتوا بغير علم، فظلوا وأضلوا.
فمن نعم الله على الأمم والشعوب بقاء العلماء من باب أن يعلموهم ويرشدوا ويأخذوا بأيديهم لما فيه صالحهم. قال: فإن ذهاب العلم بذهاب العلماء، كما قال: «العلم يذهب بذهاب العلماء». كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسترى هذا المعنى وشبهه في كتابنا هذا إن شاء الله بحوله وقوته، والحول والقوة لله وهو حسبي ونعم الوكيل. وسترى هذا المعنى، أي أهمية وجود العلماء وبقاء العلماء وتدريس العلماء؛ لأن هذا هو بقاء العلم، فسيريك خلال هذا الكتاب على هذه الفكرة أيضا.
باب قوله صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». هذا أول باب من أبواب هذا الكتاب، وهو يتحدث عن قاعدة عامة أن طلب العلم فريضة على كل مسلم، وسيذكر هنا الحديث المشهور: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، وسيذكر اختلاف العلماء في فهم هذا الحديث. ستكتشف أن هذا الحديث له فهوم متعددة، وليس هو الفهم فقط الذي بدا لك في بادئ الأمر. ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»؟ دعونا ننظر وماذا ذكر العلماء في تعليقهم على هذا الحديث ثم نعلق في النهاية.
قال أبو عمر: «هذا حديث يروى عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة، كلها معلولة لا حجة في شيء منها عند أهل العلم بالحديث من جهة الإسناد». إذا هو يريك من البداية، يقول: حديث «طلب العلم فريضة على كل مسلم» روي من طرق كثيرة عن أنس بن مالك، طبعا روي أيضا من طرق أخرى غير طريق أنس بن مالك، وهذه الطرق إلى أنس بن مالك كلها معلولة، يعني كلها ضعيفة، لا يوجد طريق واحد عن أنس بن مالك صحيح، وبالتالي كل واحد منها بمفرده ضعيف.
لماذا أوردت الحديث إذا كان كل طرقه معلولة؟ الآن كل طريق معلول، لكن باعتبار مجموعها لعله يرتقي إلى مرتبة الحسن لغيره، فبالتالي يحسن إيراده هنا. عرفتم؟ هو ابن عبد البر مقتنع من البداية أن هذا الحديث بكل طرقه إلى أنس بن مالك معلول، لكن لماذا أوردته؟ لعله بكثرة هذه الطرق، وإن كان كل واحد منها معلول، يرتقي إلى درجة الحسن.
قرأت على أبي القاسم خلف بن القاسم بن سهل الحافظ: أن أحمد بن صالح بن عمر المغربي حدثه قال: أخبرنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث رحمه الله، أخبرنا خلف بن القاسم، حدثنا أبو صالح -هذا اسمه تحويل الإسناد، حاء هنا عندي في نسختي تحويل إسناد، وهو أنه يأتي بأكثر من سند له إلى هذا الرجل- حدثنا أبو صالح أحمد بن عبد الرحمن بن صالح بمصر قال: أخبرنا عبد الجبار بن أحمد السمرقندي قال جميعا: أخبرنا جعفر بن مسافر التنيسي قال: أخبرنا يحيى بن حسان قال: حدثنا سليمان بن قرم الضبي عن ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».
وحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال: حدثنا مسلمة بن القاسم قال: حدثنا أبو الحسن علي بن الحسن بن علان قال: حدثنا جعفر بن مسافر التنيسي فذكر بإسناده مثله، وأخبرنا مثله أي مثل الحديث السابق. وأخبرنا خلف بن جعفر قال: أخبرنا أبو الحسين عبد الله بن الحسن الكلابي الدمشقي، حدثنا عبد الرحمن بن إسماعيل الكوفي، قال: حدثنا محمد بن هارون الفلاس، حدثنا عبد الرحمن بن بكر القرشي، حدثنا حسان بن سياح عن ثابت عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».
وطالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، هذا سنأتي إليه إن شاء الله، أن طالب العلم يستغفر له كل شيء، لكن موطن الشاهد هو «طلب العلم». حدث به ابن الأعربي عن كيلجا، قال: حدثنا حرملة عن ابن وهب، حدثنا حسان بن سياح عن ثابت عن أنس بن مالك -طبعا كيلجا هذا اسم شخص، أبو بكر البغدادي، كان لقبا له أو هو أبو بكر البغدادي- قال عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، فذكره بإسناده.
وأخبرنا خلف بن جعفر قال: حدثنا عبد الوهاب بن الحسن الدمشقي، قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن عمير بن يوسف، قال: حدثنا أبو التقى هشام بن عبد الملك، قال: حدثنا المعاف بن عمران، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثني حسام بن مسك عن مسلم الأعور عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».
وقرأت على أبي القاسم خلف بن القاسم بن سهل أن أبا بكر بن محمد بن عباس بن وصيف الأبزاري حدثه بغزة، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، قال: حدثنا العباس بن إسماعيل، قال: حدثنا الحسن بن عطية، قال: حدثنا طريف بن سليمان أبو عاتكة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اطلب العلم ولو بالصين». لفظة «ولو بالصين» هذه منكرة شديدة النكار، وقد جاءت من طريق أبي عاتكة، وهذا رجل أيضا منكر الحديث، بل قيل إنه متروك الحديث، والبعض اتهمه بالوضع، فأبو عاتكة الذي يروي عن أنس بن مالك حقيقة شديد الضعف متروك الحديث، فهذه اللفظة لا تصح، يعني حتى لو قلنا إن الحديث حسن بطرقه، لكن هذه اللفظة التي وردت في بعض الطرق شديدة النكار.
قال رسول الله ﷺ: «اطلب العلم ولو بالصين».
سأتي بمعنى أيضا من طريق ابن شهاب الزهري عن أنس. وأيضا بعد قليل: «إن طلب العلم فريضة على كل مسلم». رواه ابن الأعربي عن عباس الدوري والحسن بن علان، قال: حدثنا الحسن بن عطية عن أبي عاتكة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ، فذكر مثله، وزاد: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب».
وأخبرنا يعيش بن محمد بن القاسم الوراق، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن غالب التمتامي، قال: حدثنا الحسين بن عطية البزازي بالكوفة، قال: حدثني أبو عاتكة عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «اطلب العلم ولو بالصين، فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم».
وحدثنا يعيش، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا محمد بن غالب التمتامي، قال: حدثنا بشر بن محمد السكري، أبو أحمد، قال: حدثنا زياد بن ميمون عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». والحقيقة الصواب أنه أبو أحمد وليس أبو محمد، عندكم في النسخة أبو محمد، لكنني سمعت قال أبو محمد.
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا خلف بن الوليد، قال: حدثنا سلام الطويل، قال: أخبرنا زياد بن ميمون عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».
وأخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا مسلمة بن القاسم، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق المعروف بابن حجر العسقلاني، قال: حدثنا عبد الجبار بن أبي... طبعا هذا ليس ابن حجر العسقلاني المعروف، التأكيد لأن ابن حجر العسقلاني الإمام المعروف هذا بعد ابن عبد البر أصلا، هذا شخص آخر.
قال: حدثنا رواد بن الجراح، قال: حدثنا عبد القدوس الوحاظي، عن حماد بن إبراهيم، قال: ما سمعت من أنس بن مالك إلا حديثا واحدا سمعته يقول: قال رسول الله ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». ورواه ابن الأعربي، حدثنا عباس، حدثنا رواد بن الجراح، حدثنا عبد القدوس، عن حماد، عن إبراهيم مثله سواء.
وذكر أبو عروبة الحسين بن أبي معشر الحراني، قال: حدثنا سليمان بن سلمة الخبائعي، قال: حدثنا بقية بن الوليد، قال: حدثنا الأوزاعي عن إسحاق بن عبد الله عن أنس قال: قال النبي ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». وهذا الحديث لم يروه عن بقية عن الأوزاعي إلا الخبائعي، الذي في الإسناد هو الوحيد الذي رواه عن طريق بقية عن الأوزاعي.
وهو سليمان بن سلمة الخبائعي الحمصي، ابن أخي عبد الله بن عبد الجبار. الخبائعي سليمان هذا عندهم بالقوة. وقال: وأكثر الرواة عن بقية يروون هذا الحديث عن بقية عن حفص بن سليمان عن كثير بن شنظير عن محمد بن سيرين، وليس عن طريق بقية بن الوليد عن الأوزاعي، يعني ذكر الأوزاعي هنا مشكلة، وهذا الخطأ جاء عن طريق الخبائعي.
وقال: ويرونه عن بقية أيضا عن أبي عبد السلام الوحاظي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك، ولا يعرف من حديث الأوزاعي إلا من رواية سليمان بن سلمة الخبائعي عن بقية.
وأخبرنا أبو عبد الله عبيد بن محمد، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد القاضي بالقلزم إملاء، قال: حدثنا محمد بن أيوب ابن أبي يح القلزم -هذا اسم منطقة القلزم- هي اسم منطقة، أملى علينا هذا الحديث إملاء على طريقة المحدثين. قال: حدثنا عمران بن هارون، قال: أخبرنا بقية بن الوليد، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن الزبير بن الخريت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».
وأخبرنا أحمد، قال: حدثنا مسلمة، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم العسقلاني، قال: حدثنا يوسف بن محمد الفريابي ببيت المقدس، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «اطلب العلم ولو بالصين». هنا أيضا جاءت رواية أو لفظة "ولو بالصين" من طريق ابن شهاب الزهري عن أنس بن مالك، قال: حدثنا خلف بن القاسم، الرواية ضعيفة.
وأخبرنا الحسن بن رشيق، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، قال: حدثنا جعفر بن حميد، قال: حدثنا حفص بن سليمان، عن كثير بن شنظير، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».
وأخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد وعبيد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبيد، قال: حدثنا أبو... انتهى من ذكر أسانيد هذا الحديث عن أنس بن مالك. ومن استقرأ هذا الحديث وجد له عن أنس بن مالك واحد وعشرين إسنادا، كلها معضلة ضعيفة، لكن كما نقول يرجى إن شاء الله بكثرة الأسانيد لعلها ترتقي إلى درجة الحسن لغيره. والمحقق أبو الأشبال في تحقيقه أنس خدار بن الجوزي قال: هو حسن بشواهده، حكم عليه بالحسن باعتبار شواهده.
قال: حدثنا أبو علي الحسن بن سلمة بن سلمون، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن علي بن الجارود، قال: حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج، قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول -إسحاق بن راهويه هذا طبعا قرين أحمد بن حنبل وهو من كبار أئمة الفقه والحديث- ماذا يقول إسحاق بن راهويه معلقا على هذا الحديث؟ اسمعوا، يقول: «طلب العلم واجب»، ولم يصح فيه الخبر، إلا أن معناه أنه يلزمه طلب علم ما يحتاج إليه من وضوئه وصلاته وزكاته إن كان له مال، وكذلك الحج وغيره، وما وجب عليه من ذلك.
إذن إسحاق بن راهويه يتفق مع ابن عبد البر عموما أن هذا الحديث ضعيف صحيح، لكن معناه صحيح، يعني هو من حيث الأسانيد ضعيف لكن معناه صحيح وهو أن طلب...
العلم واجب، ما معنى أن طلب العلم واجب على كل مسلم؟ ما هو المعنى الصحيح لهذه العبارة؟
إن كل مسلم هناك مجموعة من الأحكام الشرعية عليه أن يقوم بها في حياته، كالصلاة والصيام والزكاة إن كان له مال. شوف الدقة هنا: «والزكاة إن كان له مال»، يعني أنا ما عندي مال لا يلزمني أن أتعلم فقه الزكاة، إن كان عندي مال يصبح تعلمي لفقه الزكاة واجبًا، سواء كنت مهندسًا أو طبيبًا أو في المنزل، في أي مكان كنت، إذا كان عندك مال عليه زكاة يجب أن تتعرف فقه الزكاة.
فإذا طلب العلم الواجب على كل مسلم هو أن تتعلم الأمور الشرعية التي يلزمك أن تقوم بها وكلف الله أن تؤديها، فهذا مهما كان المسلم، رجلًا أو امرأة، طالب علم أو ليس طالب علم، يجب أن يتعلم هذه الأمور حتى يؤديها كما يريد ربنا.
قال: «وما وجب عليه من ذلك لم يستأذن أبويه في الخروج إليه، وما كان منه فضيلة لم يخرج إلى طلبه حتى يستأذن أبويه». جميلة هذه المسألة الفقهية التي أوردها إسحاق بن راهويه. هل يجوز للإنسان أن يخرج؟ طبعًا كلمة يخرج هنا بمعنى يسافر، الخروج هنا بمعنى السفر وليس بمعنى الخروج من المنزل إلى حلقة علم قريبة منك.
والدك ووالدتك ليس لهما أن يمنعك من أن تخرج إلى حلقة علم قريبة منك، سواء كان هذا العلم فرضًا أو نفلًا، لأن هذا الأمر لا يضرهما، إلا إذا كان هناك أمر مهم يجب عليك أن تقوم به بحق الوالدين. حتى أوضح الفكرة أكثر وأكثر حتى لا تفهم خطأ؛ الآن قد يكون والدك لا يريدك في شيء في المنزل، ووالدتك أيضًا لا تريدك في شيء، وأنت تريد أن تطلب العلم، فيقول لك لا تحضر مجلس العلم؛ لأننا لا نريدنا. في هذه الحالة، إذا لم يكن هناك حاجة للأب ولا للأم فيك، فليس لهم أن يمنعوك من حضور مجلس العلم، سواء كان علمًا واجبًا عليك أن تتعلمه أو كان علمًا مندوبًا.
أما بالنسبة للأنثى في خروجها من المنزل، إذا كان العلم واجبًا عليها، كأن تتعلم أحكام طهارتها وأحكام صلاتها، فنحن ابتداءً نقول: الأصل أن وليها -إن كانت غير متزوجة- أو زوجها -إن كانت متزوجة- هو الذي يعلمها ويكفيها عناء الخروج.
قالوا: فإذا لم يعلمها وليها هذه الأحكام وكان جاهلاً، أو لم يعلمها زوجها هذه الأحكام وكان جاهلاً وغير مكترث، فهل يجوز للفتاة أن تخرج لتتعلم هذه الأحكام الواجبة بدون إذن وليها أو بدون إذن زوجها؟ قال ابن الجوزي وغيره من العلماء من نصوا على هذه المسألة. نعم، الأنثى لها خصوصية تختلف عن الذكر؛ فالأنثى في خروجها من المنزل هي إما تحت ولاية أبيها أو تحت ولاية وقوامة زوجها، إذا كانت متزوجة.
الأحكام الشرعية إما أن تكون واجبة أو تكون غير واجبة. من كفايات العلم فيما يتعلق بأحكامك الواجبة: أحكام طهارتك، أحكام صلاتك وما شابه ذلك، المطلوب ابتداءً من وليك أو من زوجك أن يعلمك هذه المسائل، وأي مسألة تستجد وتحتاجين فيها إلى جواب، الأصل أن زوجك أو وليك هو المسؤول أن يأتي بالجواب. وفي هذه الحالة، إذا قام الولي أو قام الزوج بإيصال العلم الذي تحتاجين إليه، فلا يجوز لك أن تخرجي من بيت الولي أو من بيت الزوج إلا بإذنه؛ إذن لك تخرجي فجزاه الله خيرًا، وإذا لم يأذن لك تبقين في المنزل.
أما إذا الولي أو الزوج قصر في تعليمك الأحكام الواجبة وأنت تطلبين منه ذلك وهو غير مهتم أو غير مكترث ولا يقوم بذلك، فهنا أفتی فقهاء بجواز خروج المرأة بدون إذن وليها أو زوجها لتتعلم فقط هذه المسائل الواجبة؛ لأن تعلم الدين فرض، ولا يجوز للولي ولا للزوج أن يقصر، فإذا قصر في هذا الجانب فهو المخطئ، ويجوز للمرأة أن تخرج لتتعلم هذه الأحكام الواجبة. أما الأحكام غير الواجبة، مما بعد ذلك من تعلم الكتب الشرعية والأخلاق والسلوكيات وما شابه ذلك، فهنا ما قال الفقهاء: لا تخرج المرأة إلى هذه المجالس إلا بإذن وليها أو بإذن زوجها. هذا التفصيل يتعلق بالمرأة.
