بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وحمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.
حياكم الله معاشر طلبة العلم في مجلس جديد نعقده في برنامج المدارسة، ومدارستنا الأولى ستكون مع كتاب «جامع بيان العلم وفضله» للإمام ابن عبد البر، وقد شرعنا في هذا الكتاب في المجلس السابق، واليوم بإذن الله نكمل مدارستنا فيه. وكما اتفقنا في المجلس السابق سنختصر، فطبيعة هذا البرنامج هو برنامج مدارسة الهدف منه الوصول للأفكار التي يطرحها صاحب الكتاب والتأكيد عليها، لذلك سنستغل وقتنا في قراءة النصوص المتنية، وأما الأسانيد فسنقتصر على قول ابن عبد البر وبإسناده عن فلان قال كذا، وبإسناده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ كذا.
فبالتالي انتقال النظر يجب أن يكون سريعًا ونحن نقرأ، لن نقرأ الإسناد لأننا لاحظنا المرة الماضية أنه يأخذ مساحة كبيرة من الوقت وليس هو المقصود الأساس في عملية المدارسة، وإن كانت قراءة الأسانيد لا تخلو من فائدة من حيث الوقوف على أسماء الرواة وكيفية التلفظ بها، لكن طبيعة البرنامج ليس التركيز فيها على الناحية الإسنادية، وإنما على نواحي فقهية وفكرية وعلمية، فنشرع في مجلس اليوم مستعدين بالله سبحانه وتعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين، ونجِّ المستضعفين من المؤمنين.
قال رحمه الله تعالى: باب قوله ﷺ: «العالم والمتعلم شريكان»، وبإسناده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان فيه من ذكر الله أو يأوي إلى ذكر الله، والعالم والمتعلم شريكان في الأجر، وسائر الناس همج لا خير فيهم».
قوله: «والعالم والمتعلم شريكان في الأجر»، ربما هذه الجملة علقنا عليها في المجلس السابق، ماذا قلنا معناها؟ العالم والمتعلم شريكان في الأجر يشد بعضهم أزر بعض.
هناك عدة فهوم حقيقية يمكن لهذا النص فهمها؛ الفهم الأول ما ذكرناه أن العالم والمتعلم شريكان من جهة أن المعلم يعلم الطالب، والطالب المتعلم إذا أخذ ما تعلمه وعمل به، فثواب ما عمل به يشترك فيه مع المعلم؛ لأنه هو الذي دله على هذا الخير.
لكن هنا يظهر لي فهم آخر يمكن أن يراد به هذا النص، وهو أن قوله «العالم والمتعلم شريكان» يعني في مجلس العلم نحن نتقاسم الثواب، ليس أحدنا أعلى من الآخر؛ العالم والمتعلم شريكان في ثواب مجلس العلم، فأنت لك ثواب الحضور والاستماع والتعلم، والمعلم له ثواب التعليم، فهما مشتركان في الثواب، ثواب إقامة المجلس وعقده. فهل مجلس العلم يعقد بدون المعلم؟ لا يوجد، وهل يعقد مجلس علم بدون طلاب يتعلمون؟ لا يوجد، فهما ركنا مجلس العلم، لذلك هما شريكان في الثواب، وهذا الفهم هو الذي يظهر لي أنه المراد ضمن هذه الترجمة.
وبإسناده رواه من قول أبي الدرداء رضي الله عنه. والآن هذا الحديث ليس من كلام النبي ﷺ الصحيح، بل هو من كلام أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، لا يصح مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وهكذا قرأناه في المجلس السابق إذا تذكرون. وبإسناده عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: «الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر الله وما أوِي إليه، والعالم والمتعلم في الخير شريكان، وسائر الناس همج لا خير فيهم».
وهذا سنلاحظ أن هذا المعنى يتكرر أيها الأحبة؛ قضية أن الناس في هذه الحياة الدنيا ثلاثة: إما عالم، وإما متعلم، وإما همج الرعاء. الناس في الدنيا ثلاثة باعتبار النظر الشرعي الإلهي: إما عالم يعلم الناس الخير، وهنا لما نقول يعلم الناس الخير فمفهومها واسع في أي باب من أبواب الخير، ليس شرطًا فقط العلوم الشرعية بالمعنى النصي، فكل من يعلم الناس الخير فهو عالم بهذه المسألة، أو متعلم طالب غالب للخير باحث عنه، وهذان النوعان محمودان، وأما النوع الثالث فاستعيذوا بالله منه، وهم الهمج الرعاء اتباع كل ناعق كما جاء في بعض الروايات، الذين ليسوا علماء ولا يبحثون عن المعرفة، وإنما يتبعون الأهواء والشهوات والرغبات، وليس لهم هم في طلب الخير لا تعلمًا ولا تعليمًا.
وبإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما أُلي إليه، أو ما تعلق به، وما ساق إليه، وما يحوم في حماه».
وبإسناده عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «عليكم بهذا العلم قبل أن يقبض، وقبل أن يُرفع»، ثم قال: «والعالم والمتعلم شريكان في الأجر، ولا خير في سائر الناس بعد».
«ولا خير في سائر الناس بعد»، أي إنسان في هذه الحياة الدنيا ليس معلمًا للخير أو طالبًا للخير، النبي ﷺ يقول لا خير فيه. إنه وجودك في هذه الحياة الدنيا يجب أن يكون له هدف، له رسالة، له غاية. أنت لم توجد لتأكل وتشرب وتنكح وتنام، هذه حياة البهائم، أنت لم تفعل شيئًا مميزًا كإنسان؛ فالإنسان له مقصد آخر أعلى من البهائم، هو خليفة الله في الأرض ليؤدي رسالته وليحكم بشرعه وليعلم الناس، فلا بد أن تكون أحد الطرفين، واحذر أن تكون الثالث.
قال: وجمع بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام، وهي السبابة، هكذا؛ المراد أنه لما قال كلمة «شريكان» أي العالم والمتعلم شريكان، أشار بيده هكذا، أي أنهما كما قلنا مشتركان في ثواب إقامة مجلس العلم. وبإسناده عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ...
قال: صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبل أن يرفع». ثم جمع بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام، ثم قال: «إن العالم والمتعلم شريكان في الأجر، ولا خير في سائر الناس بعد». وبإسناده عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: العالم والمتعلم في الأجر سواء، ولا خير في سائر الناس بعدهما.
والصحيح كما قلنا في كل ما روي مرفوعاً لا يصح، وإنما يصح من هذا ما هو موقوف على أبي الدرداء رضي الله عنه.
وبإسناده قال عبد الله: اغدُ عالماً أو متعلماً، ولا تغدُ بين ذلك. عن أبي عبيدة قال: عبد الله، أحسنت، أنا هذا أبو عبيدة ابنه، وهناك اختلاف هل ابنه أبو عبيدة سمع منه أو لم يسمع منه في خلاف بين المحدثين. قال عبد الله بن مسعود: اغدُ عالماً أو متعلماً ولا تغدُ بين ذلك؛ يعني في كل صباح انوِ أن تكون إما معلماً للناس أو متعلماً للخير، وإياك أن تكون الثالث الذي هو صاحب هوى.
وبإسناده قال أبو الدرداء رضي الله عنه: تعلموا قبل أن يرفع العلم؛ فإن العالم والمتعلم في الأجر سواء. هنا لاحظ: «فإن العالم والمتعلم في الأجر سواء»، هذه العبارة أصح من العبارة السابقة، العبارة السابقة «العالم والمتعلم شريكان»، هنا في هذا السياق بهذا الإسناد قال: «العالم والمتعلم في الأجر سواء»؛ أي كلاهما هما متساويان. العالم لأنه يعلم، والمتعلم لأنه أقبل؛ فهما مشتركان في ثواب إقامة المجلس.
وبإسناده قال أبو الدرداء رضي الله عنه: معلم الخير ومتعلمه في الأجر سواء.
وبإسناده عن الحسن أن أبا الدرداء قال: كن عالماً أو متعلماً أو محباً أو متبعاً ولا تكن الخامسة فتهلك. فتهلك، فتهلك؛ إنه هلك يهلك لا يقال يُهلك. قال: قلت للحسن ومن الخامسة؟ قال: المبتدع. هذا النص جميل أيضاً عن أبي الدرداء رضي الله عنه؛ هنا وسع الدائرة، كنا قبل قليل نقول ماذا؟ إما أن تكون عالماً أو متعلماً ولا تكن بين ذلك، هنا أبو الدرداء أعطاك أربع خيارات، مش فقط عالم أو متعلم؛ قال: إما أن تكون عالماً وهذه أسمى المراتب، وإما أن تكون متعلماً، قد يقول شخص: أنا أضعف عن تعلم العلوم والجلوس وسماع المصنفات؛ فيقول: إذاً كن محباً للعلم على الأقل، كن محباً للعلم ولأهل العلم وتدعو لهم. قال: أو ماذا؟ أو متبعاً؛ متبعاً يعني لو أخذت معلومة، نعم، لم تحضر مجالس العلم ليس لك رغبة فيها أو همة عليها أو قدرة على الجلوس، لكن على الأقل أن تتبع السنة وتحاول أن تحرص عليها قدر المستطاع وتتبع خطوات أهل العلم؛ فهذا الاتباع أصلاً هو شكل من أشكال التعلم، لأنك لن تتبع حتى تتعلم، ولن تتبع السنة وأنت لم تتعلمها، فيقول لك: إما أن تكون عالماً أو طالب علم أو محباً للعلم ولأهله أو متبعاً تحاول أن تسير على خطى العلماء ولو لم تكن طالباً للعلم، قال: لكن احذر أن تكون الخامس؛ يعني الصورة الخامسة ما هي؟ المبتدع الذي يأخذ من الدين بهواه ويعبد الله بما يشتهي ولا يحرص على اتباع السنة ولا على محبة علماء الأمة ولا على تعلم الخير ولا على تعليمه، إياك أن تكون المبتدع الذي يعبد الله بالتشهي والهوى.
وبإسناده أن عون بن عبد الله قال: حدثت عمر بن عبد العزيز أنه كان يقال: إن استطعت فكن عالماً، فإن لم تستطع فكن متعلماً، وإن لم تستطع فأحبهم، وإن لم تستطع فلا تبغضهم. فقال عمر: لكن هنا قال «وإن لم تستطع فأحبهم»، هي نفس مرتبة المحبة التي ذكرها أبو الدرداء هنا المرتبة الرابعة، ماذا قال؟ طيب إن لم تستطع حب المشايخ وأهل العلم قال: على الأقل على الأقل لا تبغضهم، لا تكن عدواً لهم إذا لم تكن لك رغبة في محبتهم على الأقل لا تكن خصماً لهم أمام الله سبحانه وتعالى وفي هذه الدنيا. فإن «وإن لم تستطع فلا تبغضهم»، فقال عمر بن عبد العزيز: لقد جعل الله عز وجل له مخرجا إن قبل. يعني لك مخارج؛ إيش يعني لقد جعل الله له مخرجا إن قبل؟ ليس كل الناس سيكون طالب علم، لكن على الأقل يا أخي أحب أهل العلم، أليس هذا مخرجا؟ طيب لا أستطيع أن أحبهم، يا أخي على الأقل لا تبغضهم؛ الله جعل لك مخرجا، يعني جعل لك مساحات متعددة، لم يلزم الناس جميعاً أن يكونوا علماء أو متعلمين، لكن لك مخارج؛ أن تكون محباً لأهل العلم، ألا تكون مبغضاً لهم، أما أن تكون ما بعد ذلك تكره أهل العلم وتزهد بهم وتستهزئ بالعلماء أو بتعب طلاب العلم في تحصيلهم أو تقول: إيش يفعل هذا؟ أو هذا يضيع وقته في قراءة المصنفات؛ اه هذا النوع الخامس هذا يهلك ويعاقبه الله سبحانه وتعالى.
وبإسناده عن الحسن أنه قال: اغدُ عالماً أو متعلماً أو مستمعاً، ولا تكن رابعاً فتهلك. مضبوط؟ قال: أو مستمعاً، إيش الفرق بين المستمع والمتعلم؟ المستمع هو الذي يأتي يصغي يريد بركة المجلس والفوائد العامة، أما المتعلم لا الذي بده كتاب وقلم ويكتب ويعلق فهذا اهتمامه أكثر.
وبإسناده قال عبد الله: اغدُ عالماً أو متعلماً، ولا تغدُ إمّعةً بين ذلك. الإمعة هو الشخص الذي يتبع الناس ماذا قالوا فعل، ولا يحرص على أن يتعلم الخير؛ يعني اتباع كل ناعق كما جاء في بعض الروايات. الإمعة هو الشخص الذي لا يمتلك شخصية، هو الشخص الذي ليس له وجهة معينة يسير عليها في البناء العلمي أو المعرفي، وإنما كلما نادى منادٍ لباه، ولا يعرف الصح من الخطأ والخير من الشر والضلال من الهدى. قال أبو يوسف: قال أهل العلم الإمعة أهل الرأي؛ أهل الرأي هنا ليس المراد الفقهاء وإنما المراد أهل الرأي أهل الأهواء الذين يقولون بأهوائهم وشهواتهم ويخوضون في الدين بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير.
وبإسناده كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: اغدُ عالماً أو متعلماً، ولا تغدُ فيما بين ذلك؛ فإن ما بين ذلك جاهل أو جهل، وإن الملائكة تبسط أجنحتها لرجل غدا يطلب العلم من الرضا بما يصنع.
وبإسناده قال عبد الله: اغدُ عالماً أو متعلماً، ولا تغدُ بين ذلك. وبإسناده قال أبو سفيان الحميري: ليس الأدب إلا في صنفين من الناس: رجل تأدب بالسلطان، ورجل تأدب بالفقه، وسائر الناس همج. يعني يقول الناس يتأدبون بإحدى وسيلتين لا ثالث لهما، إما أن يؤدبك السلطان وهذا وازع قهري، وإما أن يؤدبك الفقه في الدين والتعلم، وأما ما سوى ذلك لن يؤدبك شيء، في حل ثالث؟ يعني معك إيش نسوي؟
وبإسناده وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: الناس ثلاث: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، والباقي همج رعاع أتباع كل ناعق. نعم هذا أتباع كل ناعق وردت في أثر علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وبإسناده أن عمرو بن بحر الجاحظ أنشد لصالح بن جناح في العلم: تعلم إذا ما كنت لست بعالمٍ فما العلم إلا عند أهل التعلمِ تعلم فإن العلم زين لأهلهِ ولن تستطيع العلم إن لم تعلمِ تعلم فإن العلم أزين بالفتى من الحلة الحسناء عند التكلمِ هذا كله فيه ترغيب للعلم، العلم أجمل من أنك تكون لابس ملابس فخمة وعليك النياشين، وكل هذا كلام فارغ، العلم هو الزينة الحقيقية للإنسان. ولا خير فيمن راح ليس بعالمٍ بصيرٍ بما يأتي ولا متعلّمِ فعلاً لا خير فيمن عاش، هنا يقصد فيمن راح أي فيمن عاش ليس عالم متبصر بما يأتي وما يفعل في الحياة الدنيا، الإنسان العاقل هو الذي يكون متبصراً بأقواله وأفعاله، هذه نعمة العلم.
وبإسناده رحمه الله عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اغدُ عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً، ولا تكن الخامسة فتهلك». لكن مرة مع هذا لا يصح مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هو من كلام الصحابة، وهذا إشكالية تتعدد في كثير من الأحاديث أنها تكون من كلام الصحابة ويأتي بعض الرواة المتأخرين فيرفعونها خطأ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن هي تكون من كلام الصحابة أو من كلام تابعي.
وقال عطاء: قال لي مسعر بن كدام: يا عطاء زدتنا في هذا الحديث زيادة لم تكن في أيدينا، وإنما كان في أيدينا: اغدُ عالماً أو متعلماً يا عطاء، ويل لمن لم يكن فيه واحدة من هذه. طبعاً هو يتكلمون عن الحديث السابق. قال عطاء: قال لي مسعر، طبعاً عطاء هو عطاء بن مسلم الذي ورد في الإسناد السابق، نحن تجاوزنا الإسناد لكن حتى نستفيد، قال عطاء الذي ورد في الإسناد السابق -اللي هو عطاء بن مسلم- ماذا قال لمسعر بن كدام؟ يا عطاء لقد زدتنا في هذه الحديث زيادة لم تكن بين أيدينا، لأنه أكثر الروايات عالماً أو متعلماً فقط، زيادة «أو مستمعاً أو محباً» هذه ليست مشهورة حتى في الأحاديث حتى بين الصحابة، وإنما هي في رواية بعضهم، فمسعر يقول لأستاذه عطاء: تغزت في هذه الأحاديث كلمة مستمعاً أو محباً وليست مشهورة، قال: وإنما كان في أيدينا اغدُ عالماً أو متعلماً فقط، وما عندنا هذه الزيادة التي زدتنا إياها يا عطاء، ويل لمن لم يكن فيه واحدة من هذه. فمسعر ماذا يقول لعطاء أيضاً؟ يقول: ويل لمن لم يكن به واحدة من هذه، يعني كان مسعر أعجب بهذه الزيادة، أعجب فقال: يا عطاء ويل لمن لم يكن فيه واحدة من هذه، لأنه أنت، نحن كنا الحديث عندنا عالم متعلم، أنت زدت فيه أو مستمعاً أو محباً، فأنت جزاك الله خيراً، يعني وسعت الأمور على الأمة أكثر وأكثر، فويل لمن لم يدخل في هذه السعة. وكان قسماً خامساً يعني هل يعقل إنسان يعيش في الحياة الدنيا لا هو عالم ولا متعلم ولا مستمع للعلم ولا محب للعلم؟ ماذا بقي من أهداف وجودك الإنساني؟ فيقول مسعر يا عطاء: ويل لمن لم يكن فيه واحدة من هذه الخصال الأربعة.
قال أبو عمر: الخامسة التي فيها هلاك معاداة العلماء وبغضهم، ومن لم يحبهم فقد أبغضهم أو قارب ذلك، وفيه الهلاك والله أعلم. إذاً محبة العلماء الربانيين، محبة العالم الرباني العامل بعلمه الذي يستحق أن يسمى عالماً، هذا أمر عظيم من شعائر الإسلام، وإياك أن تزهد في ذلك وتقول: ما هم العلماء اليوم، لا يعرفون الواقع، أو أنا أحب المثقفين أكثر أو أحب السياسيين، وأما العلماء والمشايخ مساكين وعلى البركة، إياك أن تتفوه بمثل هذا الكلام، بشرط أن يكون العالم ربانياً، نؤكد لأنه كثير اليوم ممن قد ينسب نفسه للعلم ويكون خنجراً مسموماً في ظهر الأمة أو يكون كلامه مفسداً، فمثل هذا ليس عالماً ربانياً، وإنما العالم الرباني المجل لأحكام الله سبحانه وتعالى الذي استحق هذه المرتبة بجدارة واستحقاق بعد توفيق الله عز وجل له، هذا العالم يجب أن تحبه وأن تتولاه ولا تزهد به ولتجتمع وتلتقي وتتعلم على يديه.
قال رحمه الله تعالى: باب تفضيل العلماء على الشهداء، وبإسناده عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يشفع يوم القيامة ثلاثة...»
الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء.
طبعا هذا الحديث وأغلب ما في هذا الباب من الحديث ضعيف جداً، هذه الأحاديث ضعيفة جداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصح حقيقة.
وبإسناده عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء». وهذا ضعيف جداً أيضاً، أن يوم القيامة يوزن المداد، ما هو؟ هو الحبر الذي كتبوا به الكتب. مفهوم هذا الحديث أنه يوم القيامة يوضع الحبر الذي كتب به العلماء مصنفاتهم في الميزان، ويوضع دم الشهداء في الميزان في المقابل، ويوزن بينهم دلالة أن تعب العلماء مقارن لتعب الشهداء، أن تعب العلماء مثله مثل تعب الشهداء، هذا كفكرة توضع، لكن كحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح.
وبإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للأنبياء على العلماء فضل درجتين، وللعلماء على الشهداء فضل درجة». أي في درجات الجنة.
قال: وأنشدني بعض شيوخي لأبي بكر بن دريد: أهلاً وسهلاً بالذين أحبهم ... وأودهم في الله ذي الآلاء أهلاً بقوم صالحين ذوي تقى ... غر الوجوه وزينة الملأ يسعون في طلب الحديث بعفة ... وتوقر وسكينة وحياء لهم المهابة والجلالة والنهى ... والنهى أي العقل وفضائل جلت عن الإحصاء ... ومداد ما تجري به أقلامهم أزكى وأفضل من دم الشهداء ... يا طالب علم النبي محمد ما أنتم وسواكم بسواء
هذا البيت الأخير دائماً يستشهد به العلماء: يا طالبي علم النبي محمد ما أنتم وسواكم بسواء. أنتم يا طلاب العلم لستم مثل الناس، أنتم درجة أعلى ما دمتم تأخذون هذا العلم بحق وتعملون به، أنتم لستم كعوام الناس، ومقامكم ليس كمقام عوام الناس، والقسوة عليكم ليست كالقسوة على عوام الناس. قد نسامح عوام الناس في بعض التصرفات، في بعض فضول المباحات، ما لا نسامح به طلاب العلم، أليس كذلك؟ العامي قد يتوسع في فضول المباحات أكل وشرب وجلوس أمام السوشيال ميديا قد نتسامح معه، أما يأتيني طالب علم ويقول لي أنا مثلي مثل العوام في سلوكي وتصرفاتي وأخذي من المباح ولهوي، لا، هذا لا يصلح، يا طالبي علم النبي محمد صلى الله عليه وسلم ما أنتم وسواكم بسواء.
طبعا موطن الشاهد في كل هذا البيت والبيت قبل الأخير، أو في كل هذا المقطع، هو البيت قبل الأخير: ومداد ما تجري به أقلامهم أزكى وأفضل من دم الشهداء. وأتى بكل هذه المقطوعة من أجل هذا البيت، لأنه يؤكد فكرة الحديث الضعيف الذي ذكره قبل ذلك، يوزن مداد العلماء بدم الشهداء، فهذا ابن دريد أخذ هذه الفكرة من الحديث ونظمها على صورة بيت شعري.
المراد أن العلماء الربانيين الذين يتعبون ويضحون بأوقاتهم وحياتهم لتعليم الناس الخير أعلى مرتبة من مراتب الشهداء، لأن العالم الرباني الصادق الذي يبذل الجهد ووقته هو في مرتبة الصديق مع النبيين والصديقين والشهداء، فالله جعل مرتبة الصديقية أعلى من مرتبة الشهداء. لذلك دائماً أقول مشروع عالم رباني أو كلمة عالم رباني ليست كلمة سهلة، وليست أي إنسان متصدر لتعليم الناس الخير يستحق أن يقال إنه عالم رباني، هذه مرتبة تسقى بالجهد والتعب والتفرغ للأمة والوقوف معها والحياة معها، هذه مرتبة عالية جداً، من وصلها نستطيع أن نقول إن تعبه وجهده في التصنيف والتأليف والتعليم وما شابه ذلك يكون في مرتبة أعلى من مرتبة الشهداء، لأن الصديقية هي مرتبة أعلى من مرتبة الشهيد، والله تعالى أعلم.
