دخولتسجيل الدخول

التعليق على كتاب جامع بيان العلم وفضله | برنامج المدارسة | المجلس الرابع

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى.

حياكم الله معاشر طلبة العلم في لقاء يتجدد في برنامج المدارسة، نتدارس في كل اثنين كتاباً من كتب أهل العلم، نسبر ما فيه ونقف على المعاني العظيمة والأفكار الجميلة التي دونها علماؤنا في كتب التراث. وهذا هو المقصد من هذا الاجتماع؛ أن يعتاد الطالب قراءة كتب الأوائل، وأن يأخذ ما فيها من الدرر، وأن يلتقط ما فيها من المعاني الشريفة، وأن يتعلم كيف يفهمها، كيف يدرسها، كيف يعلق الملاحظات، وكيف يستنبط المعلومات.

هذا كله بالمدارسة بإذن الله ينبت ويكبر في حياة الإنسان، فإن كثيراً من الشباب ممن يدرس العلوم الشرعية إنما يبقى في طول عمره على الكتب المعاصرة، وإذا شرع فإنما يشرع في كتاب أو كتابين من الكتب القديمة، وهذا خلل وضعف في البناء العلمي. فإن الطالب إنما يبني علمه على كتب الأوائل؛ فإنها أعمق وأدق وأقوى سبكاً من كتب المعاصرين، وما فيها من العلم النافع وما فيها من التدقيقات والتحذيرات لا يصلح أن يفوت طالب العلم في حياته العلمية. فنسأل الله سبحانه أن يعلمنا، وأن يعطينا من فسحة الأعمار ما يعيننا على قراءة مثل هذه المصنفات، وأن يعيننا على العمل بما فيها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

كتابنا الذي يتجدد به اللقاء في هذه الأيام: «جامع بيان العلم وفضله» للإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى، عليه آمين. وهو كتاب نافع في بداية طريق طلب العلم، وحتى تبقى تنظر فيه ولو كنت في وسط الطريق ولو كنت في آخر الطريق، فإن ما فيه من المعاني ينبغي أن يستحضرها الطالب وأن لا تغيب عن ذهنه.

هذا الكتاب كما تلاحظون متنوع في أفكاره؛ فهناك أفكار في الأمور السلوكية والأخلاقية في حياة طالب العلم، وهناك أفكار تتعلق بقواعد التعلم ومنهجية تلقي العلم، وسياتي معنا أفكار أخرى وأخرى. ولذلك، في طريقة تعاطي هذا الكتاب، أنا أنصح الطالب المهتم أن يقسم الفوائد والمعلومات التي يجنيها من هذا الكتاب؛ أن يقسمها إما على دفتر أو في كناشة أو حتى على الحاسب.

أن يقسمها إلى أقسام؛ أنت ستقرأ هذا الكتاب وستأخذ أفكاراً في أبواب متعددة، منها أفكار تتعلق بالجانب التعليمي: في منهجية التلقي، قواعد الدراسة، أهمية الحفظ، المراجعة، المذاكرة، قواعد التلقي الثاني في أخذ المعلومات؛ لا تأخذها جملة مثل هذه العبارات كعبارات ابن شهاب الزهري وغيرهم، هذه مثلاً أضعها تحت ملف أو قائمة "منهجية التعلم".

أفكار أخرى تتعلق بأخلاقيات وسلوكيات التعامل مع المعلم، وهذه أضعها في مكان خاص: "سلوكيات وأخلاقيات في التعامل مع الشيخ". والأفكار التي تتعلق بالتعامل مع الزملاء والأقران، هذه تجمعها وتضعها في مكان واحد؛ دائماً رتب أفكارك ووزعها بشكل جيد.

بعض الطلبة عنده همة على التدوين لكنه لا يعرف كيف يدون الأفكار؛ يدونها كلها تحت بعضها البعض. أنت لما تدون الأفكار المتشعبة المتنوعة تحت بعضها البعض يصعب عليك بعد ذلك أن تعود إليها وتنتقي ما تريد منها، ستحتاج أن تقرأ كل ما كتبته حتى تأتي على الفكرة التي تريدها، أليس كذلك؟ وهذا لا يصلح.

ماذا أفعل؟ كما قلت ربما أنت الآن في هذه المرحلة الأولى قد تسجل الملاحظات على صفحة الكتاب الأولى، هذه البيضاء ممتاز، لكن بعد ذلك في كناشتك عليك أن تعيد ترتيب الأفكار تحت عناوين عريضة. بحيث لو أردت غداً أن أعطي محاضرة لطلاب في منهجية التعلم، أقول: "ماذا قال السلف في قواعد التعلم؟" فأجد أنني جمعت المادة المتعلقة بكلام السلف في قواعد التعلم في صفحات تحت عنوان محدد.

لو أردت أن أعطي المحاضرة في أخلاقيات طالب العلم في التعامل مع شيخه، لا، لن يصلح؛ أنت مثلاً قرأت "تذكرة السامع"، وقرأت "جامع بيان العلم وفضله"، وقرأت "تعليم المتعلم"، وقرأت كتباً كثيرة، ما ينفع تكون المعلومات مبعثرة هكذا وتعود أنت إلى كل الكتب وتنظر ماذا كتبت وتحاول أن تبحث عن المادة. يجب أن تكون جمعت المادة المتعلقة بأخلاقيات التعامل مع الشيخ في مكان وفي صفحات محددة في الكراسة، وقس على ذلك.

الأفكار التي هي بطبيعتها مشتتة وأنت تلتقطها من بطون الكتب، الأفكار المتنوعة المتعددة التي تلتقطها من بطون الكتب، عليك أن تكون طالب علم منظماً، تحسن ترتيبها وتوزيعها حتى إذا احتجت إليها استطعت أن تناديها. فإن كثيراً من الطلاب يقرأ ويقول لك: "والله يا شيخ أنا قرأت كثيراً لكن أفكاري لا أستطيع أن آتي بها، لما أحضر لدرس سبحان الله لا أجد المادة الثرية مع أنني والله قرأتها". أقول: صحيح؛ لأنك أخذتها مبعثرة وبقيت مبعثرة، وستموت وهي مبعثرة إذا لم يسعفك الزمان أن تعود وترتبها بشكل جيد.

فقضية إدارة العلم وإدارة العملية التعليمية إياك أن تستهين فيها؛ لأن بعض الطلاب عنده همة، لكن يبقى هذا الشيء الوحيد النقص فيه ويضيع عليه علمه. أنت عندك همة على حضور المجالس، عندك همة على سماع الكتب، عندك همة على أشياء كثيرة، لكن يبقى شيء في البنيان ناقص، وهي طريقة التعامل مع المعلومات التي تتلقاها، فلما تتعامل معها بطريقة خاطئة لا يؤتي هذا أكله، وتجد أنك قطعت مشواراً طويلاً ولكن الفوائد بقيت مشتتة فلا تستطيع توظيفها. فهذه الأمور أحب أن ينتبه إليها إخواني حتى نستفيد إن شاء الله من هذا المجلس ومن هذا اللقاء، ويكون لقاءً نافعاً بإذن الله.

بسم الله نبدأ مجلس اليوم، بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولأساتذة المصنف خير الجزاء يا رب العالمين.

نعم، بأسناده عن ابن عباس قال: «مكثت سنة وأنا أشك في فتنتين، وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن المتظاهرتين على رسول الله ﷺ، أشك هل هي سنة أو سنتان؟» وقد يكون هذا شكاً من ابن عباس وقد يكون من غيره، نحتاج أن نتتبع من الذي شك بالضبط.

«وما أجد له موضعاً أسأله فيه حتى خرج لقضاء حاجته، وصحبته حتى إذا كنا بمر الظهران وذهب لحاجته، قال: أدركني بإداوة من ماء، فلما قضى حاجته ورجع أتيته بالإداوة، أصببته عليه فرأيت موضعه، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المراتان المتظاهرتان على رسول الله ﷺ؟».

فطبعاً هو سأله عن المراتتين المتظاهرتين اللتين ورد ذكرهما في سورة التحريم. ابن عباس يتحين فرصة ليسأل عمر هذا السؤال: من هما المراتتان المقصودتان في سورة...

قال: «فوجدتُ بعد سنة أو سنتين، وأنا أحاول أن أجد فرصة لسؤال عمر، وجدت هذه الفرصة فسألته هذا السؤال»، فقال فما قضيت كلامي حتى قال: «عائشة وحفصة». قال المصنف: «لم يمنع ابن عباس رضي الله عنها وحفصة رضي الله عنها»، قال أبو عمر: «لم يمنع ابن عباس من سؤال عمر رضي الله عنه عن ذلك إلا هيبته، وذلك موجود في حديث ابن شهاب لهذا الحديث».

ابن شهاب صرح في روايته لهذا الحديث أن ابن عباس إنما تأخر في سؤال عمر لموضع هيبة عمر رضي الله عنه. فمثلاً لو سألتك: هذا المبحث تحت أي عنوان ستضعه؟ ستضع: «أخلاقيات التعامل مع المعلم». أنت الآن رأيت عنواناً ورأيت حديثاً، فعندما تعود إلى كناشتك الخاصة بك أو دفتر الملاحظات، ستضع هذا الباب وما فيه من الآثار فيما يتعلق بأخلاقيات تعامل الطالب مع الشيخ، أليس كذلك؟ هذا موضوعه. فانت ركز كيف تفرز المعلومة وتعرف في أي باب من أبواب المعرفة تفيدني.

قال وبإسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مكث سنتين أريد أن أسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن حديث، ما منعني منه إلا هيبته»، حتى تخلف في حج وعمرة في الأراك الذي ببطن مر الظهران بحجة. قريب من الحديث السابق، اقرأ. قال أبو عمر: «الذي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عمر بن الخطاب رضي الله عنهما من الأنصار هو عتبان بن مالك الأنصاري».

وبإسناد عن سعيد بن المسيب قال: «قلت لسعد...». طبعاً هذا تعليق منه أنه ورد في هذه الرواية قول عمر: «كان لي خ من الأنصار وكنا نتعاقد النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنزل يوماً وهو ينزل يوماً». فأراد أن يبين ابن عبد البر من هو الذي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عمر بن الخطاب، فهو عتبان بن مالك.

وبإسناد عن سعيد بن المسيب قال: «قلت لسعد بن مالك إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أهابك، فقال: لا تهبني يا ابن أخي، إذا علمت أن عندي علماً فاسألني عنه. قال: قلت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي في غزوة تبوك حين خلفه، فقال سعد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا علي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟»».

طبعاً هنا موطن الشاهد، لا يكون في الحديث، موطن الشاهد في الحوار الذي دار سابقاً بين سعيد بن المسيب وسعد بن مالك؛ كيف أن سعيد بن المسيب تهيب سؤال سعد، وكيف أن سعد قال له: «لا تتهيب واسألني»، وهذا يدل على أن منهجية طلاب العلم قديماً تهيب سؤال الشيخ.

اليوم طلاب العلم كسروا الحواجز كثيراً بينهم وبين الشيوخ، هو يسأل الشيخ وكأن الشيخ موظف عنده: يجب أن تجيب، وإذا ما أجبت سأحاسب! بعض الطلاب هكذا في تعامله مع المشايخ، وكان الشيخ يجب أن يجيب الطالب، وإذا لم يجب الطالب ما يعود يحضر هذا المجلس، يقول: «والله الشيخ لم يجبني». حساسية زائدة ونفسية فيها نوع من الكبر على العلم، ولذلك يحرم كثير من الطلبة الخير؛ لأنه لا يصبر على لواء الدروس ولا على نفسية الشيوخ، ولا يعرف أنه يجب أن يصبر.

ابن عباس انتظر من سنة إلى سنتين وهو ينتظر تحصيل الإجابة أو ينتظر حتى يطرح السؤال، تخيل! فلماذا هذه النفسية التي فيها نوع من الاستعلاء من بعض طلبة العلم على المشايخ؟ «لا بد أن يجيبني الآن، وإذا لم يجبني أنا لن أحضر لديه»، ولعله يهملني ويبدأ الشيطان يعشعش في عقلك بالأفكار الخاطئة والرديئة. استيقظ وانتبه وكن عاقلاً في التعامل مع هذه الأمور ومتوازناً نفسياً، لا تسمع الشيطان هو الذي يدير نفسيتك في هذا الموضوع.

وبإسناد عن ابن طاووس عن أبيه قال: «إن من السنة أن توقر العالم». قال: إذن ابن طاووس عن أبيه، من هو والده؟ طاووس بن كيسان أحد الأئمة الكبار من التابعين. ماذا كان يقول طاووس بن كيسان؟ «إن من السنة أن توقر العالم». ما معنى من السنة؟ أي طريقة الصحابة والسلف رضوان الله تعالى عليهم. طاووس من أساتذته الصحابة، بالتالي لما يقول من السنة، إذاً يقول السنة التي وجد عليها الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، أنهم كانوا يوقرون معلم الناس الخير.

قال: «باب في ابتداء العالم، جلسائه بالفائدة، وقوله سلونه وحرصهم على أن يؤخذ ما عندهم». إسناده عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... لو سألتكم من باب المدارسة، هذا العنوان يصلح تحت أي باب من الأبواب؟ أنت إذا أردت أن تجمع المسائل التي تندرج تحت هذا العنوان، ستجمعها تحت أي موضوع؟ هذا يتكلم عن أي موضوع؟

سند تواضع عالم؟ هو ليس من... لكن لا أعتقد أنه يمس هذا الموضوع مباشرة. حرص العالم؟ هذا عنوان تفصيلي، أحسنت، هذا ما أريده. من أساليب التعليم، الأساليب التي يجب أن يتخذها المعلم في تعليم الطلاب؛ أنك لست دائماً أنت الذي تشرح، لا يمكن أن تبادر فتقول للطلبة: «يلا اسألوني»، يكون مثلاً فقرة أسئلة، الطالب يسأل والشيخ يجيب، فهذا يمكن أن نضعه تحت العنوان العريض: «أساليب التعليم».

ما هي الأساليب التي رسخها السلف في طرق التدريس والتعليم؟ اليوم أنت تذهب إلى كتاب معاصر من أجل أن تقرأ عنواناً عريضاً: «أساليب التعليم» ويعطونك محاضرات، وسلفنا الصالح سجلوا في هذا الباب من عظيم الملاحظات ما يغني عن كثير. العلم يتطور ويتقدم والإنسان يستفيد، ليست مشكلة، لكن إياك أن لا تشعر بالانتماء لحضارتكم وتعتقد أن علمائنا ما عندهم شيء، بل علماؤنا من أعظم من سجل ملاحظات في أساليب التعليم.

وبإسناد عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني، خذوا عني». هذا موطن الشاهد في الحديث: «خذوا عني، خخذوا عني». شوف هذا الأسلوب التعليمي الذي مارسه النبي صلى الله عليه وسلم؛ الطلاب يجلسون أمامه، فجاء يعطيهم الانتباه للمعلومة التي ستأتي، ماذا قال لهم؟ «خذوا عني». كيف نحن أحياناً نجلس مع بعضنا نقول: «اسمعوا في ملاحظة مهمة»، أنا لما أقول لك: «اسمع في ملاحظة مهمة»، أنت تكون سرحاناً أو على الجوال أو نائماً، أمور حياتك... لكن حين يقول الشيخ: «في ملاحظة مهمة»، فهذا يعطيك انتباهاً ويقظة. هذه من أساليب التدريس الناجحة، أن المدرس يتوقع، وهذا شيء طبيعي أن الطالب دخل في غفلة.

ذهنه بعيدًا يفكر في المنزل، في الطعام، في الشراب. فمن أساليب التعليم أن تعطي تنبيهًا؛ إذا كانت هناك معلومة مهمة تريد أن تصل مباشرة، تعطي تركيزًا للطالب: اسمع، اسمع، انتبه، هناك معلومة مهمة.

الكل الآن مستيقظ، لكن لو كان الكلام رتيبًا وهكذا، أنت مع الوقت ستسرح ويذهب ذهنك. فهذا من أساليب التعليم التي علمها النبي ﷺ: «خذوا عني، خذوا عني؛ قد جعل الله لهن سبيل البكر بالبكر، جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مئة ورجم بالحجارة». هذا حكم الزاني والزانية المحصن وغير المحصن.

وسناده عن جابر أن رسول الله ﷺ رمى الجمرة يوم النحر على راحلته وقال: «خذوا عني مناسككم». إذاً هذه العبارة «خذوا عني مناسككم» أيضًا أسلوب تعليمي؛ أنه أنت تقول للطالب: تعلم من أفعالي. مثلاً إذا أردت أن الطالب لا يتعلم فقط من أقوالك، بل حتى يحاكي أفعالك وينظر إليها، خاصة أنك الآن ستركز فيها تمام التركيز، فتقول للطالب: خذ عني مثلاً كيف سأصلي الآن، خذ عني كيف أعطي الدرس، خذ عني كيف أتكلم، بهذه المنهجية أو هذه الفكرة.

فأنت بهذه الطريقة تجعل الطالب ينتبه. لا تتوقع أيها المعلم أن الطالب دائمًا منتبه، لا تفرض هذه الفرضية لأنك ستتعب وتنصدم. إذا كنت تفرض أن الطالب دائمًا في قمة الانتباه، ستتعب؛ عليك أن تفرض أن الطالب قد لا ينتبه أو أن الطالب غافل. وبالتالي لا تقل: يا أخي أنا المرة الماضية فعلت كذا لماذا لم تشاهدني؟ لا، ربما كنت سرحانًا ولم تنتبه عليّ أيها المعلم، فأنت الأصل. قل لي: إنني الآن سأفعل أفعالًا أريدك أن تحاكيها أو أن تقتدي بي فيها حتى يكون تركيزي في تمامه حتى آخذ معك هذه الأفعال أو هذه التصرفات. «خذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه».

وبإسناد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان في سفر ومعه معاذ بن جبل، وكان معاذ رضي الله عنه رِديفه على الراحلة، فقال: «يا معاذ»، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. كررها ثلاث مرات، قال: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صادقًا من قلبه إلا حرم الله عليه النار».

هذا أسلوب تعليمي، هذا هو المنهجية التعليمية في أسلوب النبي ﷺ. يا معاذ، فماذا قال معاذ؟ لبيك وسعديك، ثم قال مرة ثانية: يا معاذ، لبيك وسعديك يا رسول الله، ثم مرة ثالثة: يا معاذ. شوف هذا التكرار؛ ماذا أشعر معاذ؟ أنه في شيء مهم كرره النبي ﷺ، ناداه ثلاث مرات، لا يمكن أن يكون عبثًا، بالتأكيد هناك شيء مهم ومحوري. بالتالي هذا يجعل الطالب يعطيك سمعه وعقله وفكره وكل حواسه.

فالمعلم يجب أن يكون ناجحًا في إدارة موضوع جذب انتباه الطالب. خلينا نسمي ما فعله النبي ﷺ في هذه الأحاديث الثلاثة ماذا يعلمنا؛ إذا أردت أن أضع عنوانًا عريضًا: مهارة جذب انتباه الطالب. هذا الحديث والذي قبله «خذوا عني، خذوا عني، خذوا عني مناسككم، يا معاذ»، كله نضع له عنوانًا عريضًا: من أساليب التعليم الناجحة أن تتعلم كيف تجذب انتباه الطالب أثناء الدرس حتى لا يبقى سارحًا في ذهنه.

قال ﷺ: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صادقًا من قلبه إلا حرم الله عليه النار». قلت: يا رسول الله، ألا أخبر الناس فيستبشروا؟ أخبر بها معاذ عند موته، يعني معاذ ابتداءً لم يخبر بهذا الحديث، ولكنه قبل أن يموت أخبر به خشية أن يكون من كتمان العلم، قال: سأخبركم به فقط من أجل أن أبرئ الذمة. وإلا فإن النبي ﷺ كان نبهه حتى لا يتكل الناس على سعة رحمة الله؛ فإن الناس للأسف متى سمعت حديثًا في سعة رحمة الله اتكلت وتركت العمل، قالت خلاص ما دام التوحيد يدخلنا الجنة إذاً الأمور طيبة، إن شاء الله ندخل في الصلاة ونترك كثيرًا من الواجبات ونفعل المعاصي.

وبإسناد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ نص الحديث السابق الذي يليه. وبإسناد عن خالد بن علقمة التيمي قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: «ألا رجل يسأل فينتفع وينفع جلساءه؟». إذًا علي بن أبي طالب هنا يعلمنا أيضًا منهجية أن تطلب من الطالب أن يسأل. هكذا المعلم يفعل أحيانًا؛ ماذا يقول علي؟ «ألا رجل يسأل فينتفع هو وينفع جلساءه». أنت تنتفع عندما تحصل على الإجابة، وينتفع جلسائك أيضًا.

فإذًا أحيانًا ليس كل المجالس هي مجالس إلقاء، جيد أن يكون هناك مثلاً ساعة يجلسها المعلم مع طلابه تكون ساعة أسئلة أو فقرة أسئلة؛ بحيث طبعًا هذه الفقرة منفعتها للمعلم وللطالب، لأن الطالب أيضًا سيعتاد تشكيل السؤال. كثير من الطلاب عنده حاجز بينه وبين طرح الأسئلة، فأنت لما تقول: يلا هذه الساعة ساعة أسئلة، يلا اسأل، هنا الطالب يعتاد كيف يشكل السؤال، وكيف يسأل، والمعلم ينبهه أنه والله السؤال صِغْه بشكل صحيح، لا، وضح سؤالك، أعد صياغته مرة أخرى ثم يجيب. فتعليم الطالب مهارة السؤال ترى هذا جزء من وظيفة المعلم أن يعلم الطالب كيف يسأل. طيب كيف ستعلم الطالب؟ أعطه مساحة للسؤال حتى يخطئ، مش مشكلة، خليه يخطئ في سؤاله وأنت نبهه على الصياغة الصحيحة.

وبإسناد عن سعيد بن المسيب قال: ما كان أحد من الناس يقول سلوني غير علي بن أبي طالب رضي الله عنه. يعني هذه المنهجية في التعليم كانت بارزة عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قضية أن يطلب من الناس السؤال. وبإسناد عن أبي الطفيل قال: شهدت عليًا رضي الله عنه وهو يخطب ويقول: «سالوني، فوالله لا تسألوني عن شيء يكون لي إلى يوم القيامة إلا حدثتكم به، وسالوني عن كتاب الله، فوالله ما منه آية إلا وأنا أعلم أليلًا نزلت أم بنهار، أم بسهل نزلت أم بجبل؟».

فقام ابن الكواء، وأنا بينه وبين علي، فقال: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: 1-4]. فقال: ويلك، سألت فقهاً ولا سألت عن الذاريات. نعم، هذا أيضًا حدث بين أصبغ وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأصبغ أيضًا جاء يسأل عمر عن الذاريات، عن سورة الذاريات بالتحديد، واضح أنه في هناك طبقة من الناس كانت تحب أن تسأل من باب التعنت وليس من باب التعلم وطلب العلم، من طلب إثارة...

الغريب وآثاره الإشكالات، فكان علي وعمر منهجهما أن من يفعل هذا الفعل لا يجاوب. من يشعر المعلم أنه لا يسأل سؤالاً طلباً للتفقه، وهذا الآن أيضاً منهجية جيدة، ضعوا تحتها خطاً؛ أنه إذا سألك طالب ووضح من طريقة هذا الطالب أنه لم يأتِ ليسأل تعلماً، وإنما جاء مثلاً ليختبر الشيخ، يختبر منهجه، هذا كثير ما يحدث. يأتي طالب هو لا يريد أن يسأل من أجل أن يعرف المعلومة طلباً للعلم، بل يأتي يعرف الشيخ من أي جماعة، أو من أي حزب، أو من أي طائفة، أو هو موافق لمشايخ ولا لا؛ فإذا كان موافقاً لمشايخي والله أسمع له، إذا لم يكن من جماعة مشايخي عاد اتركه. إذا وجدت طالباً من هذا النوع من الطلب لا تجب.

عمر بن الخطاب ماذا فعل؟ أصْبَغَ، يعني ضربه ضرباً مبرحاً مع أنه سأله سؤالاً عن سورة الذاريات: ما معنى ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾؟ وأجاب، طبعاً ابن بطة في الإبانة ذكر لماذا عمر ضربه؛ لأنه شعر أن هناك نفساً في هذا الرجل. وسبحان الله، هذا الضرب كان تأديبياً واستفاد منه أصْبَغَ؛ لأنه وجد أن أصْبَغَ فيه نفساً من نفس الخوارج، يعني هو لم يكن خارجياً لكن كان عنده قابلية أنه يتطور ليصبح على طريقة الخوارج الذين يعترضون. فعمر أراد أن يحل الأمر عليه ابتداءً فضربه على هذا السؤال ومنع من مجالسته، فكان درساً قاسياً. أصْبَغَ ما عاد يسأل، فلما حدثت فتنة الخوارج قيل: أصْبَغَ تعال اخرج معنا، قال: لا، فوالله لقد أدبني العبد الصالح، يعني عمر بن الخطاب علمني كيف أمشي سوياً في الحياة.

الفكر أحياناً قد يكون المعلم قاسياً على بعض الطلبة، لكن صدقوني بعض القسوة تنفع الطالب في المستقبل. قد لا يحمدك الآن، وأكيد أصْبَغَ ما كان مسروراً أنه ضُرب على يد عمر، لكنه بعد ذلك فهم عن عمر أنه: أنت لا تسأل تعلماً، أنت تسأل هكذا طرحاً للألغاز وإظهاراً للنفس أو إثارة لفتنة. فإذا جاءك طالب من هذه النوعية أدبه وعذره، علمه الأدب وأخبره أنه لا ينبغي أن تسأل على هذه الطريقة؛ إما أن تسأل متعلماً متفقهاً، وإما أن تأخذ نصيبك من الكلام القاسي والتأديب الجافي حتى لا تعود تمارس هذه المنهجية مرة أخرى.

هذا الذي فعله علي بن أبي طالب ابتداءً. اقرأ مرة أخرى، فقال: «ويلك، سل تفقهاً ولا تسأل تعنتاً»، يعني شم منه رائحة أنه يسأل تعنتاً وليس طلباً فعلاً لمعنى الآية. ومع ذلك، شوف علي بن أبي طالب، لم يتخذ قرار عمر لا شرح معنى الآية، فقال: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ معناها كذا وكذا، فقال: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾. قال: «أفرأيت السواد الذي في القمر؟»، قال: «أعمى يسأل عن عمياء!»، أما سمعت قول الله سبحانه وتعالى؟ واضح أن هذا الرجل جاء يسأل عن أشياء، علي بن أبي طالب متضايق منه، قال: «أرأيت القمر في خط أسود كذا، هذا إيش السواد الذي في القمر؟»، فقال: «والله أعمى يسأل عن عمياء»، يعني أنت رجل جاء تسألني عن هذه الأمور؟ اسأل شيئاً يفيدك في أمر دينك ودنياك، تسألني عن خط أسود في القمر وإيش في السماء شهاب نازل وتفاصيل لا تسمن ولا تغني من جوع.

قال: «أما سمعت قول الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾؟». قال: «أفرأيت ذا القرنين، أنبياً كان أم ملكاً؟»، قال: «لا»، وواضح أنك تفهم أن علي بن أبي طالب يدرك أن هذا الطالب متعنت، هذا ليس شغله عند ذي القرنين؛ طب أنت بالله عليك سواء كان نبياً ولا ملكاً ماذا سيؤثر على حياتك؟ كان ذو القرنين نبياً ولا كان ملكاً؟ والله بعض الناس أكون أحياناً جالساً ببعض المجالس، هو إخواني طبعاً حليق غير محافظ على السنة، وبالكاد يحافظ على الصلاة في المسجد، يعني أمور حياته الدينية متعبة، ويجي يطرح عليك أسئلة تتعلق بهذا: هو ذو القرنين ماذا كان بالضبط؟ هو كان ملكاً ولا كان؟ طب الخضر، الخضر رضي الله عنه الذي لقي موسى، ماذا؟ أخي أنت ماذا تفيدك هذه الأسئلة؟ يعني أنت إيش علاقتك، الخضر كان نبياً كان ولياً، هل سيثمر في حياتك شيء وأنت تارك للسنة وعندك زلل وأخطاء منهجية في الحياة؟

هذا الذي يجب أن تتعلم وتتمسك به، وليس الدخول في أتون مسائل والله لو أنه ينبني عليها شيء إيماني عقدي سلوكي أقول والله أجيب، حتى لو كان الإنسان عنده نقص، فكلنا صاحب نقص، لكن أسئلة لن تنفعك ومع ذلك تصر. فإذا وجدت بعض الناس يسأل هذه الأسئلة، بعض طلاب العلم تخوض معه حقيقة، لا، لا تخوض معه، قل له: أخي ماذا تنفعك؟ أنت لا، علمه أنه يا أخي لا تسأل أسئلة لا تفيدك في حياتك ولا ينبني عليها عمل. ماذا يحدث في آخر الزمان؟ وهل نحن الآن في آخر الزمان؟ طب متى سيخرج المهدي؟ وياجوج وماجوج إيش قصتهم؟ يسأل أسئلة كثيرة منها لا علاقة له بها، فمثل هذا في الحقيقة يؤنب ولا يتماشى معه.

قال: «لا، واحد منهما، ولكنه كان عبداً صالحاً أحب الله فأحبه، وناصح الله فناصره، فضربوه على قرنه ثم دعاهم إلى الهدى فضربوه على قرنه الآخر، ولم يكن له قرنان كقرني الثور». قال: «أفرأيت هذا القوس ما هو؟»، قال: «هي علامة بين نوح وبين ربه وأمان من الغرق». قال: «أفرأيت البيت المعمور ما هو؟»، قال: «الضريح فوق». طبعاً القوس يقصد هذا، قوس قزح، ما يسمى قوس قزح، ولا إشكال طبعاً في تسميته قوس قزح، فقد عقد البخاري في الأدب المفرد باباً في جواز أن يسمى قوس قزح، وبعض يسميه قوس رسول الله، هذا الذي يكون بعد المطر تعرفونه، يكون ملوناً هكذا. فقيل إن هذا علامة جعلها الله بين نوح وبين الله أنه إذا خرج هذا يعني سينتهي الطوفان، قيل ولكن هذا واضح أنه من الإسرائيليات ولم يثبت فيه شيء عن النبي ﷺ.

قال: «أفرأيت البيت المعمور ما هو؟»، قال: «الضريح فوق سبع سماوات تحت العرش، يدخله كل يوم سبعة آلاف ملك لا يعودون فيه إلى يوم القيامة». قال: «فمن قال: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾؟»، قال: «الذين ذكرهم الله في القرآن»، قال: بدلوا نعمة الله كفراً في سورة إبراهيم. قال: «هما الأفجر من قريش».

كفناهما يوم بدر، فمن الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؟ طبعاً من قريش أبو جهل وكأنه عتبة أو شيء آخر، أبو جهل وشخص آخر، كأنه عتبة بن ربيعة.

كفناهما يوم بدر، يعني قتلناهما يوم بدر، هم قتلوا يوم بدر أبو جهل وعتبة بن ربيعة وقتل أمية بن خلف، يمكن أن يكون هو أمية.

وبإسناد عن النزال قال: «فمن الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا؟» فعلي بن أبي طالب قال: «أهل حارث»، الذين هم من الخوارج، قال: «هم منهم»، يعني الخوارج نموذج من نماذج الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

وبإسناد عن النزال بن سبرة قال: قيل لعلي رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، إن هنا قوما يقولون إن الله لا يعلم ما يكون حتى يكون، فقال: «كلتهم أمهاتهم».

ينفون علم الله السابق، وهذا ظهر في أواخر عصر الصحابة، ظهر الذين ينفون القدر، ينفون علم الله، أن الله يعلم الأشياء قبل أن تكون، يقولون لا يعلم الشيء حتى يحدث والعياذ بالله، هذا كفر. فقال: «كلتهم أمهاتهم»، من أين؟ قال: قيل يولون القرآن في قوله عز وجل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31].

هذا حقيقة يعلمنا قضية أيها الشباب، وهي ما من صاحب بدعة إلا وله شبهة يتعلق بها، ما من صاحب بدعة من كل الفرق -معتزلة أو غيرهم- إلا وسيجد نصا في القرآن أو السنة يتحكم به ويتأوه على طريقته يبني عليه بدعته. هؤلاء الذين ينفون علم الله السابق على ماذا اعتمدوا؟ على تفسير آية من القرآن فهموها بدون الرجوع إلى العلماء الراسخين، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ﴾، فقالوا إذا فهو سبحانه وتعالى قبل ذلك لم يكن عالما بهم.

شوف كيف فهموا الآية، فهموا أنه لما قال ﴿حَتَّىٰ نَعْلَمَ﴾ إذا ماذا؟ كان قبل ذلك ليس عالما، ولم يفرقوا بين علم الله السابق بالأشياء قبل وجودها، وعلم الله اللاحق بالأشياء بعد وجودها كما يقول أهل السنة والجماعة. فالعلم علمان: علم بالأشياء قبل أن توجد، وهذا العلم القديم الأزلي، وعلم بالأشياء بعد وجودها، وهو علم ظهور وكشف وليس علم إدراك لما كان جاهلا به مسبقا، فإن العلم بالأشياء وهي معدومة يختلف عن طبيعة العلم بالأشياء بعد وجودها.

المهم، فهم بفهمهم الخاطئ وعدم رجوعهم للعلماء من الصحابة فهموا الآية بطريقة كارثية أوصلتهم إلى عقيدة كفرية، وهي أن الله لا يعلم الأشياء قبل حصولها. فقال علي رضي الله عنه: «من لم يعلم هلك»، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس، تعلموا، من لم يعلم هلك»، يعني من لم يتعلم العلم على أيدي العلماء يهلك.

شوف علي بن أبي طالب لما سمع هذه الشبهة أدرك الإشكال، أنه هؤلاء قوم جهال فهموا القرآن بأهوائهم، ما عندهم علماء، فقال: «من لم يعلم هلك»، يعني الذي لا يتعلم على أيدي العلماء ولا يعود إليهم في فهم الآيات ماذا ستكون النتيجة؟ يصل إلى عقيدة كفرية، وهذا هلاك والعياذ بالله.

ثم قال: «أيها الناس، تعلموا العلم واعملوا به وعلموه، ومن أشكل عليه شيء تعلموا العلم واعملوا به وعلموه الناس، ومن أشكل عليه شيء من كتاب الله فليسألني عنه»، إنه بلغني أن قوما يقولون هذا.

هذا موطن الشاهد، طبعا أنه طلب السؤال، يعني هو كل الحديث إنما أتى به لهذه الفكرة، أنه علي بن أبي طالب كان دائما يطلب من الناس أن يسألوه وهذه منهجيته. يقولون إن الله لا يعلم ما يكون حتى يكون، لقوله عز وجل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ﴾، وإنما قوله عز وجل ﴿حَتَّىٰ نَعْلَمَ﴾ يقول: حتى نرى من كتب عليه الجهاد والصبر، إن جاهد وصبر على ما نابه وآتاه مما قضيت عليه به.

فيقول إذا علي بن أبي طالب في تفسير هذه الآية، وإنما قوله ﴿حَتَّىٰ نَعْلَمَ﴾ ما معناه؟ يعني حتى نرى. إذا علي بن أبي طالب فسر العلم بما يسمى الظهور والكشف، يعني حتى يكون هذا واضحا، لأن الله لا يحاسب الناس على علمه السابق، هذه هي قاعدة العدل الإلهي. هل ربنا يحاسبنا على علمه السابق فينا سواء بالحسنات أو السيئات؟ لا، بل يحاسبنا بناء على ما ظهر ووجد.

بالتالي ربنا لما قال ﴿حَتَّىٰ نَعْلَمَ﴾ أي حتى نراه واضحا مكشوفا عيانا للجميع، فيكون الحساب بناء على ما رؤي وليس على ما علم، حتى يكون الحساب يوم القيامة على ما رأيناه وشاهدناه منكم وليس على ما علمناه مسبقا منكم. فما أعلمه مسبقا أنا لن أحاسب عليه حتى ماذا؟ حتى يظهر وأراه.

فإذا جئت يوم القيامة وحاسبك الله على أخطائك، أنت هل ستقول: يا رب أنت تحاسبني على شيء قضيت به؟ هو يقول لك: أنت كيف تعرف أنني قضيت به؟ أنا لم أحاسبك على ما قضيت، وإنما أحاسبك على ما رأيت. أنا لا أحاسبك على ما قضيت، لأنه أنت لما الآن تريد أن تشرب هذا الكأس، أو تريد أن تنظر في الجوال لصورة محرمة، أو تريد أن تسعى في طريق حرام، لما سعيت هل كنت تعلم أن الله قضى ذلك عليك؟ لا، ليس أحد فينا يعرف ما في القدر. إذا أنت لما اتخذت قرار المعصية اتخذته بناء على شهوتك ورغبتك، أنت لا تعرف ماذا قضي عليك، وأنا عندما حاسبتك حاسبتك على ما رأيت وشاهدت وليس على ما قضيت عليك مسبقا، فلا تحتج علي بالقدر.

وبإسناد عن زاذان، وشوف هنا دائما أيضا، من بدون قراءة الكتب، أنت تقرأ كتابا هناك فائدة أصلية ستركز عليها وهي الموضوع مثلا، لكن أثناء قراءتي في فوائد استطراد حقيقة مفيدة قد لا تجدها في أماكن أخرى، أحيانا هذه تسمى الفوائد التي تكون في بطون الكتب، أنه أنا أقرأ في موضوع معين وسبحان الله استفدت فائدة في موضوع عقدي، في فائدة إيمانية، ولم تكن مقصودة، فإياك أن تضيع هذه الفائدة، اكتبها وسجلها فقد لا تجدها بهذا الوضوح في كتاب آخر.

وبإسناد عن زاذان قال: سألت ابن مسعود عن أشياء ما أحد...

بإسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «سلوني، فإني قد أصبحت طيبة النفس».

هنا ابن عباس يقول: «سلوني»، أي بلغتنا: "رايق"، أي مستعد. أحيانا المعلم بيصحى تكون نفسيته مثلاً مغلقة، ما عنده هم إنه يجيب أحد عن أسئلته، وأحياناً بيصحى المعلم في كامل نشاطه وحيويته، "رايق" مع الأسئلة؛ فابن عباس قال: «سلوني فإني اليوم هكذا نفسيتي مستعدة للسؤال».

قال: «أخبرت أن الكوكب ذا الذنب قد طلع، فخشيت أن يكون الدخان، أو قال الدجال الذي سيكون في آخر الزمان»، خشي أن يكون آخر الزمان قد اقترب، أو قال: «الدجال قد طرق»، «وسلوني عن سورة البقرة وسورة يوسف»، ففي حديثه يخصهما بين السور، وهذا يدل أن فيهما سراً. لماذا يقول ابن عباس: «سلوني عن سورة البقرة وسورة يوسف»؟ بالتالي ابن عباس له اعتقاد معين، وهو عظمة هاتين السورتين، وأن فيهما من التوجيهات والعقائد النافعة التي يحتاجها الناس.

وبإسناد عن شقيق، قال: خطبنا شقيق بن سلمة، قال: خطبنا ابن عباس وهو على الموسم، فقرأ سورة البقرة فجعل يفسر ويقرأ، فما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، إني أقول لو سمعته الفرس والروم والترك لأسلموا. ابن عباس فسر سورة البقرة تفسيراً لو سمعه الروم والفرس والترك لأسلموا من عظيم تفسيره، سبحان الله.

وبإسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ما سألني رجل مسألة إلا عرفت أفقه هو أو غير فقيه». وهذا جيد، هذه فكرة جيدة أن المعلم يقيس مستوى ذهن الطالب من خلال سؤاله. المعلم الناجح هو الذي يقيس مستوى ذهن الطالب، ومستوى اهتمامات الطالب، ومستوى قراءة الطالب من خلال أسئلته؛ لتعرف هل هذا طالب علم، ولا هذا نازل براشوت على العلم، ليس من صنعته، فهذا جيد.

وبإسناد عن ابن عباس أنه قال: «ألا تسألني عن آية فيها مئة آية؟»، قلت: ما هي؟ قال: قوله عز وجل: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: 40]. قال: «كل شيء أوتي من خير أو شر كان فتنة»، ثم ذكر حين حملت به أمه وحين وضعت وحين التقطه آل فرعون حتى بلغ ما بلغ، ثم قال: «ألا ترى قوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]؟».

هنا يرى أن قوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ هذا المقطع من الآية في داخله قصص كثيرة، لأن كل مشاهد حياة موسى من لما كان رضيعاً إلى أن كبر، وإلى أن حدثت قصته مع فرعون، وإلى علاقته ببني إسرائيل، كلها كانت محناً وبلایا، فقوله تعالى لموسى في بداية سورة طه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ يندرج تحته مئات القصص والحكايات من الخير ومن الشر؛ لذلك ختم فقال: ﴿أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾﴾. فكل حياتك هي "وفتناك فتونا"، كل حياتي، وليس هذا خاصاً بالأنبياء، بل حياة المسلم كلها تقوم على "وفتناك فتونا"، إما بالخير وإما بالشر.

وبإسناد عن أبي صالح، قال: قال علي رضي الله عنه: «سل»، ولو أن إنساناً يسأل، فسأله ابن الكواء عن الأختين المملوكتين، وعن ابن الأخ والأخت من الرضاعة، قال: «إنك لذهاب في التيه، سل عما ينفعك». هذا ابن الكواء واضح أنه عامي، مشكلة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثاني مرة يرد فيه الحديث أنه يسأل عن أشياء إما لم تحصل أو لا نفع له فيها، وعلي ما زال يؤدبه: «يا ابن الحلال، سل عما ينفعك».

خاصة لما يكون واضح أن علي فاهم عقلية ابن الكواء، يفهم أن هذا الشيء هو لا يسأل عن شيء هو الآن واقع فيه، أو مسألة حدثت معه، يسأل هكذا عن افتراضات وعن أمور لا تنفعه وليس هو بطالب علم. حتى يعطى الآن، قد يأتيني طالب علم يسألني عن أمور لم تقع معه، لكن يعرف أنه هذا طالب علم فقيه، يشتغل في المذهب الحنفي أو الشافعي أو المالكي، فهو يسأل سؤال طالب العلم. ويأتيني إنسان عامي ما له علاقة بالعلم، ويسألني مسألة شرعية صعبة، أعرف أنها لا تحصل معه ولا مع أمثاله لمئة سنة، فمثل هذا يؤنب؛ فأنت حسب مستوى الطالب تؤنب، تعرف هل هذا الطالب يشتغل بما لا ينفع أو لا، بناءً على مستواه الذهني والعلمي.

قال: «سل عما ينفعك»، قال ابن الكواء: «إنما نسأل عما لا نعلم»، فقال في ابن أخي والأخت من الرضاعة: «أردت رسول الله ﷺ على بنت حمزة، فقال هي ابنة أخي من الرضاعة»، وقال في الأختين المملوكتين: «أحلتهما أم حرمتهما؟»، قال: «لا أمر ولا أنهى، ولا أحل ولا أحرم، ولا أفعله أنا ولا أهلي». طبعاً هنا في مسائل فقهية ليس هذا وقت بسطها في جواب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وإنما يهمنا مطلع الحديث.

وبإسناد عن سعيد بن جبير قال: «إن مما يهمني أني وددت أن الناس قد أخذوا ما معي من العلم». وروينا عن الحسن أنه يبتدئ الناس بالعلم ويقول: «سلوني». شوف حرص المعلم على التعليم وأنه ينقل العلم للأجيال القادمة. سعيد بن جبير يقول إن الموضوع الذي كان يشغلني في حياتي أنني أتمنى أن أوصل علمي لكل من بعدي، لا أريد أن يبقى علمي حبيس لدي، لأني إذا مت وعلمي بين صدري ذهب. فيقول: «إن مما كان يهمني أنني وددت أن الناس قد أخذوا ما معي من العلم»، حتى ينتقل العلم إلى الأجيال وأنتم تعلمون من بعدكم.

كذلك، وروينا أن الحسن كان يبتدئ الناس بالعلم ويقول: «سلوني»، إذاً الحسن على منهجية علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكان ابن سيرين وإبراهيم لا يبتدئ أحداً حتى يسأله، وهذه طريقة لبعض السلف؛ بعض السلف ما كان يباشر التدريس بدرس فقهي، كانت طريقته في التفقيه ما هو أن ينتظر سؤالاً ليبدأ الحديث والإجابة عنه، هذه طريقة بعضهم في التعليم.

وبإسناد عن قتادة قال: أتى على الحسن زمان وهو يعجب ممن يدعو إلى نفسه، قال: فما مات حتى دعا إلى نفسه. ما معنى هذا الكلام؟ يا مشايخ، ما معنى هذه الجملة؟ نريد الكل يفكر ويخرج عقله من هنا، نريد الكل سامع ومنصت. حسن في البداية كان يستغرب من...

البداية كان يتعجب من الناس أو العلماء الذي يقول للناس: «يا أخي تعالوا احضروا مجالسي، تعالوا استفيدوا مني». كان الحسن يعتبر هذا يقدح في الإخلاص؛ كيف تقول للناس تعالوا احضروا مجالسي؟ وما مات حتى قال مثلهم، يعني لما تقدم في العلم والسن أصبح يقول مثل هؤلاء لما يرى عزوف الناس عن العلم: «يا جماعة تعالوا احضروا المجالس، تعالوا استفيدوا».

فطلبك من الطلبة ومن الناس أن يحضروا مجالسِك إذا كان مقصده حرصك على تعليمهم وإفادتهم، فهذا لا إشكال فيه، بل هذا من حرص المعلم على الطلبة أن يذكرهم بحضور المجالس وملازمتها؛ لأن الدنيا آخذة بخلاف من يكون قصده تجميع الطلاب وتكثير الجمهور، فهذه نية فاسدة.

وقال لقمان الحكيم: «إن العالم يدعو الناس إلى علمه بالصمت والوقار». يعني أنت قد تحفز الناس إلى حضور مجلسك بصمتك ووقارك؛ أنت قد تدعو الناس إلى حضور المجلس، أن تدعوهم: «يا فلان تعال احضر»، وهناك وسيلة أخرى حتى تجذب الناس إلى حضور مجلسك، ما هو؟ أن تكون أيها العالم تتسم بالصمت والوقار والرزانة، لسر قلوب طلابك؛ أن يقولوا: «ما شاء الله، هذا الشيخ عنده من الصمت والرزانة»، إن أجلس بين يديه فكأنك دعوته بهيئته وهندامه.

وبإسناد عن عروة قال: «ائتوني فتلقوا مني»، وكان عروة يستأل الناس على حديثه. قال أحمد بن زهير: «يستأل الناس على حديثه»، ليحببهم ويرغبهم في حضور مجلسه، وتكون مجالسُه مجالس ألفة وطيب، حتى الناس تصر وهي تجلس معه ولا تكره المجلس.

قال أحمد بن زهير: كذا قال مصعب بن عبد الله: «أدخل حديث الزهري في حديث عمرو بن دينار سيرة واحدة وما صنع شيئًا». وبإسناد طبعا هذا تعليق على السند؛ لأنه هو حديث قال عروة: «ائتوني فتلقوا مني»، وكان عروة يستأنف الناس على حديثه، هنا دخلوا حديثين مع بعض، هذا حديث وهذا حديث تم إدخاله هكذا، مصعب بن عبد الله دمجهما في حديث واحد، فكأنه يعلق أنه وما صنع شيئًا؛ أن هذا خطأ من صنيع مصعب، هذا حديث وهذا حديث آخر، هذا تعليق على الإسناد فقط.

وبإسناد عن عروة قال: «فتعلموا مني»، فقال سفيان بمكة. وبإسناد عن الزهري قال: «كان عروة يتألف الناس على حديثه». إذاً هذا هو الأصوب؛ أن يروى هذا بسند وهذا بسند آخر، وأعاد الحديثين لكن كل واحد منهما بسند منفصل ليخبر أن هذا هو الأصوب من صنيع مصعب بن عبد الله.

وبإسناد عن عكرمة قال: «مالكم لا تسألون؟»، وبإسناد عن سعيد: «أفلست؟»، يعني خلاص خلصتم أسئلة؟ لماذا لا تسأل عن العلم؟ شوف طالب العلم الذي لا يسأل، أنا مع الوقت أعرف أنه ليس طالب علم؛ يعني إنسان يجلس معك يقرأ كتابًا كاملًا وما عنده أي استشكال، مستحيل أن يكون هذا طالب علم جاد، لأن لا بد في شيء استشكلته، كتاب تقرأه من أوله لآخره معي معلومة تسمعها مني، حضرت معي مئة محاضرة لم تشكل شيئًا واحدًا؟ هذا أنت عالم، يعني لا تستحق أن تكون في مقام الطالب.

فدائمًا إذا وجدت طالبًا لا يسأل، فهذه ليست علامة أنه طالب نجيب، لا، هي علامة أنك أنت أيها المعلم يجب أن تنتبه، أن هذا الطالب عنده حياة أو عنده مشكلة نفسية أو سلوكية؛ لماذا لا يسأل؟ لا بد تضع عليه علامة استفهام. إذا وجدت طالبًا لا يسأل فانت كمعلم ماذا تفعل معه؟ تضع علامة استفهام، تحاول أن تكتشف لماذا؟ هل هو غير مكترث؟ غير منتبه؟ حيِيٌّ زيادة عن اللزوم؟ قد تكون أسباب متعددة لذلك.

وبإسناد عن سعيد بن جبير قال: «أما أحد يسألني؟»، وبإسناد عن عمر قال: «قال لنا عروة ائتوني فتلقوا مني»، وبإسناد عن الزهري قال: «كان عروة يتألف الناس على حديثه»، وبإسناد عن ابن عروة قال: «قال لي أبي: إني والله ما يسألني الناس عن شيء حتى لقد نسيت».

إذاً من فوائد أن تطلب من الناس السؤال، كما قلت، أن تطلب من الطلاب السؤال، هذا فائدته للمعلم وللطالب. الطالب فهمنا، طب المعلم كيف يستفيد من السؤال؟ مذاكرة العلم؛ لذلك انظر هذه العبارة، يقول إن الناس ما عادت تسألني حتى نسيت علمي. فأي معلم مهما كان من الذكاء واستحضار المعلومات، إذا لم يجد طلبة يعطيهم وتتلاقى معهم الأفكار، لابد وأن ينسى.

قال هشام: «وكان أبي يقول لنا: إنا كنا أصاغر قوم ثم نحن اليوم أكابر قوم، وإنكم اليوم أصاغر قوم وستكونون كبارًا، فتعلموا العلم تسود به قومكم ويحتاجون إليكم». وقال هشام: «وكان أبي يدعوني وعبد الله بن عروة وعثمان وإسماعيل وإخوتي، وآخر قد سماه هشام، فيقول: لا، لا تغشوا مع الناس، وإذا خلوتم فأسألوني». فكان يحدثنا، يأخذ في الطلاق، ثم الخلع، ثم الحج، ثم الهدي، ثم كذا، ثم يقول: «كروا علي»، فكان يعجب من حفظي. قال هشام: «كروا علي» يعني يلا أعيدوا ما علمته، كل واحد يسمع ويعرض علي ما حفظه من كلامه. قال هشام: «والله ما تعلمنا منه جزءًا من ألف جزء من أحاديثه»، يعني مع كل هذه المجالس ما حصلنا جزءًا من ألف جزء مما عند عروة.

طبعًا عروة بن الزبير أحد كبار الفقهاء، أحد كبار علماء التابعين رضوان الله تعالى عليه، فعلمه غزير وضخم جدًا. هنا نستفيد قضية لما يقول: «لا تغشوا مع الناس وإذا خلوتم فأسألوني»، يلا ما هي المنهجية أو القضية التعليمية التي نستفيدها من هذا الحديث؟ ونحن إخواني جايين نتدارس، أنا ما يهمني أنهي الكتاب ونحن لم نستخلص ما فيه من الدرر، بدنا نستخلص قواعد منهجية، أنت غدًا تصبح مدرس، هذا الحديث يوجه لقضية تربوية تعليمية؛ حبيبنا يعطي مجالًا لغيره، يعني إعطاء المجال والفسحة للناس.

طيب، ممكن يكون هذا ملحظًا تفضل في مجلس لطلبة العلم، في المجلس العام، المجلس العام يصير طلبة العلم، أحسنت، هذه القضية المهمة جدًا. أحيانًا أنت عندما تصبح معلمًا إن شاء الله ستجد مجموعة من الطلبة المميزين، هؤلاء تتعمق معهم في ذكر الأسانيد والأحاديث والرجال والإشكالات، وذكر الطلاق والخلع كما كان يجلس معهم مسائل الطلاق والخلع والظهار؛ هذه لا يقوى عليها العامة، فذكرها في المجالس العامة فساد عليهم وإشكال منهم على أمور الدين، ويصبح العام يتفلسف، أي شيء يخوض فيه ويصبح يتكلم في الدين كما يشاء. فالعام لا يصلح أن تُطرح أمامهم المسائل العلمية الصعبة والتي تحتاج إلى طلاب علم أكفاء، فهناك مجلس خاص لطلاب العلم المميزين الذين يقوون على...

المسائل الكبرى، وهناك المجالس العامة التي تُطرح فيها المسائل السهلة التي تكون في متناول الجميع. انظر في فقه الصحابة أو التابعين وتعمق في هذه الأمور.

يُروى أن أحد العلماء كان يقول لأبنائه: «لا تغضبوني مع الناس»، لأن أبناءه كانوا مميزين، وهؤلاء كبار طلاب العلم؛ لذا كان يقول لهم: «لا تسألوني أمام الناس، ولا تأتوا تحشرون أنفسكم أمام الناس لتسألوا عن الخلع والطلاق، إذا خلونا مع بعضنا نتعلم مع بعضنا». طبعاً هذه فائدة جميلة حقيقة.

وبإسناد عن عبد الرحمن بن مهدي قال: «كان زائدة يخرج إليهم فيقول: اكتبوا، اكتبوا قبل أن أنسى، اكتبوا قبل أن أنسى ما عندي من العلم». وبإسناد عن سفيان الثوري قال: «والله لو لم يأتوني لأتيت في بيوتهم». أصحاب الحديث -سبحان الله- لماذا يقول سفيان الثوري: «والله لو لم يأتوني إلى مجلسي لذهبت إلى بيوتهم»؟ لماذا؟ حتى لا ينسى.

الأصل أن الطالب هو الذي يأتي للشيخ، لكن الشيخ الحريص على علمه لا يذهب ليصنع طلاب علم من الفراغ، بل يحاول أن يصنع، ولو ذهب إلى بيوتهم. طبعاً هم أساءوا الأدب في أنهم لم يأتوا، لكن هو في النهاية يهمه ألا يضيع علمه، فليس مشكلة أن يتحمل ما عنده من سوء الأدب مقابل أن يحصل العلم أو يحصل مذكرة العلم.

وبإسناد عن الربيع قال للشافعي: «قال لي الشافعي: يا ربيع، لو قدرت أن أطعمك العلم لأطعمتك إياه». حرص جميل هذا الشافعي، الربيع بن سليمان -تعرفونه الذي كتب الرسالة- قال له: «لو استطعت أن أطعمك العلم إطعاماً وأجعلك تهضمه هضماً ما قصرت معك».

انظر إلى حرص المعلم، وهذه من صفات المعلم الناجح؛ هو فاني في تعليم الطلاب، وليس كحال كثير من المدرسين اليوم في الأكاديميات والجامعات الذين يعطون المعلومة، فمن فهمها ومن لم يفهمها فلا مشكلة، ولا يشترط أن تفهم، وإذا جاء متأخراً أو غاب ولا ينهي المادة والمنهج؛ هذا ليس معلماً صادقاً. المعلم الصادق هو الذي يعطي العلم دمه وروحه، ويحرص أن يخرج الطالب بفائدة كاملة.

أخذ الخاقاني فقال: «ألا فاحفظوا وصفي لكم ما اختصرته... ليدر من لم يكن منكم يدري ففي شربه لو كان علمي سقيتكم... ولم أخفِ عنكم ذاك العلم بالدخن ففي شربه لو كان علمي سقيتكم... لو كان علمي في شربه يمكن أن أشربك إياه لسقيتكم»

وهذا من حرص المعلم، وقال: «ولم أخفِ عنكم ذلك العلم بالدخيل، أدخر عنكم ما عندي من العلوم سأبذل لكم».

وقال ربيع بن سليمان: «كان الشافعي يملي علينا في صحن المسجد، فلحقتُه، فلحقتُه الشمس»، يعني الشمس طلعت عليه وأصابت رأسه وجسده، فمر به بعض إخوانه فقال: «يا أبا عبد الله، في الشمس؟» فأنشأ الشافعي: «أهين لهم نفسي لأكرم بهم... ولن تُكرم النفس التي لا تهينها»

جميل، يقول: أنا أهين نفسي وأدرس في الشمس وفي البرد، ما عندي مشكلة، أهين نفسي حتى أكرمها وأرفعها بالعلم، وأن أكون معلماً للناس الخير ما عندي مشكلة.

وقال ابن عباس -رحمه الله-: «ذللتُ طالباً فعززتُ مطلوباً». أي عندما كنت طالباً تذللت لعلماءنا، أصبحت عالماً مطلوباً، يعز قدرك ويصبح الطلاب هم الذين يكرمونك، فهي كما تدين تُدان؛ إذا ذللت طالباً أعزك الله عندما تصبح مطلوباً، أي عالماً يطلبك الناس.

وبإسناد عن سفيان قال: «لو لم يأتوني لأتيت»، فقيل لسفيان إنهم يطلبونه بغير نية، فقال: «إن طلبهم إياه نية». سفيان كان عنده حسن نظر في الطلاب؛ حين قيل له: «يا سفيان، إن هؤلاء الطلاب ما عندهم نية صادقة في طلب الحديث، إنما يطلبون الحديث للتكاثر به ولإظهار النفس»، فقال بحكمته: «لا تستعجلوا على هؤلاء».

ربما الشاب الناشئ في طلب العلم لا يحسن وضع نية عالية، قد تدخل نيته شيء من الدخن، قد يريد شهادة، فهو يقول: مجرد أنهم يطلبون الحديث، هذا الطلب في حد ذاته نية. هذا الكلام من سفيان يصلح لمرحلة معينة، للناشئة الذين لا يستطيعون التوازن في نياتهم، ولا يستطيعون إحكام هذا الجانب، فيدخل عليهم شيء من طلب الدنيا.

كثير من العلماء كانوا يقولون: «طلبنا الحديث لغير الله»، أو «فأبى إلا أن يكون العلم لله». وهذه من الحكمة؛ أحياناً المعلم قد ينظر في بعض طلابه فيجد فيه رغبة في الصيت، أو أن هذا الطالب واضح أنه يريد شيئاً من الدنيا، فهل يستعجل عليه المعلم ويقول له: «اذهب لا تحضر مجالسي فأنت منافق»؟ لا، بل حبة حبة. لا تتوقع في الطالب الناشئ ذاك القدر من الكمال في تصويب النية، توقع فيه الضعف، كما أنه في يوم من الأيام قد يكون دخل في قلبك شيء ولم يردك أحد، أو لم يظهر ذلك عليك لكن ربنا سترك.

وبالتالي المعلم الناجح لا يستعجل على الطلاب في تحصيل الكمالات الإيمانية، وإنما يعلمهم رويداً رويداً، وإذا وجد من الطالب شيئاً من حب الدنيا أو طلب الشهرة أو الثناء يوجهه وينصحه، لكن لا ترده ولا تستعجل باتهامه لأنك تنفره، بل جدد له النية رويداً رويداً وانتبه عليه.

نعم، هذا نفس المعنى، كثير من العلماء يقولون: «إننا طلبنا العلم...»، وبعضهم قال: «ليس لنا فيه كبير نية». حتى علماء كبار جداً؛ الإمام أحمد بن حنبل -تخيلوا أحمد بن حنبل- سُئل: «يا إمام، هل طلبت العلم لله؟» أو «عندما شرعت في الطلب هل شرعت فيه لله؟»، قال: «إني أقول لك: لله، لله»، يعني يصعب عليه أن يجزم، لكنه حبب إليه. خشية أحمد أن يزعم أنه فعلاً كان من أول طلبه يريده لله، قال: «إني أقول لك من بداية أمري إنه لله نقياً صافياً، يعني أخشى أن أكون زكيت نفسي»، فحبب إليه أن يكون إنساناً حُببت إليه الثقافة والحديث والقراءة فاشتغل بها، ثم النية تحصلت رويداً رويداً، وهذا من الفقه في التؤدة وعدم الاستعجال على الطلبة.

قال باب منازل العلم: وبإسناده عن ابن المبارك قال: «أول العلم النية، ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العلم، ثم النشر».

هذا الباب يوضع تحت عنوان ماذا؟ منهجية التعلم، منهجية تلقي العلم لطالب العلم. الآن كيف أتعلم؟ كيف هي؟ لذلك ماذا سمى منازل التعلم عندك؟ نعم، منازل والعلم منازل. العلم منازل، لأنه عندي في نسخة أخرى منازل العلماء، لكن هي منازل العلم أفضل. منازل العلم يعني كيف هي المراتب والخطوات في تلقي العلم عن المشايخ؟

فهنا ماذا يقول ابن المبارك؟ شوف، إنسان فاهم وواعٍ يقول: أول خطوة ماذا؟ صوب نيتك. أول العلم ماذا قال؟ النية. اشتغل على تصويب نيتك حتى تخلصها من الشوائب. بعدين ستُحضر مجالس العلماء، فأول العلم ليس قراءة، ليس أول العلم أن تذهب وحدك مع الكتب تقرأها وحدك، هذا خطأ في تلقي العلم. أول العلم ليس كتابة، أول العلم استماع؛ يعني تحضر المجالس بين يدي العلماء. هذه أول مراحل التعلم.

بعض الطلاب يظن أنه يمكن أن يحصل العلم وحده من خلال القراءة، يقول لك: يا شيخ الكتاب سهل، ماشي سهل، لكن أنت تقرأه ثم تأتي إلى المعلم فيختصر عليك المسافات؛ العالم الخبير الذي عاش مع الكتاب وعرف مقاصده وأحكمه ودرسه، بالتأكيد أولاً يختصر عليك المسافات ويعطيك مئات المعلومات التي لم تظفر بها.

فإذا قال ابن المبارك أول خطوة بعد النية ماذا؟ الاستماع، ثم بعد الاستماع الفهم. إذاً بعد أن تسمع أي جملة من المدرس، لا ينفع أن تكون سرحانًا. بعض الطلاب ألاحظ أنه يريد فقط أن يكتب ماذا حكى المعلم وهو ليس فاهماً. خلص حكى الشيخ، اكتب. طيب، ماذا حكى الشيخ؟ استن، هل أنت فاهم ما الذي حكيته؟ هل استوعبت؟ هل أدركت معنى هذه العبارة؟ لا، هو مستعجل، خلص أنا كتبت. لا، ما ينفع؛ بعد أن تستمع وقبل أن تكتب هناك مرحلة وسطية وهي الفهم.

ماذا قال الشيخ؟ إذا أشكل عليك -إذا كان مسموحاً بالسؤال أثناء المجلس- اسأل، وإذا لم يكن مسموحاً وأنا لم أفهم، أضع السؤال على ورقة لأسأل بعد المحاضرة. ما في شيء، لا بد تسلك هذه الطريقة. إياك أن تخادع نفسك وتكتب شيئاً أنت لا تفهمه، إياك أن تكتب كلمة أو جملة تلقيتها من فهم المشايخ وأنت لم تفهمها، ثم تضعها في مكان المعلومة وأنت فعلياً غير مستوعب لها. فلا بد من الفهم أثناء الدرس، وحتى بعد الدرس لا بد أن تذاكر وتراجع وتتأكد من فهمك للكلام.

ثم بعد ذلك ماذا قال؟ قال: ثم الحفظ. بعد أن تتأكد من فهمك للمتن أو للنص أو لكلام الشيخ، تنتقل لمرحلة الحفظ. شوف، هذا كلام لا مجال أن تقفز عنه، لا مجال أن تعمل طريقة أخرى للتعلم؛ هكذا طلب السلف العلم، جلسوا، سمعوا، فهموا، حفظوا. الحفظ مرحلة لا يمكن القفز عنها، وإياك أن يزهدك فيها بطال أو ضعيف الهمة، حتى لو كان دكتوراً جامعياً أو إنساناً ضعيف الهمة، لا تسمع له؛ عليك أن تحفظ، فالحفظ هو أساس بناء المعرفة العلمية.

ثم بعد الحفظ ماذا قال؟ قال: العمل. هذه المرحلة التي نحن كلنا نقفز عنها؛ خلص الحفظ وبعدين التدريس مباشرة، هذا عمل له أربابه. لا، أنت أححر الناس أن تعمل يا طالب العلم حتى لا يكون العلم حجة عليك. ثم قال: ثم النشر، أن تعلمه للناس بعد ذلك. نعم، شيخنا مكتوب: ثم العلم، ثم النشر، ثم العمل، ثم النشر.

بعد ما فهمت ثم الحفظ، هل هي: الحفظ ثم العلم ثم النشر ثم العمل؟ لا، هذه بعيدة. كيف الحفظ ثم العلم ثم الحفظ ثم العمل؟ أنت تحفظ، خلص، الآن انتهت العملية التعليمية، تعمل بعلمك ثم تنشره. أيش عندك أسامة؟ الأثر الأول: ثم العلم، الأثر الذي بعده: ثم العمل، ثم النشر. لا، هي: ثم العمل، حتى في الأثر الأول، هذا خطأ في النسخة؛ ثم العمل ثم النشر، ما أنت تعلمت، كيف ثم العلم؟ لا تصلح هذه.

الحديث الذي بعده مثله، طبعاً لاحظ أنه محمد بن النضر الحارثي، وهذا يفيدك أنه المنهجية في التعلم ليست منهجية ابن المبارك فقط، هي منهجية كل العلماء؛ لذلك الكل متفق على نقل قواعد التعلم. ابن المبارك، ثم محمد بن النضر يقول: أول العلم الاستماع ثم الحفظ. طبعاً بعضهم قد يختصر خطوتين في خطوة، فلما يقول لك الاستماع يقصد الاستماع المبني على الفهم، فادخل الفهم تحت الاستماع. البعض يفصل: استماع ثم فهم، فهذا إما اختصار وإما إطالة.

قال سفيان: «كان يقال أول العلم الاستماع، ثم الآن هو الفهم»، يعني استمع ثم أنصت، أي ركز. ماذا قصد؟ فإنص هو نفس معنى كلام ابن المبارك، الفهم. حتى نجمع بين كلام الجميع، نفس الشيء؛ قال سفيان: «استماع ثم أنصت»، والإنصات هو الفهم.

كلام فضيل بن عياض: «إنصات ثم استماع»، يعني هنا الفضيل هو الذي خالف الخطة العلمية. في النص الأخير سمعت الفضيل بن عياض يقول: «أول العلم الإنصات ثم الاستماع ثم الحفظ»، لاحظ أن هذا خلاف الروايات السابقة كاملة؛ كل الروايات السابقة تقول: استماع ثم إنصات، إلا في رواية الفضيل بن عياض: إنصات ثم استماع. هذا إما يكون قصد به شيئاً لم يظهر لنا، لماذا هو الوحيد الذي قدم الإنصات على الاستماع؟ هل قصد بالإنصات شيئاً غير الفهم؟

ممكن، إذا قلنا الإنصات هو الفهم، هل تحصل على علم يكون عندك قابلية على الفهم؟ إنسان لو كان بليغاً، ممكن قصد بالإنصات القابلية للفهم. كلامك صح، أهمية القابلية، بس كلمة الإنصات دلالتها على هذا المعنى في هذا السياق بعيدة قليلاً، وممكن يكون هناك قلب في الرواية، وهذا ما أميل إليه؛ بما أنكم ملاحظين أن النسخ تختلف، فلا يستبعد أن يكون حدث قلب في الحديث، أن يكون قال: «الاستماع ثم الإنصات» كما قال غيره. هذه إحدى الاحتمالات، إن يكون هناك قلب في نقل الكلام عن الفضيل. وإذا لم يكن هناك قلب وكان هكذا فعلاً، فنحتاج أن نتبسط في ماذا قصد بالإنصات هنا حتى قدمه على الاستماع كمرتبة، لا يظهر لي شيء والمجال مفتوح للبحث العلمي.

اقرأ: «باب طرح العالم المسألة على المتعلم»، بإسناد عن معاذ بن جبل قال: «كنت رَدْفَ النبي ﷺ فقال: هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس؟». هذا نضعه تحت عنوان ماذا أيضاً؟ أساليب التعليم. نرجع لأساليب التعليم، لذلك قلت إن الفضيل بن عياض يطرح أفكاراً كثيرة لكنها ليست...

مرتبة، يعني يقدح في ذهنه فكرة يكتبها ويعنون لها ويضع أحاديث تحتها، ثم ينقدح فكرة أخرى علمية، وفكرة أخرى منهجية. أنت يا طالب العلم عليك أن ترتب كتاب ابن عبد البر، فهنا نرجع ونقول: هذه الفكرة أو هذا العنوان يندرج تحت أساليب التعلم.

قبل قليل كان من أساليب التعلم أن يطلب المعلم من الطلبة أن يسألوه، الآن العكس من أساليب التعليم الناجحة والجيدة أن المعلم يطرح سؤالًا على الطلبة ويتلقى منهم الإجابات والأفكار؛ حتى يعودهم على التفكير، أنه ليس أنت جالسًا أمامي فقط تأخذ وتتلقى، لا، فكر، حاول أن تعمل هذا.

قال: «قلت: الله ورسوله أعلم». هنا النبي ﷺ ماذا قال؟ هل تدريها؟ شوف كيف طرح استشكالًا على سيدنا معاذ؛ ماذا قال له؟ «هل تدري ما حق الله على الناس؟» طرح استشكالًا عليه حتى يبدأ معاذ يفكر. شوف المعلم الناجح كيف يثير عقل الطلاب.

«قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. تدري يا معاذ ما حق الناس على الله إن فعلوا ذلك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الناس على الله عز وجل ألا يعذبهم. قال: قلت: يا رسول الله، أبشر الناس؟ قال: دعهم يعملون». دعهم يعملون؛ إنه هي نفس الرواية السابقة حتى لا يتكلوا، لا تحكِ لهم، مش هذا الحديث خلاهم يشتغلوا في أعمالهم.

وبإسناد عن القعنبي، قال: قرأت على مالك بن أنس، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها». وأظنكم تعرفون هذا الحديث، وهو مشهور أنه النبي ﷺ لما كان جالسًا مع الصحابة، طرح عليهم هذا اللغز: ما هي الشجرة التي تشبه المؤمن؟ وكان عبد الله بن عمر هو الذي يملك الإجابة، أنها النخلة. وكيف استحى، فذا يؤكد على الفكرة التعليمية، فكرة طرح السؤال وخلي الطلاب يشغلوا أذهانهم.

الحديث الذي يليه، بإسناد عن النعمان بن مرة، أن رسول الله ﷺ قال: «ما ترون في الشارب والسارق والزاني؟» وذلك قبل أن ينزل فيهم. قالوا: «الله ورسوله أعلم»، قال: «هن فواحش وفيهن عقوبة». وأسوة بالسرقة؛ الذي يسرق صلاته.

طبعًا وذلك قبل أن ينزل فيهم، أي قبل أن ينزل الله الآيات في بيان عقوبة كل مجرم منهم؛ ما عقوبة الشارب، وما عقوبة السارق، وما عقوبة الزاني؟ فقال: «هن فواحش وفيهن عقوبة»، ثم قال: «وأسوة بالسرقة الذي يسرق صلاته». أي معنى يسرق صلاته؟ لا يتم ركوعها، كما سيأتي. قالوا: «يا رسول الله، كيف يسرق صلاته؟» قال: «لا يتم ركوعها ولا سجودها».

شوف أيضًا الصحابة، انظر وقوفهم عند حدود الله سبحانه وتعالى. النبي ﷺ طرح سؤالًا: «ما رأيكم ماذا نفعل في السارق والزاني؟» وهذا قبل أن ينزل الله العقوبات الشرعية، فهو يسألهم: «ماذا ترون؟». فالصحابة في ورع وتقوى الله؛ نحن لو كان هذا السؤال طُرح في أيامنا لكانت ما شاء الله التعليقات والبروشورات والاقتراحات والأفكار وكل شيء والناس تتكلم، لكن قالوا: «الله ورسوله أعلم»، يعني وجدوا أن الكلام ثقيل، أن هذا شرع، هذا دين. النبي ﷺ يريده إيانا أن نجتهد، لكن تخوفوا من الكلام في دين الله سبحانه وتعالى، وهذا الورع الموجود عند الصحابة مهم جدًا في حياة طالب العلم.

الحديث، وبإسناد عن سعيد بن المسيب، قال: «ما ترون في رجل يقع بامرأته وهو محرم؟» فلم يقل له القوم شيئًا، فقال سعيد: «إن رجلًا وقع بامرأته وهو محرم...» وذكر الحديث. إذاً سعيد بن المسيب سلك هذه المنهجية؛ أنه كان عنده طلاب فسألهم: الذي يجامع زوجته وهو محرم -وأنتم تعرفون أن الإنسان أثناء الإحرام لا يجوز له الجماع، أليس كذلك؟ فماذا عليه من الكفارة؟- فهو يسأل طلابه: ماذا تقولون؟ ماذا عليه من الكفارة؟ الجواب عنده، لكن هو يريد أن يختبرهم لينظر ما مدى علمهم، ثم أخبرهم بذلك الحديث.

وبإسناد عن سعيد بن المسيب أنه قال: «ما صلاة يجلس في كل ركعة منها؟» ثم قال سعيد: هي حزورة، لغز، يلا يحكي لطلابه: أعطوني صلاة هناك جلوس في كل ركعة منها، جلوس تشهد. يعني الآن الطلاب يبدأ كل واحد يفكر: ما هي الصلاة التي يجلس في كل ركعة منها؟ ثم قال سعيد: «هي المغرب إذا فاتتك منها ركعة». جميل، قال: ما هي صلاة المغرب إذا فاتتك الركعة الأولى؟ فأنت ماذا ستفعل؟ ستجلس مع الإمام في الثانية، وستجلس مع الإمام في الثالثة، والأولى التي ستقضيها ستجلس فيها أيضًا.

شوف هذا يعني أحد شيء من المتعة أحيانًا. قال: «وكذلك سنة الظهر كلها». قال أبو عمر: يعني إذا فاتتك منها ركعة، سنة الصلاة كذلك سنة الصلاة كلها. قال أبو عمر: يعني إذا فاتتك منها ركعة، أن تجلس مع إمامك في ثانيته وهي لك أولى، وهذه سنة الصلاة كلها. يعني إذا فاتتك من الظهر ركعة، أو من العصر ركعة، أو من العشاء ركعة، أو من الفجر ركعة، كل الصلوات المفروضة أنت ستجلس مع الإمام في الركعة الثانية (التشهد الأوسط)، وعندما تقضي هذه الركعة التي فاتتك ستجلس فيها أيضًا، لأن التشهد الأخير سيكون بالنسبة لك.

وبإسناد عن سعيد بن المسيب قال: «ما ترون في من غلبه الدم من رعاف فلم ينقطع عنه؟» قال يحيى بن سعيد، ثم قال: الرعاف هو الدم الذي ينزل من الأنف. ثم قال سعيد بن المسيب: «أرى أن يومئ برأسه إيماءة». طب هل هذه طريقة طبية صحيحة؟ ماذا يقصد؟ أرى أن يقول لك إنسان نزل من أنفه دم ولم ينقطع، ماذا يفعل؟ قال: يومئ برأسه. لكن هنا الإيماء، هل هو إيماء للأمام أم إيماء للخلف؟ طبيا ما هو الصحيح؟ الإيماء للخلف صحيح، أقول لك هكذا ترفع، أما إذا نزلت هكذا، فلن ينقطع الدم، بل سيبقى الدم ينزل.

خلينا نتفق على هذا الإيماء، هي حركة الرأس، لكن الذي يظهر طبياً ستكون حركة للأعلى وليس للأسفل؛ إذا كانت حركة للأسفل أنت تزيد من تدفق الدم، لكن إذا رفعت للأعلى كأنه يمسك أنفه فإنه ينقطع، هذا كأنه بحث طبي وليس بحثاً شرعياً.

قال: باب فتوى الصغير بين يدي الكبير بإذنه. يا رب، بإسناد عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: قلت لمعاذ بن جبل: أраيت قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]؟ فقال: شهدت رسول الله ﷺ ودعا أبا بكر وعمر حين أراد أن يبعثني إلى اليمن، فقال: «أشيرا علي فيما أخذ من اليمن»، فقال: يا رسول الله، أليس قد نهى الله أن يتقدم بين يدي الله ورسوله؟ فكيف نقول أنت حاضر؟ فقال رسول الله ﷺ: «إذا أمرتك أمراً فلا تتقدم بين يدي الله ورسوله».

يعني إذا أنا طلبت منكم تتكلموا، إذاً هذا ليس تقدماً بين يدي الله ورسوله، وإنما التقدم المنهي عنه هو أن تتكلم بين يدي النبي ﷺ بدون أن يأذن لك ولا يطلب منك ذلك.

قال عبد الرحمن بن غنم: فقلت لمعاذ بن جبل: هل للعالم أن يقول ومعه عُدَّاد من الناس في الأمر لا بد منه؟ قال: «إن شاء»، قال: وإن شاء أمسك حتى يكفيه أصحابه؟ فذلك أحب إليّ. يعني إذا كنت أنا جالساً أو أي شخص متصدر، وكان معك أناس من طلابك ممن بلغوا في العلم مبلغاً جيداً وسُئلوا، طرحت مسألة أمام الشيخ، الآن قد يكون هناك عالم يجلس ومعه طلاب أكفاء، ودخل عامي فسأل مسألة، هل يلزم المعلم هو يجيب أم يمكن أن يفسح المجال لطلابه الأكفاء أن يجيبوا عنه؟

الآن يقول لك: إن شاء المعلم أمسك وترك المجال لطلابه إذا وجد المسألة سهلة أن هم يجيبوا، وإن شاء هو بادر وقال للطلاب: خلص أنا أجيبه. فالمسألة قد يكون معه طلاب أكفاء قطعوا شوطاً في العلم والفقه، فيدخل شخص عامي من الباب فيسأل مسألة في الصلاة أو في الطهارة، فالمعلم هنا يمكن أن يمسك هو لا يتكلم ويدع أحد الطلاب هو الذي يجيب، إذاً يجوز أن يفتي الطالب بين يدي الشيخ بشرط أن يكون الشيخ هو الذي فتح المجال، وهذا من حال الشيخ ومن سياقاته، وممكن أن الشيخ لا يمنع الطلاب من باب تربيتهم على عدم العجلة، يمنعهم من الفتوى ويقول: خلاص اترك الفتوى عندي وأنا أفتي، فإذاً هي الخلاصة: يجوز للمعلم أن يترك مساحة لطلابه حتى يفتوا بين يديه إذا وجد مصلحة في ذلك.

التالي مسألة: بإسناد عن سالم بن عبد الله أنه قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: «ألا تخالف عبد الله بن عمر في أمر الحج؟». هذا معنى قول معاذ: فللرجل العالم أن يقول ومعه عُدَّاد من الناس في الأمر لا بد منه، فقال: «إن شاء»، يعني قد يُسأل عن مسألة لا بد أن يجيب عنها العالم، فقال: «إن شاء»، يعني إن شاء هو تكلم وأفتى مباشرة، وإن شاء العالم أمسك حتى يكفيه أصحابه، يعني طلابه وتلاميذه أو إخوانه، ممكن حتى لا يكون عندك تلاميذ، ممكن يكون قرين العالم، ما هو عالم آخر أو قرينه، وهذا أيضاً من ورع السلف أنهم كانوا يدافعون الفتوى، فإذا قريني من العلماء أو من هو متقدم أفتى، جزاه الله خيراً، شال عني عبء الفتوى.

بإسناده عن سالم بن عبد الله أنه قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج -والحجاج كان أميراً على العراق يعمل عند عبد الملك بن مروان- كتب إليه: يا حجاج، أنا سأرسلك حتى تكون أمير الحج، بس أشترط عليك إياك أن تخالف فتوى عبد الله بن عمر؛ لأن عبد الله بن عمر كان عايشاً في تلك الفترة، فقال له: إياك أن تخالف فتواه، امشي كما يقول لك هذا الصحابي الجليل.

فلما كان يوم عرفة، جاءه عبد الله بن عمر حين زالت الشمس وأنا معه، فصاح عند سرادقه، يعني عند خيمته، صرخ عبد الله بن عمر عند خيمة الحجاج، قال: أين هذا؟ فخرج إليه الحجاج وعليه ملحفته المعصفر، فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: الرواح، إن كنت تريد أن تصيب السنة. اليوم يجب أن ندخل إلى عرفة، ومنا يجيء؟ حين زالت الشمس، تعرفون الآن قبل الزوال يكون الناس في بطن عرنة يخطب هناك، ثم بعد زوال الشمس يسن الدخول إلى عرفة، هكذا حج النبي ﷺ، الأصل أن خطبة عرفة تكون في بطن عرنة، الذي هو مسجد نمرة حالياً، هناك يخطب ثم بعد زوال الشمس يدخل الناس إلى عرفة، فهذا عبد الله بن عمر قال للحجاج: يلا الآن سندخل عرفة، هذه سنة النبي ﷺ، إذا أنت تبحث عن السنة يا حجاج فهذه هي السنة.

فقال: هذه الساعة؟ قال: نعم. قال: انظرني أفيض عليّ ماء ثم أخرج إليك، يريد أن يستحم الحجاج، فنزع عبد الله حتى خرج إليه الحجاج، فسار بيني وبين أبي، فقلت له: إن كنت تريد أن تصيب السنة فاقصر الخطبة وعجل الوقوف.

وهنا موطن الشاهد من الحديث؛ نحن نتكلم أن الصغير الطالب يجوز أن يفتي مع وجود المعلم، هنا ابن عبد الله بن عمر ابنه أمسك الحجاج من زناده وقال له: تعال، بدك تصيب السنة؟ قصر الخطبة على الناس وعجل الصلاة. فهنا ابن عبد الله أفتى مع وجود أبيه، ابنه أفتى مع وجود الأب وهو أعلم منه.

قال: فجعل ينظر إلى عبد الله بن عمر كيما يسمع ذلك منه، فالحجاج صار ينظر إلى عبد الله بن عمر يريد أن عبد الله يؤكد فتوى ابنه، هل هذه الفتوى صحيحة؟ فلما رأى ذلك عبد الله قال: صدق. نعم، عبد الله قال له صدق الولد، يعني أفتى فتوى صحيحة، وهذا هو موطن الشاهد.

الصغير وطالب العلم يمكن أن يفتي بين يدي العالم بشرط أن يجد من نفسه المكنة، وبالتالي عبد الله بن عمر لم يسمح لابنه أن يفتي إلا وهو يدرك أنه من الطلبة أو من أهل العلم ممن يستحقون هذه المقامات.

وبإسناد عن حجاج بن عمر ابن غزيه أنه كان جالسا عند زيد بن ثابت، فجاءه ابن فهد رجل من اليمن فقال: يا أبا سعيد، إن عندي جواري ليس نساء، أكنّ بأحب إليّ منهن وليس كلهن يعجبني، أن أحمل مني أفا أعزل؟ وهو يقول: أنا عندي إماء، والجوائر معنى الإماء. قال: وليس نسائي -وكلمة نساء يعني زوجاتي- وقال: أنا عندي إماء وعندي زوجات، والله إن نسائي وزوجاتي لسن بأحب إليّ من إيمائي، فهو أيضاً متعلق بالإماء يحب أن يقيم معهن المعاشرة كما يقام مع زوجاته، يقول: نسائي اللواتي أكنّ زوجاتي لسنا بأحب إليّ، فأنا أحب الجواري كما أحب النساء زوجاتي، لكن ما هي المشكلة أنني لا أريد للإماء أن يحملوا، أنا ما بدي أجي منهم بولد، فهل يجوز أن أعزل؟ تعرفون العزل طبعاً.

أكمل: فقال زيد: افته يا حجاج. قال: قلت غفر الله لك، إنما نجلس إليك لنتعلم منك، فقال: افته. قال: قلت هو حر. فهنا لاحظ هذا موطن الشد، أن زيد بن ثابت وهو العالم قال لأحد تلاميذه وهو حجاج بن عمر: «افته»، العالم جعل تلميذه يفتي، قال: «هو حر»، كأن شئت سقيته وإن شئت عطشت، وكنت أسمع ذلك من زيد بن ثابت، فقال زيد: «صدق»، نعم، فالحجاج بين يدي شيخه، وماذا قال؟ قال: «هو حرث إن شئت سقيته وإن شئت عطشت»، يعني لم تعزل وإن شئت عزلت.

قال: باب جامع لنشر العلم. بإسناده عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال لعلي رضي الله عنه: «لن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم». هذا العنوان «باب جامع لنشر العلم» هو تضع تحت أي باب، تحت أي فكرة، فضائل العلم وفضائل تعليم العلم، يعني هذه أصلاً فكرة جاهزة، فضائل تعليم الناس العلم، هذا موضوع كبير ومهم، ما أهمية أن أعلم الناس الخير، هذا موضوع هذا الباب.

أكمل، ومن حديث أبي رافع قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: يا علي، نفس الحديث السابق. الذي يليه بإسناد عن ابن حجيرة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مثل الذي يتعلم العلم ولا يتحدث به كمثل الذي يكنز الذهب ولا ينفق منه»، الذي يتعلم العلم ولا يعلمه للناس هو كالذي يكنز الذهب، يكنز ويدخر ويجمع ويحوش ذهباً لكنه لا ينفق منه.

وبإسناد عن ابن عباس قال: «مثل علم لا يظهره صاحبه كمثل كنز لا ينفق منه صاحبه». قال أبو مزاحم موسى بن عبيد الله الخاقاني: «العلم من أتاك لعلم واغتنم ما حييت منه الدعاء، وليكن عندك الفقير إذا ما طلب العلم والغني سواء»، يعني لا تفضل بين الغني والفقير في مجلس العلم.

وبإسناد عن أبي هريرة رضي الله عنه الحديث السابق، الذي يليه بإسناد عن ابن عمر رضي الله عنهما الحديث الذي بعده، فكرة قريبة: «علم لا يقال به ككنز لا ينفق منه». وبإسناد عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: «علم لا يقال به».

وقال علي رضي الله عنه: «لم يؤخذ على الجاهل عهد بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهد ببذل العلم للجهال»، لأن العلم كان قبل الجهل، هذه العبارة يقول: إذا كان الله أخذ العهد على الجهال أن يتعلموا، فهو قبل ذلك أخذ العهد من العلماء أن يعلموا، لأنه الجاهل كيف سيتعلم إذا لم يكن هناك عالم يعلمه؟ فأي العهدين سابق؟ العهد الذي أخذ على العلماء لأن الجاهل لو أخذ الله عليه عهداً أن يتعلم من أين سيتعلم؟ يحتاج إلى العلم، لأن العلم هو الذي سيرفع الجهل.

وبإسناد عن ابن القاسم قال: كنا إذا ودعنا مالكاً يقول لنا: «اتقوا الله وانشروا هذا العلم وعلموه ولا تكتمونه». وبإسناد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «من الصدقة أن يتعلم الرجل العلم فيعمل به ثم يعلمه»، يعني هذا يحسب من الصدقة، في إنسان عنده صدقة من المال وفي إنسان عنده صدقة من العلم، تقول لي أنا فقير ما عندي أتصدق بالمال، أنت تتصدق بالنصيحة بتعليم الناس الخير.

وبإسناد عن ابن شهاب يقول: سمعت عبد الملك بن مروان خطبنا يوم الفطر فقال: «إن العلم يقبض قبضاً سريعاً، فمن كان عنده علم فلينشر غير جافٍ عنه ولا غالٍ فيه»، يعني لا تجفُ عن العلم فتتركه، ولا تغلُ فيه فتتنوع.

وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كان مالك بن أنس يقول: «بلغني أن العلماء يسألون يوم القيامة كما يسأل الأنبياء»، يعني عن تبليغه، سبحان الله، مش هذه مشكلة العالم، سيسأل يوم القيامة هل بلغت العلم كما أراده الله؟ كما أن العلماء يجمعهم الله فيسأله: ماذا أجبتم؟ هل بلغتم؟

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «أخبركم عن أجود الأجواد؟» قالوا: نعم يا رسول الله، قال: «الله أجود الأجواد، وأنا أجود ولد آدم، وأجوده من بعد رجل علم علماً فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمته وحده، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله حتى قتل»، الحديث هذا ضعيف جداً.

وبإسناد عن سليم بن عامر قال: كان أبو أمامة يحدثنا فيكثر ثم يقول: «عقلتم؟» فنقول: نعم، فيقول: «عقلتم؟» يعني فهمتم، فيقول: «بلغوا عنا فقد بلغنا»، يرى أن حقاً عليه أن يحدث بكل ما سمع، قال المعافى أو نحو هذا، يعني أبو أمامة كان يرى أنه واجب عليه أمام الله أن يروي كل الأحاديث التي عنده حتى ينشر العلم الذي عنده.

ومن حديث معاذ الجهاني عن النبي ﷺ قال: «من علم علماً فله أجر ذلك ما عمل به عامل، ولا ينقص من أجر العامل شيء»، أي علم تعلمه فيعمل الناس به، أنت تحصل أجور عملهم إلى يوم القيامة لأنك كنت سبباً.

وبإسناد عن جعفر بن برقان قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز: «أما بعد، فمر أهل الفقه والعلم من عندك، فلينشر ما علمهم الله عز وجل في مجالسهم ومساجدهم». والسلام.

ويقال: ما صين العلم بمثل العمل به وبذله لأهله؛ يعني صيانة العلم بأمرين: أولا العمل به، ثانيًا بذله لأهله وتعليمه لهم. وقالوا: «النار لا ينقصها ما أخذ منها، ولكن ينقصها إذا لم تجد حطبًا». وكذلك العلم لا ينقصه الاقتباس منه، ولكن فقد الحاملين له سبب عدمه.

سبحان الله، الآن لو كانت النار مشتعلة وأنت أتيت تقتبس منها، تحط مثلاً خشبة تأخذ منها جذوة، وهذا يضع خشبة ويأخذ منها شعلة، تبقى النار على حالها لا تنقص. لكن كيف تنقص النار؟ إذا لم يوجد الحطب ابتداءً الذي يشعلها. كذلك العلم؛ لو أن إنسانًا أخذ مني علمًا، وأخذ منك علمًا، وأخذ مني علمًا، هذا لا ينقص ما عندي، لكن متى ينقص العلم؟ إذا لم يوجد من يحمله ابتداءً حتى يقتبس الناس منه. إذا لم يوجد عالم في البلد أو معلم في البلد سيذهب العلم، لكن إذا وجد عالم في البلد واقتبس الناس منه واستفادوا منه، هل سينقص علمه؟ لا، لن ينقص علمه وأشعل العلم عند الآخرين.

وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «من علم وعمل دعي في ملكوت السماوات عظيمًا». والحديث من علم وعمل وعلم ثلاث أشياء؛ من علم يعني تعلم وعمل بعلمه وعلم الناس، وهي التي يركز عليها السلف دائمًا: أن تتعلم أنت، ثم تعمل بعلمك، ثم تعلم الناس. وقد روي هذا من كلام المسيح عليه السلام وأخذه بكر بن حماد فقال: «وإذا امرؤ عملت يداه بعلمه، نودي عظيمًا في السماء».

وبإسناد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تصدق رجل بصدقة أفضل من علم ينشره»، وهذا حديث ضعيف. عن ابن شهاب قال: «ما صبر أحد على العلم صبري، ولا نشره أحد النشر». وطبعًا هذا ليس رياءً منه، وإنما هو يخبر من باب الثقة، مثلما قال يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾، فهو لما يخبر عن نفسه لا يقصد الرياء وأن يثنى عليه، ولكنه يعلم الناس أهمية الصبر والنشر، فيقول: صبرت عليه كثيرًا ونشرته كثيرًا.

وبإسناد عن ابن عباس قال: «معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر». وقال ابن مسعود رضي الله عنه في قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ﴾ [النحل: 120]، قال: «الأمة المعلم للخير»، والقانت هذا من أحد التفاسير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾، ما معنى أنه كان أمة؟ كان معلمًا للناس الخير، وهذا يجعل الإنسان يحاول أن يحاكي هذه الصفات، أي يكون مطيعًا لله.

قال أبو عمر: وقد ذكرنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نظر الله إلى امرئ سمع مقالتي أو سمع مني حديثًا فوعاها ثم بلغه غيره ثم بلغه»، وهذا أيضًا من الأحاديث التي تحث على نشر العلم. وذكرنا من فضل نشر العلم وكراهية كتمانه في كتابنا هذا في غير موضع، من قضية الخشية من كتمان العلم والحرص على نشره.

يقول لك نصوصًا كثيرة أيضًا؛ سفيان بن عيينة ماذا قال في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ﴾ [مريم: 31]؟ قال: «معلمًا للخير». شوف هذا التفسير: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ﴾ أي جعلني معلمًا للخير. هذا معنى البركة، لذلك البركة تحل حيث حل العلماء، هكذا كانوا يقولون؛ البركة تحل حيث حل العلماء، لأن الله قال: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ﴾، وهذا الكلام على لسان المسيح عيسى بن مريم. فما معنى البركة؟ أي معلمًا للناس الخير، فهذا يدل على أن المعلم الذي يعلم الخير وينشره تحل معه البركات.

وكذلك قال سفيان في سند آخر: «واعلم يا أخي أن إخفاء العلم هلكة، وإخفاء العمل نجاة». وسئل سهل بن عبد الله التستري: متى يجوز للعالم أن يعلم الناس؟ فقال: «إذا عرف المحكمات من المتشابهات». هذا ضابط جيد؛ متى تؤهل نفسك لأن تفتي وتتكلم في أمور الدين؟ إذا عرفت النصوص المحكمة من النصوص المتشابهة واستطعت أن ترد المتشابه إلى المحكم. لأن بعض الطلاب لا تزال الأمور عندهم غير واضحة، النصوص متداخلة ولا يعرف كيف الجمع بينها.

والله عز وجل عندما تكلم عن الراسخين في العلم قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]. فذكر العلماء في تفسير هذه الآية أن الراسخين في العلم هم الذين يستطيعون أن يعرفوا المحكمات والمتشابهات ويفسروا المتشابهات في ضوء المحكمات، فبالتالي هذا متمكن راسخ. أما الطالب الذي إذا وردت عليه شبهة في آية أو حديث طاش عقله وضاع علمه وما عرف كيف يجمع، فمعناه لم يستوِ على ساقه بعد، يحتاج إلى مدة من التعلم أكثر وأكثر.

أخيرًا قبل أن نذهب إلى الصلاة، وبإسناد عن محمد بن إسماعيل الصائغ يقول: «رأيت يزيد بن هارون في النوم فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: بأي شيء؟ قال: بهذا الحديث الذي نشرته في الناس»، يعني بتعليم الناس الخير أدخله الله الجنة.

نكمل إن شاء الله المجلس الثاني بعد الصلاة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، نفتتح المجلس الثاني بحمد الله سبحانه وتعالى ونطلب منه العون والسداد والتوفيق.

اقرأ أخي الكريم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، قال رحمه الله تعالى: «باب جامع في آداب العالم والمتعلم». وبإسناد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعلموا العلم، وتعلموا له السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تتعلمون منه ولمن تعلمونه، ولا تكونوا جبابرة علماء».

هذا حديث لا يصح مرفوعًا إلى النبي ﷺ، ويصح موقوفًا إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو من جميل الحكمة ومن صميمها؛ إذ يقول: «تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والوقار».

أيها الأحبة، السكينة والوقار وآداب العلم هذا شيء يتعلم. بعض الناس يقول لك: أنا اكتفي بتربية والدي، لا، جزاه الله خير والدك رباك، لكن في مستوى أعلى من التربية التي تختص بطلاب العلم وبمن يريد أن يتصدر، نعم عليك أن تتعلمه من المشايخ والأساتذة. فهناك المستوى الابتدائي قد تتعلمه في المنزل من وسائل أو آداب، لكن هناك مستوى أعلى يتعلم من خلال المشايخ، والنظر في مصنفات أهل العلم، والنظر في آدابهم وأخلاقهم وسلوكياتهم.

فلذلك عمر يقول: «تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والوقار». يجب إذن أن تتعلم الأدب وتتعلم السكينة والرزانة بتعديل سلوك معين، فيقال لك: أنت عندك سلوك مستعجل، صوتك مرتفع، أنت تحتاج إلى ضبط في أخلاقيات معينة جدا؛ فتدبر هذا الأمر وتتقبله وتعترف أن الإنسان في نقص ويحتاج أن يقومه من خلال نصائح المعلمين الصادقين.

وبإسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «علموا ويسروا ولا تعسروا». فعلموا ويسروا؛ ربط بين العلم والتيسير، فإذن حتى وأنت تعلم يجب أن يكون عندك نوع من التيسير على الطلبة والتخفيف عليهم وعدم التعسير.

وبإسناد عن معاذ بن جبل أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا شيء أقل من اليقين، ولا قسم بين الناس شيء أقل من الحلم، وما أوى شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم». وهذا موطن الشاهد: «وما أوى شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم». متى يكمل طالب العلم؟ متى يكتمل وتصبح مهيئًا لأن تتصدر؟ إذا استطعت أن تجمع بين العلم وإدراك المسائل وبين الحلم والرزانة. قد يكون إنسان عنده علم لكنه متعجل، غليظ، صعب المراس، ما عنده حلم، فهذا ولو جمع من المعلومات ما جمع لن ينجح في أن يكون معلمًا للناس الخير، فلذلك أفضل شيء أن تجمع بين الحلم والعلم، تجمع بين السلوك والتعلم.

وبإسناد، والحديث لا يصح عن النبي ﷺ مرفوعًا لكنه من كلام السلف رضوان الله عليهم، عن عطاء بن يسار أنه قال: «ما أوى شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم». إذاً لاحظوا، هذا هو الصحيح أنه من كلام السلف وليس من كلام النبي ﷺ.

وقال بقية بإسناده عن إبراهيم بن أدهم ومحمد بن عجلان: «ما من شيء أشد على الشيطان من عالم حليم؛ إن تكلم تكلم بعلم، وإن سكت سكت بحلم»، يقول الشيطان: نظر إليه كلامه أشد عليه من سكوته. إذن الشيطان يغتاظ من صاحب الخلق الرزين؛ لأنه إذا تكلم تكلم بالعلم، وإذا سكت سكت في الوقت المناسب، وهذا يغتاظ منه الشيطان.

وذكر ابن وهب بإسناده عن رجاء بن حيوة أنه قال: «يقال: ما أحسن الإسلام ويزينه إلا الإيمان، وما أحسن الإيمان ويزينه إلا التقوى، وما أحسن التقوى ويزينه إلا العلم، وما أحسن العلم ويزينه إلا الحلم، وما أحسن الحلم ويزينه إلا الرفق». وقال بعض الأدباء في هذا المعنى: العلم والحلم حِلْيَةٌ كَرُمَتْ ... لِلْمَرْءِ زِينٌ إِذَا هُمَا اجْتَمَعَا كَمْ مِنْ وَضِيعٍ سَمَا بِهِ الْعِلْمُ وَالْحِلْمُ ... فَنَالَ سُمُوًّا وَارْتَفَعَا صِنْوَانِ لَا يَسْتَتِمُّ حُسْنَهُمَا ... إِلَّا بِجَمْعِ اللَّذَا وَذَاكَ مَعَا كُلُّ رَفِيعِ الْبِنَاءِ أَضَاعَ مَا ... أَضَاعَ فَتَضِعْ

وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «ذللت طالبًا فعززت مطلوبًا»، وكان يقول: «لقاح المعرفة». ربما ليست هذه العبارة في صلب آداب العلم وإنما يتكلم في فكرة جيدة، لذلك استوقفتني العبارة: «لقاح المعرفة». العلم كيف تتلاقح المعارف وكيف تنتقل بين المشايخ وبين الطلبة من خلال المدارسة؟ فهنا يركز ابن عباس على أهمية المدارسة العلمية، وأن يعقد الطالب مجلسًا مع أقرانه، ويكون له مجالس مع مشايخ؛ لأن العقول كيف تتلاقح المعرفة؟ ما معنى تلاقح المعرفة؟ بتعرفوا عملية التلقيح لما يأتي حب الطلع فيأتي إلى المناطق الأنثوية في النخل فتنتج هكذا نواة التمر؛ أي عملية تلقيح وانتقال للحبوب هي انتقال للأفكار. كيف تنتقل الأفكار؟ إذا أنت بقيت وحدك تقرأ وحدك وتجلس وحدك، أنت لن تتلاقح أفكارك، لن تتقدم، لن تنضج، لن تعرف خطأك لأنك تفكر مع نفسك، لكن حضورك مجالس العلم ومدارسة العلم مع الإخوة هذا يجعلك تعرف مواطن الصواب والخطأ.

وتأتي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لأنه قال لأصحابه: «كونوا يا عباد الله مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خُلقان الثياب، تعرفون في السماء وتخفون على أهل الأرض»، هذا شرحناه سابقًا فلا أعيده مرة أخرى.

وبإسناده عن أبي جحيفة أنه قال: «كان يقال: جالس الكبراء، وخالط العلماء، وخالط الحكماء». دائمًا إذا كانت هؤلاء جلساءك؛ إذا جلست الكبراء، والكبراء هم أصحاب السن والحكمة والرأي، وخالط العلماء، أي فليكن الخليل هو أعز من الصديق؛ الخليل هو الشيء الذي لا تفارقه وتتمنى أن تبقى طوال الوقت معه، فيقول: خالط العلماء، أي إياك أن تفارقهم؛ لأنه إذا كان هذا النوع من الناس هم جلسائك سيكبر عقلك سريعًا وتنضج، لكن إذا كان جلسائك التافه من الناس والذي لا يعرف شيئًا والذي يتحدث في الدنيا، مستوى عقلك سينزل إلى مستوى عقول هؤلاء؛ فعقلك ينضج أو يصغر بحسب طبيعة جلسائك.

وحدثنا عن سفيان بن عيينة أنه قال: قال عيسى بن مريم عليه السلام: «جالس من تذكركم بالله رؤيته، ومن يزيد في علمكم منطقه، ومن يغري في الآخرة عمله الجميل». إذن هذا كله حث على أن يختار الإنسان جلساءه.

وبإسناد عن موسى بن نصر أنه قال: سمعت عيسى بن حماد يقول كثيرًا ما كنت أسمع الليث بن سعد يقول لأصحاب الحديث: «تعلموا الحلم قبل العلم». وهذا يدل على أهمية أن يتأدب الطالب، وقليل من الأدب أفضل من كثير من العلم.

وبإسناد عن محمد بن سعيد بن أبي مريم أنه قال: سمعت ابن وهب يقول: «ما تعلمت من أدب مالك أفضل من علمه». سبحان الله! ولقد أحسن مالك الأمور الأدبية والسلوكية التي تعلمتها من مالك كانت أكثر من الأمور العلمية التي تلقيتها منه، وهذا هو نمط العالم الناجح الذي يستطيع أن يزرع الأدب والأخلاق في.

طلاب العلم قبل أن يزرع فيهم العلم وإدراك المسائل. قال ولقد أحسن عبد الله بن المبارك حيث يقول: «أيها الطالب علما، ائتي حماد بن زيد؛ فاقتبس علما وحلما»، ثم قيده بقيد جميل، حماد بن زيد أحد أئمة الحديث ورواته الكبار. ليس تأخذ منه فقط العلم، تأخذ منه العلم والحلم والأخلاق.

وذكر محمد بن الحسن الشيباني عن أبي حنيفة أنه قال: «الحكايات عن العلماء ومجالستهم أحب إلي من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم وأخلاقهم». هذه الجملة عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ماذا يقول أبو حنيفة؟ إن تقرأ في سير العلماء وحياة العلماء، وأن تجالس العلماء، قال: أحب إلي من كثير من مجالس تعلم الفقه، لأن هذه الكتب مثل سير أعلام النبلاء والطبقات لابن سعد، مثل هذه الكتب هي تعطيك مناهج حياة وسلوكيات، وهذه المناهج وهذه السلوكيات وهذه الأخلاقيات هي أهم في بنائك المعرفي من كثير من المسائل التي تكون قاتل نفسك تعرفها وتفوت على نفسك بناء المنهج.

باختصار، بناء المنهج الحياتي والسلوكي والخطة العلمية السلوكية لطالب العلم لا تقل أهمية عن بناء المنهج العلمي. تجد طالب العلم ابتداء متعطش: يا شيخ من أين أبدأ في العلم؟ أدرس الآجرومية ولا نظم المقصود؟ ألفية ابن مالك؟ أحفظ ولا قطر الندى؟ ويبدأ يسألك في أتون المسائل العلمية، لكن إذا نظرت إلى سلوكه وهندامه وسكينته ووقاره، تجد الطالب منهك أخلاقيا، منهك سلوكيا، عنده من مشاكل السلوك والأخلاق ما يجعلني أقول له: اهدأ قليلا، دعنا نعود إلى ميدان الأخلاق والآداب، فما زلت أنت تحتاج إلى تقويم ودراية في هذا الأمر أكثر وأكثر.

أنا أزعم أن كثير من طلاب العلم اليوم هم لا يعرفون منهج السلف في تلقي العلم، هم فقط ظنوا أن القضية مجرد حفظ متن أو إدراك مسألة أو ختم كتاب، هذا جزء من العملية التعليمية، لكن الجزء الأصعب والذي نحن نفتقده اليوم في حياة الأمة هو صناعة طالب العلم المتوازن، صناعة طالب العلم الناجح في إدارة الملفات؛ متى يسكت؟ متى يتكلم؟ متى يقدم؟ متى يحجم؟ أدبه مع المشايخ، أدبه مع المجتمع، أدبه مع الناس، أدبه مع زوجته. هناك ملفات كثيرة طلاب العلم لا يلتفتون إليها ولا يعرفونها لضعف مجالستهم للعلماء الربانيين، لضعف قراءتهم في كتب السلف وسلوكياتهم، هم فقط يأخذون مسائل جافة، فيخرج طالب علم مشوه سلوكيا وأخلاقيا، وبالتالي يفشل في إقناع الناس بعلمه، يفشل في إقناع الناس بأهمية قيمة العلم، ثم يصطدم مع الناس ويهلك وتنتهي قصته.

ونبدأ قصة مع طالب علم جديد. هذا كلام أبي حنيفة، كلام في مكانه حقيقة، لما يقول الحكايات عن العلماء -يعني معرفة حياة العلماء وسلوكياتهم ومجالستهم- قال: أحب إلي من كثير من الفقه، لماذا قال؟ لأنها آداب القوم وأخلاقهم، وكأنه يقول ومعرفة آداب القوم ومعرفة أخلاقهم مقدمة على معرفة الفقه والمسائل، هذا ما يقصده أبو حنيفة رحمه الله.

وقال محمد: ومثل ذلك ما روي عن إبراهيم أنه قال: «كنا نأتي مسروقًا فنتعلم». وبإسناد عن شريك بن نهيك الخولاني أنه قال: قال لي أبو الدرداء: «من فقه الرجل ممشاه ومدخله ومخرجه مع أهل العلم». تعرفون مسروق بن الأجدع؟ واحد من أئمة الفقه رضوان الله تعالى عليه من مدرسة الكوفة، فإبراهيم النخعي يقول: كنا نأتي مسروق بن الأجدع فلا نتعلم فقط الفقه بين يديه، بل نتعلم من هديه ودله، يعني من سلوكه، الهدي والدل يعني السلوك والسمت، وهكذا العالم كان قديما، كان يلتزم في مجلسه بالآداب والهدي وفي حياته العامة، فالطالب يستفيد منه علما ويستفيد منه سلوكا، وهذه النماذج هي التي نحتاج أن نكثرها في الأمة اليوم.

وقال شريك بن نهيك الخولاني أنه قال: قال لي أبو الدرداء: «من فقه الرجل ممشاه ومدخله ومخرجه مع أهل العلم». ما معنى هذا الكلام؟ ما معنى من فقه الرجل ممشاه ومدخله ومخرجه مع أهل العلم؟ مع ملازمة العلماء ليعرف كيف يدخلون وكيف يخرجون وكيف يتكلمون. طالب العلم الذكي هو الذي ليس فقط يحضر مجلس العالم ويغادر، وهذه للأسف ما عودته الجامعات لطلاب العلم اليوم، أن علاقته بالدكتور فقط في الصف، بعد ذلك لا يشوفه ولا يشوفه، وإذا رن عليه يغلق في وجهه، هكذا الحياة الجامعية اليوم للأسف.

الأمور الشرعية قديما كان الطالب يلازم ظل شيخه، لا يترك شيخه دخولا وخروجا، لكن هذا يتوقف على ماذا؟ على طالب فقيه ومعلم ناجح، لأنه ممكن طالب يقول: طب يا شيخ يلا أنا هيني بدي ألزم المشايخ، أعطني شيخ أستطيع أن أدخل معه وأخرج معه ويتيح لي المجال للملازمة. قديما كان المشايخ يتيحون المجال للملازمة، لماذا؟ لأن أوقات المشايخ قديما كانت في المساجد ومحاضن التعليم، ما كان في فكرة هذا الدكتور الذي يحضر يعطي محاضرة أو محاضرتين وغاب عن المجلس واستناه إن شاء الله الأسبوع القادم حتى أحضر عنده محاضرة.

الشيخ كان من السابعة صباحا وحتى المساء إلى المغرب وهو في مجالس العلم، إما في معهد أو في مدارس، كيف؟ مدارس الجوزية والمدارس الصالحية، تسمعون بأسماء هذه المدارس، العلماء كانوا يلازمون هذا الرباط، يجلس العالم من الساعة السابعة صباحا إلى الساعة الحادية عشر ظهرا يعلم دفعة بعد دفعة وطائفة بعد طائفة، ثم يعود إلى منزله قيلولة صغيرة يفطر مع الأهل، ثم يعود بعد ذلك بعد العصر يبدأ بالتعليم. فالعالم في مساحة كبيرة، لأن تخالط عقلية هذا الشخص الذي يدرس فقط في الجامعة خمسين دقيقة ويغادر ثم لا تراه باقي اليوم وتأخذ معه في الأسبوع، هذه غير موجودة عند السلف، لذلك السلف كانوا يخرجون علماء، يخرجون أدباء، ويخرجون طالب علم متوازن، أما اليوم للأسف فلا المحاضر متوازن ولا الطالب متوازن، فيضيع العلم بين هذا وهذا. فالحقيقة هناك أمور يجب أن نعيد التفكير فيها، كيفية أن يبقى العالم ظاهرا بارزا يسهل الوصول إليه يسهل ملازمته، يبقى يعلم الناس الخير ويجلس في المجالس صباحا ومساء، هكذا فعلا ينشر علما حقيقيا والطلاب يستفيدون منه.

وبإسناد، رحمه الله تعالى عن الشافعي يقول: «من حفظ القرآن عظمت حرمته، ومن طلب الفقه نبل قدره، ومن عرف الحديث قويت حجته، ومن نظر في النحو رق طبعه، ومن لم يصن نفسه لم يصن العلم». جميلة هي القاعدة الختامية: «ومن لم يصن نفسه لم يصن العلم»، يعني الذي ليس متربيا وليس عنده أخلاق وليس عنده آداب، والله لو تعلمت علوم الأوائل والآخرين وحفظت الكتب...

والسنن، من لم يصن نفسه بالأخلاق والآداب لم يصن العلم، لو حفظت ما حفظت ودرست ما درست إذا أنت تفقد الأخلاقيات والسلوكيات، فهل العلم سيفيدك شيئًا؟ العلم هنا بمعنى حفظ المسائل الفقهية والعقدية لن يفيدك شيء، فعليك أن تصون نفسك بالتمسك بالأخلاق والآداب حتى تجمع مع العلم الأدب، وهكذا يستفيد الناس منك.

وقال عمر مولى غفره: «لا يزال العالم عالمًا ما لم يجسر في الأمور برأيه، وما لم يستحي أن يمشي إلى من هو أعلم منه». هذه العبارة أيضًا كلام رفيع من السلف. ما معنى العبارة؟ لا يزال العالم عالمًا ما لم يجسر في الأمور، أي ما لم يتجاسر، ما معناها يتجاسر؟ أي لا يزال العالم عالمًا ما لم يتقدم، يعني ما لم يبالغ بتقديم رأيه، لم يتجاسر على ماذا؟ على الحتمية برأيه.

الآن لا يخفى عليكم بعض المسائل الاجتهادية؛ العالم الفطن هو الذي يدرك أن هذه المسألة لو كان لي فيها رأي، ورأيي هو ضمن مساحة الاجتهاد الظني، فلا أتجاسر على أن أجزم به وألزم به الأمة. تلاحظون حتى في هذه الأوقات، أوقات الفتن وما تمر به الأمة، بعض الناس يتجاسر على أن يجزم أن فهمه هو فهم السلف، وأن طريقته في النظر في المسائل الواقعية هي طريقة السلف، وهذا مباشرة ينقص من قدره. لا تتجاسر في المسائل التي فيها مساحة للاجتهاد والنظر، لا تتجاسر على الجزم والاقتناع أنه 100% هو رأي الصواب وكل الآراء الأخرى في الساحة غلط؛ هذا يدل على أنك لست عالمًا، فالعالم في المسائل الظنية يعرف أن رأيه هو أحد الآراء فقط وليس ملزمًا للأمة.

كذلك النقطة الثانية: «وما لم يستحي أن يمشي إلى من هو أعلم منه». حتى لو أصبحت عالمًا، ولو أصبحت مقدمًا، ولو نلت من الشهادات وأصبحت أستاذ دكتور، يجب أن تبقى تحضر مجالس العلم وتثني الركب عند من هو أعلم منك. إذا وصلت لمرحلة أن نفسك تأبى عليك أن تحضر عند من هو أعلم منك، فاعلم أن هذا بداية سقوطك ونزولك.

تفضل سؤالك. نعم، حرمته يعني مكانته عظمت حرمته عند الله وعند الناس. استهل النبي ﷺ... نعم، أحسنت، أكمل. وقال أبو الأسود الدؤلي: «إذا أردت أن يكذبك الشيخ فلقنه». ذكر قتادة وغيره عن أبي الأسود ما معنى هذا الكلام؟ إذا أردت أن يكذبك الشيخ فلقنه، ماذا يعني؟

ما معنى هذا الكلام؟ أحيانًا الذي يظهر لي -وهذا اجتهاد- أنه يقصد أن بعض الطلاب قد يعطي الشيخ معلومة على طريقة السؤال، كأن يقول: والله يا شيخ أنا سمعت أنه في معلومة في كذا وكذا، فالشيخ أحيانًا يستحي أن يقول إني والله ما سمعت بهذا الكلام أو ما سمعت بهذا الكتاب، فيقول لك: اه ماشي، ماشي. أنت لست عارفًا المعلومة، فيقول لك: لا تلقن الشيخ معلومة، لا تعتد بهذا؛ لأن أحيانًا الشيخ قد يُحرج من أن يظهر في مظهر الذي لا يعرف عنوان الكتاب.

طبعًا الشيخ الذي في كامل تزكيته، إذا سأل الطالب عن كتاب والله ما أعرف، انتهينا. تقول: والله يا شيخ هناك حديث كذا وكذا، ما رأيك فيه؟ ممكن أنا أكون الحديث كله ما سمعت فيه، هذا متوقع، فليس فينا من جمع العلم كله من كل الكتب والمسانيد؛ أي إنسان فينا يتوقع أن يجهل، فيقول لك: لا تلقن الشيخ شيئًا حتى لا تجبر الشيخ -أي يضعف ديانته- فيكذب ويقول لك: نعم هذا حديث معروف، وهو اضطر الشيخ أن يكذب حتى لا يظهر في موطن الجهل.

فإذا كان عندك سؤال يتعلق بموضوع الدرس أو بشيء معين فاسأل، إلا إذا كان هذا الشيخ ممن تعرف تبحره في هذا العلم، ومن هذه المعلومات يندر جدًا أن تذهب عنه، فيمكن أن تسأل عنها. أما عمومًا، إذا توقعت أن الشيخ ليس متخصصًا في الحديث أو غير متخصص في الرجال أو الجرح والتعديل أو الأسانيد، فلا تعطِه معلومة وتلقنه إياها حتى لا تضطر هو أن يخجل المسكين ويقول لك: نعم، والله أعرفها، وهو لا يعرفها ولم يقرأها أصلاً ولم يطلع عليها.

وقال الخليل بن أحمد: «إذا أخطأ بحضرتك من تعلم أنه يألف من يألف من أن يُرد عليه خطأه فلا ترد عليه خطأه؛ لأنك إذا نبهته على خطئه أسرعت إفادته واكتسبت عداوته». جميل، انظروا هذه منهجية مهمة لطلاب العلم، هذه عبرة وهذه حكمة. أنصحكم بكلام ابن عبد البر واختياراته، فانتناؤه عالٍ جدًا، جامع لبيان العلم وفضله، وكتاب عظيم في النقولات التي اختارها وانتقادها.

ابن عبد البر ماذا يقول هنا؟ ينقل لك فائدة عن الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهذا صاحب كتاب العين وغيره من الكتب، الخليل بن أحمد رجل أوتي حكمة في التعليم، يقول لك: إذا أخطأ أمامك شخص عالم أو ما شابه ذلك، وهذا الشخص ممن يألف من أن يُرد عليه خطأه، كأن يكون شيخًا جالسًا في مجلس فرضًا وأنت طالب أو مستمع لهذا الشيخ، والشيخ أخطأ ويعرف أنه في مثل هذا المقام إذا رُد عليه خطأه أو قلت له يا شيخ ترى أنت أخطأت، فإنه قد يحدث مشكلة في نفسه؛ فهل الصواب أن أرد عليه أو لا أرد عليه في المجلس وأمام الطلاب؟

انظروا الآن ماذا سأفصل فيها: إذا كان الخطأ الذي ارتكبه خطأً عقديًا يمس أصول الدين، يعني ليس في مجال لتخيره، يمس العقائد الكبرى، فلا يمكن أن يُنكر عليه حقيقة، بل هذا من كمال الديانة، وعلي الشيخ أن يتحمل؛ لأن خطأه يمس أصول الدين وأصول الأفكار العليا التي هي أعظم من مشاعرك وأحاسيسك. أما إذا كان خطأه خطأً في رواية حديث، كأن يقول رواه أبو داوود وهو ليس عنده، أو أخطأ في مسألة نحوية أو بلاغية أو ذكر...

اسم صحابي والمراد صحابي آخر أو سبق لسانه إلى شيء، نعم، هنا لا تخطئه أمام الناس، وإنما بعد المجلس يمكن أن تقول له: والله يا شيخنا قد يكون حدث سبق لسان أنه كذا وكذا، لعلك تنبه في المجلس القادم أو شيء من ذلك، بينك وبينه. فهذه هي الحكمة.

بعض الطلاب خلص هو عرف معلومة يريد مباشرة إذا أخطأ الشيخ في شيء أن يصلح له ولو أمام الناس، وهذا سيجعلك تخسر ود الشيخ واحترامه. الشيخ في النهاية إنسان، بشرية، بعض الناس لا يتوقع في الشيخ المثالية، وأنه هذا الشيخ ليس من كمال ورعه أنه يقبل النصيحة. بعض الناس يقول لي: أنا أريد أن أنصح المشايخ! استنى حبة حبة. هو صحيح الشيخ يحتاج أن يكون متقبلاً للنصيحة وواسع الصدر، لكنه في النهاية نفس إنسانية، وعليه فبك تتعامل معه بحكمة حتى لا تخسر وده، لأنك إذا خسرت وده قلت الفائدة التي ستصل إليك منه.

الخل ايش يقول؟ إذا أخطأ بحضرتك من تعلم أنه ينفر من إرشادك، ينفر يعني لا يقبل ويعظم عليه أن ترشده، فما هو المنهج؟ قال: لا ترد عليه خطأ كما قلنا، إلا في الأمور العظمى التي يكون السكوت عنها كارثة وتفسد عقائد الناس، هنا لا بد من الكلام. أما الكلام هنا في الأمور البسيطة؛ قال لأنك إذا نبهته على خطئه وصلحت له خطأه أمام الطلاب، أنت أدبته صح، هو استفاد، لكنك كسبت عداوته، خلص عاداك، وسيصبح في وجهة نظره أن هذا الطالب يتصيد أخطائي. صح؟ هيك راح يصير، ينظر إليك أنه هذا الطالب جالس ليتصيد أخطائي، كلما أخطأت بده يطلع لي، بالتالي ممكن يقول لك: والله يا شيخ حاول ما تحضر المجالس مرة أخرى. فانتبه على القضية.

قال رحمه الله وبإسناده رحمه الله عن معمر أنه قال: سمعت الزهري يقول: «نقل الصخر أيسر من تكرار الحديث». هذا طبعاً كان بعض أهل الحديث الذين يتصدرون كان يشق عليهم أن يكرروا الحديث أكثر من مرة. وهذا كان حتى شيخنا الشيخ صالح العصيمي -متعه الله بالصحة والعافية- كان يقول هذه العبارة عن تكرار الكتب، يقول: «تكرار الكتب أصعب على النفس من نقل الصخر». وهذا الشيء سبحان الله كل متصدر يجده في نفسه، وكل إنسان -وأنا من الناس الذين أجد فيهم نفسي- خلص إذا شرحت كتاباً لا أحب أن أعيده مرة أخرى، لا يأتيك خاطر ولا ذهن أن تعيد شرحه مرة أخرى، تقول خلص أعطيت اللي عندي فيه.

تكرار كتاب، أو تكرار شرح معلوم، أو تكرار حديث وتنقي للطلاب أكثر من مرة، يصعب على العالم، أو المتصدر، أو المعلم. يحب يعطي اللي عنده ويريد الجديد. فإذا قلت له اشرح الكتاب مرة أخرى، قد يكون الشرح الأول أكثر تميزاً من شرحه الثاني؛ ليه؟ لأنه شرح الأول أتى عليه بكامل قوته واستعداده يريد يعطي ما عنده، بالتالي يكون أعطاك كل اللي عنده. لما تقول له اشرح مرة أخرى، في العادة -طبعاً ليست قاعدة مطردة في العادة- يكون ثقل، فيشرح رؤوس أقلام فقط بده عاد يفتك منك، أو يشرح الكتاب ويفتك منه. فهذه سبحان الله طبيعة بشرية، أن الإنسان والنفس البشرية تطلب الجديد ولا تحب تكرار العتيق.

قال رحمه الله، قال معمر، قال قتادة: «إذا أعدت الحديث في مجلس ذهب نوره». سبحان الله، قال قتادة: «إذا أعدت الحديث في مجلس ذهب نوره»، لأنه جمالية الحديث، يعني رونق الحديث أنك تسمعه أول مرة. حتى بعض الطلاب يمل من التكرار، يقول: شيخ أنت أحياناً بتكرر، بقول لك: خلص سمعتها أول مرة كانت جميلة وهكذا لذيذة، لما سمعتها مرة ثانية وثالثة فقدت بريقها، هي سنة الحياة.

وبإسناد رحمه الله عن شعبة يقول: «كل من سمعت منه حديثاً فأنا له عبد». وهذا يدل على أن الطالب لو سمع من الشيخ ولو حديثاً واحداً، ولو كتاباً واحداً، يجب أن يذعن للشيخ بالتلمذة في العلم. ووجد نفسه أفضل من شيخه في بعض العلوم يبدأ يلمز شيخه ويتنق منه أو ينظر بنظرة دونية للشيخ: أنه أنا تعلمت منه لكن أنا الآن أفضل منه في هذه العلوم، وهذا من سوء الأدب وسوء الطباع. طالب العلم الناجح والصادق مع الله دائماً يبقى معترفاً لمشايخه بالفضل. هنا شعبة ماذا يقول؟ لو سمعت حديثاً واحداً بس، حديث واحد، لبقيت مذعناً له بالعبودية. المراد بالعبودية والاحترام والتقدير، أنه أبقى محترماً له مقدراً لفضله، فما بالك يكون شيخ أفادك كتاباً وكتابين وثلاثة؟ فحتى لو خالفته في مسألة عقدية أو فكرية أو منهجية، أو ظهر لك أن الشيخ مبتدع في بعض الزوايا، يبقى احترام الشيخ على العين والراس، يبقى احترام الشيخ على العين إلا أن ترى كفراً بواحاً، ما لك فيه من الله برهان. هذه خطوات، لكن ما عدا ذلك يبقى له احترامه وتقديره ما دام في دائرة الإسلام والشيخة.

وبإسناده عن الحسن أنه قال: «كان طالب العلم يرى ذلك في سمته وبصره وتخشعه». أي كان طالب العلم إذا شرع في طلب العلم سرعان ما يرى أثر العلم في سمته، في طريقة نظره، في طريقة استماعه، في طريقة خشوعه. وهذه طريقة السلف في طلب العلم بالتوفيق؛ طريقة السلف أنه طالب العلم بعد شهر، شهرين، ثلاثة من طلب العلم، إذا كان لابس ملابس غير جيدة أو قصقص غير جيدة أو يبدأ يظهر التغير الجذري في حياته. اليوم بعض الطلاب يصير دكتور شريعة ولسه لم تتغير حياته، ولسه هي نفس المعاصي ونفس الأخطاء ونفس الصلاة ونفس السمت ونفس الغفلة، فما فائدة هذا العلم؟ ليست هذه طريقة السلف في طلب العلم.

وبإسناد عن حيوة بن شريح أنه قال: سمعت عقبة بن مسلم يقول: «الحديث مع الرجل والرجلين والثلاثة، فإذا عظمت الحلقة فأنصت». ما معنى هذا الكلام؟ يلا نشغل دماغنا، الآه يا سند، المسائل إذا كان عددها كذا، إذا الحلقة صارت كبيرة فلا مجال لهذا الكلام، صيرنا الشيخ المسائل. إذاً هو يتكلم عن الطالب ولا عن المعلم؟ أنصت عن الطالب، أحسنت. يعني أنت إذا كان المجلس صغيراً، كلكم مع بعضكم ثلاثة أربعة، في مجال للأخذ والرد والحوار فيه، صحيح. لكن إذا صحت حلقة كبيرة، لو كل طالب بده يتكلم ويبدي وجهة نظره ويحاور ويناقش ذهب الدرس وذهبت الفائدة، وأصبحت كحسب السوق، صح ولا لا؟ هذا بيتكلم من هنا وهذا بيرد عليه من هنا، فهنا يأتي المدرس الحازم يحزم الحلقة. حلقة صغيرة اثنين ثلاثة ممكن نتناقش، لكن عدد كبير ما في مجال أن يترك الساعة لكل طالب عنده وجهة نظر وحوار ويأخذ ويدخل الطالب هذا على الخط وذاك على الخط.

الخط؛ لأنه هنا تذهب الفائدة وتضيع هيبة المجلس. وقال ابن المبارك: «وأخبرنا رباح بن زيد، عن رجل، عن وهب بن منبه، أنه قال: إن للعلم طغياناً كطغيان المال».

ما معنى هذه العبارة؟ إن للعلم طغياناً كطغيان المال. حبيبنا، هل ترى الإنسان لأخذ المال؟ هناك قول آخر قد يكون أقرب للمعنى، تفضل حبيبنا.

إن الإنسان ليطغى إذا استغنى، وهذا في المال، والعلم نفس الشيء. أحسنت. حتى لا يذهب الوقت، أحياناً الإنسان قد يصل لمرحلة علمية قد تسبب له نوعاً من الكبر، أو الطغيان، أو الشعور بالاعتزاز الزائد بالنفس. طبعاً هذا الطغيان ليس طغياناً محموداً؛ لأنه شبهه بطغيان المال، وهل طغيان المال طغيان محمود؟ لا، ولكن هو يريد أن يصور لك أنه عليك أن تتقبل، أو أن تفهم -على الأقل تفهم- أن هذا العالم أو هذا الشيخ نفس إنسانية قد تضعف أحياناً، فما عنده من العلم يطغى به ويستأثر برأيه ولا يقبل النقاش.

ممكن يصير هذا معي، وهذا ممكن يصير مع أي شخص منكم في جامعة أو في أي مكان؛ أن يجد شيخاً عنده فعلاً علم وعنده طاقات علمية جيدة، لكن مثلاً يستأثر برأيه في مسائل أو عنده كبر في بعض الجوانب، وهذا ضعف إنساني متصور، وهذا كما يقول: «إن للعلم طغياناً كما أن للمال طغياناً». قد يشعر الإنسان لكثرة علومه أنه مستغنٍ عن غيره. طبعاً هل هذه حالة كاملة؟ لا، لا نفترض دائماً الكمال في العلماء، وهذه القضية التي أركز عليها: لا تفترض دائماً الكمال حتى لا تُحرم مما عندهم من الخير والبركات.

أستاذ، هل قد يكون المقصد التحذير، يعني أن الإنسان يحذر من هذا الأمر؟ طبعاً، هو يقصد التحذير من هذا الموضوع؛ فيه تحذير أنه العلم يطغيك وتصبح بسبب علمك تستأثر برأيك ولا تنظر إلى الناس إلا بنفخ وكبر، فهذا تحذير من زاوية، لا شك، لأنه خلق مذموم. لكن لو وجدته في بعض الناس، فعليك أن تتفهم ضعف النفس الإنسانية، وأنه قد يستأثر الإنسان برأيه أو يكون شيء من الكبر في داخله. هل هذا محمود؟ لا، هي حالة يجب أن أحذر منها ولا أطلبها في حياتي.

قال: وروينا عن وجوهنا عن الشعبي أنه قال: «صلى زيد بن ثابت على جنازة، ثم قربت له بغلة ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال له زيد: خلي عنك يا ابن أم رسول الله ﷺ، فقال ابن عباس: هكذا يفعل بالعلماء والكبراء». وزاد بعضهم في هذا الحديث أن زيد بن ثابت كافأ ابن عباس على أخذه بركابه أن قبل يده وقال: «هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا ﷺ». وهذه الزيادة من أهل العلم لا ينكرها، والجنازة كانت جنازة أم زيد بن ثابت، صلى الله عليها، وزيد كبر أربعاً وأخذ ابن عباس بركابه يومئذ.

وهذا يدل على احترام الطالب لشيخه؛ أن يأخذ بركابه، وأن يأخذ بكتابه. لكن الشيخ لا ينبغي عليه أن يكابر وأن يمانع من ذلك؛ لأن بعض الناس يسترسل مع هذه الأمور، يقول: والله أخذ كتابي وشنطتي، فإذا الطالب زاحم، فزاحمه أنت أيضاً، لا تأخذ راحتك تماماً؛ أشعره أنه لا يفعل ذلك؛ لأن التماشي مع هذا الشعور يخلق عنك نوعاً من الكبر ونوعاً من حب أن تُخدم، وهذا الشعور مقلق ومخيف أن يستوطن عند المتصدر. حاول أن تزاحم وأن تمتنع، كما أن الطالب زاحم على الأدب، فانت أيها المتصدر زاحم على الامتناع، ولا تتماشى مع هذا الشعور حتى لا يورثك كبراً.

تفضل حبيبنا. جميل، يعني إذا المعلم قال لك لا تفعل، امتثل. هذه قاعدة تبقى في الأغلبية، قد أشعر أن المعلم أحياناً يريد مني هذا الشيء أو يطلب مني ولكن هو مرهق، المعلم مرهق ومتعب ولكن يكابر على نفسه حتى لا يجعل الطالب يخدمه. فهي تحتاج إلى نوع من الإدارة، أن توازن بين الامتثال وبين الأدب.

وبإسناد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «علموا ولا تعنتوا، فإن المعلم خير من المعنت». طبعاً الحديث لا يثبت، هو ضعيف الإسناد إلى النبي ﷺ، لكن معناه صحيح. «علموا ولا تعنتوا» أي: لا تشقوا على الطلاب، العنت هو المشقة. علم بهدوء، لا تشق عليه في الوقت وفي كمية المعلومات، كل شيء بالهدوء يحصل إن شاء الله.

وبإسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه إلى النبي ﷺ قال: «علموا ويسروا ولا تعسروا» ثلاث مرات، «وإذا غضبت فأسكت». وإذا غضبت فأسكت؛ لأن الغضب يجعل الإنسان يتكلم بكلام غير منضبط. وبإسناد مثله عن ابن عباس، وقال في آخره: «وإذا غضبتم فاسكتوا»، كررها ثلاثاً.

ثم بعده عن ميمون بن مهران أنه قال: «لا تمارِ عالماً ولا جاهلاً، فإنك إذا ماريت عالماً خزَن عنك علمه، وإن ماريت جاهلاً خزَّن صدرك». المراء هو الجدال الذي لا يثمر. لا تجادل عالماً ولا جاهلاً؛ أما العالم إذا جادلته خلاص ما يعود يعطيك العلم، وأما الجاهل فسيخشن صدرك ويتعبك نفسياً.

قال أحمد بن زهير وحدثنا يحيى بن يوسف الزمي، قال حدثنا أبو المليح عن ميمون بن مهران، أنه قال -وبعده عن الزهري-: «كان أبو سلمة يماري ابن عباس، فحرم بذلك علماً كثيراً». وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن، أحد فقهاء التابعين، كان كثيراً ما يماري ابن عباس، فابن عباس انقبض صدره عنه، فلم يجعله من خاصة طلابه، فخسر أبو سلمة.

سلمه علما كثيرا كان بإمكانه أن يحصل عليه لو قلل من مراء شيخه. ما يليه نفس المعنى، وبإسناد عن ابن جريج أنه قال: «لم أستخرج الذي استخرجت من عطاء إلا برفق به». هذا شرحناه سابقا؛ قول ابن جريج: لم أستخرج من العلم الذي استخرجته من عطاء إلا برفق به، يعني كنت أشوف عطاء غاضب فما له نفس أتركه، أشوفه مرتاح ومستعد، كذا ما أجادل ولا أماريه. فالرفق بالمعلم هذا هو الرفق بالمعلم، والذكاء في التعامل معه سبب من أسباب الحصول على أكبر قدر من الاستفادة.

جميل، ما بعده: وبإسناد عن طاووس أنه قال: «منه أن يوقر العالم»، هذا مر معنا قبل قليل. وما بعده: وبإسناد عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «إن من حق العالم ألا تكثر عليه بالسؤال، ولا تعنته في الجواب، وأن لا تلح عليه إذا كسل، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، وأن لا تفشين له سرا، ولا تغتابه، ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن تقره وتعظمه لله ما دام يحفظ أمر الله، وأن لا تجلس أمامه وإن كانت له حاجة، سبقت القوم إلى خدمته».

طبعا هذا لا يصح عن علي بن أبي طالب، وإن كانت وصية للعلماء صحيحة، لكن هل تصح عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه؟ لا تصح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

قال: «وإن شدني يوسف بن هارون نفسه في قصيدة: واجهله في كل واجله ... في كل عين علمه فيرى له الإجلال كل جليل» وكذلك العلماء كالخلفاء عند الناس في التعظيم والتبجيل.

قال أبو عمر: وروينا من وجوه كثيرة عن أبي سلمة أنه قال: «لو رفقت بابن عباس لاستخرجت منه علما كثيرا». قال الزهري: كان أبو سلمة يعترف بنفسه -وقبل شوي كان الحسن البصري هو الذي ينقل هنا- أبو سلمة يعترف بنفسه أني أخطأت في التعامل مع ابن عباس فحرمت علما كثيرا. قال الزهري: كان أبو سلمة يمارِي ابن عباس فحرم ذلك علما كثيرا.

وقالت الحكماء: «إذا جلست للعلماء فكن على أن تسمع، أحْرص منك على أن تقول». حرص الإنسان أن يتلقى من الشيخ أحْرص من أن يظهر أنه يفهم أو أن الطالب ذكي أو ما شابه ذلك. وقال الحسين بن علي لابنه: «يا بني، إذا جلست للعلماء فكن على أن تسمع».

وقال الشعبي: «جالسوا العلماء؛ فإنكم إن أحسنتم حمدوكم، وإن أسأتم تأولوا لكم وذروكم، وإن أخطأتم لم يفضوكم، وإن جهلتم علموكم، وإن شهدوا لكم نفعكم». هذه فائدة مجالسة العلماء، بخلاف مجالسة السفهاء؛ إذا أخطأت أفشى خطأك، وإذا أسأت عزر عليك وتكلم عنك ولا يستر عيوبك، أما العالم فيعرف كيف يستر على طلابه وعلى أخطائهم.

جميل، أما بعده: فصل، قال رحمه الله: الخليل بن أحمد. «اجعل تعليمك دراسة لك، واجعل مناظرة العلم...». هذا الفصل فيه مجموعة من المهارات، هذا يندرج تحت منهجية التعلم. فيقول الخليل بن أحمد -ونعود إلى الخليل بن أحمد، الخليل بن أحمد أستاذ وبالتالي تستطيع أنك لو جمعت ما ذكره الخليل بن أحمد في جامع بيان العلم ستجد وحده الخليل بن أحمد ربما ذكر أكثر من ثلاثين قاعدة في التعلم والتعليم فقط. الخليل بن أحمد الفراهيدي لو جمعت ما نقل عنه ابن عبد البر في جامع بيان العلم ستجد أستاذا في النصائح، واضح أنه مارس التعليم بشكل احترافي حتى استطاع أن يسجل هذه الملاحظات.

ماذا يقول الخليل؟ يقول: «اجعل تعليمك دراسة لك»، صه، إن المعلم الناجح هو الذي يكثر الدروس أو يكثر التعليم لأن تعليمه يعود بفائدته له، فهو يدارس ما عنده من العلم ويتذكر الكتب والمصنفات التي درسها سابقا. قال: «واجعل مناظرة العلم تنبيها لما ليس عندك»، يعني حاول أن تناقش وتثير الأسئلة؛ لأن المناقشة وإثارة الأسئلة تعطيك علما ليس عندك من كلام الآخرين.

قال: «وأكثر من العلم لتعلم، وأقلل منه لتحفظ». قال: «وأكثر من العلم» يعني من حيث القراءة والمطالعة، هذا أكثر منه ما في مشكلة، لكن من حيث المحفوظ أقول لك لا، هي نصيحة له: لا تكثر المحفوظ. يعني الورد الذي تحفظه في اليوم الواحد لا يكن كثيرا، لأنه إذا كان المحفوظ كثيرا يتفلت، لكن احفظ صفحة، صفحتين، ثلاث بالكثير، مجموعة من الأسطر، هذا العلم يثبت.

فالقاعدة والمنهجية في التعلم التي يوصلنا إليها الخليل، هي أن المطالعة والقراءة سهلة استكثر منها كما شئت، لكن لما يأتي مرحلة الحفظ للمتن أو للقرآن أو للحديث حاول أن يكون الورد قليلا حتى تستطيع السيطرة عليه مع مرور الوقت. أما طالب يريد أن يحفظ في اليوم جزءا، ما هو اليوم الثاني سينساه، يعني ليس شطارة. ومشكلتنا أنك تجد بعض الناس يعطيك دورة: «كيف تحفظ القرآن في أسبوع»، وخذوا مصاري، روح تعلم هذه الدورات يضحكون عليك يا أخي الكريم، هذا ليس نجاحا وليس ذكاء وليس تميزا أن تحفظ القرآن في أسبوع؛ لأن السواد الأعظم من هذه الأمة قدراتنا في الحفظ معتدلة، لست الشافعي حتى تأخذ هذه الدورات وتقارن نفسك بها. فمن كان حفظه معتدلا عليه أن يسير على قواعد العلماء في الحفظ: قلل المحفوظ، وكثر التكرار، وادم تصل. كثر المحفوظ يتفلت عليك وتضيع الطاسة، وبعد أشهر تجد نفسك نسيت كل شيء.

قال: وروي عنه أنه قال: «أقل من الكتب لتحفظوا، وأكثر منها لتعلموا». إذا الكتب للمطالعة لو كثرت منها ما في مشكلة، لكن بالنسبة للحفظ لا، قلل، خلي عندك محفوظ قليل وأكثر رسوخا. يعني لو حفظت الآجرومية أحسن منك تحفظ الألفية وتناسى كل شيء، هذا مثال.

وقال: «إذا أردت أن تكون عالما فاقصد لفن الحفظ من العلم، وإن أردت أن تكون أديبا فخذ من كل فن».

شيء أحسنه هو كأنه يركز على قضية ماذا نسميها اليوم احنا التخصصية، أحسنت. طبعًا التخصص يكون بعد المشاركة؛ يعني أسس نفسك في جميع العلوم، لكن بعد ذلك إذا أردت أن يكون كلامك كلام محقق، فاعلم أنك لن تكون محققًا في كل العلوم. رحم الله امرأ عرف قدر نفسه. وكما قال الذهبي رحمه الله: «وما من عالم إلا وبرز في علوم وقصر في علوم»، هي هكذا الحياة.

لكن مشكلتنا اليوم في فهم طالب العلم لقضية التخصص؛ طالب العلم اليوم يتخصص قبل أن يؤسس نفسه. لا، التخصص الذي يتكلم عنه العلماء يكون بعد التأسيس. ماذا يعني التأسيس؟ يعني أن يشارك في مختلف العلوم؛ يأخذ متناً مختصرة في النحو، وفي الصرف، وفي البلاغة، ومتناً مختصرة في أصول الفقه، وفي العقائد، وفي مصطلح الحديث؛ يؤسس الأرضية ثم بعد ذلك يتخصص. أما أن تتخصص بدون تأسيس، فهذا لا يمكن أن تتخصص؛ لأن العلوم بشكل عام في الشريعة متداخلة.

أريد أن أتخصص في التفسير، بالله عليك كيف تريد أن تتخصص في التفسير وأنت لا تعرف اللغة، ولا تعرف النحو، ولا الصرف، ولا البلاغة، ولا تعرف في الفقه شيئاً؟ التفسير هو عبارة عن مجموع هذه العلوم. كيف تتخصص في الفقه وأنت لا تعرف في اللغة ولا في أصول الفقه؟ أي علم يتوقف على علوم أخرى ينبغي أن تشارك فيها.

فكلام الخليل بن أحمد لما قال: «إذا أردت أن تكون عالماً فاقصد لفن من العلم»، يعني تخصص في فن من العلوم، علينا أن نعلق عليه هذا التعليق؛ هذا التخصص يكون متى؟ بعد المشاركة والتأسيس في العلوم الأخرى. أما ابتداءً أقصد إلى فن ولا أتجاوزه، فهذا ليس صحيحاً ولم يقصده الخليل أصلاً، الخليل يقصد التخصص الذي يكون بعد المشاركة.

قال: «وإذا أردت أن تكون أديباً فخذ من كل شيء أحسنه». الأديب هنا هو المثقف. ما الفرق بين العالم والمثقف؟ هذا كلام جيد في التفريق بينهما. العالم هو المتخصص الذي يحرر، وهذا لا يمكن أن يكون إلا إذا انصب جهده على علم؛ خلاص فرغ حياته له، نقول هذا عالم. أما الشخص الذي يزعم أنه يتكلم في كل شيء فهذا مثقف، لا يمكن أن يكون عالماً. ويقول لك الخليل: «إذا أردت أن تكون مثقفاً جيداً فخذ من كل علم أحسنه»، يعني خذ فكرة عن أحسن ما صنف في النحو، وأحسن ما صنف في أصول الفقه، وأحسن ما صنف في العقائد؛ اقرأ كل هذا وتصبح إن شاء الله مثقفاً جيداً، لكن هل ستكون عالماً؟ لا، العالم لابد أن يتخصص في النهاية في مجال معين تظهر فيه براعته.

حبيبنا، هي فكرة العالم الموسوعي هي فكرة أصلاً غير دقيقة. الآن العالم المتخصص قد يكون في وجهة نظرك موسوعياً، لكن هو فعلياً ليس موسوعياً؛ ما من عالم إلا وله تخصصية فعلياً في علم معين ربنا فتح عليه فيه، وسيضع في علم آخر. ما في عالم أحاط علماً كاملاً بجميع العلوم، لكن يوجد عالم تجده مثلاً مثل ابن تيمية، ربنا أعطاه من القدرات ما يجعله يتبحر في أكثر من علم، لكن في النهاية ابن تيمية ليس إماماً في النحو، وليس إماماً في علم القراءات، هل عندك شك في ذلك؟ أنا ما عندي شك، وإن كان مطلعاً وله آراء، لكن لا يمكن أن تقول ابن تيمية مثل سيبويه، ولا يمكن أن تقول إن ابن تيمية مثل ابن الجزري في القراءات العشر. هو تخصص في مناقشة العقائد والفلسفة وتخصص في الفقه، يعني برع فيه أكثر، لكن هو موسوعي بمعنى أن له اطلاعاً جيداً في كافة العلوم، هذا معناه، لكن هل هو متخصص عالم نحرير في كل العلوم؟ هذا ليس صحيحاً، ومن اعتقد هذا فقد أخطأ.

حتى السيوطي كتب، لكنه ليس محرراً في كل العلوم، وهذا من يعرفه ممن قرأ كتبه. المتخصص يعرف هل هذه كتابة شخص محرر أم كتابة شخص مطلع؛ فرق بين كتابة شخص محرر وبين كتابة شخص مطلع. السيوطي مطلع جيد، لكن في النهاية اهتماماته الفقهية تغلب عليه، والقواعد هي هكذا الحياة.

حبيبنا، باختصار: شارك في كل شيء، اعرف في كل شيء أحسنه، ثم اختر شيئاً واحداً تعرف عنه كل شيء. هي نفس الفكرة في التفريق بين المثقف في العلوم -أي المطلع عليها- والمتخصص في فن واحد. هي منهجية مهمة أيضاً؛ أنت في النهاية يا طالب العلم في مرحلة معينة يجب أن تختار تخصصك، يجب أن تنظر لميولك: هل ميولي فقهي، أم عقدي، أم تفسيري؟ لأنك إذا بقيت في كل العلوم ستبقى مثقفاً ولن تصل لمرحلة التحرير.

تفضل حبيبنا، بارك الله فيك. السؤال: التخصص يكون في علم الوسائل أم علم المقاصد أم يجمع بينهما مثل العالم الأصولي أو المتكلم أو المفسر؟ هل التخصص يكون في الوسائل أو في المقاصد؟

حقيقةً حسب الحاجة. فقد تكون الأمة اليوم بحاجة إلى تخصص في علوم المقاصد، أما علوم الوسائل فلا أحد سيسألك عنها إلا طالب علم متخصص. لكن اليوم نحن فقدنا الفقيه المتخصص، وفقدنا العقدي المتخصص، وفقدنا المفسر. فأيهما أهم، علوم المقاصد أم الوسائل؟ بالتأكيد هي المقاصد هي الأهم لأنها الغايات، فنحتاج أن نسد هذه الأبواب. إذا أنهينا هذه الأبواب ووجد من يملأ الثغر فيها، فلا مانع من أن يتخصص شخص في النحو، أو شخص في أصول الفقه، أو شخص في مصطلح الحديث، لا إشكال.

لكن مع وجود هذه القاعدة، قد يأتي شخص يقول: يا شيخ أنا أعرف أن حاجة الأمة اليوم إلى فقيه وعقدي ومفسر، لكن والله لا أجد ميلاً لهذه العلوم، أنا أجد ميلاً لغوياً، فماذا أفعل؟ هذا الطالب إذا كان يفقد الرغبة في الفقه والتخصص والعقيدة والتفسير وميوله كلها لغوي، فمن الخطأ أن تقول له: تخصص في المقاصد، لأنه لن يبدع ولن يقدم شيئاً كثيراً لأن رغبته ليست في هذه العلوم. فيمكن أن أقول لهذا الطالب: خلص، أنت تشعر رغبتك ونهمك في علوم الوسائل، فإنا أريدك في النهاية أن تكون مثمراً، وهذا ما يهمني؛ أن تكون منتجاً، وأنت ميولك لغوي، تخصص في اللغة وتخصص.

في الأصول وإن كانت من الوسائل، تمام، ما بدنا نفتح باب النقاش حتى لا يطول المجلس.

بعد ذلك، اقرأ ثانياً. نعم، قال: «من أراد أن يكون حافظاً نظر في فن واحد من العلم، ومن أراد أن يكون عالماً أخذ من كل علم بنصيب». طبعاً هنا كلمة عالماً بمعنى، هنا قابل بين الحافظ والعالم، فيكون العالم بمعنى المثقف. فهمتم؟ أحياناً كل نص بدك تفهمه بسياقه؛ هنا فرق بين الحافظ والعالم. فإذا المراد بالحافظ المحرر الذي ضبط العلم، وأما العالم فالمراد به هنا ماذا؟ المطلع على العلم، يعني الذي عنده علم بالموضوع مطلع عليه لكنه ليس محرراً فيه.

نعم، قال: وفيما أجاز لنا، اقرأ... سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول: «ما ناظرني رجل قط وكان مفنياً في العلوم إلا غلبته، ولا ناظرني رجل ذو فن واحد إلا غلبني في علمه ذلك». سبحان الله، شوف هذا تأكيد على أهمية التخصص يا مشايخ. أبو عبيد القاسم بن سلام إيش يقول؟ ما ناظرني رجل مثقف باختصار إلا غلبته، لأن المثقف ليس محرراً لمسائل العلوم، هو مطلع عليها، فأبو عبيد قال وجدت نفسي أستطيع أن أغلبته. وقال: «وما ناظرني رجل ذو فن واحد إلا غلبني في علمه ذلك»، يعني وما ناظرني شخص متخصص في فنه، خلص عكف على فن واحد أخلص له وأتقنه، إلا هو بيغلبني، ليه؟ لأنه أنا مثقف في علمه وهو متخصص فيه. فإذاً التخصص ليس فكرة مرفوضة، بل هي مطلوبة وهي منهج العلماء، بشرط أن يكون بعد المشاركة.

نعم، قال: وقال يحيى بن خالد البرمكي لابنه: «يا بني، خذ من كل علم بحظ وافر، فإنك إن لم تفعل جهلت، وإن جهلت شيئاً من العلم عاديتَه، وعزيز علي أن تعادي شيئاً من العلم». هذا النص بيهمنا في قضية ماذا يا شيخ؟ المشاركة، أهمية المشاركة. يعني قبل شوي النصوص كانت تتكلم عن أهمية التخصص، هذا النص بيفيدك أنه من منهجية السلف أنه برضه لازم تشارك، يعني ما ينفع طالب في التفسير ولا عمره قرأ كتاباً في الحديث، ما ينفع طالب في التفسير ولا عمره مر على أصول.

فهنا ماذا يقول خالد لابنه؟ يقول: «يا بني خذ من كل علم بحظ»، يعني اطلع على مختلف العلوم ليه؟ حتى يكون لك سهم فيها، فإذا سمعت مصطلحات في الحديث والله بعرفها، إذا سمعت مصطلحات في أصول الفقه والله سمعت فيها ودرستها. لأنك إذا جهلت شيئاً تماماً عاديتَه. مثلاً بعض الطلاب العلم اليوم يقول لك: يا أخي المنطق هذا وشو؟ يدرس المنطق الأرسطي وغيره، يعني كلام فارغ ولا يصلح أن يدرس، وهذا حذر منه العلماء وبدع من يدرسه؛ هو لأنه لم يدرس وما عرف ما فيه، عاداه وبنى رؤيته على شيء خلص بعدم معرفته فيه واستصعب ذهني قبل أن يدرسه، فعادى العلم. وهذه أي علم لا تدرسه ولا تعرف ما فيه سينشأ بينك وبينه نَفْرة نفسية. أي علم أنت لا تعرف فيه شيئاً، عندما تجلس في مجلس -وهذا كثير ما يحدث- مثلاً أصول الفقه تتخصص فيه، يأتيك شخص: يا أخي إيش هذا أصول الفقه؟ هذه منظومات وألفيات في هذا العلم، ماذا تنفع؟ هو لأنه لا يعرف هذا العلم ولم يدرسه ولا يعرف قيمته ولا أهميته فإنه يعادي. وهكذه هذه القاعدة، إيش هي القاعدة؟ الإنسان عدو ما يجهل، مش هيك ما نحن بنقول في المثل: الإنسان عدو ما يجهل؟ فبقول لك حتى لا تعادي علماً من العلوم، يا أخي اطلع على كل العلوم وانظر فيها.

نعم، قال: «وإن شدني عبد الله بن محمد بن يوسف: فلا تلومهم على إنكار ما نكروا، فإنما خلقوا أعداء ما جهلوا». هكذا، إنما خلقوا، يعني الله خلق الناس أنهم يعادون ما يجهلونه، يقول: لا تزعل من الناس إذا جهلوا علماً من العلوم، فإن الناس طبعت على أن تعادي ما تجهله.

ونُسب عن مطر الوراق أنه قال: «المثل الذي يروى عن عالم واحد، مثل الذي له امرأة واحدة إذا حاضت». الله المستعان، هذه فكرة أيضاً جيدة. وكل هذا الكلام حقيقة من ابن عبد البر والانتخاب عن السلف رائعة. ما هي القاعدة التي يتكلم عنها هنا؟ مسألة جديدة في منهجية التلقي؛ ما هي؟ حبيبنا أحسنت، لا تبقى مع شيخ واحد طوال عمرك، عليك أن تتنوع في مشارب، لا تبقى مع شيخ واحد. نعم، في شيوخ نلزمهم ونبقى معهم، لكن لا تبقى مع شيخ واحد؛ ليه؟ قال هذا الشيخ مثل المرأة، زوجتك إذا حاضت قعدت أنت فاضي، أشغال، لا تستطيع المعاشرة، صحيح لأنها حائض؛ كذلك هذا الشيخ إذا جاءه عذر، يا أخي الشيخ تعب، الشيخ ما هو فاضي يعطيك دروس، ماذا تفعل أنت؟ خلص تجلس لا تطلب العلم. لكن الذي عنده مشايخ كثر، والله الشيخ هذا سافر، الشيخ هذا سجن -ما في داعي نحكي في الواقيع- يكون عندك حلول بديلة ومشارب أخرى تأخذ منها، فهذه قضية مهمة أيضاً من فوائد تعداد الشيوخ.

كانوا يقولون: «لن تعرف خطأ شيخك حتى تسمع كلام غيره»، لما تسمع كلام المشايخ الآخرين تعرف وين شيخك أخطأ، وين شيخك زلت به لسان. هكذا هي الحياة، تكاملية، ما في إنسان ومحور الكون، باختصار ما في شيخ هو محور الكون، كل إنسان له أخطاؤه وله زلاته مهما بلغ من العلم ومهما تقدم في السن.

نعم، قال: وروينا مثل قول مطر هذا عن أيوب السختياني أنه قال: «الذي له في الفقه معلم واحد، كالرجل له امرأة واحدة». وهذا يدل على أنهم ماذا كانوا يرون؟ أن الأصل التعداد. قال يعني كان الرجل له امرأة واحدة مسكين، يعني هو مش عارف أيامنا امرأة واحدة ويلا الواحد مسلك حاله، طيب الذي له بالفقه معلم واحد كالرجل له امرأة واحدة، فبقول لك الذي له امرأتان كيف تت حياته؟ قول لك هو يقيس على زمانه ومش عارف أن اليوم امرأة واحدة أحسن من مرتين. الذي له في الفقه معلم واحد كالرجل له امرأة واحدة، بالتالي يبقى باختصار على لون واحد، أما الذي له زوجتان يذوق طعمين، والذي له ثلاثة يذوق ثلاثة أطعمة. أما كذلك أنت، إذا لك شيخ واحد تذوق للفقه تذوق واحداً بس، إذا سمعت من الشيخ الفلاني والشيخ الفلاني، هذا يعرض بطريقة وهذا يعرض بطريقة، الفقه وهذا يعرض بطريقة، فتتوسع مداركك وآفاقك.

نعم، قال: وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «ارحموا من الناس ثلاثة: عزيز قوم ذل، وغني قوم افتقر، وعالماً».

بين جهال العالم، هذا ينبغي أن يُرحم؛ لأن البيئة غير مشجعة، وإن كان الحديث ضعيفًا أو منكرًا.

قال: وكان يقال: «لا يكون الرجل عالمًا حتى يكون فيه ثلاث خصال: لا يحتقر من دونه في العلم، ولا يحسد من فوقه في العلم، ولا يأخذ على علمه ثمنًا». هذه قضية، انتبهوا لها؛ الأولى والثانية واضح ما بدي أعلق عليها، لكن الثالثة مهمة جدًا. حاول قدر المستطاع لا تجعل رزقك هو العلم، حاول إذا ضاقت بك السبل ما في مشكلة، لكن حاول قدر المستطاع إذا نشرت العلم أن تنشره بدون مقابل، لا يكون رزقك وعيشتك على العلم.

لأنه سبحان الله، متى شعر الناس أنك تأخذ على العلم الشرعي مقابل هنت في أعينهم، خلص نزلت في أعينهم. شوف الناس تتقبل منك أن تأخذ على أي شيء مقابل، صح أعطيتهم دورة في النفس في الأخلاق في أي شيء ما عندهم مشكلة، لكن إذا رأوا العالم أو الذي يتكلم بالعلم الشرعي يطلب مقابل، مقابل محاضرة، أو يطلب مقابل: «الله بدسك الفقه، الطهارة، والصلاة 50 دينار»، تشعر أنه مش ضابطه، يعني سبحان الله نفسيًا لا تصلح، وأمام الناس تهون عليهم، أنه هذا الشيخ ما بيعطينا إلا إذا أعطيناه.

حاول قدر المستطاع أن لا تأخذ مقابل، الآن قد يخرج لك توظيف في مدرسة في جامعة أو شيء من ذلك، شوف هذه الأمور عند الناس بتهون، لا تحدث لديهم كبير؛ لأنه مش هم الذين يعطونك، الجامعة هي التي تعطيك أو الوزارة، لكن إذا هم أعطوك بأيديهم مقابل أنك تعلمهم، هذه ستسبب إشكالًا واضحًا في نفوسهم تجاهك، فهذه قاعدة مهمة جدًا، انتفعوا بها.

قال رحمه الله: وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس من أخلاق المؤمن التملق إلا في طلب العلم». التملق، أي ماذا يعني التملق؟ التدلل، هي أحيانًا توضيح الواضحات بسبب مشكلة. أي شيء يمكن نقوله؟ هو نوع من أنواع النفاق، لكنه نوع ممدوح، هو ليس إهانة، أكثر منها مداراة، وتزيين الكلام وتنميقه وإن لم تكن أنت تريد ذلك فعلاً.

قال: وقال بلال بن أبي وردة: «لا يمنعكم سوء ما تعلمون منا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منا». جميل، يعني لا يمنعك وجود صفة سيئة في الشيخ ألا تكمل التعليم عنده، لا يمنعك وجود صفة سيئة كالعصبية أو كونه منتقدًا، قد تكون هناك صفات في المشايخ غير مرغوبة، لكن لا يمنع ذلك من أن تستفيد منه ما دام الشيخ يفيدك في جوانب أخرى.

قال: وقال الخليل بن أحمد: «اعمل بعلمي وإن قصرت في عملي، ينفعك علمي ولا يضرك تقصيري». يعني أنت خذ علمي واستفد منه حتى لو رأيتني أنا كمعلم مقصرًا، فانت تستفيد، وتقصيري أنا في العمل لن يضرك أنت.

قال رحمه الله: فصل في الإنصاف في العلم. وقال أبو عمر: «من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه، ومن لم ينصف لم يفهم ولم يتفهم». هذا من أعظم الأخلاق والسلوكيات والمناهج العلمية التي ينبغي أن يتحلى بها طلاب العلم وحتى المشايخ، فإن هذا الخلق -وهو الإنصاف- مفقود اليوم من المشايخ والطلاب إلا من رحم ربي.

قضية الإنصاف في موازنة الأقوال، وفي موازنة الأشخاص، وفي موازنة الاتجاهات، سواء الاتجاهات السياسية والاجتماعية أو الفكرية أو الحركية. اليوم كثير من الناس قد يكون عنده علم لكن ما عنده إنصاف، فيتكلم بخصومة باجح ويتتبع عورات الناس وأخطاءهم من أجل أن يسقطهم فقط لأنهم ليسوا من جماعته أو من طائفته، أو لأنه مثلاً عنده شيء من البدع لا بد أن أظهره للناس في صورة شيطان في كل حياته وفي كل أخطائه، أو هذه الحركة أو هذه المنهجية أنا لا أتفق معها بالتالي يجب أن أظهرها أنهم أسوأ الناس خلقًا وديانة، وهذا ليس من الدين في شيء.

بعض الناس يظن أنه إذا شوه الآخرين لأنه لا يتفق معهم في مناهجهم السلوكية أو الفكرية أنه يكون قد فعل شيئًا نافعًا، هذا خطأ. حتى لو كان الشخص الذي أمامك مبتدعًا وعنده أخطاء شرعية، لا يحملنك كذلك على ترك الإنصاف، فإن الإنصاف حِلة الأشراف.

قال: وقال بعض العلماء: «ليس معي من العلم إلا أني أعلم أني لست أعلم». كيف يعني هذا الكلام؟ هذا لغز، ما معنى هذه العبارة؟ هذا إنصاف مع النفس، قبل أن تنصف مع الناس أول شيء يجب أن تنصف معه نفسك. قال: بعد أن تعلمت وجدت أنه كل ما عندي من العلم، يعني المعلومة التي أنا متأكد منها، هي أنني أجهل كثيرًا، وما أستطيع أن أجزم به بعد رحلتي العلمية هو أنني لست أعلم، أي أنني أجهل كثيرًا، وهذا إنصاف مع النفس وعدم اغترار بما عندك من التحصيل العلمي والمعرفي.

قال: وقال محمود الوراق: «أتم الناس أعرفهم بنقصه، وأقمع لشهوته وحرصه». أتم الناس علمًا وأدبًا هو أعرفهم بنقصه، لا يتم الإنسان علمًا حتى يعرف أن عنده جهلًا كبيرًا.

وبإسناد، قال عمر بن الخطاب: «لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية ولو كانت بنت ذي عصبة». فمن زاد أُلقيت زيادته في بيت المال. فقامت امرأة من صف النساء، طويلة فيها فطس، فقالت له: «ما ذاك لك!». قال: «ولِمَ؟». قالت: لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20]. فقال عمر: «امرأة أصابت ورجل أخطأ». ما موطن الشاهد في القصة أن استطاع عمر أن ينصف ويقر بخطئه على يد امرأة، وليس على يد عالم، على يد امرأة طويلة عندها فطس في أنفها.

وبإسناد، عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: سأل رجل عليًا رضي الله عنه عن مسألة، فقال فيها، فقال الرجل: «ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا». فقال علي رضي الله عنه: «أصبت وأخطأت، وفوق كل ذي علم عليم».

قال وروى عن يونس بن عبد الأعلى أنه قال: سمعت ابن وهب يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: «ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف». نكم إن شاء الله بعد الصلاة حتى لا يتأخر في المغرب، وصلى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. نشرع إن شاء الله في الجلسة الثالثة من مجالس اليوم. بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

قال رحمه الله تعالى: وروى سفيان بن عيينة عن ابن أبي الحسين قال: اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في الحائض تنفر، فقال زيد: لا تنفر حتى يكون آخر عهدها الطواف بالبيت، وقال ابن عباس: إذا طافت طواف الإفاضة فلها أن تنفر ولا تودع البيت. فرد عليه زيد قوله، فقال ابن عباس لزيد: سال نساءك أم سليم وسويحلي؟ فسأله ثم جاءه ويضحك فقال: القول ما قلت.

وهذا من إنصاف الصحابة بين بعضهم البعض؛ لما ظهر لزيد خطأ فتواه رجع إلى قول ابن عباس وقال: القول ما قلت. وهذا ليس عنده مشكلة في أن يرجع إلى قول من خالفه في المسألة.

قال وذكر ابن عبد الحكم بإسناده، قال ابن هرمز: ما طلبنا هذا الأمر حق طلبه. قال مالك: وأدركت رجالاً يقولون: ما طلبنا هذا الأمر، يعني هذا العلم حق طلبه. قال مالك: وأدركت رجالاً يقولون: ما طلبناه إلا لأنفسنا، وما طلبناه لنتحمل به أمور الناس.

بعض الناس يقول قال مالك: أدركت رجالاً يقولون: ما طلبنا العلم إلا من أجل أن نرفع الجهل عن أنفسنا، وما طلبناه من أجل أن نتحمل أمور الناس. فالناس الذين يطلبون العلم تختلف نواياهم؛ فطالب يقول لك: يا أخي أنا لا أريد أن أتصدر، لا أريد أن أشيل أمور الناس، أنا فقط أتعلم لأرفع الجهل عن نفسي، أما أن أتحمل أمور الناس فهذه مرتبة صعبة لا أستطيع أن أحمل نفسي الوصول إليها.

وبإسناد عن مالك أنه كان يقول: لما حج أبو جعفر المنصور دعاني، فدخلت عليه فحدثته وسألني فأجبته، فقال: إني قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها، يعني الموطأ، فينسخ نسخاً، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين نسخه. وكان أصح كتاب قبل أن يؤلف البخاري.

وقال: وأمرهم أن يعملوا بما فيها، فلا يتعدون إلى غيره، ويدعون ما سوى ذلك من هذا العلم المحدث، فإني رأيت أصل هذا العلم رواية أهل المدينة وعلمهم. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل.

انظر إلى إنصاف مالك؛ رفض أن يفرض كتابه الموطأ على الشعوب المسلمة في كل الأماكن. قال: فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ووروا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا به من اختلاف الناس أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، واختار كل أهل بلد لأنفسهم. فقال له أمير المؤمنين: لعمري لو طاوعتني على ذلك لأمرت به.

لعمري لو أبو جعفر يقول لمالك: لو طاوعتني لأمرت أن يفرض كتابك، لكن خلاص لا تريد. وهذا من فقه مالك ومن عميق إنصافه ومعرفته؛ أن الصحابة استقروا في أماكن عديدة، هناك من استقر في الكوفة، هناك من استقر في البصرة، هناك من استقر في الحجاز، هناك من استقر بمصر، وكل صحابي عنده روايات ومرويات تختلف عن الصحابي الآخر. فليس مالك بن أنس عنده جميع المرويات حتى يحمل الناس على قول مالك؛ مالك عنده رواية أهل المدينة ومن حولها، وكثير من الروايات قد تكون لم تصل من روايات أهل العراق كابن مسعود وتلاميذه، ورواية أهل مصر وما شابه ذلك، فهذا من إنصافه رحمه الله.

قال: وهذا غاية في الإنصاف لمن فهم. وذكر هذا كلام ابن عبد البر، وذكر الحسين بن أبي سعيد بإسناده عن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال: لمالك ما أعلم أحداً أعلم بالبيوع من أهل مصر. فقال له مالك: وبمذاك؟ وبمذاك؟ قال: بك. قال: فإنا لا أعرف البيوع، فكيف يعرفونها بي؟

فهذا رجل يقول لمالك، ماذا يقول عبد الرحمن بن قاسم لمالك: أهل مصر أعلم الناس بالبيوع؟ فقال له مالك: لماذا حكمت أن أهل مصر هم أعلم الناس بفقه البيوع؟ فقال: بك؛ يعني من خلال العلم الذي وصل إليهم من خلالك، من خلال طلابك الذين أخذوا منك العلم ورحلوا إلى مصر علموهم. فقال له مالك: أنا لا أعرف نفسي أصلاً أنني أعرف البيوع كثيراً، فكيف يكون أهل مصر أعلم الناس بالبيوع؟ يعني أنت تقول تفقهوا بي وأنا لا أدعي أنني أفقه الناس في علم البيوع. وهذا من إنصافه؛ أنه لا يزعم بعض الطلاب إذا قرأ كتاباً يزعم أنه إمام في الفن، هو قرأ كتاباً، تمام، مالك هو مالك في العلم والفقه، ويقول: أنا لا أدعي أنني أعلم الناس بالبيوع.

وقال خالد بن يزيد بن معاوية: عُنيت بجمع الكتب فما أنا من العلماء ولا من الجهال. وقال يزيد بن الوليد بن عبد الملك إذا ما تحدثت في مجلس: عُنيت بجمع الكتب أكثر من الاعتناء بالعلم. كان عنده هواية جمع الكتب أكثر من اعتنائه بتحرير المسائل، فقال: فصفي لا أنا من العلماء، ولا أنا من الجهال الذين لا يفقهون، يعني أنا طالب علم.

وهذا من الإنصاف؛ أن الإنسان عادي يقول عن نفسه إني طالب علم مبتدئ، ما في مشكلة، ما في داعي أنه لازم يلقب بألقاب الفضيلة والسماحة والسعادة، لو ما أحد لقبك بها فالألقاب ما في مشكلة. بعض الناس لا يسمع لك إلا إذا قلت له سعادة أو فضيلة أو سماحة الشيخ، هذا خطأ. كان أحمد بن حنبل بماذا ينادى؟ يا أبا عبد الله، ما كان يقال سماحة فضيلة الشيخ أبو عبد الله أحمد بن حنبل، كان يقال أبا عبد الله. ماذا تقول في هذه المسألة؟ فالاعتناء بالألقاب والإكراهات دعه، الناس واستحدث وأثر في نفوسهم وديانتهم.

قال وقال يزيد بن الوليد بن عبد الملك: إذا ما تحدثت في مجلس تناهى حديثي إلى ما علمت ولم أعد علمي إلى غيره، وكان إذا ما تناهى سكت. وقال الشافعي إنه قال: ما رأيت مثلي، ما أشاء أن أرى أعلم مني إلا وحدثته. وقال غيره: علمنا أشياء وجهلنا أشياء، فلا نبطل ما علمنا بما جهلنا. وقال حماد بن زيد.

سئل أيوب عن شيء فقال: «لم يبلغني». في النسخة: «كلام الشعبي مرة أخرى: ما رأيت مثلي ما أشاء أن أرى أعلم مني إلا وحدثته». ما معنى «إلا وحدثته»؟ وفي نسخة أخرى: «إلا وجدته». وأنا أجدها، وهذا من باب القياس بالسياق؛ فهو يتكلم عن الإنصاف وكيف كان العلماء يزدرون أنفسهم. فعلى النسخة «إلا وجدته» تكون أكثر وضوحًا، يقول: أنا ما أردت أن أبحث عن عالم أعلم مني إلا وجدته. ما شاء الله، ما في علم إلا وهناك من هو أعلم مني، وهذا يدل على هضمه لنفسه وأنه لا يرى نفسه إمامًا في العلوم، لا أشاء أن أبحث عن رجل أعلم مني إلا دائمًا أجد من هو أعلم مني.

يعطيك شخصية الذي يهضم نفسه. أما «إلا وحدثته» فممكن، لكن أنا أجد النسخة الأخرى المخطوطة «إلا وجدته» أجمل وأبقى، ولكن في النهاية الله أعلم، وكلامك له وجه من الصحة.

قال وقال حماد بن زيد: سئل أيوب عن شيء فقال: «لم يبلغني فيه شيء»، فقيل له: قل فيه برأيك، قال: «لا يبلغه رأيي». سبحان الله! قال: «لا يبلغه رأيي»، أي طاقتي في الاجتهاد لا تصل أن أتكلم في هذه المسألة. شوف الإنسان الذي يقف ويعرف حجمه، سواء كان هذا حجمه أو متورعًا، لكنه في النهاية يقول لك: «لا يبلغه رأيي». أي طاقتي في الاجتهاد لا تقوى للحديث في هذه المسألة. من اليوم يقوى على هذا؟ من طلاب العلم لا يخوض في المسألة إلا بعد أن يكون مدركًا أن هذه المسألة تصلح لحجمه العلمي. اليوم العوام يخوضون في مسائل لو كانت زمن عمر لجمع لها أهل بطر؛ تجد عاميًا ولا طالب علم مبتدئ يتكلم فيها كأنها مسألة سهلة، ويستغرب كيف أنتم المشايخ الكبار لا تتكلمون فيها، فهذا حقيقة من كثرة الجهل في هذا الزمان.

قال وقال عبد الرحمن بن المهدي: ذكرت عبيد الله بن الحسن القاضي بحديث، وهو يومئذ قاضٍ، فخلفني فيه فدخلت عليه وعنده الناس سماطين، فقال لي ذلك الحديث كما قلت أنت، وارجع أنا صاغرًا. شوف هذا الاحترام، هذا القاضي وعنده من يجلس عن يمينه وعن شماله، ويعترف بخطئه في هذا.

قال وقال الخليل بن أحمد: «أيامِي أربعة: يومٌ أخرج فألقى فيه من هو أعلم مني فأتعلّم منه، فذلك يوم فائدتي وغنيمتي، ويومٌ أخرج فألقى فيه من هو مثلي فأتدارس معه، فذلك يوم درسي، ويومٌ أخرج فألقى فيه من هو دوني وهو يرى أنه فوقي فلا أكلمه، وأجعله يوم راحتي».

قال وكان يقال: «إذا علمت عاقلًا علمًا حمدك، وإن علمت جاهلًا ذمك ومقتك، وما يتعلم مستحٍ ولا متكبر قط».

روي أن بوزجم، أخذ أحد فلاسفة الفرس أو حكماء الفرس، أخذ امرأة بجامة وهو خارج من عند كسرى، فقالت: «أخبرني عما يحيط الناس فيه من معايشهم، على قدر كيسهم أم بتقدير خالقهم لهم؟» أي هل الرزق الذي يأتي الناس في حياتهم يحصلون عليه على قدر ذكائهم وكيسهم، أم هو قدر مكتوب؟ فماذا أجاب هذا الحكيم؟

فقال لها: «هذه مسألة قد اختلف فيها من مضى من سلفنا». فقالت له: «فأنت على كثرة ما تأخذ من بيت المال تعي عن الجواب في هذه المسألة؟» أي قالت له أنت واضح أن لك منصبًا في الدولة، وأنت كل هذه الرواتب التي تأخذها من بيت مال الدولة لا تستطيع أن تجيبني عن هذه المسألة؟ يا خسارة الرواتب التي نعطيك إياها!

فقال لها: «أنا آخذ من بيت المال على قدر ما أحسن، ولو أخذت على قدر ما لا أحسن لأخذته». شوف الجواب الحكيم، قال: أنا آخذ راتبًا من بيت المال لكن مقابل أن أعلم الناس شيئًا أحسنه، ولا آخذ راتبًا من أجل أن أتكلم في العلم بدون علم. فقال لها المرأة: «أما إنك إذ عييت عن جواب هذه المسألة لقد أحسنت الحيلة في تعاهد هذا الرزق عليك». أي قالت له: صحيح أنت لم تعرف تجاوب هذه المسألة، بس واضح أنك شاطر في أن يظل رزق بيت مال الفرس ماشي عليك، لأنك فهمان وعارف تدير الأمور من خلال جوابك.

وقال غيره من الحكماء: «لم أطلب العلم لأبلغ أقصاه، ولكن لأعلم ما لا يسعني جهله». جميل، لم أطلب العلم حتى أختمه لأبلغ أقصى شيء في هذا العلم، لكنني طلبت العلم من أجل أن أرفع الجهل عن نفسي، وهذا لا يحتاج أن أبلغ أقصى العلم.

قال وقال الشاعر: إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده ... أطال فآمل أم تناهى فأقصر ويخبرني عن غائب المرء فعله ... كذا الفعل عما غيب المرء مخبرا

قال وأخبرني غير واحد عن أبي محمد قاسم بن اصبغ أنه قال: لما رحلت إلى المشرق...

ونزلت القيروان فأخذت على بكر بن حماد حديث مسدد، ثم رحلت إلى بغداد وقد لقيت الناس، فلما انصرفت عدت إليه لتمام حديث مسدد.

فقرأت عليه فيه يوما حديث النبي ﷺ أنه قدم عليه قوم من مضر مجتبو النمار، فقال لي: إنما هو مجتابو الثمار. فقلت له: إنما هو مجتابو النمار. هذا تصحيف وقع في بعض الروايات، أنهم أتوا «مجتابي الثمار»، فقال له: مش مجتابي الثمار، مجتابي النمار، قرأوا الحديث خطأ: «مجتابي الثمار». قالوا: ما في معنى «مجتابي الثمار»، الإنسان لا يلبس الثمار! قال: «مجتابي النمار». فهذا تصحيح للتصحيح.

قال: هكذا قرأته على كل من قرأت عليه بالأندلس وبالعراق، يعني كل من روى هذا الحديث في الأندلس وفي العراق رواه «مجتابي الثمار»، وأنت ترويه «مجتابي الثمار»؟ هذا خطأ. فقال له: ليب دخولك العراق تعرضنا وتفخر علينا؟ ثم قال: قم بنا إلى ذلك الشيخ، لشيخ كان بالمسجد فإن له بمثل هذا علماً.

فقمنا إليه وسألنا عن ذلك، فقال: إنما هو «مجتابي النمار» كما قلت، وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة جيوبهم أمامهم، والنمار جمع نمرة. فقال بكر بن حماد: وأخذ بأنفه رغم أنفي للحق، رغم أنفي للحق، وانصرف. هذا تفسير آخر لقضية النمار، وقالهم قوم كانوا يلبسون ثياباً مشققة جيوبهم أمامهم.

فصل: وذكر بإسناده عن ليث بن أبي سليم أنه قال: قال لي طاووس -وهذا موطن الشاهد أنه تواضع للحق- قال: «رغم أنفي للحق»، رغم أنفي. خلص لما عرف أنه أخطأ، هو يرويها «الثمار» وهي «النمار»، أنصف من نفسه، وهذا الباب معقود للإنصاف.

إسنادي عن ليث بن أبي سليم أنه قال: قال لي طاووس: «ما تعلمت فتعلمه لنفسك، فإن الأمانة والحياء قد ذهب من الناس». يعني يقول: نحن وصلنا لمرحلة أن الإنسان يطلب العلم من أجل نفسه، وأما أن تتوقع أن الناس تستفيد من علمك، فإننا وصلنا إلى زمان ذهب فيه الأمانة والحياء، فلا أحد يستحق أن تعطيه العلم. وطبعاً الموطن الشاهد أنه هو يخبر عن، للأسف، كثرة الجهل عند الناس وقلة احترامهم وقلة إنصافهم لأهل العلم.

وقال مالك بن دينار: «من طلب العلم لنفسه فقليل العلم يكفيه، ومن طلبه للناس فحوائج الناس كثيرة». جميل، هذه العبارة ما معنى هذه العبارة؟ الآن يقول لك: حدد وجهتك في حياتك العلمية يا طالب العلم. أنت تطلب العلم من أجل أن ترفع الجهل عن نفسك فقط ولا تريد أن تتصدر؟ إذا كان هذا مستواك أو طموحك، فقليل العلم يكفيك؛ يعني خلص خذ من كل علم أحسنه وتفقه في الدين في الأساسيات، وإن شاء الله هذا يكفيك. أما إذا أنت تدخل في طريق طلب العلم من أجل أن تتصدر للناس وتفتي الناس، فاعلم أن الرحلة طويلة؛ لأن حوائج الناس ومسائل الناس لا تنتهي، وبالتالي أنت ستحتاج أن تطلع على كثير من العلوم حتى تستطيع أن تغطي أكبر قدر ممكن من حوائج الناس. فما هو الطموح الذي تريد الوصول إليه؟ هذا سيحدد رحلتك العلمية. هل أنا فقط أريد أن أرفع الجهل عن نفسي؟ أم أريد أن أتصدّر للناس؟ كل مستوى معين يحتاج إلى طريقة في طلب العلم.

وقال امرأة للشعبي: أيها العالم أفتني، فقال: «إنما العالم من خاف الله عز وجل». وهذا من إنصافه، يعني أنه يقول: لست عالماً، العالم الحق إنما يخشى الله من عباده العلماء، وأنا لم أصل إلى هذه المرتبة.

وروى الزبير بن بكار، بأسم: سمعت مالكاً يقول: «المراء يقسي القلب ويورث الضغن». هذه أفكار مبعثرة، لذلك ذكرها تحت فصل مستقل، كل فكرة في جانب؛ قضية أن الإنسان يحاول أن يقلل المراء قدر الإمكان لأنه يقسي القلب ويورث الضغائن بين الإخوة والأحبة.

فصل: بإسناده رحمه الله عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن مسعود قال: «ما أنت محدث قوماً حديثاً لا تبلغ عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة». هذا أيضاً يمكن أن يدرج أو يجمع تحت موضوع ماذا؟ التعليم أو وسائل التعليم وكيف تكون معلماً ناجحاً.

اللي تكلمنا عنه في أول المجلس أن المعلم الناجح لا يلقي أمام الناس معلومات إلا إذا كانت هذه المعلومات مناسبة لمستوى عقولهم. يعني ما ينفع أمام بسطاء الناس تلقي معلومات في تفاصيل وفروع المنطق وتفريعات أصول الفقه، وماذا قال فلان وماذا رد عليه الجرجاني؛ عوام الناس لا تسع عقولهم مثل هذه المسائل، أليس كذلك؟ فيكون هذا العلم إلقاءً لهم فتنة. فأما العوام، عليك أن تختار نوعاً معيناً من المعلومات التي يسهل عليهم أن يفهموها. أمام الطلبة المبتدئين تطرح طرحاً معيناً، وأمام المتوسطين تطرح طرحاً آخر.

أحياناً بعض الشباب الناشئ -ابن عاشور تكلم عن هذا في كتاب يس الصبح بقريب- قال: «لما بدأت التدريس، وجدت في نفسي هكذا رغبة أني أعطي الطلاب كل شيء عندي، فشرحت الأجرية أو شيئاً من هذا، فأعطيتهم من ألحان الحكماء وكذا، فكان الدرس شاقاً صعباً». وواضح أن الموضوع كان بالنسبة لإثراء نفسي، أن أشعرهم أنني جمعت علوم الأولين والآخرين. قال: «فلما كبرت عرفت أن هذا سفه، وأن المعلم الناجح يراعي حال الطالب».

فالطالب المبتدئ لا يشرح له المتن كما يشرح للطالب المنتهي. الطالب المبتدئ تعطيه الأساسيات. يعني الموضوع باختصار ليس فرض عضلات، ليس أن أظهر للطالب قدراتي على أن أحضر له من الكتب ومن حواشي الحواشي، ومن حاشية فلان الذي لم يسمع به بعض الناس. لرغبته بإظهار نفسه يهتم بالفلسفة في هذه الأمور ليظهر للطالب أنه قارئ ومثقف ومطلع على حواشٍ دقيقة، لكن في الحقيقة هو يخادع الطالب لأنه لم يعطه المعلومة التي تناسبه. أعطِ الطالب المعلومة التي تناسبه، ولا تعطِه معلومة أكبر من مستوى تعلمه حتى لا تفتن.

قال وقال ابن وهب وحدثني ابن أبي الزنادي.

عن هشام بن عروة أنه قال: قال لي أبي: ما حدثت أحدا بشيء من العلم قط لم يبلغه عقله إلا كان ضلالا عليه. الفكرة السابقة والبعدية أيضا لا يعرفه يضره ولا ينفعه.

نفس الشيء في البعدية؛ قال ابن عباس -رضي الله عنه-: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتُريدون أن يكذب الله ورسوله؟». هذا من جميل المعاني، حتى الأحاديث النبوية بعض الأحاديث النبوية لا يقوى على جمعها مع أصول الشريعة إلا العلماء، فالتكليف في فهمها خطأ حتى ولو كان حديثا عن رسول الله ﷺ، فعليك أن تنتقي الحديث الذي يناسب عقول العوام. أليس كذلك؟ بعض الأحاديث تحدث شبهة عند النساء أو تحدث الشبهة عند الرجال أو ما شابه ذلك، وبالتالي حتى الحديث النبوي ينتقى منه أحسنه، فما بالك بالعلوم الأخرى؟

وعن ابن مسعود نحوه، وبإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «تعلموا العلم، وعلموه للناس، وتعلموا له الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمتم منه ولمن علمتموه، ولا تكونوا جبارة علماء، فلا يقوم جهلكم بعلمكم».

وبإسناد عن أبي مسلم أنه يقول: كان سفيان على المروة، فنظر إلى أصحاب الحديث يعدون على المروة -يعني على جبل المروة- فكأنه رآهم حين رآهم كأنهم مجانين، فقال: «مثلهم». فنظر إلى أصحاب الحديث يعدون حين رآهم، كلهم يركضون باتجاهه يريدون أن يصلوا إليه، كأنهم مجانين، فقال: «مثل أصحاب الحمام، لهم لذة في شيء لو أرادوا الله به لقاربوا الخطى».

انتقدهم على ذلك، قال: هذول مثل أصحاب الحمام، أصحاب الحمام الذين يعرفون بشوا الحمام ويشتغلون في الحمام، قال: هذول مثل أصحاب الحمام، مثل قشيشة الحمام، لهم لذة في الحمام وتطيره وجمعه، هؤلاء أصحاب الحديث الذين رآهم يركضون لهم لذة في شيء حابين يسمعوا الحديث ويستكثروا منه، قال: «لو أرادوا الله به لما ركضوا ركض المجانين، لقاربوا الخطى».

هذا يدل على أن لطالب العلم يجب أن يفيض عليه من الرزانة، ولا يكن عنده طيش. هو انتقد نوعا من الطيش ظهر من بعض الطلبة أنهم أسرعوا جدا مثل المجانين يركضون لما رأوا، فهو يقول: لماذا هذا التصرف؟ أنت تطلب العلم لله، فالهدوء الهدوء، وما في داعي لمثل هذه التصرفات.

وقال: وكان يقال: «أربعة لا يأنف منهن الشريف». منهم -أظن- الشريف قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته لضيفه، وقيامه على فرسه وإن كان له عبيد، وخدمته للعالم ليأخذ من علمه. وهذا موطن الشاهد؛ أن الشريف لا يأنس من خدمة العالم ليأخذ من علمه.

ويقول: «ارحموا عالما»، ويقال: «ارحموا عالما يجري عليه حكم جاهل». ما معنى هذا الكلام؟ ارحم عالما يجري عليه حكم جاهل.

ويُروى أن بعض الأكاسرة كان إذا سخط على عالم سجنه مع جاهل في بيت واحد؛ هذه كانت عقوبة عند الفرس، إذا أردت أن تعذب عالما احبسه مع جاهل في غرفة واحدة، لكي ينسى علمه.

ومن حديث جابر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا يستخف بحقهم إلا منافق: ذو الشيبة في الإسلام، والإمام المقسط، ومعلم الخير». ومعنى أن يستخف بعالم يعلم الناس الخير ويعمل بعلمه -وأرجع بقولي ويعمل بعلمه- لأننا اليوم نعاني مشكلة كثرة المتصدرين واختلافهم وتباين آرائهم، فهناك آراء مشرفة وهناك آراء مخزية، وبالتالي يجب أن يعرف من هو العالم الذي يتكلم عنه، وهو العالم العامل بعلمه بهذه المعايير.

وقال ابن وهب: سمعت مالك يقول: «إن حقا على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعاً لآثار من مضى قبله». وهذا جميل، احفظوها يا طالب العلم: لا تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام، دائما إذا تكلمت في مسألة أو تبنيت رأيا يجب أن يكون لك فيه إمام من الأئمة السابقين، تأتيني بدليل. وربما يقول أحدهم: قد يأتي الإنسان المعاصر بأمور لم يسبق إليها الأوائل، وهذه كلمة عريضة، وبعضهم يقول: نحن رجال وهم رجال. وهو لا يزال يخطئ في البديهيات، لا ينفع أن تقول نحن رجال وهم رجال، بل يجب أن تصف كما وصف أحمد بن حنبل والشافعي ومالك وأبو حنيفة وسفيان والأعمش، وتعرف من هم هؤلاء وما مقدار علومهم قبل أن تقول نحن رجال وهم رجال.

وروى زيد بن الحباب بإسناده قال: أبو الدرداء: «من يزدد علماً يزدد وجعاً». فقال سفيان: لماذا يزدد وجعاً؟ أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: «من يزدد علماً يزدد وجعاً». في إيصال الوجع للناس من أهم إيصال العلم للناس، فطلب العلم فيه جلوس لساعات وحبس للنفس، فمن يزدد علماً يزدد تألماً.

يزداد أسفًا على جهل الناس من يزداد علمًا، يزداد وجعًا لما يرى من جهل الناس وعدم إدراكهم لهذه العلوم. وسند موضوع الغربة: علم، فكرة غريبة عن حواليه، أحسنت، يزداد وجعًا، وهذا كله متقارب؛ يزداد وجعًا لأنه يكتشف كم الناس جهال، وبالتالي يصبح عنده غربة.

حبيبنا، ممكن برضه ملحظ لطيف، العبارة واسعة وبالتالي يمكن إدخال عدة معاني، أحسنت: يزدد وجعًا لمعرفته بعظمة الله وخشية الله وعظمة مقام الله، وكم نحن نقصر في هذه المعاني.

نكمل، حتى الآن آخر نعم. قال منصور بن إسماعيل الفقيه، وقال سفيان الثوري: «لو لم أعلم لكان حزني أقل». لو لم أعلم لكان حزني أقل، كلما ازددت علمًا بالله ازددت خوفًا وإجلالًا وتعظيمًا، وحزنت أيضًا على وطع الناس. يعني أفكار كثيرة، لكن هذا المعنى الذي أضافه الأخ الأخير معنى جميل حقيقة.

قال منصور بن إسماعيل الفقيه: «عَيْشُ الفَقِيهِ بِعِلْمِهِ مُتَنَغِّمٌ مِنْ رَبِّهِ وَالآخَرِينَ، فَخَشِيَ الدُّنْيَا...». الطبيب يخشى من الناس إذا ما عالجه أو إذا أخطأ في علاجه، يأتون عشيرته وهكذا، وتضرب، وعابر الرؤيا إذا لم تعجبهم تعبير رؤياه يُضرب. فيقول لك: الفقيه يخشى من الله، والطبيب ومعبر الرؤيا يخشى من الناس.

قال وكذا المنجم: «عَيْشُهُ مِنْ عَيْشِهِمْ، فَمَا فِيمَا يَقُولُ ذُو النُّهَى.. أَشْقَى الشَّكِّ أَوَّلُ حَاصِلٍ فِي كَفِّهِ، وَالبُعْدُ مِنْ زُهْدٍ وَمِنْ تَقْوَى.. يَخْشَى وَيَرْجُو أَنْجُمًا وَمُدِيرَهَا أَحْرَى بِأَنْ يُخْشَى وَأَنْ يُرْجَى». سبحان الله، المنجم يخشى من الأنجم وأقداره، والذي يجب أن تُخشى هو الله وليس النجوم، فإنما النجوم تتحرك بقدر الله.

وبإسناد عن أبي الدرداء أنه قال: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يُعطَه، ومن يتوقى الشر يُوقَه؛ ثلاث من فعلهن لم يسكن الدرجات العلى». حقيقة من أعظم الكلام الذي يجب أن يحفظه طالب العلم: «إنما العلم بالتعلم»، ما في أحد خرج من بطن أمه عالمًا، إنما العلم بالأيام والليالي. وإنما الحلم والأخلاق والآداب أيضًا بالتحلم، يعني بالتصبر على اكتساب الأخلاق والآداب، تكتسبها، مش كل الأخلاق ستولد عليها، في أخلاق ستكون صعبة عليك لكن بالتحلم والتعود إن شاء الله تكتسبها وتصبح عادة.

«ومن يتحرى الخير» الذي يبحث عن الخير بصدق يبلغه الله هذا الخير أو ما هو في منزلته. قال: «ومن يتوقى الشر يوقه؛ ثلاث من فعلهن لم يسكن الدرجات العلى»، ولا أقول الجنة، «من تكهن أو استقسار من سَفَرِهِ لِطِيَرِه». قال: ثلاث من فعلهن لم يسكن الدرجات العلى، لا أقول الجنة، يعني لا أقول إنه لن يدخل الجنة، لكن أقول إنه لن يكون في أعلى عليين؛ من يقع في هذه المعاصي لن يكون في أعلى عليين، أما أن أقول إنه لن يدخل الجنة، فهذا لا يتألى على الله في ذلك.

«من تكهن أو استقسار من سفره لطيره»، هذه الأمور هي من أمور الجاهلية وهي من أمور الشرك حقيقة، لكن هل أبو الدرداء يرى أن منها ما يكون شركًا أصغر ومعصية كبرى لا تصل صاحبها إلى الكفر؟ يعني هذا يحتاج إلى نظر. قضية الطيرة، مفهوم كلام أهل السلف أنها قد تكون صورة من صور الشرك الأصغر في بعض صورها، لكن الاستقسام بالأزلام إذا كان من صور القمار ليس مخرجًا من الملة. فيصدق عليه، لكن «من تكهن» يمكن أن يقال ليس الذي يمارس الكهانة، بل من ذهب إلى الكهان وسألهم. ورد في بعض الأحاديث أنه من المعاصي الكبائر وإن لم يصل بصاحبه إلى الشرك، وأما الكاهن نفسه فهذا كافر، فلا يمكن أن يقول أبو الدرداء إنه قد يدخل الجنة ولكن لا يصل إلى الدرجات العلى، فيجب أن نحمل الكلام على صورة يصلح فيها؛ إذاً «من تكهن» أي من سأل الكاهن، وليس المراد الكاهن نفسه الذي يدعي علم الغيب فهذا كافر لا يدخل الجنة أصلاً.

قال من قول أبي الدرداء: «إنما العلم بالتعلم»، أخذ والله العلم سابق قوله، فقال: «قد قيل قبلي في الزمان الأقدم». سابق البربري مر معنا كثيرًا، هذا سابق البربري يكثر عنده الشعر الذي فيه الحكمة، قال: «قد قيل قبلي في الزمان الأقدم.. إني رأيت العلم بالتعلم جميلًا».

وقال الحسن: «العامل على غير علم كالسلك على غير طريق، والعامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح. فاطلب العلم طلبًا لا تضر بالعبادة، واطلب العبادة طلبًا لا تضر بالعلم، فإن قومًا طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا أسفهم على أمة محمد ﷺ، ولو طلبوا العلم لما دلهم على ما لم يدلهم على ما فعلوا».

هذا حقيقة من أعظم الكلام أيضًا، كلام عظيم جدًا، دعونا نقرأه مرة أخرى. وقال الحسن: «العامل على غير علم كالسلك على غير طريق»، يعني العابد أو الذي يمشي في أي مشروع حركي سياسي نهضوي وهو لا يملك علمًا شرعيًا هذا سيضل، ليس الموضوع فقط العابد بل حتى أي طريق أو مسلك فكري سياسي نهضوي للأمة لا يقوم على أساس العلم الشرعي فهو ضلال، هذه قاعدة عامة. ثانيًا: «والعامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح»، الفكرة الثانية: هذا الشخص نفسه صاحب المشروع النهضوي السياسي الحركي، سمِّ ما شئت، ما يفسده في الناس أكثر مما يصلحه، هو يعتقد أنه يصلح لكن ما يفسد أكثر لأنه لم يبنِ مسيرة وتوجيهات للناس على ماذا؟ على العلم الإلهي.

قال: «فاطلب العلم طلبًا لا تضر بالعبادة». ما معنى هذه العبارة؟ عبارة مهمة. يا عبد الرحمن، ما يصير يشغف بصلاته عشان يدرس الفقه، يعني أحسنت، وأعطاكم المثال من الآخر؛ يعني يقول لك: إياك أن تجعل طلبك للعلم يؤثر على عبادتك. بعض الشباب لأنه يظن نفسه طالب علم يقول لك: أنا طالب علم بالتالي معفى من قيام الليل، معفى من أذكار الصباح والمساء، معفى من الخشوع في الصلاة، معفى من كل الأمور؛ ليه؟ قال لأني طالب علم! لا يا أخي الله يرضى عنك، ليس هذا منهج السلف، طلب العلم لا يؤثر على العبادة، لذلك ماذا قال الحسن؟ «فاطلب العلم طلبًا لا يضر بالعبادة»، لا تجعل طلبك للعلم يضر بمسلك العبودية مع الله سبحانه وتعالى، بدك تضل محافظ على أورادك.

لا يصلح أن يكون عوام المسلمين أفضل من طلاب العلم في التعبد. صحيح أن تجد عوام المسلمين حرصهم على القيام والقرآن والصلاة والذكر أحسن من بعض من هو متصدر لتعليم الناس الخير، وهذه مشكلة في المسلك، أليس كذلك؟

والعكس أيضًا؛ لا بد ألا تنشغل بالتعبد لدرجة تقصر فيها في طلب العلم. لا تشتغل بالتعبد كحال كثير من أهل التصوف ممن يشتغل بالأوراد والأذكار وما كذا، وما عنده استعداد يحضر مجلسًا فقهيًا، وما عنده استعداد يحضر مجلس حديث يتعلم سنة النبي ﷺ، فإياك أن تنشغل بالعبادات الشخصية ويؤثر ذلك أيضًا على نصيبك من طلب العلم.

قال: فإن قومًا من طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا باسيئة فهم على أمة محمد ﷺ. الخوارج ما كانت مشكلتهم؛ ترى الخوارج كانوا عبادًا، عبد الله بن وهب الراسبي رئيس الخوارج كان عنده علامة في وجهه لشدة سجوده، كان يطيل السجود حتى قالوا كان لديه علامة من كثرة السجود. إذًا مشكلة الخوارج أنهم غلبوا جانب التعبد الزائد وقصروا في العلم تقصيرًا حتى سفكوا الدماء البريئة بحجة أنهم أنصار الله والذين يعملون مع الله وما شابه ذلك. فبزهدهم في العلم سفكوا الدماء، وكان وصف النبي ﷺ لهم أنهم «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الـ...». ماذا أفاد طول السجود؟ لم يفدك شيء.

قال: ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا. لو كان عندك علم لما سفكت الدماء.

روى صالح بن مسمار، والأشعة بن عبد الملك، وعن الحسن أنه قال: «إن من أخلاق المؤمن قوة في الدين، وحزمًا في لين، وإيمانًا في يقين». هذه أخلاق أهل الإيمان؛ أن يكون عند المؤمن قوة في دينه عندما يتعامل في الأمور الدينية، فلا يتلاعب بها ولا يسمح لأحد أن يتلاعب بها أمامه. وهذه القوة في الدين نَحملها على وجهين: قوة في دينه بحيث يكون دينه قويًا غير مهترئ أو هزيل، وقوة تشبث في الدين بحيث لا يسمح لأحد أن يتطاول عليه، وهذا يدخل تحت المفهوم أيضًا.

وقال: «وحزمًا في لين»؛ يعرف أين يحزم وأين يلين، عنده توازن؛ يحزم في الأمور التي تحتاج إلى حزم، ويلين في الأمور التي تحتاج إلى لين، فهو متوازن في هذا الجانب أيضًا من أخلاق أهل الإيمان.

وقال: «وإيمانًا في يقين»؛ عنده إيمان ويقين بأن هذا الإيمان هو سبب النجاة وسبب الوصول وسبب في تحقيق الخير، فهو مصدق ومتيقن بهذا التصديق وبنتائجه وثماره.

وقال: «وحرصًا على علم، وشفقة في تفقه، وقصدًا في عبادة، ورحمة للمجهود». يعني عنده حرص على العلم، وشفقة في تفقه؛ إذا تفقه لا يشق على نفسه وإنما يأخذ الأمر باليسر كما مر معنا، وقصدًا في العبادة يعني التوسط، ما عنده غلو ولا جفاء، ورحمة للمجهود؛ يرحم الضعيف والمجهود، والمجهود هو المثقل المهموم، يرحمه ويشفق على المسكين المتعب.

وقال للسائل: «لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب». ما هو الإنصاف؟ إذا أبغضت شخصًا فلا تظلمه، خلص انصف معه حتى ولو كنت تبغضه. ولا يأثم فيمن يحب، لا يصل إلى التعشق والتعلق المحرم؛ إذا أحب شخصًا أحبه حبًا معتدلًا لا يعبده.

«متشكرٌ قانعٌ بالذي له، ينطقُ الزلازلَ وقورُ». ليس مراد الزلازل الحقيقية، المراد في البلابل والفتن، عنده وقار ولا يوجد عنده عجلة وتسرع. «وفي الرخاء والنعمة شكور»؛ يشكر الله على نعمه، «قانعٌ بالذي له»؛ عنده قناعة. «ينطقُ»؛ إذا نطق أفهم، يتكلم بعلم، وليس كلامًا فارغًا. «وإذا سكت يسكت ليسلم»؛ أن السكوت سلامة أحيانًا. «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».

«وقر بالحق قبل أن يشهد عليه»؛ يعني إذا كان الحق عليه يقر به، ما ليس من أهل الخصومات ولا ترفع عليه قضية، إذا كان الحق عليَّ أعترف به، ما في داعي أن أضطر الناس أن يرفعوا عليَّ قضية حتى أعترف بالحق أو يثبت عليَّ الحق.

وعن أبي حمزة الثمالي أنه قال: دخلت على علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، فقال: يا أبا حمزة، ألا أقول لك صفة المؤمن والمنافق؟ قلت: بلى جعلني الله فداك. فقال: «إن المؤمن من خلط علمه...».

يجوز أن تقول للشخص المسلم: «جعلني الله فداك»، هذه سُئلت عنها أكثر من مرة في هذه الأيام، حيث يقول بعض الناس: أنا فداء فلان، فهل يجوز أن أقول أنا فداء هذا الشخص المسلم؟ نعم، هذه عبارة لا إشكال فيها، بشرط أن لا تسبب اختلالًا في الموازين العقدية. لما تقول «جعلني الله فداك» على سبيل الدعاء فلا مشكلة، لكن أن يصبح تعلقك بهذا الشخص -وهي الرمزية الأعلى- أعلى من تعلقك بالله، هنا تكون المشكلة في اللفظ.

المشكلة ليست في أن تقول أنا فداء فلان، فقد يكون له رمزية جهادية أو عقلية أو فكرية، لكن المشكلة عندما تصبح هذه الفكرة تؤثر على عقيدتك وتعلقك بالله، ويصبح تعلقك بالأشخاص أكثر من تعلقك بالله؛ لو استشهد هذا الشخص أو قُتل قد يصيبك نوع من الانهيار الإيماني أو سوء الظن بالله سبحانه. فدائمًا عود نفسك أن يكون تعلقك بمن يملك الملوك سبحانه. لكن لا تستعجل، بعض الناس يستعجل في التبدي؛ أخي اتق الله، لا يجوز أن تقول لشخص "أنا فداك" من باب التعلق، بل على سبيل الدعاء، ولا تقال إلا للمسلم طبعًا.

فقال: «إن المؤمن من خلط علمه بحلمه، يسأل ليعلم، وينصت ليسلم، لا يحدث بالسر والأمانة الأصدقاء، ولا يكتم الشهادة البعداء، ولا يحيف على الأعداء». يعني الأسرار والأمانة يكتمها ولا يحدث بها، وإذا كانت له شهادة -ولو كانت هذه الشهادة لصالح عدوه- يشهد بها.

شهادة لصالح عدو هو مستعد أن يشهد بها لله. نعم، قال: ولا يحيف على الأعداء، ولا يعمل شيئًا من الحق رياءً ولا يدع حياءً؛ فإن ذكر بخير خاف ما يقولون، واستغفر لما لا يعلمون. وإن المنافق ينهى ولا ينتهي، ويؤمر ولا يأتمر؛ إذا قام إلى الصلاة اعترض، وإذا ركض ربض، وإذا سجد نقر، يمسي وهمته العشاء ولم يصم، ويصبح وهمته النوم ولم يسهر؛ هو همه في بطنه، وهمه يخلص من الصلاة قدر المستطاع، إذا صلى صلى نقرًا، همه أنه يخلص من الصلاة سريعًا.

قال: وهمته العشاء ولم يصم، يعني يفكر في العشاء وهو مش صائم؛ واحد صائم حقه يفكر في العشاء، لكن إنسان مش صائم وأفطر وتغدى، ليش حامل هم العشاء؟ المراد أن المنافق هممه شهوة بطنه وفرجه، وإذا صلى راون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً.

نعم، قال: فصل في فضل الصمت وحمده. ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من صمت نجا». وهذا حديث صحيح. وهذه من أهم الأمور والمارسات التي يجب أن يكتسبها طالب العلم. أحيانًا ستتعرض لمجالس وتجلس مع ناس يثرثرون كثيرًا ويتكلمون كثيرًا، فأياك إياك أن تدخل معهم في مساجلات وتفاهتهم، وتعلم أن تصمت، ولا تتكلم إلا إذا احتاج المقام أن تتكلم؛ فالكلام كثير، ومن يتحدث كثر.

فطالب العلم يوطن نفسه على الصمت وعبودية الصمت وإحسان هذا الفن؛ لأنك سترى ما يدهشك في الحياة إذا تصدرت. وقد صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت». وقد ذكرنا هذا المعنى مجردًا في التمهيد؛ أي في كتابه التمهيد، مرة بإسناد عن يزيد بن أبي حبيب أنه قال: «إن من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع». ضعوا تحت هذا خط، واحفظوه في حياتكم؛ مما يدل على أن عندك فتنة يا طالب العلم إن كان الكلام أحب إليك من الاستماع، يعني أن تكون شهوة الحديث عندك تغلب شهوة أن تسمع وتستفيد وتتلقى، هذا دلالة أنه في خطر، وفي مشكلة عندك في حياتك.

نعم، قال: وفي الاستماع سلامة وزيادة في العلم، والمستمع شريك المتكلم. وفي الكلام توهق وتزين، وسلامة وزيادة مرة مع مستمع شريك المتكلم في الأجر والثواب؛ لأن مجلس العلم يقوم على متكلم ومستمع، فلو كنت أنت المستمع لا يضرك ذلك.

نعم، قال: ومن العلماء من يرى أنه أحق بالكلام من غيره، ومنهم من يزدري المساكين ولا يراهم موضعًا، ومنهم من يخزن علمه ويرى أن تعليمه ضعة، ومنهم من يحب أن لا يوجد العلم إلا عنده، ومنهم من يأخذ في علمه مأخذ الشيطان.

هذا أيضًا انتبه له؛ بعض المشايخ أو بعض المتصدرين يريد من الطلاب أن لا يأخذوا العلم إلا من عنده، وهذا من أمراض القلوب. أنت أخي لم تحتوي على كل العلوم، ومن الخطأ أصلًا أن الطالب يقتصر عليك؛ فلماذا تطالب الطلاب ألا يأخذوا العلم إلا من عندك؟ خلهم يسمعوا منك ويسمعوا من غيرك، ويستفيدوا منك ويستفيدوا من غيرك، هكذا تكون نفس سوية.

نعم، قال: ومنهم من يأخذ في علمه مأخذ السلطان حتى يغضب أن يرد عليه من قوله شيء أو يغفل عن شيء من حقه. ما معنى أن يأخذ مأخذ السلطان؟ يعني يسير على خطى السلاطين؛ بعض العلماء يسير على خطى السلاطين، من الذي يغضب إذا رد عليه السلطان؟ ومن الذي يريد أن يستوعب حقه السلطان؟ فبعض العلماء يسير على خطى السلطان، يريد أن لا يرد عليه، وأن لا يخطئ، وأن كل شيء يعطى له، هذا أنت ما عدت عالمًا، أصبحت سلطانًا وزعيماً.

نعم، قال: فلعله يؤتى بأمر لا علم له به فيستحي أن يقول لا علم لي، فيرجم فيكتب من المتكلفين. ومنهم فيرجم، يعني يتكلم بالظن رجماً بالغيب؛ إذا سئل عن مسألة لا يعلمها يستحي أن يقول لا أعلم، فيرجم بالغيب، يصبح يخابر المسألة ويتكلم فيها بجهله.

نعم، قال: ومنهم من يروي كلما سمع حتى يروي كلام اليهود والنصارى إرادة أن يغزر علمه. وبعضهم لكثرة حبه للظهور يروي كل ما يسمع. تلاق بعض الناس اليوم —انتبهوا له— لأن يشعر أن الثقافة اليوم الغالبة أنك لازم تطعم كلامك وتدخل في كلام فلاسفة الغرب ونيتشه وهؤلاء الجماعة، بعضهم لا يجمل مجلسه إلا إذا استحضر أسماء الأجانب؛ حتى يشعر الطلاب بسعة ثقافته وغزارة علمه، وهذا مرض من أمراض القلوب.

اليوم يغزو كثير من الطلاب، خاصة من أعطي حسن الاطلاع، أنه يصبح يزهد أن يقول قال رسول الله ﷺ حتى لا يتهم، يقول: "أنا أتكلم لا أحكي نيتشه وأحكي يسف وده وأحكي طه عبد الرحمن وأحكي أسماء الفلاسفة". بعضهم يكون فتنة له في قلبه أن يتحدث بكلام الفلاسفة لأنه يشعر داخليًا أنه هكذا يعلو كعبه وينظر إليه أنه ما شاء الله موسوعي، أما إذا قال قال سفيان وقال الأعمش وقال كذا، فإنه ما زال على طريقة السلفيين وعلى خطى أهل الحديث.

هذا مرض قلبي يغزو كثير من الطلاب حتى الأفاضل، حتى من هو على مذهب السلف يشعر بشيء من الانتقاص، وهذه ما يسميها الشيخ ابن السكران —فرج الله عنه— "سلطة الثقافة الغالبة" في كتابه؛ أن اليوم لأن الثقافة الغالبة هي ثقافة الغرب والفرنج وكلامهم تجد له حلاوة وطلاوة.

"يروي كل ما سمع حتى يروي كلام اليهود والنصارى إرادة أن يغزر علمه"؛ يعني إرادة أن يظهر للطلاب غزارة ما عنده من الثقافة، فيجيب كلام الفلاسفة واليهود وحكماء الفرس وحكماء الهند، وهذا من الأمراض القلبية حقيقة.

هذه الوصية من أعظم الوصايا النافعة التي ينبغي أن يديم طالب العلم النظر فيها. حقيقة الكتاب مليء بالكلام، وكل جملة وكل فقرة فيها من المعاني العظيمة التي ينبغي أن يحصلها طالب العلم ويعتبرها منهجًا في حياته؛ ما يمكن أن نتجاوزه أو يقرأ سريعًا، حرام، كتاب نافع عظيم يجب أن تقف مع كل سطر فيه وقفة متعلم وتفهم.

قال أبو عمر رحمه الله: روي مثل قول يزيد بن أبي حبيب، هذا كله من أوله إلى آخره عن معاذ بن جبل من وجوه منقطعة، يدم فيها كل من كان في هذه الطبقات من العلماء ويعدهم على ذلك بالنار، والله أعلم. رويات هذه الوصية عن معاذ بن جبل لكنها أصح أسند إلى ابن أبي حبيب.

وبإسناد أن يزيد بن أبي حبيب أنه يقول: «إن المتكلم لينتظر الفتنة، وإن المنصت لينتظر الرحمة». المتكلم ينتظر الفتنة؛ أي ينتظر أن يتكلم بكلمة خطأ فتسبب فتنة في الناس، وأما الصامت فمستريح، ريح نفسه لأنه لا يتكلم، بالتالي هو ينتظر رحمة الله به.

وقالوا: «فضل العقل على المنطق حكمة، وفضل المنطق على العقل هجنة». إذا زاد عقلك على لسانك فهذه حكمة، وأما إذا كان لسانك أكثر من عقلك فهذه هجنة، وهي قبيحة. بعض الناس عقله أكثر مما يتكلم به، فعقله غالب على لسانه، فهذا حكيم، وبعض الناس لسانه أعلى من عقله، يتكلم بكلام كثير منه جهل فيقول هذا عمق، لا، لا يغلب لسانه على عقلك، عقلك ينبغي أن يغلب.

وقالوا: «لا يجترئ على الكلام إلا فائق أو مائق». الفائق يعني المتقن، والمائق يعني المودع (الأحمق). قال لا يجترئ على الكلام إلا شخص متقن فهو واثق مما عنده، وهذا حقه، أما الشخص الجاهل المائق الأحمق فيريد فقط أن يتفلسف وأن يتكلم.

وبإسناده عن أبي الذيال أنه يقول: «تعلمي الصمت كما تتعلمين الكلام، فإن يكن الكلام يهديك فإن الصمت يقيك. ولك في الصمت خصلتان: خصلة تأخذ بها من علم من هو أعلم منك، وتدفع بها عنك جهل من هو أجدل منك». يقول لك الصمت يفيدك في أمرين: تستفيد من علم من هو أعلم منك، وإذا صمتت تدفع عن نفسك أن تهزم في الجدال مع من هو أجدل منك؛ لأنك إما أن تتعامل مع مجادل أو عالم، فإذا صمتت أمام هذين الشخصين، فإما أمام من علمه أكثر، وإما أمام المجادل الذي يحسن المجادلة فإذا صمتت تذهب عن نفسك معard أن تهزم في الجدال، فهكذا تسلم.

وقال: كان أبو الذيال يتكلم بالحكمة، ولم أسمع منه غير هذا في الصمت. وكان عمر بن عبد العزيز كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات: يرى مستكيناً وهو للهو ماقت ... وبه عن حديث القوم ما هو شاغله وأزعج علمه اللهو كله ... وما علم شيئاً كمن هو جاهله عبوس من الجهد حين يراهم ... فليس له منهم خدين يهزل يذكر ما يبقى من العيش أجلاً ... فيشغل عن عاجل العيش أجله

الأخدان هم الجلساء والأصدقاء، فقوله «فليس له منهم خدين» أي ليس له منهم مائل، أي لا يجالسهم ولا يخادنهم.

وقال أبو عمر: قد أكثر الناس النظم في فضل الصمت، ومن أحسن ما قيل في ذلك ما ينسب إلى عبد الله بن طاهر وهو قوله: أقلل كلامك واستعد من شره ... إن البلاء ببعضه مقرون واحفظ لسانك واحتفظ من عيّه ... حتى يكون كأنه مسجون وكل فؤادك باللسان وقل له ... إن الكلام عليكما موزون فزنا وليكما محكماً في قلة ... إن البلاغة في القليل تكون

تكون وقد قيل إن هذا الشعر لصالح بن جناح، والله أعلم، وهو أشبه بمذهب صالح أن البلاغة تكون في الإيجاز، وليس في إطالة الكلام.

«فزنا وليكما» وكأنه خطاب للفؤاد واللسان؛ هو قال: «وكل فؤادك باللسان وقل له إن الكلام عليكما موزون»، يعني قل للفؤاد واللسان إن الكلام الذي سيخرج موزون، فإذا كان الكلام موزوناً «فزنا»؛ أي زنوا. «فزنا» هذا ليس من الزنا يا إخوان حتى لا يفكر أحد غلط، «فزنا» هذا أمر من الوزن، هو يقول للسان وللقلب: زنا الكلام قبل أن يخرج، فإنه إذا خرج خلص ذهب وإن حُسب عليك.

وقال: «وليك محكماً في قلة»، عود نفسك أن يكون كلامك حكمة في قلة، وليس كثيراً، كما النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم، يتكلم بالحكمة وبأبلغ القليل ولا يطيل الكلام.

وقد قيل: وأحسن ما قيل في ذلك قول نصر بن أحمد الخبز: رزي لسان الفتى حتف الفتى ... حين يجهل وكل امرئ ما بين فكيه مقتل إذا ما لسان المرء أكثر هذرة ... فذاك لسان بالبلاء موكل

أكثر هذرة أي أكثر الكلام، فكم فاتح أبواب شر لنفسه إذا لم يكن فمه مقفلاً، إذا قفل فمك، ومن أمن الآفات عجباً، برايه أحاطت به الآفات من حيث يجهل، أعلمكم ما علمتني تجاربي، وقد قال قبلي قائل متمثل: إذا قلت قولاً كنت رهن جوابه ... فحاذر جواب السوء إن كنت تعقل إذا شئت أن تحيا سعيداً مسلماً ... فدبر وميز ما تقول وتتعقل

«إذا قلت قولاً كنت رهن جوابه» يعني أي شيء ستقوله ستُسأل عنه، فبدك تكون مجهزاً الجواب؛ أي شيء تتكلم به ستُسأل عنه، بالتالي بدك تكون مجهز نفسك لتجيب عن التساؤلات التي سيطرحها الناس على كلامك. «فحاذر جواب السوء إن كنت تعقل» يعني فحاذر أن تضطر أن تجيب إجابات سيئة أو خاطئة لأن هذا سيضر في المستقبل. «إذا شئت أن تحيا سعيداً مسلماً فدبر وميز ما تقول وتتعقل».

قال أبو عمر: الكلام بالخير غنيمة وهو أفضل من السكوت، لأننا لو أردنا أن نميز أيهما أفضل: الصمت أم الكلام بالخير، حتى لا يحصل للطلاب خلاصة خاطئة وهي أن الصمت أفضل دائماً، لا. قال أبو عبد البر: «الكلام بالخير أفضل من الصمت». يعني هذه النتيجة: ليس من الضروري أن أصمت، لا، إذا كان عندك كلام خير.

تكلم بالخير، لأن أرفع ما في السكوت هو السلامة من الخطأ، وأما الكلام بالخير ففيه ماذا غنيمة؟ لأنك أفدت الناس، وقد قالوا: «من تكلم بالخير غنم، ومن سكت سلم».

والكلام في العلم أفضل من الأعمال؛ معنى أن نشر العلم وتعليم الناس الخير أفضل من العبادة الشخصية، لأن العلم نفعه متعدٍ. وهو يجري عندهم مجرى الذكر والتلاوة إذا أريد به نفي الجهل ووجه الله تعالى والوقوف على حقيقة المعاني. يعني إذا كنت تقصد بتعلمك العلم نفي الجهل عن نفسك، وأخلصت النية لله، وتريد أن تقف على حقيقة معاني كلام الله وكلام رسوله ﷺ، فهذا العلم هو بمنزلة قراءتك للقرآن، وبمنزلة مجالس القرآن، وبمنزلة مراجعة العلم.

سمعت أبا الذيال يقول: «تعلم الصمت». وعن أبي الدرداء أنه كان يقول: «الصمت حكم»، وفي بعض النسخ: «الصمت مانع»، أي مانع للإنسان عن الدخول والولوج في الخطأ، وقليل من يفعله، فإن أكثر الناس يهذر.

وقال أبو العتاهية في الصمت: وفي الصمت المبلغ عنك حكمُ ... كما أن الكلام يكون حكما إذا لم تحترس من كل طيشٍ ... أسأت إجابة وأسأت فهما أشد الناس للعلم ادعاءً ... أقلهم لما هو فيه علما أرى الإنسان منقوصاً ضعيفاً ... وما يلو لعلم الغيب رجما

ولأبي العتاهية أيضاً: من لزم الصمت نجا من قال بالخير غنم من صدق الله على من طلب العلم علم من ظلم الناس أسى من رحم الناس رحم من حفظ العهد وطلب الفضل إلى غير ذوي الفضل جرم

نقول: وقع في جرم. من حفظ العهد وفى، من أحسن السمع فهم. ونكتفي اليوم بهذا القدر، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

نعم، "من طلب الفضل إلى غير ذي الفضل جرم"، عندك "حرم" في نسختك وهذا جيد، أنا أيضاً هذا المعنى "حرم" في نسخكم جميعاً، لأنه في نسختي "جرم"، لكن أظن "حرم" أبلغ؛ أي حُرم من الفضل إذا طلبت الفضل إلى غير أهله. هذا أفضل من أن يكون "جرم" بمعنى الإجرام، لأنه ليس أبلغ معنى في هذا السياق، والله تعالى أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. نعم، غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي رازق. سؤال الس...