أما بالذكر، كما قلنا، فالرجل؛ هنا لا نفصل تفصيلًا آخر، فنقول: الشاب إذا كان خروجه للعلم لا يقتضي سفرًا وإنما هو في حيز بلده، فإذا لم يكن لأبيه حاجة فيه ولا لأمه حاجة فيه، وإنما يريدان أن يمنعاه من العلم هكذا منعًا، "ما تروح مع المشايخ، ما تقعد معهم، لا تحضر مجالس العلم"، هنا هل يجب عليه أن يقبل؟ وهل يعتبر من البر ألا يخرج إلى مجالس العلم؟ كلا، يجوز لك أن تخرج أيها الشاب إلى مجالس العلم ما دام لا يوجد غرض صحيح للأب ولا للأم في منعك من ذلك.
أما إذا احتاج العلم إلى سفر، يعني أنت أيها الشاب احتجت أن تسافر خارج بلدك لطلب العلم، فهل لك أن تسافر بدون إذن والديك؟ ماذا قال إسحاق بن راهويه؟ قال: «إذا كان هذا العلم الذي ستسافر من أجله علمًا واجبًا»، فمثلاً بلدة من البلدان ربما أحيانًا في مناطق مثل روسيا وما شابهها، البلدة التي هو فيها لا يوجد عالم ولا طالب علم، ولا يوجد من يعلم الناس أمر دينهم الواجب، فهنا قد يحتاج الإنسان أن يخرج من بلد إلى بلد ليحصل العلم الواجب، فهنا يخرج الشاب ويسافر ولو لم يأذن له الوالد ولا الوالدة؛ لأن هذا تحصيل لعلم واجب.
أما إذا كنت ستذهب وتسافر من أجل علم زائد ليس هو بالقدر الواجب، هو علم زائد تقرأ المصنفات العلمية وشروح الحديث، فمثل هذا لا يجوز أن يكون إلا بإذن الوالدين. لذلك ماذا قال إسحاق؟ قال: «وما وجب عليه من ذلك لم يستأذن أبويه في الخروج إليه»، أي في السفر إليه، الخروج هنا بمعنى السفر. «وأما ما كان منه فضيلة»، أنت تعرفون العلم منهما واجب ومنهما فضيلة، «وأما ما كان منه فضيلة» أي زائد، فهذا لا يجوز له أن يخرج ليسافر إلى طلبه حتى يستأذن أبويه، وهذا طبعًا حال.
كثير من الأحكام الشرعية مثل مسائل الجهاد وما شابه ذلك، ما كان منه متعيناً يخرج بدون إذن والديه، وأما ما كان منه فضلاً فإنه يحتاج إلى إذن الوالدين.
وقص على هذه المسائل، قال أبو عمر: يريد إسحاق -والله أعلم- أن الحديث في وجوب طلب العلم في أسانيده مقال لأهل العلم بالنقل، ولكن صحيح يعني هو الحديث هذا الذي قصده إسحاق، أن الحديث يوجد في سنده مقال، يعني ضعيف. ما معنى الحديث في سنده مقال؟ يعني بعض المصطلحات قد تكون مفهومة لطلاب العلم المتقدمين، لكن الشباب الناشئ بدك تتعود، إذا قيل في سنده مقال، إيش يعني؟ في سنده ضعف، في سنده ضعف.
قال: ولكن المعنى صحيح. وهذا كثير ما تجدونه؛ أحياناً قد يذكر العالم الحديث وهو يعلم أنه ضعيف إسناداً، لكن معناه صحيح موافق لأصول الشريعة، فهذا قد يكون دافعاً له لأن يرده مع علمه بضعفه. قال: ولكن معناه صحيح، صحيح عندهم وإن كانوا قد اختلفوا فيه اختلافاً متقارباً على ما نذكره إن شاء الله.
الآن سيذكر اختلاف أهل العلم في فهم هذا الحديث. مش قلنا هذا الحديث «طلب العلم فريضة على كل مسلم» اختلف العلماء في فهمه؟ الآن إسحاق بن راهويه قبل قليل قدم لنا فهماً، ما هو فهم إسحاق بن راهويه؟ أن هذا الحديث ما معناه: العلم الذي لا يسع المسلم جهله كأحكام الصلاة والزكاة إن كان له مال، هذا هو المقصود بقوله «طلب العلم فريضة»، يعني هذا النوع من العلم هو الذي قصد بأن تعلمه فريضة، وما سوى ذلك لا يدخل تحت الفريضة. هذا فهم إسحاق بن راهويه وطائفة من أهل العلم، بل هو المتبادر لذهن الأكثر؛ أن المراد بالفريضة هنا ما لا يسعك جهله أيها المسلم.
قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا محمد بن إبراهيم بن جامع بمصر، قال حدثنا المقدام بن داوود بن تليد، قال حدثنا عبد الله بن الحكم بن عبد الحكم عن ابن وهب، قال: سئل مالك عن طالب العلم، أهو فريضة على الناس؟ فقال: «لا والله، ولكن يطلب من المرء ما ينتفع به في دينه».
شوف هذا الحديث، يعني قد يقول: هل مالك يقول إن هذا الحديث ليس بصحيح سنداً ومعناه أيضاً غير صحيح لأن طلب العلم لا يكون فريضة على الناس؟ هو السؤال هكذا حتى نفهم هذا النص، هو عن أي علم يتكلم مالك هنا؟ لما سئل مالك عن طلب العلم أهو فريضة على الناس فقال: «لا والله، ولكن يطلب من المرء ما ينتفع به في دينه»، هنا يجب أن نفهم لماذا مالك سئل عن طلب العلم أهو فريضة؟ هو لا يتكلم عن العلم الذي لا يسعك أن تجهله، لا، هو يتكلم عن طلب العلم الذي تفعلونه ربما أنتم الآن، وهو الفضل، وهو حضور مجالس العلماء وسماع الأحاديث والتعليق عليها.
وأما القدر الأساسي وهو أن أتعلم أحكام طهارتي وصلاتي وزكاة مالي، بالتأكيد هذا فريضة، فلا يمكن أن يكون مالك ينفي أن هذا النوع من العلم تعلمه فريضة. فإذاً لما قال هنا سئل مالك عن طلب العلم، يقصد طلب العلم الذي تفعلونه أنتم الآن، وهو الجلوس على كتب أهل العلم والمصنفات وما شابه ذلك، أهو فريضة على كل مسلم ومسلمة؟ فماذا قال مالك؟ لا، بالتأكيد ليس هذا فرضاً، ولكننا نثني على كل الناس الذين يحضرون مثل هذه المدارس، هذا النوع ليس فريضة على كل مسلم ومسلمة، ولكن يحرص الإنسان على أن يأخذ من مجالس العلم ما يصلح به أمر دينه.
لكن هل هذا السؤال وجه لمالك بناءً على الحديث السابق؟ السياق لا يقتضي ذلك أصلاً، لكن واضح أن ابن عبد البر استحضره ضمن هذا السياق، أن هناك من يرى أن طلب العلم ليس فريضة. لكن يجب أن نجمع بين أقوال أهل العلم؛ الذي يقول طلب العلم ليس فريضة على كل مسلم، يقصد ماذا؟ العلم الفضل، والذي يقول طلب العلم فريضة على كل مسلم، يقصد ماذا؟ العلم الأساس، حتى لا نضارب بين أقوال العلماء. فإسحاق بن راهويه بين أن هناك قدراً واجباً، ومالك يقول لا، طلب العلم ليس بواجب؛ إذاً بالتأكيد هذا يتكلم عن قضية وذاك يتكلم عن قضية أخرى.
قال: وروينا عن الحسن بن الربيع قال: سألت ابن المبارك عن قول النبي ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، قال: «ليس هو الذي يطلبونه، ولكن فريضة على من وقع في شيء من أمر دينه أن يسأل عنه حتى يعلمه».
كلام ابن المبارك هو يتفق مع كلام إسحاق بن راهويه تماماً في فهم الحديث، يقول: هذا الحديث «طلب العلم فريضة على كل مسلم» يعني مثلاً أنتم اليوم أتيتم لهذا المجلس، لو إن والدتك -جزاها الله خيراً- قالت لك: لا تذهب إلى هذا المجلس، فإنت أجبتها قلت لها: طلب العلم فريضة على كل مسلم، هنا ابن المبارك يرد عليك ويقول: لا، ليس هذا الذي أنت فيه هو الفريضة على كل مسلم، الذي هو فريضة على كل مسلم هي المسألة الشرعية التي أنت الآن محتاج لها فيجب أن تسأل عنها العلماء حتى تعرف حكمها قبل أن تقدم، وأما ما أنتم فيه فهو من فروض الكفايات، أو مثلاً نقول من الأمور المستحبة في بعض الأحيان، وليس هو الذي يقصد بقوله ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».
قال: حدثنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، قال حدثنا ابن وضاح، حدثنا محمد بن معاوية الحضرمي، قال: سئل مالك بن أنس -وأنا أسمع- عن الحديث الذي يذكر فيه «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، فقال: «ما أحسن طلب العلم! ما أحسن طلب العلم!». ما أحسن طلب العلم هي صيغة تعجب، ما أجمل ما أحسن طلب العلم، ولكن فريضة فلا.
هنا في هذا السياق يظهر لنا أن جواب مالك كان عن هذا الحديث، يعني هنا واضح أن جواب مالك -حتى في السياق السابق لعله عن هذا الحديث- سئل مالك عن حديث «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، فقال: «ما أحسن طلب العلم! ولكن أن أقول فريضة فلا». هذا لا يشكل علينا، يعني كان مالك ماذا خالف الحديث؟ لن تقول هكذا: سئل مالك عن حديث طلب العلم فريضة فماذا كانت إجابته؟ قال: ما أحسن طلب العلم، هو شيء رائع جميل، وأما فريضة أن أقول فريضة فلا. إذاً كيف مالك -بناءً على ماذا مالك أجاب بهذه الطريقة؟- المقصود أن كل العلم هو أنكر الحديث.
هذا إذا كان مالك ينكر هذا الحديث أصلاً، فهو يقول هذا الحديث ليس صحيحًا؛ باختصار، إسحاق بن راهويه وجه معناه، وابن المبارك وجه معناه، ومالك بناءً على هذه الرواية رد الحديث لما سمعه، وكأنه رده، قال: «هذا غريب»، هكذا استغربه مالك.
وقال: «هو العلم شيء جميل صحيح، أما أن نقول إنه فريضة فلا». طبعًا نرجع لقول مالك، عما يتكلم؟ يتكلم عن أنه ليس بفريضة أن يتحلق في مجالس العلماء لدراسة المصنفات والكتب، أما الحد الأدنى الذي لا يسع المسلم جهله فبالتأكيد مالك متفق عليه.
إذن يظهر أن مالك رد الحديث. مهم جدًا إخواني هذه المناقشات، هو اسمه البرنامج المدارسة، وإذا لم نتدارس لن تحسن رفع الذائقة لك في قراءة كتب أهل العلم ومناقشتها. نحن لا نريد هنا أن نختم وهكذا، لا، نريد أن نشكل مهارات الفهم لكلام العلماء، ونعرف كيف نحلل عبارة ونقف عندها، حتى إن شاء الله تستقل بعد مدة في قراءة الكتب وحدك، ويصبح عندك ذوق علمي صحيح في تحليل العبارات.
قال: وذكر عبد الملك بن حبيب أنه سمع عبد الملك بن الماجشون قال: سمعت مالكًا وسئل عن طالب العلم، أواجب فقال: «أما معرفة شرائعه وسننه وفقهه الظاهر فواجب، وغير ذلك... ومن ضعف عنه فلا شيء عليه». إذا هذه الإجابة هي إجابة أخرى لمالك، هذه الإجابة نقلت عن مالك ابن أنس، وهي تتفق مع كلام من؟ تتفق تقريبًا مع كلام إسحاق بن راهويه، أن هناك قدرًا واجبًا وهناك قدر مستحب.
لكن سنلاحظ أن ابن عبد البر ماذا يقول؟ قال: «هكذا ذكره ابن حبيب، ولا يشبه هذا لفظ مالك ولا معنى قوله». ابن عبد البر لأن هو مشتغل بالموطأ ويعرف ألفاظ وعبارات مالك، تستطيع تقول متخصص في مالك، فلما سمع هذه العبارة التي نقلها ابن حبيب عن مالك يقول: هذا ليس من كلام مالك، هذا شيء ركب عليه، أو هو ليس من قوله ولا يشبه معنى لفظه، هكذا يقول ابن عبد البر، إذًا ابن عبد البر يضعف هذه الرواية التي نقلها ابن حبيب عن مالك.
قال: أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا أبو الفتح نصر بن المغيرة، قال حدثنا سفيان يعني ابن عيينة: «طلب العلم والجهاد فريضة على جماعتهم، ويجزئ فيه بعضهم عن بعض»، وتلى هذه الآية: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].
هذا فهم ثالث للحديث؛ إذ هناك من رد الحديث، وهذا ظاهر صنيع مالك، وهناك من فهم الحديث على أنه في المسائل الواجبة، وأما المسائل الفاضلة فليست واجبة. وهناك من يقول هذا الحديث يتكلم عن فرض الكفاية، هو يتكلم عن العلم عمومًا، هذا الحديث يتكلم عن العلم عمومًا ليس فقط عن المسائل الأساسية، العلم بعمومه بفروعه وأصوله وقواعده، تعلمه ما هو فرض كفاية، ليس كذلك؟ إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين.
فبعض العلماء لما جاؤوا إلى هذا الحديث: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، قالوا المقصود بهذا الحديث أن طلب العلم مفروض على مجموع المسلمين، فإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن باقي المسلمين، وإذا لم يقم به من يكفي أثم جميع المسلمين. هذا فهم آخر للحديث، وهنا يكون معنى العلم العلم برمته، ليس فقط الواجب، العلم برمته طلب فريضة على كل مسلم، لكن ما معنى أنه على كل مسلم؟ أي على المجموع.
طبعًا أنا حقيقة أخالف هذا الفهم، لأن العبارة لا تقتضي هذا، هذا فهم نُقل، لكن هل أنا أميل إليه؟ لا، أنا أجد أن العبارة ليست هكذا، لكننا سنقول بعض العلماء فهموا بهذه الطريقة أن طلب العلم فريضة على كل مسلم أي على مجموع المسلمين، فإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين وإلا أثموا جميعًا، لكن هل العبارة تتجه نحو هذا الاتجاه في الفهم؟ الذي أعتقده لا، أنا أتفق مع إسحاق بن راهويه وابن المبارك أن المراد بهذه العبارة العلم الأساسي الواجب، والله أعلم.
لا، هنا في هذا الحديث لا، لأنه يتكلم في سياق العلم الشرعي. قال: حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا محمد بن أحمد بن كامل، حدثنا أحمد بن محمد بن رشدين، قال سمعت رشدين بن رشدين، قال سمعت أحمد بن صالح وسئل عما جاء في «طالب العلم فريضة على كل مسلم»، فقال أحمد: «معناه عندي إذا قام به قوم سقط عن الباقين مثل الجهاد». إذًا هذا فهم لأحمد بن حنبل، نفس القضية، أنه فهمه على أنه فرض كفاية.
قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد بن عثمان الفسوي ببغداد، حدثنا أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي، قال سمعت علي بن الحسن بن شقيق قال: قلت لابن المبارك: ما الذي لا يسع المؤمن من تعليم العلم إلا أن يطلبه؟ وما الذي يجب عليه أن يتعلمه؟ قال: «لا يسعه...».
ما معنى هذا السؤال؟ حتى نفهم السؤال، قال: «ما الذي لا يسع المؤمن من تعليم العلم إلا أن يطلبه؟»، ما معنى هذا السؤال؟ ركز، تعليم العلم يعني ما هي الأمور التي لا يجوز أن أعلمها حتى أتعلمها؟ ما هي الأشياء التي لا يجوز أن أعلمها للناس حتى أتعلمها أنا مسبقًا؟ هذا السؤال الأول. ثم قال: «وما الذي يجب عليه أن يتعلمه؟» عمومًا، هذه قضية وهذه قضية، فرق بين أن أقول: ما الذي يجب عليَّ إذا أردت أن أعلم الناس أن أتعلمه؟ هذا جزء، وما الذي يجب أن أتعلمه عمومًا في أمور حياتي سواء علمته ولا ما علمته؟ ما الذي يجب أن أتعلمه عمومًا؟
فقال: «لا يسعه أن يقدم على شيء إلا بعلم». ركز، إذًا هذا جواب عن السؤال الأول، أنه لا يجوز لك أن تعلم شيئًا، ولا أن تقدم على إقامة درس، ولا أن تقدم على إعلان دورة إلا بعلم، لا يجوز أن تُعلم علمًا إلا بعد أن تكون قد فسخت فيه أو مكنت نفسك منه.
فهذا معنى قوله: لا يسعه أن يقدم على شيء إلا بعلم. لا يجوز يا طالب العلم أن تستعجل وتقول: أريد أن أدرّس هذه المادة أو تلك المادة، أو أعقد دورة، وأنت لم ترسخ بعد في هذا العلم، على الأقل الرسوخ المبدئي الذي يجعلك عالماً، لكن على الأقل الرسوخ المبدئي. أما إنسان ليس له دراية بالعلم، فيعلن عن دورة، ثم يذهب ليحضر لها من كم كتاب، ثم يبدأ بالتكلم؛ هذه العجلة ستجعل علمك مهزولاً، وسيكون في كلامك كثير من الأخطاء والفجوات.
هذه قضية مهمة؛ لا يسعه أن يقدم على شيء من أمور التعليم إلا بعد أن يكون أحكم العلم. قال: «ولا يسعه حتى يسأل»، يعني لا يسعه أن يعمل بشيء. هنا «ولا يسعه حتى يسأل» هي إجابة عن السؤال الثاني؛ لأنه ماذا قال؟ وما الذي يجب عليه أن يتعلمه؟ فماذا أجاب؟ لا يسعه حتى يسأل. طبعاً هي عبارة مختصرة، لكن أنت تريد أن تفهمها؛ لا يسعه أن يقدم على شيء من أمور دنياه حتى يسأل العلماء عن حكمه. وهذه قضية نقل الشافعي والغزالي عليها إجماع العلماء، وهو أنه لا يجوز للمسلم ولا للمسلمة أن يقدموا على أي عمل في الحياة؛ في طعامهم، وشرابهم، وشغلهم، ونومهم، وسهرهم، لا يجوز أن يقدموا على شيء حتى يكونوا قد عرفوا حكمه وسألوا عنه إن كانوا جاهلين به. فهذا إذا عرفنا إجابة السؤال الأول وإجابة السؤال الثاني. العبارات مختصرة دائماً، وتحتاج إلى توضيح وكشف.
العلماء فهموا من الحديث؛ لأنه سئل أحمد عن حديث «طلب العلم فريضة»، فقال معناه عندي: إذا قام به قوم سقط فرضه عن الباقين. الآية نقول: ساعدت على فهم الحديث بهذه الطريقة، لكن هم يعلقون على هذا الحديث نفسه.
قال أبو عمر: «قد أجمع العلماء على أن من العلم ما هو فرض متعين على كل امرئ في خاصة نفسه، ومنه ما هو فرض على الكفاية». هذا ابن عبد البر سيعطينا الخلاصة، سيعطينا خلاصة الكلام في هذه المسألة؛ العلماء أجمعوا على أن هناك من العلم فرض عين، ومنها ما هو فرض كفاية. قال: «إذا قام به قائم سقط فرضه عن أهل ذلك الموضع، واختلف في تلخيص ذلك، والذي يلزم الجميع فرضه هو من ذلك ما لا يسع الإنسان جهله، من جملة الفرائض المفترضة عليه، نحو الشهادة باللسان».
هم متفقون على الأصل العام أن من العلم ما هو فرض عين ومنها ما هو فرض كفاية، لكنهم مختلفون في تحديد ما هو فرض العين وما هو فرض الكفاية بالتفصيل. فقال: «نحو الشهادة باللسان والإقرار بالقلب»؛ لأن شهادة التوحيد، ويقصد الإقرار بالقلب بأن الله وحده لا شريك له، لا شبيه له، ولا مثله، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، خالق كل شيء، وإليه مرجع كل شيء، المحيي المميت، الحي الذي لا يموت، عالم الغيب والشهادة، هما عنده سواء؛ أي أن الغيب والشهادة عنده سواء، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، هو الأول والآخر والظاهر والباطن.
والذي عليه جماعة أهل السنة أنه لم يزل بصفاته وأسمائه، ليس له أولية ابتداء، ولا لآخرته انقضاء، هو على العرش استوى. والشهادة بأن محمداً عبده ورسوله وخاتم أنبيائه حق. فهذا فيما يتعلق بمعرفتك بالله، هذا القدر يجب على كل مسلم ومسلمة فرض عين أن يكون عارفا به.
قال: «والشهادة بأن محمداً عبده ورسوله وخاتم أنبيائه حق، وأن البعث بعد الموت للمجازاة بالأعمال، والخلود في الآخرة؛ لأهل السعادة بالإيمان والطاعة في الجنة، ولأهل الشقاوة بالكفر والجحود في السعير حق، وأن القرآن كلام الله وما فيه حق من عند الله يجب الإيمان بجميعه واستعمال محكمه، وأن الصلوات الخمس فرض، ويلزمه من علمها علم ما لا تتم إلا به من طهارتها وسائر أحكامها». فيلزم أن تعرف أن هناك صلوات خمس، ويلزم كل مسلم أن يعرف كيف يؤدي هذه الصلوات الخمس بشروطها وواجباتها.
قال: «وأن صوم رمضان فرض، ويلزمه علم ما يفسد به صومه وما لا يتم إلا به. وإن كان ذا مال وقدر على الحج، لزمه فرضا أن يعرف ما تجب فيه الزكاة ومتى تجب وفي كم تجب، ويلزمه أن يعلم بأن الحج عليه إن كان ذا مال وقدر على الحج، لزمه فرضا أن يعرف ما تجب فيه الزكاة فيما يتعلق بالمال، وإن كان ذا مال عليها أن تعرف أحكام الزكاة، وإن كان قادراً على الحج عليه أن يعرف أحكام الحج».
قال: «ويلزمه أن يعلم بأن الحج عليه فرض مرة واحدة في دهره إن استطاع إليه سبيلاً». إلى أشياء يلزمه معرفة جملتها ولا يعذر بجهلها، نحو تحريم الزنا، وتحريم الخمر، وأكل الخنزير، وأكل الميتة، والأنِّجاس كلها، والسرقة، والربا، والغصب، والرشوة في الحكم، والشهادة بالزور.
لو أن شخصاً في بلاد المسلمين زنى الآن، هل يقام عليه الحد؟ لو قال: والله يا شيخ أنا أجهل أن الزنا حرام؟ نقول: بدنا نقيم عليك الحد، حتى لو زعمت أنك تجهل؛ لأن هذه المسائل لا يعذر بجهلها. لذلك قال: «ولا يعذر بجهلها»، نحو تحريم الزنا. يأتي شخص يزني في البلد المسلم، ثم لما يأتي لتطبيق الحد عليه يقول: لا، لا يطبقوا علي، أنا والله ما كنت أعرف أن الزنا حرام. أقول: هذه مشكلتك، لأن هذا لا يعذر بجهله، أنت المقصر وأنت المفترض لأنك تعيش في بلاد المسلمين. لو كان رجلاً يعيش في أدغال بعيدة عن عالم الإسلام، فقد يعذر، لكن من يعيش في بلاد المسلمين لا يقبل، ولا يعذر بقوله: لا أعرف أن السرقة حرام.
قال: «وأكل أموال الناس بالباطل وبغير طيب من أنفسهم، إلا إذا كان شيئاً لا يتشح فيه ولا يرغب في مثله، وتحريم الظلم كله، وهو كل ما منع الله عز وجل منه ورسوله ﷺ». طبعاً هذا الاستثناء يحتاج مناقشة؛ لما يقول: «وأكل أموال الناس بالباطل وبغير طيب من أنفسهم إلا إذا كان شيئاً لا يتشح فيه ولا يرغب في مثله»، ماذا يقصد بذلك؟ يقصد في أشياء في العادة يتسامح فيها الناس، فنحن لا نعتبرها من أكل أموال الناس بالباطل.
كما سئل أحمد بن حنبل عن رجل اشترى طماطم ومقدونس وجرجير، وكان عليها رباط -تعرفوا عندما تشتري النعناع يكون عليه خيط هكذا- فسئل: هل يجب علي أن أستأذن صاحب المحل في أن آخذ الرباط أو عبارة مثل ذلك؟ فتعجب أحمد بن حنبل وقال: «إيش هذا؟».
الورع؛ لأن الناس تعارفت أن مثل هذا يتسامح فيه. تسألون عن الرباط الذي على النعناع، أني أسأل الرجل: هل آخذه معي ولا أدفع ثمنه ولا لا؟ هذا لا يُسأل عنه، في العادة الناس تتساهل فيه، لكن تلك كانت من أخلاق بشر الحافي، فيُتصور منها الورع، وهذا ورع عال جدا من مثل بشر الحافي وأهل بيته، أما عموم المسلمين فلا يلزمون بمثل هذه التفاصيل الدقيقة.
فهناك نوع من المال في العادة لا يتشدد فيه، يعني بسيط؛ شيل وقع شيء معين، خلص تضعه في جيبك وتمشي لو وجدته على الأرض. لذلك لما كان في زمن عمر، والرجل وجد كم حبة تمر أخذ يسأل عنها، فعمر ضربه بالدرة، قال: أنت تريد أن تعمل قصة؟ على كم حبتين تمر؟ كلهم الله يكرمك ويرضى عنك. فبالتالي في أشياء فعلاً هي صغيرة جداً، في العادة تكون تافهة في أعراف الناس.
قال: وتحريم نكاح الأمهات والبنات والأخوات ومن ذكر معهن، وتحريم قتل النفس المؤمنة بغير حق، وما كان مثل هذا كله مما قد نطق به الكتاب واجتمعت الأمة عليه، ثم سائر العلم وطلبه والتفقه فيه وتعليم الناس إياه وفتواه به في مصالح دينهم ودنياهم والحكم به بينهم؛ فهو فرض كفاية.
كل ما كان سابقاً، مما نطق به الكتاب واجتمعت عليه الأمة، هذا كله فرض عين. ما عدا ذلك، ثم سائر العلم بعد ذلك من مسائل الحديث وشرح الأحاديث والأسانيد وأصول الفقه وقواعد التفسير، وما هذا كله يعتبر من فرض الكفاية.
قال: فهو فرض على الكفاية، يلزم الجميع فرضه، فإذا قام به قائم سقط فرضه عن الباقين. فكل أهل موضع لازم يخرجوا منهم علماء، إذا لم يخرجوا أثموا جميعاً، وإذا أخرجوا سقط الإثم عن أهل هذا البلد. وأذكر أننا في «آداب المفتي والمستفتي» لجمال الدين القاسمي ذكرنا مسافة معينة، غابت عن ذهني، سبحان الله، كانت مسافة قصر، والبعض قال كأنها فرسخ من هنا ومن جميع الجهات، المهم أن البعض حدد هذه المسافة التي يلزم أهلها أن يخرجوا منهم عالماً، ثم المسافة الأخرى أو المنطقة الأخرى يلزمهم إخراج عالم وهكذا.
قال: لا خلاف بين العلماء في ذلك، وحجتهم فيه قول الله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]. فالنفر في ذلك البعض دون الكل، ثم ينصرفون فيعلمون غيرهم. والطائفة في لسان العرب الواحد فما فوقه، الله عز وجل لما قال: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾، الطائفة تصدق على الواحد، يعني لو أن واحداً فقط قام فتعلم فعلم أهل بلده سقط، فلا يلزم في الطائفة أن يكون مثلاً ثلاثة فأكثر كما قد يتوهم الإنسان، لا؛ الطائفة تصدق في لسان العرب على الواحد، كما قال ابن عبد البر، فبالتالي الواحد يسقط الإثم عن أهل البلدة.
قال: وكذلك الجهاد فرض على الكفاية، لقول الله عز وجل: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكل وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً﴾ [النساء: 95].
الله عز وجل فضل المجاهد ولم يذم المتخلف، والآيات في فرض الجهاد كثيرة جداً، وترتيبها مع الآية التي ذكرنا على حسب ما وصفنا عند جماعة أهل العلم. فإذا أطل العدو بلدة لزم الفرض حينئذ. فمع هذه الآيات: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ إلى قوله ﴿فَضْلُ اللَّهِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، لما لم يؤثم ربنا القاعدين، دل هذا على أن الجهاد الذي يتكلم عنه هنا ليس فرض عين؛ لأنه قال: ﴿وَفَضْلُ اللَّهِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، إذاً هنا القاعد لم يأثم، لكن المجاهد فضل عليه.
إذن هذا كلام عن أي نوع من أنواع الجهاد؟ فرض الكفاية، وهو جهاد ما يسمى جهاد الطلب. هذا الذي يقصده ابن عبد البر؛ قال: «ففضل المجاهد ولم يذم المتخلف»، يعني في هذه الآية الله فضل المجاهد، لكن هل المتخلف القاعد لم يذم؟ مما يدل على أن هذا النوع ليس فرض عين، وإلا لذم المتخلف القاعد. وهذه الآيات تتكلم عن فرض الكفاية وهو جهاد الطلب، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، والذين قاموا به أدو بالتأكيد عند الله درجاتهم أعلى من درجات القاعدين، وأما إذا لم يقم بهذا أحد أثم الجميع.
قال: وأما الجهاد الذي هو فرض عين، فإذا أطل العدو بلدة لزم الفرض حينئذ جميع أهلها. إياك أن تفهم الآية عليه، ما تقول: ﴿وَفَضْلُ اللَّهِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ تسقط على جهاد ما يسمى الدفع؛ إذا هجم العدو على بلدك، هنا ما في "فضل الله المجاهدين على القاعدين"، هنا الكل يجب أن يكون مجاهداً، الكل عليه أن يدافع عن بلده، هذا نوع آخر هو فرض العين.
قال: لزم الفرض حينئذ جميع أهلها، وكل من قرب من هذه البلدة التي تقع الآن تحت الحصار وتحت العذاب وينزل عليها ما ينزل، القتال يلزم أهلها ويلزم من كان حولها ممن يستطيع أن يدفع عنهم. قال: إن علم ضعفها عنه وأمكن نصرتها لزمه فرض ذلك أيضاً. وكل من قرب منها، يعني كل بلدة هي مجاورة وقريبة من هذه البلدة وعلم أن هذه البلدة وحدها لا تستطيع أن ترد العدو الصائل، فكل البلاد القريبة يصبح عليها أن تجاهد. وإذا كان هؤلاء أهل البلاد القريبة لا يستطيعون وحدهم أن يدفعوا، يتسع الفرض إلى جميع البلاد، قالوا حتى يعم كل الإسلام عليهم أن يردوا العدو الصائل ولو على قرية واحدة من قرى أهل الإسلام. هكذا كان علماؤنا.
قال أبو عمر: ورد السلام عند أصحابنا من هذا الباب فرض على الكفاية. طيب، نقف هنا حتى نصل إن شاء الله العصر ونكمل إن شاء الله بعد صلاة العصر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على...
بسم الله الرحمن الرحيم.
قال أبو عمر: رد السلام عند أصحابنا من هذا الباب فرض على الكفاية، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإن رُدَّ السلام واحد من القوم أجزأ عنهم». وخالفهم العراقيون فجعلوه فرضًا متعينًا على كل واحد من الجماعة إذا سلم عليهم.
وخالفهم العراقيون؛ هو لما قال: «رد السلام عند أصحابنا» يقصد بأصحابنا الحجازيين، ففقهاء الحجاز يقولون: ماذا إذا سلم إنسان على جماعة، هل يلزم كل الجماعة أن ترد عليه، ولا يكفي واحد؟ قال: يكفي واحد بناء على هذا الأثر. لكن العراقيين فقهاء العراق خالفوا في ذلك، فقالوا: يلزم جميع الجماعة أن ترد السلام.
وقد ذكرنا وجه القولين والحجة لمذهب الحجازيين في كتابنا "التمهيد لآثار الموطأ". وعرفنا أنه ابن عبد البر، كثيرًا ما سيذكر ويحيل لك على هذين الكتابين، بين التمهيد والاستذكار، وكلاهما على الموطأ، لكن التمهيد يهتم بالنواحي الإسنادية أكثر من النواحي الفقهية، والاستذكار بالعكس يهتم بالنواحي الفقهية وذكر خلاف أهل العلم وأقوالهم؛ فهو ليس كتاب فقهي، فيحيلك على هذين الكتابين.
قال: والآية المبينة لرد السلام بإجماع هي قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86]. هذه الآية تدل على أن أصل رد السلام واجب بإجماع الفقهاء، لكن التفاصيل في أنه إذا كانوا جماعة هل يكفي أن يرد أحدهم أو لا، هذا سياق وأدلة أخرى تحتاجه.
قال: ومن هذا الباب أيضًا -ومن مسائل فروض الكفاية، فكأنه هنا استطرد قليلًا في بيان فروض الكفاية، حيث ذكر أن الجهاد يكون فرض كفاية في صور، وأن رد السلام يكون فرض كفاية- قال: ومن باب فرض الكفاية تكفين الموتى وتغسيلهم، وغسلهم، والصلاة عليهم، ومواراتهم، أي دفنهم في الأرض. فإن كان الشاهدان عدلين ولا شاهد له غيرهما، تعين عليهما وصار من القسم الأول.
وكذلك أيضًا من فروض الكفاية الشهادة عند الحكام. قال: ومن فروض الكفاية أيضًا الشهادة عند أئمة الحكام؛ يعني أنت استدعيت لتشهد على قضية، الآن إذا كان يوجد غيرك ممكن يشهد، فالأمور أصبحت فرض كفاية، أنت تذهب أو غيرك يذهب، المهم لا بد أن أحدكما يذهب فيشهد. أما إذا لا يوجد شاهد على القضية إلا أنا، هنا ما حكم الشهادة أمام القضاء؟ فرض عين، لا يجوز لي أن أتخلف، فهذه كلها من هذا الباب.
قال: ومن هذا الباب عند جماعة من أهل العلم الأذان في الأمصار. الأذان اختلف فيه الفقهاء، فالبعض يرى أنه فرض كفاية والبعض لا يرى ذلك، لكن هو على رأي من يرى أنه فرض كفاية. قال: وقيام رمضان، وهو التراويح؛ فإن هناك بعض أقوال للفقهاء أنها أيضًا فرض كفاية، بينما أكثر الفقهاء يجعلون ذلك سنة وفضيلة، والأكثر على أن قيام رمضان سنة وليس فرض كفاية.
وقد ذكر قوم من العلماء في هذا الباب عيادة المريض وتشميت العاطس، قالوا: هذا كله فرض على الكفاية. هذا أيضًا من المسائل التي اختلف فيها: هل هي فرض كفاية أو لا؟ تشميت العاطس، لو إنسان عطس فقلت له: يرحمك الله، هل قول «يرحمك الله» فرض كفاية؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أنها فرض كفاية، بل ذهب الظاهرية -كما سيأتي الآن- إلى أنها فرض عين وليس فقط فرض كفاية.
قال: وقال أهل الظاهر: «بل ذلك كله فرض متعين»، واحتجوا بحديث البراء بن عازب قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وإفشاء السلام، وإجابة الداعي، وتشميت العاطس، ونصر المظلوم، وإبرار القسم». فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا قال: «وتشميت العاطس»، فقالوا بناء على هذا الحديث تشميت العاطس ليس فرض كفاية فقط، بل هو فرض عين.
لكن العلماء قالوا: لا، الحديث في باب الآداب والسلوكيات، وأغلبه يحمل على الندب أصلًا وليس حتى على فرض الكفاية. قال: وقد ذكرنا هذه السبع وغيرها على اختلاف أحكامها عند العلماء في كتاب التمهيد. وخالفهم جمهور العلماء فقالوا: ليس تشميت العاطس من هذا الباب، وكذلك عيادة المريض ليس من هذا الباب، بل هي من قبيل السنة والاستحباب.
قال: وكذلك عيادة المريض، إنما ذلك ندب وفضيلة وحسن أدب، أمر به للتحبب والألفة، ولا حرج على من قصر عنه، إلا أنه مقصر عن حظ نفسه في اتباع السنة وأدبها؛ يعني من لم يعد المريض ولم يشمت العاطس، أنا لا أقول إنك آثم، لكنك مقصر في تحصيل كمال الأدب والهدي النبوي.
قال: وذكر ابن المبارك عن المبارك بن فضالة عن الحسن البصري قال: «ست إذا أداها قوم كانت مفروضة عن العامة، وإذا اجتمعت العامة على تركها كانوا ثمان». ثم ذكر: الجهاد في سبيل الله، يعني سد الثغور والضرب في العدو، والجهاد في سبيل الله وقصد هدفه؛ والمقصود بالجهاد هنا أن ترابط على ثغور المسلمين، ثانياً: الضرب في العدو، وهذا يقصد به جهاد الطلب، مش أن تسد الثغر فقط، لا، بل تذهب إلى ديارهم لتقاتل فيها، هذا أيضًا من فرض الكفاية.
وكذلك غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه، والفتيا بين الناس، وحضور الخطبة يوم الجمعة؛ ليس لهم أن يتركوا الإمام وليس عندهم من يخطب عليه، والصلاة في الجماعة. طبعًا هذا الأثر عن الحسن البصري لكن فيه نظر في كثير من المسائل؛ فإن حضور الخطبة ليس فرض كفاية، وإنما هو فرض عين على كل مسلم بالغ قادر. ففي بعض المسائل ذكرها هنا، وليس هذا محل النقاش الفقهي، لسنا في درس تفصيلي في الأحكام الفقهية.
قال الحسن: «وإذا جاءهم العدو في مصرهم فعليهم أن يقاتلوا» أجمعين. قال ابن المبارك: وبهذا كله أقول، وقد جاء عن أبي الدرداء ما يعضد قول الحسن. قال أبو الدرداء: «لولا أن الله عز وجل يدفع بمن يحضر المساجد عمن لا يحضرها، وبالغ أزاه عمن لا يغزو، لجاءهم العذاب قِبَلًا». لأن أبا الدرداء هنا قال: لولا أن الله يدفع بمن يحضر المساجد عمن لا يحضرها، هذه العبارة نفهم منها...
يرى ابن الدرداء أن الصلاة الجماعة في المسجد ليست فرض كفاية، باعتبار أن من صلى خلص بمن صلى عن الذي لم يصل، لكن هذا ليس هو رأي أكثر الفقهاء.
قال أبو عمر: قد ذكرنا قول من قال شهود الجماعة فرض متعين، ومن قال ذلك فرض على الكفاية، ومن قال ذلك سنة مسنونة في كتاب التمهيد فأغني ذكري عن إعادته، ولم نقصد في كتابنا هذا إلى هذا المعنى، فلذلك أضربنا عن تقصيه واستيعاب القول فيه؛ ونحن لسنا في باب نبحث فيه الأحكام الفقهية في هذا الكتاب.
قال: والقول عندنا في شهود الجماعة أنها سنة، والذي عليه جمهور العلماء وجماعة الفقهاء أن شهود الجمعة فرض متعين على كل حر من الرجال في المصر، أو خارج البلده لكنه قريب منها. تعرف بعض الناس يكونون ساكنين في أطراف عمان خارج البلد، لكن في الأطراف ويسمعون النداء، هذا يجب عليه أن يحضر الجمعة أيضًا، أو خارج منه بموضع يسمع منه النداء، وسترى الحجة لذلك في كتاب الاستذكار إن شاء الله. هو يحيل أحيانًا على التمهيد وأحيانًا على الاستذكار، وهم يرجعون إلى ذلك لمن أراد المسائل الفقهية.
روى يونس بن عبد الأعلى وابن المقرئ وابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: «وجدنا علم الناس كله في أربع». هذا نص مهم، ويقول: وجدنا العلم الشرعي باختصار يحوم حول أربع أمور أساسية.
أولا: أن تعرف ربك، وهذا هو علم العقيدة؛ أن تعرف ربك توحيدًا، وأسماء وصفات، وأفعالًا، وهذا هو توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات. هذا أول جزء من العلوم الشرعية.
ثانيًا: أن تعرف ما صنع بك وجودًا في الدنيا وما لا في الآخرة؛ يعني باختصار نحن ما نسميه اليوم أن يعرف الإنسان الغاية من وجوده، ما صنع بك؟ لماذا أنت موجود؟ وما الحكمة من خلقك؟ فتعرف محورية أيها الإنسان في هذا الكون، أنك خليفة عن الله سبحانه وتعالى لتقيم شرعه، وهناك بالتالي تكاليف وهناك أنبياء أمرت أن أسمع منهم، ونحو ذلك من الأمور التي تعرف الإنسان بالهدف من الوجود في الدنيا والغاية بعد ذلك في الآخرة.
ثالثًا: أن تعرف ما أراد منك، وهذا علم الفقه؛ لأن الله إما أمر وإما نهى، والفقه إنما هو أمر ونهي وإباحة بينهما، فالعلم الثالث من علوم الشريعة هو ماذا هو علم الفقه؟
رابعًا: أن تعرف ما تخرج به من ذنبك، وقال بعضهم ما يخرجك من دينك. هو عندك من ذنبك، ولعل هذا أصدق: أن تعرف ما يخرجك من دينك، ولعل هذا أصدق. باختصار: نواقض الإسلام؛ لك أنت الآن دخلت في الإسلام، فعرفت ربك، وعرفت الغاية من وجودك، وعرفت الفقه، تمام، وعليك بالتالي أخيرًا أن تعرف ما هي نواقض الإسلام التي -والعياذ بالله- تلقيك خلف أسوار الشريعة.
وهذا يدل -أحبابي باختصار- أن علوم المقاصد؛ أنتم تعرفون دائمًا نقول علوم الشريعة علوم مقاصد ووسائل، هنا هو يتكلم عن علوم المقاصد، الغايات؛ علوم المقاصد وهي نهاية العلوم الشرعية، هي علم العقيدة وعلم الفقه؛ لأن معرفتك بنواقض الإسلام هذا يدخل في علم العقيدة، ومعرفتك الغاية والهدف من وجودك هذا لعله يندرج في العقيدة.
فخلاص كلام جعفر بن محمد أن العلم الذي نسميه علوم المقاصد إما عقيدة وإما فقه، وسائر العلوم الأخرى كعلوم الحديث والمصطلح وقواعد التفسير وأصول الفقه والنحو واللغة، هذه كلها نسميها علوم الوسائل والآلات. فهذا نص مهم جدًا في تفسير ما هو العلم الشرعي الذي يجب أن تصل إليه وينتهي إليه أمره.
تفريع أبواب فضل العلم وأهله: حدثنا أبو القاسم خلف بن القاسم بن سهل بن أسود، وأبو زيد عبد الرحمن بن يحيى بن محمد، وأبو القاسم أحمد بن فتح بن عبد الله، قراءة مني عليهم، أن حمزة بن محمد الكناني أملى عليهم بمصر، قال: حدثنا محمد بن جعفر بن الإمام البغدادي "ح"، وأخبرنا -ما معنى "ح"؟ تحويل إسناد، يعني سيسر إسنادًا آخر- وأخبرنا محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، حدثنا أبو علي الحسن بن علي بن محمد بن عثمان الفسوي، حدثنا أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا زائدة وهو ابن قدامة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من رجل يسلك طريقًا يلتمس فيها علمًا إلا سهل الله له طريقًا إلى الجنة، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به حسبه».
الآن شرع في الباب الثاني من أبواب هذا الكتاب، وهو باب في بيان فضل طلب العلم الشرعي، وذكر الحديث الأول هو حديث معروف مشهور صحيح، وهو: «ما من رجل يسلك طريقًا يلتمس فيه علمًا إلا سهل الله له طريقًا إلى الجنة». وهذا من أعظم الأمور التي تحفز الإنسان على تحمل التعب في طلب العلوم الشرعية والتعنيف؛ فإن الإنسان إذا لم يكن له محفز -أيها الأحبة- تضعف همته، خاصة في العلوم الشرعية، لأن كثرة المثبطات والشياطين حولك كثير ما يصد عن هذا.
فالإنسان يحاول دائمًا أن يحفظ هذه الأحاديث وهذه الآثار حتى تبقى الهمة متقدة؛ كل مجلس علم تحضره، وكل تعب في طريق وصولك إلى هذا المجلس، وكل مال تدفعه في اقتناء كتاب أو تحصيل مصنف أو حضور مجلس علم، هذا كله -أيها الأحبة الكرام- طريق إلى جنات النعيم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا هذا الفضل.
قالوا: «ومن أبطأ به عمله لم يسرع به حسبه». ما معنى هذا؟ أن العبرة عند الله ليست أنك ابن فلان ولا ابن فلان، ليست بالحسب، وإنما العبرة بالعمل؛ من أبطأ به عمله، أي من قصر عن الأعمال المطلوبة منه، لم يسرع به نسبه. يعني عند الله لما تقف بين يديه، إذا قلت له يا رب أنا قصرت في الأعمال بس أنا ابن فلان، ربنا عز وجل لن يقول لك: خلاص ابن فلان معنات أمورك ماشية، هذا في الدنيا بيمشي بالواسطة، لكن عند رب العالمين المعيار هو العمل؛ من أبطأ به عمله لن يسرع به نسبه، ولن يغفر له بسبب قبيلته أو عشيرته.
وقراءة على أبي الفضل أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن، أن قاسم بن أصبر حدثه، قال: حدثنا الحارث بن أبي...
أسامة قال: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من قوم يجتمعون في بيت من بيوت الله، يتعلمون القرآن ويتدارسونه بينهم، إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وتنزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده».
«ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له طريقا إلى الجنة، ومن أبطأ به عمله، لم يسرع به نسبه».
وحدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن واضح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأخبرنا خلف بن القاسم، قال: أخبرنا الحسن بن رشيق، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يلتمس فيها علما، سهل الله له طريقا إلى الجنة».
قال أبو بكر: وحدثنا أبو الأحوص، عن هارون بن عنترى، عن أبيه، عن ابن العباس قال: «من سلك طريقا يلتمس فيها علما، سهل الله له طريقا إلى الجنة».
وحدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثني عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن، عن ابن الزبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد يغدو في طلب العلم، مخافة أن يموت جاهلا، أو في إحياء سنة، مخافة أن تدرس، إلا كان كالغازي الرائح في سبيل الله عز وجل».
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال: حدثنا سعيد بن السكن، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير، ما أصاب أرضا، كانت منها بقعة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير».
هذا حديث مهم جدا، وهو أصل في فضل العلوم الشرعية؛ حديث الغيث الذي نزل على الأراضي، وهذه الأراضي هي مثال لقلوب طلاب العلم، لقلوب المتلقين، فالعلم كالغيث، والقلب هو الأرض.
فالقلب الأول أو الأرض الأولى، نزل عليها الغيث فماذا فعلت بهذا الغيث؟ تشربت هذا الغيث فانتفعت هي، وأخرجت للناس العشب والثمار، فاستطاعت أن تنفع الآخرين؛ هذا مثال طالب العلم الذي يسمع العلوم الشرعية، فتنفعه هو ابتداء، ويصلح قلبه وحاله وعلاقته مع الله، ثم يستطيع أن ينفع الناس وينشر العلم والخير بينهم، وهذا أعلى درجة.
وكانت منهم بقعة أمسكت الماء فنفع الله به الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وكان حال البقعة الثانية هو قلب آخر من قلوب طلاب العلم، وهم الذين استطاعوا أن يجمعوا المعلومات الشرعية، لكن للاسف هذه المعلومات لم تدخل إلى قلوبهم، فلم ينتفعوا هم بعلومهم وإنما نفعوا الناس، وهذا مثال العالم غير العامل بعلمه، أو طالب العلم غير العامل بعلمه؛ جمع معلومات وأخذها كالأمطار، لكن هذه المعلومات هل دخلت إلى قلبه؟ هل انتفع بها؟ هل صبغ نفسه بها؟ أم هو مجرد ناقل للمعرفة؟ هو مجرد ناقل للمعرفة، وهذا ليس نموذجا ناجحا، وإن كان الناس استفادوا منه، لكنه ليس نموذجا ناجحا لأنه لم يعمل ولم يستفد هو بعلمه.
وكانت منهم طائفة لا تمسك ماء ولا تنبت كلا، هذه أسوأ، هي أسوأ الأرضين، هذا الثالث، أسوأ شخص؛ شخص تعطيه العلم ويدرس العلوم لا يمسك الماء، يعني لا يضبط العلم، فلا هو للعلم ضبط، فلا هو انتفع، ولا هو نفع غيره، وهذا أسوأ الأحوال؛ لا هو مسك الماء ولا هو أخرج الكلأ، فهذا حال نستعيذ بالله منه.
«فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به»؛ إذا هذا مثل من فقه الأول، التي هي الأرض الأولى، هي مثال لمن تفقه في دين الله فنفع، يعني هو انتفع فنفع ما بعثني الله به، فعلم وعمل، هذا النموذج الذي دائما نحث أنفسنا عليه، أن نحتذي به، نموذج العالم العامل الذي يحاول قدر المستطاع أن يعمل بما يعلمه للناس.
ثم قال: «ومثل الطائفة الأخرى»، الأرض الثانية والأرض الثالثة، جمعهم في قول واحد: «ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به»، هذا يشمل الثاني والثالث، لأنهما لم يهتما بالعلم الذي جمعا، ولاحظ أن التسوية بينهما إزاء لصاحب المرتبة الثانية، أي أن الله جعله مع صاحب المرتبة الثالثة، الذي لم ينتفع ولم يحصل العلم، هو كحال أيضا من حصل العلم فانتفع الناس به وهو لم ينتفع.
لقد قلنا صاحب الأرض الثانية هو من جمع العلم فنفع الناس لكن لم ينتفع هو، وصاحب المرتبة الثالثة هو من لا هو جمع العلم ولا أتقنه ولا هو أيضا نفع الناس، فالله سوى بينهما في هذه المقالة، فقال: «ومثل من لم يرفع بذلك رأسا»، هذا من أساليب العرب، نقول فلان لم يرفع بذلك رأسا، يعني لم يهتم به، فلان لم يرفع بهذا الأمر رأسا، يعني ما اطلع عليه ولا اهتم به، فالله سوى بين صاحب المرتبة الثانية والثالثة، بالتالي يحرض طالب العلم قدر المستطاع أن يكون عاملا بعلمه.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن بن يحيى، حدثنا الحسن محمد بن عثمان، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني، حدثنا المفضل بن فضالة، عن أبي عروة، عن زياد أبي عمارة، عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الملائكة لتبسط أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع».
اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فبعضهم قال هو أمر حسي وإن كان لا يشاهد، أن الملائكة فعلا تحمل طلاب العلم على أجنحتها، وإن كان هذا شيئا ليس محسوسا لكننا نؤمن به حقيقة.
إن الملائكة تضع أجنحتها بصورة نحن لا ندركها، هذا قول بعض أهل العلم. والبعض -كما قال ابن جماعة- فسر الحديث على أنه شيء مجازي؛ بمعنى أن الملائكة تتواضع لطالب العلم احترامًا وتوقيرًا وإجلالًا له، فهذا معنى وضع الجناح كما عبر ربنا بذلك عن الوالدين: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: 23-24]. فوضع الجناح نعبر به مجازًا عن التواضع والاحترام والتوقير.
قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر». سبحان الله! حتى الحوت في البحر يستغفر لمعلمي الناس الخير، فبالتالي يحفظ طالب العلم على الوصول لهذه المنزلة.
باب قوله: ينقطع عمل ابن آدم بعده إلا من ثلاث، أيضًا من فضائل العلم أنه صدقة جارية لك يا طالب العلم. حدثنا أبو الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث، قال حدثنا أبو بكر محمد بن معاوية الأموي، قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، قال حدثنا أبو كريب، قال أخبرنا خالد بن مخلد، قال حدثنا محمد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به بعده، أو ولد صالح يدعو له».
وحدثني أحمد بن فتح، قال حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن يزيد الجوهري، قال حدثنا أحمد بن شعيب النسائي، قال أخبرنا علي بن حجر، وأخبرنا محمد بن عبد الله بن الحكم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال أخبرنا الفضل بن الحباب القاضي ببصرى، قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال حدثنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله عنه إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به بعده، أو ولد صالح يدعو له».
وذكر أبو بكر مجاهد المقر: قال حدثنا محمد بن مسلم بن وارة، قال حدثني محمد بن يزيد بن سنان، قال حدثني يزيد -أبوه- عن زيد بن أبي أنيسة، عن فليح بن سليمان، عن زيد بن أبي أسلم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث تتبع المسلم بعد موته: صدقة مضاها يجري لها أجرها، وولد صالح يدعو له، وعلم أفشاه فعمل به من بعده».
وروى يزيد بن أبي خثيمة وعمران بن أبي أنس وأبي سعيد مولى المهري، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ثلاث تنال المؤمن بعد وفاته: الولد الصالح يدعو له من بعد وفاته فينال أجر دعائه، والرجل يترك الصدقة في الموضع الصالح فتنفذ لوجهها، والرجل يعلم العلم الصالح فينتهي به عن المعاصي، فيكون بسبب تعليمه انتهى كثير من الناس عن المعاصي». هذه من أعظم المناقب لمعلم الناس الخير.
وروي من حديث الزهري عن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يلحق المسلم أو ينفع المسلم ثلاثًا: ولد صالح يدعو له، وعلم ينشره، وصدقة جارية».
وقالت الحكماء -وهذا من الكلام الجاري على الألسنة، ليس كلام صحابي أو تابعي-: «علم الرجل ولده المخلد». علمك الذي تعلمه للناس هو عبارة عن ولد مخلد إلى آخر الأزمان؛ لأن الناس الذين سينتفعون بهذا العلم سينقلونه للأجيال، وهذا الجيل إلى الذي بعده. فحقيق طلب العلم الذي يثمر تعليمًا وعملًا هو من أعظم الأمور التي يشغل بها الإنسان ساعات العمر؛ أنك تخلد بعدك، ليس بولد بل بعلمك.
باب قوله ﷺ: «الدال على الخير كفاعله». هذا أيضًا يدل على فضل العلم من جهة؛ فهذا الحديث يدل على فضل التعلم. إذا عمل الناس بهذا، فكل عمل يعمله الناس بسبب تعليمك لهم كأنك أنت عملته. مثلاً: شخص علم مئة شخص الفاتحة، فكلما قرأوا هذه الفاتحة في صلاتهم كان كأنه هو الذي قرأها وحصل هو الثواب، فالدال على الخير كفاعله. ومن أعظم الدالين على الخير العلماء وطلبة العلم الذين يعلمون الناس الخير.
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السماك، قال أخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد الله المنادي، قال حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي، قال حدثنا الأعمش عن سعد بن إياس، عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله احملني فإنه قد أُبدع بي، قال: «ما أجد ما أحملك عليه»، فأتى فلانة. ومعنى «أُبدع بي» أي: لا أجد شيئًا صالحًا لأركب عليه، ما عندي شيء أركب عليه. «احملني» أي: أعطني ناقة من الصدقة حتى أركب عليها فإنني لا أجد شيئًا صالحًا أركب عليه. فأتاه فحمله، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: «الدال على الخير له مثل أجر فاعله».
فالنبي ﷺ قال له: لا أجد ما أحملك عليه، لكن فلان عنده صدقات من النوق اذهب فهو يحملك. فذهب إليه فحمله. فالنبي ﷺ أراد أن يعلم هذا الرجل أنني -أي النبي ﷺ- أخذت مثل أجر من أعطاك؛ لأنني أنا الدال لك عليه. وهذا يدل أيها الأحبة على أصل مهم، وهو أنك قد تسأل في حياتك عن أي شيء لا تجد عندك إجابة أو معرفة، حتى في أمور الدنيا، لكنك تعرف شخصًا قد يجيب أو قد يساعد. هذا الإنسان يا أخي أخبره، لا تقل: "أنا والله ما أعرف"، بل قل: "لا أعرف، هل تعرف شخصًا يمكن أن يساعدني؟". فحاول دائمًا أن تدل الناس على أبواب الخير أو من يساعدهم إذا كنت أنت لا تستطيع القيام بذلك.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان...
قراءة عليه عن قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا بكر بن حماد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الوارث وحفص بن غياث، قال: حدثنا الأعمش: يا رسول الله أبدع بي فاحملني؟ قال: «ليس عندي ولكن ائتي فلانًا فاته»، فأتاه فحمله، فقال: يا رسول الله ﷺ: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله».
وحدثنا خلف بن القاسم، قال: أخبرنا ابن السكن، قال: حدثنا الحسن بن علي بن زكريا، قال: حدثنا خالد بن يزيد السبار، قال: حدثنا زياد بن ميمون الثقافي، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: «الدال على الخير كفاعله».
أخبرنا عبد الله بن محمد بن محمد، حدثنا الحسن بن محمد بن عثمان، أخبرنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو اليمان، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم الغساني، عن الأشياخ، أن أبا الدرداء قال عن الأشياخ -واضح في إبهام منهم الأشياء، نحن ما عرفنا ذلك لكن مش مشكلة هذا أثر- نعم، قال: «العالم والمتعلم شريكان، والمتعلم والمستمع شريكان، والدال على الخير وفاعله شريكان».
خلونا ننظر هذا الحديث، وجميل هذا الحديث؛ أبو الدرداء ماذا يقول: «العالم والمتعلم شريكان»، لماذا شريكان؟ في ماذا؟ في الثواب؛ لأنه كما العالم يعلم المتعلم، فإذا قام المتعلم واستعمل على هذا العلم فهما شريكان، هذا معنى أن العالم والمتعلم شريكان، يعني كل شيء سيفعله المتعلم سيشاركه المعلم في ثوابه لأنه هو الذي علمه، هذه واضحة.
خلونا ننتقل للجملة الثانية، قال: «والمتعلم والمستمع شريكان»، كيف ذلك؟ يعني المعلم والمتعلم والمستمع شريكان؟ تفضل حبيبنا، لا يظهر لي ذلك هنا. فكيف يكون المتعلم والمستمع شريكان في الثواب؟ يعني المتعلم يشارك المستمع في ثواب استماعه، لأنها نفس الفكرة؛ المتعلم يشارك المستمع في ثواب استماعه.
المتعلم سبب في قيام مجلس العلم، أحسنت، المتعلم يعني حضوركم لمجلس العلم هو سبب أنه في بعض الناس ربما مش شغلتها العلم أو مهتمة بهذا الجانب، لكن مرت فاستمعت. يعني أنا لو لم أجد الطالبين ستجدني هنا، سأذهب إلى بيتي، فحضور طلاب العلم حفز أناسًا ليسوا طلاب علم، ليسوا متعلمين، أن يستمعوا ويحضروا؛ فالجلساء لا يشقى بهم جليسهم.
فيا طالب العلم، يا أيها المتعلم، إذا كان حضورك محفزًا لعوام المسلمين أن يسمعوا الخير، فأنت دللتهم على الخير وكنت سببًا في هذا الخير، فأنت تشاركهم ثواب استماعهم. شوف ما أعظم هذا الفهم العميق من أبي الدرداء، هذا فهم عميق من أبي الدرداء للأسباب والمسببات.
وأخيرًا قال: «والدال على الخير وفاعله شريكان»، هذا واضح على ما شرحناه قبل قليل. باب قوله ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين»، حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن يحيى بن عمر بن حرب، حدثنا علي بن حرب الطائي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفق مالًا آناء الليل وآناء النهار».
إذاً حامل القرآن، متى يغبط حافظ القرآن على حفظه للقرآن؟ عندما يقوم به، يعني أنا لا أغبطك إذا حفظت القرآن وأنت نائم عنه ليلًا ونهارًا، أنت فقط مجرد حافظ. لاحظوا هذا الأثر النبوي، التدقيق، أنه حافظ القرآن، ومتى يغبط؟ متى أقول والله يا ليتني مثل فلان؟ أنا لا أريد أن أكون مثل فلان حافظ القرآن الذي هو نائم عنه ولا ينشغل به، أنا لا أريد هذا النموذج، ليس هذا نموذجًا عظيمًا أو شيءًا يحتذى. إنسان قد يكون حفظ من الأشعار أكثر منك، نموذج حافظ القرآن الذي يغبط ويتمنى الإنسان أن يكون مثله هو من حفظ القرآن فاستطاع أن يستثمره آناء الليل وأطراف النهار بالعمل، وآناء الليل بقيام الليل، هذا الذي يغبط، هذا الذي يحمد على نعمة القرآن.
وروى يزيد بن الأخنس، وكانت له صحبة عن النبي ﷺ مثل حديث ابن عمر هذا، سواء، حدثنا سعيد بن نصر قراءة مني عليه، أن قاسم بن أصبغ حدثه، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال: حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد -هذا الحديث على غير ما حدثنا الزهري- الزهري، قال: سمعت قيس بن أبي حازم يقول: سمعت عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ.
سفيان بن عيينة روى في الإسناد السابق عن الزهري، وهنا سفيان بن عيينة يروي عن شخص آخر غير الزهري، فيقول: سفيان بن عيينة حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، هذا الحديث بصيغة أخرى غير الصيغة التي سمعناها عن الزهري، الصيغة الأولى مرت معنا، هنا صيغة أخرى لكن هي قريبة منها نوعًا ما، ماذا قال؟ «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق»، ورجل سلطه على هلكته في الحق، يعني أهلكه في وجوه الحق، في وجوه الخير، في الإنفاق في سبيل الله، في دعم المشاريع العلمية الوقفية، دعم المرابطين وهكذا، «ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها».
وأخبرنا عبد الوارث، قال: أخبرنا قاسم، قال: أخبرنا ابن وضاح، قال: حدثنا حامد بن يحيى، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها».
وحدثنا عبد الله بن محمد عن عبد الرحمن بن أسد، حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثنا قيس بن أبي حازم، عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها».
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان، أن قاسم بن أصبغ حدثه، قال: حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني، قال: حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: 34]، قال: من القرآن والسنة. قال أبو عمر: وكذلك رواه محمد بن ثور، وابن الملبس، وتفسير الحكمة متى؟
وردت في القرآن بأن السنة هذا تفسير مأثور عن السلف كثيرا، إذا قرنت الحكمة بالقرآن؛ فإن كثيرا من علماء التفسير يقولون: الحكمة المراد بها السنة بالتحديد. قال أبو أن: «أصل العلم الشرعي هو الكتاب والسنة».
وهنا أنبه طلاب العلم على قضية الاعتناء بسنة النبي ﷺ؛ إنها أصل العلوم، وإن تمذهب بمذهب فقهي لا يعني إعراضك عن قراءة الحديث النبوي ومعرفة معانيه من خلال شروح الحديث. بعض الطلاب جزاه الله خيرا على طريقتنا في تعلم المذاهب، لكن للأسف يولد عنده التعلم المذهبي، ماذا؟ زهد في قراءة أحاديث النبي ﷺ والاطلاع على كتب السنة. هذا خطأ، لا بد أن تقرأ السنة، فإن أحاديث النبي ﷺ ليست فقط مسائل فقهية دقيقة، هي أيضا أسلوب ومنهج حياة، وطريقة تعامل، وأخلاقيات، وسلوكيات، المذاهب الفقهية لن تعطيك إياها. فانشغل بالتمذهب الفقهي لا يعني زهدك بكتب السنة وأصول الحديث.
قال أبو عمر: وكذلك رواه محمد بن ثور وابن المبارك عن معمر عن قتادة، وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: 34]، قال: يريد السنة ويمن عليهن بذلك. إذا فسر قتادة الحكمة بأنها السنة.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الملك وعبيد بن محمد، قال حدثنا عبد الله بن مسرور، قال حدثنا عيسى بن ابن مسكين، قال حدثنا محمد بن سنجر، قال أخبرنا أسباط، قال حدثنا أبو بكر الهذلي عن الحسن في قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: 151]، قال: الكتاب القرآن والحكمة السنة. إذا الحسن البصري أيضا فسر الحكمة بأنها السنة.
ويجمع لك من فسر الحكمة بأنها السنة؛ أخبرنا أحمد بن سعيد بن بشر، قال حدثنا ابن أبي دليم، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا محمد بن يحيى، قال حدثنا ابن وهب، قال قال لي مالك وذكر قوله عز وجل في يحيى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: 12]، وقوله في عيسى: ﴿قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ﴾ [الزخرف: 63]، وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، وقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، قال مالك: الحكمة في هذا كله طاعة الله والاتباع لها، والفقه في دين الله والعمل به.
إذا رأينا رأيا آخر في تفسير معنى الحكمة؛ نقول إذا عطفت الحكمة على الكتاب، فالمراد بالحكمة الفقه في دين الله. باختصار، إذا كان القول الأول أن الحكمة هي السنة بالتحديد، فإن القول الثاني هو رأي مالك بن أنس رحمه الله. الإمام مالك يرى أن كلمة الحكمة إذا وردت في القرآن ما المراد بها؟ الفقه في الدين عموما، الفقه، وهذا أشمل وهذا أعم. والقول الأول ليس مناقضا له؛ القول الأول ركز على جزء وهو السنة بالتحديد، والقول الثاني وهو قول مالك عمم القضية فقال: كل فقه في الدين هو حكمة.
وقال ابن وهب وسمعت مالكا مرة أخرى يقول: «الذي يقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في دين الله». هذا واضح، إذا هو الذي يقع في قلبي في تفسير معنى الحكمة أنها الفقه في دين الله.
ومما يبين ذلك أن الرجل تجده عاقلا في أمور الدنيا، ذا نظر فيها وبصيرة، ولا علم له بدينه. ما أكثر هذا النوع من البشر؛ الإنسان الحاذق في أمور الدنيا له بصيرة في البيع والشراء والهندسة والطب وما شابه ذلك، لكنه جاهل تماما بأمر دينه. فهل هذا رزق الحكمة؟ لا، مجرد أنك حاذق في الدنيا تعرف تبيع وتشتري وشاطر، وفقدت العلم الشرعي الذي يعطيك البصيرة، هذا لا يعتبر حكمة وإن كان في عرف الناس يمكن أن يعتبرك حكيما.
وفي المقابل، تجد آخرا بالعكس، تجد آخرا ضعيفا في أمر الدنيا، عالما بأمر دينه بصيرا به، يؤتيه الله إياها ويحرمه هذا. فالحكمة الفقه في دين الله. والطرف الآخر أحيانا تجد شخصا بسيطا في أمور الدنيا، لا يعرف كيف يبيع ولا يشتري، لكن ربنا عز وجل آتاه بصيرة في الدين وحكمة ورأيا سديدا وخلقا. فأيهما أفضل حالا؟ النموذج الأول أم النموذج الثاني؟ النموذج الثاني هو الأفضل؛ لأن الجهل بالدنيا ليس عيبا، لكن الجهل بالدين هو المشكلة. النموذج الثاني أعدل وأحكم.
قال ابن وهب وسمعته يقول: «الحكمة والعلم نور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثرة المسائل». انظروا إلى هذه المقولة يا طالب العلم، أريدك أن تعتني فيها كثيرا وتحفظها، هذه مقولة تحفظ أيها الأحبة من درر مالك. مالك أحد المفكرين الكبار، وكلامه كما يقولون بالمسطرة. ماذا يقول مالك للشباب الناشئين في طلب العلم؟ يقول العلم الشرعي، لما نقول فلان عالم أو فلان يستحق أن يكون عالما، قال: «ليس بكثرة المسائل».
أنا لا أقيس كم مسألة تحفظ وكم كتابا حققت وأنجزت، وإنما ما هي الحكمة والملكة والنور الذي يقذفه الله سبحانه وتعالى في طريقة تفكيرك وطريقة تعبيرك. قد يكون فلان يحفظ أكثر منك، قد يكون يحفظ كتب السنة ويحفظ المصنفات، لكن ما عنده ملكة، ما عنده حكمة، ما عنده باختصار ميزان عندما يتكلم، فلا تفيده كثرة محفوظاته ولا تفيده كثرة قراءته لأنه لم يؤت الحكمة. في المقابل قد يكون إنسان لم يقرأ كما قرأت ولم يحفظ بحجم ما حفظت، لكن عنده ميزان، يحسن التفكير، يحسن الاستنتاج، يحسن تقييم المواقف وإعطاء الآراء فيها.
فهذا هو العلم الشرعي حقيقة. إذا العلم ليس بكثرة الكتب المقروءة، والعلم ليس بكثرة المسائل المحفوظة، طبعا تحتاج تطلب وتدرس، لكن النتيجة النهائية أن تكون عالما أو لست بعالم، لا تقاس بكثرة ما درست ولا بكثرة ما حفظت، وإنما بالبصيرة والنور الذي يقذفه الله في قلبك. وهذا كلام دقيق جدا يا طلاب العلم؛ أن تسأل الله البصيرة والحكمة والفقه وأنت تتعلم. ليست العبرة أن تكون لك آلاف الكتب، ربما يكون عندك عشرة كتب فقط لكنك تقيم عليها وتضبطها والله رزقك فيها بصيرة وفهما.
والبصيرة طبعا تؤتى بالمجالس والمدارس والتعلم على يد المشايخ فترة، ثم القراءة بتأن وهدوء، وهكذا تبدأ البصيرة مع اجتناب المعاصي والذنوب. كما قال أيضا مالك للشافعي: «إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا»، هنا يقصد النور؛ الحكمة والفهم، قال: «فلا تطفئه بظلمة المعصية». هكذا قال مالك للشافعي لما جاء يطلب العلم على يديه: «إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا، فلا تطفئ هذا النور بظلمة المعصية». فهذا كلام مهم: الحكمة والعلم نور يهدي به الله من يشاء، يملكه الله من يشاء من طلاب العلم والعلماء، وليس بكثرة المسائل فقط.
قال أخبرنا خلف بن القاسم.
أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد المفيد البغدادي، قال: حدثنا محمد بن زكريا التميمي، قال: حدثنا يوسف بن سعيد، قال: حدثنا عمرو بن حمزة، عن صالح المري، عن الحسن، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الحكمة تسيد الشريف شرفا وترفع المملوك حتى تجلسه مجالس الملوك».
هذا لا يصح عن النبي ﷺ، هذا الحديث ضعيف لا يصح عن النبي ﷺ. وكثير من الأحاديث التي تجدونها في هذا الكتاب منسوبة إلى النبي ﷺ هي في العادة تكون من كلام أحد التابعين أو الصحابة أو أحد الأفاضل، لكنها بالخطأ رفعت إلى النبي ﷺ، وحتى يتضح لك أن هذا ليس أصلاً من كلامه ﷺ.
قال أبو عمر: أخذه الشاعر فقال: العلم ينهض بالخسيس إلى العلى .. والجهل يقعد بالفتى المنسوب فالجهل لو كنت إنسان ذا نسب وصاحب عشيرة لكن جهلك سيقعد بك، أي ينزل من مرتبتك، ولو كنت إنسان لا نسب لك وعشيرتك ليست معروفة ولكنك طلبت العلم، العلم يسودك على الناس.
أيها الأحبة، أيضاً من الأمور المهمة لاحظوا مثل عبارة ابن وهب: «العلم والحكمة نور يهدي به الله من يشاء وليس بكثرة المسائل». أحياناً قد تضطر أن تقرأ كتاباً كاملاً من أجل فقط أن تقف على مثل هذه العبارات. بعض طلاب العلم يقول: والله يا شيخ الكتاب فيه كثير أشياء أنا قد لا أحتاج إليها. الجاحظ في كتاب الحيوان يقول: «وقد يحتاج الإنسان أن يقرأ ما لا يحتاج إليه حتى يصل إلى ما يحتاج إليه».
انظر ماذا يقول الجاحظ، وهذا في العلم الشرعي ستحتاج كثيراً، خاصة في الكتب المعاصرة، ستقرأ كثيراً مما لا تحتاج إليه حتى تظفر بشيء فعلاً تحتاج إليه. فإذا كان الوصول إلى ما تحتاج إليه يتوقف على قراءة ما لا تحتاج إليه، أصبح قراءة ما لا تحتاج إليه محتاجاً إليه، أليس كذلك؟ لأنني لن أصل إلى ما أحتاج إليه حتى أقرأ كثيراً من الأمور قد لا أحتاج إليها.
قد يقول بعض طلاب العلم -من هو في المجلس الآن-: إن هذه الأسانيد أنا قد لا أحتاج إليها، مش تخصصي. أقول: مش مشكلة، اسمع حتى لو لم تكن، لعلك تظفر بمعلومة تحتاج إليها. العلم الشرعي أيها الأحبة، أو الوصول للمعلومات، يحتاج إلى كثرة القراءة ولو لأمور ليست في سلم أولوياتك. أما هذا الطالب، بعض الطلاب يتخيل أنه سيقرأ فقط ما يحتاج إليه ويستطيع أن يتحاشى قراءة أي شيء هامشي، هذا لا يوجد في العلوم الشرعية، هي طبيعة العلوم هكذا؛ اقرأ كثيراً كثيراً تظفر بكثير من الأمور في مضان الكتب وهكذا في أعماقها. مثل هذه العبارة الرشيقة لن تجد هكذا مرصوفة أمامك، أنت تحتاج أن تبحث عنها في غور هذه المصنفات.
باب قوله: الناس معادن. حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبيد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد الأموي، عن سفيان بن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا».
ما معنى أن الناس معادن؟ ما معنى قولهم الناس معادن؟ الله سبحانه وتعالى أن فطرة الإنسان على أخلاق معينة. أحسنت، كلمة المعدن هنا يعني ما فطرت عليه من الأخلاق والطبائع؛ يعني كأنهم يقولون الناس طبائع، في واحد طبائع سامية شريفة، وفي واحد تشعر أنه طباعه دنيئة خسيسة، فالناس معادن، أي الناس طبائع.
وبالتالي ماذا بنى النبي ﷺ على هذه الفكرة؟ قال: «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام بشرط إذا فقهوا». يعني الذي معدنه نظيف، باختصار الذي معدنه عالي، حتى لو كان في الجاهلية مشركاً ويعبد أصناماً وعنده أخلاق، لكن هذا بجوز البيئة التي وضع فيها، البيئة التي وضع فيها هي التي أثرت عليه، لكن هو معدنه طيب.
وهذا كثير ما نقوله للشباب: لا تعطي نظرة سوء عن أي شخص حتى لو وجدته في الذنوب والخطايا، ليه؟ لأنه قد يكون معدنه طيباً لكن وضع في بيئة فيها معاصٍ أو ذنوب أو أفكار خاطئة أو ما شابه ذلك فأثرت عليه، ولو أنه انتزع من هذه البيئة ووضع في بيئة أخرى سيظهر معدن الخير، سيظهر.
وبالتالي أكثر الصحابة -عفواً عمر بن الخطاب رضي الله عنه ماذا كان قبل أن يسلم؟- كان من أشد كفار قريش على المسلمين. طبعاً إذا نظرت لهذه الزاوية، عمر بن الخطاب كان شديداً على الصحابة، كان يعذبهم قبل أن يسلم، في بيئة مؤثرة، بس معدنه نفيس، معدنه عالي جداً، فلما دخل الإسلام في قلبه أصبح عمر بن الخطاب -الذي يذكر في المجالس ويترحم عليه- الخليفة العظيم رضي الله عنه.
فهذه فكرة مهمة جداً، أن الإنسان لا يستعجل على الآخرين ولا يحكم على الناس دائماً بأنهم سيئون وأصحاب معادن رديئة، حتى لو كان عندهم عاصٍ وسلوكيات خاطئة، فإنك لا تعرف هذا الشخص صاحب المعدن السيئ لو وضع في بيئة جيدة، ماذا يمكن أن يحصل؟ ماذا يمكن أن يقدم؟ يمكن يكون أفضل منك، ممكن يكون أداؤه أفضل من أدائك، طبعاً بشرط ماذا؟ أن يتفقه وأن يتعلم، بدون فقه وبدون تعلم لن يكون شيئاً.
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل بن الفرج، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرني محمد بن علي بن محرز، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، قال: عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ: «من أكرم الناس؟» قال: «أتقاهم»، أتقاهم؛ لأن ربنا ماذا قال في القرآن: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: «فأكرم الناس نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله». يعني هم أول شيء قالوا له من أكرم الناس، طبعاً هم النبي ﷺ عارفا ماذا يريدون، لكن يحاول أن يتدرج معهم في إيصال الفكرة، فقالوا: من أقرب الناس؟ فأعطاهم الجواب: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم». قالوا: لا لا مش هكذا يا رسول الله، مقصودنا... قال: «أكرم الناس يوسف عليه السلام».
من هو النبي ابن النبي، ابن النبي ابن خليل الله؟ طبعًا إبراهيم عليه السلام، وهو يوسف. قالوا: يا رسول الله، مش هذا الذي نقصده؟ هو يتنزل معهم في الجواب، صلوات ربي وسلامه عليه. نعم، يوسف ابن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله عليهم.
قالوا: ليس هذا. نسأل، طبعًا قيل إنه أكرم الناس لأنه عفا عن إخوانه، لذلك قيل إنه أكرم الناس بعد طول هذا البلاء الذي وضعوه فيه: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 92]. هذه كرامة عالية، ليست سهلة.
قال: «وتسألوني عن معادن العرب؟ إن خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا تفقهوا». هو عارف من البداية، هم يريدون أن يعرفوا إذا كنتم تقصدون من أكرم الناس، عن معادن العرب؛ يعني هم تعرف الصحابة ما زال عندهم بعض قضايا الجاهلية، أنه من أكثر الناس أفضل الناس حسبًا؟ بدهم يشوفوا من العشيرة التي سيرفعها النبي ﷺ، من العشيرة التي سيقول بني فزارة، بني كذا، بني كذا.
قال: أنتم تقصدون من هم؟ أي قبائل العرب أكرم؟ فأعطاهم إجابة أسكتت الجميع. أعطاهم إجابة أسكتت الجميع، قال: ما في تفضيل بين القبائل، أن أقول بني تميم أفضل من كذا، لا، هذا ليس جوابًا. الجواب هو ماذا قال؟ قال: «إن خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا تفقهوا». أعطاهم إجابة لجميع القبائل؛ الناس معادن باختصار، ليست قضية قبيلة فلان ولا قبيلة فلان، أنت شو معدنك؟ إذا كان معدنك نظيفًا وكان في الجاهلية هذا المعدن نظيفًا، إذا جاء الإسلام ستكون نظيفًا وعاليًا إذا تفقه في دين الله، من أي قبيلة كنت. فدعو من قضية أي القبائل أفضل وأي الأنساب أفضل؛ هذه هي القاعدة العامة، أن الإنسان الذي معدنه طيب ويستثمر هذا المعدن في التفقه يكون إنسانًا في غاية الروعة كما يقول.
وحدثني أحمد بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن الفضل الخفاف الدينوي، قال: حدثنا محمد بن أحمد منير، قال: حدثنا أبو زنباع روح ابن الفرج القطاني، قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني ليث بن سعد، قال عن أبي معشر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، في حديث رفعه إلى النبي ﷺ مثله. حدثني عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثني قاسم بن أسبق، قال: حدثنا بكر بن حماد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «تجدون الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا».
وحدثنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا الميمون بن حمزة، قال: حدثنا الطحاوي، قال: حدثنا المزني، قال: حدثنا الشافعي رحمه الله، قال: حدثنا الشافعي، قال: حدثنا سفيان، فذكر إسنادًا مثله سواء. وقرأت على أحمد بن قاسم، قال: إن قاسمًا حدثهم، قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا كثير بن هشام، قال: حدثنا جعفر بن برقان، قال: حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة رافعه: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا».
وإنما هو يأتي بهذه الأحاديث هنا ليبين أهمية التفقه في دين الله؛ ففي المقابل مهما كنت صاحب طينة جيدة ومهما كان معدنك أصيلًا، أنت تحتاج إلى العلم، وأنت تحتاج إلى التفقه، وأنت تحتاج إلى التبصر. ما في إنسان خرج من بطن أمه عالمًا، العلم إنما يُبنى بمجالس العلماء وقراءة المصنفات.
بسم الله، باب قوله ﷺ: «من يرد الله به خير يفقهه في الدين». ما عندكم رواه أبو صالح عن أبي هريرة مثله، حدث به عن أبي حصين. ورواه أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله، حدث به عنه أبو حصين.
باب قوله ﷺ: «من يرد الله به خير يفقهه في الدين». حدثنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا محمد بن أحمد المفيد بمكة، قال: حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، قال: أخبرنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا عمرو بن الحارث، أن عباد بن سالم حدثه عن سالم، أن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من يرد الله به خير يفقه». قال أبو عمر: لم يحدث أحد بهذا الحديث بهذا الإسناد غير وهب، أو غير ابن وهب، ورواه عنه يونس بن عبد الأعلى، فجعله عن ابن عمر عن عمر عن النبي ﷺ. حدثنيه خلف بن القاسم، والحديث هو عن ابن عمر عن النبي ﷺ، ولا عن ابن عمر عن عمر عن النبي ﷺ؛ الإسناد السابق قال: عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ، لكن ماذا قال؟ ورواه عنه يونس بن عبد الأعلى جعله عن ابن عمر عن عمر عن النبي ﷺ. فهنا اختلاف في من هو الصحابي الراوي للحديث.
حدثنيه خلف بن القاسم، وعلي بن إبراهيم، قال: حدثنا الحسن بن رشيق، قال: حدثنا علي بن سعيد بن بشير الرازي، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، أن عباد بن سالم حدثه عن سالم بن عبد الله عن أبيه، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ: «من يرد الله أن يهديه يفقه».
أخبرنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشي، قال: حدثنا سليمان بن داوود الشاذوني، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من يرد الله به خير يفقهه في الدين». وفي هذا الباب حديث معاوية صحيح أيضًا؛ يعني هذا الحديث رواه أبو هريرة، رواه عمر، رواه معاوية أيضًا رضي الله عنهم أجمعين.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أسبق، قال: حدثنا بكر بن حماد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى القطان، عن ابن عجلان، قال: حدثنا محمد بن كعب القرظي، قال: كان معاوية بن أبي سفيان يخطب.
بالمدينة يقول: «أيها الناس، إنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع الله، ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين. سمعت هذه الكلمات من رسول الله ﷺ على هذه الأعواد، أي على هذا المنبر.
وأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن داوود، قال: حدثنا سحنون، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، قال: سمعت معاوية خطبنا فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضره من خالفهم حتى يأتي أمر الله».
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد، حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن، قال: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا البخاري، حدثنا سعيد بن... «من خالفهم حتى يأتي أمر الله». ما هو أمر الله هنا؟ هو الذي يظهر لي أنه في آخر الزمان، عندما يقبض الله جميع أرواح المؤمنين في آخر الزمان، فلا يبقى إلا شرار الناس، كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة. فلا يبقى إلا شرار الناس؛ لأن ما دام هناك مؤمنون سيبقى هناك من هو قائم بالحق، فإذا شاء الله أن يذهب جميع أهل الإيمان ولا يبقى إلا شرار الناس، فبهم تقوم الساعة كما جاء في الأحاديث.
قال: حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، قال: سمعت معاوية خطبنا فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» وذكر الحديث. وحدثنا أحمد بن قاسم، قال: حدثنا قاسم بن أصيغة، قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا كثير بن هشام، قال: حدثنا جعفر بن برقان، قال: حدثنا يزيد بن الأصم، قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان -وذكر حديثًا رواه عن النبي ﷺ لم أسمعه- على منبره حديثًا غيره، قال: قال رسول الله ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» وذكر تمام الحديث.
وقرأت على سعيد بن سيد، وخلف بن سعيد، أن عبد الله بن محمد حدثه، قال: حدثنا أحمد بن خالد، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا حجاج بن منهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن جبله بن عطية، عن عبد الله بن محيريز، عن معاوية، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أراد الله بعبد خيرًا فقهه في الدين». ورواه معبد الجهني عن معاوية، وقال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله بعبد خيرًا جعل فيه ثلاث خصال: فقهه في الدين، وزهده في الدنيا، وبصره عيوبه». وهذا الحديث وإن لم يصح عن النبي ﷺ لكن معناه صحيح، وهو أن هذه الخصال الثلاث عليها صلاح العبد: أن يتفقه في الدين، وأن لا يتعلق بالدنيا، وأن يتبصر بعيوبه فينشغل بها عن عيوب الآخرين.
قال: باب تفضيل العلم على العبادة. أليس العلم عبادة أيضًا؟ فكيف يقول: باب تفضيل العلم على العبادة؟ المراد بالعبادة هنا الشعائر الشخصية، المراد الشعائر التعبدية التي تمارسها شخصيًا كالصلاة، وصيام التطوع، والصدقة وما شابه؛ ربما الصدقة هي من الشيء المتعدي، لكن أي عبادة شخصية قاصرة غير متعدية فالعلم أفضل منها. كل عبادة شخصية قاصرة لا يتعدى نفعها إلى الآخرين، كأن تقوم مثلاً الليل وحدك، أو أن تقرأ القرآن، أو أن تذكر، أو ما شابه ذلك، فتعلم العلم الشرعي وتعليمه عند الله أعلى منها، هذا المراد.
قال: أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثني ليث بن سعد، عن إسحاق بن أسيد، عن ابن رجاء بن حيوة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «قليل العلم خير من كثير العبادة، وكفى بالمرء علمًا إذا عبد الله، وكفى بالمرء جهلًا إذا أعجب برأيه، إنما الناس رجلان: عالم وجاهل، فلا تمارِ العالم، ولا تحاور الجاهل».
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أبو سفيان السروجي، عبد الرحيم بن مطرف. ومن باب اللفتة قال: «فلا تمارِ العالم ولا تحاور الجاهل»، لماذا خالف بين اللفظتين؟ قال: لا تمارِ العالم، وقال: لا تحاور الجاهل. خذوا اللفظتين من الحديث: المراء والحوار، أيهما المذموم شرعًا؟ المراء، أما الحوار فليس مذمومًا. فالعالم لا إشكال أن تحاوره، لكن الإشكال أنت ماذا تماري؟ والمراد بالمراء هنا قصد أن تتتبع خطاه وتجادل الجدال الذي لا فائدة منه، لذلك قال: لا تمارِ العالم. أما لو حاورته في مشكلة ما فلا مشكلة. وأما الجاهل، فحتى الحوار لا تفعل معه؛ لأنك تضيع وقتك، هو جاهل ما عنده شيء، فالجاهل لا يحاور، والعالم لا يمارى. وأما العالم، هل يحاور؟ نعم، ما في مشكلة، طبعًا حوار المتعلم المستفيد.
قال: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أبو سفيان السروجي، عبد الرحيم بن مطرف، عن وكيع، قال: حدثنا أبو عبد الله العذري، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «خير دينكم أيسره» أو «أيسره»، «وخير العبادة الفقه». أي أيسره؛ يعني الله عز وجل يحب اليسر، يسرًا لا تعسر.
قال أبو سفيان، وقرأت على أبي القاسم خلف بن القاسم، أن أبا علي سعيد بن عثمان بن السكن الحافظ حدثه، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد...
قال حدثنا عبد الله بن عون الخراز: ما معنى قوله "ويكره الحديث عن العذري"؟ الراوي نعم، يعني أن حديثه ليس قويا؛ هذا الرجل حديثه ليس قويا، وهذا معنى "ويكره الحديث عن العذري" أنه ليس صاحب قوة في الرواية.
قال حدثنا عبد الله بن عون الخراز سنة ٢٦، وقال حدثنا محمد بن الفضل بن عطية، قال حدثني زيد العمري عن جعفر العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضل أمتي على أدناها». يعني المسافة بين العالم والعابد عند الله كالمسافة.
جاء عن أبي معمر عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أدى الفريضة وعلم الناس الخير كان فضله على المجاهد العابد كفضل أدناكم رجلا، ومن بلغه عن الله فضل فأخذ بذلك الفضل الذي بلغه أعطاه الله ما بلغه وإن كان الذي حدثه كاذبا».
قال أبو عمر: هذا الحديث ضعيف لأن أبا معمر عباد بن عبد الصمد رُدّ به وهو متروك الحديث، وأهل العلم بالجماع يتساهلون في الفضائل، فيروونها، كما قلنا فضائل الأعمال يتساهلون فيها، وإنما يتشددون في أحاديث الأحكام.
نرجع الآن إلى الحديث حتى نشرح هذه العبارة: "ومن بلغه عن الله فضل فأخذ بذلك الفضل الذي بلغه أعطاه الله ما بلغه وإن كان الذي حدثه كاذبا". ما معنى هذا الكلام؟ هو نفس الكلام الذي قاله ابن عبد البر بعد قليل؛ ما هو أنك قد يروي لك الشيخ حديثا ضعيفا في فضائل الأعمال، فأنت عامي مسكين لا تعرف الصحيح من الضعيف، فعملت بهذا الحديث الضعيف رجاء الفضل الذي ورد فيه.
يعني حديث "من جلس إلى شروق الشمس فأخذ أجره حجة وعمرة تامة"، هذا الحديث يسمعه كثير من الناس ويعملون به، أليس كذلك؟ وهو ضعيف من الناحية الإسنادية. الآن لو أن إنسانا سمعه فعمل به رجاء الفضل ولم يعرف أن الحديث ضعيف، فسيُعطيه الله ثواب هذا الفضل، لذلك قال: بناء على نية.
"ومن بلغه عن الله فضل" يعني من سمع حديثا فيه فضل عمل من الأعمال فعمل به حتى يحصل هذا الفضل، "أخذ ذلك الفضل وأعطاه الله ما بلغه وإن كان الذي حدثه كاذبا"، يعني وإن كان الحديث الذي سمعه كاذبا، طبعا مراد كاذبا معنى خطا، وإن كان الحديث خطأ غير صحيح، لكن المشكلة أنه نفس هذا الحديث ضعيف، يعني هنا تسلسل في الضعف.
أهل العلم بالجماع يتساهلون في الفضائل فيروونها، وإنما يتشددون في أحاديث الأحكام. قال حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا الوليد بن شجاع، قال حدثني أبي، قال حدثنا زياد بن خثي عن ابن جحادة، قال: قال ابن مسعود: "الدراسة صلاة".
ما أجمل هذا الكلام عن ابن مسعود! "مدارسة العلم صلاة"، يعني مدارسة العلم ومذاكرته مع إخوانك، هذه صلاة كأنك تتعبد الله طوال هذه الساعات.
قال حدثنا أحمد بن فتح، حدثنا الحسن بن رشيق، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز، قال حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا يحيى بن صالح الأيلي، عن إسماعيل بن أمية، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فضل المؤمن العالم على المؤمن العابد سبع درجات». أخذت الحديث أيها الأحبة في ضعف.
قال وحدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا وكيع، قال حدثنا سفيان، عن عمر بن قيس الملائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل العلم خير من فضل العبادة، وملاك الدين الورع».
"فضل العلم خير من فضل العبادة" يعني أن تتزود بفضل العلم، يعني الزيادة في العلم أفضل من الزيادة في العبادة. "وملاك الدين الورع" يعني خلاصة الدين هو أن تتورع.
قال حدثني خلف بن القاسم، قال حدثنا علي بن أحمد بن سعيد بن زكير، قال حدثنا علي بن يعقوب، قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن أبي المدور، قال أخبرنا حبيب بن إبراهيم، قال حدثنا شبل بن عباد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يُبعث العالم والعابد، فيقال للعابد: ادخل الجنة، ويقال للعالم: اشفع للناس كما أحسنت أدبهم».
يعني العابد خلاص يذهب إلى الجنة مباشرة لكن لا يُعطى الشفاعة، وأما العالم فقبل أن يدخله الله الجنة يشفع في الناس. قال شبل: يعني تعليمهم، فالأدب هو تعليم أيضا.
روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعمة العطية ونعمة الهدية». كلمة حكمة، نعمة العطية ونعمة الهدية، كلمة حكمة تسمعها فتنوي عليها ثم تحملها إلى أخ لك مسلم تعلمه إياها، تعدل عبادة سنة. نعمة الهدية أن تسمع كلمة من العلم تنوي عليها أنك تحفظها وتعيها وتخبئها عندك لتعطيها لإخوانك، لأهل بيتك، لأبنائك، لأي أحد من المسلمين، فهذا يعدل عبادة سنة.
قال حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا الوليد بن شجاع، قال حدثني أبي، قال حدثنا بكر بن خنيس، عن ضرار بن عمر، عن قتادة، قال: "باب من العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه وصلاح من بعده أفضل من عبادة". حول هذا يدل على فضل تعلم العلم.
قال وحدثني خلف بن القاسم، قال حدثني ابن السكن، حدثنا أحمد بن محمد بن هارون الربعي بالبصرة، قال حدثني صهيب بن محمد بن عباد، قال حدثنا بشر بن إبراهيم، قال حدثنا خليفة بن سليمان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلم خير من العبادة، وملاك الدين الورع».
قال وأخبرنا خلف بن سعيد، قال حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا أحمد بن خالد، وحدثنا خلف بن قاسم، قال حدثنا الحسن بن رشيق، قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس الغدادي، قال حدثنا علي بن عبد العزيز، قال أخبرنا معلى بن مهدي، قال أخبرنا سوار بن مصعب، عن ليث، عن...
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «فضل العلم أفضل من العبادة، وملاك الدين الورع».
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا الحسن بن محمد بن عثمان، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا الحجاج، حدثنا جرير بن حازم، قال: سمعت حميد بن هلال، قال: سمعت مطرفًا يقول: «فضل العلم خير من فضل العمل، وخير دينكم الورع». ورواه قتادة وغيلان بن جرير عن مطرف مثله بمعناه.
وهذا نفس المعنى؛ فضل العلم أي أن تتعلم وأن تزداد من العلم خير من فضل مجرد أن تتعبد عبادة شخصية.
قال: أخبرنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا سعيد بن أحمد الفهري، قال: حدثنا عبد الله بن أبي مريم، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة التنيسي، قال: حدثنا صدقة بن عبد الله، عن زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم، عن عمه، عن رسول الله ﷺ قال: «إنكم أصبحتم في زمان كثير فقهائه قليل خطباؤه كثير».
هذا الحديث صحيح من كلام ابن مسعود، لكنه لا يصح عن النبي ﷺ. قال: «إنكم أصبحتم في زمان كثير فقهائه قليل خطباؤه كثير». أي أن الفقهاء كثر عندكم، وقليل خطباؤه؛ والمراد بالخطباء هنا الذين يحسنون سجع الكلام وصفته الكلام، لكنهم غير فقهاء. بعض الناس ما شاء الله خطبته ممتازة من حيث الأداء وكلامه فخم ويأتي بالعبارات الرشيقة، لكن الفحوى ضعيفة أو الفكر خطأ أو ينشر كلامًا مسمومًا.
فهو يقول لهم يا عبد الله بن مسعود: إنكم أصبحتم في زمان الفقهاء والعلماء كثر، لأنه زمن الصحابة وزمن التابعين، والخطباء الذين ينشئون الخطب ولا يعرفون ماذا يقولون قليلون. إلى الآن قليل سائل كثير معطوه؛ أي أن الناس ما زالت معادنها نظيفة، تحب أن تقدم وأن تعطي وليست فقط تأخذ وتجمع. قليل سائل أي ليس مراد السؤال عن العلم، بل قليل سائل بتعرفون الذي يمد يده من أجل أن يحصل مما عند الناس من المال؛ فالجود غلب على الناس والشح والتسول وما شابه ذلك ما زال قليلاً.
«العمل فيه خير من العلم»، وسياتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه، قليل معطوه كثير سائله، العلم فيه خير من العمل. ما معنى هذا الكلام؟ ما معنى أنه في الزمن الأول العمل فيه خير من العلم، وفي الزمن الثاني العلم فيه خير من العمل؟ حتى نفهم كلام ابن مسعود، هو يتكلم بكلام عميق هنا.
في الزمن الأول، إذا لم تكن الحاجة للعلم لكثرة الفقهاء، فبالتالي كان الزيادة من العمل أفضل من الزيادة في العلم؛ لأن الفقهاء متوافرون والحمد لله الأمور جيدة. أما في الزمن الآخر، مثل هذه الأزمان، قال: «وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه». ياما أكثر الناس اللي على اليوتيوب، ياما أكثر الناس على السوشيال ميديا بتسول، لكن هل كل من تكلم تكلم؟ لا، قليل فقهائه، كثير خطباؤه، قليل معطوه الذين يبذلون ويقدمون، كثير سائله الذين يحبون الجمع.
ففي مثل هذه الأزمان أيها الإنسان المسلم، أيهما أفضل أن تتكثر من العلم ولا من العمل؟ العلم حتى نكثر الفقهاء قدر المستطاع في مثل هذه الأزمان؛ حاول أن تكثر من حضور العلم وأن تسمع كلام العلم حتى لا تضيع بوصلتك وحتى لا تتيه. فهذا بيان أنه باختصار كقاعدة عامة: المكان الذي يقل فيه الفقهاء، الازدياد من العلم أفضل من الازدياد في العمل، أي العبادة. والمكان الذي يكثر فيه الفقهاء، الازدياد فيه من العمل أكثر من الازدياد في العلم. شوف النظر العميق للصحابة الكرام في هذه الموازنات.
قال: وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا أبو سلمة التبوذكي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا قتادة، أن مطرفًا -يعني ابن الشخير- قال: «فضل العلم أفضل من فضل العبادة، وخير دينكم الورع».
وقال: وحدثني عبد الوارث، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: وحدثني موسى بن إسماعيل، قال: حدثني أبو هلال الراسبي، عن قتادة، قال: قال مطرف: «فضل العلم أعجب إلي من فضل العبادة».
وقال: أخبرنا خلف بن سعيد، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن خالد، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، قال: «حظ من علم أحب إلي من حظ من عبادة». الحظ يعني النصيب، والمراد به الزيادة.
«ولأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر، ونظرت في الخير الذي لا شر فيه». فلماذا يقول مطرف الشخير: «ولا أن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر»؟ الأجر مع الصحة أحب إليه، الأجر في المعافاة أحب إليه من الأجر بدون الصحة؛ يعني أنت نظرت من ناحية محسوسة أنه البلاء تفوت به الصحة وصبرت عليه، وأما المعافاة ففيها خير الدنيا والآخرة؛ أنك عوفيت في الدنيا وحصلت ثواب الآخرة. هذا مقصد الأجر، فهي وجهة نظر؛ المعافاة مع الشكر تكون حصلت خير الدنيا بالمُعافاة، وحصلت خير الآخرة، وفاتت الدنيا من ناحية حسية.
وهذا ما ذكره الأكثر، وهو أن تصبر عند البلاء قد يكون هذا قرارًا أصلاً أنت مجبر عليه، ما عندك خيار إلا الصبر. أما عند النعمة والعافية، أن تحافظ على الشكر والتقرب من الله، هذا صعب. كما جاء عن عبد الرحمن بن عوف وبعض الصحابة: «ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نشكر أو فلم نصبر».
الإنسان قد يوضع في ظروف صعبة، فقر، فما في عنده مجال أصلاً إلا الصبر، فيكون هذا خياره الوحيد، وإلا ماذا سيفعل؟ وأما المشكلة عند الرخاء، لما تأتيك الدنيا، هل تستطيع هنا أن تصبر على الشكر والالتزام بمنهج الله ولا تغر الدنيا بملذاتها؟ فيقول: «لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر»، لأن أجر الشكر الذي يكون عند العافية هو يراه -على الأقل في تقديره- أعلى من ثواب الصبر الذي يكون عند البلاء. فهمتم؟ ثواب الشكر عند العافية أعلى من ثواب الصبر الذي يكون عند البلاء؛ لأن ذاك الصبر عند البلاء، كما قلت، قد يكون...
يكون أنت مضطر إليه ما في مجال آخر، وأما الشكر لله والبقاء على العبودية والتزام هذا المنهج في لحظات العافية والرخاء، فهذا صعب جدا؛ لأن أكثر الناس يفسدوا في الرخاء.
أما التفضيل بين الغني والفقير، فما علاقته بهذا الموضوع؟ في الأخير تحدث النبي ﷺ؛ فلو فعل فاعل الراء حهم أكثر لو تصدق بأموال... يعني قصدك أن الأغنياء استطاعوا أن يجمعوا الأعمال الشخصية، التي هي التي يقوم بها الفقراء من الذكر والتسبيح مع زيادة الإنفاق، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. لكن خلونا نركز على الفكرة الأساسية التي ذكرها الأخ، وهي: أليس كل أحد يصبر عند العافية؟ أما الصبر عند البلاء فقد تكون مضطراً إليه.
لا يمكن لذلك، أنا صعب أن أخطئ الآخر؛ لذلك قلت أحسنت، إن الإنسان لا يتمنى البلاء. الإصلاح في سبيل الله، نعم، فالفكر يعني الإنسان نقول: «لا تتمنوا لقاء العدو»، كما قال النبي ﷺ: «واسألوا الله العافية». فقد يكون أيضاً هذا ملحظ في كلامه، أنه سأل الله العافية. يقول: والله أنا أتمنى، لأنه يوجد بعض الخاصية عند إخواننا أهل التصوف، يركزون على قضية أنه يتمنى المرض، يتمنى البلاء من أجل أن يصبر، هذا خطأ، هذا خطأ. تقول: والله يا رب ابتلي لكي أصبر، قالوا: هذا ليس بسديد، حتى ولو كنت تريد شيئاً وهو أن تتقرب إلى الله بالصبر، لكن لا تسأل الفتنة، فعلك لا تدري لعلك لا تصبر.
خلونا نكمل الباب، حتى نتم مجلس اليوم إن شاء الله. قال قتادة، وقال ابن عباس: «تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها». يعني أن تتذاكر العلم مع إخوانك في الليل أحب إليه من قيام الليل. طبعاً هنا أريد أن أركز على قضية بعض طلاب العلم يأخذ هذا الكلام على إطلاقه، فماذا تكون الثمرة النهائية؟ أنه خلص ما في قيام ليل، ما في أذكار صباح ومساء، ما في سنن الرواتب، ليش؟ هو العلم والمذاكرة أهم. هو كفكرة عامة أنه هذا ثوابه أعلى من هذا، لكن لا يُعرف عن العلماء أنهم تركوا قيام الليل وتركوا الأذكار والسنن الرواتب احتجاجاً بهذه الآثار. هم فقط يبينون فضائل الأعمال ولا يبينون أن الأعمال هذه يجب أن تزهد فيها.
متى يوظف قضية التعارض بين العلم والعمل؟ هذا لما تكون في لحظة معينة أنت مخير بين أمرين، إما أن تفعل هذا أو هذا، لا تستطيع أن تجمع، فهنا أقول لك: فتقدم العلم على العمل مثلاً في درس معين في هذا الوقت، وفي مثلاً قيام لليل الأخوة عاملينه في هذا الوقت، ففرضاً أيهما أقدم: حضور مجلس العلم والتعلم أم حضور قيام الليل؟ هنا نقول: حضور مجلس العلم. أما أن تتكئ على هذه الأحاديث لتزهد طوال عمرك بقيام الليل والأذكار والسنن وتقول: والله العلم أكثر، المشكلة الذي يقول هذا، لا هو العلم أتى، ولا هو للعبادة عمل. يعني لا هو للعلم أتى وجالس على التليفون وبتقلب وكذا، أقول لك: في علم؟ أنا طيب، لا تضحك على نفسك.
قال حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد، وعبيد بن محمد قال: أخبرنا الحسن بن سلمة قال: حدثنا عبد الله بن الجارود قال: حدثنا إسحاق بن منصور قال: قلت لأحمد بن حنبل في قوله: «تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها»، أي علم أراد؟ قال: «هو العلم الذي ينتفع به الناس في أمر دينهم». إذاً أحمد بن حنبل يرى أن هذا خاص بالعلم الشرعي، فلا يدخل فيه الطب ولا الهندسة ولا العلوم الدنيوية. قال لما نقول: «تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها»، هل هذا يدخل أن أحيي هذه الليلة في دراسة العلوم الدنيوية؟ أحمد يقول: لا، المراد هنا العلم الديني الذي ينفع الناس في أمر دينهم. وأما الأمور الدنيوية طبعاً هي مطلوبة ومرغوبة بل هي فرض كفاية، لكنها لا يمكن أن تسامت مرتبة العلم الشرعي، هذا هو المراد.
وإن كان البعض يقول: لا يا شيخ بدنا نضيق هذه الأمور، العلم الذي ينتفع به الناس في أمر دينهم، يعني ممكن نوسعها شوي، حتى ندخل فيها الطب والهندسة وهذه الأمور، مش مشكلة. قلت في الوضوء، قال المصنف: قلت في الوضوء والصلاة والصوم والحج ونحو هذا، قال: نعم، مجال أسألكم إياه، يعني هو حصرها أكثر وأكثر.
اقرأ عن أبي هريرة، الآن نتجاوز الأسانيد، إخواني هذا مش مجلس سماع، ركزوا؛ يهمني قراءة الكتاب، ليس مثل مجالس السماع يوم السبت، وبالتالي لعلي في المجلس القادم أعطيه عن ذكر الأسانيد، وبقوله حتى ننجز هذا الكتاب في أسرع فترة ممكنة، هذا ليس مجلس سماع.
قال عن أبي هريرة أنه قال: «لأن أجلس ساعة فأفقه في ديني أحب إلي من أن أحيي ليلة إلى الصباح». وقال عن الزهري قال: «ما عُبد الله بمثل الفقه». يعني من أفضل طرق عبادة الله أن تتفقه في دينه. وقال: حدثنا المزداد بن جميل قال: سمعت الرجل يسأل المعاف بن عمران فقال: يا أبا عمران، أيما أحب إليك: أقوم أصلي الليل كله، أو أكتب الحديث؟ فقال: «حديث تكتبه أحب إلي من قيامك من أول الليل إلى آخره».
وقال: حدثنا المزداد بن جميل قال: سأل عمرو بن إسماعيل -وهو رجل من أهل حديث المعاف بن عمران-: أي شيء أحب إليك: أصلي أو أكتب الحديث؟ فقال: «كتابة حديث واحد أحب إلي من صلاة ليلة». وعن الحسن: «العالم خير من الزاهد في الدنيا المجتهد في العبادة»، يعني تكون زاهد وتقشف وتسكن في بيتك ولا تشارك الناس ولا تعلمهم، أيهما أفضل: تكون عالماً؟ وقال رسول الله ﷺ: «لأن تغدو فتعلم باباً في العلم خير لك من أن تصلي مائة ركعة». طبعاً الحديث لا يصح عن النبي ﷺ. وعن أبي هريرة وأبي ذر قال: «باب من العلم تعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوع».
تعلمه عمل به أو لم يعمل به أحب إلينا من مئة ركعة من مئة ركعة تطوع. سمعنا رسول الله ﷺ، وهذا يدل -شوف لما قال باب تعلم أحب من ألف ركعة وباب تعلمه عمل به أو لم يعمل أحب من مئة ركعة- لماذا جعل التعلم أعلى مرتبة من التعليم؟ لاحظ أنه جعل التعلم أعلى مرتبة من التعليم لأنه قال باب تتعلم ألف وباب تعلمه مئة.
فبقاؤك في منصب طالب العلم هذا أمر مهم جدا، ولا تزهد في هذا المنصب أو تصل لمرحلة تقول أنا خلص اكتفيت أنا صرت معلم بالتالي لا أتعلم. ستبقى طالب علم إلى أن تلقى الله، ولو حصلت ما حصلت من الشهادات، صرت بروفيسور في الشريعة، هذا ما ستبقى طالب علم كما قال أحمد: «مع المحبرة إلى المقبرة».
وقال سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «إذا جاء الموت طالب العلم وهو على تلك الحال مات شهيدًا». وقال لي مالك، وقال مالك بن أنس، من عند قال حدثنا ابن وهب قال كنت عند مالك، قال حدثنا ابن وهب قال كنت عند مالك بن أنس فجاءت صلاة الظهر أو العصر وأذن عليه -يعني كما نحن الآن أذن المغرب- وهو يقرأ علي، وهو يقرأ علي الكتاب وانظر في العلم بين يديه، فجمعت كتبي وقمت لأركع.
قال لأن أذن الظهر أو العصر، وكان ابن وهب بين يدي مالك ينظر في العلم، فلما أذن ماذا فعل؟ سكر ابن وهب كتابه، فماذا قال له مالك؟ فقال لي مالك: «ما هذا؟»، قلت: «لماذا أغرقت الكتاب؟»، قلت: «أقوم إلى الصلاة»، قال: «إن هذا لَعَجَب! فما الذي قمت إليه بأفضل من الذي كنت فيه؟».
إذا صحت النية فيه، طبعًا هو قوله «وقمت لأركع» هو يقصد السنة الراتبة، لا يقصد الفرض، لأنه أكيد الفرض مقدم، لكن قمت أركع أردت أن أقوم لأصلي السنة الراتبة، فقال له ما ترى بقاءك في العلم وتدارس أنا وإياك العلم أفضل من أن تقوم فتصلي سنة راتبة. وهذا يعود إلى فضل العلم على العبادة، بس طبعًا إذا كانت العبادة فرض الوقت لا يجب أن تصلي فرض الوقت، فالكلام عن السنة.
قال ربيع بن سليمان سمعت الشافعي يقول: «طلب العلم أفضل من صلاة النافلة»، قال وسمعت سفيان الثوري يقول: «نعم، ما من علم أفضل»، قال سفيان الثوري: «ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحت النية»، وقال سفيان الثوري: «لا أعلم من العبادة شيئًا أفضل من أن يعلم الناس العلم».
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد». طبعًا هذا يكاد يكون موضوعًا كما حكم عليه كثير من أهل العلم، وإنما هذا من كلام الفقهاء؛ هذا من كلام الفقهاء صحيح، يعني أن الشيطان يقهره العالم أكثر من العابد، لأن العالم عنصر إيجابي في مجتمعه، أما العابد فأثر شخصي لا ينفع الناس، هذا من كلام الفقهاء صحيح، لكن لا يصح عن النبي ﷺ.
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «فقيه واحد أشد على إبليس من ألف عابد». وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لكل شيء عماد، وعماد هذا الدين الفقه، وما عبد الله شيء أفضل من فقه في الدين». وهذا كله كما قلنا ليس حديثًا عن النبي ﷺ، هذا كله من كلام الفقهاء.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لَموت ألف عابد قائم الليل، صائم النهار، أهون علي من موت العاقل البصير بحلال الله وحرامه». وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن الشياطين قالوا لإبليس: يا سيدنا ما لنا نراك تفرح بموت العالم ولا تفرح بموت العابد؟ فقال: انطلقوا.
فانطلقوا إلى عابد قائم يصلي، فقالوا له: إننا نريد أن نسألك، فانصرف، فقال له إبليس: «هل يقدر ربك أن يجعل الدنيا في جوف بيضة؟»، فقال: لا، فقال: «أترون كفر في ساعة؟». ثم جاء إلى عالم في حلقة يضاحك أصحابه ويحدثهم، فقال: إننا نريد أن نسألك، فقال: سل، فقال: «هل يقدر ربك أن يجعل الدنيا في جوف بيضة؟»، قال: نعم، قال: وكيف؟ قال: يقول لذلك إذا أراده ﴿كُن فَيَكُونُ﴾. قال إبليس: «أترون ذلك لا يعدو نفسه؟»، وهذا يفسد علي عالمًا كثيرًا.
فالعابد إجابته غير صحيحة؛ كيف تقول إن الله لا يستطيع أن يجعل العالم في بيضة؟ الله قادر على كل شيء ما دام ضمن الممكنات العقلية. مش يقول علماؤنا إن القدرة الإلهية تتعلق بكل ممكن عقلي؟ فالعابد لأنه استبعد هذه القضية قال له: لا. ولكن العالم قال: ما دام ممكنًا عقلاً تتعلق بها القدرة الإلهية لا إشكال.
وقال عبد الله بن وهب، وكان أول أمره في العبادة قبل طلب العلم، وهو أحد كبار علماء المذهب المالكي، يقول: «في بداية أمري لم أكن منشغلًا بالعلم، كنت منشغلًا بالعبادة والزهد وما شابه ذلك، ثم شرع في طلب العلم». فولي به الشيطان في ذكر عيسى ابن مريم كيف خلقه الله عز وجل ونحو هذا، فشكوت ذلك إلى شيخ، فقال لي: «اطلب العلم».
فكان سبب طلبي للعلم جميع هذه القصة، يقول: كنت أتعبد الله ما كنت طالب علم، فصار الشيطان يثير عليه شكوكًا في كثير من مسائل الاعتقاد، ومن المسائل التي أثارها عليه أنه كيف خلق الله عيسى ابن مريم من أم بدون أب؟ يعني ربما المسألة مش عويصة عليكم، لكن خلاص الشيطان إذا جعل الإنسان يصبح في وسواس عقدي يتوسوس، فهذا العالم كان بصيراً. قالوا يا ابن وهب...
نصيحة لك: اذهب اطلب العلم، لا تبقى تتعبد على جهل؛ لأن الشيطان سيضحك عليك كل مرة يلقي لك شبهة، ولعل شبهة واحدة تخرجك من الدين. فالأولى أن تطلب العلم على العبادة التي أنت فيها.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بين أو بين العالم والعابد مائة درجة، بين كل درجتين حفر جواد مضمر سبعين سنة». تخيل الجواد المضمر، هذا أيضًا أكثر سرعة في الجري، فما مسافة جري جواد مضمر سبعين سنة؟ كم هذه المسافة؟ تصوروا جوادًا مضمرًا يجري سبعين سنة، مسافة شاسعة سيقطعها، فهذا هو الفرق بين العالم والعابد. بين العالم والعابد مائة درجة، بين كل درجتين هذه المسافة، وإن كان الحديث فيه ضعف.
وقال أبو جعفر محمد بن علي بن حسين: «عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد». وكذلك عن جعفر بن محمد أنه قال: «رواية الحديث وبثه في الناس أفضل من عبادة ألف عابد». وقال عمر بن عبد العزيز: «من عمل في غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح».
وهذه قاعدة لكل من يعمل في العمل الإسلامي اليوم؛ من يعمل عملاً إسلامياً وهو ليس متعلماً، ليس متفقهاً، ليس عنده أحكام وقواعد، كان ما يفسد أكثر مما يصلح. أنت تظن أنك تصلح، فإذا فسادك الذي تنتجه في الناس أكثر.
نقف إن شاء الله اليوم عند هذا القدر، وفي المجلس القادم نكمل، وسنقتصر إن شاء الله على ذكر أصل السند من دون ذكر روايته. هذا أخذ مسافة اليوم في عملية القراءة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله، مرحباً بكم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل