دخولتسجيل الدخول

التعليق على كتاب جامع بيان العلم وفضله | برنامج المدارسة | المجلس الثالث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأحبة في المجلس الثالث في برنامج المدارسة، وما زلنا في هذا الكتاب الماتع النافع العظيم، جامع بيان العلم وفضله للإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى. وهذا الكتاب من أعظم وأجمع كتب السلف رضوان الله تعالى عليهم في بيان منهج التعلم وطرائقه، والقواعد التي سار عليها السلف رضوان الله تعالى عليهم في هذا الباب.

هذا الكتاب حقيقة فيه من جمع كلام العلماء في مناهج التلقي والطلب ومدارج الرقي والصعود في مسالك العلوم الشرعية ما لن تجده في كتاب آخر. ستجد فيه نصوصاً لو وقفت معها وتأملت فيها ستدرك مسالك القوم ومناهجهم في هذا الباب، ويصعب أن تجد هذا الجمع بهذا الإتقان وهذه التبويبات في كتاب آخر؛ لذلك دائماً يعتني طالب العلم، خاصة الطالب الناشئ في تعلم العلوم الشرعية، بقراءة مثل هذا الكتاب وحفظ الكلمات المفتاحية كما يقولون والعبارات الجملية الكلية التي تكون نبراساً له في هذا الطريق بإذن الله.

وجزى الله الإمام ابن عبد البر عنا خير الجزاء على تعليمه وإفادته والجهد الذي بذله من أجل أن يجمع هذه المادة. أنت تتخيل أن هذه المادة كانت مبثوثة في المصنفات والأجزاء، ابن عبد البر سهر عليها وتعب عليها حتى يجمعها لك في هذه التبويبات. أحياناً طالب العلم يغفل عن جهود العلماء، أنت تنظر في النتيجة النهائية فتراها جميلة، لكن كم احتاج ابن عبد البر من الجهد حتى ينتقي لك هذه النصوص من بين آلاف النصوص التي في ذهنه وفي كتبه؟ هذا جهد كبير يُشكر عليه، فرحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة.

نشرع إن شاء الله في مجلس اليوم مستعينين بالله. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين. قال المصنف رحمه الله تعالى: باب ذكر الرخصة في كتابة العلم. نعم، هذا الباب جاء عقب الباب السابق، وهو بين أن ابتداءً كان نهي عن كتابة العلم خشية أن يختلط بكتاب الله سبحانه وتعالى، وأن ينكب الناس على كلام الأئمة فيشغل ذلك عن كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن استقر الأمر عند العلماء بعد ذلك على أهمية كتابة العلم، خاصة مع توسع العلوم والمعارف والخشية من ضياعها، أصبح المنهج المستقر عند العلماء أهمية الكتابة.

فكتابة العلم أيها الأحبة من طرائق التعلم التي لا بد منها، لا يوجد طالب علم لا يكتب. طالب علم يأتي لمجلس علم لا يوجد معه قلم، ولا يعلق ولا يسجل الملاحظات ولا يدون الفوائد، هذا ما عاد يُعتبر طالب علم. فأهم شيء في العملية التعليمية، أو من أهم المهارات في التعلم الشرعي التي ينبغي أن يتقنها الإنسان، الكتابة. طبعاً عليك أن تعرف ماذا تكتب وأين تكتب؛ هذه أيضاً مهم جداً، لأنه بعض الطلاب يكتب كل كلام الشيخ وهذا لا يصلح، عليك أن تنتقي، ثم إذا انتقيت عليك أن تعرف أين تدون بحيث تستطيع الرجوع إليه بسهولة. ما العبرة أن أكتب في مكان ثم إذا احتجت المعلومة لا أستطيع الرجوع إليها؟ ما استفدت من الكتابة، الكتابة إنما فائدتها تقييد العلم حتى أستطيع الرجوع إليه متى احتجت إليه؛ فعليك أن تعرف ماذا تكتب وأين تكتب حتى تكون الكتابة منتجة.

نعم، ساق المصنف بإسناده إلى أبي هريرة أنه قال: لما فتحت مكة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الخطبة، قال فقام رجل من اليمن يقال له أبو شاه، فقال: يا رسول الله اكتبوا لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لأبي شاه». وهذا من أوائل الأدلة التي دلت على أهمية كتابة العلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اكتبوا لأبي شاه»، وهذا يدل إذاً أن النصوص التي جاء فيها النهي عن الكتابة ليست المشكلة مع الكتابة باعتبارها كتابة، وإنما كانت لمقصد معين أو لمغزى معين، عندما ذهب هذا المقصد أو لم يُحتج إليه أو تغير الأمر، أو في بعض الأحايين رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن المصلحة العليا في الكتابة فحث عليها، وهذا مثال على ذلك.

وبإسناد إلى أبي هريرة أنه قال: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثاً مني إلا عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كتب ولم أكتب. إذاً أبو هريرة يخبر أن سبب تفوق عبد الله بن عمرو بن العاص، وإن كان طبعاً من حيث ما هو موجود من أكثر الصحابة رواية للحديث أبو هريرة، لكنه إما من اعتقاد نشأ لديه هو ظن أن عبد الله بن عمرو بن العاص أكثر رواية للحديث منه، وبين سبب ذلك وما أخذه هو أن عبد الله كان يكتب ويسجل وأبو هريرة لم يكن يكتب، يعتمد على ذاكرته.

وبإسناد إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قلت يا رسول الله، أكتب كل ما أسمع منك؟ قال: نعم. قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم، فإني لا أقول في ذلك كله إلا حقاً. يعني هو توهم أن النبي عليه الصلاة والسلام في حال الغضب قد يتكلم بكلام ليس بدقيق لحظة انفعال، فأخبره لا، أن النبي عليه الصلاة والسلام حاله ليس كحال غيره، فكل ما ينطق به صلى الله عليه وسلم خير ورضا في حال الرضا وفي حال الغضب.

وبإسناد إلى عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم في الرضا والغضب؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا الحق». قوله نهتني قريش أي نهاني كبار الصحابة القرشيين، أما قريش ليس مراد قريش الكافرة، لا، هنا قريش المؤمنة، يتكلم في زمن متأخر.

وبإسناد إلى أبي جحيفة قال: قلت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء سوى القرآن؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا أن يعطي الله عبداً فهماً في كتابه، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر. والعقل ما معنى العقل؟ الدية، يعني كتب لهم النبي صلى الله عليه وسلم الديات على الجروح والأعضاء، مش كل جرح أو عضو له دية معينة أو حكومة، فكتب لهم الديات التي تسمى عقلاً، وكتب لهم فكاك الأسير.

قوله وقد روي عن علي رضي الله عنه في هذه الصحيفة وجهان، هو يخبر أن هذه الصحيفة ماذا كتب فيها؟ صحيفة علي بن أبي طالب، روي عن علي وجهان؛ روي عن علي أنه كتب فيها ما ورد في الحديث السابق: العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر. وقيل في رواية أخرى أنه كتب فيها أن المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، هذا معنى تحريم المدينة، أن المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، ولا عن من انتسب لغير مواليه. فهو ابن عبد البر يريد أن يخبرك أن الأحاديث في بيان ما الذي داخل صحيفة علي فيها وجهان، هناك أحاديث تدل أنه فيها العقل وكذا، وهناك أحاديث تقول لا، إنه كان فيها بيان حدود الحرم المدني وقضية لعن الله من انتسب لغير مواليه، فهذا خلاف في الرواية.

وبإسناد إلى محمد بن علي قال: وجدت في قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيفة فيها مكتوب: «ملعون من أضل أعمى عن السبيل، ملعون من سرق تخوم الأرض، ملعون من تولى غير مواليه»، أو قال: «ملعون من جحد نعمة من أنعم عليه». طبعاً ملعون من أضل أعمى عن السبيل، هذا مفهوم، تيجي أعمى أنت تضيع في الطريق استهزاءً به، هذا لا يجوز أن تعبث بالأعمى. وملعون من سرق تخوم الأرض، يعني إنسان وضع حدوداً لأرضه، بتعرف اليوم بتحط شبك فيأتي شخص يشيلها، قديماً ما كان عندهم الشبك بهذا الإتقان، كان ربما تكون حجارة تدل على أن هذه الأرض ملكه فيأتي شخص يتلاعب بهذه الحجارة يرفعها فيضيع ملكك ولا تعرف أين منتهى أرضه، فهذا من التلاعب بتخوم الأرض. وملعون من تولى غير مواليه، وهذا كلام في العبد الذي قد يتولى غير أسياده، يخرج من أسياده ويتولى أسياداً آخرين. أو قال ملعون من جحد نعمة من أنعم عليه.

وبإسناد إلى عبد الله بن عمرو قال: ما يرغبني في الحياة إلا خصلتان، الصادقة والوهط؛ فأما الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الوهط فأرض تصدق بها عمرو بن العاص، كان يقوم عليها عبد الله بن عمرو بن العاص. يقول لا يوجد شيء يرغبني أن أستمر في الحياة إلا هذين الأمرين، الصحيفة الصادقة وهي صحيفة جمع فيها أحاديث كتبها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأرض كان عمرو بن العاص تصدق بها، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص هو الذي يقوم عليها ويشرف عليها بعد وفاة والده.

وبإسناد إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قيدوا العلم بالكتابة». طبعاً هذا لا يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يصح من كلام الأئمة التابعين. قيدوا العلم بالكتابة، كان العلم شارداً، هذا معنى قيدوا العلم بالكتابة، كان العلم شارداً لا تستطيع أن تحبسه إلا إذا كتبته، المعلومات تبقى سابحة، كيف تستطيع أن تمسكها؟ أن تقيدها بالكتابة، لا بد طالب العلم يكتب، لك تتعجب من طالب علم يحضر مجلس علم وما معه قلم وما معه كتاب ويقول لك أنا طالب علم! ما أنت ما عرفت العلم بعد، لا بد يا طالب العلم يكون معك دائماً قلمك في كل مجلس، ما تعرف الفائدة متى تخرج.

وبإسناد إلى عمر بن الخطاب أنه قال: قيدوا العلم بالكتابة. إذاً هنا روي موقوفاً على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

وبإسناد إلى الربيع بن سعد قال: رأيت جابراً يكتب عند ابن ثابت في الألواح.

وبإسناد إلى ابن عباس قال: قيدوا العلم بالكتابة. إذاً قيدوا العلم بالكتابة، لاحظوا أنها تروى عن أكثر من صحابي.

وبإسناد إلى معن قال: أخرج إلي عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود كتاباً وحلف لي أنه خط أبيه بيده. يعني خط عبد الله بن مسعود، وهذا يدل أن عبد الله بن مسعود كتب.

وبإسناد إلى إبراهيم أنه قال: لا بأس بكتابة الأطراف.

وبإسناد إلى الضحاك أنه قال: إذا سمعت شيئاً فاكتبه ولو في حائط.

وبإسناد إلى حسين بن عقيل أنه قال: أملى علي الضحاك مناسك الحج.

وبإسناد إلى بشير بن نهيك قال: كنت أكتب ما أسمع من أبي هريرة، فلما أردت أن أفارقه أتيته بكتابي فقلت: هذا سمعته منك؟ قال: نعم.

وبإسناد إلى ابن سيرين أنه قال: كنت ألقى عبيدة بالأطراف فأسأله. وبإسناد إلى سعيد بن جبير أنه كان، المراد بالأطراف أطراف الأحاديث، يكون عندي جملة من الحديث فأسأله عن هذا، أصبح بعد ذلك هذا علماً كاملاً تمام، أصبح هذا علماً كاملاً في كتابة أطراف الأحاديث، التي خلص إذا سمعت الجملة عرفت هذا الحديث عن ماذا يتكلم، أو في أي موضوع يبحث.

وبإسناد إلى سعيد بن جبير أنه كان يكون مع ابن عباس فيسمع منه الحديث فيكتبه في واسطة الرحل، فإذا نزل نسخه. يكتبه على رحله، على سرجه، من شدة اهتمامه بالعلم، كان يكتب الحديث على سرجه أو على واسطة رحله، فإذا نزل انتقل الحديث إلى الصحيفة خشية أن يفوته العلم.

وبإسناد إلى أبي قلابة أنه قال: الكتاب أحب إلينا من النسيان.

وبإسناد إلى أبي المليح أنه قال: تعيبون علينا الكتابة وقد قال الله تعالى: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ [طه: 52]. وبإسناد إلى عبد الله بن حنش قال: إذا هو يقول إذا كان الله سبحانه وتعالى يقول علمها عند ربي في كتاب، إذا كان الله سبحانه وتعالى عنده لوح محفوظ وهو عز وجل لا ينسى ولكنه مع ذلك عنده لوح محفوظ وسجل فيه الأقدار، فلماذا تعيبون علينا كتابة العلم؟ من باب أولى نحن من ينسى أن نكتب.

وبإسناد إلى عبد الله بن حنش قال: رأيتهم عند البراء يكتبون على أيديهم بالقصب، يعني تخيل وصلوا لمرحلة أنهم يكتبون على أيديهم بالقصب، يعني ما عندهم شيء يكتبون عليه، فحتى لا تفوتهم المعلومة يأتون بالقصب والقصب طرفه حاد، فيسجل الفكرة على يده. خشية، كيف أنت تسجل بقلم الحبر على يدك معلومة خشيت أن تنساها لتنقلها.

وبإسناد إلى ابن عباس أنه أرخص له أن يكتب. أي رخص له في الكتابة. وأحاديث أبي بكر، قال.

أحاديث أبي بكر بن أبي شيبة هذه كلها عندي بالإسناد الذي في أولها عنه. طبعاً كل الأحاديث السابقة من بداية قوله: «قال أبو بكر»، أنا عندي تقريباً عشرون أو عشرة آثار كلها عن أبي بكر بن أبي شيبة، فكل ما سبق من عند قوله: «قال أبو بكر بن أبي شيبة» إلى هنا، هذا كله عن الإمام المصنف أبي بكر بن أبي شيبة رحمه الله عليه.

وبإسناد عن ثمامة قال: كان أنس يقول لبنيه: «يا بني قيدوا العلم بالكتاب». وبإسناد عن الحسن بن جابر قال: سألت أبا أمامة عن كتابة العلم فلم يرَ بها بأساً. وبإسناد عن عبد الله بن عمر يرفعه قال: «قيدوا العلم». قلت: وما تقييده؟ قال: «الكتاب». وبإسناد عن عبد الله بن عمرو قال: قلت يا رسول الله، أقيد العلم؟ قال: «قيدوا العلم». قال عطاء: وقلت: وما تقييد العلم؟ قال: «الكتاب». إذاً كأنها هذه عبارة متفق عليها بين السلف، قيدوا العلم بالكتاب، هذه عبارة متفق عليها بأسانيد متعددة، لا تصح مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكنها مأثورة بطرق متعددة عن علماء السلف.

وبإسناد عن عبد الرحمن بن حرملة قال: كنت سيئ الحفظ، فرخص لي سعيد بن المسيب في الكتابة. إذاً بعض أئمة التابعين كانوا ضعفاء في الحفظ، لم يكن كل العلماء أقوياء في الحفظ؛ ترى هذه القضية المثالية أنه كل طالب علم لا بد أن يكون قوياً في الحفظ ليست صحيحة. فهذا عبد الرحمن بن حرملة يقول: كنت سيئ الحفظ، ما كان عندي قدرات في الحفظ عالية، لكن استعضت عن الحفظ بماذا؟ بالكتابة، يعني هناك حلول بديلة لمن كان سيئ الحفظ.

وبإسناد عن عبد العزيز الدراوردي قال: أول من دون العلم وكتبه ابن شهاب. طبعاً المراد هنا أول من دون العلم وكتبه التدوين الرسمي؛ لأنه ثبت عندنا أن بعض الصحابة كتبوا، وقبل ابن شهاب كُتبت أجزاء من العلم، لكن عمر بن عبد العزيز هو الذي أمر ابن شهاب الزهري أن يبدأ بتدوين الحديث النبوي وجمعه، فالمراد بأول من دون العلم أي بدأ بالتدوين الرسمي لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ابن شهاب الزهري.

وبإسناد عن أبي الزناد أنه قال: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه عُلم أنه أعلم الناس. يعني يخبر ما الفرق بيننا وبين ابن شهاب؛ نحن كنا نكتب فقط الحلال والحرام، وابن شهاب كان يكتب كل معلومة يتلقفها من العلماء، يعني لم يحصر كتابته فقط في الحلال والحرام، بل حتى الفوائد العقدية والفوائد الفكرية، كله جمعه. فلما تصدرنا وكبرنا وجدنا أن ابن شهاب المخزون المعرفي عنده أكبر؛ لأنه لما كان يكتب يكتب كل شيء يفيده، أما نحن كنا فقط نكتب ما نحتاج إليه في ذلك الحين، ما حسبنا المستقبل.

وبإسناد عن معاوية بن قرة يقول: من لم يكتب العلم فلا تعدوه عالماً. شوف! يعني طالب علم ما عنده دفاتر وملخصات، هذا لا يُعد طالب علم؛ لاحظوا ماذا قال: من لم يكتب العلم فلا تعدوه عالماً. إنسان ما اعتاد الكتابة في أي مجال من تخصصاته، هذا لا يمكن أن يعتبر طالب علم متمكناً؛ من أهم وسائل تمكين العلم وترسيخه أن تعتاد الكتابة وتلخيص المحاضرات والدروس، ويكون لك تشجيرات ودفاتر خاصة بك، هذا يدل أنك طالب علم، أما مجرد تكتفي بالقراءة، فهذا الكتاب بحد ذاته يمكن أن يلخص بدل من أن يبقى في سفرين أو مجلدين، أنت يا طالب العلم يمكن تأخذ الأفكار الأساسية من هذا الكتاب تلخصها في عشر ورقات وتبقى تراجعها وتذاكرها. قضية أن يتعب طالب العلم في تحصيل العلم كتابةً هذا للأسف تكاد تكون مهجورة اليوم؛ طالب العلم فقط يريد معلومة جاهزة محفوظة، بدائل ملخصات دكتور الجامعة، من أين نجد الملخص؟ ننقله ليلة الامتحان ومشي الحال، هذا لا يمكن أن يصبح طالب علم مع مرور الأزمان أيها الأحبة، هذا منهج السلف.

وبإسناد عن خالد بن خداش البغدادي قال: ودعت مالك بن أنس فقلت يا أبا عبد الله أوصني، فقال: «عليك بتقوى الله في السر والعلانية، والنصح لكل مسلم، وكتابة العلم من عند أهله». وهذا موطن الشاهد، الوصية بتدوين العلم لكن من عند أهله، أي من يستحق أن يُسمع منه العلم. وبإسناد عن يحيى بن سعيد قال: لأن أكون كتبت كل ما كنت أسمع أحب إلي من أن يكون لي مثل مالي. وبإسناد عن يحيى بن سعيد مثله سواء.

وبإسناد عن الحسن أنه كان لا يرى بكتابة العلم بأساً، وقد كان أملى التفسير فكُتب. وبإسناد عن الحسن بن عمرو الضمري قال: تحدثت عند أبي هريرة بحديث، فقلت: إني قد سمعته منك. فقال: إن كنت سمعته مني فهو مكتوب عندي، فأخذ بيدي إلى بيته، فأرانا كتباً كثيرة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد ذلك الحديث، فقال: قد أخبرتك أني إن كنت حدثتك به فهو مكتوب عندي. وسبحان الله وجده عنده؛ هذا يدل أن الإنسان ينسى، فالكتابة تعوض في حال أن الإنسان نسي، يستطيع أن يتوثق من المعلومة مرة أخرى.

قال: هذا خلاف ما تقدم في أول هذا الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه لم يكتب، وأن عبد الله بن عمرو كتب، وحديثه ذلك أصح في النقل من هذا؛ لأنه أثبت إسناداً عند أهل الحديث، إلا أن الحديثين قد يسوغ التأول في الجمع بينهما. ما معنى هذا الكلام؟ أي نعم، مر معنا قبل قليل أليس أبو هريرة قال إن عبد الله بن عمرو بن العاص أكثر مني حديثاً لأنه كتب وأنا لم أكتب؟ طيب كيف هنا تأتي تقول إن أبا هريرة كتب أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وهي موجودة في منزله وذهب إلى منزله؟ هذا نقد؛ يعني ابن عبد البر يمارس هنا النقد على هذه الرواية، أقول هذه الرواية تعارض القصة السابقة أنه قال: إنه لم يكتب وعبد الله بن عمر كتب، فماذا يقول؟ قال: هذا خلاف ما تقدم في أول هذا الباب عن أبي هريرة أنه لم يكن يكتب وأن عبد الله بن عمرو بن العاص هو الذي كتب، هذا الحديث يخالف ذاك الحديث، وحديثه ذاك أصح في النقل من هذا. إذاً هو يقول من الناحية الإسنادية، أي القصتين أوثق عن أبي هريرة؟ القصة الأولى أنه لم يكتب، فالقصة فيها مشكلة من حيث السند. قال: إلا أن الحديثين قد يسوغ التأول في الجمع بينهما، قال: إلا أنني لو أردت أن أحاول أجمع بين الروايتين، بين هذه الرواية والرواية السابقة، يمكن. طيب برأيكم ما دام موضوعنا مدارسة، كيف يمكن نجمع بين هذه الرواية والرواية السابقة التي فيها أنه لم يكتب؟

تغير الزمن؛ يعني أن الحالة التي قال فيها: "إنني لم أكتب" كان هذا في زمن معين، ثم في مرحلة أخرى من حياته أبو هريرة كتب، فكانت هذه القصة في المرحلة التي كتب فيها. وعندك وجهة نظر أخرى؟ بحجم ما كتب عبد الله؛ يعني أن يكون أبو هريرة كتب شيئاً يسيراً وعبد الله كتب الشيء المعتبر. أحسنتم؛ يعني هي نفس فكرة أخونا محمد، أنه تغير الزمان؛ لما قال: "أنا لم أكتب وعبد الله بن عمرو كتب" هذا في مرحلة معينة، ثم لعل أبا هريرة انتبه لأهمية الكتابة بعد ذلك، فأصبح يقيد كل الأحاديث التي حفظها مكتوبة، فلما جاءت هذه القصة، جاءت في وقت كان كل شيء مكتوباً عنده، هذا من الأوجه التي يمكن أن يجمع فيها بين الروايتين.

قال الحسن: إن لنا كتباً نتعاهدها. الحسن البصري شوف، هي العبارة عبارة مهمة جداً في التأسيس العلمي لطالب العلم، يقول: إن لنا كتباً نتعاهدها، يعني يا طالب العلم ما في طالب علم إلا وله متون أساسية يتعاهدها كل فترة؛ لك ملخصاتك العلمية التي ينبغي أن تنظر فيها كل فترة، وهذا معنى كلمة "نتعاهد"، أنه لا يوجد أنني قرأت كتاباً خلص يغلق على الرف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا، في كتب علمية أساسية هذه يجب أن تتعاهد كل فترة، مختصر في الفقه، مختصر في اللغة، مختصر في أصول الفقه، مختصر في الحديث، ينبغي دائماً وجود مجموعة من الكتب تتعاهدها. نعم هناك كتب بطبيعتها كتب مطالعة، خلص تقرأ مرة واحدة قد لا يعود إليها الإنسان، لكن الكتب الأساسية التي هي مفاتيح الطلب، هذه لا بد أن تبقى تتعاهدها، هذا مهم جداً من كلام السلف.

وبإسناد إلى وهب بن جرير قال: أخبرنا شعبة بحديث، ثم قال: هذا وجدته مكتوباً عندي في الصحيفة. وبإسناد إلى شعبة قال: إذا رأيتموني أثج الحديث فاعلموا أني تحفظت من كتاب. ما معنى هذا الكلام؟ أثج أي أروي الحديث بقوة، تمام، يقول شعبة: إذا رأيتموني أثج الحديث، أرويه بقوة بدون تردد، بدون تلعثم، فاعلموا أنني تحفظت من كتاب. هذا يدل كأنه يخبر أن هناك نوعين من الأحاديث أرويها؛ هناك أحاديث أنا ما كتبتها، حفظتها فقط من سماعي من المشايخ، فهذه لما أرويها بروية ربما بتلعثم وأنا أحاول أتذكر، فلا أثجها ثجاً، لكن في أحاديث أنا كتبتها وحفظتها من كتابي فهذه حفظي فيها راسخ، فلما أرويها أرويها سرداً بكل قوة بدون تردد، وهذا يدل على الفرق بين الشيء الذي يحفظ من كتاب وبين الشيء الذي فقط تلتقطه من ألسنة المشايخ.

وبإسناد إلى الخليل بن أحمد قال: اجعل ما تكتب بيت مال، وما في صدرك للنفقة. ما معنى هذا الكلام؟ يقول: اجعل ما تكتب بيت مال، وما في صدرك للنفقة. جميلة هي العبارة؛ ما يقصد بها يا مشايخنا؟ يلا نحن نريد الكل يشغل دماغه الآن، هذه مدارسة مش تلقين. أحسنت، هو يريد أن يقول: الأصل هو ما تكتبه، كان هذا بمنزلة بيت المال، اجعل كتبك وتلخيصاتك وسماعك للشروح وما دونته هذا اجعله في دفاتر، هذا رأس مالك. يقول لك الذي كتبته هو رأس مالك الآن، أنت بالتأكيد ليس كل ما كتبته حفظته، لكن لما تأتي ستُدرّس وتعلم، أنت ستُدرّس ما حفظته، فهو يقول لك الذي كتبته هذا خليه رأس المال حطه على جنب، وما في صدرك للنفقة للتدريس، يعني ما حفظته هذا ما ستنفق؛ يقصد بالنفقة هنا التدريس، فإذا أشكل عليك شيء أو نسيت معلومة ترجع لرأس المال الذي هو ما كتبته، فهذه نوع من الاستعارات اللطيفة في كلام الخليل، هذا إمام لغوي بالتالي عبارته فيها فصاحة.

رحمه الله عليه، الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عليه يؤكد على قيمة الحفظ، يؤكد أن طالب العلم إخواني لا يغرنك فترة الشباب، فترة الشباب ربما تكون المعلومات عندك حاضرة وسهلة، لكن لما يكبر الإنسان ويتقدم به مشوار العمر وتتكاثر الهموم والأمور العائلية، تبدأ قدراتك الذهنية تضعف، فالذي لا يكون حفظ في سن الشباب فقط يعتمد على الذاكرة مما تلقفه من ألسنة المشايخ، لما يكبر ويتقدم به مشوار العمر سيجد أن هذا الرصيد بدأ يتلاشى، ولا يبقى معك فعلياً إلا الشيء الذي رسخته في الصغر، المعلومات التي أتقنتها حفظاً، والمتون التي كررتها مئات المرات في سن الشباب هي الرصيد الذي تخبئه لسن الستين والسبعين، أما مجرد الاعتماد على القراءة العامة والثقافة وأن تقرأ في كتب بدون أن يكون لك محفوظ، هذا يمشي الحال في فترة الشباب، لكن عندما تكبر سيخونك الأمر؛ هذا قصده حفظه الله.

وبإسناده أنه احترقت كتبه يوم الحرة، وكان يقول: وددت لو أن عندي كتبي بأهلي ومالي. يعني مستعد أضحي بأهلي ومالي بس تبقى كتبي عندي. وبإسناده إلى عامر الشعبي قال: الكتاب قيد العلم، الكتاب يعني الكتابة، الكتاب هنا بالمعنى المصدري.

وبإسناد إلى سليمان بن موسى قال: يجلس إلى العالم ثلاثة؛ رجل يأخذ كل ما يسمع فذلك حاطب ليل. شوف هذا النص بالله تركزوا فيه، لأنه مهم جداً، هذا النص مهم جداً في البناء العلمي لطالب العلم، يقول لك أنماط الطلاب الذين يكتبون بين أيدي المشايخ؛ أنماط الطلاب الذين يكتبون أثناء الدرس العلمي، منهم أول طالب قال: رجل يأخذ كل ما يسمع، الذي يكتب عن الشيخ كل كلمة يحكيها الشيخ، إذا الشيخ عطس يكتب الشيخ عطس، إذا...

يقول: حاطب ليل. ما معنى حاطب ليل؟ أنتم تعرفون الرجل يخرج يحتطب من الغابة بالليل فيجمع كل شيء؛ الصح والخطأ، والهوام والدواب، فيكتبها، فتجد كتابته غير ممحصة وغير دقيقة. وهذا ليس محمودًا حقيقة، وإن كانت هذه المرحلة قد يمر بها بعض طلبة العلم المبتدئين؛ فهي ليست مرحلة سيئة تمامًا للمبتدئ؛ لأنه أحيانًا يقول لك المبتدئ: أنا لا أعرف ماذا أختار من كلام الشيخ فعلاً، فيضطر أن يكتب كل شيء ثم بعد ذلك يمحص ويفتش أكثر وأكثر. لكن ليست هذه أكيد هي الكتابة العلمية التي ينصح بها، أن تكتب كل شيء قاله الشيخ؛ لا، ليس صحيحًا.

قال: ورجل لا يكتب ويسمع، فذلك يقال له جليس العالم. نعم، النوع الثاني رجل لا يكتب، جالس في مجلس العلم لكنه لا يكتب. فقال: ورجل لا يكتب وإنما يعتمد على السماع، فيقال له هذا جليس العالم. ماذا يعني جليس العالم؟ يعني حضوره بركة، الله يجزاه الخير، لكنه لا نتوقع منه كثيرًا؛ هذا جليس "هم الجلساء ولا يشقى بهم جليسهم". يا رب يجيء أحيانًا إلى مجلسنا أخ من الإخوة ولا معه كتاب ولا شيء، ويسمع، فنقول: الله يجزاه الخير، هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم، لكنه ليس طالب العلم الذي نبحث عنه.

قال: رجل ينتقي وهو خيرهم. الثالث رجل يكتب، لكن لا يكتب كل شيء، ينتقي من كلام الشيخ أفضله وأصوب الكلام النافع، قال فهو خيرهم. هذه قاعدة مهمة جدًا. وقال مرة أخرى في ذلك العالم: هو الذي نتوقع أن يكون عالمًا في يوم من الأيام.

قال أبو عمر: العرب تضرب المثل بحاطب الليل الذي يجمع كل ما يسمع من غث وثمين وصحيح وسقيم وباطل وحق؛ لأن المحتطب بالليل ربما ضم أفعى وهو يحسبها من الحطب. هذا مسكين الذي يحتطب في الليل. وفي مثل هذا يقول بشر بن المعتمر: وحاطب يحطب في بجاد، في ظلمة الليل وفي سواده يحطب في بجاد الأيم الذكر، والأسود السالخ مكروه النظر البجاد هو الكساء الذي تلبسه أو تضع فيه الخشب. يعني يجمع الأفاعي والحيات لأنه غير منتبه، فلا يأخذ فقط الحطب النافع، بل يأخذ معه الأشياء السامة ويأخذ معه الأفاعي الضارة.

وبإسناد إلى إسحاق بن منصور قال: قلت لأحمد بن حنبل: من كره كتابة العلم؟ قال: كرهه قوم ورخص فيه آخرون. قلت له: لو لم يكتب العلم لذهب؟ قال: نعم، ولولا كتابة العلم أي شيء كنا نكون نحن؟ يعني أحمد بن حنبل يقول: لو أننا لم نكتب، لما كنا نحن الآن أحمد بن حنبل؛ يعني العالم الكبير. وقال إسحاق بن منصور: وسألت إسحاق بن راهويه، فقال كما قال أحمد سواء.

وبإسناد إلى أبي زرعة قال: سمعت أبا نعيم وذكر له حماد بن زيد وابن علية، وأن حماد بن زيد حفظ عن أيوب، وابن علية كتب، فقال: ضمنت لك أن كل من لا يرجع إلى كتاب لا يؤمن عليه الزلل. يعني أيهما أفضل حماد بن زيد ولا ابن علية؟ قال: حماد بن زيد حفظ عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، وأما ابن علية لم يعتمد على الحفظ، لا، كان يكتب. فماذا قال؟ ماذا أجابه؟ قال: ضمنت لك أن كل من لا يرجع إلى الكتاب لا يؤمن عليه الزلل؛ يعني أي طالب علم أو عالم ما عنده كتب يرجع إليها، فينظر فيها، ويعاهد قبل الإلقاء وقبل الدرس، هذا لا يوثق بعلمه تمام الوثوق.

وبإسناد إلى أبي زرعة قال: سمعت أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يقولان: كل من لم يكتب العلم لا يؤمن عليه الغلط، خاصة مع تقدم الزمان به. وبإسناد إلى سفيان الثوري يقول: إني أحب أن أكتب الحديث على ثلاثة أوجه: حديث أكتبه أريد أن أتخذه دينًا، وحديث رجل أكتبه فأوقفه، لا أطرحه ولا أدين به، وحديث رجل ضعيف أحب أن أعرفه ولا أعبأ به. هو يريد أن يقول: إن ليس كل الأحاديث سأعمل بها، لأنه ليس كل ما كتبت أحاديث صحيحة. فيقول: حديث أكتبه أريد أن أتخذه دينًا؛ يعني أتعبد الله به لأنه صحيح الإسناد. وحديث رجل أكتبه فأوقفه لا أطرحه ولا أدين به، وهو الحديث الذي لم يظهر لي ضعفه ولكن لم يظهر لي صحته، قال: هذا توقف فيه، لا أنا طرحته وقلت عنه غير معتد به، ولا أنا أستطيع أجزم أنه دين يدان به رب العالمين. وأما النوع الثالث، فهو الحديث الذي جزمت بضعفه؛ فقال: وحديث رجل ضعيف أحب أن أعرفه، أعرفه فقط من باب المعرفة، أقول أعرف الضعيف حتى تجتنبه، ولكن لا أعبأ به.

وقال الأوزاعي: تعلم ما لا يؤخذ به كما تتعلم ما يؤخذ به. يعني يقول لك: الإنسان المتقدم ليس فقط يقرأ لجماعته أو لفكره؛ لا، طالب العلم الراسخ يقرأ ما يؤخذ به ويعتد به، ويقرأ حتى الكلام الباطل الذي لا يعتد به من باب أنني عرفت الباطل لأجتنبه. هي مرحلة أن تصل لقراءة كلام أهل الباطل الذي لا يعتد به من أجل أن تجتنبه وتحذر منه ليست هي المرحلة الأولى في العلم؛ فبعض الطلاب يتسرع، يريد أن يروح يقرأ في كتب الشبهات والأفكار فيضيع، لا، أنت المرحلة الأولى اقرأ لأهل السنة وثبت عقيدتك وأحسّن أمورك وقوّ بنيانك، ثم في مرحلة أخرى لابد تقرأ الأفكار الأخرى من أجل أن تعرف ما فيها من الخير فتقبله، وما فيها من الشر فتنقل. فهذا أصل في أن طالب العلم لا يقرأ فقط إذا تقدم لجماعته أو طائفته، ينبغي أن يتوسع في قراءته في الأفكار حتى يستطيع التعامل مع الواقع الذي يحيا.

وبإسناد إلى سفيان قال: قال بعض الأمراء لابن شبرمة: ما هذه الأحاديث التي تحدثنا عن النبي ﷺ؟ قال: كتاب عندنا. يعني هذا شيء كتبته، كتاب عندنا، هذا شيء مكتوب موثوق إلى النبي ﷺ وليس من بنات أفكاره. وبإسناد عن مالك بن أنس قال: أول من دون العلم ابن شهاب؛ مر معنا شرح هذه العبارة.

وبإسناده عن ابن شهاب أنه كان يحدث سعد بن إبراهيم، فقال: أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبنا دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا. كما قلنا، عمر بن عبد العزيز هو الذي أمر ابن شهاب الزهري بجمع السنة، قال: فجمعنا دفترًا دفترًا، وأرسل إلى كل أرض يحكمها بهذه الدفاتر.

وبإسناد عن الزهري قال: كنا نكره كتابة العلم حتى أكره عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا ألا نمنعه أحدًا من المسلمين. يعني هو يقول: كنا نكره كتابة العلم حتى الأمراء أكرهونا، لكن حقيقة نفعنا جزاهم الله خير الأمراء أنهم أكرهونا على كتابة العلم وإلا لحرمنا من هذا الخير العظيم.

وأخبرنا معمر قال: حدثت يحيى بن أبي كثير بأحاديث، فقال: اكتب لي حديث كذا وحديث كذا، فقلت: أما تكره أن تكتب العلم؟ قال: اكتب، فإنك إن لم تكن كتبت فقد ضيعت، أو قال: عجزت ضيعت علينا العلم.

وبإسناد عن صالح بن كيسان قال: كنت أنا وابن شهاب ونحن نطلب العلم، فاجتمعنا على أن نكتب السنن، فكتبنا كل شيء سمعناه عن النبي ﷺ. ثم قال: اكتب أيضًا ما جاء عن أصحابه، فقلت: لا، ليس سنة، وقال هو: بل هو سنة، فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت. يعني ابن شهاب الزهري قال له أيضًا سنكتب ما روي من آثار الصحابة والتابعين، فصاحبه قال له: لا، صالح بن كيسان قال له: أنا فقط أكتب الحديث النبوي وأما كلام الصحابة والتابعين لا أكتبه. قال: فلما تقدم بنا العمر، من الذي أفلح أكثر وأكثر؟ ابن شهاب؛ لأنه استطاع، لأن كلام الصحابة وكلام التابعين نعم هو ليس في قوة كلام النبي عليه الصلاة والسلام بالتأكيد، لكنه شارح موثق، يكشف الغموض ويزيل اللبس ويعطينا رؤية معينة للصحابة قد لا يكون النبي ﷺ نص عليها بمنطوقه، فبالتأكيد لا بد من الاهتمام بآثار الصحابة والتابعين.

وبإسناد آخر عن صالح بن كيسان مثله. وبإسناد عن الزهري قال: استكتبني الملوك فكتبت، فاستحييت الله إذ كتبتها للملوك ألا أكتبها لغيرهم. يعني ابن شهاب أصلاً من الذي جعله يكتب؟ الملوك والأمراء عمر بن عبد العزيز، فقال: أنا ما كنت أكتب، لكن لما أمرني عمر بن عبد العزيز وخلفاء الزمان أن أكتب، كتبت لهم، فاستحييت بعد ذلك أني لا أكتب لعموم المسلمين، فانتهج الكتابة منهجًا بعد ذلك.

وبإسناد عن يونس بن يزيد قال: قلت للزهري: أخرج إلي كتبك، فأخرج إلي كتبًا فيها شعر. وبإسناده عن حتى الشعر كتبه. هذا موطن الشاهد أنه كتب حتى الشعر، وهذا يوافق ما نقلناه عن ابن شهاب في البداية؛ قلنا إنهم كتبوا الحلال والحرام، وأما ابن شهاب ففي كتبه كتب كل شيء، كتب الحديث وكتب آثار الصحابة وكتب آثار التابعين، حتى الشعر كتبه ودونه.

وبإسناد عن خالد بن نزار قال: أقام هشام بن عبد الملك كاتبين يكتبان عن الزهري، فأقام سنة يكتبان عنه. تخيل هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي عين موظفين لابن شهاب ينقلهم وهم يكتبوا، قال: فجلسوا سنة كاملة وهو يملي عليهم. كم هذا المخزون المعرفي الذي في عقل ابن شهاب الزهري؟ جلس سنة كاملة وهو يملي وهم يكتبون؛ معناتها عقلية جبارة في الحفظ. طبعًا ابن شهاب الزهري ليس كحالتك ساعة ساعتين يمليه، لا، هو يجلس معهم الساعات وهو يملي وهم يكتبون، هو يملي وهم يكتبون، فهذا يدل على مخزون معرفي كبير.

وذكر المبرد قال: قال الخليل بن أحمد: ما سمعت شيئًا إلا كتبته، ولا كتبته إلا حفظته، ولا حفظته إلا نفعني. هذه المقولة مهمة جدًا في أيضًا البناء العلمي لطالب العلم؛ أن مراحل عملية التعلم: أول شيء الكتابة. يعني حتى أول شيء -خلينا نرجع قبل الكتابة- أول شيء السماع من المشايخ، ما سمعت شيئًا، إذا أول خطوة في تلقيك للعلم ما هي؟ أنك تسمع، وطالب العلم في بداية حياته العلمية لا يعتمد على القراءة الشخصية، لا بد من وجود شيخ تسمع له. إياك أن تكون صحفيًا تعتمد في بنائك العلمي والمعرفي فقط على قراءتك، لا بد من وجود الأشياخ حتى ولو كانوا متوسطين، مش مشكلة، بس وجود الشيخ أفضل من أنك تبدأ حياتك العلمية من دون شيخ. إذا أولًا السماع، طيب إذا سمعت من الشيخ ماذا أفعل؟ خطوة اثنين أكتب، قبل أن أحفظ، أكتب، ما سمعت شيئًا إلا كتبته، تبدأ تكتب ملخصات وأفكارك، ثم هذا المكتوب تبدأ تراجع وتذاكر وتحفظه، فبعد الكتابة يأتي الحفظ والمذاكرة والمراجعة. ثم بعد الحفظ قال: ولا حفظت شيئًا إلا نفعني؛ لأنه إذا كتبت الشيء النافع ثم حفظت الشيء النافع، هذا المحفوظ النافع سبحان الله يسعفك في لحظات كثيرة ويبقى حاضرًا في ذهنك وفي بالك، بخلاف العلم الذي لا يحفظ وينسى، لا تستفيد منه في حياتك.

باب معارضة الكتاب. وبإسناده عن هشام بن عروة أن أباه قال له: كتبت؟ قال: نعم، قال: عارضت؟ قال: لا، قال: لم تكتب. هذه قضية معارضة الكتاب قضية مهمة كانت عند علماء الحديث، وهي أن الإنسان إذا كتب شيئًا ينبغي أن يعرض نسخته التي كتبها على نسخة موثوقة حتى يتأكد أن كتابته للحديث صحيحة؛ إما يعرضها على نسخة لزميله الشيخ أثنى عليها ومدحها، أو يعرضها على نسخة الشيخ نفسه، وهذا يهتم به علماء الحديث كثيرًا. أي إنسان يكتب حديثًا من الطلبة أو مجموعة أحاديث، لا بد وأن يعارضها، أي يعرضها على نسخة موثوقة ليتأكد أنه لم يزد حديثًا أو لم ينقص كلمة أو لم يحرف شيئًا. هذه قضية من كان يهتم بها اليوم مع ظهور التحقيقات والمطابع وكل دار نشر لها محققين، للأسف أصبح هذا الفن ضعيفًا، وإن كان في الحقيقة ما زال يحتاج إليه، لأنه اليوم كثير من النسخ التي نقرأها نجد فيها سقط، نجد فيها تحريف، نجد فيها لحن وتصحيفات، فلا بد حقيقة أن تبقى هناك معارضة.

يوفق الله عز وجل له أصحاب الهمم من طلاب العلم. وبإسناد آخر عن هشام بن عروة مثله، قال: وعن يحيى بن أبي كثير قال: الذي يكتب ولا يعارض مثل الذي يدخل الخلاء ولا يستنجي. هذه جميلة، يحيى بن أبي كثير ماذا يقول؟ لك الذي يكتب ثم لا يعرض كتابته على نسخة موثوقة كمن دخل الخلاء وخرج ولم يستنج، فما زال الأذى متعلقاً به.

قال وبإسناده عن الأوزاعي قال: مثل الذي يكتب ولا يعارض مثله. وقال معمر: لو عورض الكتاب مئة مرة ما كاد يسلم من أن يكون فيه سقط أو قال خطأ. يعني معمر يقول لك أهمية العرض، يقول لك حتى لو عرضت الكتاب على نسخة موثوقة إلا ويخرج فيه سقط، فما بالك أنك تكون ما عرضته أصلاً؟ كم حجم الخطأ سيكون؟ يعني الواحد يكتب رسالة دكتوراه أو كذا، يقرأها عشر مرات ويطلع فيها بعد ذلك إلا يطلع فيها خطأ، العين سهت وهذا وأنت قد قرأتها ونقحتها مرات ومرات، فتخيل أنك لم تنقح أصلاً سيكون الكتاب مليئاً بالأخطاء والأغلاط.

قال باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث وتتبع ألفاظه ومعانيه. بإسناده عن عامر الشعبي قال: لا بأس بإقامة اللحن في الحديث. هذا في قديماً علم الحديث، تعرفون طرائق تلقيه، كان الشيخ يحدث ويروي من كتاب أو من محفوظه والطلاب يسجلون وراءه، فليس كل الشيوخ الذين كانوا يروون الحديث أئمة في اللغة، بعضهم كان يلحن، يعني يلحن يرفع منصوباً وينصب مجزوماً، يخطئ في روايته للحديث. فالطالب إذا سمع من شيخه لفظة في الحديث أو في غيره سمعها فيها لحن فيها خطأ، هل يكتبها بخطئها كما تلفظ بها الشيخ أو يعدل؟ لا يقولون، طبعاً في خلاف، البعض لكثرة ظاهره يقول لك: لا، إذا الشيخ رواها خطأ بتكتبها خطأ كما يقول الشيخ، هذا رأي كان لبعضهم.

لكن كثير من عقلاء أئمة الحديث يقولون: إذا كان الطالب جازماً عالماً باللغة وعرف أن الشيخ قد أخطأ ولا وجه لروايته بشكل من الأشكال، نعم على الطالب أن يعدل لفظ الشيخ. بس هذا إيش شرطه؟ أنه يكون الطالب عارفاً باللغة وبأوجهها، مش طالب مش دارس الآجرومية ويبدأ يعدل وراء المشايخ، لا الطالب العارف باللغة المتضلع يحق له أن يعدل ما يمكن أن يقع في كلام المشايخ والعلماء من سقط أو لحن.

وبإسناده عن الأوزاعي قال: أعربوا الحديث فإن القوم كانوا عرباً. أعربوا الحديث أي أظهروا الرفع والفتح والجر والجزم، أظهروا إعرابه رفعاً ونصباً وخفضاً. قال وبإسناد آخر عن الأوزاعي مثله. قال وبإسناد عن جابر قال: سألت عامراً الشعبي، وأبا جعفر محمد بن علي، والقاسم بن محمد، وعطاء بن أبي رباح، عن الرجل يحدث بالحديث فيلحن، أحدث به كما سمعت أم أعربه؟ قالوا: لا، بل أعربه، أي أصلح الخطأ، ما تنقل الحديث كما أخطأ به صاحبه. وبإسناده عن الأوزاعي قال: لا بأس بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث. وإسناده عن واثلة بن الأسقع يقول: حسبكم إذا جئناكم بالحديث على معناه.

وبإسناد الآن هنا قضية أخرى، الآن بعد أن انتهي من قضية اللحن أتى لقضية رواية الحديث بالمعنى، الآن هل يصح أن نروي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى وليس باللفظ؟ كما هو طبعاً هذا نحن مبدعون فيه، لأن الشباب ما تحفظ ففي العادة بيروي الحديث بمعناه ثم يختم أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. الآن رواية الحديث بالمعنى فيها خلاف، بعض أهل العلم منعها قال: لا يجوز أن تروي حديثاً إلا بلفظه، البعض أجازها. لكن الذين أجازوا رواية الحديث بالمعنى أجازوها لمن هو عارف باللغة عارف بالمرادف، حتى لا يقول النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً لم يقله، ثم يقول لك: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. لأنه حقيقة اليوم لضعف الحفظ وضعف اللغة كثير من الناس أصبحت تتساهل، فتقول لك: يجوز رواية الحديث بالمعنى، نعم يجوز رواية الحديث بالمعنى على الصحيح بشرط أن يكون الذي سيرويها بالمعنى أولاً ضابطاً لجملة الحديث، عارفاً كيف يؤدي ألفاظه بالمعنى حتى لا يحرف الكلم عن مواضعه.

وبإسناده عن ربيعة بن زيد أن أبا الدرداء كان إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم فرغ منه قال: اللهم إن لم يكن هكذا فكأش، أي من باب ورعه يقول: هكذا سمعت، اللهم إن لم يكن ما حدثت عن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا بالتمام، فكأش، أي يا رب يكون قريباً منه، كشكل، أي قريباً منه. وبإسناد آخر عن ربيعة بن زيد مثله سواء. وبإسناد عن محمد بن سيرين قال: كان أنس بن مالك رضي الله عنه إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً وفرغ منه قال: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، من باب أنه يرفع عن نفسه الخطأ.

وبإسناد عن مسروق عن عبد الله أنه حدث يوماً بحديث، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أرعدت فرائصه وقال: أو نحو هذا أو شبه هذا. شوف ورع الصحابة في نقل الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، أراد عبد الله بن مسعود أن يحدث حديثاً فأصابته قشعريرة وخوف، لأنه يعرف أن المقام عظيم سيحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ويخشى أن ينسب إليه ما لم يقل، فقال: سأروي لكم حديثاً، إما النبي صلى الله عليه وسلم قاله بلفظه أو نحو هذا أو شبه هذا، يعني أنا لا أستطيع أن أجزم أنه قاله بهذه الألفاظ، وهذا من الورع رضي الله عنه.

وبإسناد عن ابن سيرين قال: كنت أسمع الحديث من عشرة، اللفظ مختلف والمعنى واحد. وهذا يدل أن الصحابة أو التابعين كانوا يتوسعون في الرواية بالمعنى، فيقول لك: اللفظ مختلف والمعنى واحد، إيش يعني؟ يعني كل واحد يرويه بألفاظ مختلفة عن ألفاظ صاحبه، لكنهم يحومون حول معنى واحد، وهذا يدل أن الرواية بالمعنى جائزة. وحتى الحديث القدسي الصحيح عند أهل العلم جواز روايته بالمعنى لمن هو عارف بالمعنى.

وبإسناد عن محمد كما سبق، وبإسناد عن الحسن قال: قلنا يا أبا سعيد، إنك تحدثنا بالحديث وأنت أجود له سياقاً منا، قال: إذا كان المعنى واحداً فلا بأس. وبإسناد عن أبي موسى محمد بن مثنى قال: سألت أبا الوليد عن الرجل يصيب في كتابه الحرف المعجم وغير المعجم، أو يجد الحرف المعجم بغير تعجيم، نحو التاء ثاء، والباء ياء، وعنده في ذلك التصحيف والناس يقولون الصواب، قال: يرجع إلى قول الناس فإن الأصل الصحة.

قال وقال أبو موسى: وسألت عبد الله بن داود عن الرجل يسمع الحديث فيذهب من حفظه أو يذهب عنه، فيذكره صاحبه، أيسير إليه؟ قال: نعم، قال الله تعالى: ﴿وَأَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ﴾ [البقرة: 282]. يعني وهذه قضية من نسي الحديث بعد أن رواه، أحياناً أنت قد تكون حفظت أحاديث ونسيتها فيذكرك صاحبك بها، تذكر يوم لما جلسنا أنا وإياك عند الشيخ وروينا؟ فأنت لم تتذكر لكن صاحبك ذكرك به، فهل يجوز لك أن ترويه بعد ذلك؟ إذا كان صاحبك ثقة نعم، يجوز لك أن ترويه بناءً على تذكير صاحبك لك بهذا الحديث. واستدل بقوله تعالى: ﴿وَأَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ﴾، مش في الشهادة؟ لماذا الله عز وجل جعل المرأة تحتاج إلى امرأة أخرى؟ لعل إحداهما تسهو فتذكرها زميلتها بالتفاصيل، فهذا الشيء بالشيء يُذكر.

وبإسناد عن يحيى بن معين قال: لا بأس أن يقوم الرجل حديثه على العربية، أن يعدله بناءً على قواعد اللغة العربية بما فيها من قواعد النحو والصرف. وبإسناد عن ابن عون قال: أدركت ثلاثة يتشددون في الحروف وثلاثة يرخصون في المعاني. ابن عون هنا اختصر لك الخلاف بين السلف، قال: أنا أدركت السلف، بعضهم لا يجوز الرواية بالمعنى ويقولون لا بد تؤديه كما هو، وبعضهم يجوز الرواية بالمعنى. فأما الذين يتشددون في الحروف، ما معنى يتشددون في الحروف؟ يعني يجبرون أن تكون الرواية كما هي ولا يجوزون الرواية بالمعنى، القاسم بن محمد ورجاء بن حيوة وابن سيرين، هؤلاء من أئمة التابعين يرون الرواية تكون باللفظ كما هو، لا يجوز عندهم الرواية بالمعنى. وأما أصحاب المعاني الذين يجوزون رواية الحديث بالمعنى فالحسن البصري والإمام الشعبي وإبراهيم النخعي.

وبإسناد عن مكحول قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع فقلنا: يا أبا الأسقع، حدثنا بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيه وهم ولا زيادة ولا نقصان، قال: هل قرأ أحد منكم من القرآن هذه الليلة شيئاً؟ قلنا: نعم، وما نحن بالحافظ له حتى أننا لنزيد الواو والألف وننقص، قال: فهكذا القرآن منذ كذا بين أظهركم ولا تألون حفظه، وإنكم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون، فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله صلى الله عليه وسلم عسى ألا نكون سمعناها منه إلا مرة واحدة؟ حسبكم إذا حدثتكم بالحديث على المعنى. واثلة بن الأسقع طرح لهم طرحاً علمياً، قال له: أنت جئتني بحديث ما فيه زيادة ولا نقصان ولا حرف أخطئ فيه، قال له: أنت البارحة قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: زدت لك حرف بالخطأ، أنقصت لك حرف بالخطأ؟ قال: أي نعم، مع أننا والله نحفظ الحديث مثلاً أو القرآن، لكن الإنسان يسهو، يزيد كلمة في القرآن خطأ وينقص، قال: إذاً القرآن وأنتم لا تدخرون جهداً في حفظه يحدث منكم خطأ، فتأتيني بحديث سمعته من النبي عليه الصلاة والسلام مرة واحدة، مرة واحدة سمعته، تريد مني أن أؤديه بألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم هذا صعب، قال: فحسبك أن تحصل المعنى.

وبإسناد عن ابن عون قال: كان ممن يتبع أن يحدث بالحديث كما سمع، محمد بن سيرين والقاسم بن محمد. هذا نفس الحديث السابق أنه من الذين يقولون في فائدة، في الأخير إيش قال؟ فقال ابن عون: فقلت لمحمد إن فلاناً لا يتبع الحديث، أن يحدث به كما سمع، فقال: أما إنه لو اتبعه كان خيراً له. هذه إضافة من محمد بن سيرين، أن فلاناً لا يتبع الحديث أن يحدث به كما سمع، فقال: أما إنه لو اتبعه كان خيراً له، يعني ابن سيرين يقول: لو أن هذا الشخص الذي سمع الحديث اتبعه كما وصله، فنقله بألفاظه بدون زيادة ولا نقصان لكان خيراً له. هو بالتأكيد رواية الحديث باللفظ كما هي هي أفضل وأتم، لكن صعب، يعني هذا ليس كل إنسان يستطيع ويتقنه، ولو منعنا رواية الحديث بالمعنى لفات الناس كثير من الخير في هذا الباب.

بعضهم كان يأخذ باللفظ وبعضهم كان يأخذ بالمعنى، لذلك، لكن كما قلت في خلاف بين السلف وبين الصحابة في قضية الرواية بالمعنى، وإن كان نقول ما استقر عليه جمهورهم جواز الرواية بالمعنى لمن كان عارفاً باللغة ومرادفات الألفاظ. وبإسناد عن الحسن والشعبي أنهما كانا لا يريان بأساً بتقديم الحديث وتأخيره، وكان ابن سيرين يتكلفه كما سمعت، نفس الفكرة، أن الحسن البصري والشعبي لا يريان بأساً في تقديم الحديث وتأخيره، إيش يعني تقديم الحديث وتأخيره؟ أن اللفظة التي أو الجملة التي وقعت في آخر الحديث ينقلوها لبداية الحديث، والتي رويت في بداية الحديث ينقلوها إلى آخره، يعني يقدم الجمل ويؤخر، المهم يعطيك الحديث بالنهاية كما هو، مثلاً حديث غزوة بدر أو غزوة تبوك، بصير تأخير بعض الجمل في أثناء أدائه، أما ابن سيرين فكان يتكلفه كما سمعت، أي لا، لأنه عرفنا منهجه ابن سيرين لا يجوز الرواية بالمعنى، فكان يتكلف على نفسه أن يؤدي الحديث كما سمعه بدون زيادة ولا نقصان ولا تقديم ولا تأخير.

وبإسناد عن عامر، أو بإسناده عن جابر عن عامر قال: قلت له أسمع اللحن في الحديث؟ عامر هو نفسه الشعبي، قلت له أسمع اللحن في الحديث، فقال: أقمه أقمه، يعني أصلحه، لو الشيخ أخطأ في الحديث أصلحه. وبإسناد عن أشهب قال: سألت مالكاً عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد؟ قال: أما ما كان من قول النبي صلى الله عليه وسلم فإني أكره ذلك، وأكره أن يزاد فيها أو ينقص، وما كان منها من غير قول النبي صلى الله عليه وسلم فلا أرى بذلك بأساً. قلت: حديث النبي صلى الله عليه وسلم يزد فيه الواو والألف والمعنى واحد؟ قال: أرجو أن يكون هذا خفيفاً. يعني مالك بن أنس فصل في الرواية بالمعنى، يقول: الرواية بالمعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان فيها تقديم وتأخير كثير أكره ذلك، أما إذا كان فيها فقط زيادة واو نقصان، أو حذف همزة زيادة همزة، قال: أرجو أن يكون هذا خفيفاً، يعني هذا المقدار يمشي، أما غير النبي عليه الصلاة والسلام فتوسع مالك قال: غير النبي عليه الصلاة والسلام الأمر فيه أسهل. وبإسناد عن علي بن الحسن قال: قلت لابن...

المبارك يكون في الحديث لحن أقومه قال نعم؛ لأن القوم لم يكونوا يلحنون، اللحن منا. ما معنى هذا الكلام؟

أحسنت، من جاء بعدهم أحسنت، يعني أكيد الحديث الذي وقع فيه اللحن أن الذي لحن فيه أكيد ليس النبي عليه الصلاة والسلام وأكيد ليس الصحابة، فهم ما كانوا يلحنون، وإنما اللحن وقع ممن أتى بعد ذلك حيث اختلط العرب بالعجم ودخل اللحن وظهر، وهذا يكون اللحن نشأ في قرون متأخرة، فأقول لك أصلحه؛ لأنه بالتأكيد الصحابة رووه صالحاً والخطأ منا نحن الرواة.

قال أبو عمر: وكان ممن يأبى أن ينصرف عن اللحن فيما روي عنهم نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما، وأبو معمر عبد الله بن سخبر الأزدي، وأبو الضحى مسلم بن صبيح، ومحمد بن سيرين. هؤلاء الأربعة كانوا إذا وصلهم الحديث ملحوناً يروونه ملحوناً ويقولون لا نتصرف، خلاص وصلنا باللحن نؤديه باللحن، لكن هذا كما قلنا ليس منهج عامة رواة الأحاديث.

قال إسماعيل بن أمية: كنا نريد نافعاً على إقامة اللحن في الحديث فيأبى، يعني كان يقول لنافع مولى ابن عمر يا نافع أصلح الرواية، ترى أنت تلحن، قال: هكذا سمعت لا أعدل. وبإسناد عن معمر قال: إني لأسمع في الحديث لحناً فألحنه كما سمعت أنا. رأيي كما قلنا هؤلاء الأربعة أبو معمر ونافع يقول لك أنا كان يصلني الحديث ملحوناً فأرويه بلحنه كما سمعت، طبعاً هذا من ناحية ضبط أنه يقول لك حتى اللحن أنا عارفه وأؤديه كما سمعت هو يدل على ضبطه، لكن هل هي الحال الصالحة الأكمل؟ حقيقة لا يظهر ذلك، الذي يظهر أن الأولى ما دمت متأكد أنه في لحن وفي خطأ الأولى أن تعدل حتى لا يبقى اللحن تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل.

وبإسناد عن المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي أنه جاءه الدراوردي عبد العزيز بن محمد يعرض عليه الحديث فجعل يقرأ، هذه القصة الجميلة التي تدل على أهمية أن طالب العلم أول شيء يتعلمه في رحلته العلمية أي علم اللغة العربية، شوفوا شو قال الدراوردي، نعم، فجعل يقرأ ويلحن لحناً منكراً، فقال له المغيرة: ويحك يا دراوردي، كنت بإقامة لسانك قبل طلب هذا الشأن أحرى. يعني الدراوردي جاء يطلب الحديث على عياش بن المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي عن أبيه، فبدأ الدراوردي يقرأ أمام شيخه، فال المغيرة رآه يلحن، فماذا قال المغيرة لتلميذه؟ شوف الشيخ الناصح قال له: ويحك يا دراوردي، يعني شو اللي بتعمله قاعد؟ كنت بإقامة لسانك قبل طلب هذا الشأن أحرى، يعني كان حرياً بك قبل أن تطلب الحديث وتبدأ تقرأ في مصنفات العلماء كان الأولى بك أن تذهب تقوم لسانك، أي أن تتعلم العربية، وهذه دائماً نصيحتنا أنه يا طالب العلم ما ينفع تقول لي أنا بدي أدرس الفقه وأصول الفقه وأتعمق في العقيدة وأبدأ أنظر في الردود وأنت أساسيات اللغة العربية ما زلت تلحن فيها، لو قلنا لك أعطِ خطبة أمام الناس في مسجد تنصب وترفع وتجزم على هواك! لا هذا عيب، أول العلوم التي يعتني بها طالب العلم علوم العربية يؤسس نفسه بشكل جيد.

قال: والقول في هذا الباب ما قاله الحسن والشعبي وعطاء ومن تابعهم وهو الصواب وبالله التوفيق. هذا يدل على اختيار ابن عبد البر صاحب الكتاب، ابن عبد البر يختار رواية الحديث بالمعنى ويراها جائزة، فيقول: والقول في هذا الباب، هل يجوز رواية الحديث بالمعنى ولا لا؟ ما قاله الحسن البصري والشعبي وعطاء ومن تابعهم، وهو جواز رواية الحديث بالمعنى، هذا خلاصة اختيار ابن عبد البر.

أثناء الأداء يعني أنا كشيخ لما أمليك أمليك الحديث، الشيء المرفوع آتي به منصوباً والمنصوب آتي به مجروراً، فأنت عندما ستنقله لمن بعدك هل ستنقله كما قرأته أنا خطأ وكما سمعته أنت خطأ؟ لأن دعك من الكتابة، ويقول إنهم ما كانوا يضعون النقاط أو الحركات الاعتبار بالسمع، أنت سمعته مني خطأ، هل ستنقله خطأ لأنك سمعت مني خطأ أم ستعدل في الرواية؟ هذا المراد. هم ما كانوا في العادة إلا بعض التنبيهات أن يقولون بكسر المعجمة وفتح الكذا، يعني كانوا يذكرون ذلك كتابة، رواها الشيخ بكسر كذا يكتبون مش يضعونها حركة، يكتبون أنه كسر الشيخ هنا فتح الشيخ هنا ضم الشيخ هنا، كان يكتب مثل هذا. ولكن يكون خطأ اليوم في كتب السنة يمكن تجد في بعض الكتب في النهاية ليس سببها المشايخ وإنما سببها المحققون من المعاصرين، وإلا اليوم الأصل اللجان العلمية المشرفة على طباعة كتب السنة الأصل أنها تصلح كل شيء، فإذا وجد فهذا يكون من المحققين المعاصرين.

قال: باب في فضل التعلم في الصغر والحض عليه. هذا يدل أن الإنسان هذا الباب عقده أن الإنسان ينبغي أن يستغل فترة الشباب في تلقي العلم قبل ما يكبر وتكثر مشاغله.

بإسناده عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما ناشئ نشأ في طلب العلم والعبادة حتى يكبره على ذلك كتب الله له أجر سبعين صديقاً». مثل هذا الحديث ضعيف جداً حقيقة، يعني لا يصلح الاستدلال به في هذا الباب.

وبإسناد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تعلم العلم وهو شاب كان كوشم في حجر، ومن تعلم العلم بعد ما يدخل في السن كان كالكتاب على ظهر الماء». ما معنى هذا الكلام؟ وإن كان لا يصح مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، يقول وهذه كلمة إحنا بنقولها في حياتنا العامية: التعلم في الصغر كالنقش في الحجر، فيقول من تعلم العلم وهو شاب في مثل أعمار أكثركم كان كوشم في حجر، يعني كأنك تضع وشماً داخل حجر، يعني مش تكتب، لا وشم، وهذا يدل على شدة الرسوخ وأنه لا ينسى، بخلاف الذي يتعلم في الخمسين أو الستين وإن كان فيه خير، لكن هذا كمن يكتب على الماء، شخص يكتب على الماء هل يبقى أثر؟ ما يبقى أثر.

وبإسناد عن الحسن قال: طلب الحديث في الصغر كالنقش في الحجر. نعم هذا عن السلف صحيح، ثبت عن السلف هذه الألفاظ. وبإسناد عن علقمة قال: ما حفظت وأنا شاب فكأني أنظر إليه في قرطاس أو ورقة، يعني ما حفظت في سن شبابي عندما أتلوه من حفظي أتلوه كأنني أراه مكتوباً أمامي لشدة رسوخه في الحفظ.

وبإسناده قال: قال الحسن بن علي لبنيه ولبني أخيه: تعلموا العلم؛ فإنكم صغار قوم وتكونون كبارهم غداً، فمن لم يحفظ منكم فليكتب. شوف هذه النصيحة، يعني أنتم الآن شباب غداً ستكونون رؤساء الناس وسترجع الناس إليكم حملة العلم الشرعي، تمام، أنتم اليوم شباب لكنكم غداً رؤساء قوم، فأنتم بين أمرين: من استطاع أن يحفظ فليحفظ، ومن ضعف عن الحفظ أقل شيء فليكتب، وأعطاهم حلين.

وبإسناده عن الأعمش قال: قال لي إبراهيم وأنا شاب: في فريضة احفظ هذه لعلك أن تسأل عنها. في فريضة يعني في مسألة من المسائل أو في علم الفرائض أو ما شابه ذلك، احفظ هذه لعلك أن تسأل عنها في المستقبل. وبإسناد آخر عن الأعمش مثله.

وبإسناد عن عروة بن الزبير أنه كان يقول لبنيه: يا بني، إن أزهد الناس في عالم أهله، فهلم إلي. الزبير مجمع أبناءه يقول لك أزهد ناس في عالم من أهله، دائماً أبناؤك وزوجتك زهدوا فيك، والله لو كنت ابن تيمية لزهدوا فيك، تمام، خلاص هي الألفة تذهب الكلفة، هي هكذا سنة الحياة، الألفة تذهب الكلفة. في العادة أبناء العلماء لا يخرجون علماء، في العادة، قد لا يكون الشيخ قصر، مش ضروري أنه الشيخ قصر فيهم، لكنهم يزهدون في والدهم، وأما لكثرة الفهم له بخلاف الناس الغرب الذين لا يعرفونك تبقى الحشمة والحضور فتجد الاستفادة أكثر، والفائدة تروى فقال: يا بني إن أزهد ناس في عالم من أهله. عروة بن الزبير عارف الطابق زي ما بيحكوا، قال: فهلموا إلي فتعلموا مني، فإنكم توشكون أن تكونوا كبار قوم، إني كنت صغيراً لا ينظر إلي، فلما أدركت من السن ما أدركت جعل الناس يسألونني، وما شيء أشد على امرئ من أن يسأل عن شيء من أمر دينه فيجهل. طبعاً هي النفس الشريفة أنه يقول لك أشد شيء على نفس الإنسان المتخصص خاصة في العلوم الشرعية أنه بكرة تكبر ويجي واحد يسألك عن مسألة شرعية واضحة وتكون جاهل فيها، مش عيب هذا الكلام، يعني هيك بدي أقول لك يا عروة بن الزبير أنت الآن صار لك من الشباب وبكرة بصير ماجستير شريعة ودكتوراه والناس تسألك، فيقول أصعب شيء على صاحب النفس الشريفة أن يؤتى يسأل عن شيء فيكتشف أنه جاهل به، طبعاً لو كنت جاهلاً في شيء حكي الله أعلم مش مشكلة، يعني أن تبقى جاهلاً وتقول الله أعلم خير من أن تفتي بدون علم، لكن هو بيقول لك والله يا أخي صعبة، صعبة أني أنا غداً أصبح متصدراً والناس تقول والله طالب علم وانشغل بطلب العلم، فإذا جاؤوا فسألوني عن بدهيات المسائل ما عندي فيها إجابات، يعني دائماً النفس الشريفة تحب أن يكون لديها كل شيء.

وبإسناده إلى ابن الأنباري قال: أنشدني أبي في أبيات ذكرها: فهبني عذرت الفتى جاهلاً ... فما العذر فيه إذا المرء شاخ يعني قال الشاب الصغير نعذره لجهله، فما العذر إذا أصبح كبيراً؟ كيف نعذره بجهله؟ أليس حرياً به أن يتعلم في سن الشباب؟

وكان يقال: من أدب ابنه صغيراً قرت به عينه كبيراً. والابن أغبش في أبيات له: ما أقبح الجهل على من بدا ... برأسه الشيب وما أشنع ولغيره: رأيت العلم لم يكن انتهاباً ... ولم يقسم على عدد السنين ولو أن السنين تقاسمته ... حول الآباء أنصبة البنين يعني الفهم والعلم ليس شيئاً ينتهب وليس هذا الشيء يقسم على سنوات العمر، كل سنة يحصل الإنسان مجموعة من العلم، لا لا، العلم هذا بهمتك واجتهادك وذكائك، قال لو كان العلم يقسم أن كل سنة يحصل الإنسان جزءاً منه لكان الآباء الكبار احتوى علم أبنائهم، لكننا في الواقع نكتشف أن كثيراً من الصغار علمهم أكثر من علم الكبار والآباء والأجداد، فهذا يدل أن العلم ليس مقسماً على السنوات، وإنما بالصدق والهمة في الطلب.

وقال آخر: يقوم من ميل الغلام المؤدب ... ولا ينفع التأديب والرأس أشيب الغلام الصغير مؤدبه يمكن أن يصلح من سلوكياته، يقوم من ميل الغلام المؤدب، يقوم الغلام إذا مال، لكن المؤدب ماذا يفعل بمن شاخ وشاب؟ لا تستطيع أن تغير الطباع السيئة إذا شخت عليها.

وقال آخر: إن الغلام مطيع من يؤدبه ... ولا يطيع كهل حين يكتنه وقال سابق البربري رحمه الله: قد ينفع الأدب الأحداث في مهل ... وليس ينفع عند الكبر الأدب إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولن يلين إذا قومته الخشب نفس الفكرة، أن الغصون إذا قومتها اعتدلت، ولن يلين إذا قومته الخشب، يعني اليابس، الخشب اليابس خلص، ما نشأ يابساً وكبر وهو يابس يظل يابساً، أما في سن الشباب يمكن الإصلاح.

ويقال في المثل في مثل هذا: إنما يطبع الطين إذا كان رطباً، يعني أنت لو كان عندك الطين، الطين متى بتقدر تشكله وتلعب فيه إذا كان رطباً، إذا الطين يبس خلص ما تستطيع أنك تشكله.

وقد أخذه منصور في غير هذا المعنى فقال: ولم تدم قط حال فالطبع ... وطين كأرطبه وقال محمد: فطبع وطين كأرطب ... يعني نفسي لما تكون هينة وسهلة ومقبلة اشتغل عليها؛ لأنه بكرة إذا نفسيتك يبست يصعب أن تشتغل عليها.

وقال محمد بن مناذر في شعره المطول: وإذا ما يبس العود على أود ... لم يستقم منه الأود الأود هو العوج، وإذا ما يبس العود على أود، يعني العود إذا يبس وهو معوج ذهب لا يمكن إصلاحه بعد ذلك.

ومما ينشد لخلف الأحمر: خير ما ورث الرجال بنيهم ... أدب صالح وحسن ثناء هو خير من الدنانير والأوراق ... في يوم شدة أو رخاء تلك تفنى والدين والأدب الصالح ... لا يفنيان حتى اللقاء إذا تأدب يا بني صغيراً ... كنت يوماً تعد في الكبراء وإذا ما أضعت نفسك ... ألفيت كبيراً في زمرة الغوغاء

عطف القضيب إن كان رطباً، وإذا كان يابساً بسواء. لاحظ أنها فكرة يتوارد عليها الشعراء، قضية القضيب اليابس والقضيب الرطب؛ يعني واضح أنها متواطئ عليها. أنشدها غير واحد لخلف الأحمر، وأنشد خلف الأحمر أحد رواة الشعر الكبار -هو وحماد الراوية وغيرهم- أحد رواة الشعر الكبار. قال: وأنشدها الخشني رحمه الله لإبراهيم بن داوود البغدادي في قصيدة له مطولة يوصي فيها ابنه؛ أولها: يا بني يقترب من الفقهاء، وتعلم تكن من العلماء. وكان يقال: من أدب ابنه أرغم أنف عدوه.

بإسناد عن محمد؛ لأنك بكره هذا الابن بيكبر فتفتقر إليه، فالعدو لا يستطيع أنه يسبك ويقول: والله هذا ما رباش أولاده. أقول لك: إذا أدبت ولدك أرغمت أنف عدوك؛ ليه؟ لأنه بكره لما يظهر ابنك وقد تأدب وهو عالم، أعداؤك وحسادك لا يستطيعون أن يقولوا عنك كلمة. لكن إذا ما ربيت أولادك وطلعوا أولادك في الشوارع هكذا، إيش بقولوا؟ أبوهم ما رباهم، فأنت من هسة ضبط أمورك. وبإسناد عن محمد قال: كانوا يقولون أكرم ولدك وأحسن أدبه. وبإسناد لسليمان بن داوود أنه قال لابنه: من أراد أن يغيظ عدوه فلا يرفع العصا عن ولده. سبحان الله، بقولك إذا أردت أن تغيظ أعداءك فلا ترفع العصا عن ولدك؛ كناية عن التأديب، ظلك أدب في الولد حتى يصلح مستقيماً.

بإسناد أن أبا عبد الله نفطويه أنشده لنفسه: أراني أنسى ما تعلمت في الكبر ... ولست بناسٍ ما تعلمت في الصغر وما العلم إلا بالتعلم في الصبا ... وما الحلم إلا بالتحلم في الكبر ولو فُرق القلب المعلم في الصبا ... لألفي فيه العلم كالنقش في الحجر وما العلم بعد الشيب إلا تعسف ... إذا كل قلب المرء والسمع والبصر وما المرء إلا اثنان: عقل ومنطق ... فمن فاته هذا وهذا فقد دمر سبحان الله، قال آخر: إن الحداثة لا تقصر بالفتى ... المرزوق ذهناً لكن تذكي عقله فيفوق أكبر منه سناً. جميل، وقال آخر: إذا ما المرء لم يولد لبيباً ... فليس بنافع قدم الولادة

وبإسناد إلى يوسف بن يعقوب ابن الماجشون قال: قال لنا ابن شهاب ونحن نسأله: لا تحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فإن عمر بن الخطاب كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم؛ يبتغي حدة عقولهم. يعني عمر كان يستفيد من طاقات الشباب ومن عقول الشباب، وليس من عقول كبار السن في بعض الأحايين. فبالتالي الإنسان لو كان صغير، لو كان ابنك عمره 10 سنوات، 11، 12 خليه يأتي يحضر مجالس العلم ويتعلم مع الكبار، هكذا كانوا يطلبون العلم، وليس على الكبر فصاعداً كما نفعل نحن اليوم. وبإسناد آخر إلى ابن الماجشون مثله.

وبإسناد إلى ابن عباس قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شاب، قلت لشاب من الأنصار: يا فلان هلم فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كثير. قال: العجب لك يا ابن عباس! أترى أن الناس يحتاجون إليك، وفي الأرض من ترى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ شوف هذا الرجل صاحبه كان ما عنده سعة أفق، فقاله يعني يا ابن عباس نذهب الآن أنا وإياك نطلب الحديث والصحابة الكبار متوافرون وكل الناس يذهب إليهم، تحكي من هذا؟ خلينا نشوف لنا شغلة ثانية، الصحابة كثر والكبار كثر وإحنا وإياك صغار، ما حدا ينظر إلينا. ابن عباس كان ينظر لبعيد للمستقبل، أنه ما ماشي الآن كثر لكن غداً الكبير سيموت ونحن سنكبر؛ فهل إذا وجد العلماء في عصر معناتها الصغار لا يطلبون العلم؟ لا، أنتم صغار قوم قد تصبحون كبارهم.

قال: فتركت ذلك وأقبلت على المسألة وتتبع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن كنت لآتي الرجل في الحديث يبلغني أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآتي قائلاً -قائلاً يعني نائم وقت القيلولة- فتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح على وجهه حتى يخرج، فإذا خرج قال: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، مالك؟ فأقول: حديث بلغني عنك أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحببت أن أسمعه منك. قال: فيقول: فهلا بعثت إلي حتى آتيك؟ يعني شوف هذا الرجل من كبار الصحابة يقول يا ابن عباس أنت من أقارب النبي عليه الصلاة والسلام، أنا اللي بآجي، ما في داعي تأتي تنام على بابي حتى أنا استيقظ؛ يعني هذا من تعظيمهم لأقارب النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: فأقول أنا أحق أن آتيك. فكان ذلك الرجل بعد ذلك يران وقد ذهب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم واحتاج إلي الناس، فيقول: كنت أعقل مني. كان ذاك الرجل اللي هو صاحبه اللي في البداية اللي قال له يا ابن عباس لا تطلب العلم ولا توجع رأسك ترى الصحابة متوافرون ما راح يحتاج إليك، قال: فلما كبرت ومات الصحابة الكبار وأصبح الناس يحتاجوني، قال لصاحبي: قل كنت أعقل مني. استغليت فترة الشباب، الآن لما كبرت أصبحت سيداً واحتاجك الناس. وبإسناد عن عمر رضي الله عنه قال: تفقهوا قبل أن تسودوا؛ يعني قبل أن تصبحوا رؤساء، لأن الإنسان إذا أصبح مسؤولاً ما عنده وقت للتفقه ولا للتعلم فيبقى على جهله. وبإسناد آخر إلى عمر مثله، وبإسناده إلى عبد الله قال: تعلموا، فإن أحدكم لا يدري متى يختل إليه؛ يعني متى يحتاج إليه، يعني أنت تعلم الآن، لا تعرف متى سيحتاجك الناس وفي أي بقعة وفي أي بلد من البلدان.

وبإسناد إلى عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون قال: أتيت المنذر بن عبد الله الحزامي وأنا حديث السن، فلما تحدثت اهتز إلي على غيره لما رأى فيّ بعض الفصاحة، فقال لي: من أنت؟ -قال اهتز إلي على غيره يعني الشيخ غار من طالبه- لما رأى في الطالب من الفصاحة والقدرة على البيان فقال لمن أنت؟ فقلت له: عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون. فقال: اطلب العلم، فإن معك حذاءك وسقاءك. قال له يعني مثلك يفلح، اطلب العلم فإن معك حذاءك وسقاءك. هذا اقتباس من قول النبي صلى الله عليه وسلم في الناقة: «ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها». اقتبسه هنا ليقول له يعني أنت ما شاء الله مادام عندك فصاحة وعندك بلاغة وهذا البيان لا يخشى عليك، توكل على الله واطلب العلم. وهذه نصيحة تدل أن غيرة الشيخ لم تجعله يثبط الطالب عن الطلب، مش من غيرته جعلته تقول له لا تطلب العلم وكذا، وإيش بدك في ها القضية والله تعبنا فيه وكذا؛ لا لا، بالعكس مادحه وأثنى عليه. فأنت أحياناً فعلاً قد تتمنى نعمة موجودة عند الآخرين، لكن لا يحملك تمني هذه النعمة على أن تتمنى لأخيك الشر، بالعكس عززه وقول له أنت عندك قدرة وتستطيع ويمكن تفوقني في يوم من الأيام. هكذا المعلم الناجح يزرع في طالبه المعنوية.

وبإسناد عن علي بن رباح أن لقمان الحكيم قال لابنه: يا بني، ابتغِ العلم صغيراً، فإن ابتغاء العلم يشق على الكبير. نعم؛ لأنه الكبير هموم الحياة بتتعبه، الزواج والأولاد والمصروف الشهري، العلم يحتاج إلى أن يجتمع قلبك عليه، والشاب اللي ما عنده تكاليف حياة قلبه مجتمع نوعاً ما. نعم في شهوات وفتن لكن ما عليك مسؤوليات، أما إذا بدأت المسؤوليات تتراكم وعقلك في شعاب متعددة يصبح العلم صعب في هذه المرحلة.

قال أبو عمر: أنشدني غير واحد لصالح بن عبد القدوس في شعر له: وإن من أدبته في الصبى ... كالعود يسقى الماء في غرسه حتى تراه مورقاً ناضراً ... بعد الذي أبصرت من يبسه والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه حتى يعني يدفن، خلص الشيخ شو بدك تصلح فيه؟ إذا رعوى عاد إلى جهله، كذي الضأن عاد إلى نكسه. سبحان الله.

وبإسناده إلى إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: ما رأيت شاباً قط لا يطلب العلم ولا سيما إذا كانت له حدة، إلا رحمته. شوف هذه العبارة الجميلة من إبراهيم الحربي؛ إبراهيم الحربي يقول ما رأيت شاباً الله عز وجل رزقه حدة في الذهن ولا يستغل طاقته في طلب العلم إلا رحمته. شو يعني رحمته؟ أشفقت عليه، مسكين شو بتسوي؟ هو لو شاف شبابنا اليوم كان مش رحمته بك عليه ولطم! الشاب اللي قاعد على السوشيال ميديا وعلى الفيسبوك وعلى اليوتيوب وعلى التويتر وفي المقاهي وفي المشارب وفي المجالس، هذا سيبكي عليه بكاء مريراً. فترة الشباب فترة عطاء، هكذا كان السلف ينظرون لفترة الشباب؛ أن فترة عطاء ونهم معرفة وعلم وتلقي وشغل. لو أتوا إلينا، الشاب اللي بده ينام للساعة 12 الظهر ويصحى بعدين ويوم بيكسل عن مجلس العلم، وعشرة بيجيش، وعلى هذا المنوال؛ يعني بقول لك ليس هكذا هو الشباب، ليس هكذا الإنسان الموفق. خاصة قال إذا كان له حدة، شو يعني حدة؟ يعني ذكاء. هسا الإنسان البليد بتقول أصلاً هو مش نافع في العلم، لكن إنسان عنده ذكاء وحدة، حرام تضيع هذه الطاقة بدون استفادة.

وسناده عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يستحيي الشيخ أن يتعلم من الشاب». طبعاً هذا لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ أصلاً مكحول هو ليس من الصحابة حتى يروي عن النبي عليه الصلاة والسلام، إنما هو من التابعين. وبإسناده عن عبد الله بن مسعود، أن كانت فكرة صحيحة أنه الكبير لا يستحي أن يتعلم من الصغير، لا يستحي الشيخ أن يتعلم من الشاب كما قال البخاري: «لا ينبل المرء حتى يتعلم من هو مثله ودونه وأعلى منه». عادي الإنسان يطوع قلبه أنه ممكن أتعلم من شخص أصغر مني، وهذا لا إشكال فيه ما دام الرجل متقناً لما يقول.

وبإسناد عن عبد الله بن مسعود قال: يا أيها الناس، تعلموا العلم، فإن أحدكم لا يدري متى يختل إليه؛ متى يختل إليه يعني متى يحتاج إليه وينظر إليه. وذكر بإسناد آخر سواء، وبإسناد سواء يعني مثل الحديث السابق، وبإسناد عن ابن مسعود قال: عليكم بالعلم، فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه أو إلى ما عنده.

طيب، نكمل إن شاء الله بعد صلاة العصر، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. نشرع إن شاء الله في المجلس الثاني بإذن الله. بسم الله الرحمن الرحيم، باب حمد السؤال والإلحاح في طلب العلم وذم ما منع منه.

نعم، أيضاً من القضايا المعرفية أو من المهارات المعرفية التي ينبغي أن يتقنها طالب العلم، وهي مهارة السؤال؛ السؤال نصف العلم كما قال علماؤنا. السؤال نصف العلم، وطالب علم لا يستشكل وما عنده أسئلة يوجهها لأساتذته، هذا ليس بطالب علم تمام. لا يوجد إنسان إخواني يفهم كل شيء من أول مرة، لا يوجد إنسان يقرأ كتاب من أوله إلى آخره لا يوجد عنده استشكالات ونظرات وتساؤلات. فمن المهارات التي ينبغي أن يحسنها طالب العلم وركز عليها السلف أن طالب العلم يهتم بها: السؤال. أن تسأل، لكن عليك أن تحسن صياغة السؤال، تعرف الوقت المناسب للشيخ حتى تسأله، وألا تلح على الشيخ في وقت قد لا يكون هو مستعداً نفسياً وجسدياً لاستقبال الأسئلة. تمام؟ في هناك أكيد مجموعة من الأمور المتعلقة بالسؤال يجب أن تحسنها وأن تتعلمها من كتب مثل تذكره السامع والمتكلم وغيرها التي تحدثت بتفصيل دقيق في طرق تشكيل السؤال وتوجيهه، لكن عموماً أصل هذه الفكرة مهم أنه لا يوجد طالب علم لا يسأل، هذا هو الأساس.

نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شفاء العي السؤال». وقال العي هو الجهل؛ شفاء العي السؤال، شفاء الجاهل أن يسأل فيتعلم، هذا معنى الحديث. وقالت عائشة رضي الله عنها: رحم الله نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يسألن عن أمر دينهن. يعني حتى نساء الأنصار كن يسألن النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمور المتعلقة بطهارتهن وأمورهم الخاصة ويقلن في النهاية: هذا دين ويجب أن يتعلم. وقالت أم سليم: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا رأت الماء؟

واستحيا علي رضي الله عنه أن يسأل عن المذي لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابنته التي كانت عنده، فأمر -كانت عنده لأن علي كان متزوجاً بفاطمة وكان علي مذاءً رضي الله عنه- فاستحيا أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الحالة كيف يفعل بها، لأن ابنته عنده. فقال: أرسل المقداد فالمقداد عنه، فأمر مقداداً وعماراً فسألا له رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وهذه الأحاديث مشهورة الأسانيد وقد ذكرتها من طرق في التمهيد. التمهيد ما هو؟ كما قل أحد كتب ابن عبد البر الأساسية.

وقال عبد الله بن مسعود: زيادة العلم الابتغاء، ودرك العلم السؤال؛ فتعلم ما جهلت، واعمل بما علمت. وقال ابن شهاب؛ جميل هذه العبارة، يقول: زيادة العلم الابتغاء؛ يعني متى تزداد علماً في حياتك؟ إذا بقيت تبتغي وتطلب وتبحث وتحضر المجالس. قال: ودرك العلم السؤال؛ يعني إنما تدرك العلم وتحقق المسائل وتفهم المعضلات من خلال طرح.

وقال ابن شهاب: العلم خزينة، مفتاح المسألة. العلم هو عبارة عن خزينة، إذا أردت أن تأخذ من هذه الخزينة تحتاج مفتاحاً، وما هو مفتاحك؟ أن تسأل العالم. وعن صفية بنت شيبة عن عائشة رضي الله عنها قالت: «نعم النساء نساء الأنصار؛ لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين ويتفقهن فيه».

وبإسناد قال حدثنا عطاء بن أبي رباح قال: سمعت ابن عباس يخبر أن رجلاً أصابه جرح على عهد رسول الله ﷺ، ثم أصابه احتلام فأمر بالاغتسال، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «قتلوه قتلهم الله! ألم يكن شفاء العي السؤال؟». وزاد عبد الرزاق قال عطاء: وبلغني أن النبي ﷺ قال: «لو اغتسل وترك موضع الجراح وتيمم عنها». هذا مذهب الحنابلة: أن يتيمم عن الموضع الذي لا يمكن أن يمسه بالماء.

وأنشدت لبعض المتقدمين: إذا كنت في بلد جاهلاً وللعلم ملتمساً فاسأل؛ فإن السؤال شفاء العماء، كما قيل في المثل الأول. وقال الفرزدق: ألا خبروني أيها الناس إنما سألت ومن يسأل عن العلم يعلم. سؤال امرئ لم يعقل العلم صدره وما السائل الواعي.

وقال ابن الصلت: لا يذهبن بك التفريط منتظراً طول الأناة ولا يطمح بك العجل، فقد يزيد السؤال المرء تجربة ويستريح إلى الأخبار من يسأل. وقال سابق البربري: وليس ذو العلم بالتقوى كجاهلها ولا البصير كالأعمى.

فاستخبر الناس عما أنت جاهله إذا عميت، فقد يجلو العمى خبر. وله أيضاً: وقد يقتل الجهل السؤال ويشتفي إذا عيل أمر المرء المهم المعاين، وفي البحث قد ينمو سؤال لذوي العمى شفاء، وأشفى منهما ما تعاينه.

وبإسناد قال حدثنا أبو هلال عن قتادة عن عبد الله بن بريدة أن معاوية بن أبي سفيان دعا دعبل النسابة، فسأله عن العربية، وسأله عن أنساب الناس، وسأله عن النجوم، فإذا رجل عالم. فقال: يا دعبل من أين حفظت هذا؟ قال: حفظت هذا بقلب عقول ولسان سؤول. وذكر تمام الخبر. من أين حصلت كل هذا العلم؟ هذا هو موطن الشاهد، قال: بقلب عقول يعني إنسان عقلي يفكر، ولسان سؤول كنت أسأل وأبحث عن العلم في مضانه.

وبإسناد عن المسيب بن عبد خير عن أبيه قال: قال عمر: من علم فليعلم، ومن لم يعلم فليسل العلماء. ألا إن القرآن نزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف. يعني المراد أن الآية القرآنية لها عدة أوجه في فهمها، نزل على سبعة أبواب على سبعة أحرف، يعني النص القرآني له عدة فهوم، بالتالي يجب على طالب العلم أن يسأل العلماء عن الفهم الأنسب أو الفهم الأرجح أو الأظهر.

وبإسناد قال حدثني الليث عن ابن شهاب قال: العلم خزائن ومفاتيحها السؤال. والذي يليه نحوه؛ حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال: كان الخليل يقول: العلوم أقفال والسؤالات مفاتيحها. العلوم تقفل عليك، والعلم لا يعطيك حتى تسأل. قال أبو عمر: كان الأصمعي ينشد: شفى المرء طول السؤال، وإنما تمام المرء طول السكوت على الجهل. وقال سابق البربري: والعلم يشفي إذا استشفى الجهول به، ودواء قديم يحسم الداء. وقال آخر: إذا كنت لا تدري ولم تكن بالذي يسأل من يدري فكيف إذ تدري؟ يعني إذا أنت لا تدري ولا تسأل من يدري، فكيف ستدري؟

وبإسناد قال حدثنا داود بن أبي حجر قال: قدم رجل على ابن المبارك وعنده أهل الحديث فاستحيا أن يسال، وجعل أهل الحديث يسألونه، قال فنظر ابن المبارك... وروينا عن الخليل بن أحمد أنه قال: إن لم تعلم الناس ثواباً فعلمهم لتدرس بتعليمهم علمك، ولا تجزع بتفريع السؤال فإنه ينبهك على علم ما لم تعلم. يعني علم الناس إذا لم يكن تعليمك ابتغاء مرضاة الله، على الأقل أنك تعلمهم من أجل أن تبقى مستحضراً لعلمك؛ لأنه أهم طرق تثبيت العلم وعدم نسيانه التدريس. فبقول لك علم الناس ثواباً ابتغاء ثواب الله، يا أخي ما بدك تأخذ ثواب؟ علمهم من أجل أن تدرس علمك؛ إنه لما تعلم الناس والطلاب وهذا يسأل وهذا يناقش، نفسك علمك أنت كمدرس يرسخ ويتم إثراؤه. ثم قال: ولا تجزع بتفريع السؤال، ما معنى ولا تجزع بتفريع السؤال؟ يعني إذا الطلاب فرعوا أسئلة من خلال كلامك الذي أنت تكلمت به، ما تسكتهم، ما تخاف، خليهم يسألوا إذا كنت أنت عارف تجيب، إذا لم تكن تعلم ربما هذا السؤال الذي فتحه الطالب عليك يفتح لك أفقاً معرفياً تذهب تبحث، فلا تجزع ولا تخاف من وجود الأسئلة من الطلاب وتسكت حتى تري أنه أنا لا كل شيء يكوش عليه.

وبإسناد قال حدثنا داود بن أيوب بن أبي حجر قال: قدم رجل على ابن المبارك وعنده أهل الحديث فاستحيا أن يسأل، وجعل أهل الحديث يسألونه، قال فنظر ابن المبارك إليه فكتب بطاقة وألقاها إليه، فإذا فيها -يعني ابن المبارك كتب أبياتاً وزودها لهذا الطالب-: ألا إنك تلبست عن سؤالك عبد الله، ترجع غداً بخفي حنين. فاعنه الشيخ في السؤال تجده سلسًا يلقاك بالراحتين، وإن لم... السلس يلقاك بالراحتين، يعني اسأل الأصل الشيخ يكون سلسًا يتقبل هذه الأسئلة ويجاوب عنها. وإذا لم تصح صياح الثكالى قمت عنه وأنت صفر اليدين. والثكالى هي المرأة التي فقدت ولدها، طبعاً هو لا يقصد أنه الطالب لازم يسأل بهذه الطريقة بالصراخ، وإنما يقصد احكِ، تكلم، لا تخاف، وإلا ستعود صفر اليدين بدون علم.

وأنشد ابن الأعرابي: واسأل الفقيه تكن فقيهاً مثله، من يسأل في علم بفقه يَمْهر. وتدبر الأمر الذي تُعنى به، لا خير في علم بغير تدبر.

وروينا عن وهب بن منبه وسليمان بن يسار أنهما قالا: حسن المسألة نصف العلم، والرفق نصف العيش. حسن المسألة نصف العلم؛ أي أن تحسن صياغة السؤال وتعرف، لأنه بعض الطلاب يريد يسأل لكن للاسف سؤاله مبعثر، يعني مش مجمع أفكاره، فانت كشيخ بتسمع والله ما أنت فاهم شو السؤال أصلاً، بروح بيشرق وبيغرق وكذا، وأنت بتحاول تجمع معه؛ لا شكل سؤالك، صغه بشكل جيد ثم بعد ذلك تسأل، هذا نصف العلم. وسئل الأصمعي: بمَ نلت ما نلت؟ قال: بكثرة سؤالي وتلقف الحكمة الشارد. ما هي الحكمة الشارد؟ الحكمة الضائعة، يعني الكلمة التي بتيجي فلتة، بعض الناس سبحان الله بيحكي كلام كثير، أثناء كلامه بتطلع منه هيك كلمات حكم يعني شاردة، كنت أجمع درر، أحسنت، أجمع هذه الحكم الشاردة.

وبإسناد قال حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال حدثنا محمد بن معن قال: قال لي عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: ما شيء إلا وقد علمت منه إلا أشياء كنت أستحي أن أسأل عنها، فكبرت وأنا جاهل بها. سبحان الله، قال ما من شيء إلا وقد علمت منه إلا أشياء كنت أستحي أن أسأل عنها، فكبرت وأنا جاهل بها، كأنه نادم أنه لم يسأل عنها.

وبإسناد قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن عكرمة قال: قال لي علي رضي الله عنه: خمس احفظوهن لو ركبتم الإبل لأضنيتموهن من قبل أن تصيبوهن؛ لا يخاف عبد إلا ذنبه، ولا يرجو إلا ربه. لا يستحيي جاهل أن يسأل، ولا يستحيي عالم إن لم يعلم أن يقول الله أعلم، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس له، ولا إيمان لمن لا صبر له. هذه كلها من حكم علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

والذي يلي نحوه وقال علي رضي الله عنه: قرنت الهيبة بالخيبة، والحياء بالحرمان. وقال الحسن: من استتر من طلب العلم بالحياء، لبس للجهل سربالاً. قرنت الهيبة بالخيبة والحياء بالحرمان، هسة الجملة الثانية ربما واضحة أنه الذي يستحيي من أن يسأل يحرم العلم، فهذا معنى قرن الحياء بالحرمان إذا بتستحي، طيب ما معنى قرنت الهيبة بالخيبة؟ اه يا أسامة... هو ربما قد لا يقصد السؤال بحد ذاته، ربما الأمر أوسع من ذلك، هو من من صورة كذا... شيخ أحسنت، يعني هي عموماً ربما الأمر أعم من السؤال العلمي، هو يقول الذي يهاب الأشياء بتروح عليه، يعني عفواً في التجارة اللي بهاب تاجر بخسر، الذي يهاب في المعارك يقتل، فهي فكرة عامة، الهيبة الذي يهاب كثيراً يخيب، يجب أن يكون عندك جسارة في العلم، جسارة في الشجاعة، جسارة في تجارب الحياة حتى تستطيع تنال المراد في شيء، بدون مغامرة الحياة تقوم على المغامرة، أما الذي يهاب دائماً ويريد السلامة دوماً هذا لا يحصل بغيته.

وقال الحسن: من استتر من طلب العلم بالحياء، لبس للجهل سربالاً. فاقطعوا سرابيل الجهل عنكم بدفء الحياء في العلم، فإنه من رق وجهه دق علمه. وقال الخليل أو "رَقَّ" علمه في نسخة، من رق وجهه، يعني استحى وما بده يسأل، رق علمه يبقى علمك ركيكاً ضعيفاً. وقال الخليل بن أحمد: الجهل منزلة بين الحياء والأنف. وكان يقول من رق وجهه عن السؤال دق علمه. الجهل منزلة بين الحياء والأنف، ما معنى هذه العبارة؟ اه يا سالم، شو يعني الجهل منزلة؟ بدنا نفكر مشايخ، إحنا ما بدنا نقرأ نصوص، إحنا جايين نتدارس، يعني كل نص يجب نفهمه حتى نطبقه في الحياة، ما معنى الجهل منزلة بين الحياء والأنف؟ فكر، فكر في النص، طلع ما فيه، نشوف... شيخ، واحد، أحسنت، أحسنت، يعني هو يريد أن يقول ما أسباب بقائك جاهل، إما حيائك من السؤال أو الأنف والكبر من أنك تسأل، فلذلك الجهل بين الحياء والأنف هو إما بسبب الحياء أو بسبب الكبر. نعم، نفس العبارة، صدق هي نفسها، هذه هي نفسها بتعبير آخر.

وكان يقال: من رق وجهه عن السؤال دق علمه عند الرجال، ومن ظن أن للعلم غاية فقد بخسه حقه. العلم ليس له غاية، ستبقى طالب علم حتى تلقى الله سبحانه وتعالى. وبإسناد قال حدثنا بقية عن هاشم بن عبيد الله عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عن أبيه قال: ميراث العلم خير من ميراث الذهب والفضة، والنفس الصالحة خير من اللؤلؤ، ولا يستطاع العلم براحة الجسم. هذه قاعدة معروفة، لا يستطاع العلم براحة الجسم، يعني طالب لا يريد أن يتعب في حضور مجالس العلم والجلوس ساعات في القراءة والمطالعة ولا التلخيص ولا حفظ المنظومات والمختصرات، ما بده يتعب في كل هذه الأبواب، لا يمكن أن تصل إلى العلم، لا يستطاع العلم براحة الجسد، العلم فيه تعب وفيه لواء وفيه مشقة وفيه سهر، هكذا تنال، وهكذا يعطيك.

ورواه مسدد ويحيى بن يحيى قال حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير قال سمعت أبي يقول: لا ينال العلم براحة البدن. والذي يليه نحوه، وقد روي مثل هذا القول عن زيد بن علي بن حسين أنه قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد. أبو عمر بن عبد البر، قال أبو عمر بن عبد البر: ذهب هذا القول مثلاً عند العلماء، وقد نظمته، ونظمت قول الأصمعي: "يعد من العلماء وليس منهم"، المعدود ما عنده، وهو الذي إذا سُئل عن شيء قال هو عندي في الطاقة أو في الصندوق.

وهو الذي إذا سئل عن الشيء بتجي بتسأل: شو رأيك في هذه المسألة؟ أو يسأل عن رأي فقهي أو حديثي؛ إيش بقول لك؟ بقول لك: استنى شوي، خليني أروح على المكتبة. قال: هذا ليس من العلماء، الذي دائماً بقول لك: والله أظنه في كتاب عندي في المكتبة بحكي عن هذا الموضوع، كل ما سألته يحيلك على مكتبته، فهذا قال: يعد من العلماء وليس منهم الذي يعدد ما عنده وهو الذي إذا سئل عن شيء قال: هو عندي في الطاق أو في الصندوق؛ يعني إيش؟ خليني أروح بس أبحث وأطلع لك إياه. إذا أنت ما عندك علم حقيقي وإنما عندك كتب، فرق من أين عنده علم ومن عنده كتب، أنت عندك كتب.

فهو سينظم الآن ابن عبد البر سينظم القول السابق "لا ينال العلم براحة الجسد" مع قول الأصمعي هذا في أبيات مع معنى قول الحسن والخليل في الحياء على ما ذكرناه في هذا الباب عنهما في أبيات قلتها، وهي: يا من يرى العلم جمع المال والكتب، خدعت والله ليس الجد كاللعب. ليس الجد كاللعب. العلم ويحك ما في الصدر تجمعه، حفظاً وفهماً إتقاناً فداك أبي. لا ما توهمه العبد من سفه، إذا قال ما تبتغي عندي وفي كتبي. قال الحكيم لا توهمه العبد من سفه، إذا قال ما تبتغي عندي وفي كتبي. ما قال لي كلمة الأصمعي الذي يقول إن العلم هي في الكتب، طيب وينك أنت؟ العلم مش في صدرك، الأصل أنك تتكلم بما عندك. نعم.

قال الحكيم مقالاً ليس يدفعه، ذو العقل من كان من عجم ومن عرب. ما إن ينال الفتى علماً ولا أدباً، براحة النفس واللذات والطرب. نعم، لا ينال الفتى علماً ولا أدباً براحة الجسد -اللي هو نفس الكلام السابق- واللذات والطرب. نعم، ولا باكتساب المال تجمعه، شتان ما بين اكتساب العلم والذهب. أليس في الأنبياء الرسل أسوتنا، عليهم صلوات الرب ذي الحجب. حازوا العلوم وعنهم جملة ورثت، وعاش أكثرهم جهلاً بلا نسب. إن الحياء لخير كله أبدا، ما لم يحل بين نفس المرء والطلب. وكل ما حال دون الخير لم يكن، مما بين ذاك وبين الخير من نسب.

وأنشد لأبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي في أبي مسلم بن فهد: أبا مسلم إن الفتى بجنانه ومقوله. جنانه يعني بقلبه نعم ومقوله، لا بالمراكب واللبس. وليس ثياب المرء تغني قلامة، إذا كان مقصوراً على قصر النفس. يعني إذا كان محبوساً على شهواته وأهوائه، ثيابك ومراكب وسيارات وألقاب لا تغني شيئاً. وليس يفيد العلم والحلم والتقى، أبا مسلم طول القعود على الكرسي. نعم ليس طول جلوسك على كرسيك ومنصب والمكان الذي أنت فيه يفيدك علماً ولا أدباً، وإنما العلم بالتحصيل والمزاحمة عند العلماء.

قال: أنشدني العتبي أحمد بن سعيد للحسن بن حميد: في أبي، بله علمك ما قد جمعت حفظك، ليس الذي قلت عندنا كتبه. بقصيدة عجيبة، هذه فكرة دائماً مهمة أن أكررها، أنه ليس العبرة بكثرة كتبك بطول مكتبتك ولا بعرضها، وإنما العلم ما حوى قلبك وما فهمته وما تقنت. أما كثرة الكتب يعني بالتالي أغنى الناس سيكون أكثر الناس علماً، لأنه أغنى الناس هو الأقدر على شراء الكتب من غيره.

وقال إبراهيم المهدي: "سل مسألة الحمقى واحفظ حفظ الأكياس". ما معنى هذا الكلام؟ أحسنت، يعني السؤال الذي يحرج، أو حتى السؤال الذي قد يكون بالنسبة لغيرك واضح أو تخشى أن تتهم في أنه هذا أحمق بيسأل أسئلة واضحة، عادي اسأل حتى لو كان الناس تقول هذا أحمق أو بيسأل أسئلة؛ أي شيء يشكل عليك اسأل عنه، اسأل مسألة الحمقى يعني كأنك لا تعرف شيئاً، وإذا حفظت فاحفظ كما يحفظ الأكياس يعني الأذكياء.

قال أبو عمر بسؤال العلماء يأمر القائل: عليك بأهل العلم فارغب إليهم، يفيدوك علماً كي تكون عليماً. ويحسب كل الناس أنك منهم، إذا كنت في أهل الرشاد مقيماً. فكل قرين بالمقارن مقتد، وقد قال هذا القائلون قديماً. أي أن الإنسان إنما يحسب بمن يقارنه، يعني أن المرء على دين خليله، وإنما الإنسان يحسب بقرينه من تجالس؛ هل تجالس وتزامل طلاب العلم أم البطالين؟

وذكر الفريابي عن الثوري قال: بلغنا عن النبي ﷺ أنه قال: «ويل لمن لم يعلم ولم يعمل، ويل ثم ويل لمن لا يعلم ولا يتعلم» مرتين.

باب ذكر الرحلة في طلب العلم، هذا باب يحتاج حقيقة طلاب العلم، وإن كان طلاب العلم اليوم قل أن يرحلوا في طلب العلم، ربما إخواننا الذين يأتون من دول أخرى ينطبق عليهم هم الرحلة في طلب العلم، لكن الذين هم في هذه البلاد الشامية وغيرها، نحن لا نطلب منهم الرحلة في طلب العلم، نحن نطلب منهم الرحلة في حضور مجلس العلم. يعني المجلس يكون قريب من الطالب وعنده حساب في حضوره وعدم حضوره ومشقة المواصلات وكم سيدفع له وتعب الشيخ والأزمة والحر والأجواء، نحن العلماء قديماً في مصنفاتهم يتكلمون عن التعب في الرحلة، رحلة تجلس ستة أشهر سبعة أشهر ويكون في صحاري ويكون في ذئاب وسباع، ومع ذلك يتجاسرون حتى يحصل حديث أو حديثين كما سيظهر معكم في القصص الآن. واليوم طالب علم المجلس ما شاء الله مكندش والشاي والقهوة كل شيء موفر له، وحتى الكتاب يأتيك على باب بيتك أو في المجلس بدون أن تتعنى، وما زال يفكر أحضر ولا ما أحضر، اللي ما زال بهذه العقلية يفكر هذا لن ينال العلم، أقوله من الآخر، يعني الذي ما زال يفكر بعقلية أحضر ولا ما أحضر مع أن كل شيء موفر له، هذا لم يشرح الله سبحانه وتعالى صدره للعلم بعد، علينا أن نسأل الله التوفيق.

أنت في خير عظيم في مثل هذه الأوقات، أنك تجد كل شيء ميسر؛ ككتاب وكشيخ ومكان، فقط المطلوب منك أن تحضر، بس هذا هو المطلوب منك؛ أن تحضر وتنتبه وتركز وتسجل المعلومات وتدون. ماذا؟ كل عناصر الرحلة العلمية أعفيت منها اليوم، حتى اليوم اليوتيوب وكذا قربت لك المشايخ من أقاصي الأرض، أي شيخ تريد تتابعه من المبرزين في العلم تجد شروحه، تجد ما في شيء تتعب فيه، لكن الفرق بيننا وبين من سبق الهمم؛ قديماً كان عنده همة عالية، يرحل ستة أشهر من أجل حديث، اليوم كثير من طلابنا ما عنده همة ينهي كتاب، ما عنده همة يجلس ساعة من أجل أن ينهي مصنفاً أو يداوم على عادة علمية ناضجة، فهذا الشيء الذي عليك أن تنظر فيه وأنت تقرأ في مثل هذه الفصول.

نعم، قد تقدم في كتابنا من حديث صفوان بن عسال وحديث أبي الدرداء مما يدخل في هذا الباب ما يغني عن إعادته هاهنا، مر معنا حديث صفوان بن عسال لما جاءه الطلاب وقال لهم: ما أتى بكم إلا العلم، مر معنا عن هذا سابقاً.

وبإسناد قال: حدثنا أبو بردة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها وأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران، وأيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران، وأيما مملوك أدى حق مواليه وأدى حق ربه فله أجران». الشاهد مش الحديث، الشاهد اللي بعد الحديث، قال: خذها بغير شيء، فقد كان الرجل يرحل فيما دونها إلى المدينة. الشعبي يقول: هذا الشاهد، الشعبي لما روى هذا الحديث لتلميذه ايش قال له؟ قال له: خذ هذا الحديث ببلاش، كان العلماء قديماً يرحلون فيما هو أقل من هذا الحديث رحلة كاملة إلى المدينة النبوية ليأتوا بمثل هذا، فيقول الشعبي: خذها بغير شيء، يعني معطيك هذا الحديث مجاناً، مش مكلفة شغل فيه، قد كان الرجل يرحل فيما دونها يعني في مسألة أو في طلب حديث أقل من كانوا يذهبون رحلة كاملة إلى المدينة يشدون الرحال، هذه همة الأوائل.

والذي يليه مثله، قال وبإسناد قال: حدثنا القاسم بن عبد الواحد قال: سمعت عبد الله بن محمد بن عقيل يحدث عن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فابتعت بعيراً فشددت عليه رحلي، ثم سرت إليه شهراً حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس. الرحلة كلفت جابر بن عبد الله اشترى الركوب واشترى رحلاً، وشهر كامل ينتقل من المدينة باتجاه الشام، كل هذا التعب من أجل حديث واحد فقط يريد يسمعه ويروح، ما عنده شيء آخر. فاتيت منزله وأرسلت إليه أن جابراً على الباب، فرجع إلي رسول، فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم. عبد الله بن أنيس مستغرب، جابر أنا بأعرفه في المدينة، ما الذي أتى به إلى الشام؟ فخرج إلي فاعتنقت واعتنقني. قال: قلت حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في المظالم، لم أسمعه أنا منه. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الله تبارك وتعالى العباد» -أو قال الناس، شك همام- وأومأ بيده إلى الشام، حفاة عراة غرلاً بهماً. قال: أومأ بيدي إلى الشام لأنها أرض المحشر، أوماً بيده إلى الشام أي أنها هي الأرض التي سيحشر فيها الناس أرض الحشر يوم القيامة. قال: قلنا ما بهم؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد ويسمعه من قرب: أنا الملك الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة؛ اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة. قال: قلنا له كيف وإنما نأتي الله عز وجل حفاة عراة غرلاً؟ قال: بالحسنات والسيئات. ما معنى كيف؟ أي كيف سيكون القصاص يوم القيامة ولا يوجد أموال نفتدي بها؟ كيف كل واحد سيأخذ من الآخر قصاص مظلمته؟ الحسنات والسيئات يوم القيامة ما فيش مصاري، نقول والله مقابل لطمة عشر ليرات مقابل، ما فيش لا دية ولا عقل، وإنما هو الحسنات والسيئات.

والذي يليه طبعاً نطي الشاهد هي قصة جابر لما ارتحل في طلب الحديث، والذي يليه مثله.

وروى سفيان بن عيينة عن ابن جريج قال: سمعت شيخاً من أهل المدينة -قال سفيان: هو أبو سعيد الأعمى- يحدث عطاءً أن أبا أيوب رحل إلى عقبة بن عامر، فلما قدم مصر وأبو أيوب الأنصاري رحل إلى عقبة بن عامر، وكان عقبة بن عامر مقيم في مصر، فلما قدم مصر أخبروا عقبة فخرج إليه، قال: حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ في ستر المسلم، لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ستر مؤمناً عن خزيه ستره الله عليه يوم القيامة». «ستر مؤمناً عن خزيه» يعني على شيء من معايبه أو من معاصيه، نعم، لا أنا عندي «على خزيه»، قال: ستر الله عليه يوم القيامة، يمكن تكون رواية أخرى. فاتى أبو أيوب راحلته فركبها وانصرف إلى المدينة، وما رحله. يعني أبو أيوب ارتحل من المدينة إلى مصر من أجل أنه يتذكر هذا الحديث، يعني قال ما أحد يعرفه غيري وغيرك، كأنه عارف الحديث بس ناسي ألفاظه، فذهب رحلة كاملة إلى مصر سمع الحديث والناقة واقفة لسه، يعني ما حل رحله، سمع الحديث من عقبة بن عامر وعاد مباشرة إلى المدينة، تخيل رحلة من المدينة إلى مصر كم تحتاج وقت وجهد، وأنه ما استراح أبو أيوب، والله جلس يوم يومين ثلاث. بعض الطلاب يعني مثلاً ممكن يذهب إلى تركيا بدو يأخذ شوي طلب حديث، بقول لك: نأخذها كمان أسبوع سياحة، لا هو مباشرة سمع الحديث وعاد أدراجه.

وبإسناد أن ابن عباس قال: كان يبلغني الحديث من رجل من أصحاب النبي ﷺ، فلو أشاء أن أرسل إليه حتى يجيئني فيحدثني لفعلت، ولكني كنت أذهب إليه فأقيل على بابه حتى يخرج إلي فيحدثني. شوف الصبر، يعني ابن عباس يقول: الصحابة لو كنت طلبت منهم أن يأتوني يعلموني احتراماً لقرابتي من النبي ﷺ كان سيأتون، لكن ماذا كنت أفعل احتراماً للعلم وإجلالاً له؟ أذهب إلى باب الشيخ وأبقى نائم على باب الشيخ حتى الشيخ يفتح الباب ثم يسمعني الحديث، هذا من الصبر.

وعن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: إني كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد، حديث واحد فقط.

والذي يلي أسانيد، وبإسناد قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن رجل لم يسمه أن مسروقاً رحل في حرف، وأن أبا سعيد رحل في حرف. حرف يعني كلمة أو جملة.

وبإسناد عن الشعبي قال: ما علمت أن أحداً من الناس كان أطلب للعلم في أفق من الآفاق من مسروق.

وبإسناد قال: حدثنا الشعبي بحديث ثم قال لي: أعطوه بغير شيء.

كان هذا الحديث السابق الذي مر معنا. وبإسناد قال لي الشعبي: في حديث أعطيناكم نفسه. وعن قيس بن عبادة قال: خرجت إلى المدينة أطلب العلم والشرف. وبإسناد قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بُسر بن عبيد الله الحضرمي قال: إن كنت لأركب إلى المصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه.

وروى جعفر بن سليمان الضبعي عن مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى: أن اتخذ نعلين من حديد وعصى من حديد ثم اطلب العلم حتى يخلق نعلاك وتنكسر عصاك. يعني حتى يفنى كل شيء معك. وقال الشعبي: لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ليسمع كلمة حكمة ما رأيت سفره ضاع. وهذا يدل على تعظيم الأقدمين للعلم.

أظن من المشاكل الموجودة بين الشباب المعاصر والسلف رضوان الله عليهم: ما هي رؤيتك للعلم؟ ما مدى شعورك بأهمية العلم نفسه؟ ربما كثير من الشباب يقبل على طلب العلم لكن ليس العلم فخامة أو شرفاً دنيوياً أو جاهاً أو أصير شيخاً وحولي طلاب. قديماً كانوا ينظرون إلى العلم بذاته، أنه أن أتعلم كلمة تفيدني في أمر ديني ودنياي هذا هو الكنز، هذا الشيء العظيم الذي التفت إليه، فمستعد أن أذهب شهراً وشهرين وثلاثاً وأربعاً لأجد ذاك الكنز وتلك الكلمة من الخير.

اليوم بعض الطلاب يزهد حتى في شراء الكتب المليئة بالعلم، مستعد أن يذهب هذا المال يشتري به وجبة يأكلها، ويكون نفس سعر الكتاب. لما يأتي إلى الكتاب يقول: والله يا شيخ الكتاب غالي! يعني ما أريد دفع خمسة دنانير، ستة، سبعة دنانير. طيب هذا المال ربما أنت تصرفه في أقل من يوم على وجبات طعام، لكن لما جاء إلى العلم وبعض الكتب قد تكون بأربعة دنانير لكنها مليئة بالعلم أنت زهدت فيها؛ فهذا يدلك على أنه في تباين بيننا وبين القوم في احترام العلم وتعظيمه والشعور بقيمته في صلاح الإنسان.

نعم، الحظ على استدامة الطلب والصبر على الأواء والنصب. هذا باب مهم، الحرص على استدامة الطلب أنه تحاول قدر المستطاع تبقى طالباً للعلم إلى أن تلقى الله، وأن تتحمل الأواء والمشقة والتعب في تحصيلك للعلم.

وبإسناد حدثنا محمد بن علي بن مروان قال: سمعت سعد بن عبد الحميد بن جعفر يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: لا ينبغي لأحد يكون عنده العلم أن يترك التعلم. ما معنى هذا الكلام؟ لا ينبغي لأحد أن يكون عنده العلم أن يترك التعلم؟ مهما وصلت منزلتك. هذا أحد الفهوم، أيضاً ممكن نقدم فهماً آخر، لا ينبغي لأحد يكون عنده العلم، يعني إذا رزقك الله قدرة على التعلم باختصار، وعندك ذهن وعندك مساحة، لا ينبغي لمن كان عنده هذه الإمكانيات أن يترك التعلم. يجب أن تستديم هذا الطريق حتى تلقى الله.

وبإسناد قال حدثنا ياسين الزيات عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من معادن التقوى تعلمك إلى ما قد علمت ما لم تعلم، والنقص فيما قد علمت قلة الزيادة فيه». انظر حبة حبة، إن من معادن التقوى تعلمك إلى ما قد علمت ما لم تعلم، أي من الأمور التي تدل على تقواك أن تضيف إلى ما علمته شيئاً لم تتعلم، تبقى دائماً تضيف إلى ما علمته شيئاً جديداً.

قال: والنقص فيما قد علمت قلة الزيادة فيه. ما معنى هذا الكلام؟ والنقص فيما قد علمت قلة الزيادة فيه. يعني تريد أن ينقص علمك؟ الطريقة لنقص علمك أن توقف الزيادة فيه. العلم لا يقف إلى مرحلة التعادل، لا يزيد ولا ينقص؛ إما أن تكون في زيادة، فإذا توقفت عن الزيادة فإنك مئة بالمئة تتناقص. فهذا معنى: والنقص فيما قد علمت، كيف ينقص ما تعلمته؟ بتركك التزود.

فإذا وصل بعض الناس، يصبح دكتور شريعة وكذا، بطل يطلب العلم، يضع الكتب على جنب، يقول لك: أنا صرت سيدنا الشيخ أستاذ دكتور، بالتالي ما لي علاقة، أنا فقط أعلم ما عندي. المسكين لا يعرف أنه ما عنده لأنه يبقى على حاله، بل هو مع الوقت سينضم وسيقل؛ فالتزود من العلم هو حفاظ على رصيدك أصلاً. ثم قال: «وإنما يزهد الرجل في علم ما لم يعلم قلة انتفاعه بما علم». هذا كلام جميل. طبعاً الآن الحديث ضعيف مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن مثل هذه الأحاديث كما قلت لكم تكون مأثورة عن السلف وهو كلام حكيم.

ماذا يقول؟ يقول: وإنما يزهد الرجل في علم ما لم يعلم، من الأشياء التي تجعلك ما تعود ترغب في التعلم أو الاستمرار في التعلم أو حضور مجالس العلم: ما هي؟ شعورك بعدم الانتفاع بما تعلمته. يعني أنت قد تكون قرأت خمس ست كتب وجلست بين يدي المشايخ، ولم يظهر أثر هذا العلم في حياتك، ولم يظهر في سلوكياتك، ولا في عبوديتك، ولا في علاقتك مع الله، ولا علاقتك مع الناس؛ عدم شعورك بقيمة ما تعلمته سيجعلك تزهد في الاستمرار في عملية التعلم. وهذا ستلاحظوه من أنفسكم، أنك أنت مع الوقت ربما تشعر بالملل، يعني خلص حضرنا مجلساً ومجلسين، طلبنا العلم سنة سنتين ثلاثاً أربعاً، طيب بعدين؟ هذا نتيجة أنه أنت مش عم تنتفع من علمك. لو كان العلم يؤثر في سلوكك وفي حياتك وفي علاقتك مع الله صدقني لا يمكن أن تمل من مجالس العلم. لكن لأنك لا تنتفع بعلمك يصبح بالنسبة لك طلب العلم مملاً، قراءة الكتب، يعني شو بدي أستفيد؟ قرأت كتاباً في العقيدة، قرأت كتاباً في الفقه، قرأت شرحاً في التاريخ، في كذا. نعم هذه مشكلتك في تلقيك للعلم، أنت لا تتلقى العلم لتعمل به فلا تنتفع بعلمك، فمع الوقت نعم ستضعف همتك وستترك هذه المجالس ويعود مثلك مثل عوام المسلمين. فهذه قاعدة: وإنما يزهد الرجل في تعلم الشيء الجديد قلة انتفاعه بما تعلمه سابقاً.

وبإسناد عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جاءه أجله وهو يطلب علماً ليحيي به الإسلام لم يفضله النبيون إلا بدرجة». طبعاً هذا الحديث لا يصح. وعن أبي سلمة عن أبي هريرة وأبي ذر جميعاً سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا جاءه الموت وهو يطلب العلم وهو على تلك الحال مات شهيداً». هذا مر معنا سابقاً وعلقنا على هذه الأحاديث أنها لا تصح مرفوعة، وإن كانت تصح عن الصحابة أو التابعين.

وعن طاووس عن ابن عباس قال: منهومان لا تنقضي نهمتهما: طالب العلم وطالب الدنيا. هذه المقولة مشهورة عن ابن عباس، من همان لا يشبعان، النهم هو الحرص على الشيء. من هما المنهومان اللذان لا يشبعان؟ واحد إيجابي وواحد سلبي. الإيجابي: طالب العلم، يعني طالب العلم يجب أن يكون هذا شعاره، لا يشبع من عملية التعلم. والطرف الآخر الذي لا يشبع: طالب المال، دائماً الإنسان لو صار معه مليون بده يصير معه مليونين، وإذا صار معه مليونين ينهوم بده يصير معه ثلاثة ملايين، فطالب المال لا يشبع وطالب العلم لا يشبع.

وروي أن المسيح صلى الله عليه وسلم قيل له: إلى متى يحسن التعلم؟ قال: ما حسنت الحياة. جميل هذا الكلام، إلى متى يحسن أن أبقى طالب علم؟ قال: ما دامت فيك حياة، لازم تطلب العلم، ما دامت فيك حياة وفي نفس لازم تطلب العلم.

وبإسناد قال حدثنا نعيم بن حماد قال: قيل لابن المبارك: إلى متى تطلب العلم؟ قال: حتى الممات إن شاء الله. وقيل له مرة أخرى مثل ذلك فقال: لعل الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد. جميل هذه النظرة، شوف ابن المبارك ماذا يقول، سئل إلى متى تطلب العلم؟ قال: لعل الكلمة التي تنفعني لم تأتِ بعد. يعني لعل الكلمة التي تذودني عن النار، أنا صار لي خمس سنوات أطلب العلم والكلمة التي تذودني عن النار لم تأتِ بعد، لعلها في السنة السادسة لعلها في السابعة، أنت لا تعرف ما هو المجلس العلمي الذي ستحضره وستسمع فيه كلمة قد تغير حياتك. فأنا قد أحضر آلاف المجالس وأنا أبتغي تلك الكلمة وأنا أبحث عنها، وكفى بها شرفاً إذا كانت ستنقذني من النار.

ورأيت في كتاب جامع القراءات لأبي بكر بن مجاهد رحمه الله قال: أخبرنا أبو أحمد محمد بن موسى قال: حدثنا الفضل بن محمد سنده قال: حدثنا ابن مناد... قال: سألت أبا عمرو بن العلاء: حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلم؟ قال: ما دام تحسن به الحياة.

قال سفيان بن عيينة: أيش يقول؟ سُئل: من أحوج الناس إلى العلم؟ طبعاً أنت المتبادر إلى ذهنك أن يكون الجواب: الجاهل الشاب الناشئ. قال: بالعكس، أحوج الناس إلى الاستمرار في طلب العلم أعلم الناس. أعلم الناس أحوج إلى الاستمرارية في التعلم. ليه؟ قال: لأنه هذا ما دام أعلمهم إذاً يرجع إليه، فالخطأ منه أقبح. العالم خطؤه مشكلة لأنه تذل بزلته آلاف. يعني أنت طالب علم ناشئ ما حد راح يسألك لو أنك أخطأت ما حدا متبع وراك، لكن لما تصبح عالماً والناس تنظر إليك، أنت هنا بالعكس تحتاج أن تبقى تراجع وتتزود من العلم لأن كلمتك أصبحت محسوبة ولها ثقلها في واقع الأمة، فالخطأ منك أقبح.

وقال منصور بن المهدي للمأمون: أيحسن بالشيخ أن يتعلم؟ قال: إن كان الجهل يعيبه فالتعلم يحسن به. قال: نعم، يعني هل يحسن بالإنسان الكبير في السن أن يتعلم؟ قال: إذا كان الجهل يعيبه، فإذاً منطقياً نعم يحسن به أن يتعلم، هذا مقياس.

وبإسناد قال حدثنا عبيد الله بن محمد الكشوري قال: سمعت ابن أبي غسان يقول: لا تزال عالماً ما كنت متعلماً، فإذا استغنيت كنت جاهلاً. متى تقول إنك علمت فقد جهلت.

وروينا عن ابن عباس رحمه الله رضي الله عنه أنه قال: وجدت عامة علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذا الحي من الأنصار، إن كنت لأقيل بباب أحدهم ولو شئت لأذن لي، ولكن أبغي بذلك طيب نفسه. يعني ما بدي أصحيه من القيلولة، أبغي أنه يفتح الباب وهو بكامل أريحيته وبكامل قواه الجسدية والنفسية يعلمني وهو نفسه طيبة.

وبإسناد قال حدثنا سحنون قال حدثنا ابن وهب عن أبي هريرة، قال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله عز وجل ما حدثت حديثاً. ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ﴾ [البقرة: 159].

وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلازم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشبع بطنه ويحضر ما لا يحضرون. وهذا مر معنا، أن أبا هريرة كان يتهم: أن يا أبا هريرة تكثر في رواية أحاديث لا يرويها غيرك، فأصبحت هناك اتهامات، من أين أتيت بهذه الأحاديث؟ فهو يقول لهم: لولا آيتان في كتاب الله سبحانه ما حدثتكم بحديث.

وهذا مر معنا الجزء الأول منه، لكن ما يهمنا الجزء الثاني من هذا الحديث، وهو موطن الشاهد أصلاً في أهمية الصبر والمداومة على طلب العلم، قال: إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم التجارة في الأسواق والبيع والشراء، وإخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم يعني الزراعة والعمل في أراضيهم، وأما أنا فما كانت عندي لا تجارة ولا أرض، وإنما لازمت النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد على شبع بطنه، إنه بس كان من أصحاب الصفة، تعرف أبو هريرة كان من فقراء الصحابة الذين كانوا يجلسون في المسجد، ما جاء من الطعام من البلح من كذا يأكل، أهم شيء شبع البطن ثم بعد ذلك مباشرة...

يذهب إلى تلقي الحديث والسماع من النبي صلى الله عليه وسلم وكثرة الملازمة، فهو يخبر باختصار غيره انشغل بالتجارة والحياة وأما أنا فكنت ملازماً؛ فشيء طبيعي أن يكون ما عندي من الأحاديث لا يوجد عند غيري.

قال أبو عمر في هذا الحديث من الفقه معانٍ، منها: أن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمه حكم كتاب الله عز وجل المنزل، ومنها: إظهار العلم ونشره وتعليمه، ومنها: ملازمة العلماء والرضى باليسير للرغبة في العلم، ومنها: الإيثار للعلم على الاشتغال بالدنيا وبكسبها.

قال أبو عمر: في هذا الحديث من الفقه معانٍ، واحد: أن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمه حكم الكتاب المنزل. من أين أخذ هذا؟ هذا من الحديث. ويستدل بأن الله أنزل كتاباً، هذا من كلام الله، فأسقطه على حديث رسول الله؛ فحدثه لكي لا يكون كتم ما أنزل الله. والآية الأخرى ربما تكون أكثر وضوحاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ﴾ [البقرة: 159]. فبالتالي نستنبط من الآيتين أنه ما أنزل الله ليس فقط القرآن، بل حتى سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي داخلة تحت ما أنزل الله؛ لأن أبا هريرة أسقط الآيتين على كتمان الحديث، وهذا يدل على أن الحديث مما أنزله الله سبحانه وتعالى. هذا موطن الاستدلال، والباقي معروفات.

قال: وبإسناد عن أبيه قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يأتي عبيد الله بن عبد الله يسأله عن علم ابن عباس، وربما أذن له وربما حجبه. وأنشدني ابن القاسم بن مبارك في أبيات لا أقوم بحفظها. وهذا يدل على عز العلم، أن عمر بن عبد العزيز يأتي عبيد الله بن عبد الله يسأله عن علم ابن عباس وعبيد الله قد يحجب عمر بن عبد العزيز وهو الخليفة وقد يأذن له؛ هذا عز العلم.

آخر العلم لذيذ طعمه، وبدء الذوق منه كالصبر. هذا يعني أن ثمرة العلم لذيذة وإن كان بداية تذوقك له فيه صبر وجلد وتعب؛ يقول: مبادئ تذوقك للعلم ستجد فيها صبراً ومرارة ومشقة، لكن العاقبة والنهاية والثمرة ستكون لذيذة بإذن الله.

وبإسناد عن مالك قال: إن هذا الأمر لن ينال حتى يذاق فيه طعم الفقر. وذكر ما نزل بربيعة من الفقر في طلب العلم، ربيعة هذا شيخ مالك اللي هو ربيعة الرأي؛ حتى باع خشب سقف بيته في طلب العلم، وحتى كان يأكل ما يلقى على مزابل المدينة من الزبيب وعصارة التمر.

وبإسناد عن قاسم قال: حدثنا أحمد بن زهير قال: حدثنا أبو مسلم، سمعت شعبة يقول: من طلب الحديث أفلس. أفلس لماذا؟ لأنهم كانوا يعتادون بذل المال في شراء الكتب، ويعتادون بذل المال في شراء ما يحتاجونه من أوراق. هذا يدل أن طالب العلم يحتاج إلى بذل مال، ما فيه طلب علم ما فيه مال، ومجرد الاكتفاء بالكتب الإلكترونية هذا غير صحيح وحاله غير سوية. يا طالب العلم، كتاب لن تحتاج أن يكون بين يديك، تريد تأخذ منه فائدة على الهامش ممكن، فعلاً نحتاج إلى الكتب الإلكترونية، أما كتاب محوري في حياتك العلمية وتقرأه من الجلدة إلى الجلدة، إياك تقرأه إلكتروني، خليه بين يديك وعلق عليه؛ فهذه التعليقات وهذه الكتابة وتصفحك للورق هذا فيه من البركة والخير والنفع ما لا يمكن أبداً حصوله في الكتب الإلكترونية.

قال وروي عن شعبة أيضاً أنه قال: ليبلغ الشاهد منكم الغائب، من في طلب العلم، أو قال في طلب الحديث أورثه الفقر. طبعاً هذا ما يخوفك، أنت مش تخاف، أمور طيبة إن شاء الله، وبذل أصلاً معك مصاري من أول مش مشكلة.

وبإسناد عن إبراهيم بن الجراح قال: سمعت أبا يوسف يقول: لقد طلبنا هذا العلم، وطلبه معنا من لا نحصيه كثرة، فما انتفع به منا إلا من دبغ اللبن قلبه. وذلك أن أبا العباس لما أفضى إليه الأمر بعث إلى المدينة، فأقدم عليه عامة من كان فيها من أهل العلم، فكان أهلنا يعدون لنا خبزاً يلطخ لنا باللبن فنغدو في طلب العلم، ثم نرجع إلى ذلك فنأكله. فأما من كان ينتظر أن تصنع له هريسة أو عصيدة، فكان ذلك يشغله حتى يفوته كل ما كنا نحن ندركه. وهذا جميل، هذه القصة يقول لك من كان يأكل اللبن -واضح أنه شيء بسيط جداً كان يعد سريعاً- فيقول لك الذي كان يأكل اللبن ويقبل الزيت والزعتر، يعني الشيء الخفيف، كان يدرك العلم ويذهب إلى المجالس، أما من كان ينتظر حتى يطبخ له الدجاج واللحم والعصيدة والهريسة، هذا قال: كان يفوته كثير من الخير وهو ما زال ينتظر الطبيخ على النار.

قال: سمعت سحنون يقول: لا يفلح العلم لمن يأكل حتى يشبع، ولا لمن يهتم بغسل ثوبه، كأنما الأصل ما عندك وقت حتى تغسل ثيابك لشدة احتفائه بالعلم. طبعاً نحن ما بدنا نوصل لهذه المرحلة يا شباب، هذا الكلام مسامحينك، قلت ما بدنا نوصل لهذه المرحلة، لكن على الأقل ما نحصله من كلام الأئمة هو أهمية الحرص على الوقت، وأن يكون بكليته للعلم، ما في مشكلة لو جلست يومياً تسع ساعات تطلب العلم، ترى هذا الشيء الطبيعي، هم يتكلمون أنه أغسل ثوبي ولا ما أغسل، أنت شايف واصلين في الكلام السقف اللي بيتكلموا فيه أنه في وقت أغسل ثوبي ولا هذا راح يلهيني عن طلب العلم؟ نحن لا، لو نظرنا في برنامجنا اليومي نجد للأسف لسنا نتكلم أنه أكل من المطعم الفلاني ولا من المطعم الفلاني، أنه كم أنام ساعة؛ 12 ساعة ولا 10 ساعات ولا ثمانية، إني في والله مشوار مع الشباب وقعدة وسهرة، أتركها، ما زلنا نتناقش في أمور عند السلف انتهي منها.

وبإسناد عن الشافعي قال: قال محمد بن الحسن: لا يفلح في هذا الأمر إلا من أحرق اللبن قلبه. ظاهر أن اللبن هذا متعبهم. وبإسناد عن حرملة يقول: سمعت الشافعي يقول: لا يطلب هذا العلم أحد بالمال وعز النفس فيفلح، لن يفلح إذا كان يطلب العلم بأنفه وفي حالة من الرخاء؛ لأن اللي في حالة من الرخاء المادي الرخاء المادي بخلي همته تضعف، بخليه دائماً بده مطاعم وجلسة وقعدة، يهتم بأمور الدنيا، بخلاف اللي ما معه مال، في أيش بيفكر في الدنيا أصلاً؟ ما معه مال يشتري، ما عنده مال يسافر سياحة، هذا مستريح فيقبل على العلم بشكل أكثر. ولكن من طلبه بذلة النفس وضيق العيش وحرمة العلم أفلح.

وبإسناد عن الحميدي قال: حرمة العلم أي حفظ للعلم وحرمته ومكانته.

المال يكون أدعى لطلب العلم؟ شوف الآن فكرتين يا أخي الكريم؛ هذه القواعد التي يقولونها هي قواعد خلينا نقول أغلبية وليست كلية، يعني مش أنه لا يمكن فعلاً إذا كان معي مال وكنت ثرياً أن أطلب العلم، لا، ثبت أن بعض الأئمة كانوا أغنياء وكانوا من أولياء أغنياء، لكن هو يتكلم عن جزئية فيها جانب من الصحة، وهي أن الحياة الرغيدة الآن تركز على المال بحد ذاته، الحياة المرفهة الناعمة كثيراً تجعل كثير من الناس ما يتعب، وما يجد عنده الجلد في الصبر في طلب العلم. شيء متوفر عنده، إذا أراد يسافر سافر، إذا أراد يأكل يأكل، فعلاً هو هذا ليس فقط في العلم بل حتى في الحياة؛ الشخص المنعم ما عنده جلد لأنه اعتاد نظام في حياته كل شيء متوفر له، فإنه يذهب يطلع مواصلات وينزل يشتري كتاب من مكان بعيد، يقول لك أنا أيش اللي جابرني على هذا؟ أنا اللي عايش في النعيم والدلال، أروح أتبهدل هذه البهدلة أني أجلس مع طلاب علم في مكان في حرارة وضيق والأجواء غير مناسبة؟ ما بتحمل، بخلاف اللي عود نفسه على الخشونة في الحياة.

هذا بعك حتى أنت نفسك شوف أولاد المرفهين وشوف أولاد المتعبين. تمام، حتى أقول لك أوضاع المسلمين اليوم؛ نرى الأحداث في غزة، الله يفرج عنهم، الآن ربما أنت الآن تعبان نفسياً أكثر من بعض من في الميدان لأنك اعتدت على الرغد، فتخيل فقد هذا الرغد وهذا النعيم يجعلك تتألم مع أنك لست أنت المتألم، وأما إخواننا في أراضي الرباط والجهاد لأنهم اعتادوا منذ 20 عاماً هذه المشقة وهذه الصعوبة وضيق العيش وقلة الموارد، تجد عندهم من الصبر والتحمل ما لو كنت أنت في مكانه لن تستطيع ذلك؛ لأنه ألف هذه الحياة، اعتاد الخشونة. فهي كقاعدة عامة فعلاً من اعتاد الرخاء ليس كمن اعتاد الشدة وقسوة الحياة هذه النفسية، لذلك حتى قالوا من أسباب أن كانت الرسالة الختامية عند العرب دون الفرس والروم، من أسباب ذلك أن العرب كانت حياتهم فيها قسوة، بخلاف الروم والفرس اللي كانوا في عندهم حضارة وعندهم حياة منعمة، فلم يكونوا هم الأهل لحمل الرسالة الخاتمة، أما العرب الأعراب البدو أصحاب الحياة الصعبة الخيم لا، من صعوبة الحياة وقسوتها جعلت منهم رجالاً أشداء يستطيعون خوض المعارك والمصاعب وتحمل نتائجها، هذه كقاعدة عامة صحيحة.

وبإسناد عن الشافعي قال: كنت يتيماً في حجر أمي، فدفعتني في الكتاب، ولم يكن عندها ما تعطي المعلم، فكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام. فلما ختمت القرآن دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء وكنت أسمع الحديث أو المسألة فأحفظها، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أن أشتري به قراطيس قط، فكنت إذا رأيت عظماً يلوح أخذته، قراطيس اللي هي الأوراق التي يكتب عليها، فأكتب فيه، فإذا امتلأ طرحته في جرة كانت لنا قديمة. كان يكتب على العظم وكل ما خلصت عظمة يرميها في جرة في البيت، هذه كانت كتبه ودفاتره عظاماً تخيل.

قال: ثم قدم والٍ على اليمن فكلمه لي بعض القرشيين أن أصحبه، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أتحمل به، فتحملت بها معه، فرهن دارها بست عشرة ديناراً فأعطتني، فتحملت بها معه. تخيل استدانت 16 ديناراً ذهبي مقابل أنها رهنت دارها إلى أن تسد دينها. شوف الأم التي بتفكر بابنها، الأم التي هي أم واعية رأت في ابنها قدرة أن يكون عالماً، فقالت له: سافر اطلع، أنا بدين وبتحمل مقابل أن تكون في يوم من الأيام رقماً صعباً، وكان الشافعي أحد الأرقام الصعبة عبر التاريخ.

قال: فلما قدمنا اليمن استعملني على عمل فحمدت فيه فزادني عملاً، وقدم العمار مكة في رجب فأثنوا علي، فطار لي بذلك ذكر، فقدمت من اليمن فلقيت ابن أبي يحيى فسلمت عليه فوبخني، قال: تجالسنا وتصنع وتصنع، فإذا شرع لأحدكم شيء دخل فيه، أو نحو هذا الكلام، قال: فتركته. ثم لقيت سفيان بن عيينة فسلمت عليه فرحب بي، وقال: قد بلغتني نيتك، فما أحسن ما انتشر عنك، وما أديت كل الذي لله عليك، فلا تعد، قال: فكانت موعظة سفيان إياي أبلغ مما صنع بي ابن أبي يحيى، يعني ابن أبي يحيى كان قاسياً عليه في نصيحته بخلاف سفيان كان أهدأ وأكثر لباقة في النصيحة.

وذكر خبراً طويلاً له في دخوله العراق وملازمة محمد بن الحسن ومناظرته له، تركته لأنه ليس مما قصدنا له في هذا الباب. وكتب الشافعي رحمه الله إلى محمد بن الحسن إذ منعه كتبه: قل لمن لم يرعَ حقاً لمن رآه مثله، ومن كان من رآه قد رأى من قبله، العلم يأبى أهله أن تمنعوه أهله، لعله يبذله لأهله. الشافعي أراد أن يستعير منه كتبه وكتب مشايخه فمحمد بن الحسن قال له: لا ما أعيرك إياها، فأرسل إليه الشافعي هذه الأبيات.

نعم، أنت لازم ما تمنعني هذه الكتب الأصل، أعرتني إياها. فوجه إليهم محمد بن الحسن ما أراد من كتبه فكتبها، وكان الشافعي يقول: محمد بن الحسن تراجع، قال: خلص يا عم، خذ الكتب واكتب. وكان الشافعي يقول: سمعت من محمد بن الحسن وقر بعير، يعني سمعت عدد كتب بمقدار ما تحمله بعير.

وقالوا: من لم يتحمل ذل التعلم ساعة، بقي في ذل الجهل أبداً. مش مشكلة لو أتيت لمجلس العلم وتبهدلت لك ساعة وكانت أزمة، ومن لا يتحمل ذل العلم لن يذوق عز التعليم في المستقبل، وسيبقى في ذل الجهل.

وبإسناد عن غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريباً من الأعمش، وكنت أختلف إليه، والأعمش أحد علماء الحديث الكبار، كنت أختلف إليه يعني أجلس وأذهب إليه وأزوره وأتعلم منه. فلما كان ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة، قام فتهجد من الليل بهذه الآية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 18-19]. قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة، وإن الدين عند الله الإسلام، قالها مراراً.

فغدوت إليه فودعته، ثم قلت: إني سمعتك تقرأ هذه الآية ترددها، فما بلغك فيها؟ أنا عندك منذ سنة لم تحدثني به. قال: والله لا أحدثك به سنة. قال: فأقمت وكتبت على بابه ذلك اليوم، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة. قال: حدثني أبو وائل عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله تعالى: عبدي عهد إليَّ وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة».

يعني معنى هذا الحديث أن الأعمش كان عنده حديث في هذه الآية، كان عنده حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18]. من قرأ هذه الآية فقال كما قال الأعمش، الله عز وجل ماذا يقول له يوم القيامة؟ حديث ابن مسعود: يجاء بصاحبها، بصاحب الآية -يعني من كان يقرأ الآية ويقول ما قال الأعمش- يجاء بصاحب هذه الآية يوم القيامة، فيقول الله له: عبدي عهد إليَّ وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة. فإذا قرأت هذه الآية وقلت كما قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله واستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة، الله عز وجل يوم القيامة يدخلك الجنة.

فالأعمش طبعاً كان معروفاً من الناس الصعبة في رواية الحديث، إذا قرأتم سيرة الأعمش ما كان سهل الرجل في إعطاء الحديث للطلاب، عنده قسوة وشده. فهنا هذا الطالب لما قال للأعمش: يا أعمش أنا أقمت عندك سنة أسمع منك، لكن هذا الحديث المتعلق بهذه الآية أنت ما أسمعتني إياه، فهو فكر أن الأعمش راح يعطيه إياه ببلاش، قال له الأعمش: ما راح أروي لك هذا الحديث، بدك تستنى كمان سنة. قال: فسجلت تاريخ اليوم على باب الأعمش حتى أقمت سنة كاملة، فأتيته فقلت: يلا مرت سنة خبرني بالحديث الذي عندك المتعلق بهذه الآية. يعني هي شخصية الأعمش كانت كده، بعض العلماء كان ألين شوية منه، رحمه الله على الجميع.

وروى ابن عائشة وغيره أن علياً رضي الله عنه قال في خطبة خطبها: واعلموا أن الناس أبناء ما يحسنون، وقدر كل امرئ ما يحسن، فتكلموا في العلم تتبين أقداركم. ويقال إن قول علي بن أبي طالب: قيمة كل امرئ ما يحسن، لم يسبقه إليه أحد. قيمتك في الحياة أيها الإنسان هي ما تحسنه وتتقنه. قيمتك في الحياة تتمثل في ماذا؟ في الأشياء التي تحسنها، فبعض الناس يحسن التفاهة فقيمته في الحياة أنه تافه، بعض الناس ما عنده إلا شاطر في الأفلام والتعامل مع الجوالات والسوشيال ميديا، هي قيمتك، قيمتك أنك تشغل فيسبوك، قيمتك أنك تشغل أفلام، قيمتك أنك تشغل مباريات، كل واحد وما يحسنه، أنت بتحسن أسماء لاعبي كرة القدم، أسماء المشاهير، هذه قيمتك. وهناك من يحسن البخاري ومسلم وكتب السنن هذه قيمته، وهناك من هو متقن في العقائد والفكر هذه قيمته. فقيمة الإنسان عند الله سبحانه وتعالى ثم عند الناس وبمقدار ما يتقن ويحسن في هذه الحياة أداؤه.

عاد أنت ونفسك، إذا أنت صاحب نفس شريفة لا ترضى أن يكون ما تتقنه سفاسف الأمور، وإنما تتقن معالي هذه الأمور وتطلبها. وقالوا: ليست كلمة أحضَّ على طلب العلم منها، شوف إيش يقول! كان السلف يقولون: ليست كلمة تحض على طلب العلم أكثر من كلمة علي بن أبي طالب. يعني بدك كلمة تشجعك دوماً لتطلب العلم، تذكر قول علي بن أبي طالب: قيمة المرء ما يحسنه. لماذا هذه الكلمة تحفز الإنسان؟ لأنه إذا عرف أن قيمتي في الدنيا وعند الله مقدار ما أحسنه، إذاً لازم أحسن شيئاً يشرفني، بدلاً من أن يكون ما أحسنه هو النظر للحرام والانشغال بالأفلام التي تعصي الله سبحانه وتعالى، ليس هذا الشيء بالتأكيد الذي سيشرف.

قالوا: ولا كلمة أضر بالعلم وبالعلماء والمتعلمين من قول القائل: ما ترك الأول للآخر شيئاً. كما أنه أفضل كلمة قيلت في الحث على طلب العلم قيمة الإنسان ما يحسنه، كذلك أضر كلمة يمكن تسمعها في الحياة قول بعضهم: ما ترك الأول للآخر شيئاً. ما معنى هذه العبارة؟ ماذا يقصد بها صاحبها؟ البعض يقول: شو الفائدة أنك تطلب العلم اليوم، فإن الأوائل قد أنضجوا العلوم وأحرقوها، واليوم أنت فقط إذا طلبت العلم أنت مجرد حافظة، ماكينة، أنت لا تقدم شيئاً للحياة العلمية، العلوم انتهت وفرغ من تدوينها. فيقول: هذه كلمة ضارة جداً لأنها تثبط الإنسان عن طلب العلم والتفكير وإضافة العلوم والزيادة فيها، بالعكس، العلوم لا تنتهي، ويمكن للإنسان المتأخر أن يضيف شيئاً لم يذكره العلماء الأوائل، هذا باب لا ساحل له.

قال أبو عمر: قول علي رحمه الله: قدر كل امرئ ما يحسن، من الكلام العجيب الخطير، وقد طار الناس به كل مطير. ونظمه جماعة من الشعراء إعجاباً به، فمن ذلك ما يعزى إلى الخليل بن أحمد قوله: لا يكون السري مثل الدني لا ولا ذو الذكاء مثل العيي لا يكون الألد ذو المقول المرهف عند القياس مثل الغبي قيمة المرء كل ما يحسن المرء قضاء من الإمام علي هكذا قضى الإمام علي.

وقال غيره: تلوم علي أن رحت للعلم طالباً أجمع من عند الرواة فنونه فيا لائمي دعني أغالب قيمتي فقيمة كل الناس ما يحسنونه هذا بده يخبرك أنه كثير من الشعراء أخذوا كلام علي رضي الله عنه ووضعوه في قصائدهم. وقال أبو العباس الناشئ: تأمل بعينك هذا الأنام فكن بعض من صانه عقله فجلَّت بفضل وتصنيفه وقيمة كل امرئ نبله فلا تتكل في طلاب العلى على نسب ثابت أصله فما من فتى زانه قوله بشيء يخالفه فعله فلا تتكل في طلاب العلى على نسب، لا تطلب العلى بنسبك وأصلك وأنك ابن عشيرة، إنما يطلب العلى بماذا؟ بالقول والعمل.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يشبع المؤمن من خير يسمعه حتى يكون منتهاه الجنة». هذا وإن لم يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكن معناه صحيح. وبإسناد عن أيوب قال: إنك لا تعرف خطأ معلمك حتى تجالس غيره. هذه كلمة مهمة جداً وانتبهوا لها، أنه لماذا ينبغي للإنسان أن يعدد مصادر التلقي في حياته العلمية؟ لأنه ما في معلم كل كلامه صح، ما في! لا يوجد إلا النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه، أما ما بعد ذلك، الكل يؤخذ من كلامه ويرد. فكيف تكتشف خطأ معلمك؟ من خلال مجالستك لغيره، فتسمع وجهة نظر أخرى من مشايخ آخرين، فتبدأ أنت تقيم، فتعرف: آه والله هنا معلمي أصاب، لا هنا معلمي أخطأ. فمن فوائد الجلوس بين يدي علماء متعددين الوقوف على أخطاء مشايخه، طبعاً ليس الهدف من الوقوف على أخطاء المشايخ وتتبع العثرات، وإنما الزيادة العلمية، أني أنا أعرف الصواب في هذه المسألة مع محافظة على حرمة المشايخ جزاهم الله عنا خيراً.

وقال قتادة: لو كان أحد يكتفي من العلم بشيء لاكتفى موسى عليه السلام، ولكنه قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: 66]. يعني موسى لم يقف في طلبه للعلم، بل بقي يسأل التزود منه.

باب جامع في الحال التي ينال بها العلم. بإسناده عن وكيع عن سفيان عن أبي الزعراء عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله بن مسعود: إن الرجل لا يولد عالماً، وإنما العلم بالتعلم. هذا كلام عالٍ جداً من عبد الله بن مسعود، إخواني، كل العلماء، ما في أحد أصبح عالماً من بطن أمه، كلهم ولدوا مثلي ومثلك، ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: 78]. الكل ولد صفحة بيضاء، طيب ما الذي جعل هناك الشافعي وأحمد بن تيمية وابن القيم والنووي وغيرهم؟ وما الذي جعل واحداً جاهلاً لا يسوى شيئاً؟ كلنا في البداية ولدنا صفحة بيضاء، إنما التفاوت بعد توفيق الله أولاً وآخراً تفاوت بالهمم، لما كانت للشافعي همته كما قرأنا وأحمد همته كما قرأنا، أصبح أحمد يرتقي يرتقي من ورقة بيضاء ليصبح إمام أهل السنة والجماعة، وأنت إلى ماذا ارتقيت؟ يعني أحمد كان ورقة بيضاء مثلي ومثلك تماماً، هذا الذي إذا فكرت فيه، هذا الذي فعلاً يجعل الإنسان يقول: لماذا هؤلاء أصبحوا أئمة وأنا ما زلت في نفس المكان أراوح مبادئ العلم ولا أرتقي فيه، مع أنني ولدت مثلهم؟

هناك مجموعة من العوامل بالتأكيد شكلت هؤلاء الأقوام، قضاء الله النافذ على الجميع هذا لا شك فيه، لكن نتكلم عن الأسباب، في همة، في إرادة، في استمرارية، في ديمومة، في شغف، أوصلهم إلى أن أصبح أحمد والشافعي وهؤلاء، أنت ربما فقدت كثيراً من هذه الهمة والشغف، مع أن العلم في زمنك أيسر من العلم في زمنهم من حيث المصادر والمراجع، يعني أحمد بن حنبل وغيرهم كانوا يحتاجون إلى رحلة طويلة من أجل حديث وحديثين ويجمعوا كتاباً وكتابين، اليوم كل مصادر المعرفة ربما لديك في جوال واحد، كل مصادر المعرفة تستطيع أن تنزلها في جوال، لكن ما الذي حصل؟ الهمم! أنه أنت ما عندك همة تفتح وتقرأ وتلخص وتهذب وتحفظ، وهم كان عندهم همة لمثل هذه الأمور. فانظروا هممهم أين أوصلتهم، وانظر همتك أين أوصلتك.

وبإسناد عن أبي الدرداء قال: العلم بالتعلم. وذكر أبو العباس العلم بالتعلم، أنت بالنسبة لك قد تقول: يعني شو معنى هذا الكلام؟ مفهوم، هو نعم مفهوم، لكن المراد تشجيعك، العلم يمكن تحصيله، العلم ليس شيئاً صعباً، ليس شيئاً معقداً، الكتاب والسنة والفقه والحديث والأصول ليست أشياء لا تقبل التعلم، إنما العلم بالتعلم، اجلس وتعلَّم تصبح عالماً.

وبإسناد عن ابن شبيب أنه قال: لا يكون طبع بلا أدب، ولا علم بلا طلب. ومن رجز لسابق البربري: قد قيل قبلي في الزمان الأقدم إني وجدت العلم بالتعلم

وقال كثير: وفي الحلم والإسلام للمرء وازع وفي ترك أهواء الفؤاد المتيم بصائر رشد للفتى مستبينة وأخلاق صدق علمها بالتعلم

وروينا عن علي رحمه الله أنه قال في كلام له: العلم ضالة المؤمن فخذوه ولو من أيدي المشركين، ولا يأنف أحدكم أن يأخذ الحكمة ممن سمعها منه. يعني الحكمة ضالة المؤمن، أنت يمكن تستفيد من كافر، ممكن تستفيد مبتدع فيما لا علاقة له بكفره وبدعته.

وعنه أيضاً أنه قال: الحكمة ضالة المؤمن يطلبها ولو في أيدي الشرط. وعن علي رضي الله عنه: تزاوروا وتذاكروا هذا الحديث، فإنكم إن لم تفعلوا يدرس علمكم. يدرس يعني يزول ويذهب ويختفي.

وعن ابن جريج قال: لم أستخرج الذي استخرجت من عطاء إلا برفق به. جميلة هذه العبارة نقف عندها، هو يقول: لم أستخرج الذي استخرجته من عطاء من العلم إلا برفق به. ما معنى هذا؟

أحسنتم، شوفوا النهاية، الشيخ والمعلم عبارة عن نفس بشرية بدك تفهمها. بعض الطلاب ما زال يفكر أن الشيخ كائن يختلف عنه، والشيخ والمعلم كان يدرك السلف أنه نفس بشرية، تأتيه لحظات غضب، لحظات حزن، لحظات هم، لحظات فتور. وبالتالي إذا أردت أن تخرج أفضل ما عند الشيخ وأحسن ما عنده من العلم والحكمة عليك أن ترفق به وتسايسه، كما قال أخونا هنا: أن تعرف لحظات انفعاله وغضبه، خلص اتركه في هذه الأوقات، لا تكثر عليه، بل بالعكس افتح معه سالفة وامزح معه وغير الأجواء عليه ورطب الأمور، لا تبحث معه في العلم الآن.

إذا وجدته مقبلا على العلم والتعليم ونفسه منشرحة، ابدأ استغل هذه اللحظات وانهل منه؛ فهو يقول من ذكائي، يعني أنا كنت ذكيا مع عطاء، عطاء كانت تأتي لحظات يغلق فيها قلبه ما بده، ولحظات ينشرح فيها قلبه، فكنت رفيقا به، انتبه للحظات انفتاحه وانشراحه استفيد وانهل، وانظر في لحظات غضبه وانزعاجه فادعه حتى ينشرح صدره. هذا الرفق هو الذي جعل عطاء يحب هذا الطالب، والمعلم يحب هذا النوع من الطلاب الذي يسايس، الذي يعرف كيف يأتي إليك ومتى يذهب عنك.

أما بعض الطلاب يخليك تكرهه، يخليك تكرهه تماما من كثر ما هو مزعج. وبعض الطلاب لا، إذا المعلم رده في يوم يقول لك: خلص ما أرجع لهذا المعلم، يا أخي ردني يا أخي، ماشي المعلم قد يردك أحيانا، ما تفكر أن المعلم هو جالس أربع وعشرين ساعة على التليفون يرد لكل الناس ولكل الطلاب؛ فإياك أن تترك المعلم لأنه ردك، إذا أنت تثق بعلمه مش مشكلة لو ردك مئة مرة، ارجع له لأنه أنت من تحتاجه، ولكن كن ذكيا في استغلال اللحظات المناسبة في السؤال.

وعن أبي سعيد قال: تحدثوا فإن الحديث يهيج الحديث. ما معنى هذا الكلام؟ يعني المذاكرة للعلم والمذاكرة للحديث تأتي بفوائد أخرى، كلما أنت فتحت مسألة علمية أنا بطرح شيء وأنت بتفيدني شيء آخر، بعدين بيجي شخص ثالث يثير مسألة، قال: فالحديث يهيج الحديث؛ المسألة تهيج مسألة، والدخول في أبواب العلم قد يكون أثناء المذاكرة باب لموضوع آخر. فيقول لك ذاكروا العلم، وليكن بينكم دائما مجالس للمذاكرة؛ لأنه هكذا ينمو العلم ويزدهر، فالحديث يزيد الحديث.

وعن علقمة قال: تذاكروا الحديث فإن إحياءه ذكره. هذا كله كلام عن أهمية المذاكرة مع الزملاء، دائما طلاب العلم لا بد أن تكون بينهم مذاكرات. وقال ابن مسعود: تذاكروا الحديث فإنه يهيج بعضه بعضا؛ يعني إذا تذكرت حديثا بتتذكر آخر، سبحان الله الشيء يذكر بالشيء. وعن إسماعيل بن رجاء أنه كان يأتي صبيان الكتاب فيعرض عليهم حديثه لا ينساه، من حرصه على العلم أنه أحيانا قد لا يجد زميلا في عمره يسمع له الحديث فهو حريص على العلم، فماذا كان يفعل إسماعيل بن رجاء؟ يروح على الأطفال الصغار في الكتاب (دور القرآن) يذهب يتلو عليهم الحديث الذي عنده. طبعا هو يعرف أنهم لا شغل لهم بالحديث وأنهم ما بدهم هذا الموضوع، لكن حتى لا ينسى معلوماته، المهم أن يحدث بها، قال: أذهب لطلاب الكتاب الصغار فأروي لهم كي لا ينسى، هذا هو الهدف حتى لا أنسى حديثي.

وقال سمعت إبراهيم، وعن إبراهيم قال: إذا سمعت حديثا فحدث به حين تسمعه، ولو أن تحدث به من لا يشتهيه؛ فإنه يكون للكتاب في صدرك كالكتاب. شوف هذا كلام مهم في العملية التعليمية، يقول لك إذا أردت أن تثبت معلومة أخذتها في درس حاول أن تسترد هذه المعلومة بعد الدرس مباشرة. بعض الطلاب ايش بسوي الله يهديه؟ يأخذ درسا في الفقه في العقيدة أي شيء، بسكر الكتاب، بضل الكتاب وراء في السيارة حتى تأكله الشمس، بيجي على الدرس الثاني بيفتح الكتاب في يد الشيخ ويفكر نفسه طالب علم، هذا مش طالب علم. وحتى لو تقول طب لا أنا بدي أذاكر بس بدي أذاكر بعد أربعة خمسة أيام من موعد الدرس، خطأ. شوف كلام إبراهيم يقول: إذا سمعت حديثا فحدث به حين تسمعه، شو يعني؟ يعني مباشرة إذا خرجت من مجلس العلم روح على بيتك، انظر إلى أولادك، أي شخص جلسه واروِ له ما سمعت من شيخه؛ لأن المذاكرة التي تكون بعد الدرس مباشرة، المذاكرة للعلم التي تكون بعد الدرس مباشرة، أرسخ للعلم بخلاف المذاكرة التي تتأخر.

عشان هيك أغلب طلابنا مثلا حتى في الجامعات ما بيفلح في العلم، ليه؟ بذاكر ليلة الامتحان، وبكون الدرس أخذه من الأستاذ أول الفصل، يعني بمر شهرين على الدرس والمعلومات ضائعة وبذاكر مذاكرة سريعة. المذاكرة المتقطعة أحبابي هي أفضل من المذاكرة المفاجئة التي تكون ليدي الاختبار، ايش يعني المذاكرة المتقطعة؟ أنه الآن أنا خلصت الدرس مباشرة أعود إلى منزلي بعد ساعة ساعتين وأحاول استحضر المعلومات التي أخذتها، ثم بعد يومين ثلاث أرجع استحضر، ثم بعد كمان يومين ثلاث أرجع استحضر. المذاكرة المتقطعة هذه تجعل العقل أقدر على استحضار المعلومات من أنك تذاكر في وقت متأخر بعد خمسة أيام أو سبعة أيام من المحاضرة؛ يذهب كثير من العلم بسبب ذلك. لذلك قال: إذا سمعت حديثا فحدث به حين تسمعه، يعني الآن سمعته بتطلع من عندي بتروح بترويه، قال: ولو أن تحدث به من لا يشتهيه، يعني تروح على زوجتك، زوجتك لا طالبة علم ولا لها دخل ولا تشتهي العلم، قل لها: تعالي يا مدام خليني أروي لك هذا الحديث، أنا عارف أنك لا تشتهينها لكن من أجل أني أنا أثبت الحديث.

وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: إحياء الحديث مذاكرته. فقال له عبد الله بن شداد: يرحمك الله كم من حديث أحييته في صدري.

وسئل بعض العلماء أو الحكماء ما السبب الذي ينال به العلم؟ قال: بالحرص عليه، وبالحب له يستمع، وفراغ له يجتمع. يعني إذا تفرغت وجمعت قلبك عليه يجتمع، لكن إذا أنت لا تعطي العلم وقتا ولا تتفرغ له لن يعطيك شيئا.

وعن سفيان بن عيينة يحدث عن عبد الكريم الجزري أنه سمع سعيد بن جبير يقول: لقد كان ابن عباس يحدثني بالحديث، لو يأذن لي أن أقوم فأقبل رأسه لفعلت، لقد كان ابن عباس يحدثني بالحديث من شدة فرحي بهذا الحديث، لو يأذن لي ابن عباس أن أقبل رأسه لفعلت، أعطاني درة. وعن عبد الله بن إدريس نفس الحديث من سواء.

وسمعت عبد الله بن إدريس يقول: غضبت على الأعمش في شيء فما أتيته سنة. قلت لكم الأعمش كان عامل مشاكل لبعض الطلاب رضي الله عنه، كان شخصيته صعبة، فكان كثير من طلابه تحدث وحشة بينهم وبين شيخهم الأعمش؛ كان قاسيا حتى في عباراته، كان شديدا. أذكر كما ذكر الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع أنه كان يكرر الحديث، فأحد الطلاب كرره ثلاثة مرات، قال: قال فلان، قال فلان، قال فلان، فأصر الطلاب كتبوا في طالب تأخر فقال له: ايش قلت يا شيخ؟ قلت: قال حمار، يعني صب يعني قال له: قال حمار عني. فكان قاسيا في عباراته الأعمش، وكان قاسيا في أسلوبه، وهذا يدل أحبابي، ولكن الأعمش أحد الأئمة الثقات باتفاق الجميع في الرواية، وهذا يدل أن أنماط المشايخ تختلف؛ هناك الشيخ القاسي، هناك الشيخ اللين. لكن الأعمش قيل له: يا إمام إن الطلاب ينفرون منك، فقال: هذا لحقهم، ماذا تنفعكم قسوتي؟ أو ماذا -عفوا- تضركم قسوتي؟ يعني إذا أنا كنت قاسيا، دعك من قسوتي واستفد من علمي، هو هكذا منهجه في الحياة، أنه أنت لو رأيتني قاسيا هذا طبع غلب التطبع فدعك من قسوتي واستفد من علمي هذا الذي سينفعك.

قال: فقلت له أن ذاك عليك لهين. وقال الخليل بن أحمد: كن على مدارسة ما في صدرك أحرص منك على مدارسة ما في كتبك. وعن إبراهيم قال: إنه ليطول علي الليل حتى أصبح فألقاها فربما أدسه بيني وبين نفسي أو أحدث به أهلي. قال أبو أسامة يعني بقول: أدسه، يقول: أحفظه. وعن إسماعيل بن رجاء أنه كان يجمع صبيان الكتاب فيحدث لئلا ينسى حديثه. وعن أبي ليلى قال: إن إحياء الحديث مذاكرته، فقال له عبد الله بن شداد: يرحمك الله كم من حديث أحييته في صدري قد كان مات.

وعن الأوزاعي قال: حدثنا حسين بن الحسن عن عون بن عبد الله بن عقبة قال: لقد أتينا أم الدرداء فتحدثنا عندها فقلنا: أتملين يا أم الدرداء؟ فقالت: ما أمللتموني، لقد طلبت العبادة في كل شيء فما وجدت شيئا أشفى لنفسي من مذاكرة العلم أو قالت مذاكرة الفقه. وقال الرياشي: طبعا هنا أنا حقيقة عم بنظر في النسخ في قصة الأعمش لما قال غضبت على الأعمش في شيء فما أتيته سنة فقلت له، ايش عندكم في النسخة؟ لبين؟ إنه في نسخة أخرى "أن ذاك عليك لهين". أنت عندك "لهين" وأنا أظن هذه أصوب، لأنه هو ما سياق الحديث؟ هو يقول غضبت على الأعمش في شيء فتركت سنة، طبعا هذا هجران للعلم، هو اعتبر الأعمش هجران للعلم. هل هان عليك أن تترك الدرس سنة؟ هل هان عليك أن تدرك الدرس سنة؟

قال: وسمعته يقول ما أهتدي لمنزل سفيان الثوري، فقلت له: أن ذلك عليك لهين. يعني هل هان عليك؟ يعني الأصل منزل سفيان الثوري يكون محفوظا لك لكثرة ما تدارسه، أنت لماذا لا تهتدي لمنزله؟ لكثرة الانقطاع عن مجالس سفيان، فقال: أن ذلك عليك لهين. يعني هل يهون عليك أنك ما تجالس مشايخ؟ هل يهون عليك أنك تصبح لا تعرف منزل شيخك لكثرة الفراق بينك وبينه، نسيت أين بيته؟ يعني هذا من جفاء بعض الطلاب أنه خلص يترك شيخه سنوات، وحتى ينسى مكان بيت الشيخ أصلا، يعني هو كان زمان يزوره، لكثرة الجفوة نسي مكان بيت الشيخ، فيقول: هذا لا يهون على إنسان شريف الهمة.

وقال الرياشي سمعت الأصمعي وقد قيل له: كيف حفظت ونسي أصحابه؟ قال: درست وتركوا. وقال الفراء: لا أرحم أحدا كرحمي لرجلين: رجل يطلب العلم ولا فهم له، ورجل يفهم ولا يطلبه، وإني لأعجب ممن في وسعه أن يطلب العلم ولا يتعلم.

ورأيت في بعض كتب العجم سئل جالينوس: بما كنت أعلم قرناءه بالطب؟ يعني كذا رجل كان طبيبا، سئل كيف برزت في الطب على زملائي؟ قال: لأني أنفقت في زيت المصابيح لدرس الكتب مثل ما أنفقوا في شرب الخمر. شوف يعني هذا رجل جاهلي لكن في النهاية بعطيك حكمة، يقول: أنا المال الذي ادخرته أنفقته في زيت المصابيح حتى أسهر الليل عليها في طلب العلم، هذا المال غيري كان يشتري به تذاكر يحضر مباريات ويحضر أفلام ومسلسلات وإلى غير ذلك. وروي مثل هذا القول عن أفلاطون والله أعلم.

وقيل لبزرجمهر -هذه مش أسماء أعجمية، كان العلماء يتساهلون في روايتها-: بما أدركت ما أدركت من العلم؟ قال: ببكورية وصبر كصبر الحمار، وحرص كحرص الخنزير، مش مشكلة، بس المهم في صبر يعني، مو هذا اسمه أصلا غريب علينا مش مشكلة يا جماعة، يعني هو ما لقاش إلا الحيوانات حتى يعبر بها عن الحرص.

وسئل أبو عثمان سعيد بن محمد الحداد عن رجل من أهل أفريقية من جيرانه، منسوب إلى العلم، قيل له: كيف منزلته من العلم؟ فقال: ما أدري، ما هو بالليل يشرب، وبالنهار يركب، فأنى له بالعلم؟ جميل هذا الكلام؛ سئل أبو عثمان سعيد بن محمد الحداد عن رجل من أهل أفريقية -أفريقية تطلق في كتب أهل العلم على شمال القارة أفريقية اللي هي تونس وليبيا والمغرب، هذه كلها تسمى كانت أفريقية- سئل عن رجل من جيرانه أنه منسوب إلى العلم، يعني قيل للحداد في واحد سمعنا عنه في أفريقيا عندكم أنه من أهل العلم، فإيش رأيك كيف منزلته في العلم؟ قال: ما أدري، بس أنا حقيقة أراه في الليل يشرب، يعني كان بالليل بيشرب الخمور ولا بيشرب شيء، وفي النهار بيركب دائما، في النهار طالع عطاش، قال: فمن أين له العلم؟ هذا يعني بالليل سهران على مسلسلات وواتساب وسوشال ميديا وكذا، وفي النهار من جلسة لجلسة ومن مطعم لمطعم، فمن أين له العلم؟ هل هذا يمكن أن يكون عالما؟ فهو بده يعطيك مؤشر أنه لا يمكن أن يكون مثل هذا عالما.

وبإسناد عن إبراهيم بن الأشعث قال: سألت فضيل بن عياض عن الصبر على...

سألته عن ضابط الصبر على المصيبة، ومتى نقول إنك صبرت على المصيبة؟ قال: ضابط ذلك ألا تبث الشكوى إلى غيرك. إذا أُصبت بمصيبة فلم تشكُ الله وقلت قدر الله ما شاء فعل وسكتَّ، فهكذا تكون صبرت. وسألته عن الزهد، فقال: الزهد هو القناعة وهو الغنى. وسألته عن الورع، قال: اجتناب المحارم. وسألته عن التواضع، فقال: أن تخضع للحق وتنقاد له ممن سمعته، ولو كان أجهل الناس لزمك أن تقبله منه.

كان يقال: علم علمك من يجهل، وتعلم ممن يعلم، فإنك إذا فعلت ذلك علمت ما جهلت وحفظت ما علمت. وقال محمد بن مناذر: ابذل العلم ولا تبخل به، وألحق علمك علماً. فاستفد العلم وتلقَّ العلم من الصفد فاغتنمها، حكمة بالغة ليس فيها الدين للـ.. الدين مدد.

وفيما رواه شيخنا عيسى بن سعيد المقرئ عن أبي بكر محمد بن صالح الأبهري أنه أنشده لبعضهم: إذا لم يذاكر ذو العلوم بعلمه ولم يستزد علماً نسي ما تعلَّما وكم جامعٍ للعلم في كل مذهبٍ يزيد على الأيام في جمعه عمى يعني بعض الناس للأسف لقلة بصيرته كلما ازداد جمعاً للعلم ازداد عَمىً ولم يزدد رشداً. وقال الآخر: لا يُدرك العلم إلا كل مشتغلٍ بالعلم همته القرطاس والقلم

وقال رجل لأبي هريرة رضي الله عنه: إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه. فقال أبو هريرة: كفى بتركك له تضييعاً. يعني هذا الخطاب يقول: أنا أريد أن أتعلم العلم لكنني أخاف أن أضيع العلم ولا أقوم بحقه، فقال: يكفي بتركك التعلم تضييعاً؛ يعني أصلاً تركك طلب العلم هو أعظم تضييع، فعلى ماذا تخاف؟ تركك للتعلم هو أحسن ضياع، هذا هو أعظم ضياع في حياتك، فبالتالي تعلم واستعن بالله سبحانه وتعالى على القيام بحق العلم. نكمل بعد الصلاة إن شاء الله.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نشرع إن شاء الله في الجلسة الأخيرة من مجلس اليوم. بإسناده عن ابن شهاب قال: يا يونس، لا تكابر العلم، فإن العلم أودية، فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة؛ فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي.

هذا الكلام مهم جداً في فهم طريقة طلب العلم أيها الأحبة، هذا الكتاب ميزة جامع بيان العلم وفضله فيه من القواعد في التعلم لن تجده في كتاب آخر، كتاب نفيس جداً في هذا الموضوع، لذلك قررناه أن يكون مدخلاً لمجالس المدارسة. ابن شهاب الزهري هنا يعطيك قاعدة حتى تستريح وتفهم كيف يتلقى العلم؛ يقول لك ابن شهاب وهو ينصح تلميذه يونس بن يزيد الأيلي: لا تكابر العلم، لا تحاول أن تأخذ العلم جملة في وقت قصير. بعض الشباب المندفع المقبل على طلب العلم يريد خلال شهر أن ينهي الموسوعات الكبرى، التمهيد والاستذكار، ويقرأ البخاري ومسلم وشروحها، ويقرأ في الفقه الحنفي والمالكي ويصبح إماماً؛ هذا أكبر خطأ في حياتك العلمية ممكن تفعله، ومن رام العلم بهذه الطريقة أنه يريد أن يحصل كل شيء خلال أشهر معدودة، سيفقد كل شيء مرة واحدة، وسيكتشف بعد سنة وسنتين أنه لم يحصل شيئاً؛ لأن العلماء الأقدمين أحبابي كانوا على دراية بطبيعة العقل البشري والنفس الإنسانية وطريقة دخول المعلومات عليها وتوافدها وترتبها.

أنت لما تدخل 20 أو 30 كتاباً مرة واحدة، تصير عجينة، وبالتالي المعلومات لا تترتب ولا تستقر ولا تتراص بالشكل الصحيح في عقلك ونفسيتك؛ فإذا تكلمت أمام الناس يظهر عليك العوج، يظهر عليك أنك تشرق وتغرب، حتى ولو قرأت ما قرأت، يظهر أنك تأخذ فكرة من هنا وتضعها بفكرة أخرى غير مناسبة لها، وهذا سببه العجلة، سبب الرغبة في أن أصبح عالماً خلال سنوات محدودة؛ هذا خطأ يا أخي الكريم. ليس المطلوب أن تصبح عالماً خلال سنتين وثلاث، بل العلماء الكبار لم يكونوا علماء خلال سنتين وثلاث؛ يعني أنت لن تكن أذكى من أحمد والشافعي ومالك، لن تكن أذكى من الدارمي وابن بطة وغيره، جلسوا العشرين سنة وهم يطلبون العلم، لا تحاول أن تخترع منهجية علمية تقفز على مناهجهم. فابن شهاب العالم الكبير الحبر يخبرك كيف هو حصل العلم فأصبح ابن شهاب الزهري، كيف؟ يقول: لا تكابر العلم. فهمنا ايش يعني لا تكابر العلم؟

قال: فإن العلم أودية؛ يعني العلم وديان وشعاب وغابات وأدغال، فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه؛ يعني في أي وادٍ من وديان العلم دخلت، لا تتصور أصلاً أنك ستصل إلى نهايته؛ لأنه أي وادٍ ستشرع فيه، كلما مشيت فيه ستجد أن النهاية بعيدة، فوطن نفسك أن وديان العلم لا يمكن أن تصل إلى نهايتها. طب ماذا أفعل إذاً؟ لذلك قال: فأيها أخذت فيه، أي في أي وادٍ نزلت، قطع بك قبل أن تبلغه؛ أي ستموت قبل أن تصل إلى النهاية، جهز نفسك؛ يعني لن تختم الفقه، أنا بريحك، لن تختم مسائل الاعتقاد، لن تختم مسائل أصول الفقه، هذا شيء لم يفعله الأوائل فلن تفعله أنت، فوطن نفسك على هذه الفكرة.

ماذا نفعل؟ قال: ولكن خذه مع الأيام والليالي؛ يعني اصبر وكل يوم حصل مجموعة من المسائل، ثم اليوم الثاني مجموعة أخرى، ثم اليوم الثالث وهكذا، إنما السيل اجتماع النقط؛ لو كل يوم حفظت مسألة واحدة خلال سنة حفظت 365 مسألة بإتقان، طب لو كل يوم حفظت مسألتين؟ طب لو كل يوم حفظت خمسة؟ آه مش مشكلة، لا يطلب منك يومياً أن تحفظ 100 و200 و300 مسألة، من قال ذلك؟ لا، معلومات قليلة في اليوم الواحد لكنك تداوم عليها يومياً خير من معلومات كثيرة تحشرها في دماغك خلال شهر شهرين ثم تكثر على نفسك فتمل وتترك كل طلب العلم. فيقول: ولكن خذه مع الأيام والليالي، كل يوم كمشي، كل يوم مجموعة، لا أكثر من ذلك. قال: ولا تأخذ العلم جملة، رجع ركز على نفس الفكرة، ما تأخذ العلم مرة واحدة، إياك، ولا تطلب من المشايخ الإكثار، تمام؟ لا تطلب من المشايخ الإكثار؛ إني أريد أن أكثر، أريد تعطوني أكثر، أنا والله شاب لسه في طاقة؛ شوف المشايخ لما يقول لك لا قف عند هذا، هم يعرفون مصلحتك تماماً، وهم يعرفون المصلحة، ويقول لك لا تحفظ أكثر من عشرة أبيات يومياً؛ بعض الشباب يقول لك طب أخي أنا عندي قدرة، لا، أنا أعرف أنه عندك قدرة، بس العشرة تفهمها وتستريح، وهي تدخل لدماغك وتهدأ في نفسك وقلبك وتاخذ فترة النضوج، أحسن من أنك تاخذ 20 و30 بيت بس بالمنازعة وتطارد مطاردة مثل ما يقولوا، والمعلومات عم تدخل بشكل كثيف وكل معلومة عم تصارع المعلومة السابقة، لا تستقر المعلومات بهدوء، هذا خطأ معرفي في طريقة التلقي، إذاً ولا تأخذ العلم جملة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة؛ اللي بيحشر المعلومات دشر مرة واحدة شو بصير؟

بخسرها كلها مرة واحدة وتجد نفسك فقيراً إليها في وقت إعوازك لها، إذاً ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام، هذا منهجية ابن شهاب الزهري وهو عالم كبير، الشيء بعد الشيء حبة حبة مش مشكلة، لكن الأهم ما هو؟ الأهم الديمومة، يعني هذا فليكن شعارك، أهم شيء في العلم الديمومة على تلقيه، مش مشكلة لو الكتاب أخذ معي شهر شهرين زيادة ما هي مشكلة، أنت المستفيد أنت الكسبان، أهم شيء أني لا أنقطع عن العلم فجأة، بعد والله مشوار سنة سنتين ثلاث أربع، تخرجت بكالوريوس أو ماجستير، ما عدت أحضر مجالس علم، هنا أقول لك أخطأت. أما أنه أنت بطيء في تلقي المعلومات مش مشكلة، والله كل يوم خمس ست معلومات مش مشكلة ممتاز، لكن استمر، بعد عشر سنوات ستجد أن الخمس معلومات اليومية أصبحت حوالي 10000 أو 20000 معلومة، يا أخي يخلف عليك، نحن اليوم لاقيين واحد معه 20,000 معلومة صحيحة، ممتاز رائع؛ فلا تستقل ولا تحاول أن تجمع كل شيء مرة واحدة.

بإسناده عن حماد بن زيد قال: كان الزهري يحدث ثم يقول: هاتوا من أشعاركم، هاتوا من أحاديثكم؛ فإن الأذن مجاجة، والنفس حمضة. شوف الزهري إمام في نصائح التعلم، اسمعوا من الزهري كثيراً، شو بقول الزهري هنا أيضاً؟ يقول: هاتوا من أشعاركم، هاتوا من أحاديثكم؛ فإن الأذن مجاجة والنفس حمضة؛ يعني ليس من الجيد أن يكون دائماً من النهار لليل أنت فقط في عملية التعلم، ليه؟ مع الوقت راح يصير ضغط نفسي، راح تمل وتزهق، الطريق هذا؛ فالزهري لخبرته بالنفس الإنسانية يقول لك يا أخي مجلس العلم جيد يكون في نكتة من هنا ومزحة، بحيث إنه ايش؟ ننوع على أنفسنا؛ فإن الأذن مجاجة، تظلك تدخل معلومات معلومات معلومات، مع الوقت تمل ويشعر الإنسان بالفتور، ولا يحب يسمع أكثر من هذا، بل قد ينفر من عملية التعلم، فالمدرس الناجح بحاول دائماً أثناء عملية التدريس أنه يخرج عن السطر، بعض الناس لا، بيدخل بيعطي هالدرس كره ساعة ساعتين لا يخرج عن السطر، وهذا الطالب لا يحبه، هي نفس إنسانية التي أمامك يجب أن تعرف كيف تنوع عليها؛ فحيناً تتكلم في شيء يروح عن قلبها، وأحياناً في الجد، وأحياناً الترويح والجد، هكذا الطالب يستمتع في العملية التعليمية، فيستفيد أكثر من مجرد إلقاء معلومة وتذهب.

وقال الأصمعي: وصلت بالعلم، وكسبت بالملح. وقالوا: من رَقَّ وجهه دقَّ علمه. وبإسناد عن الزهري قال: الأذن مجاجة (مثله إلا أنه قال: فأفتوا في بعض ما يخف علينا). نعم، فأفتوا في بعض ما يخف علينا، يعني أعطونا نكات، آداب، فوائد، استطراد حتى لا نبقى فقط في داخل درس جامد.

قال: وصلت بالعلم، أي كيف وصلت إلى ما أنا فيه الآن من المرتبة؟ بماذا؟ بالعلم. قال: وكسبت بماذا؟ بالملح، ايش يعني بالملح؟ يعني كأنه يقول إنه كسبته، هل يقصد كسبه للطلاب ولا حتى كسبه للمنزلة بين أهل زمانه، والتكسب حتى من أموال السلاطين وأهل الزمان من خلال ماذا؟ بالملح؛ يعني كنت أضيف، ما كان علمي جامد، كنت أضيف فائدة من هنا وفائدة من هنا، فأصبحت الناس تحب تأتي مجلسي وأصبح الأمراء يستردون كلامي، فكان هذا السبب في ماذا في كسبي وفيما جنيت، هذا أحد الأفهام التي يمكن أن تقال. وصلت بالعلم، يعني هو فعلياً أنت تصل بالعلم الحقيقي، الملح هي زي الملح، هي الملح لازم تكون في حياتك العلمية مثل الملح على الطعام، خليها موجودة، الناس بتكسب قلوب الناس، بتحب مجالسك، تستلذ بها؛ إذا فقدت الملح على الطعام حتى لو كان الطعام رزاً ولحماً ومن أفخم الأشياء بدون ملح ما بتضبط، خلص النفس الإنسانية بتمل، فهذا من الوصايا النافعة.

وبإسناد عن النجيبي بن السري قال: قال لي علي رضي الله عنه: أجموا هذه القلوب واطلبوا لها طرائف الحكمة؛ فإنها تمل كما تمل الأبدان. شوف هذا كلام عميق، القلوب تمل، أنت إنسان كائن حي ستمل في فترة من الفترات من كثرة المجالس، فلا تضغط نفسك كثير حتى لا تترك العلم، ساعة فساعة يأتيك العلم بهدوء، أما الضغط الزائد هذا خطأ. طبعاً أنا ما بديش أكلمكم عن هذا الموضوع لأنه نحن أصلاً في الوضع الطبيعي مرتاحين، يعني هذا الكلام يقال لطلاب علم ضاغطين أنفسهم، أما مش ضاغط نفسه لا ضغط شديد، أه طيب، أنت مش ناقصكم هذا الكلام يعني.

قال أبو عمر: لقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول في مثل معنى هذا الباب: لا يصلح النفس إذا كانت مُصرفةً إلا التنقل من حال إلى حالِ لا تلعبن بك الدنيا وأنت ترى ما شئت من عبرٍ فيها وأمثالِ

وعن القاسم بن محمد: لا يصلح النفس إذا كانت مصرفه إلا التنقل من حال إلى حال. المراد في البيت، يعني هذا هو الشاهد، أنه دائماً إذا كانت النفس مقبلة على شيء انتقل بها إلى شيء آخر، انتقل بها من حال إلى حال، المجلس في الحديث دخل شعر، دخل رقائق، انتقل من حال إلى حال تبقى النفس ماشي أمورها، لكن إذا بقي درسك جامداً ستتعب النفس معك.

وبإسناد عن عمارة بن غزية قال: كان القاسم بن محمد إذا أكثروا عليه من المسائل قال: إن لحديث العرب وحديث الناس نصيباً من الحديث، فلا تكثروا. قاسم بن محمد أحد كبار الفقهاء في المدينة، كانوا يسألونه في الفقه، فإذا أكثروا عليه قال: يا عمي خلص وقفوا شوية، خلينا ناخذ من أحاديث العرب والقصص وأحاديث الناس هذه.

لها نصيب من الدرس حتى تروح النفوس. مجرد ما أنك أنت تضحك في الدرس وهكذا، بترجع نفسيتك وتقبل على الدراسة، لكن تخيل أنك طول الدرس ساكت بدون ابتسامة وبدون ضحك، لا يصلح الدرس بهذه الطريقة. هذه فائدة في عملية التعلم.

عن ابن شهاب أنه كان يقول: روحوا القلوب ساعة وساعة. شوف ابن شهاب دقيق جداً، ابن شهاب الزهري أيضاً مرة أخرى يقول: روحوا القلوب ساعة وساعة. لا تضغط نفسك. وبإسناد عن أبي خالد الوالبي، قال: كنا نجالس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيتناشدون الأشعار ويتذكرون أيامهم في الجاهلية. يعني عادي، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ينشدون المعلقات والقصائد الجاهلية، وقال امرؤ القيس وما فيها من الغزل، وكان أمراً عادياً عندهم من باب ترويح القلوب. لأن بعض الناس مثالي زائد عن اللزوم، فبدنا نلين الأمور المثالية الزائدة التي يفرضها بعض الناس في الطلاب، فإنها تقتل الدافعية عندهم للتعلم، إياك تقتلها.

وبإسناد عن الأعمش قال: سمعت أبا وائل شقيق بن سلمة يقول: خرج علينا عبد الله بن مسعود فقال: إني لأخبر بمجلس فما يمنعني من الخروج إليكم إلا كراهية أن أملكم، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة مخافة السامة علينا. يعني عبد الله بن مسعود من ذكائه أنه كان يعرف أن الطلاب اجتمعوا في المسجد ينتظرون خروجه، لكن مش دائماً كان يخرج يعطيهم درساً، ليه؟ قال: أنا أعرف أنكم موجودون وأنكم تنتظرون خروجي، لكنني أخشى من السأم عليكم، فأحياناً أخرج وأحياناً لا أخرج. وهذا من فقه المعلم، المعلم يجب أن يلاحظ أيضاً نفسية الطلاب، إذا رأها مقبلة أقبل، إذا رآهم ملوا فتر. خلص، أنت لن تحشو العلم حشواً، إذا رأيت الطلاب ملوا فتر؛ خلص دعهم الآن.

وبإسناد عن الأصمعي قال: قال أبو عمرو بن العلاء: العلم نتف. جميل، أبو عمرو بن العلاء إيش يقول؟ العلم نتف. يعني ما معنى علم نتف؟ يعني لما تعطي العلم لا تعطي خمسمائة معلومة دفعة واحدة حتى الطلاب يستوعبوا، نتف يعني أعطه اليوم عشرين، ثلاثين، أربعين معلومة بالكثير، اليوم الثاني شوية نتف أخرى، وهذا قريب من كلام ابن شهاب الزهري أن العلم الشيء بالشيء والأيام. وقال أبو عمرو بن العلاء أيضاً: الحق نتف.

حدث عن إسماعيل الموصلي قال: دخلت على الأصمعي فرأيت بين يديه قمظراً، فقلت: هذا علمك كله؟ فقال: إن هذا من الحق لكثير. مطر يعني كمية هكذا من الكتب والأوراق أو وعاء فيه كتب وأوراق، فقال: هذا علمك كله؟ يعني كل علمك في هذه الأوراق؟ فقال: إن هذا من الحق لكثير، هذا كثير جداً.

وروينا عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: العلم أكثر من أن يحصى، فخذوا من كل شيء أحسنه. جميل هذه العبارة، العلم أكثر من أن يحصى، يعني أنت لن تستطيع أن تحصي الفقه والعقيدة وأصول الفقه وكل المسائل، طيب إيش نفعل؟ قال: خذ من كل علم أحسنه، يعني تعال كل علم، إيش أفضل كتاب فيه؟ أفضل كتاب، أنفع كتاب في هذا العلم خذه وادرس واعكف عليه تستفيد. أما هل تظن أنك ستقرأ مثلاً في الفقه الحنبلي كل الكتب التي صنفت؟ مستحيل، أو ستقرأ مثلاً في العقيدة كل ما كتب؟ لن تصل، أو في التفسير ستقرأ كل ما كتبه العلماء؟ العمر أقصر من ذلك أخي الكريم. فالإنسان الذكي بده يستغل حياته بشكل نافع، خذ من كل علم أحسنه كما قال ابن عباس، أفضل كتاب، أفضل شيء يمكن أن تعكف عليه وتجمع رؤوس المسائل، خلص اعكف عليه بفهمه وبستوعبه وادرس وانفع الناس. إذا وجدت سعة اقرأ شيئاً آخر أتوسع، وإلا فالإنسان يفقه الزمان وكم له من المقدار العمري.

وعن الشعبي مثله. وأنشدني محمد بن مصعب بن أغبش: ما أكثر العلم وما أوسعه من ذا الذي يقدر أن يجمعه إن كنت لا بد له طالباً محاوراً فالتمس أنفعه

وهذا ترجمة للكلام السابق. وأحسن منصور الفقيه في قوله: قالوا خذ العين من كل فقلت لهم في العين فضل ولكن ناظر العين حرفان في ألف طمار مسودة وربما لم تجد في الألف حرفين

وكان يقال: العالم النبيل الذي يكتب أحسن ما يسمع، ويحفظ أحسن ما يكتب، ويحدث بأحسن ما يحفظ.

باب ذكر ما روي عن لقمان الحكيم من وصية ابنه وحضه إياه على مجالسة العلماء والحرص على العلم. قال لقمان لابنه: يا بني، ما بلغت من حكمتك؟ قال: لا أتكلف ما لا يعنيني. قال: يا بني، إنه قد بقي شيء آخر، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب الميتة بالحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء. جميل، لقمان يقول لابنه ماذا بلغت من الحكمة والعقل، فقال الابن: بلغ بي من الحكمة والعقل أنني لا أتدخل في شيء لا يعنيني. قال له: ممتاز، بس في نقطة أخرى هي من الحكمة التي يجب أن لا تغيب عنك، يا بني جالس العلماء وزاحمهم، فإن الله يحيي القلوب الميتة بالحكم والفوائد كما تحيا الأرض الميتة بوابل السماء أي بمطر السماء.

وعن لقمان أو عيسى المسيح عليه السلام أنه قال: كما ترك الملوك لكم الحكمة، فاتركوا لهم الدنيا. يعني الإنسان العاقل عندما يرى الملوك يتقاتلون على الدنيا والأموال قال: هم تركوا لكم الحكمة والعلم واشتغلوا بالسفاهة والجهل، فأنتم اتركوا سفاهتهم وجهلهم ودنياهم لهم، هم تركوا لكم العلم وأنتم اتركوا لهم الدنيا.

وبإسناد عن سليمان بن حبيب المحاربي قال: قال لقمان لابنه: يا بني جالس العلماء. وبإسناد عن ابن أبي حسين قال: بلغني أن لقمان الحكيم كان يقول: يا بني، لا تتعلم العلم لتباهي به العلماء، وتماري به السفهاء، وتراءى به في المجالس، ولا تدع العلم زاهداً فيه ورغبة في الجهالة. يا بني، اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت قوماً يذكرون الله فاجلس معهم، فإنك إن تك عالماً ينفعك علمك، وإن تك جاهلاً يعلموك، ولعل الله عز وجل أن يطلع عليهم برحمة فتصيبك معهم. وإذا رأيت قوماً لا يذكرون الله فلا تجلس معهم، فإنك إن تك عالماً لا ينفعك علمك، وإن تك جاهلاً يزيدك عياً، ولعل الله عز وجل أن يطلع عليهم بعذاب فيصيبك معهم.

وبإسناد عن زيد بن أسلم أن لقمان قال لابنه: يا بني، لا تتعلم العلم لثلاث، ولا تدعه لثلاث. لا تتعلمه لتماري به، ولا لتباهي به، ولا لتراءى به، ولا تدعه زهادة فيه، ولا حياء من الناس، ولا رضاً بالجهالة. قال زيد بن أسلم: لا تتعلم العلم لتماري به، تماري به يعني تجادل به وتخاصم به، ولا لتباهي به يعني لتفتخر به على أقرانك، ولا لتراءى به تطلب ثناء الناس، ولكن أيضاً في المقابل لا تدعه زهادة أي زهداً فيه، ولا تدعه حياءً من الناس، ولا تدع العلم رضاً بالجهالة.

ومن مواعظ لقمان لابنه أيضاً: لا تجادل العلماء فتهون عليهم ويرفضك، ولا تجادل سفهاء فيلووا عليك ويشتموك، ولكن اصبر نفسك لمن هو فوقك في العلم ولمن هو دونك، فإنما يلحق بالعلماء من صبر لهم ولزم اقتبس من علمهم في رفق. يعني باختصار، إذا كان في شخص عالم وأنت تطلب العلم عنده، قد يحدث أحياناً نقاش في مسألة، لا تحاول تثبت وجهة نظرك جبراً عن العالم. بعض الشباب حتى في الجامعات، وإن لم يكونوا علماء لكن هي فكرة عامة في التعامل مع الأستاذ عموماً أنه إذا الأستاذ طرح وجهة نظر أنت قد تخالفه فيها، ممكن غير مقتنع برأيه الآن، شوف حتى تبقى علاقتك جيدة مع الأستاذ والمعلم، لا تثبت وجهة نظرك أنه يا أستاذ أنت خطأ وأنا الصح. الآن أنت ممكن تتناقش أنه طب لعل كذا شيخنا لعل كذا، طب شيخ لو نظرنا من زاوية أخرى، الآن إذا هو قبل وسمع منك وأعطاك المجال يمكن تفتح نقاش، إذا رأيته غضب وكذا ولا وجهة نظري، اسكت خلص، ليس لك أكثر من ذلك حتى ولو كنت تعرف أنه مخطئ، اللهم إلا أن ترى كفراً عياناً لك فيه من الله برهان، سدة فش مجال للسكوت، لكن أنا أقصد في المسائل التي فيها مجال للاجتهاد، فيها مجال للرأي، فيها مجال للخلاف، المعلم له وزنه. فكما قال لقمان لابنه: لا تجادل العلماء فتهون عليهم ويرفضك، يعني إذا العالم رأى الطالب يجادله ويحاول الطالب أن يفرض وجهة نظره أمام الزملاء، العالم لا يحبك، وتهون عليه ويرفضك، يقل لك يا أخي لا تجيء على مجلسي الله يسهل عليك، أنت كل ما تأتي بدك تفرض وجهة نظرك. فهنا الطالب بده يكون عنده قدرة من السياسة والفهم، دائماً احترام المجالس واحترام وجود العالم حتى لو خالفت وجهة نظره ما في مشكلة، كما قلنا إلا أن ترى منكراً واضحاً لا مجال للسكوت عليه.

وبإسناد عن السري قال: قال لقمان لابنه: يا بني، إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك. ما معنى هذا الكلام؟ أن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك، أحسنت، يعني العلم يرفع الإنسان الوضيع المسكين فيصبح كل الناس يلون إليه، الحكمة أي العلم أجلست المساكين مجالس الملوك.

باب آفة العلم وغوائل إضاعته وكراهية وضعه عند من ليس بأهله. بإسناده عن الزهري قال: إن للعلم غوائل، فمن غوائله أن يترك العالم حتى يذهب بعلمه. ومن غوائله أول شيء أن يترك العالم حتى يذهب علمه، يعني أن يكون عالم موجود في قرية أو في بلدة فلا أحد يجالسه ولا طلاب العلم يقبلون عليه حتى ينسى هذا العالم علمه، لأن العلم إنما يحيي بالمذاكرة، فإذا العالم لم يجد من يدرسهم ومن يجالسهم يفقد علمه. فهذا من آفات العلم، أن يترك العالم ما أحد يحضر مجالسه ويزهد فيها انشغالاً بالدنيا حتى يذهب بعلمه، أما يذهب علم نفسه أو هو يغادر بعلمه البلدة. ومن غوائله النسيان، ومن غوائله الكذب فيه وهو شر غوائله، إذاً من مفسدات العلم النسيان، وهذا واضح لأن العلم يفسد بكثرة النسيان، ومن الأمور التي تفسد العلم الكذب فيه، أن تدعي معلومات مش صحيحة وتتكلم بغير علم، وقال وهو شر غوائله، أكثر شيء يفسد العلم أن تكذب وتتكلم بكلام غير دقيق.

وبإسناد عن الزهري قال: إنما يذهب العلم النسيان وترك المذاكرة، فالتالي يا طالب العلم لازم يكون عندك مراجعة، ما في طالب علم لا يراجع ولا يذاكر محفوظاته ومعلوماته القديمة. وقال بعضهم: إذا لم يذاكر ذو العلوم بعلمه ولم يستزل علماً نسي ما تعلما

وبإسناد عن أبي بريدة قال: قال لي علي: تذاكروا هذا الحديث، فإنكم إن لم تفعلوا يدرس. وبإسناد عن عبد الله بن بريدة أن درس، يدرس يعني يزول. وبإسناد: إن غائلة العلم النسيان. كذلك قال الحسن: غائلة العلم النسيان وترك المذاكرة. وقال صلى الله عليه وسلم: «آفة العلم النسيان».

إضاعة العلم أن تحدث به من ليس من أهله، وهذه فكرة جيدة. أحياناً إخواني بعض الناس العلم يضرهم، وبعض الناس الجهالة خير لهم؛ فأحياناً فعلاً أنت تحتاج أن تبصر في بعض الجالسين أو بعض السائلين. بعض الناس طريقتهم في الحياة وتعاملم تجعلك تقول: هذا لا أريد أن أعطيه العلم؛ لأنني إذا أعطيته العلم سيكون كارثة على الأمة. بعض الناس ترى هذا حاله؛ عنده من التشدد والتعصب والآفات النفسية والحياتية ما يجعل العالم قد يمنع هذا الطالب من العلم حتى يصلح شأنه أو لا يعلمه.

هذا قرار قد تتخذه أحياناً، وأحياناً فعلاً إنسان يفعل؛ ترى بعض الناس يظن أنني أحتاج أن أجمع كل طلاب العلم حولي، ترى في بعض الطلاب أنا أقول: لا أريدهم، لماذا؟ لأن وجودهم آفة في الأمة أصلاً. هو هذا الطالب عنده من المشاكل النفسية والتعصب والأمور التي تجعلني أقول: علم لا أضعه عنده؛ لأنه سيكون مصيبة على الأمة إذا أخذ المعلومات وتصدر على أنه درس وحفظ وهو عنده من المشاكل الأخلاقية والسلوكية والنفسية. بالتالي عليك أيها الطالب إذا أصبحت غداً مدرساً أن تتفرس وأن تعرف، كما قال السلف؛ شوف السلف كانوا دقيقين في ذلك: لا تضع العلم في غير أهله. إذا رأيت طالباً عنده أخلاقيات وسلوكيات ومفاسد، وواضح من طريقته في تلقي العلم أنه لا يريده خالصاً لله وأن هناك مآرب أخرى له أو أنه مفسد للأمة، هذا الطالب نعم امتنع عن تعليمه، قل له: يا أخي روح أصلح قلبك، أصلح سلوكياتك، خليني أشعر أنك متزن، بعد ذلك إذا رأيتك تستحق العلم أعطيك. هذا قرار ستضطر أن تتخذه في بعض الأحيان.

وبإسناد عن شعبة قال: رآني الأعمش وأنا أحدّث قوماً فقال: ويحك يا شعبة، تعلق اللؤلؤ في أعناق الخنازير! شوف شعبة ماذا يقول: رآني الأعمش وأنا أحدّث قوماً، فطبعاً الأعمش بكلماته القاسية ولكنها كلمة حكيمة هنا وإن كانت قاسية، قال: ويحك! تعلق اللؤلؤ -اللي هي الأحاديث- على أعناق الخنازير؟ يقصد هؤلاء الطلاب لا يستحقون سماع الحديث، مش من أهل الحديث، فكيف تعلق هذه اللآلئ وهي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في أعناق هؤلاء؟ طبعاً أنت لا تدقق كثيراً على الكلمات القاسية، خذ الزبدة.

وبإسناد عن أبي محمد والشعر لصالح بن عبد القدوس: وَإِنَّ عَناءً أَن تُفَهِّمَ جاهِلاً ... فَيَحسَبُ جَهلاً أَنَّهُ مِنكَ أَفهَمُ أي والله! يعني أقول لك من العناء والحماقة أنك تأتي على شخص جاهل تفهمه وتعلمه، وبعدين هو بعد يوم أو يومين يصير يفكر أنه أفهم منك، عاد أنت اللي فهمته مبارح وأنت اللي علمته، بس هو جاهل فمن كثرة جهله جاء اليوم الثاني قال: أنا أعلم من الشيخ الذي علمني البارحة، وهذا تجده في كل وقت. مَتى يَبلُغُ البُنيانُ يَوماً تَمامَهُ ... إِذا كُنتَ تَبنيهِ وَغَيرُكَ يَهدِمُ مَتى يَنتَهي عَن سَيِّئٍ مَن أَتى بِهِ ... إِذا لَم يَكُن مِنهُ عَلَيهِ تَنَدُّمُ

ولصالح بن عبد القدوس أيضاً من شعره الذي ذكرنا منه بعضه في هذا الكتاب في مواضعه: لا تُؤتِ العِلمَ إِلّا اِمرَأً ... يُعينُ بِاللُبِّ عَلى دَرسِهِ يعني لا تعطِ العلم، لا تدرّس إلا طالباً لبّه -يعني عقله- يساعده على الدرس، قال: يعين باللب على درسه، يعني عنده عقل وعنده نضوج يساعد أنه يخرج منه شيء في المستقبل يكون جيداً ينفع الناس. أما الذي لا عنده عقل، فهذا ممكن تنصحه أنه يا أخي اشتغل بالعبادة، روح ادرس محاسبة، أخي شوف لك شغلة ثانية؛ يعني مش كل الناس تصلح لحمل هذا العلم.

وبإسناد عن أبي فروة أن عيسى بن مريم عليه السلام كان يقول: لا تمنع العلم أهله فتأثم عند غير أهله فتُجهل، وكن طبيباً رفيقاً يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع. جميل! وكن طبيباً، يعني المعلم بده يكون طبيب يضع الدواء في المكان النافع، يضع العلم في المكان المناسب.

وقال الحسن البصري: لولا النسيان لكان العلم كثيراً. فعلاً فإن أكثر العلم إنما ضاع بسبب آفة النسيان، هذه من غوائل العلم. وقال أنس بن أبي الشيخ: من كان حسن الفهم رديء الاستماع لم يقم خيره بشره، هذه قاعدة مهمة في العلم أيضاً. شوف هذا الكتاب مليء بقواعد التعلم؛ أفرزها واستخرجوها من الكتاب واجمعوها في حياتكم. يقول: من كان حسن الفهم رديء الاستماع، هسه في ناس ربنا معطيهم عقل ممكن يحلل، بس شو مشكلته أنه دائماً مستعجل، ما بخلي المعلم أو المتحدث ينهي حديثه، لا يحسن الاستماع، مهارة الاستماع مفقودة عنده، فيقول حتى لو كنت ذكياً فهماً لابد أيضاً تعود نفسك حسن الاستماع للمعلم وللآخرين، حتى لو المعلومة واضحة بعض الطلاب حتى يمل من التكرار، يقول لك: يا شيخ أنا فهمت! يا أخي مش مشكلة اصبر، خليه يحسن الاستماع، خلي المعلم ينهي، حسن الاستماع يزيدك فهماً للمسائل، لذلك قال: من كان حسن الفهم لكنه رديء الاستماع لم يقم خيره بشره؛ خيرك اللي هو حسن الفهم لن يعوض شرك اللي هو سوء الاستماع، هذه ما راح تشيل هي، لازم تتعلم حسن الاستماع والإصغاء للآخرين.

وبإسناد يعني أكرمه قال: إن لهذا العلم ثمنه. قيل: وما ثمنه؟ قال: أن تضعه عند من يحفظه ولا يضيعه. وهذه نفس الفكرة: أن تضع العلم عند أهله. رحم الله القائل: أأنثرُ دُرّاً بينَ سائمةِ النّعَم ... أم أنظمُهُ نظماً لمهملةِ الغنمِ ألم ترني أضعتُ في شرِّ بلدةٍ ... فلستُ مُضيعاً بينهُم دُرَرَ الكَلِمِ فإن يشفني الرحمنُ من طولِ ما أرى ... وصادفتُ أهلاً للعلومِ وللحكمِ بثثتُ مُفيداً واستفدتُ وِدادَهُم ... وإلّا ففي مخزونِ مكنونِ حُكمي يعني هذا الشخص شكله دخل بلدة كل اللي فيها لا يصلحون للتعلم، فيقول: أنثر دراً بين سائمة الغنم؟ يعني يقول هذا الدر اللي عندي هي المعلومات، أنشرها بين هؤلاء الغنم؟ طبعاً هو يقصد الجهال، يقول إنهم غنم. أأنثر دراً بين سائمة النعم أم أنظمه نظماً لمهملة الغنم؟ مهملة الغنم اللي هي الغنم السائمة اللي ما حدا داري عنها، المهملة التي لا يلتفت إليها الراعي، فهو يقول إنني ضيعت وقتي. فإن يشفني الرحمن، إذا ربنا كتب لي الشفاء وقابلت طلاب علم يستحقون العلم سأنثر العلم، وإذا لم يكتب لي الشفاء فلم أصادف طلبة يستحقون بث هذا العلم، فإنني ماذا أفعل؟ قال: وإلا فمخزونك ومكنونك، خلِ العلم جوا ومسكر عليه أحسن من إني أبثه في غير أهله.

وبإسناد عن رؤبة بن العجاج قال: أتيت النسابة البكر، فقال لي: من أنت؟ قلت: رؤبة بن العجاج. قال: قصرت وعرفت، فما جاء بك؟ قلت: طلب العلم. قال: لعلك من قوم أنا من بين أظهرهم، إن سكتّ لم يسألوني، وإن تكلمت لم يعوا عني. قال: لعلك مثل الناس اللي أنا جالس الآن بينهم، إذا سكت ما حدا فيهم يبادر فيسأل، وإن تكلمت لم يعوا عني، يعني جهال؛ إذا أنا سكت لا يُسألوني، وإذا علمت على الفاضي ما يتعلم. قال: لعلك من هذا النوع من الناس؟ قلت: إن سكتّ لم يسألوني، وإن تكلمت لم يعوا عني. قلت: أرجو أن أكون منهم، يعني إن شاء الله أنني مش من هؤلاء، أنني أفضل حالاً منهم. ثم قال: أتدري ما آفة المروءة؟ قلت: لا فأخبرني، قال: جيران السوء، إن رأوا حسناً دفنوه، وإن رأوا سيئاً أذاعوه. ثم قال: سبحان الله! قال: هذه من آفة المروءات، أن يكون جارك جار سوء أو صديقك صديق سوء؛ إذا فعلت شيئاً ما يحدث فيه، يكتمه، وإذا صدر منك خطأ أذاعه وفزع الدنيا عليك، قال هذا من آفة المروءات. ثم قال لي: يا رؤبة، إن للعلم آفة وهجنة ونكرة، فآفة نسيان، ونكد -فآفة نسيان، وهجنته أن تضعه عند غير أهله، ونكرته الكذب فيه، ونكده الكذب فيه.

وبإسناد عن عكرمة قال: قال عيسى عليه السلام: لا تطرح اللؤلؤ إلى الخنزير، فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئاً، ولا تعطِ الحكمة لمن لا يريدها، فإن الحكمة خير من اللؤلؤ، ومن لا يريدها شر من الخنزير. سبحان الله! ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: قام أخي عيسى عليه السلام خطيباً في بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل، لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموها. طبعاً لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقد نظم هذا المعنى بعض العلماء فقال: مَن مَنَعَ الحِكمَةَ عَن أَهلِها ... أَصبَحَ في النّاسِ لَهُم ظالِما أَو وَضَعَ الحِكمَةَ في غَيرِهِم ... أَصبَحَ في الحُكمِ لَهُم غاشِما لا خَيرَ في المَرءِ إِذا ما غَدى ... لا طالِبَ العِلمِ وَلا عالِما جميل هذا الختام، لا خير في المرء إذا ما غدى لا طالباً للعلم ولا عالماً، ما في منك خير إذا كنت لست طالباً للعلم ولا عالماً، فأنت من النوع الثالث الهمج الرعاء.

وبإسناد عن أبي سعيد قال: تذاكروا الحديث؛ فإن الحديث يهيج الحديث، مرّ معنا فكرته، وإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: إن إحياء الحديث مذاكرته فتذاكروا، فقال له عبد الله بن شداد: يرحمك الله كم من حديث مر معنا! طيب، قال كثير بن مُرّة الحضرمي إنه قال: إن عليك في علمك حقاً كما أن عليك في مالك حقاً؛ لا تحدث العلم غير أهله فتُجهل، ولا تمنع العلم أهله فتأثم.

وعند الحكماء فيم قوّك، ولقد أحسن القائل: قالوا نراك طويل الصمت قلت لهم ... ما طول صمتي من عِيٍّ ولا خرسِ لكنه أحمد الأشياء عاقبةً ... عندي وأيسر من منطقٍ شكسِ أأنشرُ البزّ في مَن ليس يعرفه ... أم أنثرُ الدّرَّ بين العُميِ في الغَلَسِ؟ البز هو الحرير، الثياب الحرير النافعة، والغلس هي شدة الظلمة، شو الفائدة؟

ومن قوله مرفوعاً -ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً-: واضع العلم في غير أهله كمقلّد الخنازير اللؤلؤ والذهب. يعني مثل هذه الأمور قد ينتقد عليها ابن عبد البر، مثل هذا لا يجزم به للنبي صلى الله عليه وسلم، واضح أنه ليس من كلامه عليه الصلاة والسلام، لا يصح مرفوعاً.

ولقد أحسن صالح بن عبد القدوس في قوله، ويروى لسابق البربري بعض الأبيات يختلف في نسبتها: وإذا حُملت إلى سفي حكمة ... فلقد حملت بضاعةً لا تنفقُ يعني لا تروج.

فإن قال قائل: إن بعض الحكماء كانوا يحدّثون بعلمهم صبيانهم وأهلهم ولم يكونوا لذلك بأهل؟ هذا استشكال، أنت تقولون: لا تضع العلم عند غير أهله، ألم يروَ عن كثير من العلماء أنه يحدّث الصبيان وأهله وزوجته مع أنهم ليسوا متخصصين في العلم أو ليسوا أهلاً لطلب العلم؟ فكيف نجمع بين هذا وهذا؟ فقيل له: إنما فعل ذلك من فعله منهم لئلا ينسى. شوف هذا كلام يمكن أن يجاب عنه بأكثر من جواب: الجواب الأول ما قدمه، أن إنما فعل ذلك من فعله بتحديث الصبيان حتى هو لا ينسى، من باب مذاكرة العلم. لكن حقيقة أحياناً لا، قد نقول تعليم الصبيان نعم، قد يكون الصبي الآن ما عنده طموح علمي لكن يُرجى له ذلك في المستقبل، فليس تعليم الصبيان هو من وضع العلم عند غير أهله. لا، هذا الإطلاق مش صحيح، إنما وضع العلم عند غير أهله هو أن تضعه عند شخص عنده إشكاليات سلوكية، إشكاليات أخلاقية، عنده تعصب وتشنج يجعل إعطاءه للعلم يكون كارثة في المستقبل. أما الشخص الجاهل مثل الصبيان أو النساء، فمثال هؤلاء تعليمهم العلوم التي تليق بأعمارهم هذا ليس وضعاً له عند غير أهله، بل هو مناسب لهم، لعل الله يخرج من أصلابهم من ينشغل بالعلم والتخصص فيه في المستقبل.

وبإسناده عن الأعمش أن إسماعيل بن رجاء كان يجمع صبيان الكتاب يحدّثهم لئلا ينسى، لم يستدل على قضية ألا ينسى حديثه. أن عطاء الخرساني كان إذا لم يجد أحداً أتى المساكين فحدّثهم، يريد بذلك الحفظ أنه هو ما ينسى، وكذلك خالد بن يزيد بن معاوية كان إذا لم يجد أحداً يحدّث جواريه -يعني بناته أو إماءه- ثم يقول: إني لأعلم أنكن لستن له بأهل، بس أنه بدي أحفظ أنا الحديث. وقد كانوا يكرهون تكرير الحديث، وكان بعضهم وهو علقمة يقول: كرروه لئلا يدرس، يدرس أو يدرس. ولكل وجه لا يدفع. ختم بهذه الفكرة أن البعض كان يكره تكرار الحديث، وأن يُتحدّث بالجملة أكثر من مرة أو بالحديث أكثر من مرة، لكن في المقابل علقمة يقول: لا مش صحيح لازم.

التكرار، قال: كررو، لا يدرس... في حقيقة تكرار العلم لا، هذا منهج علمي رشيد. ما في علم بدون تكرار ومراجعة، فكراهة التكرار هذه لا وجه لها معتبر، والله تعالى أعلم.

إلا إذا انتقلت من التكرار المعقول إلى التكرار الممجوج الذي تمله النفس، نعم، هنا قد نقول إنه التكرار أصبحت فائدته محدودة.

نقف عند هذا القدر، ونكمل في الدرس القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.