عن النبي صلى الله عليه وسلم لا، لم يثبت، لذلك هو اجتهاد، أما أن نثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك فلا يوجد شيء صحيح، هو من قول العلماء من قول السلف وليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام.
قال رحمه الله: وروي من حديث أبي هريرة وأبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا جاء الموت طالب العلم وهو على حاله مات شهيداً». انظر ما أجمل هذا الكلام، إذا جاء الموت طالب العلم وهو على حاله مات شهيداً، أي في حكم الشهداء، أي أنه في حكم الشهداء في سبيل الله. ما معنى وهو على حاله؟ أحسنت، الاستمرارية هي القصة، إذا مات طالب العلم مستمراً على طلب العلم، لأنه كثير من الشباب ممكن يدخل كلية الشريعة أربع سنوات أو يصير ماجستير أو يصير دكتور، بعد ما يصير دكتور كفاه الله وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً لا يقرأ ولا يبحث ولا يطور علمه ولا ينظر في المصنفات، مثل هذا حرم نفسه من هذا الخير العظيم، طلب العلم مشروع حياة لا ينتهي حتى تلقى الله سبحانه وتعالى، حتى تدخل قبرك تبقى طالباً للعلم، وإياك أن تأنف من أن تسمي نفسك طالب علم، خاصة إذا أصبحت في مرتبة شيخ أو معلم أو حصلت درجة في العلوم الشرعية أستاذ دكتور أو ما شابه ذلك، البعض يصبح عنده حالة نفسية يقول لك لا أنا مش طالب علم أنا أصبحت عالماً، لا، الله يرضى عنك ستبقى طالب علم إلى أن تلقى الله، ومتى قلت إنك علمت ولست طالب علم فهو بداية الانحدار والجهل، معناه أنت لم تعرف الأمور أصلاً.
وبعضهم يقول في ذلك حديث: «لم يكن بينه وبين الأنبياء إلا درجة واحدة في الجنة».
وروي أيضاً مرفوعاً من حديث ابن عباس، وقد ذكرنا هذا الحديث بإسناده في كتابنا هذا في باب استدامة الطلب وفي باب جامع فضل العلم، وفي إسناده اضطراب، لأن منهم من يجعله عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس، ومنهم من يجعله عن سعيد عن أبي هريرة وأبي ذر، ومنهم من يرسله عن سعيد. والفضائل تروى عن كل أحد، والحجة من جهة هذا، ضع تحته خط، هذه قاعدة أو فائدة استطرادية من ابن عبد البر، ماذا يقول ابن عبد البر مبرراً لماذا يروي أحاديث ضعيفة في كتابه؟ الآن كثير من الناس يقول لك ابن عبد البر علم كبير من علماء الحديث وناقد، لماذا يروي أحاديث ضعيفة في كتابه؟ ماذا يقول؟ هذه القاعدة التي ينبغي أن يفهمها طلاب العلم، قال: والفضائل تروى عن كل أحد. يعني لا نفتش عن درجة عالية في الإتقان لروايتها، لو كان سيء الحفظ لو كان لين الحفظ لو كان ما كان يقبل، إلا حالة واحدة أن يكون كذاباً، لا بد نستثنيها. لما يقول والفضائل يعني الأحاديث التي تتكلم في فضائل الأعمال، فضل طلب العلم، فضل العالم، فضل الذهاب للمسجد، فضل الجهاد في سبيل الله، فضل الرباط، فضل الصدقة، كل الأحاديث التي تتكلم في فضائل الأعمال، العلماء يتساهلون في روايتها ولو كان إسنادها ضعيفاً، قالوا لعل الضعيف يصح لغيره، وهذه ليست بحلال ولا حرام ولا تقطع فيها رقاب ولا يقام فيها حدود، ففضائل الأعمال منهج العلماء أكثر أهل الحديث على قبول روايتها مع بيان ضعفها طبعاً، لكنهم يروونها إلا بشرط، لا يروى الحديث الضعيف في فضائل الأعمال إذا كان الراوي كذاباً أو شديد الضعف، إذا كان كذاباً أو شديد الضعف بدرجة أنه متهم بالفسق وما شابه ذلك لا، الأصل مثل رواية هؤلاء حتى في فضائل الأعمال لا تذكر، وأما من فيه سيء حفظ أو لين أو ما شابه ذلك فمثل هذا يجبر، والله تعالى أعلم.
فهذه قاعدة، ودائماً أحبابي الكرام لما تقرأ مثل هذه الكتب، هذه كتب أنت لا تحفظها، هي ليست كتباً دراسية ليست كتباً متنية وإنما هي كتب نحن نلتقط منها الدرر، بالتالي لما تأتيني فائدة مثل هذه الفوائد ماذا أفعل؟ أضع تحتها خط مثلاً ثم أعلق، آخذ هذه الفائدة وآتي إلى الصفحة الأولى من الكتاب هنا أقول والله في صفحة مثلاً 162 قال ابن عبد البر: والفضائل تروى عن كل أحد. إن هذه القراءة المدارسة هي قراءة اقتناص، فأنت تأخذ قواعد، طيب هي القواعد إذا بقيت داخل الكتاب غداً لن تعرف تعود إليها مرة أخرى، لن تعرف العودة إليها مرة أخرى فتصبح تتذكر والله كنا مع الشيخ في مجلس وحكى لنا فائدة في فضائل الأعمال، طيب وين بدي أجدها؟ بدك ترجع تفتح الكتاب صفحة صفحة حتى تصل ويستهلك وقتك، بل قد تسأم وتقول خلص ما بدي أفتش. فطالب العلم عليه أن يفهم قراءة المطالعة أو المدارسة، مثل هذه القراءة أنت تضع خطاً تحت الفائدة هنا ثم تنقلها إما بتفصيلها أو برأسها أو برمزها في ماذا؟ في الصفحة الأولى من الكتاب، تقول قال ابن عبد البر فائدة في رواية الحديث الضعيف في فضائل الأعمال صفحة 162، بحيث غداً إن شاء الله لو احتجت الفائدة مباشرة بترجع تتذكر مكانها فتحصل عليها، أما فقط تضع خط وبعد ذلك أن تغادر هذا الكتاب لن تستفيد.
قال رحمه الله: والحجة من جهة الإسناد إنما تتقصى في الأحكام وفي الحلال وفي الحرام. نعم لذلك قال: والحجة من جهة الإسناد إنما تتقصى في الأحكام وفي الحلال والحرام، أي فضائل الأعمال نقبل الأحاديث الضعيفة، وأما التوثق من الإسناد من حيث الصحة والقوة أين نحتاجها؟ في مسائل الفقه التي فيها حلال وحرام وإقامة حد أو قتل أو سفك دم، لا، مثل هذا لا نقبل فيه حديثاً ضعيفاً أو هزيلاً، لا بد يكون حديثاً مقبولاً من الناحية الإسنادية، فهذا معنى قوله والحجة من جهة الإسناد، يعني الإسناد الذي يحتج به وتقوم به الحجة في الأحكام، فهذا ينظر فيه في باب الحلال والحرام.
وبإسناده قال أبو الدرداء رضي الله عنه: من رأى الغدو والرواح إلى العلم ليس بجهاد فقد نقص عقله ورأيه. ما أجمل هذا الكلام، من رأى حضورك وتعبك لحضور مجلس العلم وعودتك إلى المنزل بعد مجلس العلم، من رأى أن هذا العمل الذي تفعلونه ليس بجهاد في سبيل الله فهذا ناقص العقل، يقول أبو الدرداء هذا ناقص العقل.
وبإسناده عن الأزدي أنه قال: سألت ابن عباس عن الجهاد فقال: ألا أدلك على خير من الجهاد؟ فقلت بلى، قال: تبني مسجداً وتعلم فيه الفرائض والسنة والفقه في الدين. طبعاً هذا التوجيه من ابن عباس لهذا الشخص لا يكون طبعاً في جهاد الدفع، وإنما في جهاد الطلب الغزوات التي يطلب فيها العدو، فقد رأى ابن عباس في هذا الشخص وهذا من حسن التفرس من العالم في طلابه، الطلاب طاقات، فالعالم والمعلم الناجح هو الذي يوجه الطالب للجهة الأولى به التي يمكن من خلالها أن يخدم الدين، أقول لفلان أنت طاقتك هنا اخدم الدين في هذا الجانب، بعض الشباب يظن أنه مثلاً يقوى على جانب معين ويريد أن يخدم الدين فيه، ومعلمه يعرف أنه لا يقوى على هذا وأن وجوده في مكان آخر، فليس كل الناس يقوى على الجهاد بالبدن، قد تكون بنيته ضعيفة، قدراته الجسدية ليست قوية، فهذا الذي فعله ابن عباس مع طالبه جاء يسأله أريد الجهاد، قال له تعال أدلك على ما هو خير لك، أنت تصلح أن تفتح مسجداً مشروع علمي وتفقه الناس وتعلم الناس الكتاب والسنة، هذا الثغر الذي تستطيع أن تخدم الأمة فيه، شوف هذه النظرة، مش أنه قال له آه تريد الجهاد يلا سهل الله أمرك، طيب قد يكون ليس هذا هو الجانب الأكبر له، قد يكون هذا الرجل عنده طاقة يمكن أن نستغلها للأمة في مجال أكبر، بينما طالب آخر توجيه ثانٍ طالب آخر توجيه ثالث ورابع، فالثغور كثيرة والمعلم الناجح يوجه الطالب إلى المكان الأبرز له والمكان الأفضل، وهذا ما فعله ابن عباس هنا.
وبإسناده عن عبد الرحمن بن مسعود الفزاري أن أبا الدرداء رضي الله عنه قال: ما من أحد يغدو إلى المسجد لخير يتعلمه أو يعلمه إلا كتب له أجر مجاهد، ولا ينقلب إلا غانماً. نعم غانماً بالمعلومات الشرعية والفوائد الفقهية.
قال رحمه الله تعالى: باب ذكر حديث صفوان بن عسال في فضل العلم، وهذا حديث عظيم شرحه ابن رجب في رسالة كاملة، حديث صفوان بن عسال شرحه ابن رجب في رسالة كاملة، أو ليس هذا الحديث لا، هو شرح حديثاً آخر ابن رجب رضي الله عنه، لكن هذا من الحديث الأصول أيضاً في باب فضل طلب العلم.
بإسناده رحمه الله تعالى عن زر بن حبيش أنه قال: جاء رجل من مراد، من مراد يقال له صفوان بن عسال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من مراد مراد اسم قبيلة، وهو في المسجد متكئ على برد له أحمر، قال: فقلت يا رسول الله إني جئت أطلب العلم، قال: مرحباً بطالب العلم، إن طالب العلم لتحف به الملائكة وتظله بأجنحتها فيركب بعضها بعضاً حتى تعلو إلى السماء الدنيا من حبهم لما يطلب، فما جئت تطلب؟ قال: قلت يا رسول الله لا أزال أسافر بين مكة والمدينة فأفتني عن المسح على الخفين، وذكر الحديث. وهذا الحديث أصل في مسألة أحكام المسح على الخفين للمقيم والمسافر.
وبإسناده عن زر بن حبيش أنه قال: أتيت.
عن صفوان بن عسال قال: ما جاء بك؟ قلت: طلب العلم. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب».
وذكره بإسناده عن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال فذكر مثله بتمامه. وبإسناده عن زر بن حبيش أنه قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي، فقال: ما جاء بك؟ قلت: ابتغاء العلم. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خرج من بيته ابتغاء العلم وضعت الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع».
وبإسناده عن زر بن حبيش أنه قال: غدوت على صفوان بن عسال المرادي، فقال: ما جاء بك؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: ألا أبشرك؟ ورفع الحديث.
قال أبو عمر: حديث صفوان بن عسال هذا وقفه قوم عن عاصم، ورفعه عنه آخرون، وهو حديث صحيح حسن ثابت محفوظ مرفوع، ومثله لا يقال بالرأي. يعني هذا الحديث يقول ابن عبد البر: البعض رواه موقوفاً من كلام صفوان بن عسال أن صفوان هو الذي قال إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم، لكن ابن عبد البر يعطيك الفائدة، لا، الصحيح والمحفوظ أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأصلاً لو كان نسب إلى صفوان بن عسال مثل هذا الحديث لا يمكن أن يقوله صفوان بن عسال باجتهاده ورأيه؛ كيف سيعرف صفوان باجتهاده ورأيه أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم؟ هذه من أمور الغيب التي لا تؤخذ إلا من سنة الأنبياء، هذا تأكيد آخر أن الحديث مرفوع، وليس هو مجرد اجتهاد أو رأي أو حكمة من صفوان بن عسال، وإن كان بعض الرواة رووه موقوفاً على صفوان بن عسال كما سيأتي هنا من حديث سفيان بن عيينة.
وبإسناده عن عاصم بن أبي النجود أنه سمع زراً يقول: أتيت صفوان بن عسال المرادي، فقال: ما جاء بك؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا لما يطلب. وقلت: حكى في نفسه مسح على الخفين، وذكر الحديث مرفوعاً في المسح على الخفين.
وذكره يونس بن عبد الأعلى وأبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا سفيان بن عيينة بإسناده مثله سواء. ورواه عن عاصم جماعة منهم همام، وزيد بن أبي أنيسة، وأبو جعفر الرازي. قال أبو عمر: قد ظن قوم أن هذا الحديث لم يرفعه إلا حماد بن سلمة وأبو جعفر الرازي، وليس كما ظنوا، بل الحديث مرفوع من طرق متعددة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
نحن قلنا ابن جماعة في تذكرة السامع والمتكلم ذكر قولين وتوجيهين، قال: وضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم إما أن يكون وضعاً حقيقياً لا يشاهده البشر ولكن الملائكة تعرف كيفيته، وإما أن يكون المراد بوضعها الأجنحة التواضع وإظهار الرفق واللين لطالب العلم رضا وحباً بما يطلب، فهو محتمل في الحقيقة.
قال رحمه الله تعالى: باب ذكر حديث أبي الدرداء في ذلك وما كان في مثل معناه. نعم، هذا هو الذي شرحه ابن رجب رحمه الله تعالى عليه في رسالة كاملة، وهو من أعظم وأجمل الأحاديث التي تحفز الإنسان على طلب العلم.
بإسناده عن جبير بن قيس أن رجلاً جاء من المدينة إلى أبي الدرداء وهو بدمشق، فسأله عن حديث. يعني رجل كان من سكان المدينة، سيدنا أبو الدرداء رضي الله عنه أين كان يسكن في آخر حياته؟ في الشام في دمشق، هذا الرجل ارتحل من المدينة النبوية إلى دمشق حتى يتعلم من أبي الدرداء رضي الله عنه مسألة أو حديثاً.
قال: فسأله عن حديث، فقال له أبو الدرداء: ما جاءت بك حاجة، ولا جئت في طلب التجارة، ولا جئت إلا في طلب الحديث؟ فقال الرجل: بلى. فقال له أبو الدرداء: أبشر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد يخرج يطلب علماً إلا وضعت له الملائكة أجنحتها، وسلك به طريقاً إلى الجنة، وإنه ليستغفر للعالم من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكنهم ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر».
بإسناده عن كثير بن قيس أنه قال: جاء رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء بدمشق ليسأله عن حديث بلغه أنه يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له أبو الدرداء: ما جاء بك؟ أتجارة؟ قال: لا. قال: ولا جئت طالب حاجة؟ قال: لا. قال: وما جئت تطلب إلا هذا الحديث؟ قال: نعم. قال: فأبشر، كنت صادقاً، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجل يخرج من بيته يطلب علماً إلا وضعت الملائكة أجنحتها»، وساق الحديث بنحو ما تقدم.
بإسناده عن كثير بن قيس أنه قال: أقبل رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء، فقال أبو الدرداء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة»، وذكر الحديث.
بإسناده عن كثير بن قيس أنه قال: كنت جالساً مع أبي الدرداء، فجاءه رجل فقال: يا أبا الدرداء، إني جئتك من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم لحديث بلغني عنك أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما جئت لحاجة. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء».
إن الكواكب لا نور لها بخلاف القمر، فهو الذي يكون منيراً، لذلك قال: «كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» التي في السماء كلها لا تنير، وأما العالم هو الذي ينير، ليه؟ لأن العالم ينفع غيره فهو الذي ينير للناس الطريق، وأما العابد والإنسان المنشغل بنفسه ولا يعلم الناس الخير، ولا يشع ما عنده إشعاع ينقله للناس، لا ينير ظلمات الناس وإنما هو منكفئ على نفسه فقط.
قال صلى الله عليه وسلم: «وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر».
وبإسناده عن كثير بن قيس أنه قال: كنت جالساً مع أبي الدرداء فأتى رجل فقال: يا أبا الدرداء، جئتك من المدينة من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وما جئت لحاجة؟ قال: لا. قال: ولا لتجارة؟ قال: لا. قال: وما جئت إلا لهذا؟ قال: نعم. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر».
وبإسناده عن كثير بن قيس عن زيد بن سمرة عن أبي الدرداء يعني النبي صلى الله عليه وسلم نحو ما تقدم. وبإسناده عن أبي الدرداء أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غدا لعلم يتعلمه سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وفرشت له الملائكة أجنحتها، وصلت عليه حيتان البحر وملائكة السماء، وللعلماء على العباد من الفضل كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، والعلماء ورثه الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بالحظ الوافر، وموت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسد، ونجم طمس، وموت قبيلة أيسر من موت عالم».
هذه الزيادة مهمة: «وموت العالم مصيبة لا تجبر»، يعني إذا فقدت الأمة عالماً من علمائها الربانيين هذه من أعظم المصائب التي تحل بأمة الإسلام؛ لأنه كم احتجنا من الوقت حتى ننتج عالماً ربانياً؟ هذا مشروع ضخم، إنتاج عالم رباني متوسع، متفقه، محدث، مفسر، هذا مشروع مش سهل، فإذا فقدنا هذا العالم فحقيقة هي مصيبة من المصائب العظام على هذه الأمة، من سيعلم الناس أمر دينهم؟ «وموت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسد»، ثلمة أي فرجة، الثلمة هي الفتحة في الحائط أو ما شابه ذلك، فيقول انفتح في بنيان الأمة فتحة لا نعرف كيف سنسدها بعد موت هذا العالم. «ونجم طمس، وموت قبيلة أيسر من موت عالم»، يعني أن تموت قبيلة كلهم جهال أيسر من أن يموت عالم واحد رباني.
وبإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: معلم الخير يستغفر له أو يشفع له كل شيء حتى الحيتان في البحر. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: معلم الخير تصلي عليه دواب الأرض حتى الحوت في البحر. تصلي أي تدعو له، هذا معنى الصلاة، يصلي عليه دواب الأرض أن يدعون له.
وبإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «علماء هذه الأمة رجلان، فرجل أعطاه الله علماً فبذله للناس ولم يأخذ عليه صفراً، ولم يشتر به ثمناً، أولئك يصلي عليهم طير السماء وحيتان البحر ودواب الأرض والكرام الكاتبون، ورجل آتاه الله علماً فظن به عن عباده وأخذ به صفراً واشترى به ثمناً».
الصفر هو نوع فخم من أنواع النوق تعرفه العرب، فمعنى قوله فبذله للناس ولم يأخذ عليه صفراً أي لم يأخذ مالاً، لم يتاجر بدينه، هذا المعنى، لم يتاجر بدينه، لم يأخذ جمالاً ولا دنيا ولا سيارات ولا فللاً مقابل هذا العلم الذي يبذله. «واشترى به ثمناً»، أي أخذ به من السلاطين وما شابه ذلك الأموال والمناصب، «واشترى به ثمناً»، أصبح يفتي كما يريد أصحاب الأهواء منه وكما يريد أهل الزمان. والعياذ بالله.
قال: «فذلك يأتي يوم القيامة ملجماً بلجام من نار». وهذا الحديث يدل أن علماء الأمة رجلان، إذاً ليس كل من حمل علماً سيكون صادقاً، هذا ننتبه له، ليس كل من حمل علماً وجمع معلومات وحفظ كتباً شرط أن يكون صادقاً، بدليل هذا الحديث فإنه يفرق العلماء إلى نوعين؛ أن هناك من جمع معلومات وأتقنها لكنه يوظفها بشكل صحيح ويستعملها بمراد الله سبحانه، وهناك من جمع معلومات وحصلها لكنه يلبي بها أهواء الشياطين وأهواء سادة الزمان ورغباتهم، فليس كل من جمع علماً، مجرد جمع العلم لا يعني أنك أصبحت محصناً، مجرد حفظ المصنفات والكتب لا يعني أنك أصبحت محصناً، التحصين لك الحصانة، متى نقول هذا العالم خلاص حصانة لا يجوز الخوض في أعراضهم ولا الكلام عنهم ولحومهم مسمومة كما قال ابن عساكر الذين لحومهم مسمومة والذين غيبتهم عظيمة، ويجب أن يعظموا وأن يلتف طلاب العلم حولهم؛ العلماء الربانيون الذين يضعون مسائل الشريعة في مكانها الصحيح، ويجتهدون وهم أحرار ويعرفون كيف يبنى العلم بما هو صالح لهذه الأمة بإذن الله.
وبإسناده عن أبي أمامة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على».
قال ابن عبد البر: الصلاة هنا الدعاء والاستغفار، وهو بمعنى قوله: الملائكة تضع أجنحتها؛ أي تدعو. والله أعلم. ابن عبد البر ممن يرى أن وضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم مجازي، وأن معناها الدعاء، ومعنى أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع؛ في رأي ابن عبد البر رحمه الله تعالى: ما هو إلا أنها تدعو لطالب العلم.
قال رحمه الله: باب دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لمستمع العلم وحافظه ومبلغه. وبإسناده عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذه مراتب ثلاث: الاستماع، ثم الحفظ، ثم التبليغ؛ لذلك ذكرها مرتبة، أي عملية تعليمية: أولاً تستمع وتنصت، فإذا استمعت وأصتَّ الخطوة الثانية تحفظ ما تعلمت من المشايخ، ثم إذا حفظت وضبطت تقوم بتبليغه للطلاب وللجيل القادم من هذه الأمة.
وبإسناده عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فحفظه وبلغه غيره». إذاً: نظر الله امرأ سمع، الخطوة الأولى، فحفظ؛ هذا يدل أن الحفظ أساس في عملية التعلم، ما في طالب علم لا يحفظ. النبي صلى الله عليه وسلم نص على الحفظ، فإذا جاءك إنسان أو دكتور اليوم في الجامعة وقال لك: يا أخي إيش بدك تحفظ أنت الأحاديث أو تحفظ الفقه؟ قال لك: على الفهم هذه الطريقة الصحيحة، تقول: هذه طريقة خاطئة وليست من طرائق أهل العلم. كل العلماء ما يحفظون، ولا يوجد عالم نبغ إلا بعد أن جمع بين الحفظ والفهم، والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال: «سمع منا حديثاً فحفظه». إذاً أن الحفظ مطلوب في العلم؛ هذا مستنده نبوي وليس فقط مجرد تجربة أو اجتهاد منا.
قال: «فحفظه وبلغه غيره فرب حامل فقه ليس بفقيه». هذا يؤكد أن الإنسان قد يحفظ الأحاديث ولكنه لا يفهم معانيها، لكنه على الأقل يبلغها لمن هو أدرى منه في فهمها، وهذا كان مهماً في المرحلة الأولى قبل أن تكون الأحاديث مكتوبة. النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه، الآن الصحابة الكرام، سؤال: هل كلهم علماء؟ لا، كان منهم الأعرابي ومنهم المزارع ومنهم التاجر، الصحابة أنواع، ومنهم العلماء كعمر ومعاذ بن جبل، ليس كل الصحابة كانوا علماء وكانوا على نفس المقدرة من تحليل النصوص وما شابه ذلك. فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يدرك أن كثير ممن يحضر مجلس من الصحابة ليسوا علماء، فطلب منهم أن يحفظوا أحاديثه وقال: «بلغوها للأجيال القادمة». فقد أنت أيها الصحابي الذي سمعت مني هذا الحديث وحفظته وأتقنته قد لا تستطيع أن تحلله كما يحلله ربما رجل من التابعين يأتي بعدك يكون أقدر منك على التحليل، وهذا ليس منقصة، كون أحد الصحابة ليس عالماً ليس منقصة؛ لأن الصحابة في النهاية مجتمع من المجتمعات الإنسانية والبشرية، فيهم من هو متخصص في الحرب، وفيه من هو متخصص في العلم، وفيه من هو متخصص بالتجارة، مجتمع إنساني، أليس كذلك؟ فالصحابي الذي ليس متخصصاً في العلم وظيفته أن ينقل الحديث إلى من هو أفقه منه، ومن هو أفقه منه هو الذي سيستثمر هذا الحديث ويستخلص منه الأحكام والقواعد والفوائد.
فهذا معنى: «رب حامل فقه ليس بفقيه»، هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم رب حامل فقه؛ يعني حافظ للحديث بس هو لا يعرف فقهه، وإنما أعطاه لمن هو أفقه منه ليحمله ويحلله وما شابه ذلك. كما أنك تكون مثلاً أنت عندك كتب يا أبو سند في المنزل، عندك كتب لكنك لا تفهمها، تذهب تعطيها لأخ متمكن في العلم يكون أكثر فهماً بها، فهنا نقول: رب حامل فقه، أنت عندك فقه أو كتب فقه أو معلومات لكنني لا أستطيع أحللها، لكنني أنقلها لغيري لعلهم هم ينتفعون بها ويحللونها.
قال: «ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم». يغل؛ أي لا يخون. ثلاثة لا يغل عليهن قلب مسلم؛ أي ثلاث خصال يخون فيها المسلم، أي لا يغدر فيها مسلم، ما هي هذه الخصال الثلاث؟ إخلاص العمل لله، نعم، فإخلاص العمل لله، إياك أن تخون في هذه القضية، إياك أن تخون الله فترائي في أعمالك. ثانياً: ومناصحة ولاة الأمور، ومناصحة ولاة الأمر؛ يخون الإنسان ولاة الأمر، وإنما يخلص لهم النصيحة والتوجيه. ثالثاً: ولزوم الجماعة؛ ولا تخن الأمة جماعة المسلمين، لا يخون الإنسان أمته بل يكون ناصحاً لها. فإن دعوتهم تحيط من ورائهم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت نيته الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له».
وبإسناده عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان عن أبيه أنه قال: خرج زيد بن ثابت من عند مروان قريباً، مروان اللي هو مروان بن الحكم الخليفة الأموي، خرج زيد بن ثابت من مجلس الخليفة الأموي مروان بن الحكم، فقلت قريباً من نصف النهار، يعني على الظهر خلينا نحكي، فقمت إليه فقلت: عن أي شيء سألك الأمير؟ فقال: سألني عن أشياء سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». شوف إذاً: فرب حامل فقه لغيره وهو ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى غيره وهو ما بنقول إنه مش فقيه، لكن غيره أفقه منه؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم وضع صورتين: رب حامل فقه هو أصلاً ليس بفقيه، ورب حامل فقه هو فقيه ولكن غيره أفقه منه، هذه كلها احتمالات موجودة في الساحة العلمية.
وبإسناده عن زيد بن ثابت أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نضر الله، نفس الحديث السابق الذي يليه. قال أبو عمر: روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود، وبإسناده عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله عبداً سمع...»، نفس الإسناد الحديث السابق الذي يليه. وبإسناده عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا»، فرب مبلغ أوعى من سامع؛ هنا جاءت الرواية بلفظ: «فرب مبلغ أوعى وأكثر فهماً من سامع». إيش يعني؟ السامع هو الذي سمع من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة فرداً، والمبلغ هو التابعي الذي وصل إليه الحديث، قد يكون المبلغ التابعي أفقه في فهم الحديث من السامع الذي سمعه مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم، إذاً هي نفس عبارة رب حامل فقه ليس بفقيه، لكن بطريقة أخرى.
وروى هذا الحديث أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكرة، نبيت أن أبا بكرة قال: نبيت أن أبا بكرة تحدث قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى فقال: «ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فإنه لعله أن يبلغه من هو أوعى له منه أو من هو أحفظ له». قال أبو بكرة: فقد كان هذا، قد بلغه أقوام من هو أوعى له منهم؛ إذاً أبو بكر هو يقول وقد حصل هذا فعلاً، هو يقول إنه بعض الصحابة بلغوا حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى التابعين، وعلماء التابعين كانوا أفقه لها. أبو بكرة يثبت أن هذا فعلاً وقع، أن بعض الصحابة الذين ليسوا بعلماء بلغوا أحاديث للجيل الذي يليهم وكانوا أوعى منهم في فهم هذه الأحاديث والقدرات العقلية وما شابه ذلك، فضل الله يؤتيه من يشاء.
وبإسناده عن أبي بكرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع». قال أبو عمر: وروى هذا الحديث أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم جبير بن مطعم، وبإسناده عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورب حامل فقه، ما في زيادة في رواية جبير بن مطعم.
وبإسناده عن الزهري فذكر بإسناده مثله، وعن محمد بن جبير بن مطعم، ورواه أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك رضي الله عنه، ممن روى هذا الحديث، بس نفس الحديث، فيها زيادة ينظر فيها نستفيد منها: إخلاص العمل لله، دعوتهم، نفس تقريباً سياق الأحاديث السابقة ما في زيادة.
وبإسناده عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله من سمع قولي ولم يزد فيه»، ها زيادة جيدة وهي تدل على أهمية الإتقان في الحفظ. هذه تدل أن النبي صلى الله عليه وسلم يحثنا على ماذا؟ على الإتقان في العلم، نقل الحديث ولم يزد فيه؛ لأنه بعض الشباب يتوسع في قضية الرواية بالمعنى فيؤلف حديثاً جديداً من كثر ما هو، بعدين بيختم لك إياه أو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ طبعاً هو بيكون قال حديث وألفاظ لا أو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحكيها بس بتكون قاربت، يعني إذا تكون فاتتك ألفاظ محدودة ومعنى كلامك قريب جداً من ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم، أما الحديث في جهة وألفاظك في جهة وأديت معاني مختلفة ثم تقول لي أو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بيضبط. فالاتقان في العلم مطلوب وهذه لفظة تدل على ذلك: «نضر الله من سمع قولي ولم يزد فيه»؛ لما بلغه بلغه بإتقان، وأهداه إلى من لم يسمع من التابعين أو من غيره من الصحابة. «ثلاثة لا يغل عليه قلب امرئ مسلم»، وذكر مثله سواء.
وبإسناده عن شهري بن حوشب أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رب حامل فقه غير فقيه، ومن لم ينفعه فقهه ضره جهله». ومن لم ينفعه فقهه ضره جهله؛ يضرك الجهل بهذا الفقه.
ومن حديث أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله من تعلم فريضة أو فريضتين فعمل بهما أو علمهما لمن يعمل بهما». وهذا يدل أيها الأحبة، بعض الناس وبعض طلاب العلم يقول: أنا إما أن أصبح عالماً أو لا أكمل في هذا الطريق، وهذا خطأ، ليس شرطاً أن تصبح عالماً، شوف هذا الحديث: «رحم الله من تعلم فريضة أو فريضتين»، ربما تتعلم 20 مسألة 30 مسألة تتقنها وتعلمها لأهل بيتك ولأهل مسجدك وللناس من حولك، يا أخي مشروع رائع. هل لا بد كل من شرع في طلب العلم يصبح عالماً؟ ليس بالصحيح، بل السواد الأعظم لن يصبح عالماً، السواد الأعظم من طلاب العلم لا يصبح عالماً، لكن يكفيه شرفاً أنه مات على طريق طلب العلم، والحديث يخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن كان فيه ضعف طبعاً من الناحية الإسنادية، لكن معناه تتعلم مسألة مسألتين ثلاث أربع خمس، تتقنها، تتشربها، وتعلمها في مركز قرآني، في مشروع علمي، في مسجد أنت إمام فيه، هكذا الخير ينتشر في المجتمع. إذا أردنا للمجتمع أيها الأحبة أن يصلح، هكذا ينتشر الصلاح: أنه كل إنسان على ما آتاه الله من العلم والمعرفة يعلم، ولا ينتظر حتى يصبح عالماً ربانياً؛ لأنه بعض الناس يقول لك: أنا لن أعلم الآن حتى لا أكون متصدراً، لا يا أخي، وأنت لما تتقن مسألة وتعلمها أنت لا تفرض نفسك أنني الآن معلم للناس وعليكم أن تتحلقوا حولي.
تعلمهم ما عندك على المستوى المحدود مع معرفتك بالقدر الذي انتهيت إليه، أنت لست متصدراً بهذه الطريقة، بل أنت معلم للخير. وهذا تبدأ فيه مع أهل بيتك وأبنائك والدائرة تقرب وتتسع به على حسب المكان الذي أنت فيه، نعم.
وبإسناده عن محمد بن المنكدر وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أفاد المسلم أخاه فائدة أحسن من حديث حسن بلغه فبلغه». شوف ما أجمل هذا الحديث، يعني أكثر شيء هدية بتقدمها لأخوك المسلم أنك تحفظ حديثاً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أو حتى مسألة شرعية فقهية، فتبلغ هذا الحديث وتعلم فقه هذه المسألة؛ فهذا من أعظم الأمور عند الله سبحانه وتعالى. ما أفاد المسلم أخاه فائدة أحسن من حديث حسن بلغه، فبلغك وعلمته لأخيك لزوجتك لأبنائك، نعم.
وبإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم». وهذا يدل أن الأصل في العلم الشرعي النقل، نحن أمة نقل أيها الأحبة. الأصل في العلم الشرعي النقل عن الأوائل وليس الاختراع في القواعد الشرعية والابتداع فيها. العقل تابع للنقل عندنا؛ العقل والتفكير والاجتهاد والرأي يكون تحت مظلة ماذا؟ الوحي، النقل الذي هو الوحي؛ الكتاب والسنة.
ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يرشد الصحابة، يحثهم على أن يتعلموا ويسمعوا ويحفظوا؛ فماذا قال: «تسمعون»، يعني أنتم الآن تسمعون مني من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغداً سيسمع منكم الجيل القادم، والجيل القادم سيسمع منه الجيل الذي يليه، وهكذا تبقى سلسلة العلم وشجرة الخير في هذه الأمة تنمو وتتفرع. كيف وصلت هذه الكتب وهذه الأحاديث إلينا لولا أن الصحابة رضوان الله عليهم أدوا الأمانة إلى من بعدهم، ومن بعدهم أدى حتى وصل إلينا؟ وأنتم الآن تحملون هذه الكتب وتتدارسونها، ثم غداً تحملونها للجيل القادم، وأبنائكم ومن تعلمونهم يعلمونها. هذا واجب، هذا ما نفعله نحن الآن، ليس مجرد أن الشباب ما عندها شيء تفعل يلا نيجي على درس الشيخ إبراهيم أننا قاعدين في هذه الدار، لا، هي ليست الفكرة هكذا أيها الأحبة، فكرتنا أننا نحمل هذه الكتب إلى أجيال قادمة، بدلاً من أن تبقى مصفوفة فقط في المكاتب نتزين بها وبهذه الحلل القشيبة والأشكال الجميلة؛ لا، هذه ليست للتزين، وإنما هي لتقرأ ولتفهم، وهذا الفهم ننقله إلى أبناء أبنائنا وإلى طلاب العلم القادمين، أسأل الله أن ينفع بكم جميعاً، نعم.
قال رحمه الله: وفي هذا الحديث أيضاً دليل على تبليغ العلم ونشره، نعم.
قال رحمه الله: باب قوله صلى الله عليه وسلم من حفظ على أمتي أربعين حديثاً. إن العلامة النووي رحمه الله تعالى عليه في مقدمته على الأربعين النووية بين أن كل طرق هذا الحديث «من حفظ على أمتي أربعين حديثاً» كلها ضعيفة جداً، قال: ولا تقوم بها قائمة. حديث من حفظ على أمتي أربعين حديثاً بكل أسانيده وطرقه ضعيفة جداً، لكن قالوا فضائل الأعمال، قالوا فضائل الأعمال، فلعلها نرجو لها، نعم.
وبإسناده رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «من حمل من أمتي أربعين حديثاً لقي الله يوم القيامة فقيهاً عالماً». قال أبو عمر علي بن يعقوب بن سويد ينسبونه إلى الكذب ووضع الحديث، وإسناد هذا الحديث كله ضعيف. وإسنادها ابن عبد البر، إذا يوافق النووي، ابن عبد البر ماذا يقول؟ وإسناد هذا الحديث كله ضعيف، يعني بكل طرقه التي ستأتي، وابن عبد البر مقر أنه ضعيف، نعم.
وبإسنادها عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من السنة حتى يؤديها إليهم كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة». لذلك العلماء الذين صنفوا في الأربعينات؛ أربعين حديثاً في الجهاد، الأربعينية النووية، أربعين كذا؛ كثير من العلماء عشرات بل مئات العلماء صنفوا أحاديث في الأربعينات، أليس كذلك؟ كلهم رجاء تحصيل ثواب هذا الحديث، وإن كان فيه ضعف، قالوا لكن رجاء ثواب التحصيل ألفوا كتباً في الأربعينات، نعم.
وقال أبو عمر: هذا أحسن إسناد جاء به هذا الحديث، ولكنه غير محفوظ ولا معروف من حديث مالك. إذاً هذه شهادة من ابن عبد البر، طبعاً الإخوة الذين يهتمون بعلم الحديث تهمهم مثل هذه الفوائد؛ الحقيقة يعني ابن عبد البر يقول أفضل إسناد لحديث من حفظ على أمة أربعين هو هذا الإسناد الذي مر معنا قبل قليل من رواية نافع عن ابن عمر. قال أبو عمر: هذا أحسن إسناد وإن كان ضعيفاً، هو أيضاً ضعيف لكنه يعني أفضل شيء موجود زي ما نقول، قال: ولكنه غير محفوظ ولا معروف من حديث مالك، طيب الذي يلي.
وبإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من حفظ على أمة أربعين حديثاً فيما ينفعهم في أمر دينهم بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً».
وبإسناده عن أنس بن مالك أنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من مسلم يحفظ على أمتي أربعين حديثاً يعلمهم بها أمر دينهم إلا جيء به يوم القيامة فقيل له اشفع لمن شئت».
الذي يلي: وبإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من السنة كنت له شفيعاً يوم القيامة».
وبإسناده عن معاذ بن جبل أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من تعلم أربعين حديثاً من أمر دينه بعثه الله في زمرة الفقهاء والعلماء».
وبإسناده عن أبي هريرة رفعه قال: «من تعلم من أمتي أربعين حديثاً يفقه بها في دينه كان فقيهاً عالماً»، نعم.
طيب باب جامع في فضل العلم، باب جامع من فضل العلم، نعم.
قال أبو علي: وليس يروى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وجه ثابت. إذاً أيضاً ابن السكن وهو من أشهر نقاد الحديث يقول كما قال ابن عبد البر وكما قال النووي، ماذا يقول؟ وليس يروى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت. إذاً في اتفاق بين العلماء واضح أن هذا الحديث لا يصح، نعم.
قال رحمه الله تعالى: باب جامع في فضل العلم. وبإسناده عن أبي هريرة وأبي ذر أنهما قالا: باب من العلم تتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوع، وباب من العلم تتعلمه عمل به أو لم يعمل به، وقال: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا جاء الموت طالب العلم وهو على تلك الحال مات وهو شهيد»، مات وهو شهيد، نعم مر معنا الحديث، نعم.
وبإسناده عن جرير بن حازم أنه قال: سمعت حميد بن هلال قال: سمعت مطرفاً يقول: فضل العلم خير من فضل العمل، وخير دينكم الورع. وهذا مر معنا المجلس السابق أن التزود من العلم خير من التزود في النوافل، هذا المعنى التزود من العلم خير من التزود في النوافل، نعم.
وبإسناده رحمه الله عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من طلب علماً فأدركه كتب الله عز وجل له كفلين من الأجر، ومن طلب علماً فلم يدركه كان له كفل من الأجر».
فلم يدرك إيش يعني؟ أنت إذا أشكلت عليك مسألة فقهية وبحثت وبحثت وبحثت حتى أدركتها وفهمتها كم ستحصل على أجرين؟ طيب وإذا نظرت في مسألة وحاولت تفهم وحاولت لكن لم تدركها، ما سبحان الله ما انحلت أغلقت، كتب لك ثواب هذا السعي أيضاً، لن يضيع السعي وأعطاك الله نصيباً من الأجر.
وقال أبو عمر: أحاديث الفضائل تسامح العلماء قديماً في روايتها عن كل ولم ينتقدوا فيها كانتقادهم في أحاديث الأحكام. بلى، مرة أخرى إذاً يؤكد لكم على هذه الفكرة، هو ليش يؤكد على الفكرة؟ مين يحكي ليه؟ آه شيخ؟ أحسنت، لأنه هو كل مرة بيجيب أحاديث ضعيفة، فحتى لا يسوء ظنك بابن عبد البر وتبدأ تقول الله ابن عبد البر الظاهر أنه لا يحكم النظر في الأسانيد، فيدافع عن نفسه بيقول لك: أنا عارف أن الأحاديث ضعيفة، أنت لن تعلمني أن الحديث ضعيف، لكن لأنه في فضائل الأعمال العلماء تساهلوا في هذا الباب ما لا يتساهل في غيره، نعم.
وبإسناده عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: «العلم بالله عز وجل». قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: «العلم بالله». قال: يا رسول الله أسألك عن العمل وتخبرني عن العلم؟ فقال رسول الله: «إن قليل العمل ينفع مع العلم، وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل»، نعم الحديث ضعيف لكن فكرته صحيحة. فكرته صحيحة، هذا الرجل جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ يعني دلني على أفضل الأعمال، فقال: «العلم بالله» يعني تعرف على الله أسماءه وصفاته وأفعاله من خلال التدبر في الكتاب والسنة وما شابه ذلك، فسأله مرة أخرى فقال: يا رسول الله دلني على العمل، قال: «عليك العلم بالله»، فالرجل قال: يا رسول الله أنا أسألك عن العمل وأنت تدلني على طلب العلم وعلى العلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم بين له أنه عليك أن تتزود من العلم أكثر؛ فإن قليلاً من العمل مع كثير من العلم الصحيح خير من ماذا؟ من كثير من العمل ولا يصحبه العلم، وإنما يصحبه الجهل، أن تعمل عملاً قليلاً لكنه صواب وصحيح لأنك تعلمت كثيراً قبل أن تعمل، خير من أن تعمل عملاً كثيراً وهو مشوب بالجهل والبدعة والأمور التي لا ترضي الله سبحانه وتعالى، نعم.
قال رحمه الله: وقد روي مثل هذا عن عبد الله بن مسعود أيضاً بإسناد صالح، نعم.
وبإسناده عن أبي يوسف أنه قال: سمعت أبا حنيفة رحمه الله يقول: حججت مع أبي سنة 93 ولي ست عشرة سنة، فإذا شيخ قد اجتمع الناس عليه، فقلت لأبي: من هذا الشيخ؟ فقال: هذا رجل... أبو حنيفة رضي الله عنه يخبر عن ماذا؟ أنه حج مع أبيه في هذا السن وكان عمره 16 سنة، نعم.
فقال: هذا رجل قد صحب النبي صلى الله عليه وسلم، يقال له عبد الله بن الحارث بن جزء، فقلت لأبي: فأي شيء عنده؟ قال: أحاديث سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأبي: قدمني إليه حتى أسمع منه، فتقدم بين يدي وجعل يفرج الناس حتى دنوت منه فسمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تفقه في دين الله كفاه الله همه ورزقه من حيث لا يحتسب»، نعم.
من تفقه في دين الله، شوف طلب العلم، قال العلماء يذهب الهم، طلب العلم يذهب الهم، الإنسان المهموم المغموم الذي تكالبت عليه مشاكل الدنيا، اشتغاله بطلب العلم وتعلم الكتاب والسنة والفقه الصحيح هذا ينسيه همه ويشغله، وهذا مصداق هذا الحديث على ما فيه من الضعف، طيب.
قال أبو عمر: ذكر محمد بن سعد كاتب الواقدي -محمد بن سعد الكاتب اللي هو صاحب طبقات ابن سعد- أن أبا حنيفة رأى أنس بن مالك وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي. وهذا إذاً ابن سعد يثبت أن أبا حنيفة رضي الله عنه ماذا؟ تابعي. وهذه الفائدة التي نستخلصها، ابن عبد البر ينقل لنا أن ابن سعد صاحب الطبقات يثبت أن أبا حنيفة كان من التابعين؛ لأنه رأى هؤلاء الصحابة، رأى أنس بن مالك ورأى عبد الله بن الحارث بن جزء. ورؤيته لعبد الله بن الحارث بن جزء وردت في هذا الحديث الذي سبق، وهذا الحديث قال إنه رأى عبد الله بن الحارث بن جزء ضعيف، ومن هنا وقع خلاف بين المحدثين: هل أبو حنيفة أدرك بعض الصحابة أو لا؟ فالبعض يقول أدرك بعض الصحابة فيصنف عنده أبو حنيفة تابعي، ومن قال لا لم يثبت بحديث صحيح أنه رأى صحابياً، يصنف عنده أبو حنيفة من ماذا؟ من تابعي التابعين. الخلاف هل رأى هؤلاء أم لا؟ فابن سعد رأيه أن أبا حنيفة تابعي، هذا طبعاً ابن سعد مؤرخ ضخم، لما تقول ابن سعد صاحب الطبقات أنت بتتكلم عن مصدر من المصادر التي يرجع إليها في التوثق، هل هذا صحابي تابعي تابع تابعي مرجعية، فلذلك ابن عبد البر ركز على النقل عنه، نعم.
وبإسناده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غدا في طلب العلم صلت عليه الملائكة، وبورِك له في معيشته، ولم ينقص من رزقه، وكان عليه مباركاً»، نعم.
وبإسناده عن كعب، طلب العلم لا ينقص الرزق، يعني ولا يشغلك عن مال كان سيأتيك وحرمناك عنه بطلب العلم، الرزق سيأتيك، نعم.
وبإسناده عن كعب أنه قال: ما خرج رجل في طلب علم إلا ضمن الله السماوات والأرض رزقه، نعم.
وبإسناده عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام فـ...» شوف ليحيي به الإسلام، شوف هذه العبارة العالية، طلب العلم ما هدفه؟ يريد أن يحيي.
الأمة، ويريد أن يحيي العقيدة في حياة الأمة، هذه النية الشريفة التي من أجلها نطلب العلم؛ ليحيى به الإسلام، أي يحيي معاني الإسلام في حياة الأمة، ويبعد عنها الشبه والفتن، ويقيها من المزالق. فليحي به الإسلام، فبينه وبين الأنبياء في الجنة درجة واحدة؛ أي أنت تحت الأنبياء مباشرة.
وبهذا الإسناد عن الحسن أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله خلفائي» ثلاث مرات. قالوا: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: «الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله». وبإسناده عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تعلم العلم يحيي به الإسلام لم يكن بينه وبين الأنبياء إلا درجة».
وبإسناده عن إبراهيم أنه قال: بلغني أنه إذا كان يوم القيامة توضع حسنات الرجل في كفة وسيئاته في الكفة الأخرى، فتخف حسناته، فإذا يئس وظن أنها النار، جاء شيء من السحاب حتى يقع في حسناته فتطيش سيئاته، أي تطيش وتذهب. هذا الرجل إذا لما وزن ابتداءً كانت حسناته خفيفة وسيئاته كثيرة، ثم أتى الله عز وجل بسحابة فيها ماذا؟ أعمال عملها الناس بناءً على علم علمه لهم، فجاءت فطاشت السيئات وراحت ورجحت الحسنات.
قال: فيقال له: أتعرف هذا من عملك؟ فيقول: لا. فيقال: هذا ما علمت الناس من الخير فعمل به من بعدك. هذا أكثر شيء يدفع الإنسان أن يعلم الناس الخير، كل كلمة ومسألة في العقيدة، في الفقه، في اللغة العربية، في أي باب من الأبواب أنت أحكمتها وعلمتها واستفاد الناس منها، ستأتي أعمال الناس يوم القيامة هذه في موازينه. لذلك انظروا حد الجمال في الحديث، أنه يقال له: أتعرف هذه من عملك؟ هي الأعمال التي نزلناها في ميزانك، أنت عملتها ويطلع عليها، فيقول: أنا هذه الأعمال ما عملتها. نعم، أنت لم تعملها لكنك علمت الناس فعملوا بها، فتوضع أيضاً في ميزانك يوم القيامة.
لذلك كل أعمال هذه الأمة في ميزان النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه، وكل أعمال التابعين ومن بعدهم في ميزان الصحابة رضوان الله عليهم، وهكذا إلى قيام الساعة، فحاول أن تضرب لك سهماً في هذا الباب. قال: فسمعني رجل من أهل الحديث فذكر أن حماد بن زيد كتب هذا الحديث عن أبي حنيفة فشككت فيه، حتى حدثوني به عن مسلم بن إبراهيم عن حماد بن زيد قال: حدثني أبو حنيفة وذكر الحديث.
وبإسناده عن حماد بن إبراهيم في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47]. قال: يجاء بعمل الرجل فيوضع في كفة ميزانه يوم القيامة فتخف، فيجاء بشيء أمثال الغمام أو قال مثل السحاب فيوضع في كفة ميزانه فيرجح، فيقال له: أتدري ما هذا؟ فيقول: لا. فيقال له: هذا فضل العلم الذي كنت تعلمه الناس أو نحو هذا.
وبإسناده عن إبراهيم أنه قال: بلغني أنه توضع موازين القسط يوم القيامة، فيوزن عمل الرجل فيخف، فيخف أي يجد أن الحسنات خفيفة ما عنده حسنات كثيرة. قال: فيجاء بشيء مثل الغمام أو السحاب فيوضع في ميزانه فيرجح، فيقال له: أتدري ما هذا؟ فيقول: لا. فيقال: هذا من علمك الذي علمته الناس فعملوا به وعلموه من بعدك.
نكمل إن شاء الله بعد الصلاة، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
حياكم الله أيها الأحبة الكرام، نبدأ بالجلسة الثانية. بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. قال رحمه الله تعالى: حدثنا خلف بن قاسم، قال حدثنا محمد بن قاسم بن شعبان، قال حدثنا إبراهيم بن عثمان، قال حدثنا حماد بن عمرو بن نافع، حدثنا نعيم بن محمد، قال حدثنا وكيع، قال سمعت سفيان الثوري يقول: لا أعلم من العبادة شيئاً أفضل من أن يعلم الناس العلم. يعني سفيان الثوري يرى أن أعظم العبادات التي يمكن أن يتقرب بها الإنسان إلى الله أن يعلم الناس العلم، من أعظم العبادات؛ قال: لا أعلم من العبادة شيئاً أفضل، هذا يدل أن تعليم الناس الخير من أعظم العبادات.
وبإسناده عن سحنون بن سعيد أنه رأى عبد الرحمن بن القاسم في النوم، فقال له -القاسم هذا معروف أحد تلاميذ مالك، سحنون طبعاً هو أيضاً أحد أئمة المالكية رضوان الله عليهم أجمعين- فسحنون يقول: رأيت ابن القاسم في المنام بعد أن مات كان ابن القاسم ميتاً رضي الله عنه، فقال: رأيته في النوم فقلت له: ما فعل بك ربك؟ ما فعل بك ربك يعني دخلت الجنة ماذا حصل؟ فقال: وجدت عنده ما أحببت، قال الحمد لله وجدت عند ربي ما أحببت الله أرضاني. قال له: أي أعمالك وجدت أفضل؟ قال: تلاوة القرآن. قال: قلت له فالمسائل؟ فكان يشير بأصابعه يلشيها، يلشيها يعني يخفف منها، أنه لم تكن هي الأكثر، لم تكن هي الأكثر بالنسبة له.
قال: فكنت أسأله عن ابن وهب فيقول لي: هو في عليين. ابن وهب أيضاً هذا من تلاميذ مالك، فقال هذا رأيته في عليين، طبعاً مثل هذه المنامات نحن لا نبني عليها أن ابن وهب أفضل من ابن القاسم وتبدأ تفاضل بينهما بناءً على ذلك، هذا منام وإن شاء الله رؤية صالحة والكل على خير تمام، لكن ابن وهب هذا أيضاً من تلاميذ مالك، بسحنون هو بيسأل عن مشايخه، بقول: وين ابن وهب شيخنا ابن وهب ايش صار فيه؟ قال: لا هذا في عليين في منازل أعلى من منازلنا، والله أعلم ما الذي بلغه هذه المنازل.
وبإسناده عن حبيش بن مبشر أنه قال: رأيت يحيى بن معين في المنام، فقلت يا أبا زكريا ما صنع بك ربك؟ قال: زوجني مئة حوراء وأدناني، وأخرج من كمه رقاع كان فيها حديث، فقال: بهذا. يعني قال زوجني مئة حورية -شايفين أيها الشباب مئة حورية- فقال: بما فعل بك ربك ذلك؟ فأخرج رقعة قال: بهذا، أي بطلب الحديث بطلبي لعلم الحديث.
وبإسناده عن أحمد بن أبي رجاء أنه قال: سمعت أبي يقول: رأيت محمد بن الحسن في المنام فقلت إلى ما صرت؟ قال: غفر لي، ثم قال: قيل لي لم نجعل هذا العلم فيك إلا ونحن نريد أن نغفر. شوف ما أجمل هذه العبارة: لم نجعل هذا العلم فيك إلا ونحن نريد أن نغفر لك، أي لم يحملك الله هذا العلم ويجعلك أهلاً له ويصلح قلبك لتحضر مجالسه ولتستمر عليه حتى الممات إلا لأنه يريد أن يغفر لك ويرفع قدرك. قال: وقلت ما فعل أبو يوسف؟ قال: فوقنا بدرجة. قلت: أبو حنيفة؟ قال: في أعلى عليين.
يعني تتكلم عن أبي حنيفة بالتالي تضع مئة بريك كما يقولون قبل أن تتكلم عن إمام بحجم أبي حنيفة. طبعاً من سيخوض في أبي حنيفة سيفتش في هذا الإسناد ويقول لك: الإسناد فيه ماذا؟ في بعض الرواة فيهم ضعف. أعرف ذلك، أعرف، لكن يا أخي إذا كنا فضائل الأعمال نرجو صلاحها -نرجو صلاح هذا الإسناد يعني حديث في فضائل الأعمال نرجو صلاحه- لماذا لا نرجو صلاح هذا الحديث على ما فيه من الإسناد أن يكون إن شاء الله أبو حنيفة في أعلى عليين؟ تمام، أسأل الله أن يرحمه، فلا تكن من هوايتك التتبع، لا سأثبت أن الحديث ضعيف لأؤكد لكم أن أبا حنيفة ليس في...، ليس من عملك هذا. نرجو لهؤلاء الأئمة الكبار أن يرحمهم الله سبحانه، وأن يجازيهم عنا خير الجزاء على خيرهم وبذلهم، وأن يتجاوز عن خطئهم والهنات التي تصدر من أحدهم. ليس لنا إلا أن ندعو للعلماء والأئمة، وما الخوض في هؤلاء ومحاولة البحث عن مثالبهم... إذا كان العالم مختلفاً فيه بعضهم قال كذا وبعضهم قال كذا، أنت لو ترحمت عليه وسألت الله له المغفرة وتجاوزت ماذا سيضرك ذلك؟ أنت لن يضرك شيء، لكن بعض العقليات لا هي كأنها مصممة أن تثبت أن الرجل ليس هكذا، لن ينفعك شيء الآن، تلك أمة قد خلت يا أخي. تلك أمة قد خلت، الأمور التي تستفيدها استفدها منه، وما نسب إليه مما لا ترتضيه يا أخي لا ترتضيه وترحم عليه وانتهى الأمر، أكثر من هذا لا يسعك من المقال شيء والله أعلم.
وبإسناده عن عبد الله بن داود يقول: إذا كان يوم القيامة وعزل الله عز وجل العلماء عن الحساب فيقول: ادخلوا الجنة على ما كان فيكم، إني لم أجعل حكمتي فيكم إلا لخير أردته بكم. وزاد غيره في هذا الخبر أن الله يحشر العلماء يوم القيامة في زمرة واحدة حتى يقضي بين الناس ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يدعو العلماء فيقول: يا معشر العلماء إني لم أضع حكمتي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم، قد علمت أنكم تخلطون بنا المعاصي ما يخلط غيركم فسترتها عليكم، وقد...
لا، العالم يعصي، العالم عنده ذنوب، وبالتالي لا تتوقع مثالية أنه إذا رأيت عالم خطأ، وإنما كما كان السلف يقولون: نسأل الله أن يستر عنا عيوب علمائنا، ما في عالم إلا في أخطاء، هو إنسان بشري يضعف، تأتي لحظات فتور، تأتي... ما يأتي الناس، لكن سل الله أن يستر عنك عيب شيخك. وكان بعضهم يتصدق قبل أن يذهب إلى مجلس العلم حتى يخفي الله عنه عيب شيخه، قال: لأنه الإنسان بطبيعته إذا رأى عيباً في الشيخ خلص بتحز في نفسه وينقبض قلبه عن طلب العلم على يده، وهذا من مصايد الشيطان أن يكشف لك عيباً في الشيخ أو خطأً أو هنةً حتى يصرفك عن التعلم على يديه. فانتقم من هذا الشعور، لا تستسلم إذا زهدك الشيطان في إنسان أنت تستفيد منه وتتعلم على يديه.
قال: فسترتها عليكم وقد غفرتها لكم، وإنما كنت أعبد بفتياكم وتعليمكم عبادي، ادخلوا الجنة بغير حساب. ثم قال: لا معطي لما منع الله ولا مانع لما أعطى الله. وقد روي نحو هذا المعنى بإسناد مرفوع متصل، وبإسناده عن أبي موسى الأشعري أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء»... هذا هو الإسناد المرفوع المتصل، يعني الآن سيثبت ما هو الإسناد المرفوع المتصل لكنه لا يصح مرفوعاً حقيقة.
ثم يميز العلماء، ثم يقول لهم: «يا معشر العلماء إني لم أضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم».
وبإسناده عن أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء، فيقول يا معشر العلماء إني لم أضع فيكم علمي إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم، انطلقوا فإني قد غفرت لكم».
وبإسناده عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [الإسراء: 55]. قال: في العلم، يعني المفاضلة بين الأنبياء بناءً، الله عز وجل يقول: ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض، في ماذا؟ التفاضل فيما آتاهم من العلم، التفاضل في العلم.
وينسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه من قوله وهو مشهور من شعره، سمعت غير واحد ينشده له الناس في جهة التمثيل: أكفاءه أبوهُم آدمُ والأمُّ حواءُ يعني الناس من حيث الخلقة متساوون كلنا أبونا آدم وأمنا حواء، لا تفاضل بيننا في ذلك. نفسٌ كنفسٍ وأرواحٌ مشاكلةٌ وأعظمُ خُلِقت فيهم وأعضاءُ كلها، أنا عندي نفس وأنت عندك نفس وأنا عندي عظم وأنت عندك عظم وأنا عندي روح وأنت عندك روح، فمن حيث الخلقة والصورة ما في تمايز بيننا. فإن يكن لهمُ من أصلهم حَسَبٌ يفاخرون به فالطينُ والماءُ يعني الأحساب لا يفاخر بها، فأنت إنما تفاخر بطين وماء، يعني ايش تفاخر عليّ؟ أنا ابن العشيرة الفلانية وأنت ابن العشيرة الفلانية، هذا ليس شيئاً يتفاخر به، كلنا من طين وماء. ما الفضل إلا لأهلِ العلم إنهمُ أين التفاضل؟ الآن سيثبت التفاضل في شيء واحد، قال: ما الفضل إلا لأهل العلم إنهمُ على الهدى لمن استهدى أدلاءُ إن هم الأدلاء على الهدى لمن استهداهم، أي طلب الهداية من جهتهم. وقدرُ كلِّ امرئٍ ما كان يُحسنهُ وللرجالِ على الأفعالِ أسماءُ وضِدُّ كلِّ امرئٍ ما كان يجهلهُ والجاهلون لأهل العلم أعداءُ والجاهلون لأهل العلم أعداء، هذه هي الحياة.
قال رحمه الله: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أوحى الله عز وجل إلى إبراهيم عليه السلام يا إبراهيم إني عليم أحب كل عليم».
وأنشدني أبو القاسم أحمد بن عمر بن عبد الله بن عصفور لنفسه شعراً في العلم، وهو أحسن ما قيل في معناه. ابن عصفور من أئمة اللغة رضوان الله تعالى عليه. قال: فمع العلم فاسلك حيث ما سلك العلمُ وعنه فكاشف كل من عنده فهمُ ففيه جلاء للقلوب من العمى وعون على الدين الذي أمره حتمُ فإني رأيت الجهل يزري بأهلهِ وذو العلم في الأقوام يرفعهُ العلمُ العلمُ يُعدُّ كبير القوم وهو صغيرهمُ وينفذ منه فيهم القولُ والحكمُ وأيُّ رجاءٍ في امرئٍ شاب رأسهُ وأفنى سنيه وهو مستعجمٌ فدُم فدم يعني ماذا جاهل.
يروح ويغدو الدهر صاحب بطن، تركب في أحضانها اللحم والشحم، إذا سئل المسكين عن صاحب بطنه؛ يعني فقط يهتم ببطنه، سمنته وطعامه وشرابه. إذا سئل المسكين عن أمر دينه بدت علامات العي في وجهه؛ العي الجهل، يعني بدت معالم الجهل في وجهه إذا سئل عن أي شيء من أمر دينه. وهل أبصرت عيناك أقبح منظر من أشيب لا علم لديه ولا حلم؟ ما أقبح أن يكون الإنسان يصل إلى سن المشيب وهو ليس لديه لا علم ولا فهم ولا شيء.
هي السوءة، السوء؛ فاحذر شماتها، فأولها خزي وآخرها دم. فخالط رواة العلم وأصحب خيارهم، فصحبتهم زين وخلطتهم غنم. ولا تعدون عيناك عنهم فإنهم نجوم إذا ما غاب نجم بدا نجم. جميل هذا البيت؛ إياك أن تعدو عينك عن أهل العلم وعن مجالس العلم، فإن أهل العلم نجوم، إذا ما غاب نجم سطع نجم آخر في منطقة أخرى. فوالله لولا العلم ما اتضح الهدى، ولا لاح من غيب الأمور لنا رسم.
قال بعض الحكماء: وبنور العلم يكشف كل ريب، ويبصر وجه مطلبه المريد. فأهل العلم في رحب وقرب، لهم مما اشتهوا أبداً مزيد. فإذا عملوا بما علموا، فكل له مما ابتغاه ما يريد. فإن سكتوا ففكر في معادن، وإن نطقوا فقولهم سديد. يعني أهل العلم سواء سكتوا أو نطقوا فهم في عمل دائم؛ إذا سكتوا فهم يفكرون، وإذا نطقوا فهم يعظون ويعلمون.
وبإسناده عن أبي المليح أنه قال: سمعت ميمون بن مهران يقول: بغية العلماء هم ضالتي في كل بلدة وهم بغيتي. يعني أفدي العلماء، هم ضالتي في كل بلدة وهم بغيتي، إذا لم أجدهم وجدت صلاح قلبي في مجالسة العلماء. هم ضالتي في كل بلدة؛ يعني هم الذين أبحث عنهم في كل بلدة لأجالسهم وهم بغيتي، إذا لم أجدهم وجدت صلاح قلبي في مجالسة العلماء. إذاً حلق الذكر ليس فقط مجرد معلومات، مجالس العلم صلاح للقلوب أيها الأحبة وثبات على دين الله سبحانه وتعالى. الإنسان ينتبه لهذا الملحظ في حضوره لمجالس العلم حتى يحفز نفسه على الحضور كلما شعر بالملل، حضور مجالس العلم صلاح للقلب وتزكية، وتجلي ما بها من الذنوب والمعاصي، وفيها من معاني الإيمان ما قد لا تراه محسوساً، لكنك ترى أثره في بركة الحياة والأعمار.
وقال سابق البلوي المعروف بالبربري في قصيدة له: والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبه كما يجلي سواد الظلمة القمر وليس ذو العلم بالتقوى كجاهلها ولا البصير كأعمى ما له بصر جميل.
وبإسناده قال: سمعت عن أحمد بن محمد بن يزيد بن مسلم الأنصاري المعروف بابن أبي الخناجري يقول: كنا على باب محمد بن مصعب القرقسائي جماعة من أصحاب الحديث، وفينا رجل عراقي بصير بالشعر. ونحن جماعة من أصحاب الحديث وقفوا على باب محمد بن مصعب ينتظرون خروجه ليتعلموا منه الحديث، وفينا رجل عراقي بصير بالشعر، ونحن نتمنى أن يخرج إلينا فيحدثنا حديثاً واحداً أو حديثين. إذ خرج إلينا فقال: قد خطر على قلبي بيت من الشعر، فمن سيجيب عن هذا البيت ويقل من صاحبه سأروي له ثلاثة أحاديث؛ طبعاً بالنسبة لأهل الحديث قديماً تعطيني ثلاثة أحاديث مرة واحدة، يعني أنت أعطيتني منحة عليا جداً.
فقال: فمن أخبرني لمن هو، حدثته ثلاثة أحاديث. فقال الفتى العراقي: يرحمك الله، أي بيت هو؟ فقال الشيخ: العلم فيه حياة للقلوب كما تحيا البلاد إذا ما مسها المطر. طبعاً هذا هو الذي مر معنا في كلام البربري السابق، هو فقط توظيف له. فقال الفتى: هو لسابق البربري. فقال الشيخ: صدقت، فما بعده؟ فقال: والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبه كما يجلي سواد الظلمة القمر. فقال الشيخ: صدقت، فحدثه ستة أحاديث؛ لأنه روى بيتين مش بيت واحد فكافأه. قال سمعناها معه، وقد تكون سمعناها منه؛ ولماذا سمعناها منه؟ لأنه إذا سمعناها منه يكون الشيخ قد خص هذا الطالب بالجائزة، وإنما في النهاية سمعوها جميعاً، أما سمعناها معه فيكون الشيخ أراد أن يخصه ثم قال: خلص يا عمي بنسمعكم كلكم.
طبعاً طالب العلم يحاول أيها الأحبة دائماً أن يكون عنده ورد من الأبيات هكذا الأدب في الأخلاق يحفظها، مثل هذه الأبيات ابن عبد البر يكثر منها؛ اصطفِ من أبيات ابن عبد البر من هذا الكتاب ما راق لك، ما رأيته جميل استعذبته، اصطفه وحاول حفظه؛ لأنه دائماً هذا الشعر الأدبي أو العلمي يرقق القلب وتستفيده وتوظفه غداً في المستقبل وأنت تعطي محاضرة وأنت تتكلم، يصبح عندك ثروة من الأبيات الشعرية في أثواب متعددة؛ سواء في الحكمة في الذكر في العلم وما شابه ذلك.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ مر بمجلسين في مسجده، أحد المجلسين يدعون الله ويرغبون إليه، والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه، فقال رسول الله ﷺ: «كلاهما على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه؛ أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون ويعلمون الجاهل، وإنما بعثت معلماً»، ثم أقبل فجلس معهم. موطن الشاهد أن مجالس العلم أرفع من مجرد مجالس الذكر.
وبإسناده عن عبيد الله بن أبي جعفر يقول: العلماء منار البلاد، منهم يقتبس النور الذي يهتدى به. المنار قديماً تعرفون المنارة قديماً كان يهتم بها العرب والناس في المناطق تكون مرتفعة جداً جداً، ويوضع عليها إنارة حتى تنير المنطقة التي حولها، ربما اليوم ما زالت موجودة عند البحار عند الموانئ، تكون هناك منارة عالية وضوء في أعلاها ينير البحر لمن يركب البحر ليلاً. فيقول: العلماء هم كالمنارات في البلد، كهذه الأبراج العالية التي عليها نور؛ لأن العلماء ينيرون لأهل البلد سيرهم إلى الله سبحانه وتعالى.
وبإسنادي عن ابن مسعود: نعم المجالس، مجالس تنشر فيها الحكمة وترجى فيها الرحمة. وبإسناده عن الحسن قال: من طلب الحديث يريد به وجه الله، كان خيراً مما طلعت عليه الشمس. يعني خيراً من الدنيا، خيراً مما طلعت عليه الشمس، الشمس تطلع على الأرض بما فيها، فيقول خير مما طلعت عليه الشمس يعني خير من الدنيا بما فيها.
وبإسناده عن الزهري قال: ما عبد الله بمثل العلم؛ يعني أفضل العبوديات التي تتقرب بها إلى الله أن تطلب العلم. وبإسناد عن إسحاق بن إبراهيم نسطاس قال لي عمر مولى غفرة: يا إسحاق، عليك بالعلم؛ فإنه لا يعدمك منه كلمة تدل على هدى أو أخرى تنهى عن ردى. يعني عليك أن تحضر مجالس العلم وتقرأ كتب العلم، فإنك على الأقل لن تعدم كلمة فيها خير تقيك المعاصي والردى والهلاك وتنجيك من النار. أنت قد تحضر آلاف المجالس في العلم وقد يكون في مجلس واحد فقط سمعت كلمة من الشيخ صحصحتك وأنقذتك من النار، فلا تعدم الخير فعلاً؛ مجالس الخير أيها الأحبة مجالس علم عظيمة، ولا تعرف في أي مجلس يمكن أن يستيقظ قلبك، أحياناً قد تجلس مجالس لكن في أحد المجالس أثر فيك أو قال الشيخ كلمة وقعت في موقعها أو لامست جانباً من حياتك، فلا تعرف متى سيأتي الخير الذي يوقظك في مجالس التعلم.
وعن ابن سيرين قال: دخلت المسجد والأسود بن سريع يقص وقد اجتمع أهل المسجد، وفي ناحية أخرى من المسجد حلقة من أهل الفقه يتحدثون بالفقه ويتذاكرون. يعني فالأسود بن سريع عامل له حلقة يقص فيها قصص وعظ، وفي حلقة أخرى في المسجد حلقة فقه وتعلم للحلال والحرام. ركعت ما بين حلقة الذكر وحلقة الفقه، فلما فرغت من السبحة -كل سبحة التي هي الركعتين التي هي الركعتين- قلت: لو أني أتيت الأسود بن سريع فجلست إليه فعسى أن يصيبهم إجابة أو رحمة فتصيبني معهم. ثم قلت: لو أتيت الحلقة التي يتذاكرون فيها الفقه فتفقهت معهم لعلي أسمع كلمة أسمعها فأعمل بها، فلم أزل أحدث نفسي بذلك وأشاورها حتى جاوزتهم فلم أجلس إلى واحد منهم وانصرفت، عرفت هو في النهاية لم يجلس لا في هذه ولا في هذه، باقي يشاور نفسه أجلس مع الأسود بن سريع ولا أجلس في حلقة الفقه، قال أشاور أشاور آخر شيء مشيت لم أجلس مع أي طائفة منهم.
فأتاني آت في المنام فقال: أنت الذي وقفت بين الحلقتين؟ قلت: نعم. قال: أما إنك لو أتيت الحلقة التي يتذاكرون فيها الفقه لوجدت جبريل معهم. هذا يدل على أن حلقات تعلم الفقه والدين أعلى من مجرد حلقات الوعظ، وإن كان كل فيه خير إن شاء الله، لكن الأعلى هي حلقات التفقه.
ولما حضرت معاذ بن جبل الوفاة رضي الله عنه قال لجاريته: ويحك، هل أصبح؟ قالت: لا. ثم تركها ساعة ثم قال: انظري، فقالت: نعم. قال: أعوذ بالله من صباح إلى النار. يعني هو كان في سكرات الموت فيقول أعوذ بالله أن يكون هذا اليوم والعياذ بالله بعده النار، أسأل الله السلامة والعافية. ثم قال: مرحباً بالموت، مرحباً بزائر جاء على فاقة، لا أفلح من ندم. اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجر الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل ولظمأ الهواجر في الحر الشديد ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر. يعني معاذ بن جبل يقول: يا رب أنت تعلم أن هذه الأهداف التي عشت من أجلها الحياة، هذه هي الأهداف العظمى التي عشت من أجلها في الحياة الدنيا؛ مكابدة الليل الطويل في قيام الليل وذكر الله سبحانه والدعاء والالتجاء إلى الله، وظمأ الهواجر اللي هو صيام النهار، وطلب العلم. قال: عشت من أجل هذه الأهداف الثلاث، فيا رب حسن ظني بك أنك سترحمني. لذلك قال: لا أفلح من ندم. إيش يعني لا أفلح من ندم؟
أحسنت، هذا أحد المعاني: لا أفلح من ندم أنه هذه ليست لحظة ندم، يعني باختصار هذه اللحظة الندم لن ينفعك فيها، لا، إذا كنت مفراً في حياتك ولم تقدم شيئاً ستدفع الثمن الآن. والذي كانت حياته جيدة ومشاريعه نافعة في لحظة الموت يقول: الحمد لله، أنا هكذا عشت. فالذي سيندم في لحظة الموت لن يفلح ندمه بشيء، إيش سينفعك ضيعت حياتك؟ استمتعتم بطيباتكم في حياتكم الدنيا.
وبإسناد عن عمار بن الراهب وكان من العاملين لله عز وجل في دار الدنيا قال: رأيت مسكينة التقاوية في منامي، وكانت مسكينة التقاوية هذه إحدى العابدات المشهورات في زمنهم، وكانت من المواظبات على حلق الذكر. قلت: يا مرحباً يا مسكينة، قالت: هيهات! ذهبت والله يا عمار المسكنة وجاء الغناء. ذهبت المسكنة، ما خلص مسكينة كنا في الدنيا أما الآن وقد ماتت وارتقيت إلى الله ذهبت المسكنة والله أدخلني في جنات النعيم، وجاء الغناء الأكبر. قلت: الغناء الأكبر هي الجنة، يعني خلاص الغنى والسعادة الأبدية. قالت: عما تسأل؟ عما أتيح لها الجنة بحذافيرها فتذهب حيث جاءت. أنت بتسأل عن مين؟ عن واحدة ربنا أتاح لها الجنة تذهب فيها حيث شاءت، هذا يدل أنها كانت في خير عظيم نحسبها والله حسيبها. قلت: وبما ذلك؟ قالت: بمجالس الذكر والصبر على الفقر. وهذا مطلبه مجالس الذكر، وإن كان هنا مجالس الذكر يغلب عليها الجانب الوعظي في حياة هذه المرأة، لأنه نحن في سياق العلم هو كأنه أراد مجالس الذكر، ومجالس العلم هي من مجالس الذكر، ومجالس العلم هي من أعظم مجالس الذكر.
مجالس العلم هي أعلاها، وأي حديث جاء في مدح مجالس الذكر فعليك أن تستحضر أن مجالس العلم هي من أعظم المجالس التي يُذكر فيها الله.
وبإسناده عن معاذ بن جبل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العالم أمين الله في الأرض». أمين الله في الأرض أي مستأمن على شرع الله في هذه الأرض، وإن كان الحديث ضعيفاً جداً.
وبإسناده عن الحسن في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201]، قال: العلم والعبادة، وفي الآخرة حسنة قال: الجنة. وبإسناده عن سفيان الثوري يقول: الحسنة في الدنيا الرزق الطيب والعلم، والحسنة في الآخرة الجنة.
وبإسناده عن الحسن أن الرجل ليتعلم الباب من العلم فيعمل به خير من الدنيا وما فيها. تتعلم باباً أو مسألة واحدة فتعمل بها خير لك من كل هذه الحياة الدنيا.
وبإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حدث بحديث فعمل به أعطي أجر ذلك». أي أنا حدثتك بحديث وأنت عملت به، أعطى أجر عملك.
وروينا عن عبد الله بن مسعود من طرق أنه كان يقول إذا رأى الشباب يطلبون العلم: مرحباً بينابيع الحكمة، ومصابيح الظلم، وخلقان الثياب، وجدد القلوب، وحلس البيوت، ريحان كل قبيلة. انظر المعلم الذي يحفز طلابه؛ عبد الله بن مسعود يأتيه الشباب يطلبون العلم فيقول: مرحباً بينابيع الحكمة، ومصابيح الظلم، أنتم من ينير الظلمات للناس، وخلقان الثياب دلالة أنهم لا يعتنون بثيابهم لأنهم لا يملكون وقتاً، هم منشغلون بالعلم فثيابهم بليت، ليس كل يوم بموضة وثوب جديد، وما عنده وقت من أجل أن يصلح ثوبه. طبعاً هو ليس شرطاً أن يكون طالب العلم كذلك، لكن خذ الفكرة العامة وهي الانهمالك في طلب العلم. وجدد القلوب، أي قلوبهم كأنها كل يوم تتجدد لطلب العلم وتقبل عليه من جديد. وحلس البيوت، أي ملازمون لبيوتهم، والمراد التفرغ العلمي؛ بعض طلاب العلم يقول: أنا طالب علم، لكنك ما تراه إلا قاعداً في مطعم أو مشرب أو في قاعدة مع الشباب، ليس قاعداً ببيته يتعلم، فمثل هذا ليس طالب علم؛ طلب العلم بدك تكون جالس في بيتك، تغلق باب غرفتك وتجلس تحفظ المتون وتقرأ الدرس وتلخص وتهذب، الذي يكون كما قال عنه ابن مسعود حلس البيوت ملازمون لبيوتهم للدراسة والتحصيل هؤلاء الذين نرجو لهم الخير.
وبإسناده عن الحسن قال: العالم ريحان كل قبيلة، أي أنتم وردة في هذه القبائل. وقال الحسن: العالم خير من الزاهد في الدنيا المجتهد في العبادة. وقال ابن عمير: وزادني أبو عبد الله محمد بن أسلم في حديث الحسن هذا: إن قبلت حمدت الله، وإن رددت حمدت الله.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لا يزال الفقيه يصلي. قال: وكيف يصلي؟ قال: ذكر الله تعالى على قلبه ولسانه. يعني الفقيه وطالب العلم هو دائماً في صلاة؛ لأنه في أغلب وقته منشغل بذكر الله، إما يعلم القرآن أو يعلم السنة أو يعلم الفقه، هذا كله داخل في ذكر الله.
وبإسنادي عن أبي الحسن المدائني قال: خطب زياد ذات يوم على منبر الكوفة فقال: أيها الناس، إني بت ليلتي هذه مهتماً بخلال ثلاث: بذي العلم، وبذي الشرف، وبذي السن، رأيت أن أتقدم إليكم فيهن بالنصيحة؛ رأيت إعظام ذوي الشرف، وإجلال ذوي العلم، وتوقير ذوي الأسنان. والله لا أوتى برجل رد على ذي علم ليضع بذلك منه إلا عاقبته، ولا أوتى برجل رد على ذي شرف ليضع بذلك منه شرفه إلا عاقبته، ولا أوتى برجل رد على ذي شيبة ليضع بذلك منه إلا عاقبته. إنما الناس بأعلامهم وعلمائهم وذوي أسنانهم.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه».
وبإسناده عن أبي عنبة الخولاني قال: رب كلمة خير من إعطاء المال، لأن الكلمة قد تنجي من النار. وبإسناده عن أبي عمير الصوري أبان بن سليم قال: كلمة حكمة لك من أخيك خير لك من مال يعطيك؛ لأن المال يطغيك، والكلمة تهديك.
وبإسناده عن الحسن البصري يقول: الدنيا كلها ظلمة إلا مجالس العلماء. وبإسناده عن ميمون قال: إن مثل العالم في البلد كمثل عين عذبة في البلد؛ وجود عالم في قرية أو في بلدة كأنها عين ماء عذبة نقية يستطيع أهل البلدة أن يشربوا منها.
وروينا عن عبد الله بن المبارك أنه قال: خير سليمان بن داوود عليه السلام بين الملك والعلم فاختار العلم، فأتاه الله الملك والعلم معه باختياره العلم.
وبإسناده عن معاذ بن جبل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلموا العلم، فإن تعليمه لله خشية، وطلبه طاعة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء. يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة وأئمة، تقتص آثارهم ويقتدى بأفعالهم وينتهى إلى رأيهم؛ ترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، ليستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم. يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، والتفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل قيام الليل، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إمام العلم والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء. هذا من كلام علماء السلوك والفقهاء، أما أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهذا موضوع.
وبإسناده عن علي بن معبد قال: رأيت في المنام كأن أصحاب الحديث عندي وأنا أذم طلاب الحديث كما كنت أذمهم في اليقظة فكنت أتكلم فيهم، فجاءني شيخ أبيض الرأس واللحية فقام بين يدي ورفع يديه وقال: ابن مسعود يرفع حجاباً ويوضع حجاب لطالب العلم حتى يصل إلى الرب عز وجل.
وبإسناده عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من خرج في طلب العلم.
فهو في سبيل الله حتى يرجع؛ فهو إذا كأنه يجاهد في سبيل الله حتى يرجع إلى منزله. أي خروج في طلب العلم سواء في داخل البلد أو في خارج البلد، قال: فهو في سبيل الله حتى يرجع.
بإسناده عن ابن المبارك قال: لي سفيان الثوري: ما يُراد الله عز وجل بشيء أفضل من طلب العلم، وما طُلب العلم في زمان أفضل منه اليوم. وما طُلب العلم في زمان أفضل منه اليوم؟ لماذا يتكلم عن زمنه؟ طبعاً لماذا قال وما طُلب العلم في زمان أفضل منه اليوم؟ قد يكون العكس. لا، أحسنت؛ يعني هناك علماء الحديث في زمن سفيان الثوري وكانوا متوافرين في الأمصار، فتستطيع أنك تذهب إلى مجالس متعددة ومشارب متعددة، فتجد أن العلم حاضر وأن العلم له رجاله. أما كلما ابتعدنا عن زمن النبوة تجد العلم قلت موارده.
وبإسناده عن الحسن قال: إن كان الرجل ليصيب الباب من أبواب العلم فينتفع به، فيكون خيراً له من الدنيا لو جعلها في الآخرة. قال أبو عمر: حسبك بقوله لو جعلها في الآخرة.
وبإسناده عن عبد الرزاق قال: سمعت سفيان يقول لرجل من العرب: ويحكم اطلبوا العلم؛ فإني أخاف أن يخرج العلم من عندكم فيصير إلى غيركم فتذلون. طبعاً هو ما معنى قوله: فيكون خيراً له من الدنيا لو جعلها في الآخرة؟ وأبو عمر يعني عجبته عبارته، قال: حسبك بقوله لو جعلها في الآخرة. ونحن بدنا نتدارس مشايخ، نحن مش مجلس سماع، فأي عبارة أنا رح أشعر أنها فيها دربكة بدنا نسأل حتى نشغل الأذهان. يا حبيبنا شو فهمت؟ خصني في إيش؟ لا لا، بعدت النجعة، اقرؤوا العبارة: إن كان الرجل ليصيب الباب من أبواب العلم فينتفع به فيكون خيراً له من الدنيا لو جعلها في الآخرة. وإيش يقول هنا ابن عبد البر؟ قال: حسبك بقوله لو جعلها في الآخرة. آه يا شيخ عامر؟
لو جعل الوقت الذي أمضاه في طلب العلم... لا يظهر؛ لأن هذا المعنى طلب العلم أعظم من دنيا جُعلت. أحسنت، إيش يعني؟ يعني لو أنك ابتغيت بالدنيا، لو جعلت هذه الدنيا كل حياتك الدنيوية في الآخرة ابتغاء مرضاة الله، طلبك للعلم سيكون أعلى من الدنيا. فهمت يعني لو أنك أنت عايش الدنيا للآخرة، قدمت هذه الدنيا للآخرة، وهذا شيء جميل ولا مش جميل؟ جميل، طلبك للعلم أو حتى باب واحد؛ إن كان الرجل ليصيب الباب الواحد من أبواب العلم فينتفع به وينفع به الناس، هذا أعلى من الدنيا بأسرها لو أن هذه الدنيا جعلتها للآخرة. يعني مش أنك والله الدنيا تريدها فقط للدنيا لأجل أن تأكل وتشرب، حتى لو كنت مخلصاً في جعل الدنيا مزرعة للآخرة وسبيلاً لها، تعلمك العلم أعلى من هذه الدنيا، فلذلك ابن عبد البر أعجبته، قال: حسبك بقوله لو جعلها في الآخرة؛ لأنه هذا يدل أن العلم فضله عظيم جداً جداً، لدرجة أنني لو قارنت بين رجل جعل حياة الدنيا كلها للآخرة، صلاة وزكاة وذكر الله وتسبيح وعمل خير، وهناك مقابل ذلك تعلم العلم، أيهما أعلى؟ تعلمه لباب واحد من أبواب العلم خير من كل هذه الدنيا التي هي أصلاً جيد وعم يقدمها للآخرة.
وبإسنادي عن عبد الرزاق قال: سمعت سفيان يقول لرجل من العرب: ويحكم اطلبوا العلم؛ فإني أخاف أن يخرج العلم من عندكم فيصير إلى غيركم فتذلون. اطلب العلم فإنه شرف في الدنيا وشرف في الآخرة. نعم، سفيان يقول لأحد العرب: اطلب العلم قبل أن ينتقل العلم إلى بلاد العجم فتذلون أنتم أيها العرب. وهذا وقع كثيراً؛ فإن علماء الحديث أصحاب السنن أغلبهم ليسوا من العرب. أليس كذلك؟ أغلبهم ليسوا من العرب، البخاري من بخارى، مسلم نيسابور، الترمذي ترمذ، والنسائي، وابن ماجه أصحاب السنن وجل أصحاب أهل الحديث ممن صنف المصنفات والحاكم النيسابوري، كلهم لم يكونوا عرباً، وهذا يدل أن الله هذا العلم لا يفرق بين عربي وعجمي، من طلب العلم رفعه العلم عربياً كان أو عجمياً.
وبإسنادي عن خالد بن خداش -ثقة- قال: ودعت مالك بن أنس فقلت يا أبا عبد الله أوصني، فقال: عليك بتقوى الله في السر والعلانية، والنصح لكل مسلم، وكتابة العلم من عند أهله إن شاء الله. عليك بتقوى الله والنصح، وكتابة العلم من عند أهله، يعني أن تطلب العلم من رجاله الذين يستحقون أن تجلس بين أيديهم، من هو أهل له.
أنشدني أبو بكر قاسم بن مروان الوراق لنفسه: مالي بقيت وأهل العلم قد ذهبوا ... عنا وراحوا إلى الرحمن وانقلبوا أصبحت بعدهم شيخاً أخا كبرٍ ... كالسلك تعتادني الأسقام والوصبُ صحبتهم وزمان الطرف يجمعنا ... دهراً دحيراً فزانوا كلما صحبوا وفي قصيدة طويلة يذكر قوماً من الفقهاء، فقهاء قرطبة سلفوا رحمهم الله في شعره ذاك. والعلم زين وتشريف لصاحبه، أتت إلينا بذا الأنباء والكتب، والعلم يرفع أقواماً بلا حسب ... من كان ذا علمٍ له حسب، فاطلب بعلمك وجه الله محتسباً ... فما سوى العلم فهو اللهو واللعب. يعني الحياة إما علم وإما لهو ولعب، وأنت عليك أن تختار ماذا تريد. ولي معارضة لقول القائل وهو أبو حاطب: وإذا طلبت من العلوم أجلها ... فأجلها منها مقيم الألسن. العلم يرفع الألسن، ما هو؟ أحسنت، معلوم اللغة العربية. يعني إذا أردت أن تطلب علماً عليك أن تبتدئ بعلوم اللغة؛ لأن هي التي تقوم لسانك فتستطيع تقرأ الكتب، وتستطيع تنظر في كلام العلماء. حقيقة من أكثر الأمور التي تضعف طلاب العلم اليوم هي ضعف في اللغة العربية، بالتالي هو لا يستطيع أن يفهم التراث، كتب التراث بالنسبة له شيء مقفل، يعني ألغاز الكلام مع أنه سهل. نحن نقرأ في كتب التراث، لكن ضعف اللغة العربية الشنيع الذي يعاني منه طلابنا والزهد في تعلمها، وأنه لا خلص أنا ما بدي أدرس لغة بدي أدرس شريعة، بس ما بزبط. لو خضيتها، لو لفيتها، لو أجيت من هون وهون والله ما بزبط، أنا بقول لك من الآخر يعني، حتى ما تضلك تضيع وقتك وحياتك وبدك تحاول تصير طالب علم وأنت ما بتعرف لغة، ما بزبط. نحن لا نريدك سيبويه ولا ابن عصفور ولا هؤلاء، أنا أريدك فقط تحسن الإعراب وفك الجملة العربية وتعرف الفاعل من المفعول من الحال من التمييز، حتى تستطيع تفهم هذه الكتب؛ بدون لغة عربية لا يمكن تفلح.
العلم يرفع كل بيت هين ... والفقه يجمل باللبيب الدين والحر يكرم بالوقار وبالنهى ... والمرء تحقره إذا لم يرزنِ إيش يعني إذا لم يرزن؟ اه، والمرء تحقير الإنسان الخفيف الطايش، أنت تقول إيش هذا؟
فإذا طلبت من العلوم أجلها ... فأجلها عند التقي المؤمن علم الديانة وهو أرفعها ... لدى كل امرئ متيقظ متدين هذا الصحيح ولا مقالة جاهل، فأجلها منها مقيم الألسن؛ لو كان مهتدياً لقال مبادراً: فأجلها منها مقيم الدين. طيب الآن هو إيش وجهة نظر صاحب الكتاب هذا؟ هو يعني يعتبر أن هذه المقالة إيش يريد أن يرد عليها؟ قال: كيف تقول أجل العلوم علوم الألسن؟ قال: هذه مقالة الجهال، الصحيح أن تقول أجل العلوم علوم ماذا؟ الدين. لكن هو شوف يعني هو الذي قال أجل العلوم علوم الألسن، هو لم يقصد أن يفضل علوم اللغة على علوم الشريعة، هو يريد أن يبين أن هذه علوم اللغة أساسية في تعلم العلوم الشرعية، هي الأساس، فلذلك عظمها بقوله: أجلها علوم الألسن. لكن خلص يعني من عارضه إيش قال؟ قال: هذه مقالة الجهال، أن تقول أجل العلوم علم الألسن.
ولبعض الأدباء: يُعد رفيع القوم من كان عالماً ... وإن لم يكن في قومه بحسيب إن حل أرضاً عاش فيها بعلمه ... وما عالم في بلده بغريب أحسنت، وما عالم في بلده ليس غريباً؛ لأن دائماً طلاب العلم حوله يحتفون به، ما بشعر بالغربة ولا بالوحشة.
وفي حكمة داوود عليه السلام: العلم في الصدر كالمصباح في البيت. من أي جهة؟ إيش معنى هذا الكلام؟ اه مشايخ، سهلة هذه ما هي صعبة، أيوه لا بدنا واحد ثاني، أحسنت؛ سهلة يعني ليست صعبة، كما أن المصباح ينير البيت، فالعلم ينير القلب، يعني ليست شيئاً.
وقيل لبعض الحكماء الأوائل: أي الأشياء ينبغي للعالم أن يقتنيه؟ قال: الأشياء التي إذا غرقت سفينته سبحت معه. يعني العلم. نعم، سبحت معه، إيش يعني الآن ما هو الشيء الذي يجب أن تقتنيه؟ قول لك تخيل نفسك في سفينة ومعك أثاث بيت، يعني أثاث بيتك هي السفينة اللي هي حياتك الدنيا، فيها أثاث بيتك وسيارتك، وإيش عندك أيضاً من ممتلكات؟ الآن إذا غرقت السفينة سيغرق كل شيء معك، من الأثاث سيارتك ستغرق، أثاث البيت سيغرق، السجاد سيغرق، الفيلا ستغرق، ولن يبقى معك إلا ما كان في قلبك، لن يبقى إلا ما كان في قلبك وهو ماذا؟ العلم. هذا معنى قوله: عليك أن تطلب الشيء الذي إذا غرقت السفينة بقي معك وأنت تسبح في البحر، وغرقت السفينة رح أصير أسبح في البحر، إيش اللي رح يظل معي؟ ما كان في جوفي، جوفي وهو العلم.
وقال غيره: منهم من اتخذ العلم لجامه اتخذه الناس إماماً، ومن عرف بالحكمة لاحظته العيون بالوقار. نعم، لاحظت من عرف بالحكمة العيون وقرته، يعني الناس توقره وتجله، الشخص الذي يتكلم بالحكمة والرزانة والهدوء الناس ماذا؟ تلاحظه العيون بالوقار، أي توقره وتجله وتعرف قدره.
وقال عبد الملك بن مروان لبنيه: يا بني تعلموا العلم؛ فإن استغنيتم كان لكم كمالاً، وإن افتقرتم كان لكم مالاً. هذه جيدة، هذه عبد الملك بن مروان، ولك العلم الشرعي بيضبط على كل حاجة، قال يعني: إذا كنتم أغنياء تعلموا العلم، إذا ربنا أغناكم بتجارة ولم تحتاجوا بكون العلم زينة خلص يعني، وإذا افتقرتم وما وجدتم أموالاً بصير العلم "بزنس" وشغل وبتشتغلوا وتجيبوا مصاري يعني، فهو يعطيهم الأثر الدنيوي للعلم، قال العلم بينفعكم في الدنيا يعني برضه مش مخسر. طبعاً عبد الملك بن مروان خليفة، فتغلب على هؤلاء عادة النظرة المادية، أما الفقهاء هم اللي بيتكلموا عن النظرة الدينية والبعد الديني.
وعن أبي الدرداء أنه قال: يرزق الله العلم السعداء، ويحرمه الأشقياء. نسأل الله ألا يحرمنا من العلم فلا نكون من الأشقياء.
وفي رواية كميل بن زياد النخعي عن علي رضي الله عنه قال: قال العلم خير من المال؛ لأن المال تحرسه والعلم يحرسك، والمال تفنيه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق. والعلم إيش يعني العلم يزكو على الإنفاق؟ بدنا نشوف، بدنا برفع اليد حتى نعطي مساحة للإخوة، شوفوا يا أسامة؟ أنه يزيد ويبارك فيه بنشره. أحسنت، الإنفاق هو تعليم الخير، العلم كلما أن علمته ينمو ويزداد وتتلاقح العقول، وبتعطيني أنت فائدة، بخلاف المال؛ هذا المال إذا أنفقته في طعام في شراب في كذا، أذهب نعمه. والعلم حاكم والمال محكوم عليه، مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة.
أصحاب الثروات عبر التاريخ الإسلامي ماتوا، ما حدا يذكرهم، أصحاب الثروات في حد الآن بيذكرهم؟ الملوك وأصحاب القيادات وما حدا يذكرهم، لكن من الذي نذكر؟ نذكر الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله وسفيان، هؤلاء الذين يذكرون دوماً ويترحم عليهم منذ الآلاف السنوات، فقال: مات خزان المال وهم أحياء، يعني هم ماتوا قبل ما يموتوا أصلاً، هم أصحاب المال ميتين قبل ما يموتوا، ما حدا يسأل فيهم في النهاية يعني، تمام، إلا اللهم اللي بيستفيد منهم، أما الذي لا يستفيد من مالهم لا يذكرهم بخير، وأما العلماء باقون ما بقي الدهر على ألسنة الناس يترحم ويستفاد منهم.
قال أبو عمر: من قول علي هذا أخذ سابق البربري قوله والله أعلم: موت التقي حياة لا انقطاع لها ... قد مات قوم وهم في الناس أحياء قد مات قوم وهم في الناس أحياء، شو ما أجمل هذا الكلام! قد مات قوم بأجسادهم لكن بقيت أفكارهم وما كتبوه وتراثهم الفقهي والعقدي حياً في قلوب الناس، هذه الحياة الحقيقية، الحياة المستدامة، أنت تحيا في الدنيا قبل الآخرة.
قال إسماعيل بن جعفر بن سليمان الهاشمي: عجبت لمن لم يكتب العلم كيف تدعوه نفسه إلى المكرمة؟ إلى مكرمة. يعني ما ليش عايش يعني باختصار لماذا أنت؟
عايش في الحياة الدنيا.
أنشدنا أبو القاسم محمد بن نصر بن حامد الرومي الكاتب لنفسه في أبيات ذوات عدد: إنما العلم منحة ليس في ذا منازع هو للنفس لذة وهو للقدر رافع يعرف الناس ربهم وهو شاسع فضل الناس كلهم فاضل فيه بارع
وقال الآخر: لا بارك الله في قوم إذا سمعوا ذا اللب ينطق بالأمثال والحكم قالوا وليس بهم إلا نفاسته أنى نفع ذا من الإفلاس والعدم
يعني ما فائدة هذا العلم الذي تتكلم به؟ هل بينفعك؟ هل بجيب مصاري؟ هكذا الناس اليوم. يرى أن هذا العلم لا يطعمك قروشًا، فيقول لك: خلص، ادرس تخصصًا يطعم فلوسًا، أما هذا فما بينفع. فهذا يقول: لا بارك الله في قوم إذا سمعوا الإنسان الذي ينطق بالحكمة والعلم قالوا: هل هذا الكلام يأتي بالمال؟ نريد، وهذا حال الذين يقيسون الدنيا فقط بالمادة، بخلاف الحياة الحقيقية التي هي حياة الأفكار والعقول.
ولأبي سليمان جليس ثعلب: لقد ضلت حلوم من أناس يرون العلم إفلاسا وشؤما كسانا علمنا فخرا وجودا وبالجهل اكتسوا عجزا ولوما وهم هم الثيران إن فكرت فيهم فكيف بأن ترى ثورا عليما
هذا ما بدها تعليق، يعني هو الذي قال: مش بجانبهم ولا تعتب عليهم وكن للكتب دونهم نديما. وتعرفون الثيران يا إخواننا، العج، الثيران هي كيف تعرف الثور؟ هو ذكر البقرة ويكون له قرون، وهو أراد أنه كالبهائم.
وقال الآخر: العلم بلغ قوما ذروة الشرف وصاحب العلم محفوظ من الخرف يا صاحب العلم مهلا لا تدنسه بالموبقات فما للعلم من خلف
يعني لا تدنس علمك بالمعاصي والذنوب يا طالب العلم. وقال آخر: لو أن العلم مثل لكان نورا يضاهي الشمس أو يحكي النهار كذاك الجهل أظلم جانباه ونور العلم أشرق واستنار
وبإسنادي عن معتمر بن سليمان يقول: كتب إلي أبي وأنا بالكوفة: يا بني اشترِ الورق واكتب الحديث، فإن العلم يبقى والدنانير تذهب. قال أحمد بن سعيد: وأنشدني غير واحد في هذا المعنى لبعض المحدثين: العلم زين وكنز لا نفاد له نعم القرين إذا ما عاقلا صحب قد يجمع المرء مالا ثم يسلبه عما قليل فيلقى الذل والحرب
والحرب يعني الهلاك. وجامع العلم مغبوط به أبدا فلا يحاذر فوتا ولا هربا. يا جامع العلم، ذخر تجمعه لا تعدلن به درا ولا ذهبا. جميل هذا الكلام، ودائما أهل العلم في كلامهم وأبياتهم يقارنون بين العلم والمال، باعتبار أنه أكثر ما يصد طلاب العلم عن التعلم طلب المال وطلب الدنيا، هذا الذي يحجب كثيرا من طلاب العلم عن الاستمرار في عملية التعلم؛ أنه يريد أن يجمع المال ويتاجر وينشغل به، فتبقى دائما هذه المقارنة بين العلم وبين المال. المال يقول لك في النهاية قد يسلب منك في لحظة؛ قد تجلس الدنيا تجمع أموالا وأرصدة وفي يوم تذهب البورصة ويصبح لا قيمة للعملة وتخسر كل شيء وجهد سنوات، أما العلم فلا خسارة فيه، مهما تعبت فتجد بإذن الله خيره وبركته في حياتك.
وأنشدنا أبو العيناء وغيره للجاحظ، يقال إنه ليس له غير هذه الأبيات، لأن الجاحظ يقولون ليس من شأنه إنشاء الشعر وإنما هو أديب في النثر، يقال إنه ليس مبرزا في إنشاء الشعر، هو ينقل شعر غيره أما هو ينشئ شعر من نفسه، لا، هو قوي قالوا في الناحية النثرية، كتاب الحيوان، بتعرفوا الجاحظ، والجاحظ صاحب الحيوان والتبيان وغيره عالم كبير في اللغة، وإن كان معتزليا من حيث العقيدة لكنه من حيث اللغة كان مبرزا وقويا جدا، لكن يقولون إنه في الشعر لم ينشئ من عنده إلا آيات قليلة جدا، منها هذه الأبيات: يطيب العيش أن تلقى لبيبا غذاه العلم والرأي المصيب فيكشف عنك حيرة كل جهل ففضل العلم يعرفه الأريب الحرص ليس له دواء وداء الجهل ليس له طبيب
يعني مرض الحرص ما حدا رح يداوي لك إياه، الحريص على الدنيا والخائف تروح وعايش حياته خائف على الدنيا، هذا مرض ليس له دواء، الله يشفيك منه بس ما في عندي دواء أداويك من هذا المرض الذي هو سقام الحرص، وكذلك داء الجهل ليس له طبيب، ما في إلا أنك تروح تتعلم لتستفيد.
وقال بعض العلماء: من شرف العلم وفضله أن كل من نسب إليه فرح بذلك وإن لم يكن من أهله، وكل من دفع عنه ونسب إلى الجهل عز عليه ونال من نفسه وإن كان جاهلا. يعني الجاهل لو قيل له إنك عالم يفرح مع أنه ليس بعالم وهو جاهل، وبالعكس؛ يعني يقول لك يكفي العلم شرفا أن الجاهل إذا مدح بالعلم وهو ليس من أهل العلم يفرح، وإذا نسب إلى الجهل وهو من أهل الجهل يزعل، هذا إذن يدل عقليا ومنطقيا أن العلم صفة مدح وأن الجهل صفة ذم، لا أكثر من ذلك.
وبإسنادي عن ابن شهاب قال: العلم ذكر يحبه ذكورة الرجال، ويكرهه مؤنثهم. يعني العلم يحتاج إلى جلد وتعب وصبر وصعوبة، بالتالي بده شخص شاب جامد كما يقولون، حتى يتعب إلى آخر أنفاس الحياة. وأما الشاب الذي تغلب عليه صفات الخور واللين وكثرة الملل التي هي قال صفات أنثوية، هي ليست صفات الرجل، الأصل في الرجل المعنى للذكر، بمعنى الذكر هو حازم أمره، قوي متابع، مضحي، وأما الذي سريع الفتور، سريع الملل، سريع الكسل، ما عنده همة ينجز دورة ولا كتابا ولا شيئا، أخي هي صفات أنثى، الأنثى التي تميل إلى الدعة والراحة ومش الرجل تمام، ولذلك عبر التاريخ، طبعا يسمعونا أخواتنا اللاتي يسمعننا، قليل جدا أن تكون الأنثى عالمة، هذا واقع تاريخي، لأنه العلم بطبيعته قاس، قاس من أي ناحية؟ التضحية والخروج من المنزل ومدرسة العلماء ومصارعة المشايخ والأسئلة والمناظرات. وبالتالي هو يحتاج إلى صفات، تغلب فيها بعض النساء قد تكون فيها من الخصال القوية ما يعينها على الوصول إلى العلم، وهذا واقع، ابن تيمية كان من جملة شيوخه بعض النساء وغيرهم، ممن ذكر في سيرهم كانوا يجلسون عند بعض المحدثات والعالمات الفقيهات، وأكثر العالمات الفقيهات إذا قرأت بالسير تكون عانسا، تكون لم تتزوج أو مات زوجها مبكرا حتى تفرغت لهذا، أما المرأة المتفرغة لزوجها رعاية وتبعلا ولأبنائها تربية هذا ثغرها الذي يجب أن تهتم به وينصب جهدها عليه، تبقى تتعلم العلم جزاه الله خيرا، لكن أنا أتكلم الوصول لمرتبة عالم، هذا يحتاج إلى وقت وجهد وتفرغ وتعب وسهر وما شابه ذلك، قد لا تصلح طبيعة حياة الأنثى لها إلا بعض النوعيات القليلة في التاريخ، وأما الرجل، نعم، الأصل الرجل أنه يستطيع أن يبذل هذا ويضحي، طبيعة شخصيته الحاد العنيف، الجسد القوي، عدم مطالبته بالمكوث في المنزل بل هو الذي يخرج ويصول ويجول، الأصل أنه أقدر على هذه الأمور، فيا طالب العلم إياك أن تكون أنثى كما قال ابن شهاب رحمه الله.
وبإسناده عن سفيان يقول: ما من شيء أخوف عندي من الحديث، وما من شيء أفضل منه لمن أراد به الله عز وجل. يعني ما معنى ما من شيء أخوف عندي من الحديث؟ وفي نفس الوقت وما من شيء أفضل منه؟ يقول لك ما من شيء أخوف عندي من الحديث وفي نفس الوقت هو أفضل شيء، أنا بحدثكم بس أنا خايف أخشى أن أنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم حديثا لم يقله، ولذلك أنا بروي الحديث وأنا خائف متوتر أن أكون رويت حديثا ليس بصحيح، هذا معنى كلامه، لكن في نفس الوقت إذا كان حديثا صحيحا ونشرته فهو من أفضل الأمور أنني نشرت سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأحييتها بين الناس.
قال بعض الحكماء: من الدليل على فضيلة العلماء أن الناس تحب طاعتهم، وروينا عن عمر بن الخطاب من الدليل على فضيلة العلماء أن الناس بطبائعهم النقية تحب اتباعهم ولا تحب اتباع الجهال، في إنسان يحب اتباع الجهال؟ لكن هي الفكرة أن الإنسان صاحب الفطرة السوية لا يحب اتباع الجاهل وإنما يحب اتباع العالم، اليوم بتلاقي ناس بتبع اليوتيوبرز وهؤلاء وهم أفسد الناس ما عنده قيم ولا أخلاق وتلاقيه مفتون فيه ويتابعه ومغرم فيه وهو جاهل فاسد لا قيمة له، تلاقيه يعظم لاعب كرة قدم وحياته كلها اسم هذا اللاعب وفخر العرب ومش فخر العرب، وآخر شيء لا هو شيء ولا قيمة له، فهناك أناس من كثر تطبعهم مع الملهيات والمفسدات أصبحوا يحبون اتباع الجهال ويعظمونهم، لكن الناس الأسوياء الذين لم تلوث فطرتهم يحبون اتباع الحكماء لا الجهال، الوضع الطبيعي اتباع العلماء.
وروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أيها الناس عليكم بطلب العلم، إن لله رداء محبة، فمن طلب بابا من العلم ألقى الله عليه رداء محبته، إن لله رداء محبة، فإذا طلبت بابا من العلم وتعلمته ألقى الله عليك رداء محبته، يعني أحبك الله واصطفاك، هذا المعنى. فإن أذنب ذنبا استعتبه، استعتبه أي أنتظر عودتك، استعتبك أي أنتظر أن تعود وأن تتوب وأن تقبل، يعني هذه فائدة أنك تطلب العلم أنه إذا طلبت العلم الله يلقي عليك المحبة، فحتى لو عصيت، حتى لو عصيت وأذنبت، ربنا لا ينتظرك وهو بيستر عليك ما لا يستر على غيرك وبينتظر عودتك. وإن أذنب ذنبا استعتبه، لا يسلبه رداءه ذلك، وهو لماذا يصبر عليك؟ لأنه ألقى عليك رداء المحبة وهو سبحانه وتعالى يعز عليه أن يسحب عنك رداء المحبة بسبب ذنبك، فبيصبر عليك حتى ترجع، وإن تطاول به ذلك الذنب حتى يموت، سبحان الله، هذا كلام جميل حقيقة.
وبإسناده عن أنس: أن أخوين كانا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أحدهما يحضر حديث النبي صلى الله عليه وسلم ومجلسه وكان الآخر يقبل على صنعته، يعني واحد بيحضر العلم والثاني مشغول بالحياة بصنعته، فقال يا رسول الله: أخي يعينني بشيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلعلك ترزق به.
وبإسناده عن سفيان قال: إن من كمال التقوى أن تبتغي إلى ما قد علمت علم ما لم تعلم. وبإسناد عن عون بن عبد الله قال: من كمال التقوى أن تطلب إلى ما قد علمت علم ما لم تعلم، يعني أن تبقى تتزود من العلم، أن تبقى تتزود من العلم. وزاد فيه: واعلم أن التفريط فيما قد علمت ترك ابتغاء الزيادة فيه، وإنما يحمل الرجل على الترك لابتغاء الزيادة فيما قد علم قلة الانتفاع بما علم.
وقال إسماعيل بن جعفر بن سليمان الهاشمي: عجبت لمن لم يكتب العلم كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة.
لا يكون البعض لم يفهم الحديث السابق، حديث «لعلك ترزق به»، وهو من الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أخي لا يعينني بشيء، اللي بيحضر المجلس ولا الصنائعي؟ حتى ما تفهموا الحديث بالعكس؛ اللي شكا الصنائعي يعني يا رسول الله، أخوي جالس عندك في مجالس العلم مش عم يساعدني في الصنعة، أنا بس بجيب مصاري وأخوي قاعد عندك في مجالس العلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: «لعلك ترزق به» أي ببركة جلوسه في مجالس العلم. أنت خلص اشتغل وجيب مال واصرف على أخوك وخليه يتفرغ للعلم والدراسة؛ هذا إن شاء الله فيه بركة وأنت ترزق به، وبيزداد دخلك ببركة إنفاقك على أخيك المسلم.
وقال جعفر بن محمد: الكمال كل الكمال التفقه في الدين، والصبر على النائب، وتدبير المعيشة. وقال: ما موت أحد أحب إلى إبليس من موت فقيه. وقال بعض الحكماء: من الدليل على فضيلة العلماء أن الناس تحب طاعتهم.
وكان يقال: العلم أشرف الأحساب، والأدب والمروءة أرفع الأنساب. وقال بعض الحكماء: أفضل العلم وأولى ما نافست فيه منه علم ما عرفت به الزيادة في دينك ومروءتك. يعني هذا أفضل شيء، تتعلم علم تتزود فيه في الدين وعلم تتزود به من المروءة والأخلاق؛ هذا أفضل وأهم ما تنافس عليه.
قال الأحنف: كاد العلماء أن يكونوا أرباباً، وكل عز لم يؤكد بعلم فإلى ذل ما يصير. كاد العلماء أن يكونوا أرباباً يعني آلهة، بس هو ليس المراد، هي نوع من المبالغة خلينا نقول تدل على شرفهم وعلو مكانتهم. ويقال: مثل العلماء مثل الماء حيثما سقطوا نفعوا. وقال أبو الأسود الدؤلي: الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك.
وقيل لبزرجمهر: أيما أفضل الأغنياء أو العلماء؟ فقال: العلماء. قيل له: فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء؟ قال: لمعرفة العلماء بفضل الغنى وجهل الأغنياء بفضل العلم.
وقالت امرأة لإبراهيم النخعي: يا أبا عمران، إنكم معاشر العلماء أحدة الناس وألوم الناس. فقال لها: أما ما ذكرت من الحدة فإن العلم معنا والجهل مع مخالفينا، وهم يأبون إلا دفع علمنا بجهلهم. جميل هذا الكلام، أقول لك لماذا انتم أيها العلماء أحيانا بتشوف الشيخ عنده حدة أو الشيخ يلوم الناس؟ هو الآن بيعطيها فلسفة هذا الأمر؛ لماذا أحياناً فعلاً بعض المشايخ الأفاضل والعلماء الكبار عندهم حدة؟ حتى مثلاً ابن تيمية لما ذكره الذهبي في سيره قال: وكان فيه حدة، ما كانش سهل في الشخصية، كان فيه نوع حدة في التعامل مع المخالفين. لماذا العالم يكون فيه حدة؟ قال: أما ما ذكرت من الحدة فإن العلم معنا، قال: لأنه أنا عالم وعندي العلم وبيجيني واحد جاهل لا يفهم شيء وبيصير يناقشني وبده يخطيني وبده يطلع أنه هو الفاهم وأنا الجاهل، قال: فلما أنظر في مثل هذا النوع من البشر أكيد بتطلع الحدة كلها في أمثال هؤلاء؛ أنت أكون أنا تعبان عشرين سنة ولا ثلاثين سنة وألفت وصنفت ويجيني آخر شيء جاهل بده يعلم ويظهر لك أنه هو الفاهم المسألة من أولها إلى آخرها، وهذا اليوم كثير؛ إنسان لا يعرف شيء ويظهر أمام الناس أنه كل شيء وأن العلماء مش فاهمين شيء وهو مش فاهم حاجة أصلاً، فمن ذا يطيق الصبر على هذا؟
وأما اللوم، فإنتم تعلمون تعذر الدرهم الحلال، وأنا لا نبتغي الدراهم إلا حلالاً، فإذا صار إلينا لم نخرجه إلا في وجهه الذي لا بد منه. وقالوا: العلماء في الأرض كالنجوم في السماء، والعلماء أعلام الإسلام، والعالم كالسراج من بر اقتبس منه، ولولا العلم كان الناس كالبهائم.
وأما ألوم الناس، فهو إذا لن يكون من اللوم بمعنى الملامة؛ هذا يجب أن ينظر في جذره، أن يحمل على شيء آخر من المعاني، اللوم بمعنى أقل الناس دفعاً للمال، ألوم الناس يلوم عائلته على صرف المال، يضل يسأل وين رديتوا المصاري؟ ممكن هذا، أن نقول اللوم بهذا المفهوم. ودائماً مشايخ أعطي قاعدة، لما تقرأ كتاب إياك أن تمر عليك كلمة لا تفهمها؛ ما بينفع طالب علم بيقرأ كتاب وبعض إخواننا وطلابنا خاصة اللي بيتعودوا على الدراسة الجامعية بيقرأ الكتاب اللي مش فاهمه بيلف، بيمر الكتاب عليه مائة سطر وصفحة وصفحتين ومش فاهم عشان هيك يبقى ضعيف؛ العلم وتنمية الملكة العلمية والفكرية تحتاج إلى وقت، يا أخي الكلمة التي لم تفهمها اصبر حاول أن تحللها، ما استطعت تبحث؛ اليوم عندك وسائل بحث كثيرة، يا أخي أقل شيء افتح على جوجل اكتب كلمة ألوم الناس ممكن تجد في البحث في المنتديات شيء سريع، لكن لا تبقى هكذا لا، ما بدي أبحث خلص، لا، أفهم أتعدى إلى ما بعده فتكتشف أن كثير من الكتاب ما زال في حيز الغامض؛ فمثلاً هذه عبارة يجب أن نحاول نفهمها، ما معنى أنكم ألوم الناس؟ وماذا فسرها؟ قال: واما اللوم فإنتم تعلمون تعذر الدرهم الحلال، وأنا لا نبتغي الدرهم إلا حلالاً؛ يعني أنتم بتعرفوا مصادر الحلال قليلة، والعالم الورع لا يطلب إلا الدرهم الحلال، لا يمكن أن يأخذ قرض ربوي، فإذا مسكنا هالكم قرش الحلال أكيد بدنا نتمسك فيها ولن نسمح لأهلنا أن يضيعوها يميناً وشمالاً، فالفهم الذي قدمته أعتقد أنه فهم جيد، أنهم يلومون عائلتهم ويفتشون أين ذهب هذا الدرهم، أين دفعتم هذا؟ هل صرف؟ لماذا اليوم صرفتم أكثر من القدر المطلوب؟ هذا اللوم ما سببه؟ أنه عالم مصادر الحلال محدودة فهو حريص أن يصرف على قدر الحاجة، لأنه إذا ذهبت بالكاد يستطيع أن يجمع مالاً حلالاً مرة أخرى.
وبإسناده عن الحسن قال: كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وبصره ولسانه ويده وصلاته وزهده. هذا كلام مهم جداً حقيقة، هذا كلام الحسن دائماً ينقل عنه في كثير من السياقات الأدبية لطلاب العلم؛ كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وبصره ولسانه ويده وصلاته وزهده. يعني السلف، وهذا منهج، مش قلنا جامع بيان العلم وفضله؟ بدك تعرف منهج السلف في طلب العلم، من مناهجهم أن الطالب طالما شرع في طلب العلم، يعني بلغتنا المعاصرة سنة أولى شريعة، شهرين ثلاث يبدأ سمت العلم يظهر على حياته، يظهر في حركاته، توازناته، لباسه، قيام الليل، زهده، تعاملاته مع السوشيال ميديا تبدأ تخف كثيراً، يعني تنقلب حياته رأساً على عقب، لأنه يعرف حجم الطريق الذي يخوضه؛ بخلاف كثير من طلاب العلم اليوم اللي قد يدخل كليات شرعية ومثله مثل طالب الهندسة، مثله مثل طالب الطب، مثله مثل طالب كلية الفنون نفسه، ما بتفرق، نفس الملابس، اللحية بالكاد ظاهرة، ملابسه، شكله، كلامه، عبادته يكون عوام المسلمين أفضل منه؛ كثير ممن يطلب العلم عوام المسلمين أفضل منه في العبادة، أفضل منه في السلوك، أفضل منه في الأخلاق، فمثل هذا هل يرجى للعلم؟
هل يرجى أن يكون عالماً؟ إذا كان عوام الناس اللي هم الأصل يقتدوا بك وأنت من تكون رمزاً لهم، أنت اللي بتقتدي فيهم، أنت الذي تتعلم على موائدهم، إذا أنت لم تفهم بعد ما معنى أنك طالب شريعة، أنت لست إلا طالب جامعة، أنا أقول لكثير من الطلاب في كلية الشريعة في فرق بين طالب الجامعة وطالب العلم، هسه طالب شريعة في جامعة قل له أنت طالب جامعة، لما يصبح العلم يظهر على حياتك قل لي أنا طالب علم، أما أنك تتسرع وتقول أنك طالب علم، هذه النسبة ليست مجانية، هي مش ببلاش تقول أنك طالب علم، طالب علم بدك تدفع ثمنها، أما ما سوى ذلك قل أنا طالب جامعة بيمشي الحال إن شاء الله.
وإن كان الرجل يصيب الباب من أبواب العلم فيعمل به فيكون خيراً له من الدنيا وما فيها لو كانت له فجعلها في الآخرة، أي نفس الفكرة هذه، لو كانت له وجعلها في الآخرة. وكان الحسن يقول: والله ما طاب طلب هذا العلم أحد إلا كان حظه منه ما أراد به؛ يعني إذا كنت طلبته من أجل الدنيا كان حظك منه الدنيا، وإذا طلبته ابتغاء وجه الله كان حظك منه الرضا والسعادة في الدار الآخرة. ذكره أبو فاطمة عن هاشم عن الحسن، طبعاً هذا كله عن الحسن البصري وهو كلامه عظيم جداً، الحسن البصري في أي مكان تجد فيه كلام الحسن البصري فاعلم أنه عظيم، حسن البصري كلامه يشبه كلام الأنبياء كما قالوا.
وبإسناده عن مصعب بن عبد الله قال: قال لنا أبي: اطلب العلم، فإن يكن لك مال أجادك جمالاً، وإن لم يكن لك مال أكسبك مالاً. هذا نفس كلام عبد الملك بن مروان.
وبإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علماً يقربني من الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم». طبعاً هذا موضوع، هذا لا يمكن أن يكون قاله النبي صلى الله عليه وسلم؛ تمام هذا كلام وعظي قصصي مش كلام أنبياء حتى في لغته الركاكة واضحة، فهذا موضوع. وبإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل يوم يمر علي لا أزداد فيه علماً يقربني من الله».
قال أبو عمر: أخذه بعض المتأخرين وهو علي بن محمد الكاتب البستي فقال... أخذه، هذا كثير ما يحصل أن الأدباء كانوا يأخذون بعض الأحاديث يأخذون معانيها وينظمونها على شكل شعر، يأخذون معاني الأحاديث وينظمون هذا المعنى على شكل ماذا؟ شعر؛ فماذا قال البستي:
دعوني وأمري واختياري فإنني بصير بما أبدي وأبرم من أمري، إذا ما مضى يوم لم أصطنع يداً ولم أقتبس علماً فما هو من عمري.
وهذا معنى الحديث السابق، أي يوم يأتي ولا أزداد علماً فهو ليس من عمري.
وبإسناده عن عمر بن محمد بن المنكدر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أفضل الفوائد حديث حسن يسمعه الرجل فيحدث به أخاه».
وكتب رجل لأخ له: إنك أوتيت علماً فلا تطفئ نور علمك بظلمات الذنوب، فتبقى في ظلمة يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم إلى الجنة، تحرز من الذنب.
ومن حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أهدى المرء لأخيه هدية أفضل من كلمة حكمة يزيد الله بها هدى أو يرده بها عن ردى». رجعنا لهذا المعنى، أيضاً حديث كعب الأحبار وبإسناده عن كعب قال: كعب الأحبار هذا أحد يعني من أسلم، كان طبعاً هو أدرك النبي صلى الله عليه وسلم لكن لم يسلم، أسلم بعد ذلك في زمن الخلفاء الراشدين وكان ينقل عن الإسرائيليات لأنه هو أصلاً من رجالاتهم. كعب الأحبار ماذا قال؟ قال: أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام: تعلم الخيرة وعلمه الناس، فإني منور للعلم ومتعلمه قبورهم حتى لا يستوحشوا لمكانهم. وبإسناده عن علي الأزدي قال: سألت ابن عباس عن الجهاد فقال: ألا أدلك على ما هو خير؟ الأثر مفهومه، نعم. الحديث الذي يليه: وبإسناده عن تميم الداري قال: تطاول الناس في البنيان زمن عمر بن الخطاب.
الخطاب رضي الله عنه فقال: يا معشر العرب، إنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة. ألا فمن سوده قومه على فقه كان ذلك خيراً له، ومن سوده قومه على غير فقه كان ذلك هلاكاً له ولمن اتبعه. بالتالي لا يصدر الإنسان نفسه ولا يسود حتى يتأكد من تفقهه، حتى لا يهلك نفسه ومن يتبعه من الأفراد.
وبإسناد عن المبرد قال -والمبرد أحد أئمة اللغة لكن من البصريين، ومقابل لثعلب من الكوفيين-: كان يقال تعلم العلم، فإنه سبب إلى الدين، أي ثبات في الدين، يزيدك تديناً. العلم وتعلمه يزيدك تديناً، ومنبهة للرجل، أي يرفع قدره بين الناس، ينبه بين الناس، أي يعرف بين الناس، ومؤنس في الوحشة، وصاحب في الغربة، ووصلة في المجالس، وجالب للمال، وذريعة في طلب الحاجة. فالعلم فيه خير الدنيا والآخرة.
وقال ابن المقفع: اطلبوا العلم؛ فإن كنتم ملوكاً برزتم، وإن كنتم سوقة عشتم، يعني بتعلمه يأتيكم ما يصلح حالكم. وقال أيضاً: إذا أكرمك الناس لمال أو سلطان فلا يعجبك ذلك، فإن زوال الكرامة بزوالهما. بتعرفوا بعض الناس يبقى "سيدي وسيدي" وكذا لحتى تتقاعد عسكرياً، ساعتها بتصفي على جنب بتصير تصلي في المسجد على جانب اليمين على الكرسي، هذا الذي نحن في بلادنا صحيح. فبقول لك هذه المراتب التي يعظمك الناس عليها إذا زال المرتب ذهب، ولكن أما العلم فيبقى خالداً تبقى كرامتك بين الناس حاضرة.
ولكن يعجبك إذا أكرموك لعلم أو دين. ويقال: ثلاثة لا بد لصاحبها أن يسود: الفقه والأمانة والأدب. يعني من جمع هذه الخصال حق لصاحبها أن يسود، يصبح سيداً إذا جمع بين الفقه والأمانة والأخلاق.
وقيل للقمان الحكيم: أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن علم، إن ابتغى عنده الخير وُجد. وقال الحجاج لخالد بن صفوان: من سيد أهل البصرة؟ قال له: الحسن. الحسن البصري، مع أنه الحسن البصري هو يعتبر مولى ولم يكن أصلاً من خالص الحرية كما يقولون أو خالص الأحرار. فقال: وكيف ذلك وهو مولى؟ فقال: احتاج الناس إليه في دينهم، واستغنى عنهم في دنياهم.
شوف جميل هذه العبارة؛ يعني دخلوا على البصرة قالوا من سيد البصرة؟ قالوا الحسن البصري، فاستغربوا الحسن البصري مولى كيف أصبح سيداً؟ قال ساد الناس، كيف؟ احتاج الناس إلى علمه وهو لم يحتج إلى دنياهم، فبالتالي سادهم جميعاً. وما رأيت أحداً من أشراف أهل البصرة إلا وهو يروم الوصول في حلقته ليستمع قوله ويكتب علمه. فقال الحجاج: هذا والله السؤدد، هذا هو السؤدد الحقيقي، وإلا هذه البهارج والقصور والسيارات هذا كله كلام فارغ.
وروينا أن معاوية بن أبي سفيان حج في بعض حجاته، فابتنى بالبطحاء مجلساً فجلس عليه ومعه زوجته ابنة قرظة بن عمرو بن نوفل، فإذا هو بجماعة على رحال لهم، وإذا شاب منهم قد رفع عقيرته يغني: أنا الأخضر من يعرفني؟ أخضر الجلدة من بيت العرب من يساجلني يساجل ماجداً، يملأ الدلو إلى عقد الكرب فقال معاوية: من هذا؟ فقال: فلان بن جعفر بن علي بن أبي طالب. قال: خلوا له الطريق فليذهب.
ثم إذا هو بجماعة فيهم غلام يغني: بينما يذكرنني أبصرنني، عند قيد الميل يسعى بي الأغر قلنا تعرفن الفتى؟ قلنا نعم، قد عرفناه وهل يخفى القمر؟ قال: من هذا؟ قالوا: عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة، وهذا الشاعر الغزلي المعروف الذي هو شغل نساء يعني كان للأسف. قال: خلوا له الطريق فليذهب.
ثم إذا هو بجماعة، نعم عبد الله بن عباس كان يجلس ويحب شعر ابن أبي ربيعة، عبد الله بن عباس كان يناديه "حديث ابن أبي ربيعة"، يعني لما كان بده يروق عبد الله بن عباس قلت له تعال نسمع من قصائدك ومن كذا، ويحفظ كان يحفظ قصائده الغزلية يعني له قصائد جميلة وإن كان كما قلنا هو يغلب عليه الغزل.
ثم إذا هو بجماعة حول رجل يسألونه؛ فبعضهم يقول: رميت قبل أن أحلق، وبعضهم يقول: حلقت قبل أن أرمي، يسألونه عن أشياء أشكلت عليهم من مناسك الحج. فقال: من هذا؟ قالوا: هذا عبد الله بن عمر. فالتفت إلى زوجته ابنة قرظة فقال: هذا وأبيك الشرف، هذا والله شرف الدنيا والآخرة. يعني هذا الأمير كان جالس في البطحاء ومر عليه أكثر من نموذج؛ النموذج الأول قال: مشوه، مش أعطى القصيدة ومن يساجلني في الشعر، ثم مر عليه ابن أبي ربيعة بغزله قال: مشوه اصرفوه يعني ليس بشيء، ثم مر عليه عبد الله بن عمر وهم يسألونه في العلم، قال: آه، هذا هو الشرف، ليس الشعر وما شابه ذلك. طيب نختم هذا عشان نصلي ثم نعود نكمل إن شاء الله.
وبإسنادي عن سفيان بن عيينة في قوله عز وجل ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: 4] قال: الرواية عن الأنبياء هي الأثارة من العلم. طيب نكمل إن شاء الله بعد صلاة المغرب، صلى الله على سيدنا محمد.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. نشرع في إكمال مجلس اليوم، أقرأ باب ذكر كراهية كتابة العلم وتخليده في الصحف.
طيب، الآن كتابة العلم، الكراهة التي يتكلم عنها هنا أن السلف رضوان الله عليهم كانوا يهتمون بتقوية ذاكرة طلاب العلم، ويريدون من طلاب العلم الاعتماد على الحفظ والذاكرة، وليس فقط على ما يكتبونه، وليس فيه انتقاد لنفس الكتابة؛ قضية تقييد العلم وكتابته كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فيها الإشكال أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعتني الصحابة بالقرآن ولا يخلطوه بغيره، ثم أذن لهم في الكتابة بعد ذلك.
لكن في زمن السلف، السلف اللي هو التابعين وتابع التابعين، بقي السلف يحبون من الطلبة الاعتماد على قوة الذاكرة؛ لأنه الطالب الذي فقط يعتمد على كتابة المعلومات وما عنده جلد على تقوية قدراته في الحفظ، مع الوقت تضعف قدراته العلمية؛ قوته العلمية ليست كقوة من يحفظ كل ما عبأ في داخله. فمعنى قوله باب ذكر كراهية كتابة العلم، الآن هل العلم نكره أن نكتبه؟ لا، في الحقيقة لا يكره كتابته، كان طبعاً كما قلت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك نهي عن كتابة الحديث أو غيره من العلم ابتداءً حتى لا يخلط بالسنة، وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم بالكتابة في آخر الأمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص كتب، وجابر كتب، ومجموعة من الصحابة كتبوا رضوان الله تعالى عليهم. لكن عموماً السلف كانوا يحرصون على أن الطالب ينبغي أن يهتم بتنمية قدراته في الحفظ والذاكرة، ولا يبقى فقط يعتمد على كتابته ولا يعتمد على ذاكرته؛ لأنه هذا سيخونك، الكتابة تخونك، قد لا يكون الكتاب معك، قد يحدث له بلل، قد يضيع الكتاب، فإذا ضاع الكتاب ضاع علمك؛ فلا بد من تقوية قدرات الحفظ لدى الطلاب.
وبإسناده عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، فمن كتب عني شيئاً سوى القرآن فليمحه». نعم، هذا كان في بادئ الأمر.
وبإسناده عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: دخل زيد بن ثابت على معاوية، فسأله عن حديث، فأمر إنساناً أن يكتبه، فقال له زيد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا ألا نكتب شيئاً من حديثه فمحاه. طبعاً هذا كان فهم زيد بن ثابت، يعني زيد كان يعتقد أن النهي عن كتابة الحديث مستمر، لكن هذا فهمه رضي الله عنه، غيره من الصحابة كتبوا ما في مشكلة.
وبإسناده عن عبد الله بن يسار قال: سمعت علياً يخطب يقول: أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، كتاب يعني شيء كتبه، هذا معنى كلمة كتاب هنا مش أنه كل واحد عنده كتاب يروح، لا، مراد كتاب أي شيء كتبه. إنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم.
وهذا شوف هذا الكلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه يدل على أصل الفكرة، وهو أن القوم كانوا يريدون أن ينشغل الناس جميعاً بماذا؟ بالقرآن، ولا يريدون حتى أن يكتب كلامهم. علي بن أبي طالب لا يريد لأحد من الناس أن يكتب فقهه، يقول لك: اشتغلوا بالقرآن، لا أريد أن تتبعوا كلام علمائكم، لا اتركوا الكتاب وانشغلوا بماذا؟ بكتاب الله سبحانه وتعالى. كانوا يريدون من الناس أن يتوحد عندهم مصدر التلقي أن يكون فقط من القرآن أساساً، وكل كلام العلماء هو فقط شارح للقرآن فلا يعتمد عليه أو يصبح هو المقصد. وهذا كلام ترى كلام صحيح، أن كثيراً من طلاب العلم الذين ينشغلون اليوم بحفظ المحفوظات والمنظومات تجده يحفظ الألفيات والمنظومات ولا يحفظ القرآن؛ خلص الشيطان دخل عليه من هذا الباب، تجد يقرأ المصنفات ويستلذ بقراءة كلام ابن تيمية وكلام الفقهاء ويناظر، طب تعال انظر في ورده من القرآن، يا أخي بقول لك لا أستلذ بالقرآن. آه، هذه مشكلة كبيرة، أن يصبح لك عادة في القراءة في المصنفات والكتب والتاريخ وليس لك انهماك وانشغال بكتاب الله سبحانه وتعالى؛ هذا ما كان يخشى منه الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم.
وبإسناده عن أبي نضرة قال: قيل لأبي سعيد: لو أكتبتنا الحديث؟ فقال: لا نكتبكم، خذوا عنا كما أخذنا عن نبينا -عليه الصلاة والسلام-، خذوا عنا أي من أفواهنا بدون كتاب.
وبإسناده عن أبي نضرة قال: قلت لأبي سعيد الخدري: ألا نكتب ما نسمع منك؟ قال: أتريدون أن تجعلوها مصاحف؟ إن نبيكم صلى الله عليه وسلم كان يحدثنا فنحفظ، فاحفظوا كما كنا نحفظ. تنمية قدرة الحفظ.
وبإسناده عن أبي نضرة قال: قلت لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه: إنك تحدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً عجيباً، وإننا نخاف أن نزيد فيه أو ننقص. قال: أردتم أن تجعلوه قرآناً؟ لا، ولكن خذوا عنا كما أخذنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. شايف هم إذاً ماذا كانوا يخافون؟ أنه يصير كلامهم زي القرآن، مكتوب بجانب القرآن يقرأ، فهم يخشون من ذلك.
وبإسناده عن ابن وهب قال: سمعت مالكاً يحدث أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يكتب هذه الأحاديث أو كتبها، ثم قال: لا كتاب مع كتاب الله. قال مالك رحمه الله: لم يكن مع ابن شهاب كتاب إلا كتاب فيه نسب قومه. قال: طبعاً هذا ابن شهاب الزهري، أحد أئمة كبار الحديث، إذا كل هذه الأحاديث الضخمة التي رواها ابن شهاب، من أين رواها؟ من حفظه، هذه الفكرة. تخيل ذاك ابن شهاب أحد كبار رواة الحديث من السلف، فهو يقول لا تفكروا إنه ابن شهاب كان يحدث من كتب، بين يديه كل هذه الأحاديث بكمها الهائل رواها من ذاكرة واحدة سبحان الله. قال: ولم يكن القوم يكتبون، إنما كانوا يحفظون، فمن كتب منهم الشيء فإنما كان يكتبه ليحفظه، فإذا حفظه محاه، يعني حتى من كان يكتب، كان مجرد يكتب ليحفظ، فإذا حفظ خلص يمحو ما كتبه.
وبإسناده عن عروة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يكتب السنن، فاستفتى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له، فقال: إني كنت أريد أن أكتب سنناً، وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً. إذاً نفس الفكرة، المقصد واضح.
عزم الله له، يعني ماذا سيفعل؟ عزم الله له خلص، استخار وتوكل على الله وعرف ما الذي سيفعل، وأنه لن أكتب، أنني عزم الله له يعني عدم الكتابة، هذه هي.
وبإسناده عن ابن عباس أنه قال: أنا لا نكتب العلم ولا نكتبه، لا نكتبه ولا نجعل غيرنا من طلابنا يكتبه.
وبإسناده عن يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب سنناً، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: من كان عنده شيء فليمحه.
وبإسناده عن سليم بن الأسود المحاربي قال: كان ابن مسعود رضي الله عنه يكره كتابة العلم. وبإسناده عن أبي بردة قال: كتبت عن أبي كتاباً كبيراً، فقال: ائتني بكتبك، فأتيته بها، فغسلها، فغسلها، إيش يعني غسلها؟ غسالة. قال: ما هي قديماً كانوا يكتبون على الجلد، قديماً كانوا يكتبون على ماذا؟ على الجلد، فهو مسك هذا الجلد كله غسله بالماء فذهب ما فيه من المكتوب. طبعاً هذا موقف لبعض الصحابة، موقف لبعض الصحابة أنه كان لا يريد أن يكتب شيئاً، سنجد في باب آخر أنه لا، بعض الصحابة كان وجهة نظرهم أنه هذا نسخ، خلص النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه لمقصد، ثم نسخ ذلك فعلينا أن نكتب، ففي خلاف في وجهات النظر بين الصحابة، لكن بعد ذلك في عصر التابعين وبعدهم اتفق العلماء على أنه.
يجب الكتابة؛ لماذا؟ توسعت العلوم، كثرت البدع، ضعفت أفهام الناس، جاء الوضاع، الأمور أصبحت معقدة، فأصبحت الكتابة مهمة حتى يحفظ العلم للأجيال القادمة ولا يتلاعب به. فهذا فقط كان خلافًا في زمن الصحابة، لم يعدوه أكثر من ذلك.
وبإسناده عن ابن سيرين قال: «إنما ضلت بنو إسرائيل بكتب ورثوها عن آبائهم». وبإسناده عن الشعبي أن مروان بن الحكم الخليفة دعا زيد بن ثابت وقومًا يكتبون وهو لا يدري، فأعلموه، فقالوا: أتدرون لعلكم كل شيء حدثتكم به ليس كما حدثتكم. مروان كعادتهم كان عاملًا نوعًا من المكر -خلينا نقول- في هذه القضية، وضع مجموعة من الكتاب يكتبون خلف الستار وزيد بن ثابت يتلو الأحاديث وهو مش عارف أن في حدًا بيكتب.
قال لهم: ترى اسمعوا، أنا مش واثق من اللي حكيته، بدي أشكك فيما كتبوه، فقال: «لعل كل شيء حدثتكم به خطأ»، ترى أنا لا أثق بما حدثتكم به، يريد أن يشككهم فيما أملاهم عليه.
وبإسناده عن الأسود بن هلال قال: أُتي عبد الله بن مسعود بصحيفة فيها حديث، فدعا بماء فمحاها، ثم غسلها، ثم أمر بها فأحرقت، ثم قال: «أنشد بالله رجلًا يعلمها عند أحد إلا أعلمني بها، والله لو أعلم أنها بدير هند لبلغتها، بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون». أنشد بالله؛ يعني بالله عليكم، أي واحد بيعرف حدًا عنده صحيفة من كلامي يخبرني عنه، والله لو كان في دير هند لذهبت إليه لأحرق هذه الصحيفة أو لأغسلها، كانوا بعض الصحابة لديهم شدة في منع الكتابة.
وبإسناده عن الضحاك قال: «يأتي على الناس زمان يكثر فيه الأحاديث ويبقى المصحف حتى يبقى المصحف بغباره لا ينظر فيه». سبحان الله! هذا وقع ويقع في أزماننا كثيرًا، حتى من بعض طلاب العلم؛ عدم انشغاله بالقرآن ويظن أن العلم هو مجرد متون، وأن القرآن هو مجرد كتاب بركة، يقرأ له آيتين والباقي علم؛ القرآن هو أساس العلم.
وبإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان ينهى عن كتابة العلم وقال: «إنما ضل من كان قبلكم بالكتب»؛ أي بالكتابة. وبإسناده عن ابن نمير فذكره بإسناده حرفًا بحرف. وبإسناده عن سعيد بن جبير قال: كتب إلي أهل الكوفة مسائل ألقى فيها ابن عمر؛ يعني كتبوا لي، هو كان عند أهل الكوفة وابن عمر كان في المدينة، فهم كتبوا له مسائل في ورقة وقالوا: خذ هذه المسائل وألقها على ابن عمر واسأله عن هذه المسائل وعن حكمها، ربما كان زائرًا للمدينة أو يذهب لحج أو عمرة.
فلقيته فسألته من الكتاب، لو علم أن معي كتابًا لكانت الفيصلة بيني وبينه. يعني ماسك الكتاب وأنا مخبيه عنه، بحاول أقرأ، قال: لو عارف أنه معي كتاب لكانت النهاية -الفيصل بيني وبينه- كان عمره ما جاوبني عن شيء أو أنهى علاقتي معه تمامًا. قيل: إنه قصدك لو علم أنه معي كتابًا لكانت الفيصلة؛ أنه كان هذا في الفترة الأخيرة من حياة ابن عمر عندما أصابه شيء في عينه ما عاد يرى، في آخر عمره ممكن. أو إسناد سعيد بن جبير قال: كنا نختلف في أشياء فنكتبها في كتاب، ثم أتيت بها ابن عمر فأسأله عنها خفية، فلو علم بها كانت الفيصلة بيني وبينه.
وبإسناده عن أبي بردة قال: كان أبو موسى يحدثنا بأحاديث، فقمنا لنكتبها فقال: «أتكتبون ما سمعتم مني؟» قلنا: نعم، قال: «فجيئوني به»، فدعا بماء فغسله وقال: «احفظوا عنا كما حفظنا عن النبي صلى الله عليه وسلم».
وبإسناده عن أبي هريرة يقول: «نحن لا نكتب ولا نكتب». يشبه الحديث السابق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: أصبت أنا وعلقمة صحيفة، فانطلقت معي بها إلى ابن مسعود، وقد زالت الشمس أو كادت تزول، فجلسنا بالباب، ثم قال للجارية: «انظري من بالباب»، فقالت: علقمة والأسود، فقال: «ائذني لهما». فدخلنا فقال: كأنكما قد أطلتما الجلوس، قلنا: أجل، قال: فما منعكما أن تستأذنا؟ قلنا: خشينا أن تكون نائمًا، قال: ما أحب أن تظنوا بي هذا، أن هذه الساعة كنا نقيسها بصلاة الليل؛ يعني نقيس الصلاة فيها كأنها قيام الليل، هذه الساعة هي صلاة الضحى، الساعة الحادية عشرة أو نحو ذلك.
فقلنا: هذه صحيفة فيها حديث حسن، فقال: «يا جارية هاتي الطست»، هم جايين متفائلين أنه يا عبد الله بن مسعود وجدنا صحيفة فيها أحاديث، قال: هاتوا الطست، خليني أغسل لهم هذه الصحيفة. قال: فجعل يمحوها بيده ويقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: 3]، فقلنا: انظر فيها فإن فيها حديثًا عجيبًا، فجعل يمحوها ويقول: «إن هذه القلوب أوعية، فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره». شوف هذا الكلام الفخم! أنت بالنهاية خذ الخلاصة؛ هذا القلب وعاء يجب أن يمتلئ قبل أي شيء بالقرآن، لذلك السلف كانوا يقولون: لا ينبغي لطالب العلم أن يشرع في طلب العلم حتى يحفظ القرآن، لا ينبغي أن تشرع في حفظ متون ومصنفات وتشتغل بالتوسع في القراءة العلمية والقرآن ليس في قلبك، فما بالك بأقوام يزاحمون القرآن بغناء وأناشيد وطنية وقومية وحتى إسلامية؟ هذه كلها تضعف وعاءك، الوعاء هذا لا ينبغي أن يملأ إلا بالعلم ابتداءً، إلا بالقرآن ابتداءً.
قال أبو عبيد: نرى أن هذه الصحيفة أُخذت من أهل الكتاب، فلهذا كره عبد الله النظر فيه. لا، هو أوسع من ذلك، ليس لأنها من الكتب السابقة، لا، هو لا يريد لهم أن ينشغلوا بأي صحيفة عن كتاب الله سبحانه، لكن هذا استنتاج أبي عبيد.
وأسند عن إبراهيم قال: مسروق لعلقمة: اكتب لي النظائر، قال: أما علمت أن الكتاب يكره؟ الكتاب هنا بمعنى الكتابة؛ لأن الفعل "كتب" أيها الأحبة هذا من باب الفائدة له ثلاثة مصادر: كتب يكتب كتابًا وكتابة، فكلمة "كتاب" هي أصلها معناها الكتابة، ثم يطلق الكتاب بعد ذلك مجازًا على هذا الورق الذي ترونه وهذا الذي بين دفتين. فكلمة "الكتاب" هي أصلًا مصدر "كتب كتابًا" تمام؟ فإذا رأيتم هنا قال: أما علمت أن الكتاب، بالمعنى المصدري، يعني إذا علمتم أن الكتابة منهي عنها أو مكروهة، نعم. قال: بلى، إنما أريد أن أحفظها ثم أحرقها. هذا كان منهج لبعضهم، بيكتب، بيحفظ، بعدين بيحذف.
وبإسنادي عن محمد بن سيرين قال: قلت لعبيدة: اكتب ما أسمع منك، قال: لا، قلت: وإن وجدت كتابًا أقرأه عليك؟ قال: لا. وبإسناده عن محمد قال: قلت لعبيدة فذكره حرفًا بحرف، وبإسناده ذكره حرفًا بحرف، أي نفس الحديث السابق بحروفه. وبإسناده عن إبراهيم قال: كنت أكتب عند عبيدة فقال لي: «لا تخلدن عني كتابًا»؛ يعني لأنك إذا كتبت كتابًا باسمي أو فيه مروياتي ستخلد عني، هذا معنى لا تخلدن عني، لأنه إذا كتب كتاب فيه مرويات عبيدة -كما قلنا- الكتاب هو ماذا؟ هو الولد الخالد للعالم، وهو يقول له: لا تكتب عني كتابًا يخلد عني، خلي الناس فقط تنشغل بالقرآن، أما كلامنا ففيه الصواب وفيه الخطأ، فالقرآن هو الذي لا خطأ فيه.
وبإسنادي عن أبي يزيد المرادي قال: لما حضر عبيدة الموت دعا بكتبه فمحاها كلها. هل هذا فعل هو الأفضل؟ في حالته هذا اجتهاده، لكن بالنسبة لنا قد نقول: ليته تركها حتى يستفيد منها من بعده، لكن هذا من ورع بعضهم، غفر الله لهم ورحمهم.
وبإسناد عن النعمان بن قيس عن عبيدة أنه دعا بكتبه عند الموت فمحاها، فقيل له في ذلك فقال: «أخشى أن يليها قوم يضعونها غير موضعها». تمام، لكن ممكن أيضًا يليها قوم يضعونها موضعها، لكن هذا من ورعه رضي الله عنه.
وبإسناده عن أبي معشر عن إبراهيم أنه كان يكره أن يكتب الأحاديث في الكراريس؛ يعني في الأوراق. وبإسناد عن ابن عون عن القاسم أنه كان لا يكتب الحديث. وبإسناده عن أبي مسر يقول: سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: ما كتبت حديثًا قط. وبإسناده عن ابن شبرمة قال: سمعت الشعبي يقول: «ما كتبت سوداء في بيضاء قط، ولا استعدت حديثًا من إنسان مرتين». ما شاء الله، يقول ما كتبت سوداء في بيضاء؛ يعني لم أكتب حبرًا على ورقة بيضاء، ما كتبت شيء، كل اعتمادي كان على ماذا؟ على الذاكرة. طب هذا إيش استفاد منه؟ أنه أصبحت لديه ذاكرة حديدية لدرجة أنه يسمع الحديث مرة واحدة يلقطه، لا يقول للمعلم كرره مرة أخرى، لا، مجرد ما يسمع الحديث يلقطه ويبقى في ذاكرته، لذلك قال: ولا استعدت حديثًا من إنسان مرتين، مرة واحدة أحفظ.
وبإسناده عن ابن شبرمة قال: سمعت الشعبي يقول: ما كتبت سوداء في بياض قط، وما سمعت من رجل حديثًا فأردت أن يعيده علي، زاد الأخناس: وقد نسيت من الحديث ما لو حفظه إنسان لكان به عالمًا. آه، إذا في النهاية اكتشفنا بعد أن كبر في السن وتقدمت به الحياة، شيء طبيعي أنه بدأت تضعف، قال: فنسيت من الأحاديث ما لو حفظه إنسان لكان به عالمًا، يعني الأحاديث التي نسيتها أكثر من الأحاديث التي حافظها. وهذا كله يدل كما قلنا أنه لعل الموقف الآخر الذي سيأتي وهو أن يُكتب العلم كان أكثر إتقانًا، الموقف الآخر الذي اتخذه بعض الصحابة والتابعين أنه لا يا عمي حتى لو بدكم تعتمدوا على الذاكرة، اكتبوا، لا تمنعوا، هذا موقف آخر اتخذه الآخرون لعل فيه خيرًا، لأنه إذا أنت تقول نسيت من العلم ما لو حفظه إنسان لكان به عالمًا، معناته فاتنا علم كثير بسبب هذا النسيان.
وبإسناده عن إسحاق بن إسماعيل الطالقاني قال: قلت لجرير -يعني ابن عبد الحميد-: أكان منصور -ابن معتمر- يكره كتابة الحديث؟ قال: نعم، منصور ومغيرة والأعمش كانوا يكرهون كتابة الحديث. وبإسناده عن الوليد بن مسلم قال: سمعت الأوزاعي يقول: «كان هذا العلم شيئًا شريفًا إذ كان من أفواه الرجال يتلاقونه ويتذاكرونه، فلما صار في الكتب ذهب نوره وصار إلى غير أهله». يقول كان العلم شيئًا شريفًا عندما كان يتناقل بالأفواه، كلٌ يحفظ وينقل من دون اعتماد على الكتب، قال: فلما صار العلم في الكتب ذهب نوره وأصبح عند غير أهله.
وبإسناده عن يحيى بن سعيد قال: أدركت الناس يهابون الكتب حتى كان الآن حديثًا قال: ولو كنا نكتب لكتبت من علم سعيد وروايته شيئًا كثيرًا. وبإسناده عن إبراهيم قال: «لا تكتبوا فتتكلوا». وبإسناده عن الفضيل بن عمرو قال: قلت لإبراهيم: إني آتيك وقد جمعت المسائل فإذا رأيت... كانما تختلس مني وأنت تكره الكتابة، قال: «لا عليك، فإنه قلما طلب إنسان علمًا». طبعًا هذا الأثر للنخعي: "لا تكتبوا فتتكلوا" هي قاعدة، اللي بيكتب فقط كثير من الناس خلص بيعتمد على الكتابة فيتكل عليها ولا يحفظ، وهذا أصلاً اللي كان يخاف منه السلف، أنك تتكل على أنك تكتب فتقول: خلص ما هو مكتوب بعدين بحفظ، ما هو مكتوب هكذا الذي يحدث معك، فلا أنت راجعت المسائل ولا ضبطتها اعتمادًا على أنها مكتوبة، فيقل علمك مع مرور الوقت لأنك تتكل على مجرد تسجيل المعلومة بدون مراجعتها واستحضارها.
فإنه قل ما طلب إنسان علمًا إلا آتاه الله منه ما يكفيه، وقل ما كتب رجل كتابًا إلا اتكل عليه. هيك طبيعة النفس الإنسانية تتكل.
قال أبو عمر: من كره كتابة العلم إنما كرهها لوجهين؛ أحدهما: ألا يتخذ مع القرآن كتاب يضاهى به، هذا ملحظ واضح كان في كلام الصحابة، وثانيهما: ألا يتكل الكاتب على ما كتب فلا يحفظ فيقل الحفظ. نعم، هذا ملحظان لمن نهى عن الكتابة؛ ألا ينشغل بالكتابة عن القرآن، وألا تضعف قدراتك الحفظية. إذاً الحفظ أمر مهم جدًا وأساس في العملية التعليمية، لازم طالب العلم يقوي عضلة الحفظ عنده، تحفظ الشعر، تحفظ القرآن، تحفظ الحديث، كل ما كانت ذاكرتك أقوى في الاستحضار، كلما كنت أعلم وأرسخ. قال الخليل الفراهيدي: «ليس بعلم ما حوى القمطر، ما العلم إلا ما حواه الصدر». نعم، العلم مش في المكتوب، العلم الحقيقي.
الذي يكون معك في أي مكان ذهبت إليه. وأنشدني بعض شيوخي لمحمد بن مشير بإسناد لا أحفظه: لو أني أعي كل ما أسمع وأحفظ، وأحفظ من ذلك ما أجمع، ولم أستفد غير ما قد جمعت، لقيل هو العالم المقنع. ولكن نفسي إلى كل فن من العلم تسمع وتنزع، فلا أنا أحفظ ما قد جمعت، ولا أنا من جمعه أشبع. ومن يك في علمه هكذا يكن دهره القهقرى يرجع. إذ لم تكن حافظاً واعياً، فجمعك للكتب لا ينفع. أحضر بالجهل في مجلس، وعلمي في الكتب مستودع.
يعني أنا أكون حاضراً بجسدي وعلمي ليس معي، علمي مستودع في الكتب، فهذا ليس علماً. العلم الحقيقي حتى نسميك عالماً هو العلم الذي يكون معك في صدرك، بحيث إذا جلست تستطيع أن تتكلم، أما الذي لا يستطيع الكلام في العلم إلا إذا أحضر كتبه، فهذا ليس راسخاً؛ مفيد قد يكون مفيداً، لكنه ليس راسخاً في العلم.
قال أبو العتاهية: من منح الحفظ وعى، ومن ضيع الحفظ وهم.
وأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، حدثنا أحمد بن سعيد، بإسناده عن ابن إسحاق ابن هبيرة بن معبد الخرساني، قال أبو معشر في الحفظ، أي في أهمية الحفظ: يا أيها المضمن الصحائف ما قد روى، تضارع المصاحف، احفظ وإلا كنت ريحاً عاصفة.
ما معنى احفظ وإلا كنت ريحاً عاصفة؟ نعم، مثل كيف الرياح تأتي لشيء تذروه، هكذا ويضيع. يقول: كل المعلومات التي عندك إذا ما حفظتها، يأتي عليك ريح من تعب الحياة، أو مرض، أو أي شيء، ويضيع عليك كل شيء.
وقال: حرف في تامورك خير من عشرة في كتبك. قال أبو عمر: التامور علاقة علقة القلب. وبإسناده عن الأصمعي، قال: سمع يوسف بن حبيب رجلاً ينشد: استودع العلم قرطاساً فضيعه، وبئس مستودع العلم القراطيس.
فقال يونس: قاتله الله، ما أشد صيانته للعلم، وصيانته للحفظ؛ أن علمك من روحك، وأن مالك من بدنك، فصن علمك صيانتك روحك، وصن مالك صيانتك بدنك. ومما ينسب إلى منصور الفقيه من قوله: علمي معي حيثما يممت أحمله، بطني وعاء له لا بطن صندوق. إن كنت في البيت كان العلم فيه معي، أو كنت في السوق كان العلم في السوق.
يعني كنت في البيت العلم معي، رحت على السوق علمي معي، فعلمي في بطني وهو في جسدي، وليس في صندوق وفي أوراق. قال أبو عمر بن عبد البر: من ذكرنا قوله في هذا الباب، فإنما ذهب في ذلك مذهب العرب؛ لأنهم كانوا مطبوعين على الحفظ، مخصوصين بذلك. والذين كرهوا الكتاب كابن عباس والشعبي وابن شهاب والنخعي وقتادة ومن ذهب مذهبهم، كان جبلتهم وكانوا قد طبعوا على الحفظ.
فكان أحدهم يجتزئ بالسمعة، يعني يكفيه أن يسمع الحديث مرة واحدة فيحفظ. ألا ترى ما جاء عن ابن شهاب أنه كان يقول: إني لأمر بالبقيع فأضع أصابعي في أذني مخافة أن يدخل فيها شيء من الخنا، فوالله ما دخل أذني شيء قط فنسيته. أي هذا يدل لك على قوة ذاكرة ابن شهاب، قال: أمر بالبقيع فأضع أصابعي في أذني خشية تجي كلمة هكذا طائرة، وأحفظها، معناه أنت بتحكي عن ذاكرة كمبيوتر، يعني أي شيء يدخل يتم استدعاؤه مباشرة. فجاء الشعبي نحوه، وهؤلاء كلهم عرب.
يعني هو كأنه ابن عبد البر الآن يريد أن يقوم بموازنة بين أصحاب الرأي الذين ينهون عن الكتابة ويفضلون الحفظ وبين من سيأتي معنا أنهم حثوا على الكتابة، فيقول: الذين نهوا عن الكتابة هم أي نوع؟ قال: هم العرب الأقحاح، الذين كانوا آلة الحفظ عندهم قوية جداً، فهؤلاء كانوا حريصين على بقاء قوة هذه الآلة فكانوا يكرهون الكتابة خشية ضعفها، يقول لك: لا، اعتمدوا على حفظكم، أنتم تحفظون من أول مرة. هسا الذي يحفظ من أول مرة وذاكرته حديدية، نعم، يتجه هذا الاتجاه والله يقويه، ممتاز، وهذا هو الصحيح.
لكن هل هذا حال أكثر الناس؟ لا، بالعكس، فسدت هذه القدرات مع كثرة الملوثات وضعف النفوس. فمثل هذا المذهب يصعب أن أصلاً ينصح به طلاب العلم اليوم، خطأ أنك تنصح طالب العلم أنه لا تكتب، غلط، وتجيء تستدل له بكل هذا الباب وتقول له اليوم قرأنا مع ابن عبد البر أن الكتابة غلط بالتالي بدنا نقعد نحفظ. لا، هذا ابن عبد البر يقول لك: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: 134].
أصحاب الذاكرة الحديدية هؤلاء الذين يحفظون من أول مرة وبالتالي لا يحتاجون إلى الكتابة أصناف معينة، قلة، الله يقويهم، لكن نحن اليوم لا بد نجمع بين الحفظ والكتابة حتى لا نضيع علمنا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب». وهذا مشهور أن العرب قد خصت بالحفظ، وكان بعضهم يحفظ أشعار بعض في سمعة واحدة. وقد جاء أن ابن عباس رضي الله عنه حفظ قصيدة عمر بن أبي ربيعة: أم أنت غاد فمبكر.
وكما قلت، إذاً ابن عباس كان يحتفي بشعر عمر بن أبي ربيعة في سمعة واحدة على ما ذكروا، وليس أحد اليوم على هذا. ولو، انظر، يقول ابن عبد البر، ركز الآن هنا بدأ كلام ابن عبد البر، قال: وليس أحد اليوم على هذا، يعني هذه الأنواع من الذاكرة هذا ابن عبد البر الذي من القرون المتقدمة ويعطيك هذه المعلومة، يقول لك هذا شيء مضى، يعني إياك أنك تقول أنا سأصبح مثل هؤلاء، يصعب جداً جداً. قال: وليس أحد اليوم على هذا، ولولا الكتاب لضاع كثير من العلم.
هكذا يقول ابن عبد البر، لولا تقييد العلم بالكتابة لذهب على أمة الإسلام الكثير من علم الأوائل. وقد أرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابة العلم، ورخص فيه جماعة من العلماء وحمدوا ذلك، ونحن ذاكروه بعد هذا بعون الله، بعد هذا أي في الباب الذي يليه. وقد دخل على إبراهيم النخعي شيء في حفظه لتركه الكتابة.
يعني إبراهيم النخعي مثلاً كان يعتمد على حفظه لكن لما تقدمت به السن اختلط، طيب الآن إيش استفدنا؟ صرنا لا نستطيع أن نثق بالمعلومات التي ألقاها في آخر عمره؛ لأنها دخل عليه اختلاط، تقدم في السن وعلمه ليس مكتوباً. فهو يقول لك إنه وجدنا أنه في سلبيات كثيرة لعدم كتابة العلم نتجت.
وبإسناده عن سفيان بن منصور قال: كان إبراهيم يحذف الحديث، فقلت له: إن سالم بن أبي الجعد يتم الحديث، فقال له: إن كان سالماً كتب وأنا لم أكتب. يعني إبراهيم النخعي أصبح لما تقدم في السن أصبح يحذف الحديث، لا يرويه كاملاً لأنه نسي بعضه، فأصبح يروي جزءاً من الحديث، نصف الحديث، ربع الحديث وينسى بعضه، وأما سالم بن أبي الجعد لا، كان يتم الحديث، يعني بقي آخر عمره إذا روى حديثاً أتمه تماماً، فقيل ما السبب في ذلك؟ فقال: إن سالماً كتب وأنا لم أكتب، كأنه يقول: لا، سالم طريقته أصوب مني.
قال أبو عمر: فهذا النخعي مع كراهيته كتابة الحديث، قد أقر بفضل الكتابة، والحمد لله، والحمد لله، ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل