دخولتسجيل الدخول

التعليق على كتاب جامع بيان العلم وفضله | برنامج المدارسة | المجلس الخامس

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا رب شيخ قصي، شو أخبارك؟ الله يرضى عنك. غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله معاشر طلبة العلم في مجلس جديد نعقد فيه برنامج المدارسة، نتدارس فيها مجموعة من كتب أهل العلم والمصنفات المهمة التي ينبغي أن يطلع عليها طالب العلم في حياته العلمية. الكتاب الأول الذي نتدارسه هو كتاب الإمام ابن عبد البر: «جامع بيان العلم وفضله»، وهذا كتاب مهم جداً في بداية الطلب. وللأسف، كثيراً من الطلبة يقطعون شوطاً في حياتهم العلمية ولم يمروا على مثل هذه الذخائر التي تركها لنا علماؤنا.

مثل هذه الكتب هي كتب تأسيسية أيها الأحبة لطلاب العلم، ومما يؤسف عليه أيضاً عزوف الجامعات والمعاهد الشرعية عن قراءة مثل هذه المصنفات. هذه هي البداية؛ أن توجه الطالب كيف يتعلم العلم، ليست البداية أن تدخل مباشرة في المتون وتبدأ تعارك معها وأنت لا تعرف بعد أصول الطلب من الحفظ والمراجعة والمذاكرة وطريقة الفهم والتحليل والتعامل مع النصوص.

هناك قواعد وهناك مهارات يفقدها الطالب في حياته ويجب أن يتعلمها ابتداءً من أمثال هذه الكتب والمصنفات؛ ينظر كيف طلب الأوائل العلم، ما هي نصائحهم، ما هي توجيهاتهم، ما هي الأفكار المهمة؟ ثم بعد ذلك يبدأ حياته العلمية على رشد وهدى.

أما ما يحدث الآن للأسف في المعاهد الشرعية أو الجامعات أو الكليات الشرعية، أن الطالب يدخل مباشرة في دراسة الكتب والمصنفات، وللأسف المصنفات المعاصرة -حتى ليتها المصنفات القديمة- هذا حقيقة من مضيعة الأعمار. ولذلك لا ينبغي للطالب اليوم إلا من عاش على طريقة الأوائل واجتهد وسلك طريق العلماء، وأما من يسلك الطرق المعاصرة التي تتبناها المعاهد والجامعات، فللأسف هذا لا ينبغ ولا يكون صاحب شأن في المستقبل؛ لأنه لا يسير على خطى العلماء. فاليوم ما يتم إنشاؤه من هذه المعاهد إنما هو مثقف شرعي، لكنها لا تنتج طالب علم.

حتى تكون واضحة، هذا الكلام قد لا يروق للبعض لكن الحقيقة مؤلمة أحياناً. نعم، أيها الأحبة، نحن للأسف عندنا من خريجي الكليات الشرعية الآلاف، لكننا نتكلم عن مثقفين ولا نتكلم عن طلبة علم راسخين يستطيعون التعامل مع كتب التراث بكافة أشكالها وأنواعها، نحوًا وصرفًا وأصولًا. أن نعود إلى الجادة الصحيحة في طلب العلم، فعلينا أن نعود إلى خطى الأوائل، ونبدأ بما بدأ الأوائل به.

ثانياً، قضية الاهتمام؛ ما أحث عليه إخواني هو قضية الاهتمام بهذه الأفكار التي يسجلها ابن عبد البر. وقد أرشدكم في المجلس السابق إلى أهمية تدوين هذه الأفكار ضمن مجموعات، ضمن أفكار هكذا بوتقة جيدة ومستتبة.

فكما قلت لكم، لا بد أيها الكرام من أن يتم جمع الأفكار، كل مجموعة أفكار توضع تحت الباب المناسب لها؛ فما يتعلق بآداب الطلب في جهة، وما يتعلق بمنهج الطلب في جهة، وبآداب التعلم أو المعلم في جهة، وهكذا. هذا الترتيب وهذا التنسيق هو الذي يساعدك على إحكام مثل هذا الكتاب.

وينبغي أن تعتاد أن يطرب عقلك وقلبك للخطط الجيدة. بعض الطلاب يتعامل مع هذه الكتب بجفاء، تمر عليه فكرة لو سافر الإنسان من أجل الوصول إليها ما كان ذلك كثيراً، فكرة عظيمة وتوجيه كبير يوجه البوصلة، وتجد طالب العلم يقرأ وكأنه يقرأ معلومة عابرة ليست ذات شيء. يجب أن تعتاد أن يطرب قلبك للأفكار الناضجة وللتوجيهات الراشدة، وأن يكون لها إيقاع إيماني وروحاني وفكري، تتمنى لو أنك من القديم وقفت عليها، تقول: من أين هذه الفكرة؟ عني منذ القدم كنت أحتاجها، هنا خطئي، هنا قصرت، أنا فعلاً لم أسر على هذه الفكرة أو على هذه الخطوة. فتعود يا طالب العلم أن يطرب القلب لكلام العلماء.

قال رحمه الله تعالى: «فصل في رفع الصوت في المسجد وغير ذلك من آداب العلم». وذكر بإسناده رحمه الله عن أشهب أنه قال: «سئل مالك عن رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره، فقال: لا خير في ذلك في العلم ولا في غيره. ولقد أدركت الناس قديماً يعبون ذلك على من يكون في مجلسه، ومن كان يكون ذلك في مجلسه كان يعتذر منه، وأنا أكره ذلك ولا أرى فيه خيراً».

هذا النص عن الإمام أشهب، وهو من تلامذة الإمام مالك رحمه الله تعالى، يتكلم عن قضية رفع الصوت بالتعلم داخل المسجد. إذا كانت هناك حلقة علم في المسجد وحدث نقاش أو جدال علمي، ففي العادة ترتفع الأصوات، فهل هذا السلوك صحيح في المسجد؟ الآن لو كانت حلقة العلم خارج المسجد فالأمر سهل وهين، وإن كان ينبغي على طالب العلم أن يحافظ على الصوت المعتدل ولا يرتفع صوته، لكن عموماً لو كان خارج المسجد لكان الأمر هيناً. لكن داخل المسجد، لأنها بيوت الله سبحانه وتعالى، يجب أن يكون فيها نوع من الأدب ونوع من الاحترام والتوقير.

فالإمام أشهب هنا ماذا يقول؟ يقول: «سئل مالك عن رفع الصوت في المسجد في العلم وغيره»، يعني في مسائل العلم وفي غيرها. لكن كلمة «وغيره»، هل هي معطوفة على العلم أم معطوفة على المسجد؟ هي محتملة؛ فإما أن تكون معطوفة على العلم، أي أن يرفع الصوت في المسجد بمسائل العلم وغيرها من المسائل، وإما أن يكون العطف على المسجد، أي سئل مالك عن رفع الصوت في المسجد بالعلم، وعن رفع الصوت بالعلم أيضاً في غير المسجد، هل رفع الصوت مقبول أم غير مقبول؟

فكلمة «وغيره» حقيقة تحتمل العطف على المسجد وتحتمل العطف على العلم، ولكن الأصل في العطف أن يكون على أقرب مذكور، فنجعلها معطوفة على العلم. فماذا قال؟ قال: «لا خير في ذلك في العلم ولا في غيره». هذه الجملة الثانية قد تكون قرينة على أن المراد بـ «غيره» العطف على العلم، لأنه قال: «لا خير في ذلك»، أي في رفع الصوت في المسجد، لا بمسائل العلم ولا حتى بغيرها.

من باب أولى، إذا كان لا يرفع الصوت بالعلم، فمن باب أولى ألا يرفع الصوت بالحديث والكلام الجانبي في المسجد. ثم قال: لقد أدركت الناس قديما يعيبون ذلك على من يكون في مجلسه، يعيبون على المشايخ الذين يكون في حلقاتهم رفع للأصوات، يعيبون ذلك، أي رفع الصوت. اسم الإشارة "ذلك" يعود على رفع الصوت، يعيبون على المشايخ الذين يكون في مدارسهم في المساجد رفع للأصوات.

ثم ماذا قال؟ اقرأ العبارة عندك لأن نسختي مختلفة. قال: «ومن كان يكون ذلك في مجلسه يعتذر منه». نسختي مختلفة قليلا، لذلك طلبت منه. أي شيخ كان يكون في مجلسه لغط ورفع للأصوات في المسجد كان يعتذر منه، يقال له: والله يا شيخ عفوا، هذه الحلقة لا تكمل. كيف أقول لك؟ والله أنا اعتذرت منك، قلت لك مثلا: خلص لا تحضر الدرس، لا تكمل الحلقة. يعتذر منه أي حلقة كان يسمع فيها رفع للأصوات، يعتذر منها: والله معذرة، لا نسمح ولا نأذن باستمرار هذه الحلقة على هذه الصورة.

نعم، أكمل. قال: «وأنا أكره ذلك ولا أرى فيه خيرا». إذا فهذه فتوى مالك بن أنس؛ أن الأصل -حتى لو كنت تدرس العلم في المسجد- أن يكون الصوت منخفضا. يعني هي القضية، حتى لو حدث نقاش أو جدال في الحلقة أو إثارة سؤال، الأصل المحافظة على حرمات المساجد وآدابها. طبعا هذه وجهة نظر مالك.

الآن سنجد وجهة نظر أخرى ترخص في قضية رفع الصوت بالعلم داخل المسجد. ماذا قال؟ نعم، قال أبو عمر: «أجاز ذلك قوم، منهم أبو حنيفة». الحنفية يرخصون في رفع الصوت في المسجد إذا كان بمسائل العلم. وذكر بإسناده الآن الفرق بين رفع الصوت، والمراد برفع الصوت الهيجهات التي تحدث أثناء النقاش والجدال، لما شخص يتدخل من هنا وهذا يعلق من هون، وأحيانا يصير نقاش طويل وتجاذب بالأصوات، هذا المراد برفع الصوت.

أما هذا المستوى الذي أتكلم به، فهذا تدريس طبيعي، هكذا في المسجد سيكون هناك شيخ يتكلم بصوت، لكن الشيخ طبعا يكون صوته مقتصدا وليس صراخا، وإذا حدث نقاش علمي يكون في اقتصاد، ولا يكون كل طالب يرفع صوته ويتدخل ويحشر نفسه، لأن هذه الحالة بالتأكيد سيحدث فيها لغط وإشكالات.

تفضل أخي. سريعا، قضية الضمير تعود إلى آخر مذكور، وهي فيها نقاش. الضمير يعود إلى أنسب مذكور؛ احفظ القاعدة: الضمير يعود إلى أنسب مذكور. الآن في العادة يكون هو آخر مذكور، لكن ليس شرطا، أحيانا قد لا يكون هو الأخير حسب السياق الذي أنت فيه.

بإسناده عن سفيان بن عيينة رحمه الله أنه قال: مررت بأبي حنيفة وهو مع أصحابه في المسجد وقد ارتفعت أصواتهم، فقلت: يا أبا حنيفة، هذا في المسجد والصوت لا ينبغي أن يرفع فيه، فقال: «دعهم فإنهم لا يتفقهون إلا بهذا». إذا فهذا يعود إلى طريقة أبي حنيفة رحمه الله في طريقة التعليم. أبو حنيفة لما كان يعلم كان يجتمع الطلبة حوله، ثم يطرح مسألة على الطلبة ويبدأ النقاش بينه وبين أبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر، يتناقشون ويتجادلون، فشيء طبيعي أن يحصل بسبب هذا النقاش ارتفاع للأصوات، خاصة لما يدخل طالب على الخط وهذا يحدث شيئا من اللغط.

فأبو حنيفة وجهة نظره أن هذا ما دام في العلم لا إشكال فيه ولو كان في المسجد، لأنه قال: «لا يمكن أن يتفقه الطلبة وأن يتعلموا إلا بهذه الطريقة»، قال: «ولا يتفقه الناس إلا بذلك»، يعني هذه هي الوسيلة الصحيحة لتوريث الطلاب الملكة العلمية.

قال رحمه الله: «وقيل لأبي حنيفة في مسجد كذا حلقة يتناظرون في الفقه فقال: لهم رأس، فقالوا: لا، قال: لا يفقهون أبدا». جميل، هذه فائدة أخرى، أنه في النهاية صحيح أبو حنيفة رحمه الله أجاز رفع الصوت في الحلقة العلمية، لكن بشرط أن يكون لهذه الحلقة رأس، أي مسؤول. أما حلقة مجموعة شباب يتذاكرون ولم يؤمر أحدهم، ماذا ستكون هذه الحلقة؟ كحبات الخضرة في الأسواق، ما في رأس. دائما أي مجلس علمي لابد أن يكون هناك منسق ومدير له، إذا لم يكن هناك شيخ، فعلى الأقل أحد الإخوة ينوب لأن يكون مسؤولا.

قال أبو عمر: احتج بعض من أجاز رفع الصوت في المناظرة بالعلم فقال: لا بأس بذلك لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «تخلف عن رسول الله ﷺ في سفره...». احتج من أجاز رفع الصوت في المناظرة بالعلم عموما، سواء في المسجد أو في غيره؛ هل أصلا إذا حدثت مناظرة وحدث ارتفاع في الصوت هل هذه هي المشكلة، أم فيه ترخيص شرعي؟

في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «تخلف عن رسول الله ﷺ في سفره، فإذا أدركنا وقد أرهقتنا الصلاة، ونحن نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار»، مرتين أو ثلاثا، ذكره البخاري وغيره. طيب أين موطن الشاهد؟ يلا يا شباب، أحسنت. نادى بأعلى صوته، نضع تحتها خط، هي موطن الشاهد؛ أن النبي ﷺ لما أراد أن يعلمهم وأن ينبههم رفع صوته، وليس رفعا سهلا لأنه قال: «نادى بأعلى صوته»، هذا رفع عال: «ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار». فهذه من الاستنباطات اللطيفة من ابن عبد البر، فاستنبط ابن عبد البر من هذا الحديث مشروعية رفع الصوت بالعلم إذا كان هناك فائدة من رفع الصوت.

قال رحمه الله: «واجب على العالم إذا لم يفهم عنه أن يكرر الكلام حتى يفهم عنه». هذه مسألة أخرى أيضا من الفوائد في هذا الفصل، قضية تكرار العلم، وهذه لعلها مرت معنا سابقا، لكنهم يؤكدون. وهذه تندرج تحت كل هذه الآداب التي معنا الآن، تندرج تحت موضوع المعلم أو أساليب التدريس. نحن مثلا المرة الماضية مرت معنا مجموعة من القواعد التي ينبغي أن يلتزم بها الطالب في تدريسه إذا أصبح مدرسا، كذلك هذه مجموعة من القواعد: قضية رفع الصوت أثناء التدريس إذا احتجت إليه، وقضية التكرار للفكرة أو المعلومة على الطلبة أثناء الدرس إذا احتجنا إلى التكرار، فهذا منهج نبوي أيضا.

قال: وقد كان بعضهم يستحب أن لا يكرره أكثر من ثلاث مرات؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً. هذا منهج النبي ﷺ إذا أراد أن يتكلم بكلمة تعليم المراد بالكلمة.

طبعاً هنا الجملة المراد بالكلمة، إيش يا مشايخ الجملة؟ فالعرب إذا قالت كلمة، ففي أكثر استعمالاتها تقصد بالكلمة الجملة. النبي ﷺ كان إذا تكلم بجملة تعليمية يعلم أصحابه يكررها ثلاثاً. وأصلاً في قواعد البلاغة العربية، التكرار لا يكون أكثر من ثلاث، في قواعد البلاغة العربية يكره أن تكرر أكثر من ثلاث.

لذلك في القرآن لم يأتِ تكرار لثلاث جمل متتابعات أو لأكثر من ثلاث جمل، مثلاً في القرآن: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾، تجد هكذا، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾، تجري التكرار مرتين. وأما إذا جاء التكرار في كل مرة مرتبطاً بفائدة جديدة، فكما درسنا في علوم البلاغة هذا لا إشكال أن يكرر ولو لعشرات المرات، كما في قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، فهذه تكررت في سورة الرحمن 31 مرة، لكنها كانت تربط في كل مرة بآية جديدة، فهذا الربط يجعل الموضوع مختلفاً، فلا إشكال في مثل هذا النوع من التكرار إذا كان أكثر من ثلاث.

نعم، قال رحمه الله: ذلك عندهم كان ليفهم عنه كل من جالسه من قريب وبعيد، وكذلك يجب أن يكرر المحدث حديثه حتى يفهم عنه، وأما إذا فهم عنه فلا وجه للتكرير. يعني الأصل أنت كمعلم تتوازن، فإذا شعرت أن الطلبة فهموا لا تكرر بعد ذلك حتى لا يمل الطالب.

وذكر بإسناده عن معمر أنه قال: سمعت قتادة يقول: «ما قلت لأحد قط: أعد علي». وتكرير طبعاً هذا قتادة، لأن قتادة إذا كانت حافظته حديدية فكان إذا سمع شيئاً يلقطه من أول مرة فلا يطالب شيخه بأن يعيد عليه.

قال: وتكرير الحديث في المجلس يذهب بنوره. هذه فكرة لطيفة، يقول لك الحديث أو أي معلومة بتكررها أكثر من مرة خلص تطفي، ذهب بنوره، بتحس أنها طفت. جمالية المعلومة تلقط أول مرة، بس المشكلة أنه بعض الطلاب ما يلقط أول مرة، فإذا بعض الطلاب فاهم يراعي أن له إخوة قد لا يستوعبون من البداية، يعني يرحموا ضعفهم وحالهم.

نعم، قال: وقد كان ابن شهاب يقول: «تكرير الحديث أشد علي من نقل الحجارة». يعني قل له انقل حجارة يا ابن شهاب ولا تقول له أعد الحديث مرتين، خلص ابن شهاب يحب دائماً الجديد ولا يحب التكرار. وبإسناد أن سفيان قال: قال الزهري: «تكرير الحديث أشد علي من نقل الصخر». وبإسناد عن معمر أنه قال: سمعت الزهري يقول: «نقل الصخر أيسر». قال معمر: قال قتادة: «إذا أعدت الحديث في مجلس ذهب نوره».

نفس الفكرة، وقال جارية بن السماك لجارية: «ما أحسن حديثك إلا أنك تكرره»، فقال: «أكرره ليفهمه كل من سمعه». فقالت له، لاحظي ماذا قالت له، يعني أنت ما شاء الله كلامك ممتاز فيك عيب واحد أنك تكرر كثيراً، فماذا قال لها: «أكرره ليفهمه كل من سمعه». يعني أكيد في المجلس في ناس تفهم من أول مرة وفي ناس تحتاج إلى تكرار مرتين ثلاث، ليست كل الناس على نفس درجة في الاستيعاب. فقالت: «إلى أن يفهمه كل من سمعه يمله كل من فهمه». جميل، قالت: «أنت بتضل تكرر حتى تفهم الجميع، لما يفهم الجميع بمن اللي فهم من أول مرة مل وقام من المجلس وروح».

نعم، قال: ولا بأس أن يسأل العالم قائماً وماشياً في الأمر الخفيف. لحديث ابن مسعود رضي الله عنه، هذه أيضاً قاعدة جديدة أو مسألة من المسائل المذكورة، وهي: هل من الأدب أن يسأل العالم وهو يمشي في طريق أو في سوق أو ما شابه ذلك؟ بعض أهل العلم، كما ذهب ابن جماعة في تذكرة السامع والمتكلم وغيره، يرون أن هذا ليس من الأدب وأن المعلم لا يسأل إلا وهو جالس مستعد لاستقبال الأسئلة. هناك رأي آخر، وواضح ابن عبد البر لعله يتجه نحو هذا، أنه لا إشكال في أن يسأل المعلم وهو ماشي لقضاء حوائجه بشرط أن يكون السؤال خفيفاً، يعني لا تسأل عن معضلة تحتاج إلى كد جهد واستحضار، هذه تحتاج إلى أن تكون النفسية مستعدة، أما المسألة الخفيفة فلا إشكال في سؤاله.

واستدل بماذا؟ قال: لحديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «بينما أنا أمشي مع رسول الله ﷺ في خرب المدينة وهو يتوكأ على عسيب معه، مر بنفر من يهود خيبر، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟» وذكر الحديث.

ما موطن الشاهد في الحديث؟ أنه سئل وهو يمشي صلوات ربي وسلامه عليه. فاستدل، شوف استنباطات العلماء لطيفة، يعني أحياناً بعض الاستنباطات كما قلت لا تجدها في المذاهب الفقهية. لماذا نقول أهمية تعارض كتب السنة؟ دائماً أحث الإخوة على هذا، كتب السنة يا إخواني أثناء قراءتك للأحاديث تستنبط منها فوائد سلوكية أخلاقية، المذاهب الفقهية قد لا تهتم بها، ليست من عملها، المذاهب الفقهية تأخذ من بشكل عام من كتب السنة أو الأحاديث ما يتعلق بالطهارة والعبادات والمعاملات والمناكير، بالآداب يأخذون الآداب كرؤوس أفكار، لكن هذا النوع من اللطائف مثل استنباطات ابن عبد البر هذه وهو رفع الصوت بالعلم، هذا لا تجده في العادة في كتب الفقهاء، وإنما هذا في كتب المحدثين وفي شروح الأحاديث، فالطالب لا يستغني عن هذا.

ليس من سؤال اليهود كيف هو الاستدلال، أصل الفكرة أن النبي ﷺ أقر وقبل أن يسأل وهو يمشي، بغض النظر من السائل، أنت تريد إقرار النبي ﷺ على السؤال في هذه الحالة، ولو كان منهياً عنه لما أقر عليه صلوات ربي وسلامه عليه بغض النظر عن طبيعة السائل.

نعم، قال: أخرجه البخاري عن قيس بن حفص عن واحد عن عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. وفصل وذكر الغلابي عن ابن عائشة عن أبيه أنه قال: قال العباس لابنه عبد الله: «يا بني، لا تعلم العلم لثلاث خصال: لتراعي به، ولتُماري به، ولتبادل خصال: رغبة في الجهل، وزهده في العلم، واستحياء من التعلم». قال: «ولا تدعه هذه الثانية، ولا تدع العلم بثلاث خصال: رغبة في الجهل، لأن هذه دناءة نفس أن تدع...»

العلم رغبة في الجهل ولا تدعه زهدا في العلم، ممكن تقول أنا مش راغب في الجهل لكنني زاهد في العلم، وهذه مشكلة وإن كان سيلزم منها حصول الجهل في النهاية، أو استحياء من التعلم. بعض الناس يترك العلم ليس زهدا به أو رغبة بالجهل، ولكنه يستحي، وهذا نوع من الضعف في الشخصية يجب أن يتجاوزه الإنسان.

قال وقد روي هذا المعنى أو نحوه عن لقمان الحكيم أنه خاطب ابنه به، وأنشد لبعض المحدثين: كن موسرا إن شئت أو معسرا .. لا بد في الدنيا من الهم وكلما ازددت بها ثروة .. زاد الذي زادك في الغم لأن كلما ازداد مال الإنسان ازداد تفكيره به، لذلك قال: كلما ازددت ثروة ازددت غما لأنك بدك تحافظ عليه وتعرف أين تصرفه، بينما الفقير مرتاح ما في شيء.

قال: إني رأيت الناس في دهرهم لا يطلبون العلم للفهم، مباهاة لأصحابهم وعدة للخصم والظلم. وهذا تأييد لكلام العباس لابنه: «لا تطلب العلم لتراعي ولا لتماري»، هذا موطن الشاهد في هذه الأبيات: «إني رأيت الناس في دهرهم لا يطلبون العلم للفهم»، أي لا يطلبون العلم من أجل أن يرفعوا الجهل عن نفسهم ويفيدوا الناس، وإنما قال: «إلا مباهاة»، يطلبون العلم مباهاة ورياء وطلبا للشهرة والثناء، نسأل الله العافية.

قال رحمه الله: وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «تعلم العلم، فإذا تعلمتم فامضوا عليه، ولا تخلطوه بضحك ولا بلعب، فتم القلوب، فإن العالم إذا ضحك ضحكة مج من العلم مجه». المراد أنه إذا تصدرت للتعليم أو طلب العلم وأصبحت تعرف بذلك، عليك أن تتعلم السكينة والوقار، وإياك أن تظهر ضحوكاً لوبا كثيرا في هذا الجانب. طبعاً ليس المراد أنه في المقابل أن تكون دائماً عبوساً قمطريراً، فالإنسان لا يعرف يتكلم معك، المراد الضحك الزائد، الضحك الذي فيه نوع من الرعونة؛ فهناك ضحك متزن، وهناك ضحك تشعر أنه فيه رعونة، يضحك بفم فاتح ويقلب على ظهره، هذا غير مقبول من طالب العلم، قد أقبل من العوام كذلك. واللعب والخفة في نوع من الأدبيات، اللعب لا تصلح لطالب العلم في نوع من عدم الاتزان، فعليك أن تتسم بالسكينة والوقار.

قال: وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: «تعلموا العلم وتزينوا معه بالوقار والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون منه ولمن تعلمونه، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فيذهب باطل حقكم». يعني أنت عندك حق وعندك خير، لكن الباطل وهو الأخلاق السيئة، أن تكون متجبراً وكذلك أن تترك التواضع ويظهر منك الكبر، هذا يطفئ ما عندك من الحق والخير، والناس ما تقبل عليك.

وروينا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يقول مثل قول علي هذا سواء، إلا أن آخر لفظه: «ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم». قال أبو عمر: قد روي هذا المعنى بنحو هذا اللفظ، «فلا يقوم علمكم بجهلكم»، أنت تقول يقوم مش مكتوب شدة، لأنه عندي «فلا يقوم علمكم بجهلكم»، لكن الحقيقة أنا لا أثق بهذا الضبط، لعل قراءتك أفضل، مع أن الشيخ أبو الإشباع جزاه الله خيراً يسعى في تخريج كتابه، لكنني أعتقد كما قلت: «لا يقوم علمكم بجهلكم»، لأنها نفس الفكرة التي قلناها؛ ماذا يعني لا يقوم علمك بجهلك؟ أنت لما كنت متجبراً متكبراً، هذا جهل منك فأضت ما عندك من العلم. الإنسان المتجبر المتكبر صاحب الأخلاق الردية مهما كان عنده من العلم والمعرفة بالمسائل، يا أخي الناس لا تقبل عليك، فكان علمك لا يقوم بجهلك، يعني علمك لا يستر جهلك، لا، جهلك هو الذي ارتفع، والمراد بالجهل هنا الأخلاق الردية التي أنت متمسك بها.

قال: وقال أبو عمر: قد روي هذا المعنى بنحو هذا اللفظ عن النبي ﷺ وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضاً. فصل في مدح التواضع وذم العجب وطلب الرئاسة. ومن أفضل آداب العالم تواضعه وترك الإعجاب بعلمه ونبذ حب الرئاسة عنه. هذه قضية يجب أن تعتني بها، إن شاء الله غداً إذا كتب الله لك القبول، أنه دائماً أظهر للناس التواضع، الهدوء، التؤدة، لا تشعر الناس بأنك مميز عنهم أو أنك تطلب منهم الثناء أو تطلب منهم الاجتماع حولك، عود نفسك الهدوء والاتزان والرزانة، فإن الناس متى شعرت أنك تبحث عن جمهور أو تطلب رئاسة أو تريد أن يلتف الناس حولك تركوك وهاجروك، هذه مهمة لمن كتب الله له قبولاً إن شاء الله.

قال: وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة، فتواضعوا يرفعكم الله». وحدث بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». وقالوا: المتواضع من طلاب العلم أكثر علماً، كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماءً. هذا القياس يقول لك: المكان المنخفض في الأرض وأكثر المياه تجتمع فيه، وفي الأماكن المنخفضة كذلك طالب العلم، كلما تواضع أي انخفض ازداد علماً. فهمتم؟ كلما انخفض ازداد علماً كما أن المكان المنخفض في الأرض وأكثر الأماكن يجتمع فيها المياه، قياس لطيف.

قال: وروينا من وجوه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول: «إن العبد إذا تواضع لله رفعه الله تعالى بحكمته، وقيل له انتعش نعشك الله»، فهو في نفسه حقير وفي أعين الناس كبير. وبإسناد عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله عز وجل أوحى إلي: أن تواضعوا». ومعنى الانتعاش شيء مفهوم، يعني «انعشك الله» أي جعلك معروفاً أو جعلك مستيقظاً بهذا العلم، عبارة مثل كذا. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله عز وجل أوحى إلي: أن تواضعوا ولا يبغي بعضكم على بعض».

وروينا عن أيوب السختياني أنه قال: «ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لله عز وجل». وقيل لبزر جمهر: ما النعمة التي لا يحسد عليها صاحبها؟ قال: التواضع. وقيل له ما...

ما النعمة التي لا يحسد عليها صاحبها؟ إذا رزقك الله التواضع، فالعادة أن الناس لن يحسدوك على هذه النعمة. قال: «والتواضع مع السخافة والبخل أحمَد من الكبر مع السخاء والأدب»، أعظم بحسنه! عفت على سيئتين، وأفسد من صاحبه حسنتين.

قال: «ولقد أحسن المرادي في قوله: وأحسن مقرونين في عين ناظر.. جلالة قدر في ثياب تواضعي». وأحسن خصلتين أن يجمع الله لك جلالة القدر مع التواضع في الثياب والهيئة؛ تكون في قدرك عندك جلالة وهيبة ووقار، لكنك في ثيابك وصورتك الحسية هناك تواضع.

وأحسن منه قول بعض العراقيين: «يمد د ح رجلاً فكان أذب الروح، لا من غضاضة ولكن كبرا». جميل، ولكن كبراً أن يكون به كبر، يعني عنده كبر أن يوصف بالكبر، فكب من أن يوصف بالكبر؛ جعله يحب التواضع وغضضت النفس. قال البحتري: «إذا ما الشريف لم يتواضع للإخلاء، فهو عين الوضيع».

وبإسناد عن وهب بن منبه أنه قال: «كان في بني إسرائيل رجال أحداث الأسنان، قد قرأوا الكتب وعلموا علماً، وإنهم طلبوا بقراءتهم وعلمهم الشرف والمال، وإنهم ابتدعوا بها بدعاً، أدركوا بها المال والشرف في الدنيا، فضلوا وأضلوا». وقال ابن عبد دوس: «كلما توقر العالم وارتفع، كان العجب إليه أسرع، إلا من عصمه الله بتوفيقه، ونزع حب الرئاسة عن نفسه».

هذه نعمة أن يرزقك الله عدم طلب الشهرة، ونزع هذه الشهوة من قلبك؛ فهذه شهوة فتاكة. بعض الناس عندهم شهوة في النساء، وبعضهم عنده شهوة في المال، وبعضهم عندهم شهوة في حب الرئاسة وحب أن يكون وجهاً ويجتمع الناس حوله، فإذا عصمك الله فهذا خير.

وبإسناد عن ابن أنه قال لرجل رآه يتبع الأحاديث: «اتق الله، وارضَ بالدون من المجالس، ولا تؤذِ أحداً؛ فإنه لو ملأ علمك ما بين السماء والأرض مع العجب، ما زادك الله به إلا سفالاً أو نقصاناً». واتق الله وارضَ بالدون من المجالس، يعني أينما انتهت بك الحلقة اجلس، لا تؤذِ الطلاب؛ تريد دائماً أن تكون في أول الحلقة حتى يقول عنك المشايخ: «إيه والله ما شاء الله فلان طالب نجيب»! لا، أينما انتهت بك الحلقة اجلس، ولا تؤذِ أحداً من زملائك.

وبإسناد قال عمر: «أخوف ما أخاف عليكم أن تهلكوا في ثلاث: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه». هذه قضية إعجاب المرء بنفسه، هو الآن يركز على قضية الكبر وما يتعلق بها. وبإسناد عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث مهلكات وثلاث منجيات؛ فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وثلاث المنجيات: تقوى الله في السر والعلانية، وكلمة الحق في الرضا والسخط، والاقتصاد في الغنى والفقر». وطبعاً هذا لا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ بحال، وإنما هو من آثار الصحابة.

وبإسناد عن مسروق أنه قال: «كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعلمه». سبحان الله! قال أبو عمر: «إنما أعرفه بعمله»، يعني هناك من قال: «أن يعجب بعلمه»، لكن ابن عبد البر يقول الذي أعرفه في رواية هذا الحديث: «أن يعجب بعمله»، وكلاهما معناه شريف؛ أن تعجب بعلمك أو أن تعجب بعملك، فهذا مذموم.

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: «علامة الجاهل ثلاث: العجب، وكثرة المنطق فيما لا يعنيه، وأن ينهى عن شيء ويأتيه». وقال إبراهيم بن الأشعث: سألت الفضيل بن عياض عن التواضع، فقال: «أن تخضع للحق وتنقاد له»، ممن سمعته ولو كان أجهل الناس، لزمك أن تقبله منه. وقالوا: «العجب يهدم المحاسن»؛ هذه العبارة مختصره تختصر عليك المشهد. العجب يهدم المحاسن؛ أي حسن فيك من علم أو ذكاء أو فطنة أو صلاة، أي حسنة فيك يهدمها العجب، فأياك أن تعجب وأن تظهر تكبرك وإعجابك بنفسك للناس، فهذا سيهدمها تماماً.

وعن علي رحمه الله أنه قال: «الإعجاب أفَة الألباب»، هذه أيضاً جملة مختصرة مفيدة، يعني آفة العقلاء وأصحاب العقول. وقال غيره: «ما أهلك أصحاب العقول إلا الإعجاب بعقولهم»؛ لأن الإنسان متى أعجب بعقله طمح أن لا يكون مثل الناس. لذلك الخطابي في "الغنية عن الكلام" ذكر سبباً لضلال كثير من العلماء الأفاضل، قال: «وهؤلاء لشدة ذكائهم لم يعجبهم أن يعتقدوا كما يعتقد العوام»، يعني يقول لك: نحن تكون عقائدنا مؤسسة على الوحي كتاب وسنة مثلنا مثل العوام؟ فذهبوا فأخذوا من اليونان أفكارهم وأقيسهم وحججهم، فظلوا.

انظر كيف أن الإعجاب بالعقل والذكاء جعل بعض الأفاضل يتيهون في مسائل الاعتقاد؛ لأنه لم يقنع أن يكون مؤسساً لعلمه كما أسسه عوام المسلمين على الكتاب والسنة، أراد ما عند اليونان، فماذا حدث؟ حدثت البدع والشر الكبير، فالعجب كان سبباً من أسباب هذا الشر الذي ما زلنا ندفع ثمنه إلى الآن: فرقة في هذه الأمة.

وقال غيره: «إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله». أحسن علي بن ثابت حيث يقول: «المال آفته التبذير والنهب، والعلم آفته الإعجاب والكبر». وقالوا: «من أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن خالط الأنذال حقر، ومن جالس العلماء وقر». وقالوا: «لا ترى المعجب إلا طالباً للرئاسة».

وقال الفضيل بن عياض: «ما من أحد أحب الرئاسة إلا حسد وبغى وتتبع عيوب الناس وكره أن يذكر أحد بخير». هذا أصل عظيم؛ هذه الفكرة ستجدونها في كثير من طلاب العلم الذين يتتبعون عثرات العلماء وعثرات أصحاب الخير والفضل. إذا رأيت إنساناً يتتبع عثرات العلماء وفي مجلسه دائماً يعيب فلاناً وفلاناً، وهذا هجير -حتى لو زعم ما زعم أنني والله أريد النصح للمسلمين وأنني إنما أنتقد لما رأيت فيه- أخي الكريم، الانتقاد يكون مرة أو مرتين، يكون مثلاً في موقف معين فعلاً تحتاج أن تبين، أما أن يكون هذا العالم هكذا تلوك على لسانك...

في كل مجلس هذا يدل على شيء في النفس، قد يكون هذا الرجل كتب له قبول والناس مزدحمة عليه، ورأيت الناس منفضة عنك، فأنت كما قال: «ما من أحد أحب الرئاسة إلا حسد».

من إنسان يحب أن يكون رئيساً وله أتباع إلا حسد من كان أتباعه أكثر وبدأ ينظر إليه بعين الغيرة. وهذا ينظر لمتابعاته على الفيس، أنا متابعاتي كذا، وهذا يبحث عن اللايكات، كذا أنا أصير مقارنات دقيقة: هذا كم حصل وأنا كم حصلت، وهذا كم علق، والناس تقبل عليه، فيبدأ الحسد يعمل في قلبه العمل والعياذ بالله، ويبدأ يحاول إسقاط هذا الشخص ويظن أنه بهكذا سيحصل هو، ويأتي بجمهوره ويصبح من جمهوره.

هذه كلها من دناءة النفس الذي يفكر بهذه الطريقة، هذه كلها من رعونة النفس، وهذا مبتلى والعياذ بالله، مسكين لا ينام من الغم والهم، لماذا ذاك الداعي أو العالم حاز ما لم أحز؟ فهنا هناك توصيف دقيق من الفضيل بن عياض لهذه الحالة التي يمر بها كثير ممن ينتسب إلى العلم: «ما من أحد أحب الرئاسة إلا حسد وبغى وتتبع عيوب الناس».

يعني تتبع عيوب المشايخ والدعاة الذين كتب لهم القبول، وكره أن يذكر أحد بخير؛ يعني إذا كان في مجلسه فذكر أمامه شيء من المشايخ الذين كتب لهم القبول الأفاضل أو الدعاة، دائماً يحاول: «والله هو جيد أخونا لكن عليه انتقاد كذا». هذه الكلمة بحد ذاتها أعرف من خلالها أن في شيء في النفس، كل ما ذكر رجل لازم يكون في دخن. يا شيخ، ألا تحسن أن تقول والله فلان ما شاء الله جهوده طيبة وآثاره يانعة نفع الله؟ حتى لو كان عليه مؤاخذات، سلامة قلبك تقتضي أن تعود نفسك السكوت، خاصة إذا كانت المؤاخذات أو الشيء ليس بالشيء الكبير، فلا تنفر الناس عن الصالحين ولا تنفر الناس عن أهل الخير حتى لو كان عليهم ملاحظات.

فالإنسان يعرف متى يبدي هذه الملاحظات والمكان الذي يبدي؛ دائماً إبداءك الملاحظات والانتقادات لأي شخص يذكر أمامك دلالة أن في قلبك دخناً، خذها بالنهاية دلالة أن قلبك ليس صافياً على المسلمين. ولو غرك الشيطان وهمك أنك تقصد النصح، نحن الشيطان يضحك علينا، يأتيك بلباس أنك تقصد النصح: «والله ما قصدت إلا النصح وإنما أردت السنة»، لكن يكون الشيطان قد شبع قلبك حسداً على هؤلاء الأفاضل، ويجعلك تتوهم أن هذه الكلمة خرجت نصحاً وما خرجت إلا من جلباب الحسد والبغي والعياذ بالله.

نعم، قال رحمه الله، وقال أبو نعيم: «والله ما هلك من هلك إلا بحب الرئاسة»، سبحان الله. وقال أبو العتاهية: «أخي من عشق الرئاسة تخفت أن يطغى ويحدث بدعة وضلالة»، سبحان الله، وله في هذا المعنى قول آخر لأبي العتاهية أيضاً، وحب الرئاسة الذي حدث حقيقة، يعني أبو العتاهية ما قاله هو الذي قال عنه الخطابي قبل قليل، مش قلنا سبب حدوث البدع والفرق في هذه الأمة ما هو حب الرئاسة وعدم القناعة؟ أن تكون عقائد الأذكياء كعقائد العوام، فنتجت البدع.

إيش قال أبو العتاهية: «أخي من عشق الرئاسة خفت أن يطغى ويحدث بدعة وضلالة»، وهذا الذي صار، كل من عشق الرئاسة ولم يقنع بوحي الإلهي كانت نتائج ذلك إنتاج البدع والحوار في حياة الأمة. وقال أبو العتاهية أيضاً: «حب الرئاسة أطغى من على الأرض حتى بغى بعضهم فيها على بعض»، وله في هذا المعنى: «حب الرئاسة داء يحلق الدين ويجعل الحب حرباً للمحبين، يفرى الحلاقم والأرحام يقطعها، فلا مروءة يبقي ولا ديناً، من ساد بالجهل أو قبل الرسوخ فما تلفيه إلا عدواً للمحققين، يبغي ويحسد قوماً وهو دونهم، ضاه بذلك أعداء النبيين». هذه كلها آفات الرئاسة وطلب الشهرة والثناء أيها الأحبة.

نعم، قال وابن أبي الحواري: سمعت إسحاق بن خلف يقول: «والله الذي لا إله إلا هو، لأزالة الجبال الرواسي أيسر من إزالة الرئاسة»، أي والله، وأنتم ترونهم تشبثوا بكراسيهم حتى الممات، فيقول إزالة الجبال الرواسي أسهل من أن تزيل رئيساً عن كرسيه، أي والله.

نعم، قال وقال بشر بن المعتمر البصري المتكلم، وهذا في الأمراء والعلماء، يعني هو كلام سياخ العلماء ويقاس عليه الأحوال الأخرى: «إن كنت تعلم ما أقول وما تقول فأنت عالم، أو كنت تجهل ذا وذاك فكن لأهل العلم، لازم أهل العلم، الرئاسة من ينازعهم رئاستهم فظلم، لا تطلبن رئاسة بالجهل لست لها، مخاصم، لولا مقامهم رأيت الدين مضطرب الدعائم».

وهذا معناه في من رأس بحق وعلم صحيح ألا يحسد ولا يبغى عليه؛ هو ماذا قال؟ «أهل الرئاسة من ينازعهم رئاستهم فظلم»، يعني إذا كان هناك شخص متراس من الأمراء أو العلماء وكان أخذها بحق فمن ينازعه في رئاسته فظلم؛ لأن الأمور استتبت على يديه وهدأت بوجوده، فلماذا تنازعه ولماذا تحشر نفسك في هذا المقام؟ لذلك قال ابن عبد البر معلقاً على هذه الأبيات، وهذا في من رأس بحق وقام بالولاية المنوطة به: «فمزاجها».

نعم، قال رحمه الله للخليل بن أحمد: «لو كنت تعلم ما أقول عذرتني، أو كنت تعلم ما تقول ذلتني، لكن جهلت مقالتي فعذلتني، وعلمت أنك جاهل فعذرتكا»، فبدل أن تقول في المجالس أخطأ فلان وأخطأ فلان، عرف أنك جاهل بهذا الأسلوب وهذا النمط فعذرتكا. هذا صنيع الكبار، يعني العالم إذا رأى مثال هؤلاء الصغار الذين يذكرونه بشر في المجالس لا يتتبع وراءهم ولا يذهب، خلاص، يعرف أن هؤلاء كتب عليهم الجهل وكتب عليهم الرعونة، دعهم شأنهم، هذه تصرفات الكبار.

نعم، قال وقال: «ومن أحب الرئاسة فليعد رأسه للنطاف»، يعني مناطح الثيران. الآن قال وقال بكر بن حماد: «تغير الناس فيما ليس ينفعهم، وفرق الناس آراء وأهواء»، وقال آخر: «حب الرئاسة داء لا دواء له، وقل ما تجد الراضين بالقسم». فعلاً، قل من تجد يرضى بما قسمه الله له.

يا أخي، أنت الأنبياء يوم القيامة يأتي النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ليس معه أحد؛ وهم أنبياء وهم خيرة الله، قسم الله بينهم أتباعهم، هناك أنبياء لهم أتباع كثر، وهناك أنبياء كان لهم الواحد والاثنان، وهذا لا يحسد هذا وهذا لا يحقر هذا، وإنما هم أنبياء وخيرة الله، وكل إنسان أوصل رسالته، فباختصار أنت يا طالب العلم وظيفتك في الحياة أن توصل رسالة بغض النظر.

من اتبعك، عليها كم العدد؟ كم الجمهور؟ هذا لا يهمك. ولو أنك لا تقدم ولا تبذل إلا إذا رأيت الزحام يركب بين يديك، فأنا أقول لك لن تقدم شيئًا. إذا كان هذا منهجك في الحياة لن تقدم شيئًا. ابذل على ما قسمه الله لك ورضاه، ولا تنظر بعين الحسد لمن كتب الله له القبول أكثر منك.

بل من علامة صدق نيتك أن تحمد هؤلاء وتذكرهم بخير في المجالس، وأن تعود نفسك على هذا. إذا كنت ابتليت بالحسد فعود نفسك على ذكر الأفاضل في مجالسك بالخير، هذا مما يعيب به الإنسان نفسه في هذا الجزاء.

وبإسناده رحمه الله، عن يحيى بن اليماني أنه قال: سمعت سفيان الثوري يقول: «كنت أتمنى الرئاسة وأنا شاب، وأرى الرجل عند السدية يفتي فأغبطه، فلما بلغتها عرفتها».

يقول: وأنا شاب كنت أتمنى أن أصبح رئيسًا، ويصبح عولي طلابًا والناس تتجه إلي، وكنت إذا رأيت شابًا متكئًا على سارية يفتي الناس كنت أتمنى أن أصبح مثله غبطة. قال: فلما بلغتها عرفتها.

ما معنى هذا يا عمار؟ عرف ضريبتها، عرف أنها مسؤولية. أنت تظنها في النهاية حلوة الطعم، لكن من أرادها ووصل إليها عرف أنها فتنة. الرئاسة أيها الأحبة في العلم أو في الدول بشكل عام هي بطبيعتها فتنة؛ لأنها مسؤولية تلقيها على عاتقك أو تضعها على عاتقك أمام الله سبحانه وتعالى، وتُسأل ماذا فعلت فيها؟

وقال المأمون: «من طلب الرئاسة بالعلم صغيرًا فاته علم كثير». وهذا كلام صحيح؛ من طلب في سن الشباب أن يصبح شيخًا يلتف حوله الطلاب، وهذا دأبه وهمه، وانشغل بهذه القضية عن الاستمرار في طلب العلم، سيفوت علمًا كثيرًا.

هذه العبارة تحتاج إلى توازن، فممكن بعض الطلاب يفهم منها: "خلص أنا لن أدرس ما أنا شاب، بس أصبح عمري 40 أو 50 أبدأ بالتدريس". لا، لأنك الآن تحتاج أن تدرس حتى تمكن علمك، وحتى تنشط نفسك، وحتى تبقى لك عطاء علمي، فهذا لا بد منه. لكن مراد العلماء: لا تضع نفسك رأس الحرب.

أنت ادرس وعلم الناس ما أتاك الله، لكن لا تضع نفسك في موطن رأس الحرب، وهي الرئاسة؛ أن تقول: "يا جماعة الخير، أنا في هذا البلد المحور الذي عليه يدار، وكلامي هو الذي ينبغي أن يصدر الناس عنه". لا، هذه شوية أخرها؛ لأنه إذا وضعت نفسك هنا والناس وثقت فيك، لن تتركك، ستصبح تُدعى إلى المعازم والمآتم والحفلات والمجالس، وتصبح في كل مشكلة عائلية أنت صاحبها، وفي كل قضية دية وثار أنت مسؤولها، وهذا سيشغل الناس، وماذا سيؤدي؟ كما قال: يفوّتك علم كثير. نعم، ادرس وعلم، لكن احفظ خط الرجعة كما يقول، أنه أنا ما زلت أحتاج إلى وقت حتى أزداد من العلم.

جميل، قال: وقال منصور بن إسماعيل الفقيه: «أكرم عشرة وهو النهاية في الخساسة، ممن تعرض للرئاسة قبل أوان الرئاسة». سبحان الله! هذا يقول لك: الكلب أشرف ممن تعرض للرئاسة قبل أن يحين وقتها.

وقال روي عن علي أنه خرج يومًا من المسجد فاتبعه الناس، فالتفت إليهم وقال: «أي قلب يصلح على هذا؟»، ثم قال: «خفق النعال مفسدة لقلوب النوك». هذه العبارة مرت معنا قبل أيام في كتاب صيد الخاطر لابن الجوزي؛ لما قال: «خفق النعال مفسدة لقلوب النوك»، والنوك هم الحمقى.

إذا كنت شخصًا أحمقًا وصار رئيسًا، كلما ازداد من يمشي خلفه، وكلما ازداد جمهوره، ازداد فساد قلبه وظن أنه شيء كبير. وهذا حال كثير من الحمقى الذين يتصدرون على وسائل التواصل الاجتماعي أو غيرها، ممن وجد جمهورًا. الآن وسائل التواصل تجمع كل شيء في طريق من الغثاء، فأي شخص تصدر ووجد جمهورًا وصفقوا له وقالوا له: "أنت والله سيدنا الشيخ"، فيعجب بنفسه ويعتقد أن له اتباعًا.

فأيها الأحمق، لا تغتر بكثرة النعال؛ "خفق النعال" كناية عن كثرة الجمهور. لا تغتر أيها الأحمق بكثرة الجمهور، فإنك عند الله ستُسأل عن علمك: هل أخذته بحق؟ وهل كلامك متقن؟ وهل بنيت بنيانًا قويًا قبل أن تتصدر وتعجب بهذا الجمهور؟

وقال عمر بن الخطاب: «هي مفسدة للمتبوع، مذلة للتابع». والله هي مفسدة للمتبوع، وهو العالم، ومذلة للتابع، وهو الطالب. لا تعود نفسك دائمًا الذل الزائد في احترام العلماء؛ فرق بين الاحترام والأدب مع العلماء وبين التذلل غير المقبول.

العلماء يضعون شعرة بين احترام الطالب لشيخه وتوقيره، وبين الذل الزائد في التعامل، كأنك مستعد أن يركب الشيخ على ظهرك ويمشي عليك! لا، ليس مطلوبًا منك كذا. الاحترام للشيخ وتوقيره وإجلاله في سياق معين، ما زاد عليه يصبح ذلًا للطالب، وفي نفس الوقت أيضًا هذه الزيادة مفسدة لقلب الشيخ والعالم؛ أنه يشعر كأن الطلاب بين يديه خدم، هذا يفعل كذا وهذا يفعل كذا، والشيخ قاعد لا يفعل شيئًا، هذه مفسدة لقلبه وإدخال للعجب إليه.

فينتبه العالم ومن يتصدر، يجب عليه أن يتعلم أنه لا يطلب من الطلاب الخدمة؛ لا يصبح منهجًا له أنه لا يقوم بشيء وإنما يطلب الخدمة من الطلبة، والطالب يتوازن في قضية احترام العالم.

قال زيد بن حباب: سمعت مالك بن دينار يقول: «من تعلم العلم للعمل كسره، ومن تعلمه لغير العمل زاده فخرًا، أما من تعلم العلم لغير العمل زاده إهانة وفخرًا وإعجابًا بنفسه».

قال أبو عمر: «ومن أدب العالم ترك الدعوة لما لا يحسنه، وترك الفخر بما يحسنه». نعم، هناك قضيتان يقول ابن عبد البر: من أدب العالم ألا يدعي علمًا لا يحسنه.

من فرسانه، وترك الفخر بما يحسنه، فلا يقول: "والله أنا أتقن كذا، وأنا أفضل عالم في هذا البلد، ولا أعرف شخصًا وصل علمه كعلم هذا". هذا لا يجوز؛ فما لا تحسنه لا تدعيه، وما تحسنه لا تفتخر به.

هل يجوز أن أقول إنني متمكن في هذا العلم أمام الطلاب رغبة في استفادتهم مني بهذه النية؟ الآن سيستثمر عبد البر هذه الصورة فيقول: قال رحمه الله: "إلا أن يضطر إلى ذلك كما اضطر يوسف عليه السلام حين قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]".

ففيوسف زكى نفسه، قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾، هل هذا افتخار منه؟ أم لأنه يعلم قدراته وأن هذا لا يوجد عند غيره؟ فذكرها على سبيل أن يستعمل، وليس على سبيل الفخر؛ وذلك أنه لم يكن بحضرته من يعرف حقه فيثني عليه بما هو فيه ويعطيه بقسطه، لأنه ما كان أحد يعرف يوسف في تلك القرية، فما كان أحد يستطيع يقول للحاكم: يا حاكم والله هذا يوسف ممتاز، ويستطيع أن يكون على خزائن الأرض، ما في أحد يحدث عنه إلا هو يحدث عن نفسه، فاضطر أن يبين قدراته وما عنده من المهارات.

قال: "وإنه لو أن ذلك المقعد لا يقعده غيره من أهل وقته، إلا قصر عما يجب لله عز وجل من القيام به من حقوقه، فلم يسعه إلا السعي في ظهور الحق بما أمكنه، فإذا كان ذلك فجائز للعالم حينئذ الثناء على نفسه والتنبيه على موضعه، فيكون حينئذ تحدث بنعمة ربه عنده على وجه الشكر لها".

وقال: "وأما بنعمة ربك فحدث". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث صدقات النبي ﷺ حين تنازع فيها العباس وعلي: «والله لقد كنت فيها بارًا تابعًا للحق صادقًا». يعني عمر أثنى على نفسه في هذا المقام لما تنازع علي رضي الله عنه والعباس رضي الله عنه في من يتولى أوقاف النبي ﷺ وصدقاته قبل أن يسلمها لهم؛ قال: أنا لما قمت بها كنت بارًا صادقًا لم أقصر، فهذا من بيان الواقع وليس من باب الثناء على النفس.

قال: "ولم يكن ذلك منه تزكية لنفسه رضي الله عنه، وأفضح ما يكون للمرء دعواه بما لا يقوم به، وقد عاب العلماء ذلك قديمًا وحديثًا، وقالوا فيه نظمًا ونثرًا". فمن ذلك قول أبي العباس الناشئ: «من تحلى بغير ما هو فيه ... عاب ما في يديه ما يدعيه وإذا حاول الدعاوى لما فيه ... أضافوا إليه ما ليس فيه ويحسب الذي ادعى ما ادعاه ... أنه عالم بما يفتريه ومحل الفتى سيظهر في الناس ... وإن كان دأبًا يخفيه»

ومحل الفتى سيظهر في الناس، يعني في النهاية مهما ادعيت من العلم سيكتشفه الناس، ومحل الفتى يعني ما عندك من العلم سيظهر؛ إذا كنت قلت: والله أنا فارس في هذا وفي هذا، في النهاية لن تستطيع أن تخفي على الناس هذا الكذب وهذه الادعاءات التي أنت لست من أهلها، لذلك قال: ومحل الفتى سيظهر في الناس، يعني سيعرفه الناس ويعرفون ما عندك وإن كان دأبًا يخفيه، يعني كان حريصًا على أن يخفيه ولا يظهره، لكنك ستُكتشف؛ فلا تدعِ باختصار شيئًا ليس عندك احترامًا لماء وجهك.

واحسن من قول الناشئ في هذا المعنى قول الآخر: «من تحلى بغير ما هو فيه ... فضحته شواهد الامتحان» يعني ستمتحن وتُفضح، ويكتشف أنك لست من أهل العلم.

وقال: "وجرى في العلوم جرى سكيت ... خلفته الجياد يوم الرهان". "سكيت" هو آخر فرس في السباق يسمى سكيت، لما تكون الأحصنة تتسابق، الفرس الأخير الذي لا أحد يدري عنه هذا يسمى سكيت، ويقول لك: إذا ادعيت شيئًا ليس فيك، سيصبح حالك أمام الناس كحال هذا الفرس، تصبح في آخر الركب ولا أحد ينظر إليك؛ لأنك ادعيت شيئًا لست فيه.

وروينا عن أبي هارون العبدي وشهد بن حوشب قال: كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: «مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ». قال رسول الله ﷺ: «ستفتح لكم الأرض، ويأتيكم قوم أو غلمان حديثهم أسنانهم، يطلبون العلم ويتفقهون في الدين ويتعلمون منكم، فإذا جاؤوكم فعلموهم، والطفوا ووسعوا لهم في المجلس، وأفهموهم الحديث».

هذا كان النبي ﷺ يخبر أصحابه أنكم ستفتحون الروم والفرس، وسياتيكم من الأعاجم شباب جدد محبون للعلم، فيسر لهم واستقبلوه وبش في وجوههم. فكان أبو سعيد يقول لنا: «مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ؛ أمرنا رسول الله ﷺ أن نوسع لكم في المجلس وأن نفهمكم الحديث».

ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "من حق العالم عليك إذا أتيته أن تسلم عليه خاصة وعلى القوم عامة، وتجلس قدامه، ولا تشر بيديك، ولا تغمز بعينيك". يعني أثناء المجلس لا تشر بيديك إلى أخ أو مسألة أو شيء، بل تحافظ على سمت الأدب بين يدي العالم. ولا تغمز بعينيك؛ فالمعلم قال: مسألة، تلاقي طالب غمز الطالب هناك، أنه "أبصط" (أبصط) إيش قصتهم في هذه المسألة؟ لا يغمز الطالب بعينه زميله أثناء حلقة العلم.

وقال: "ولا تقل: قال فلان خلاف قولك". هذا من سوء الأدب أن تقول للشيخ: "الشيخ الفلاني خالفك"، لا تقله للشيخ؛ هو طرح رأيه في المسألة، أعجبك هلا، ما أعجبك اذهب إلى قول آخر، لكن من سوء الأدب أن تقول للشيخ أمام الطلاب: "والله هناك شيخ يخالفك في هذه المسألة"، هذا من رعونة الطالب.

وقال: "ولا تأخذ بثوبه". لا تأخذ بثوبه تريد أن تسأله؛ بعض الطلاب يجذب الشيخ من الخلف بثوبه، وهذا من سوء الأدب، احذر. وقال: "ولا تلح عليه في السؤال، ولا تلح في السؤال؛ فإنه بمنزلة النخلة المرطبة، لا يزال يسقط عليك منها شيء".

أقول لك هذه هي الخلاصة؛ لماذا أقول لك احرص على هذه الآداب في التعامل مع الشيخ؟ في النهاية هذا الشيخ عبارة عن نخلة عليها رطب، وكلما كنت رفيقًا في التعامل مع هذه النخلة، كلما نزلت عليك من هذا الرطب.

هذا الخير الذي عندهما، إذا كنت عنيفًا سيفوتك هذا الخير، وهذه الرطب التي تجنيها من ثمار هذا الشجر.

قالوا: من تمام أدب العالم أن يكون مهيبًا، وقورًا، بطيء الالتفات، قليل الإشارات، لا يصخب. الأدب السابق أدب الطالب، الآن أدب العالم. قال: من تمام أدب العالم أن يكون مهيبًا وقورًا في مجلسه وهيئته، بطيء الالتفات؛ يعني إذا حصل شيء في المجلس، أو دخل شيء أو خرج شيء، لا يكون دائمًا يلتفت، بل يحاول أن يكون حركاته مقتصدة في أثناء جلسته، وقليل الإشارات بيده، لا يصخب ولا يصرخ ولا يلعب ولا يلغو.

قال: وقد قيل إن هذا لا يحتاج إليه مع أداء ما لله عليه. معنى هذا الكلام أن بعض المشايخ أو من كتب في الأدب يقولون: العالم لا نطالبه بمثل هذه الآداب ونشدد عليه ما دام أدى حق الله، ما دام يدرس ويعلم؛ يا أخي لو لعب العالم، لو ضحك العالم، لو صخب العالم يتجاوز عنه، لا تلزم العالم بأكثر من تعليم الناس الخير وأداء ما لله عليه.

لكن الحقيقة لا أتفق أنا مع هذا الرأي؛ فالعالم له آداب وسمت يجب أن يحافظ عليه لمصلحته ولمصلحة الناس عمومًا. الآن سيذكر أثرًا عن بعضهم أنه كان لا يهتم بتحقيق هذه الآداب. قال: وبلغني أن إسماعيل بن إسحاق قيل له: لو ألفت كتابًا في آداب القضاة؟ فقال: وهل للقاضي أدب غير أدب الإسلام؟ ثم قال: إذا قضى القاضي بالحق فليقعد في مجلسه كيف شاء ويمد رجليه إن شاء.

هذا رأي إسماعيل بن إسحاق، قيل له لو ألفت كتابًا في أدب القضاء، فقال هل للقضاة آداب خاصة تختلف عن الآداب العامة لعموم المسلمين؟ ثم قال القاضي إذا قضى بالحق يفعل بعد ذلك ما يشاء، يمد رجليه، أي حاجة. هذا ضمن سياق معين يمكن أن يُفهم، لكن الأصل العام أن القاضي أو العالم عليه أن يبقى على سمت الأدب والوقار والرزانة. لا تأخذ كلام إسماعيل بن إسحاق على أنه مقبول بالكلية، فهناك آداب زائدة يجب أن يراعيها العالم لا يطالب بها غيره، فليس كل شيء نُقل من كلام الأوائل نقبله بدون تمحيص، يجب أن يكون هناك نوع من التمحيص والذكاء من طالب العلم فيما يختار وينتقل.

قال: وقالوا الواجب على العالم ألا يناظر جاهلًا ولا لجوجًا، فإنه يجعل المناظرة ذريعة إلى التعلم بغير شكر. معنى هذه العبارة أنه ينبغي على العالم ألا يناظر جاهلًا ولا لجوجًا، واللجوج هو الملحد كثير المناظرة والعصبي، شخصيته متعبة أثناء المناظرات. فيقول: ينبغي للعالم ألا يناظر هذين؛ ليه؟ لأنه يجعل المناظرة طريقة إلى التعلم بغير شكر.

الخلاصة: فإنه يجعل المناظرة طريقة إلى التعلم بغير شكر، أي أن هذا الجاهل سيأخذ منه العلم دون شكر. لأنك عندما تناظر شخصًا جاهلًا أو لجوجًا -وهذا الجاهل لو جاء يطلب العلم فليس لدينا مشكلة بأن نعلمه- لكنه جاء يناظر وأنت يا عالم تناظره، فأنت فعليًا تفيده علمًا، وهو سيحصل عليه ولكن على غير وجه الأدب، وهذا معنى سيتعلم من غير شكر. فالجاهل عندما يأتي ليتعلم من الشيخ في مقام التعلم، يشكر الشيخ على المعلومات التي حصل عليها، لكن عندما تكون أنت عالمًا وتناظر جاهلًا، هو استفاد منك المعلومات، لكنه لن يشكرك عليها في العادة؛ لأنه يعتبرك في مقام المناظرة، أي خصم له، فأخذ منك فوائد ولن يحصلها بطريقة الأدب، بطريقة الطالب المستفيد من شيخه. فلا العلم يجب أن يُعطى لمن يستحقه، وإذا جاء جاهل أو لجوج ليناظر فلا تناظره، بل هذا مقامه أن يجلس بين يديك ليتعلم وليس مقامه أن يناظرك ويبرز لهذه المكانة.

قال: وقال أيوب بن القرية: «أحق الناس بالإجلال ثلاثة: العلماء، والإخوان، والسلطان؛ فمن استخف بالعلماء أفسد دينه، ومن استخف بالإخوان أفسد امرأته، ومن استخف بالسلطان أفسد دنياه، والعاقل لا يستخف بأحد». جميل، يعني الإنسان لا يتعود الاستخفاف بالناس، بل يعامل كل الناس على الاحترام العام.

قال: وقال: «والعاقل دينه شريعته، والحلم طبيعته، والرأي الحسن سجيته». قال: وقال أبو عمر: «وآداب المناظرة يطول الكتاب بذكرها، وقد ألف ألف قوم في أدب الجدل وأدب المناظرة كتبًا، ومن طالعها وقف على المراد منها، وفيما ذكرنا في هذه الفصول عن السلف من جهة الآثار ما يغني ويكفي، ليس من شأن هذا الكتاب الكلام عن آداب المناظرة والجدال، هذا ليس من غرض هذا الكتاب، بل ما يغني ويشفي من جهة اتباع السلف على طرائقهم وهديهم، فهو العلم والأدب لمن وُفق لفهمه».

وقال: «وأحسن ما رأيت في آداب التعلم والتفقه من النظم ما ينسب إلى اللؤلؤي من الرجز». وبعضهم ينسبونه للحسن اللؤلؤي، تلميذ أبي حنيفة. هذه المنظومة حقيقة منظومة سنشرحها الآن وافية، لأنها من درر ما كتبه العلماء في آداب الطلب، وحتى هي يفردها المشايخ اليوم بالشرح، ويفردونها حتى بالتسجيلات الصوتية؛ ستجدون لها شروحًا وتسجيلات صوتية، لأن اللؤلؤي جمع فيها كلامًا نافعًا عظيمًا، فينبغي أن يهتم طالب العلم بحفظها، ينشغل بها طلاب العلم عمومًا لأن سبكها لطيف وضمنها الكثير من القواعد المهمة في أدب الطلب.

قال: وبعضهم ينسبونه للمأمون، وقد رأيت إيراد البعض ينسبها للمأمون، لكن الأكثر أنها للؤلؤي. قال: «وقد رأيت إيراد ما ذكر من ذلك لحسنه، ولما رجوت من النفع به لمن طالع كتابي هذا». أي بهذه المنظومة لمن طالع كتابي هذا؛ فقوله إني أردت أن أفيد الذي سيقرأ هذا الكتاب فلا يمكن أن أخليها من هذه المنظومة البديعة. قال: «ولما رجوت من النفع به لمن طالع كتابي هذا»، نفعنا الله وإياه به.

يقول اللؤلؤي رحمه الله: «واعلم بأن العلم بالتعلم، واعلم بأن العلم بالحفظ والإتقان والتفهم». هذه أولاً مدارج التعلم؛ قال: العلم لا يخرج إنسان من بطن أمه عالماً، وإنما العلم بحضور مجالس العلم، والسلوك طريق وسلوك طريقه الأوائل في تلقيه، وهي الحفظ والإتقان والفهم. هذه ثلاثة عناصر لنجاح العملية التعليمية؛ هناك محفوظ، وهناك مفهوم، وهناك إتقان في الحفظ وفي الفهم.

إذن احفظ يا أيها الشباب، واعلم بأن العلم بالتعلم والحفظ والإتقان والتفهم؛ ففي حفظ في فهم، وما في حفظ بدون فهم، ولا فهم بدون حفظ. ثم قال: «والعلم قد يرزقه الصغير في سنه ويحرم الكبير». يعني العلم ليس بالعمر، قد يكون الإنسان صغيراً في بادئ عمره ويحصل من المعلومات والعلم النافع ما لا يحصله إنسان كبير عجز عن طلب العلم وتحصيله، فالعلم ليس له علاقة بالعمر.

«وإنما المرء بأصغريه ليس برجليه ولا يديه». الإنسان ليس بجسمه، ليس بعضلاته ويديه ورجليه، الإنسان متى ينبل قدرك؟ بأصغريه؛ الأصغران هما القلب واللسان. المرء بأصغر قلبه ولسانه، فيقول لك اللؤلؤي: «وإنما المرء بأصغريه ليس برجليه ولا يديه». رجلاك ويديك لن تجعلك إنساناً مميزاً، الذي يجعلك مميزاً القلب، الذي هو القلب بمفهومه العام، أي العقل، واللسان.

وهو الآن سيشرح: «وإنما المرء بأصغريه ليس برجليه ولا يديه، لسانه وقلبه المركب في صدره، وذاك خلق عجب، وذاك خلق عجب». هو شرح ما المراد بأصغريه؛ لسانه وقلبه المركب في صدره، فالصدر أوسع من القلب. أنت عندكم في النسخة: «لسانه وقلبه المركب في صدره، وذاك خلق عجب، وذاك خلق عجب». أنا أصلحت النسخة التي عندي: «لسانه وقلبه المركب في صدره، وذاك خلق عجب».

«والعلم بالفهم والمذاكرة». على وسائل التعلم كيف يتعلم الإنسان؟ قال: «والعلم بالفهم والمذاكرة مع الزملاء والإخوان». هذه قضية مهمة، قضية المذاكرة والدرس، وحضور مجالس العلماء والاستفادة من حضورها والتركيز عليها، والفكرة وهي التأمل وكثرة إدمان النظر، كما قال البخاري: كثرة التأمل والتفكير. ما في شيء تحصل بدون تفكير، أما مجرد تأخذ معلومات وأنت لا تمحص، هذا لا ينبل. والمناظرة، أي أن تناظر، إذا تأهلت لذلك؛ فالمناظرة المفيدة.

«فرب إنسان ينال الحفظ ويورد النص ويحكي اللفظ وما له في غيره نصيب مما حواه العالم الأديب». فهو الآن سيعطيك بعض الأنواع؛ يقول لك رب إنسان جيد في الحفظ، مميز ويعطيك الحديث بإسناده، لكن ما عنده فهم ولا دراية بما رواه، ولا يحسن التحليل ولا بناء الأفكار. فرب إنسان ينال الحفظ ويورد النص كما هو، ما شاء الله لا يسقط حرفاً منه ويحكي اللفظة، لكن ما له في غيره نصيب؛ ليس له نصيب في الفهم والتحليل وبناء الأفكار، ما عنده قدرة على ذلك.

قال: «ورب ذي حرص ورب ذي حرص شديد، الحب للعلم والذكر، بليد القلب، معجز في الحفظ والرواية، ليست له عمن روى حكاية». في المقابل تجد العكس، إنسان محب للعلم وعنده قدرات في الفهم والتحليل عموماً، لكنه معجز، يعني عاجز تمام العجز في باب الحفظ. الشخص الأول حافظ بس ما بيعرف يفهم، والشخص الثاني عنده قدرة على الفهم بس ما بيعرف يحفظ، وكلاهما مشكلة.

يقول لك اللؤلؤي هذا مشكلة وهذا مشكلة. قال: «ورب ذي حرص شديد الحب للعلم والذكر، لكنه بليد القلب»، يعني ما عنده قدرة على الاستيعاب، المحفوظات التي تدخل معجز في الحفظ والرواية، عاجز أن يحفظ وأن يروي كلاماً متقناً عن مشايخه، ليست له عمن روى حكاية.

«وآخر يعطى بلا اجتهاد، وآخر يعطى بلا اجتهاد حفظاً لما قد جاء في الإسناد، يهذ به بالقلب لا بناظره، ليس بمضطر إلى قماطره». في المقابل، أحياناً بعض الأشياء رزق؛ تجد إنسان ربنا أعطاه قدرات على الحفظ هائلة، فهو لا يحتاج إلى كثرة التكرار وإدامة التكرار حتى يحفظ بدون اجتهاد، يستطيع أن يحصل، مثل قدرات الشافعي في الحفظ ما شاء الله، إذا نظر في الصفحة حفظها بدون كد إلى تكرار.

«وآخر يعطى بلا اجتهاد»، يعني بدون كلف منه، يعطى ماذا؟ حفظاً لما قد جاء في الإسناد، يستطيع أن يحفظ الأسانيد والمرويات بسهولة، يهذ به بالقلب؛ أي كثرة رواية الشيء وقراءته، محفوظ في القلب لا بناظره، ليس محتاجاً ينظر في الكتب حتى يروي، خلص هو كل محفوظاته أصبحت في قلبه. ليس بمضطر إلى قماطره، والقماط تروى بمعنى الشدة في الاستحضار والقسوة في الشيء؛ فبعض الطلاب من ضعف حفظه يحتاج دائماً إلى تكرار شديد وشراسة في التعامل مع الذاكرة حتى يثبت المحفوظ.

لكن هناك من أعطاه الله من مواهب الحفظ، مباشرة تدخل المعلومة إلى قلبه ولا يحتاج أن يناظرها في الكتب مرة أخرى ولا يتعنى في تحصيله، هذا معنى لا يحتاج إلى القماط. لكن البعض يفسر القماط بمعنى آخر، وهي الدفاتر والكتب التي يكون فيها العلم مسجلاً، وهذا المعنى الثاني أظنه الأليق بالسياق، إن أراد بالقماط الدفاتر والكتب؛ لأنه قال هذا الذي يحفظ جيداً ورزقه الله قدرة على الحفظ، فهو ليس مضطراً أن ينظر في القماط أي في الدفاتر، فلذلك اعتمدوا المعنى الثاني للقماط وهو الدفاتر والمصنفات.

قال: «فالتمس العلم واجمل في الطلب». يعني كن هادئاً عندما تطلب من المشايخ والعلماء، والعلم لا يحسن إلا بالأدب، ما في علم إلا ولا بد وأن يكون مسبوقاً بمعرفتك بمسالك الأدب في التعامل مع العلماء. «والأدب النافع»، حسن السمت وفي قلة القول، قال: «والأدب النافع أن تتمسك بحسن السمت والوقار، وأما الإكثار من القول وإن تكون مهذاراً، فهذا ممقت عليه». لذلك قال: «وفي كثير القول بعض المقت».

«فكل حسن سمت ما حييت مقارناً، تُحمد ما بقيت». أي كل حسن سمت ملازماً له فإنك تحمد ما بقيت على هذه الحياة. «وإن بدت بي إناساً مسألة معروفة في العلم أو مفتعلة، فلا تكن إلى الجواب سابقاً، حتى ترى غيرك فيها ناطقاً». ما أعظم هذه النصيحة! إذا طرحت أمامك مسألة قديمة أو نازلة معاصرة، قال: «مفتعلة» يعني نازلة أو شيء سيُفرض بعد ذلك، فرضية قد تكون مفتعلة.

المفروضة التي لم تقع بعد، إذا طرحت أمامك مسألة واقعة أو مفترضة، فلا تستعجل أنت بالجواب، ولا تبادر أن تكون أول من يتكلم، بل اترك مساحة لغيرك يتكلمون وينظرون، ثم إذا تخمرت عندك الفكرة يا أخي تكلم. ليس كحال الناس اليوم على السوشال ميديا، الكل يريد أن يعلق، الكل يريد أن يبادر، الكل يريد أن ينتقد، الكل له وجهة نظر.

يا أخي لو كانت هناك مسألة ليست لك فيها وجهة نظر، هل هذا عيب؟ بعض الطلاب يظن أنه عيب إذا في مسألة وقعت وأنا لم أبدِ فيها وجهة نظري، هذا خطأ. أخي، من قال إن العالم أو طالب العلم لا بد أن يكون له وجهة نظر في كل مسألة؟ في مسائل ينبغي أن تتوقف تقول: والله لم يظهر لي فيها شيء.

رحم الله الآمدي، في كتابه الأحكام، كان دائماً يتوقف. كان منهجه في أقواله الأصولية أنه يحرر المسألة الأصولية ويذكر الأقوال، ثم يقول: «وهنا انتهاء المقال، ولعل أجد تحريرها عند غيري». كثير ما كان يفعل ذلك الآمدي في كتابه «الأحكام في أصول الأحكام»؛ يعطيك الأقوال ثم يقول: والله ما عندي مرجح، غيري قد تجد حلها عنده. وهذا من دلالة جلالة قدره ومعرفته بقيمة العلم، وأن الإنسان لا يتكلم إلا برسوخ.

وإن بدت بين أناس مسألة معروفة في العلم، يعني مسألة معروفة مسبقاً، أو مفتعلة مفترضة في المستقبل، أو نازلة لم يتكلم بها أحد، فلا تكن إلى الجواب سابقاً حتى ترى غيرك فيها ناطقاً. فكم رأيت من عجول سابق من غير فهم، بالخطأ ناطق! كم من إنسان يسبق بالعجلة فإذا به يتكلم بالخطأ وينظر المسألة على غير طريقة سوية؛ فكم رأيت من عجول سابق من غير فهم، هو ليس فاهماً، لم يحط بالمسالك علماً، بالخطأ ناطق ينطق خطأ.

ازر به ذلك في المجالس عند ذوي الألباب والتنافس؛ فماذا حدث بسبب تكلمه بالخطأ؟ نزلت منزلته عند أصحاب العقول وعند منافسيه من أقرانه. عرفوا أن فلان بطبعه عجل، دائماً يتكلم باستعجال بدون فهم وبدون روية، فانخفضت مرتبته عند العلماء وعند من ينافسه من أقرانك وزملائك.

جميل، وإذا أعياك ذاك الأمر قل: «مالي بما تسأل عنه خبر». يعني إذا أحد سألك سؤالاً وأعياك ولا يوجد عندك جواب، قل: ليس عندي خبر بهذه المسألة، وانتهى الأمر. الله أعلم، باختصار قال: «فذاك شطر العلم» عند العلماء؛ لأن العلماء كانوا يقولون: من قال لا أدري فهذه نصف العلم. قال: «ذاك شطر العلم»، نصف العلم أن تقول لا أدري فيما لا تعرفه.

كذاك ما زال الحكماء يقولون: «والصمت فاعلم بك حقاً أزين». إن لم يكن عندك علم متقن يا أخي، إذا أنت لا تزال دارجاً في طلب العلم، جديد، عظمك طري كما يقولوا في أمثالنا، فالصمت أزين لك، الصمت والسكوت أزين لك، لا تبهدل نفسك. يقول: «والصمت فاعلم بك حقاً أزين»، هو أزين لك إن لم يكن عندك علم متقن.

إذا لم تكن متقناً للعلم بعد، إياك والعجب بفضل رأيك، واحذر جواب القول من خطئك. إياك أن تعجب بآرائك وتظن أنك شيء كبير، تعلم الرزانة واحذر جواب القول من خطئك؛ والمراد هو الخطأ، أي احذر أن تجيب جواباً خطأ، وطبعاً المراد بسبب عجلتك. كم من جواب أعقب الندامة؛ فاغتنم الصمت مع السلامة. كم من إنسان أجاب عجلاً فكان جوابه ندماً، كم من جواب أعقب الندامة جعل صاحبه يندم عليه بعد حين، فاغتنم الصمت مع السلامة.

«العلم بحر منتهاه يبعد، ليس له حد إليه»، يقصد العلم بحر لا ساحل له. «وليس كل العلم قد حويته»، إذا جعلناها اسم ليس، يعني أنت لم تحوِ كل العلم. بدك في النهاية تعرف، يعني دريت شيئاً وغابت عنك أشياء؛ عرفت أشياء وغابت عنك الأكثر. «أجل ولا العشر، ولو أحصيته»، يقول إذاً أنت لم تحوِ كل العلم، بل ولا عشر العلم، «وما بقي عليك منه أكثر مما علمت»، وما بقي عليك أن تتعلمه في حياتك أكثر بكثير مما تعلمته سابقاً.

ثم قال: «والجواد يعثر». حتى لو كنت فرساً جواداً، ممكن واحد يقول: بس يا شيخ أنا متقن؟ أقول لك: حتى لو كنت فرساً جواداً، الفرس الجواد قد يتعثر في طريقه. باختصار، دعك من هذه الثقة الزائدة بنفسك؛ فالجواد يعثر، حتى لو كنت فارساً قوياً ذكياً فطناً تتعثر، فانتبه.

«فكل ما سمعته مستفهماً، إن أنت لا تفهم منه الكلمة»، يعني إذا سمعت شيئاً من شيخك ومن معلمك ولم تفهمه، اسأل وتعلم. «فكل ما سمعته من مشايخ مستفهماً»، أي سائلاً إن أنت لا تفهم منه الكلمة، إذا ما فهمت معنى الجملة التي تكلم بها، فالقول قولان: «فقول تعقله، وآخر تسمعه فتجهل». يعني في حياتك العلمية ستسمع أشياء تفهمها، وفي المقابل ستسمع أشياء تجهلها وتحتاج إلى سؤال، فهذا يركز على قيمة سؤال الطالب لشيخه.

هناك أشياء بالتأكيد تحتاج إلى بحث وسؤال. «القول قولان»، يعني ما تسمعه قولان: إما قول تفهمه مباشرة من الشيخ، وإما قول تستشير وتحتاج أن تبحث عنه جيداً. وكل قول فله جواب يجمعه الباطل والصواب، والقول الذي جهلته إذا سألت عنه ستجاب، لكن هذا الجواب يمكن أن تُجاب به بشكل صحيح ويمكن أن تحصل على جواب آخر. بدك تكون موطن نفسك أنه حتى الشيخ إذا أجابك، هل كل أجوبته على أسئلتكم صحيحة؟ لا، قد يجيبك جواباً صحيحاً وقد يجيبك جواباً خاطئاً، وبتوسع علمك وبحثك أكثر وأكثر تعرف أين أصاب الشيخ وأين أخطأ.

«وللكلام أول وآخر، فافهمه ما الذهن منك حاضر»، يقول لك هذا أدب الإنصات إلى آخر الكلام. بعض الطلاب بطبيعتهم مستعجلون، يريدون مزاحمة الشيخ، فلا يتركون الشيخ يكمل كلامه. فبقول لك: «للكلام أول وآخر»، اصبر حتى ينتهي الشيخ من الكلام، وركز في آخر جملة قالها كما ركزت في أول جملة قالها. بعض الطلاب يركز في أول كلمتين، ثم يستعجل ويريد مزاحمة الشيخ والمناقشة، فلا يركز في آخر جملتين قالهم الشيخ مع أنه فيهم أيضاً فائدة، فهذا من عظيم...

النصح أن الإنسان يجب أن يتعلم أدب الإنصات والاستماع إلى آخر شيء، وللكلام أول وآخر فافهمه، ما الأول والآخر؟ والذهن منك حاضر وأنت مركز في جميع كلام شيخك، لا تدفع القول ولا ترده حتى يؤديك إلى ما بعده.

ما معنى هذا الكلام؟ إياك أن تدفع جملة صدرت من الشيخ حتى تعرف الجملة التي بعدها، لأنه ممكن الشيخ يقول جملة، وأنت مستعجل تريد أن تنتقد، فقل يا أخي اهدا واسمع الجملة التي ستأتي بعد ذلك، لعل فيها يكون بيان وإيضاح لما أشكل عليك. فيقول: «لا تدفع القول ولا ترده»، لا تستعجل على الشيخ ترد عليه وتدفع كلامه حتى يؤديك إلى ما بعده، حتى تسمع الجملة الثانية، فلعل في الثانية جواب الأولى.

جميل، لا تدفع. فربما «أعيا ذوي الفضائل جواب ما يلقى من المسائل»، رجع إلى قضية أنه الإنسان مهما بلغ في الفضل والعلم قد تعيا بعض المسائل لا يحسن إجابتها، فربما أعيا ذوي الفضائل، أي العلماء، جواب ما يلقى من المسائل، هؤلاء الأفاضل فيمسك بالصمت عن جوابه عند اعتراض الشك في صوابه. فيمسك شيخك عن الإجابة، وهو يوطنك أنك ستسأل الشيخ عن أشياء وقد تعي الشيخ ولا يحسن الإجابة فيمسك عن إجابتك، فهذا شيء متوقع ولا يزهدك ذلك في شيخك ولا في معلمك.

«فيمسك بالصمت عن جوابه عند اعتراض الشك في صوابه»، إذا شكوا في دقة الإجابة التي عندهم، ولو يكون القول في قياس الناس فضة بيضاء، إذاً لكان الصمت عين من ذهب، فافهم هداك الله آداب الطلب. ماذا يختم في هذين البيتين؟ يقول: إذا كان الكلام في قياس الناس يعتبر فضة بيضاء، فاعلم أن العقلاء يعتبرون الصمت والإنصات ذهباً خالصاً.

فأيهما أفضل؟ الصمت، لأن الصمت ذهب، والكلام مجرد فضة. فقال: «ولو يكون القول في قياس»، يعني إذا كانت الناس تعتبر في أقيسة عقولها إذا كانت تعتبر القول والحديث فضة بيضاء نقية، فاعلم أن الصمت يعتبر أعلى من ذلك فهو ذهب خالص. إذا كان الصمت في العقول الناضجة هو عين من ذهب، فافهم هداك الله آداب الطلب. قصيدة لطيفة حقيقة، ليست طويلة يمكن أن تحفظ سريعاً، لكن أجمل ما فيها آداب لا ينفك طالب العلم عنها.

أكمل جزاكم الله خيراً وبإسناد، قال أكثم بن صيفي: «ويلُ عالمٍ أمرٍ من جاهله .. ومن جهل شيئاً عاداه .. ومن أحب شيئاً استعبده»

نعم، ويل عالم أمر من جاهله؛ لأنه إذا كان الإنسان جاهلاً بشيء، فالجاهل عدو ما يجهل كما يقال، فتجد الجاهل لأنه لا يعرف كثيراً من الأمور ينكر على العالم، فيقول: ويل لعالم أمر من جاهله. ما معنى هذا الكلام؟ الإنسان الذي يجهل كثيراً من الأمور يعاديك ويستنقص منك ويحارب، مع أن المسكين هو لا يعرف أن المشكلة هي أنه جاهل فقط وأنا عارف في هذا الموضوع، فيقول: ويل لعالم أمر من جاهل، ما راح تخلص من الجهلاء للأسف.

وقال غيره: «علمٌ لا يعبرُ معك وادياً .. ولا تعمرُ به النادي»

ما معنى هذا الكلام؟ علم لا يعبر معك الوادي، لا تعمر به النادي. العلم الذي ليس محفوظاً في صدرك، لأن العلم الذي تعبر به في الطرقات هو العلم الموجود في صدرك، فبقول لك: علم لا تستطيع أن تعبر الوادي لأنه ليس في صدرك، إياك أن تعمر به النادي وتعمل نفسك عالماً فيه، العلم ما حفظ تستطيع أن تعبر به البحار وتستطيع أن تعبر به الوديان والجبال بدون ما يكون معك شيء ينتقل معك حيثما كنت. هذه تركيز على فضيلة الحفظ.

قال: «وإذا ازدحم الجواب خفي الصواب»

ما معنى إذا ازدحم الجواب خفي الصواب؟ ليس كثرة الإجابة، بل اللغط في الإجابة؛ بطرح الشيخ سؤالاً وكلها تجاوب مرة واحدة، ماذا يحدث؟ ضاع الجواب ولم يفهم أحد، الأصل أن تكون الإجابة برفع اليد والسؤال حتى يستفيد الجمع. فيقول لك: إذا ازدحم الجواب خفي الصواب، هذا يتكلم من هنا وهذا يتكلم من هنا وهذا يجاب من هنا، فما عاد الناس تعرف ما هو الصواب في المسألة.

«واللغط يكون معه الغلط»، اللغط يكون معه الغلط، هي نفس الفكرة السابقة؛ حتى لا أطيل، اللغط يعني كثرة الأصوات في المجلس، وكثير ما يأتي معها الكلام الخاطئ لأن الشيخ لم يسمع من كل طالب، هذا تكلم وهذا تكلم في نفس الوقت، وقد يكون أحد الطلاب تكلم بشيء خاطئ ولم ينتبه له الشيخ فحدث غلط أثناء الكلام. فبقول لك دائماً: الآداب والهدوء في المجالس يحصل الخير للجميع.

«لو سكت من لا يعلم سقط الاختلاف»، هذه كثير ما يكررها الناس اليوم، وهي من كلام أكثم بن صيفي، وقد تكون منسوبة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

قال الخليل رحمه الله: «ما سمعت شيئاً إلا كتبته، ولا كتبته إلا حفظته، وما حفظته إلا نفعني». طبعاً الخليل بن أحمد كما قلنا إمام في النصائح، يقول: ما سمعت شيئاً إلا كتبته، كان يحرص على الكتابة، ثم الكتابة أورثت الحفظ، ثم الحفظ أورثه الانتفاع بمحفوظ. لذلك لما نقول حفظ القرآن وحفظ السنة، لأن هذا الحفظ هو الذي سيعينك أن تستثمر القرآن في حياتك، حفظ القرآن ليس المراد منه أن تقفل عليه صدرك، بل المراد من الحفظ حصول المنفعة وثمارها؛ أن الشيء المحفوظ تستحضره في المواقف، فتكون في مواقف تتذكر وتقول: والله هذه الآية تسقط على هذا الموقف، فتستثمرها. أما الإنسان الذي ليس حافظاً للقرآن أو لا يحفظ السنة أو لا يعرف العلم، ليس عنده محفوظ، لا يستطيع أن يستثمر في مواقف الحياة.

قال: «ومن أكثر من مذاكرة العلماء .. لم ينسَ علماً واستفاد ما لم يُعلم»

جميل، كثرة حضورك مجالس العلم ماذا تفيدك؟ هذه ليست عندي لكنها عندك، اقرأها مرة أخرى: من أكثر من مذاكرة العلماء لم ينسَ ما علم واستفاد ما لم يعلم.

يعلم، نعم، لم ينسَ ما علم؛ لأن الشيخ يعيد شرح الكتب المتنوعة، فيبقى العلم القديم حياً وتحصل علم جديد. هذه فائدة الاستمرار في حضور مجالس العلماء. قديماً كانوا يحرصون، يعني كان يلازمون مشايخهم ثلاث سنوات للشيخ الواحد، وهو يبقى يسمع كلامه ويحضر؛ لماذا يلازم هذه المدة؟ حتى يبقى العلم حياً.

بعض الشباب يظن: خلص، أنا جلست سنتين أو ثلاث أو أربع سنوات في الجامعة. جزا الله خيراً الله كفاه، هذا لا يمكن أن يحصل عشر ولا خمس ولا شيء في طالب العلم. يعني حتى أريحك، إذا لم تلازم مجالس العلم حتى ولو تصدرت في مكان آخر، إذا لم تلازم مجالس العلم سيذهب علمك ويضيع مع مرور الوقت.

قال: وأوصى يحيى بن خالد ابنه جعفر، فقال: «لا ترد على أحد جواباً حتى تفهم كلامه، فإن ذلك يصرفك عن جواب كلامه إلى غيره». ونفس الفكرة نظمها الحسن بن زياد اللؤلؤي: «لا ترد جواباً حتى ينهي أمامك كلامه، اسمع الكلام إلى الآخر».

قال: ويؤكد الجهل عليك ولكن افهم عنه، فإذا فهمته فأجبه، ولا تعجل بالجواب قبل الاستفهام، ولا تستحي أن تستفهم إذا لم تفهم؛ فإن الجواب قبل الفهم حمق. وإذا جهلت قبل أن تسأل فاسأل، فيبدو لك سؤالك واستفهامك أحب وأخير لك من السكوت على العِيّ. إذا أيضاً جهلت شيئاً في المقابل اسأل واستفسر، فإن سؤالك واستفسارك خير من أن تبقى عِيّاً، أي جاهلاً بهذه المسألة.

نصلي إن شاء الله. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. نشرع في المجلس الثاني مستعينين بالله.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. قال رحمه الله تعالى: باب ما روي في قبض العلم وذهاب العلماء. وبإسناد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تظهر الفتن، ويكثر الهرج». قيل: وما الهرج؟ قال: «القتل القتل»، ويقبض العلم. فسمعه عمر، يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن قبض العلم ليس شيئاً ينتزع من صدور الرجال، ولكن قبضه يكون بموت العلماء».

وبإسناد عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك علماء اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».

ينبغي على طالب العلم أن يستغل ما بقي من العلماء الأفذاذ، وينهل من علومهم قبل أن يفوت الأوان، وقبل أن يفقد هؤلاء العلماء؛ فإن العالم إذا ذهب يصعب أن نخرج نسخة أخرى، إنتاج عالم محقق محرر هذا قل إن يجود الزمان بمثله. فهذه البقايا من العلماء ينبغي على طالب العلم أن يحرص على الاستفادة منهم.

ثم ذكره بإسناد آخر وبأسانيد أخرى، وبإسناد عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينزع العلم من الناس...». هي فكرة متكررة في كافة الأسانيد، حتى أثر 16 كذلك: «إن الله لا ينزع العلم...».

أيضاً الحديث الذي يلينا كله يحوم حول الحديث المشهور في قبض العلماء، كلها تدور حول الحديث المشهور بأسانيد متعددة. ثم ذكر حديث أبي هريرة؛ اذهب إلى حديث أبي هريرة: «لا تقوم الساعة حتى يخرج من أمتي ثلاثون...» بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يخرج من أمتي ثلاثون دجالاً، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يفيض المال، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج». قالوا: وما الهرج؟ قال: «القتل القتل».

وبإسناد عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويبث الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا».

وبإسناد آخر: «لو حدثكم بحديث، حدثكم به أحد...» الحديث، عن سالم أنه قال: سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقبض العلم، ويظهر الجهل». قال عبد الله بن مسعود... هو أظن قرأها صحيحة: «حتى يفيض المال ويقبض العلم». قرأتها تمام، أحسنت: «حتى يفيض المال ويقبض العلم».

وبإسناد عن عبد الله بن مسعود: «...وعلمائكم يذهبون، ويتخذ الناس رؤوساً جهلاً». وذكر الحديث، وإسناد عن ابن مسعود قال: «عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله». وإسناد، يعني ابن شهاب قال: «بلغنا عن رجال من أهل العلم قالوا: الاعتصام بالسنن نجاة، والعلم يقبض قبضاً سريعاً».

فنعمة العلم ثبات الدين والدنيا وذهاب جفيله. هذه العبارة: «فنعمة العلم ثبات الدين والدنيا»، يعني إنعاش العلم من خلال إقامة ما يمكن إقامته من المجالس العلمية والبرامج ومجالس المذاكرة. ثبات الدين والدنيا، نعش العلم؛ يعني إحياءه وإنعاشه. كلما كنت صاحب أثر في إنعاش العلم وإحيائه في المحلة التي كنت فيها، مسجد أو مركز أو أي شيء، هذا ثبات لدينك ودنياك. أيضاً فانتبه على هذه العبارة الجميلة، وذهاب ذلك كله في ذهاب العلم، وبإسناد: ذهاب ذلك كله ذهاب الدين والدنيا بذهاب العلم من حياة المجتمعات المسلمة.

وبإسناد عن جبير بن نفير، عن عوف بن مالك الجعفي أنه قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ نظر إلى السماء فقال: «هذا»، وإن يرفع العلم. فقال له رجل من الأوس يقال له زياد بن لبيد: أيرفع العلم يا رسول الله وفينا كتاب الله وقد علمناه أبناءنا ونساءنا؟

يعني هذا الصحابي استغرب؛ كيف يا رسول الله سيرفع العلم والقرآن موجود والسنة مطبوعة، ويعني هناك من يحفظ القرآن ودورات التحفيظ وكل هذا؟ كيف يقبض العلم مع وجود هذه الحالة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني كنت لأحسب أكثر أهل المدينة فقهاً...» وذكر له ضلال أهل الكتاب وعندهم ما عنده من كتاب الله.

قال: ها هم اليهود والنصارى عندهم كتبهم ومع ذلك ظلوا وتاهوا، حتى قبل أن تحرف كانت بينهم التوراة والإنجيل ولم ينتفعوا بها. فعندما نقول إن العلم يقبض، ليس شرطاً ابتداءً أن القرآن ما يعود موجوداً، وأن طبعات كتب السنة ليست موجودة، ها هي موجودة طبعات كتب السنة؛ بالله عليكم كم طالب علم يقرأ فيها ويتصفح ويستفيد ويستنبط منها؟ فالعبرة ليست وجود الكتاب، العبرة وجود من يستفيد منه، وإلا فالكتب اليوم موجودة بكميات كبيرة وأفضل الطبعات وأفخم الطبعات لكن لا يوجد من يقرأ. فلقي جبير بن نفير شداد بن أوس.

بالمصلى، فحدثه هذا الحديث عن عوف بن مالك، فقال صدق عوف. ثم قال شداد: «هل تدري ما رفع العلم؟» قال: قلت لا أدري. قال: «ذهاب أو عية». هل تدري أي العلم ذهاب أو عية؟ وهم العلماء. نعم، هل تدري أي العلم أول أن يرفع؟ يعني ما أول العلم رفع من هذه الأمة؟ قال: قلت لا أدري. قال: الخشوع. حتى لا ترى خاشعًا تدخل المسجد لا تجد أحدًا خاشعًا في صلاته. أسأل الله العفو والعافية.

أحسنت، الخشوع هو من العلم؛ لأنك لن تخشى حتى تعرف الله سبحانه، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. وبإسناد عن الحسن قال: «موت العالم ثلمة في الإسلام»، ثلمة يعني كأنها فوهة فتحت في جسد الإسلام يصعب أن يتم رتقها مرة أخرى، لا يسدها شيء. وعن ابن سيرين يعني لن يسدها شيء حتى تقوم الساعة؛ لأنه كما قلنا العلماء ليسوا في تزايد، العلماء للأسف في تناقص، والهمم للأسف -إلا من رحم ربي- تفتر، فالإنسان يحاول قدر المستطاع أن يلم من همته على الأقل. إذا فقدنا العلماء لا نفقد طلاب العلم؛ لأن القضية ليست أن يفقد كل شيء مرة واحدة، على الأقل إذا لم تكن عالمًا فكن طالب علم حتى تتدارك هذه الأمة.

وبإسناد عن ابن شيء قال: «ذهب العلم فلم يبق إلا غبار في أوعية سوء». وبإسناد عن هلال بن خباب، أبو العلاء، قال: سألت سعيد بن جبير، قلت: ما المراد في أوعية السوء؟ يعني بقايا ما بقي من العلم، بقايا في أوعية سوء، كأنه يقول علماء سوء، يعني عندهم شيء من المعلومات، علماء سلاطين أو ما شابه ذلك. سألت سعيد بن جبير قلت: ما علامة الساعة وهلاك الناس؟ قال: «إذا ذهب علماؤهم».

وبإسناد عن سلمة بن سليم، أبو سلمة، أن كعبًا كان يقول: «واعلم أن الكلمة من الحكمة ضالة المؤمن، فعليكم بالعلم قبل أن يرفع، ورفعه أن تذهب رواته». وبإسناد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله بعثني هدى ورحمة للعالمين، وأمرني ربي أن أمحق المزامير والمعازف والخمر والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية، وأقسم ربي بعزته: لا يشرب عبد الخمر في الدنيا إلا سقيته من حميم جهنم، معذبًا أو مغفورًا له، ولا يدعها عبد من عبيدي تحرج عنها إلا سقيته إياها من حظيرة القدس». يسقيه الله عز وجل الخمر في الجنة، من ترك الخمر إثمًا، يعني يراها إثمًا ورغبة في إرضاء ربه، سقاه الله خمر الجنة.

وقال أبو أمامة: قال رسول الله ﷺ: «إن لكل شيء إقبالًا وإدبارًا، وإن لهذا الدين إقبالًا وإدبارًا، وإن من إقبال هذا الدين ما بعثني الله به». حتى إن القبيلة في الإقبال يعني فترة عزة وتمكين، وفي الإدبار فترة يكون فيها الإسلام قل حاملوه ويكون وضع المسلمين متعثرًا كما هو حالنا، حتى إن القبيلة لتتفقه من عند أسرها. وقال: «حتى لا يكون من عند أسرها»، يعني هناك روايتان في الحديث، حتى لا يكون فيها إلا الفاسق، والفاسق فهما مقموع ذليل، إن تكلما أو نطقا قمعًا وقهرا واضطهد.

ثم ذكر أن من إدبار هذا الدين أن تجفو القبيلة كلها العلم من عند أسرها، حتى لا يبقى إلا الفقيه، والفقيه هي الحالة المعاكسة، أن القبيلة كلها جاهلة بالكتاب، تجد طالب علم أو طالبين فيها، فهما مقموعان ذليلان، إذا تكلما سكتهم الفساق، وقيل الطغيان علينا، وحتى يشرب الخمر في ناديهم ومجالسهم وأسواقهم، وتنحل الخمر اسمًا غير اسمها، كما هو الحال اليوم المشروبات الروحية، وحتى يلعن آخر هذه الأمة أولها، يعني حتى يسب علماء السلف، ويصدر بعلماء السلف، في آخر هذه الأمة تجد بعض السفاسف يزدرون السلف -رضوان الله عليهم-.

وقال أبو عمر: لقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول: سُقيت قبور الصالحين ديمًا ... ديمًا، لازم تقف عليها، ديم هي السحائب المليئة بالأمطار. صلى الإله على النبي لقد ... عليه الصلاة محيت عهود بعده وذمم لولا بقايا الصالحين عفا ... ما كان (رسم في بعض النسخ)

وبإسناد عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت هدى ورحمة للعالمين»، فذكر مثله في الأوثان والمعازف والمزامير والخمر إلى آخر قصته في الخمر. ولم يذكر ما بعده. وبإسناد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «تعلموا العلم وعلموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإني مر จะ مقبوض، وإن العلم سيقبض، وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة، لا يجدان أحدًا يفصل بينهما». يعني يختلفان في مسألة من مسائل المواريث، لا يجدون شخصًا يحل لهم هذه المسألة، وهذا من تمكن الجهل في آخر الزمان، نسأل الله العفو والعافية.

وبإسناد عن عطاء بن أبي رباح في قول الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: 41]، قال: ذهاب فقهائها وخيار أهلها. هذا تفسير عطاء بن أبي رباح لهذه الآية، ما معنى ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾؟ أقوال عديدة للمفسرين، عطاء ماذا فسرها؟ قال: ذهاب علمائهم وفقهائهم. هكذا كانت الأرض تتناقص، وهو تناقص معنوي وليس تناقصًا حسيًا على تفسير عطاء؛ تناقص معنوي بفوات العلماء وذهابهم، رحمه الله عليهم.

وذكر بإسناد عن عكرمة بإسناد مثله، وقال: «إكرام الشعبي هو النقصان وقبض الأنفس». قالا جميعًا لو كانت الأرض تنقص، قال أحدهما: «لضاق عليك حشك». قال أحدهما، يعني إكرام الشعبي، لضاق عليك حشك، وقال الآخر: حشك هو مكان قضاء الحاجة، وقال الآخر: لضاق عليك حشك تتبرز فيه. يعني عكرمة والشعبي أيضًا يتجهون أن نقصان الأطراف ليس نقصانًا من الأرض حقيقة، قالوا لو كانت الأرض نفسها ستنقص، معناها ستتقلص الأرض حتى يضيق عليك مكان قضاء الحاجة.

فأستبعد هذا المعنى، وإنما قالوا: المراد بنقصان الأرض موت النفوس عموما، لم يخصوا ذلك بالعلماء. عكرمة والشعبي لم يخصوا ذلك بالعلماء، قالوا: نقصان الأرض بنقصان أهلها، نقصان الأرض بكثرة الموت في آخر الزمان والقتل، كما جاء في الأحاديث السابقة.

وقال مجاهد: نقصان خرابها وموت أهلها، وتفسير مجاهد قريب من تفسير عكرمة والشعبي، نفس الفكرة. وقال الحسن: هو ظهور المسلمين على المشركين، وهذا قول ثالث؛ الحسن البصري رحمه الله يرى أن معنى نقصان الأرض أي تنقص أراضي الكفار بكثرة أراضي المسلمين، وهو معنى ظهور المسلمين على المشركين في آخر الزمان. فالحسن البصري يقول: ننقصها من أطرافها، أي ننقص الأماكن التي نتركها للكفار ونعطيها لأهل الإسلام فيظهر المسلمون على الكافرين.

وذكر قتادة في تفسيره قول عكرمة والحسن عنهما على ما ذكرناه، ولم يزد من رأيه شيئا، يعني قتادة لم يعط قولا خاصا به في الآية وإن كان أحد المفسرين الكبار. وقول عطاء في تأويل الآية حسن جدا، يعني ابن عبد البر أعجبه كلام عطاء، الذي هو أول تفسير أن نقصان هذا هاب فقهائها وعلمائها. وقول الحسن البصري، الذي هو القول الثالث، قال وهو أيضا حسن جدا، وهو أن معنى نقصان الأطراف ظهور المسلمين على المشركين. يعني ابن عبد البر امتدح هذين الرأيين.

وقال ابن عباس لما مات زيد بن ثابت: «من سره أن ينظر كيف ذهاب العلم، فلينظر إلى موت زيد بن ثابت». فهكذا ذهابه، ذهاب العلم بموت العلماء. ومن أمثلته زيد بن ثابت، وهو أحد علماء الصحابة.

وبإسناد عن أبي الدرداء أنه كان يقول: «تعلموا العلم قبل أن يقبض العلم، وقبضه أن يذهب بأصحابه». العالم والمتعلم شريكان في الخير، وسائر الناس لا خير فيهم. «إن أغنى الناس رجل عالم افتقر إلى علمه فنفع من افتقر إليه، وإن استغنى عن علمه نفع نفسه بالعلم الذي وضع الله عز وجل عنده».

«ما لي أرى علماءكم يموتون وجهالكم لا يتعلمون؟ ولقد خشيت أن يذهب الأول ولا يتعلم الآخر، ولو أن العالم طلب العلم لازداد علما وما نقص العلم شيئا، ولو أن الجاهل طلب العلم لوجد العلم قائما، فما لي أراكم شبعانا من الطعام جيعانا من العلم؟». هذا تأنيب من أبي الدرداء وهذا التعريف في محله. مالي أراكم شبعانا من الطعام جيعانا في العلم! هذا من النصائح التي توجه للشباب اليوم؛ أن الشاب يهتم ببطنه ونكاحه ويهتم بجمع المال أكثر من اهتمامه بالعلم، جائع من العلم، ما عنده شيء، لا يحضر دروسا ولا يتمها ولا يختم كتبا ولا مصنفات، لكن في أمور الدنيا ما شاء الله مليء، وهذا حقيقة مما يجب أن يعزر عليه الشباب اليوم.

وبإسناد عن خلاد بن سليمان الحضرمي يقول: سمعت دراجا أبا السمح يقول: «يأتي على الناس زمان يسمن الرجل راحلته حتى تقعد شحما، ثم يسير عليها في الأمصار حتى يلتمس من يفتيه بسنة قد عمل بها فلا يجد إلا من يفتيه بالظن». والمراد أنه ليس المراد هنا بالتشنيع بناء على الكلام السابق، المراد أنه يشبع ناقته إشباعا كبيرا حتى يسافر عليها، لأنه الإنسان إذا أراد أن يجهز راحلته للسير يجب أن تكون قوية ممتلئة. فيقول: يأتي على الناس زمان الشخص يعد راحلته لرحلة طويلة، ثم يبدأ يسير في البلدان ويطوف فيها يبحث عن شخص طالب علم واحد يسأله عن سنة يعلمه إياها فلا يجد. وهذا في آخر الزمان عندما لا يبقى شيء من هذا العلم إلا بقايا هكذا بالنادر. فهذا معنى قوله: ثم يسير عليها في الأمصار حتى تصير نقضا، يلتمس من يفتيه بسنة يعلمه شيئا، قال: فلا يجد إلا من يفتيه بالظن، يعني واحد يقول: والله أظن أن المسألة كذا. بتعرفوا شبابنا اليوم لما يكون مش حافظ المسألة، مثل: يا أخي، والله بذكر الدكتور أعطانا إياها بس استنى شوية، يصير يتذكر تذکرا وتخيلات.

وبإسناد عن الحسن يقول: «لا عالم ولا متعلم». وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: «لا يزال عالم يموت وأثر للحق يدرس، حتى يكثر أهل الجهل ويذهب أهل العلم، فيعملون بالجهل ويدينون بغير الحق ويضلون عن سواء السبيل». وسناد البعض ممكن يقول: وأثر للحق يدرس، فكلمة يدرس هنا بمعنى الدراسة والتعلم، لا، يدرس بمعنى يزول ويختفي.

وبإسناد عن كثير ابن زياد في تفسير الحديث: «لا يزداد الأمر إلا شدة»، قال: عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدين إلا إدبار الدنيا، ولا الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم». سنادي عن أبي الصباح عن عبد الغفور، لكن هذا الحديث منكر أيها الأحبة، هذا الحديث منكر ويخالف ما عليه أهل السنة عموما، أن هناك المهدي غير عيسى بن مريم أصلا، فروايته منكرة فيه مخالفة شديدة لما هو معروف في السنن.

وبإسناد عن أبي الصباح عن عبد الغفور بن عبد العزيز بن سعيد عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «خيار أمتي القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم لا يزداد الأمر إلا شدة». يعني هذه سنة الله سبحانه وتعالى التي كتبت على هذه الأمة؛ ما من عام إلا والذي بعده شر منه. ستأتي لحظات خلال الأعوام فيها خير وكذا، لكن عموما الأمة يزداد أمرها شدة من حيث البلاء، ومن حيث قلة العلماء، ومن حيث كثرة الهرج والفتن، لأنه كلما اقتربنا من الساعة كلما ازدادت الفتن، نسأل الله أن يصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «سيأتي على أمتي زمان يكثر القراء ويقل الفقهاء ويقبض العلم، القراء مثال الذين يقرأون القرآن أو درسوا العلم بس لكن لا يفقهون، في ناس تحفظ علم وتدرس هؤلاء يسمون قراء بس ما عندهم فقه، ما عندهم سلوك، فهؤلاء يقلون؛ قال: يكثر القراء ولكن يقل الفقهاء بحق، ويقبض العلم ويكثر الهرج». قالوا: يا رسول الله وما الهرج؟ قال: «القتل بينكم».

ثم يأتي بعد ذلك زمان يقرأ القرآن رجال من أمتي لا يجاوز تراقيهم. ثم يأتي بعد ذلك زمان يجادل المنافق، الكافر المشرك بالله، المؤمن بمثل ما يقول. وبإسناد عن أبي الدرداء قال: «مالي أرى علمائكم يذهبون وجهلكم لا يتعلمون، تعلموا قبل أن يرفع العلم، فإن رفع العلم ذهاب العلماء».

الحديث السابق: «ثم يأتي بعد ذلك زمان يجادل المنافق الكافر المشرك بالله المؤمن بمثل ما يقول». جميل، يعني يحاول يقنع بالحق، في اليوم تجد الناس تقنعك بالإلحاد أو تقنعك بمعبودها، فتجد الكافر المشرك المنافق يجادل المؤمن فيما هو عليه، وينافح عن عقيدته وعن طريقته، ويؤصل لها، وهذا شيء منه يحصل الآن في هذه الأزمنة.

لكن هناك إشكال في نسخة أبي الأشبال في رواية هذا الحديث؛ تفضل. - نحن ممكن نقصد أن نحمل "بمثل ما يقول" أن يوظف القرآن ويستعمله في الاستدلال على باطله الذي هو عليه، ممكن لا يبعد ذلك. - حبيبنا لا، ما هو عنده في النسخة لذلك أنا قلت إني أشك في النسخة؛ يجادل المنافق، أنت الكافر المشرك المنافق الكافر المشرك بالله المؤمن بمثله، المؤمنة مفعول به في نسخته، المؤمنة يجادل المنافق.

لأن أنا قلت له في اختلاف النسخ، فإذا قال: يجادل المنافق الكافر المشرك المؤمنة، فبناءً على ذلك أنا عملته على ما وجد في نسختي. عن المتشكك الذي يناقش اليوم أهل حال من بعض المسلمين، فتجد أنه يجعل له الحجة عليه لأنه هو متشكك أصلاً، أو لضعف حجته، فالصور كثيرة أخي، لكن أنا على روايتي: يجادل المنافق الكافر المشرك، لكن أنا على ما عندي: يجادل المنافق الكافرة، إذا هذه النسخة "يجادل المنافق الكافرة" ويكون المنافق هو الذي يجادل الكافر، يعني المتشكك الذي يظهر الإسلام يبطل الكفر، هو يجادل الكافر، فماذا تتوقعون أن تكون نتيجة هذا الجدال؟

وبإسناد عن أبي الدرداء قال: «مالي أرى علمائكم يذهبون وجهلكم لا يتعلمون، تعلموا قبل أن يرفع العلم، فإن رفع العلم ذهاب العلماء. مالي أراكم تحرصون على ما قد توكل لكم به، وتدعون ما وكلتم به، لإننا بشراركم أبصر من البياطرة بالخيل، هم الذين لا يأتون الصلاة إلا دبراً، ولا يسمعون القرآن إلا هجراً».

وروينا عن ثابتاً بن نجيح قال: كنت جالساً عند محمد بن سيرين، إذ جاءه رجل فقال: إني رأيت الليلة طائراً نزل من السماء على ياسمينة فنتف منها ثم طار حتى دخل في السماء. فقال ابن سيرين: «هذا قبض العلماء». قال: تمام، فلم تمض تلك السنة حتى مات الحسن وابن سيرين ومكحول وستة من العلماء بالأفاق، ماتوا تلك السنة، سبحان الله.

وبإسناد عن رواح بن الجراح يقول: قدم سفيان الثوري عسقلان، فمكث ثلاثاً لا يسأله أحد في شيء، فقال: «أكثروا لي»، يعني استأجر لي ناقة بدي أطلع من هذا البلد، المراد أن سفيان الثوري دخل عسقلان فمكث ثلاثاً، مشكلة لم يميز هي ثلاث سنين ولا ثلاث أشهر، لكن لا بد أن يكون المعدود مؤنثاً، إذاً هي ثلاث سنين. مكث ثلاثاً لم يسأله أحد عن شيء من العلم، والعالم إذا كان في منطقة لا يستطيع أن يبث فيها علمه ولا يوجد فيها طلاب يموت علمه، فبما أن ما أحد سأله عن شيء، فقال: «أكثروا لي ناقة، أريد أن أغادر هذه البلدة، فإنها بلدة يموت فيها العلم»، ما في أحد يسأل عن أمر دينه، إذاً سيموت علمه فيها.

وبإسناد عن حذيفة قال: «إن القرن الأول من هذه الأمة على منهاج من لا يفتن، والقرن الثاني يظهر فيه الحيف والأثر، والقرن الثالث يظهر فيه الفساد وسفك الدماء، والقرن الرابع ينتقلون عن دينهم حتى تبدأ تظهر الرده، حتى يكون أعز كل قبيلة فاسقهم ومنافق، وأذل عالمهم». وهذا أيضاً ليس بقوي، هذا الأثر ليس بالقوي عن حذيفة.

باب حال العلم إذا كان عند الفساق والأراذل. بإسناد عن أنس بن مالك قال: قيل يا رسول الله متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل قبلكم». وقيل ما ذاك يا رسول الله؟ قال: «إذا ظهر المداهنة في خياركم، والفاحشة في شراركم، وتحول الملك في صغاركم، والفقه في أراذلكم». والمراد بالأراذل هنا الألفاسق وليس المراد الصغار الذين هم صغون السن، لكن المراد الفقه عند الفساق أصحاب الدنيا الذين لا يستحقون أن يحملوا العلم.

وبإسناد عن أنس قال: قيل يا رسول الله متى نعود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم؛ الملك في صغاركم، والعلم في أراذل، والفاحشة في كباركم».

وبإسناد عن أبي أمية الجمحي قال: سئل رسول الله ﷺ عن أشراط الساعة فقال: «إن من أشراطها أن يلتمس العلم عند الأصاغر». والمراد بالأصاغر هنا ضعاف العلم، الأراذل الذين ليسوا برآسين في العلم، لأن بعض الناس يفسرها على السن وهذا ليس صحيحاً، فإن كثيراً من علمائنا الكبار تصدروا للتدريس والتعليم والمناظرة على سن صغير، يعني عشرين، والبعض كانوا يناظرون ويتكلمون، فالمراد الأصاغر في العلم.

عن الجمحي الجمحي، أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أشراط الساعة ثلاثًا، إحداهن أن يلتمس العلم عند الأصاغر». قال نعيم: قيل لابن المبارك: من الأصاغر؟ قال: «الذين يقولون برأيهم»، فأما صغير يروي عن كبير فليس بصغير.

جميل، إذاً ماذا قال؟ قال: ليس المراد بالصغير صغير السن، فإن صغيرًا يروي عن كبير ويحدث عن الكبار وينقل عنهم، هذا ليس بصغير، هذا كبير. وإنما المراد من يتكلم برأيه وهواه ولم يرسخ في أبواب التعلم.

وذكر أبو عبيد في تأويل هذا الخبر عن ابن المبارك أنه كان يذهب بالأصغر إلى أهل البدع، ولا يذهب إلى السن. قال أبو عبيد: وهذا أيضًا وجه آخر عن ابن المبارك، أن المراد بالأصاغر أهل البدع، وليس المراد الأصاغر في السن والعمر.

قال أبو عبيد: والذي أرى أن الأصاغر أن يؤخذ العلم عمن كان بعد أصحاب رسول الله ﷺ، ويقدم ذلك على رأي أصحاب رسول الله ﷺ، فذاك أخذ العلم عن الأصاغر. وهذا وجه آخر لأبي عبيد، أن يؤخذ العلم عن الأصاغر يعني أن يترك تعلم السنة وآثار الصحابة، ويبقى الطالب يأخذ العلم عمن جاء بعد الصحابة فقط.

طبعًا هذا ممكن يفهم منه البعض الذم للمذاهب الفقهية، وهذا ليس بصحيح؛ فإن المذاهب الفقهية إنما أخذت علمها عن الأكابر، يعني المذاهب الفقهية بنيت من كلام الأكابر وبنيت على الكتاب والسنة وآثار الصحابة. وإنما المراد الأقوال التي ظهرت بالرأي والتشهد والهوى، أو لم تضبط على كلام السلف، وابتدأ دعا الناس في الدين، فهو قريب حقيقة من كلام من سبقه، لكن كما قلنا المراد أن يؤخذ العلم وليس موروثًا من كلام الله، ولا من كلام رسول الله ﷺ، ولا من كلام الصحابة، وإنما هو شيء مبتدع.

أبو عبيد القاسم بن سلام أحد كبار الفقهاء وعلماء اللغة، وبإسناد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «البركة مع أكابركم». وبإسناد عن عبد الله بن عكيم قال: كان عمر رضي الله عنه يقول: «ألا إن أصدق القول قول الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، ألا إن الناس لا يزالون بخير ما أتاهم العلم عن أكابر».

وبإسناد عن بلال بن يحيى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «قد علمت متى صلاح الناس ومتى فسادهم، إذا جاء الفقه من قبل الصغير استعصى عليه الكبير، وإذا جاء الفقه من قبل الكبير تابعوا الصغير فاهتدوا». وبإسناد عن بلال بن يحيى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «علمت ما تصلح الناس؛ قبل الأصاغر».

الكبير الراسخ في العلم يستصعبه ويستعصي عليه ولا يقبله، فالراسخ في العلم لا يقبل أن يتبع الأصاغر، خاصة إذا اجتمعوا في هذا الزمان؛ أن يكون إنسان راسخ في الفقه والعلم يهجر قوله ويتبع قول شباب صغار غير راسخين وغير متمكنين، هذا يصعب على الراسخ في العلم أن يقبله، بخلاف إذا جاء العلم من قبل العلماء الراسخين، فهنا يأتي دور الأصاغر، يعني طلاب العلم الناشئين، أن يتبعوا كبارهم فيما يفتون به وفيما ينزلونه من النوازل.

وبإسناد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابر، فإذا أخذوه عن صغارهم وشرارهم هلكوا». وبإسناد عن عبد الله بن مسعود: «لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من قبل أكبر، فإذا أتاهم من قبل أصغرهم هلكوا». وبإسناد عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: «إنكم لن تزالوا بخير».

ولكن هنا هذه العبارة عن عبد الله بن مسعود قال: «فإذا كان العلم في صغاركم سفه الصغير الكبير». العبارة دقيقة؛ إذا أصبح الأمر للأصاغر، فنقول الأصاغر هم الطلبة الناشئون الذين ليسوا راسخين في العلم، إذا أسند الأمر إليهم تجد طالبًا صغيرًا غير متمكن يستصغر عالمًا راسخًا ويسفه فيه، يقول لك: "ماذا يقول هذا؟".

طبعًا هذه مشكلة حقيقة، نحن اليوم في مشكلة ما بين أناس صدروا أنفسهم أنهم علماء ولكنهم صمتوا عن الحق، وما بين طلاب ناشئة صغار يسفهون العلماء الربانيين؛ يعني هي مشكلة معقدة اليوم في كيفية تحقيق التوازن. نحن في أماكن معينة نناقش الذين صدروا أنفسهم على أنهم علماء لكنهم لم يقوموا بواجب هذا المنصب الذي هم فيه، لكن في المقابل علينا أن نبقى أيضًا نوجه الطلاب الناشئة؛ أن انتقاد بعض هذه النماذج لا يعني أنك أيها الناشئ تستعجل في التسلق على ظهور الأكابر وتستعجل في تسفيه آرائهم وتظن نفسك أنك أيضًا شيء، لأن استعجالك وتهورك ليس حلاً. الحل هو أن ننتج العالم الرباني، العالم الصادق الذي لا يتطاول عليه الصغير، وفي نفس الوقت نجد هذا العالم حاضرًا في حياة الأمة عندما تحتاجه.

وبإسناد عن عبد الله بن مسعود قال: «لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن أكابر، فإذا جاء العلم من قبل أصغرهم فذلك حين هلكوا». قال أبو عمر: فذاك الهلك.

قال أبو عمر: قد تقدم تفسير ابن المبارك وأبي عبيد لمعنى الأصغر في هذا الباب، ما رأيت. وقال بعض أهل العلم: إن الصغير المذكورة في حديث عمر -وما كان مثله من الأحاديث- إنما يرد به الذي يستفتى ولا علم عنده، وإن الكبير هو العالم في أي سن كان.

إذاً المراد، كما تلاحظون عمومًا، أبو عبيد خلوا رأيه جانبًا كجهة مختلفة، لكن عمومًا الكل متفق أن المراد بالصغير غير الراسخ في العلم، وإن المراد بالكبير الراسخ في العلم. فقد يكون الأصاغر أكبر من الأكابر سنًا، فقد يكون الأصاغر في العلم أعمارهم في الثلاثين والأربعين وهو أصاغر لأنه غير راسخ، ويكون الشاب في العلم لثباته ورسوخه في العلم أكابر. فباختيارك أكابر وأصاغر ليس له علاقة بالسن، وإنما علاقته بالرسوخ العلمي وكثرة الاقتداء بالأوائل والسلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم.

وقد قالوا: الجاهل صغير وإن كان شيخًا، والعالم كبير وإن كان حدثًا، واستشهدوا بقول: «العالم كبير وإن كان حدثًا»، يعني شابًا صغيرًا. واستشهدوا بقول الأول حيث قال: «تعلم فليس المرء يولد...».

«عالماً وليس أخو علم؛ كمن هو جاهل وإن كان كبير القوم، لا علم عنده، صغير إذا التفتت إليه المحافل». وإن كبير القوم لا علم عنده، كأنه صغير إذا التفتت إليه المحافل، كأن يكون رئيس عشيرة أو وجيه ناس لكنه قليل العلم، فإذا كان كبير عشيرة أو كبير قوم والناس تلتف حوله وما عنده علم، فهذا يعتبر صغيراً.

فهي نفس الفكرة التي قلناها، قد يكون الإنسان عمره في الخمسين أو الستين وهو صغير في العلم، فالقضية لا ترتبط بالعمر. واستشهد بعضهم بأن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان يستفتى وهو صغير، وأن معاذ بن جبل وعتاب بن أسيد كانا يفتيان الناس وهما صغيرا السن، ولاهما رسول الله ﷺ والولايات مع صغر سنهما، ومثل هذا في العلماء كثير.

يحتمل أن يكون معنى الحديث على ما قال ابن المعتز، عالم الشباب محقور وجاهله معذور، والله أعلم بما أراده؛ وهذا آخر الأقوال التي يمكن أن تقال، أن المراد أن العالم إذا كان شاباً يبقى الناس ماذا يعتبرونه صغيراً، لكن هذا معنى بعيد حقيقة، لأن هناك في ذم من أخذ العلم عن الأصاغر، أنت لما تقول العالم إذا كان شاباً يبقى حقيراً مذلولاً، هذا فيما يتعامل به الناس، ولكن هل هذا هو الواقع؟ لا، ليس هذا الواقع الشرعي الذي ينبغي أن يكون، فهذا التفسير لابن المعتز أراه من أبعد التفاسير والله أعلم.

وقال آخرون: إنما معنى حديث ابن عمر وابن مسعود في ذلك، أن العلم إذا لم يكن عن الصحابة كما جاء في حديث ابن مسعود، ولا كان له أصل في القرآن ولا السنة والإجماع، فهو علم يهلك به صاحبه. وهذا الكلام يؤيد تفسير أبي عبيد، أن العلم الذي لم يتلقَّ عن الصحابة والسلف، وإنما تلقي بالأراء، وهذا لا يبعد عن قضية أهل البدع؛ لأن العلم الذي لم يتلقَّ عن الصحابة وأصوله ليست في الكتاب والسنة هو علم مبتدع.

فإنتم ستلاحظون أن الأقوال متلازمة، يعني فيها نوع من الالتقاء في كثير من الزوايا، ولا يكون حامله إماماً ولا أميناً ولا مرضياً كما قال ابن مسعود رضي الله عنه. وإلى هذا نزع أبو عبيد رحمه الله، وهذا هو معنى كلام أبي عبيد الذي تكلمنا فيه قبل قليل. ونحو ما جاء عن الشعبي: «ما حدثوك عن أصحاب محمد ﷺ فشد عليه يديك، وما حدثوك به من رأيهم فبل عليه».

ومثله أيضاً قول الأوزاعي: «العلم ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ، وما لم يأتِ عن واحد منهم فليس بعلم». وقد ذكرنا خبر الشعبي وخبر الأوزاعي بإسناد في باب معرفة ما يقع عليه اسم العلم حقيقة من هذا الكتاب، والله والحمد لله.

هذا عموماً ما يجب أن يتحراه الطالب حتى في الدراسات الجامعية أو غيرها، إذا أردت أن تطلب علماً فلا تطلب العلم إلا عن رأس في العلم، بعيداً عن قضية الأصاغر والأكابر؛ الفكرة خلاصتها: لا تطلب العلم إلا بعد أن تتأكد من رسوخ من تأخذ عنه العلم، على الأقل في المجال الذي ستأخذ فيه العلم عنه، رسوخ في اللغة إذا كنت تريد لغة، ورسوخ في الفقه إذا كنت تريد فقهاً، وهكذا. وأما هذا الاستعجال، خاصة اليوم، للأسف كثير من يتصدر في المعاهد أو الجامعات ليسوا من أصحاب الرسوخ العلمي أصلاً، وأنت تبتلى بهم، فتخير أحاسنهم على قدر المستطاع. أنت الآن ابتليت، فالأفضل والأولى حتى لا يذهب الزمن.

وقد يحتمل حديث هذا الباب أن يكون أراد أحق الناس بالعلم وتفقه أهل الشرف والدين والجاه؛ فإن العلم إذا كان عندهم لم تألف النفوس من الجلوس إليهم، وإذا كان عند غيرهم وجد الشيطان إلى احتقارهم السبيل، ووقع في نفوسهم أثره الرضا بالجهل. وهذا تفسير آخر لمعنى الأصاغر والأكابر، أن العلم ينبغي أن يطلبه أشراف الناس وأصحاب الأنساب، بحيث إذا طلب من هذا الصنف الناس تشوفت لطلب العلم منهم، أما إذا طلبه أراذل الناس -يعني الذين لا يعرف لهم نسب ولا أصل- فالناس قد تتعالى أن تطلب العلم على أيديهم. لكن هذا المعنى أيضاً لا أراه كبيراً، فإن مثلاً عطاء بن أبي رباح ماذا كان؟ كان مصاباً بكل الآفات الجسدية، وكان عبداً أسود أفطس أشل، قالوا: ما في عيب من العيوب الجسدية إلا فيه، ولكن ذلت له الملوك. فأنا أيضاً استبعد أن يكون هذا هو المراد، خاصة أن هناك نهياً عن طلب العلم عن الأصاغر، فالمُراد شيء آخر، وهذا الذي ذكرناه سابقاً وهم غير الراسخين هو أولى بالتفسير والله أعلم.

«أنفت أنفت من الاختلاف إلى من لا حسب له ولا يد اختلاف»، وجعل ذلك من أشراط الساعة وعلاماتها ومن أسباب رفع العلم والله أعلم. وأي الأمور أراد عمر رضي الله عنه بقوله: «فقد ساد بالعلم قديماً الصغير والكبير، ورفع الله به درجات من أحب».

روى مالك عن زيد بن أسلم أنه قال في قول الله عز وجل: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ [البقرة: 247]، قال: بالعلم. وبإسناد عن مالك بن أنس قال: سمعت زيد بن أسلم يقول في هذه الآية: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾، قال: بالعلم، يرفع الله عز وجل من يشاء في الدنيا.

ومما يدل على أن الأصغر ما لا علم له، ما ذكره عبد الرزاق وغيره عن معمر عن الزهري قال: كان مجلس عمر مختصاً من القراء شباباً وكهولاً، فربما استشار مختصاً، أي مليئاً مزدحماً، فربما استشارهم ويقول: «لا يمنع حداثة السن أحدكم أن يشير برأيه»، فإن العلم ليس على حداثة؛ أو هو بالعكس، أنت قلت: «لا يمنع حداثة السن أحدكم»، فأحدكم مفعول به مقدم وحداثة فاعل مؤخر، يعني لا تمنع حداثة السن -أي صغر السن- أحدكم من أن يدلي بدلوه.

فإن العلم ليس على حداثة السن وقدمه، ولكن الله يضعه حيث يشاء. وسنادي عن مكون: «تفقه الرعاع فساد الدين، وتفقه السفلة فساد الدنيا».

في نسختنا: فساد الدين. إذا كان الحق: «تفقه الرعاع والسفلة فساد الدين»، لماذا فُصل بينهما؟ إلا لافتراق الحكم بينهما. وبإسناد عن الفريابي يقول: كان سفيان إذا رأى هؤلاء النبط يكتبون العلم غير وجهه، فقال له: يا أبا عبد الله، نراك إذا رأيت هؤلاء يكتبون العلم يشتد عليك؟ فقال: كان العلم في العرب وفي سادات الناس، فإذا خرج عنهم وصار إلى هؤلاء النبط والسفلة غير الدين.

يعني هو كان يخشى من أن يذهب الدين إلى الموالي وإلى غير أصول العرب فيفهمون الإسلام والنصوص على غير وجهها الصحيح فتحدث البدع، وهذا ما وقع كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإن رؤوس أهل البدع لم يكونوا من العرب، أكثرهم لم يكونوا من العرب»، وكانت نتيجة البدع هو الفهم الخاطئ للسان العربي في الكتاب والسنة. فهذا ما جعل بعضهم يخشى من أن يضعف العلم عند العرب وينتقل إلى غيرهم فيحصل خطأ في فهم الكتاب والسنة ويحدث ما حدث من البدع.

هل يعتبر باب الخبرة علمًا بواقع الناس؟ هذا أيضًا شيء نسبي، يعني قد يكون شاب والده علمه وأخذه في أسفاره وكان يجلس في مجالس الكبار، فيحصل له من الخبرة والحنكة ما لا يحصل لرجل كبير لكنه غير مجرب. فالحنكة والخبرة مطلوبة في العلم بالتأكيد، لكن عنصر العمر أحد العوامل المؤثرة لكن ليس كل شيء، فقد يصبح الشاب صاحب خبرة وحنكة حتى في أمور التجارة وهو لم يتجاوز الخامسة عشر من عمره؛ هذه عوامل نسبية لا يمكن أن نعطي فيها حكمًا جازمًا.

أكمل: باب ذكر استعاذة رسول الله ﷺ من علم لا ينفع وسؤاله العلم النافع. وبإسناد عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ودعاء لا يُسمع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ومن الجوع، فإنه بئس الضجيع»، وزيد في هذا الحديث بعد قوله بئس الضجيع: «وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئس البطانة».

وسنادي عن ابن عباس رضي الله عنهما، حتى حديث ابن عباس الاستعاذة من علم لا ينفع، أيضًا عن أبي هريرة: «السؤال عن العلم لا ينفع»، وجابر أن النبي ﷺ قال: «سألوا الله علمًا نافعًا»، هي نفس الفكرة؛ أهمية أن يكون العلم مثمرًا في حياة الإنسان وأن يكون له أثر طيب، بخلاف العلوم التي يكثر الكلام فيها ولكن يقل الفعال بعدها كعلوم الفلسفة وما شابه ذلك، فإن هذه العلوم لا ينبغي الانشغال بها إلا لأفراد ممن يمكن أن يردوا بها على أهل الباطل، وإلا أن تصبح ديدنًا لنا ونعتبرها من الثقافة الشرعية التي لا بد منها، أظن بعض الناس يبالغ في هذه الأمور، فإن أكثر ما في كتب الفلسفة من العلم الذي لا ينفع خلاف علوم الكتاب والسنة، فهي العلوم النافعة.

وبإسناد عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا أصبح: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملاً متقبلًا»، ولفظ الحديثين سواء. وبإسناد عن أبي الدرداء يقول: «إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه». وبإسناد عن أبي هريرة رضي الله عنه: «لا ينتفع»، إن كان لا ينتفع شيء ولا ينتفع بنا، أنا عندي لا ينتفع بعلم، يعني إنسان لا يوجد عنده علم نافع، وإن كان كلاهما من حيث المعنى النهائي مقبول؛ أنه لا ينتفع بعلم يعني علمه غير نافع، فلا هو انتفع ولا هو نفع.

وبإسناد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالمًا لم ينفعه الله بعلمه». هذا يؤيد أن الرواية السابقة: ينتفع، لم ينفعه إذا في الرواية السابقة لم ينتفع. وبإسناد عن ابن وهب فذكر تره، وهو حديث فرد به عثمان بن نبي لم يرفعه غيره.

وروي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال: «إن العلم لا ينقاد، فابتغوا مستحيلًا، فخذ من كل علم أحسن؛ خذ من كل علم ما ينفعك وتجد بضاعة لك في هذه الحياة». الانتقاء مطلوب خاصة مع كثرة الكتب وتزاحمها وكثرة المجالات العلمية، كما قال: لا يمكن للإنسان أن يكون جامعًا لكل هذه البحار وأن يكون ملتقى للأبحر، فاختر ما ينفعك ويفيدك في الحياة.

هذا كلام حقيقة جيد، إن الإنسان، بعض الشباب كلما رأى شخصًا مبرزًا في علم يريد أن يصبح مثله، يكون عنده من الهمة الشريفة: وجد عالمًا في الفقه يريد أن يصبح مثله، اليوم الثاني وجد عالمًا في العقيدة يريد أن يصبح مثله، اليوم الثالث وجد شخصًا يحسن النقاش والجدال للملحدين أيضًا يريد أن يصبح مناقشًا في الإلحاد، اليوم الرابع وجد شخصًا حافظًا للسنن يريد أن يصبح حافظًا للسنن. لا يا أخي الله يرضى عنك، أنت لن تكون كل هذه النماذج، هي أصلاً نماذج متفرقة، فأنت ستكون متفرقًا مثلهم، حاول أن تركز أين تجد قلبك وميولك وأين أنت أفضل، وركز على شيء واحد حتى تنبغ فيه، هذا خير لك من التشتت المعرفي.

ويقال: «من لم ينفعه قليل علمه، ضرّه كثيره». أحسنت، يعني من لم ينفعه القليل، الكثير لن ينفعه، لأنك إذا أكثرت ازددت من حجة الله عليك، فإذا كان القليل لست منتفعًا به فماذا ستفعل بالكثير؟

وسنادي عن أبي هريرة قال: «مثل علم لا ينفع كمثل كنز لا يُنفق في سبيل الله». كيف الكنز الذي أنت مدخر ولا تنفق منه في سبيل الله؟ هذا وزره عليك: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34]. فكذلك العلم الذي لا ينفع ستسأل عنه يوم القيامة.

وقال ابن المبارك: «حسبي بعلمي أن ينفع»، ما الذل إلا في الطمع، «من راقب الله رجع عن سوء ما كان صنع، ما طار شيء فارتفع إلا كما طار وقع». يعني كتب الله أنه ما شيء يعز إلا بعد ذلك سينزل، ما في شيء يرتفع في الدنيا إلا بعد ذلك يهبط، هي سنة.

وبإسناد عن عبد الله بن سلام، قال لكعب: ما ينفي العلم عن صدور العلماء بعد أن يعلمه؟ قال: «الطمع». وبإسناد عن المكحول، يعني بعد أن أتعلم، ما الشيء الذي ينفي العلم، يعني يخرج العلم من قلبي بعد أن أتعلم؟ قال: «الطمع، الطمع في الدنيا».

وبإسناد عن سفيان بن عيينة: ليس شيء أنفع من علم ينفع، وليس شيء أضر من علم لا ينفع. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إنما زهد الناس في طلب العلم ما يرون من قلة الانتفاع من علم بما علم».

ما الذي يزهد الناس في طلب العلم؟ عندما يرون شخصاً عالماً أو طالب علم لم ينفعه علمه. وهذه فكرة أكررها؛ مثلاً ما الذي يزهد الناس في حفظ القرآن عندما يرون حافظاً للقرآن لا يتحلى بأخلاقه؟ فيقولون: لماذا نحفظ القرآن، ها هو فلان حافظ القرآن والله أسوأ معشراً وأكثر نصباً واحتيالاً. ويبدون يقولون: وإذا قالوا عن رجل طالب علم: «والله يا شيخ أنا لا أريد أن أصبح طالب علم، فإني رأيت من طلاب العلم من هو سيء الخلق وصعب العشرة».

فاحذروا، احذروا أن تكونوا سبباً في تنفير الناس من العلم بسبب سوء أخلاقكم وعدم الانتفاع بعلمكم. قال: «إنما يزهد الناس في طلب العلم ما يرون من قلة الانتفاع من علم بما علم»، إنهم رأوا أن من علم لم ينتفع بعلمه، فقالوا: إذن لا نريد أن نسلك هذا. طبعاً هي قضية خاطئة، يعني كون فلان لم ينتفع بعلمه هذا لا يجعلك أنت تكون تاركاً للعلم، لكن العوام هكذا طريقتهم في التفكير.

إذا كنت سبباً في تنفير الناس من العلم فستحسب، نسأل الله العفو والعافية. فالعلم مسؤولية، يعني باختصار العلم ليس مجرد قرار لحظي أو قرار شخصي، لا، هو مسؤولية كبيرة يبينها لنا علماؤنا.

وشهدنا أبا عبد الله إبراهيم الوراق ماذا قال سريعة: «إذا أنت لم ينفعك علمك، لم تجد لعلمك مخلوقاً من الناس يقبله، وإن ذاك العلم الذي قد حملته وجدت له من يجتني ويحمله». يعني إذا أنت انتفعت بعلمك ينتفع الناس بعلمك، وإذا أنت لم تنتفع بعلمك لن ينتفع الناس بما عندك؛ أنت انتفع أولاً الناس تقبل عليك. أما إذا العلم لم يزدك قرباً ولا خشية ولا خوفاً، سبحان الله، موعظتك للناس ونصيحتك للناس تزل عن قلوبهم، كما قال أبو سليمان الداراني وغيره.

باب ذم العالم على مداهنة السلطان الظالم. وبإسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سكن البادية جفى، ومن اتبع الصيد غفل، ومن اتبع السلطان افتتن». والبادية جفى، أي غلب على طبعه الجفاء والقسوة، فالبادية تعلم الغلظة. ومن اتبع الصيد غفل، الذي تشغله دائماً الذهاب في رحلات الصيد والطيش، فتكثر غفلاته. وأما من اتبع السلطان ففتن، فهذا شيء ترونه في زمانكم.

وبإسناد عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكونون عليكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع فأبعده الله». قيل: يا رسول الله، أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلوا». من أنكر عليهم باللسان فقد برئ، ومن كره في قلبه ولم يستطع مناضلتهم بلسانه سلم من الإثم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وذلك أضعف الإيمان»، الإنكار بالقلب. وأما من رضي بصنيعهم وتابعهم عليه فهذا -والعياذ بالله- من العلماء المفتونين الذين أبعدهم الله.

وبإسناد عن سفيان بن عيينة، قال أبو حازم: وجدت الدنيا شيئين... (ذكر كلاماً طويلاً). قال سفيان: فقال الزهري: «إنه جاري، ما كنت أرى أن هذه عنده». فقال أبو حازم: «لو كنت غنياً لعرفتني». وكأن ابن شهاب كان له علاقة بعمر بن عبد العزيز وخلفاء الزمان، لكن طبعاً علاقة ابن شهاب بهم ليست علاقة علماء السلاطين اليوم، لا، علاقة علمية معرفية، علاقة عالم رباني، لكن بقيت في قلب أبي حازم يريد أن يقولها: «لو كنت غنياً لعرفتني». والشاهد أنه كان أبو حازم يذم قضية في ابن شهاب، وهي أن له علاقة بالسلاطين، فإذا أخذ لم يجد بداً. العلماء قديماً كانوا يفرون قدر المستطاع من السلاطين، فإذا غصبوا وأكرهوا -قدر الله ما شاء فعل- لم يجد بداً من السير معهم.

وبإسناد عن سفيان قال: «كنا نكرهه حتى أكرهه عليه الأمراء، فلما أكرهوني بذلناه للناس». وبإسناد عن سفيان يقول: «في جهنم مواد لا يسكنها إلا القراء الزوار للملوك». وبإسناد عن محمد بن داوود البصري قال: لما ولي إسماعيل بن عُليّة على العشور أو قال على الصدقات، كتب إلى عبد الله بن مبارك.

هذا موضوع مر معنا سابقًا، وهو قضية كتابة العلم وتقييده. لدينا الأثر في قضية أننا كنا نكره كتابة العلم، حتى إن الأمراء أجبرونا على جمع المصنفات، فلما جمعناها أكرهوا على ذلك واضطررنا إليه، لكنه كان إكراهًا في مكانه.

عمومًا، أنتم تقرأون نصوصهم فتتخيلون أنهم يتكلمون عن شيء كبير؛ فلو جاؤوا لزماننا، لكان إكراه الأمراء لهم خيرًا، إذ جعلوهم يكتبون العلم وليس شيئًا سيئًا. كتب عبد الله بن المبارك يستمده برجال من القرى يعينون على ذلك، فكتب إليه عبد الله: يا جاعل العلم له بازٍ *** يصيد أموال المساكين احتلت للدنيا ولذاتها *** بحيله تذهب بالدين فصرت مجنونًا بها *** بعدما كنت دواء للمجانين

أين رواياتك فيما مضى عن ابن عون وابن سيرين؟ ودرسك العلم بآثاره وتركك أبواب السلاطين! تقول: أُكرهت، فماذا كذا؟ زل حمار العلم في الطين.

هذا من أجمل الأبيات، ابن المبارك يقول: يا جاعل العلم له بازٍ، والبازي هو الطير مثل الصقر يستعمل في الصيد، يقول: يا من جعل العلم صقرًا وطيرًا يصطاد به أموال الناس وأموال السلاطين وأموال المساكين. احتلت للدنيا ولذاتها بحيله، أذهبت دينك وأنت تطلب بعلمك الدنيا، فصرت مجنونًا بها بعدما كنت دواء للمجانين؛ كنت دواء للمجانين فأصبحت أحد المجانين. أين روايتك فيما مضى من الأحاديث عن ابن عون؟ وقال ابن سيرين: مش كنت تروي لنا الآن؟ أصبحت من رواد السلاطين، ودرست العلم بآثاره وتركك أبواب السلاطين! كنت منشغلًا بتعليمنا وتدريسنا وتأمر بترك أبواب السلاطين، والآن أصبحت تصبو على هذه الأبواب. إذًا هو يلوم هذا الصنف من الناس.

وبإسناد عن المستملي، قال: لما كان إسماعيل بن عياش -عليه الصدقة بالبصرة- كتب إليه ابن المبارك: يا جاعل الدين له بازٍ *** يصيد أموال المساكين فذكر الأبيات، إلا أنه قال في آخرها: تقول كرهت فما حيلتي؟ زل حمار العلم في الطين. وزاد فيها: لا تتبع الدين بدنيا *** كما يفعل ضلال الراهبين.

وبإسناد عن سلم الخواص، قال: أنشدني ابن المبارك: رأيت الذنوب تميت القلوب *** ويورثك الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب *** وخير لنفسك عصيانها وهل بدل الدين إلا الملوك *** وأحبار سوء ورهبانها

هذا من أصدق الأبيات التي قالها ابن المبارك: «وهل بدل الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها». من الذي أفسد أديان الناس؟ إما الملوك، وإما علماء السوء، وإما العباد المتصوفة الكاذبون؛ هؤلاء هم الذين أفسدوا دين الناس وباعوا النفوس: فلم يرحم ولم يغْلُ في البيع *** أثمانها لقد رتع القوم في جيفةٍ *** يبين لذي العقل آنها فهي عرف العقلاء أنها نتنة *** ما هي الجيفة؟ هذه الدنيا.

وقال محمود الوراق: ركبوا المراكب واقتدوا زمرًا *** إلى باب الخليفة وصلوا البكور إلى الرواح ليبلغوا الرتب الشريفة *** حتى إذا ظفروا بما طلبوا من الحال اللطيفة وغدوا المولى منهم فرحًا *** بما تحوي الصحيفة وتعسفوا من تحتهم بالظلم *** والسير العنيفة خانوا الخليفة عهده بتعسف *** الطرق المخوفة باعوا الأمانة بالخيانة *** واشتروا بالآمن جيفة عقدوا الشحوم وأهزلوا *** تلك الأمانات السخيفة ضاقت قبور القوم واتسعت *** قصورهم المنيفة من كل ذي أدب ومعرفة *** وآراء حصيفة متفقه جمع الحديث إلى قياس أبي حنيفة *** فأتيا يصلح للقضاء بلحية فوق الوظيفة لم ينتفع بالعلم *** إذ شغفت دنياه الشغوفة نسي الإله ولاد في الدنيا *** بأسباب ضعيفة.

الله أكبر، الله أكبر. وفي معنى قول محمود: «من كل ذي أدب ومعرفة وآراء حصيفة»، قول أبو العتاهية: عجبا لأرباب العقول والحرص *** في طلب الفضول سلاب أكسيه الأرامل واليتامى *** والكهول والجامع المكثرين من الخيانة والغلول والمؤثرين *** لدار راحتهم على دار الحلول وضعوا عقولهم من الدنيا *** بمدرج السيول ولهوا بأطراف الفروع *** وأغفلوا علم الأصول.

تتبعوا جمع الحطام، وأغفلوا علم الأصول؛ يشتغلون بالمسائل الفرعية وأصل الدين أضاعوه، وتتبعوا جمع الحطام وفارقوا أثر الرسول ﷺ.

وفي شعر الله وسندي عن حذيفة، قال: «إياكم ومواقف الفتن»، قيل: وما مواقف الفتن يا أبا عبد الله؟ قال: «أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول له ما ليس فيه». وسند عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «وإن على أبواب السلاطين فتنا كبار الإبل، والذي نفسي بيده لا تصيبون من دنياهم شيئًا إلا أصابوا من دينكم مثله». يعني أنت إذا طلبت من السلطان الدنيا، فلا بد أن يأخذ من دينك؛ هي هكذا الحياة، كلما اقتربت من السلطان لتصيب من دنياه، فلا بد وأن يأخذ من دينك.

وقال وهب بن منبه: «إن من جمع المال وغش وغشيان السلطان، لا يبقيان من حسنه إلا كما يبقيان جائعان ضاران، سقطا في حظيرة فيه غنم فباتا يجوسان حتى أصبحا». وهذا المعنى قد وساني، إذ هذان الذئبان دخلا في الحظيرة وخلصا على كل الغنم الموجود فيها، هكذا الحال. وهذا المعنى قد روي عن النبي ﷺ من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: «ما ذئبان جائعان أُرسلا في حظيرة غنم بأفس لها من حب المال والشرف للدين، الله المستعان». حب المال وحب الشرف يفسدان دين الإنسان كما أن ذئبين أُطلقا في حظيرة يفسدان الغنم؛ هذه مقارنة بهذا.

وروى عبد الرزاق عن أبيه قال: قلت لوهب بن منبه، كنت ترى رؤيا فتخبرها، فلا نلبث أن نراها كما وصفت؟ قال: «ذهب ذلك عني منذ وليت القضاء». سبحان الله! منذ وليت القضاء. والحسن مراد به أنه لما ولي المنصب ذهبت منه البركة في حياته التي أعطاه الله إياها في هذا الموضوع، أي منذ ولي القضاء لم يحمدوا فهمه.

وبإسناد عن سفيان الثوري يقول: كان خيار الناس وأشرافه والمنظور إليهم في الدين الذين يقومون إلى هؤلاء فيأمرون وينهون الأمراء، وكان الآخرون...

يلزمون بيوتهم ليس عندهم ذلك، فكانوا لا ينتفع بهم ولا يذكرون. ثم بقين حتى صار الذين يأتون فيمرون شرار الناس، والذين لزموا بيوتهم هم خيار الناس.

في بداية الأمر، كان الذين يكونون بقرب السلاطين في الجيل الأول يأمرون، فكانوا أفضل من الذين كانوا جالسين في بيوتهم؛ لأن السلطان في ذاك الوقت كان يقبل النصيحة وينتفع بنصح العلماء له. ثم انقلب الحال، أصبح الذين يأتون شرار الناس، وأصبح الذي يجلس في بيته ويترك هؤلاء القوم هم خيار الناس؛ لأن أصبح من يقترب منه لا يستفيد، لأن الحاكم لا يسمع لنصحه، وبالعكس هو الذي يفتتن في دينه.

وبإسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صنف من أمتي إذا صلح، صلح الناس؛ الأمراء والفقهاء، وما الناس إلا بإمراءهم وفقهائهم، إذا صلح الأمراء والعلماء صلح الناس». وبإسناد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صنف من أمتي إذا صلح، صلحت الأمة، وإذا فسدوا، فسدت الأمة: السلطان والعلماء».

وقال أبو عمر: ما ها هنا والله أعلم. وقال الفضيل: «لو أن لي دعوة مجابة لجعلتها في الإمام»، لو أن لي دعوة أعلم أن الله سيستجيب لدعوتي بها بصلاح إمام الزمان، سلطان الزمان؛ لأن بصلاحه صلاح الأمة.

أشد أن أحمد بن عمر بن عبد الله لنفسه في قصيدة، نسأل الله صلاحاً للولاة الرؤوس؛ فصلاح الدين والدنيا صلاح الأمراء، فبهم يلتئم الشمل على بعد الثناء، وبهم قامت حدود الله في أهل العداء، وهم المغنون عنا في مواطن العناء، وذهاب العلم عنا في ذهاب العلماء، فهم أركان دين الله في الأرض الفضاء، فجزاهم ربهم عنا بمحمود الجزاء.

وبإسناد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «اعلموا أنه لا يزال الناس مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداهم». وبإسناد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلماء أمناء رسل على عباد الله ما لم يخالطوا سلطاناً في ظلم، فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل». فاحذر الرسل، يعني كأنهم خلفاء الرسل، ورثة الأنبياء باختصار.

وقال أبو جعفر: هذا كافٍ وحديث غير كافٍ. وقال قتادة: «العلماء كالملح، إذا فسد شيء صلح بالملح، وإذا فسد الملح لم يصلح بشيء». وقيل للأعمش: «يا أبا محمد، لقد أحييت العلم بكثرة من يأخذ عنك»، فقال: «لا تعجب، فإن ثلثاً منهم يموتون قبل أن يدركوا، وثلثاً يلزمون سلطاناً فهم شر من الموتى، والثلث الثالث قليل من يفلح».

الأعمش -طبعاً بجراته- قال لهم: «لا تعجبوا من كثرة تلاميذي، فإن تلاميذي على ثلاثة أصناف: الثلث الأول لن ينبغ في العلم، وهذا معنى لن يدركوا، أي يموت قبل أن ينبغ ويرسخ في العلم. الصنف الثاني: الثلث الثاني هؤلاء يلازمون السلاطين، فهؤلاء لو ماتوا كان أحسن لهم. والصنف الثالث: الذين -إن شاء الله- يبلغون، والذين سيبلغون من ينبغ وينتفع الناس به هم القلة». فهو يقول: ليست العبرة بكثرة من أخذ، فإن العبرة في النهاية من يصل.

وعموماً، دعك الآن من هذه النظرة، حتى لو كثير من الناس لم يصلوا لا إشكال في ذلك، ترى ليس شرطاً أنه كل إنسان يأخذ العلم يصل؛ يكفي أنك نشرت العلم وأحييته وعلمت الناس، ولو تعلموا منك المسألة. ومن الذي قال إنه يجب كل من يدرس في مجالس العلم ويحضرها يصبح عالماً؟ فإياك أن تأخذ من كلام الأعمش نظرة سلبية لهذا الموضوع، بل استفد حتى ولو لم تصبح عالماً.

وقالوا: «شر الأمراء أبعدهم من العلماء، وشر العلماء أقربهم من الأمراء». وقال محمد عن سحنون: كان لبعض أهل العلم أخ يأتي القاضي والوالي بالليل يسلم عليهما، فبلغه ذلك فكتب إليه: «أما بعد، فإن الذي يراك بالنهار يراك بالليل، وهذا آخر كتاب أكتب به إليك».

محمد يعني يقول: هذا كان يذهب بالليل للأمراء يسلم عليهم يظن أنه لا أحد يراه، هذا العالم كان يذهب بالليل خفية إلى الوالي حتى يسلم عليه ويضبط أموره معه، فماذا كتب له محمد بن سحنون؟ قال: «إن الذي يراك بالنهار يراك بالليل»، يعني لا تستخفِ، أنت تذهب إلى السلطان ليلاً لتسلم عليه حتى لا يقول الناس إنك من علماء السلاطين. قال: «إن الذي يراك بالنهار يراك بالليل»، يعني لا تستخفِ من الناس، وهذا آخر كتاب أكتبه إليك، يعني كان حازماً، قال: هذه آخر مرة يكون بيني وبينك كلام بعد أن عرفت دناءة نفسك.

وقال محمد فقهاً عن سحنون، فعجب وقال: «ما أسخى العالم! أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيه، فيسأل عنه فيقال إنه عند الأمير!». سبحان الله، قل ما أسخى العالم الذي إذا حضر الطلاب إلى مجلسه قيل أين الشيخ؟ قالوا: ها هو عند السلطان! يقول لك يعني ستسقط من عيون طلابك.

طبعاً هذا الكلام يُدرس بحذافيره؛ لأنه أحياناً بعض الطلاب يغلون فيه أو يجفون فيه، لأنه أحياناً قد يكون له مصلحة مرعية للإسلام والمسلمين، فمن كان صادقاً في هذا تولاه الله وذب عن عرضه، ومن كان كاذباً منافقاً وغر الإسلام والمسلمين بهذه الملازمة فضحه الله وهتك ستره.

وقال سحنون: «إذا أتى الرجل مجلس القاضي ثلاثة أيام متوالية بلا حاجة، فينبغي أن تُقبل شهادته». سبحان الله! يعني إذا كان الرجل، العالم أو عموماً، يلازم القاضي مداهنة له ثلاثة أيام، هذا لا تقبل شهادته بعد ذلك، حلت عليه الفسق، يعني ما عاد عدلاً.

قال أبو عمر: معنى هذا الباب كله في السلطان الجائر الفاسق. فالعدل الآن يحاول يضبط المفهوم بعد ما أتى بكل هذه الآثار، يحاول يضبط المفهوم: ما هي مقاربة السلطان التي كان ينهى عنها العلماء؟ قال: هذا الباب كله في السلطان الجائر الفاسق.

الجائر الفاسق وليس العادل المقسط، فأما العدل فمنهم الفاضل. فما دام أفضل أعمال البر، ألا ترى أن عمر بن عبد العزيز إنما كان يصحبه جل جله العلماء؟ مثل عروة بن الزبير وطبقته، وابن شهاب وطبقته.

وكان ابن شهاب يدخل إلى سلطان عبد الملك وبنيه بعده، وكان مما يدخل إلى سلطان الشعبي وقبيصة والأوزاعي والشافعي رضي الله عنهم وجماعة يطول ذكرهم. وإذا حضر العالم عند السلطان غبًّا، فيما فيه حاجة إليه، قال خيرًا ونطق بالعلم وكان حسنًا، وكان في ذلك رضوان الله إلى يوم يلقاه. ولكنها مجالس الفتنة، أغلب ما فيها ترك ما فيها.

لذلك دائمًا مشكلة كثير ممن ينسب أو يتصدى للعلم اليوم، يأتي إلى مثل هذا الكلام من ابن عبد البر ويسقطه على واقع ليس هو الواقع الذي يتكلم فيه ابن عبد البر، يعني هذا مهم. فإني رأيت كثيرًا مما هو من أهل الخير عمومًا، يأتي يقول لك: هذا منهج السلف. اقرأ ماذا قال ابن عبد البر، يأتي إلى نص قاله السلف في سياق معين من ملازمة ابن شهاب وغيره لسلاطين زمانه، فيسقطه في زمان ليس ذاك الزمان، وفي مكان ليس ذاك المكان. فهذا تحقيق للمناطق خاطئ، وإنزال للنص في غير منزله، فلا تتلاعب بالدين، ولا تتلاعب بنصوص السلف باستثمارها في غير محلها.

وحسبك ما تقدم في هذا الباب من قوله صلى الله عليه وسلم: «من أنكر فقد برئ، ولكن من رضي وتبع...». وبإسنادي عن أبي بكر بن أبي عثمان بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: العلم لواحد من ثلاثة: لذي حسب يزينه به، أو لذي دين يسوس به دينه، أو لمن يختلط بسلطان ويدخل إليه ويحفه بعلمه وينفعه.

وقال زبير: ولا أعلم العلم لواحد من ثلاثة: لذي حسب، صاحب حسب وشرف يزينه العلم، أو لإنسان يريد العلم من أجل أن يسوس نفسه سياسة صحيحة في الحياة -لا له ما بده يزين نفسه تزيين، وإنما يريد أن يكون العلم لسياسة النفس- أو لمن يختلط بالسلطان ويدخل إليه يحفه بعلمه وينفع به، وهذا إذا كان السلطان عادلاً صادقًا راغبًا بالعلم، هذا هو الذي يُحمد.

وقال زبير: ولا أعلم أحدًا جمع هذه الخلال إلا عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز، فكلاهما جمع الحسب والدين وخالط السلطان. يعني هؤلاء كانوا طلبوا العلم فازدادوا به جمالًا، وساسوا به أنفسهم، ودخلوا على السلاطين الصادقين فنفعوا بهذه العلوم.

هذا لا يعني يصعب أن يجتمع في الشخص. قال أبو عمر: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله: منهم الإمام العادل...» وقال: «والمقسطون على منابر من نور يوم القيامة»، والعادلون، والإمام العادل، وقال: «ولا ترد دعوته»، ومثل هذا كثير.

وبإسناد عن يحيى بن أبي كثير قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: «أن أجروا على طلبة العلم الرزق، وفرغوه للطلب». يعني هذا يعطيك نموذجًا على السلطان العادل، شوف عمر بن عبد العزيز سلطان الزمان ماذا فعل؟ قال: طلاب العلم لا يفرغون. شوف النظرة الاستراتيجية في إخراج العلماء والاهتمام؛ أنه يعرف أن طلب العلم يحتاج لوقت وتفرغ، وأنه إذا طالب العلم سيحتاج إلى أن يعمل من الصباح لليل، فمتى سيطلب العلم؟ فعمر بن عبد العزيز كان خليفة صاحب نظرة ثاقبة، وهو من الأئمة العدول رحمه الله تعالى عليه.

فهذا ومثله سيرة الإمام العادل، وبلا التوفيق. وقيل لمالك: إنك تدخل على السلطان وهم يظلمون ويجورون؟ فقال: «يرحمك الله»، يريد أن يقول له: إنما دخولي دخول للصدع بالحق، فاعتذر لنفسه: أنا لا أدخل تزلُّفًا ولا أطلب منه مالًا، وهذا ينبغي.

فهذه فكرة، شوف مثلًا هذا الشخص لآم هذا العالم على الدخول على السلطان، فقبل أن تتهم العالم الذي يدخل على السلطان بأنه طالب دنيا، بدك تتروى، حتى في هذا الزمان؛ لأنه قد يكون فعلاً يفعل مصلحة. هذا الرجل اتهم مالكًا، قال له: أنت من علماء السلاطين يا مالك؟ قال له مالك: أنت بتعرف إيش أسوي أنا عنده السلطان؟ طبعًا هذا مالك الذي ظهرت عدالته وصدقه وعلمه وورعه، فمثله واضح أثره، وأنه لا يدخل إلا لنصح أو لرفع مظلمة. وأما غيره فيجب أيضًا أن يهدأ وأن يتروى، وأن يعرف أن الناس ستنظر في النهاية إلى المنتج النهائي الذي خرجت به من عند السلطان، والآراء النهائية التي استتب عليها أمرك.

وبإسناد عن الحسين بن علي قال: لما حج هارون بن هارون وقدم المدينة، بعث إلى مالك بكيس فيه خمسمائة دينار، فلما قضى نسكه وانصرف وقدم المدينة، بعث إلى مالك أن أمير المؤمنين يحب أن تنتقل معه إلى مدينة السلام. فقال: مدينة السلام أي؟ بغداد، مكان موطن الخلافة. فقال للرسول: قل له إن الكيس بخاتمه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَّهُمْ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 108]. استدل مالك بهذا الحديث على عدم رحلته إلى بغداد.

نكمل إن شاء الله بعد الصلاة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. نشر في الجلسة الثالثة لهذا اليوم، بسم الله، باب ذم فاقد العلم، والذم لطلب العلم للمباهاة والدنيا، وبإسناد عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتعلم...»

لا تتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتحتاجوا به المجالس، فمن فعل ذلك فله النار. ولا تتتاز به المدارس يعني تصبحوا رؤساء، الهدف أن يجمع الناس حولكم، وهذا وعيد لمن لم يرد بعلمه شيئًا من الخير غير هذا، والله يغفر لمن شاء ويعذب من يشاء.

وسندنا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «لو أن أهل العلم صانوا علمهم ووضعوه عند أهله لسادوا به أهل زمانهم، ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم فهانوا على أهلها».

سمت نبيكم ﷺ يقول: «من جعل الهموم همًا واحدًا كفاه الله هم آخرته، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أديتها». أسأل الله العفو والعافية. من جعل مقصده الله كفاه الله هم كل شيء، ومن جعل قلبه وهمه الدنيا بما فيها من الشعاب خذله الله، فلا يبالي في أي شعاب الدنيا هلك؛ في شعاب الشهوات أو الشبهات أو الملذات، نسأل الله العافية.

وبإسناد عن محمد بن يحيى بن حبان قال: حدثني رجل من أهل العراق أنهم مروا على أبي ذر فسألوه أن يحدثهم، فقالوا له: تعلمون أن هذه الأحاديث التي يبتغى بها وجه الله تعالى لا يتعلمها أحد يريد بها عرض دنيا؟ قال: لا يريد بها إلا عرض الدنيا فيجد عرف الجنة أبدًا. قال عبد الله بن مبارك: «ليتعلمها فيجد عرف الجنة أبدًا».

أبو ذر قال: طلبوا من أبي ذر أن يحدثهم بأحاديث فأعطاهم موعظة قبل ما يحدثهم، قال: هذه الأحاديث التي أحدثكم إياها لا يطلبها أحد وهو يريد بها الدنيا والجاه والمنزلة إلا لا يجد عرف الجنة، أي رائحتها الطيبة، يحرمه الله ليس من الجنة بل حتى من رائحتها، نسأل الله العفو والعافية.

وعن عائذ قال: «من يبتغي الأحاديث لا يبتغيها إلا ليحدث بها لم يجد ريح الجنة». يعني لا يوجد له فيها نية صالحة، وإنما هدفه أن يصبح محدثًا والناس تلتف حوله، هذا المراد.

وسندنا عن عائذ قال: «الذي يبتغي الأحاديث لا يحدث بها لا يجد ريح الجنة، والذي يبتغي الأحاديث ليحدث بها...». ما قال أبو عمر عائذ، هو أبو إدريس الخوالي، طما بعده عن مكحول بإسناد عن مكحول قال: «من طلب الحديث يمارِ به...» نفس الحديث السابق.

وسندنا عن يزيد بن قودرة قال: «يوشك أن ترى رجالًا يطلبون العلم فيتغير عليهم كما يتغير الفساق على المرأة السوء». هو حظهم منه؛ يعني يتنافسون فيه تنافس الدنيا كما يتنافس الفساق على امرأة عشقها كل منهم يريد أن يصيبها، فهذا معناها يتنافسون؛ من فينا يتصدر ومن فينا يلتف حوله الناس، وكل شخص يريد أن يسقط الآخر، هذه حال طلاب العلم الفساق، نسأل الله العفو والعافية.

وبإسناد عن أبي أيوب السختياني قال: قال لي أبي أبو قلابة: «إذا أحدث الله لك علمًا فأحدث له عبادة، ولا يكن همك أن تُحدث به». هذه من أعظم المقولات التي نقلت عن السلف في طريقة استقبال طالب العلم وكيفية شكر العلم.

يقول أبو قلابة رضي الله عنه: «إذا أحدث الله لك علمًا» يعني إذا استفدت شيئًا من العلم جديدًا، كيف يكون شكرك لهذه النعمة؟ أن تُحدث مقابلها عبادة؛ قيام ليل، قراءة قرآن، صدقة، إغاثة ملهوف، هكذا تشكر العلم. ولا يكن همك مجرد أنه متى سأحدث به ومتى سأصبح أستاذًا وحولي الطلاب، بعض الطلاب هو يطلب الآن العلم وليس همه العمل، همّه أن يتصدر في يوم من الأيام، فأبو قلابة ماذا يقول لك؟ يقول: لا يكن همك وأنت تطلب العلم متى ستحدث به، يعني متى ستصبح رأسًا وعالمًا ويجتمع حولك الناس، ليكن همك العمل به. لذلك إذا أحدث الله لك علمًا فأحدث له عبادة، يعني ليكن شكر هذا العلم بأن تُحدث عبادة صادقة بينك وبين الله بأي نوع من أنواع العبادة أحببت.

وسندنا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «كيف أنتم إذا لبستم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم الكبير، وتتخذ سنة مبتدعة يجري عليها الناس، فإذا غير منها شيء قيل قد غيرت السنة؟». يعني حتى يصل الحال أن الناس تعتقد البدع سنة، حتى إذا أنكرت عليهم وقلت لهم يا جماعة هذه بدعة يقولون: الله أكبر يا أخي هذه سنة النبي ﷺ، لفرط الجهل وشدة الفتن.

قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: «إذا كثر قراؤكم وقل فقهاؤكم، وكثر أمراؤكم وقل أمناؤكم، والتمستم الدنيا بعمل الآخرة، وتفقتم لغير الدين». هذه هي: التمست الدنيا بعمل الآخرة، يعني تتاجر بالدين تطلب الدنيا بالدين، تعمل درس دين بدك فيه المال، تعمل أي شيء ديني لكن ليس مقصدك أن تخدم دين الله، وإنما مقصدك أن تطلب به دنيا الناس.

وبإسناد عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: «لو أن حملة العلم أخذوه بحقه وما ينبغي لأحبهم الله وملائكته والصالحون ولحبهم بهم الناس، ولكن طلبوا به الدنيا فبغضهم الله وهانوا على الناس». نسأل الله العفو والعافية.

وبإسناد عن أبي حازم قال: قدم هشام بن عبد الملك المدينة فاجتمع إليه فقهاء الناس، وإلى جنب الزهري، فقال للزهري: يا أبا حازم، ألا تحدث الناس بعض حديثك؟ فقلت: بلى. كان الناس الفقهاء مرة يستغنون بعلمهم عن أهل الدنيا ويقضون في علمهم ما لا يقضي أهل الدنيا في دنياهم؛ يقضون في ساعات طلب العلم ما لا يقضي أهل الدنيا من الساعات في كسب المال. كان الناس الفقهاء مرة، يعني قديماً، فكان أهل الدنيا يقربونهم ويعظمونهم على ذلك، فأصبح العلماء اليوم يبذلون علمهم لأهل الدنيا رغبة في دنياهم، فلما رأى أهل الدنيا موضع العلم عند أهله زهدوا فيه وازدادوا رغبة في دنياهم.

الزهري، وهذه مرة أيضًا؛ إن كأنهم الاثنين في مجلس، وكان هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي حاضرًا، كان الخليفة حاضرًا وحوله الفقهاء، فابن شهاب يقول: «يا أبا حازم، حدث بشيء». فأبو حازم أصلًا ليس من رواد السلاطين، فطرب كلمة موجعة لكل الفقهاء هؤلاء؛ أنه كان الفقهاء قديمًا يطلبون الله بهذا العلم، فكانوا يعظمون في عيون العامة، لكن لما أصبح الفقهاء يلتفون حول الأمراء والسلاطين ويطلبون الدنيا هانوا على الناس.

هذا خلاصة كلام أبي حازم رحمه الله عليه. كان يقال: «أشرف العلماء من هرب بدينه عن الدنيا، واستصعب قياد هواه». وأسناد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «أنزل الله في بعض الكتب أو أوحى إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقهون لغير الدين، ويتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون للناس مسوك الكباش، وقلوبهم كقلوب الذئاب، وألسنتهم أحلى من العسل؛ إن لك الشيخ حمل وديع محترم وهو في داخله ذئب ضاري».

يعني هذا حال، طبعًا هذا نوع من النفاق، عنده شيء من النفاق؛ «وألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر، إياي يخدعون؟ وإياي يستهزئون؟ لاوتي حن لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران». نسأل الله العفو والعافية؛ هذا النوع من طلاب العلم الله يتوعدهم بفتنة تجعل الحليم منهم حيران تنسى اسمه.

وبإسناد عن أبي هريرة مثله، وبإسناد عن حماد بن زيد أنه بلغه عن كعب قال: إني أجد في بعض الكتب: «نعت قوم يتعلمون لغير العمل، ويتفقهون لغير العبادة، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، يلبسون جلود الضأن، وقلوبهم أمر من الصبر، فبي يغترون، وإياي يخدعون، فبي حلفت لأحن لهم فتنة تترك الحليم فيهم حيران».

وكُتب عن أبي العالية قال: مكتوب عندهم في الكتاب الأول: «ابن آدم، علم مجانًا كما علمت مجانًا». يعني أنت لما أخذت العلم من المشايخ طلبوا منك مالًا، علمت مجانًا؛ فغدًا إذا أصبحت عالمًا لا تطلب بعلمك الدنيا، علمت مجانًا فعلم مجانًا في المستقبل. قال أبو عمر: معناه عندهم كما لم تغرم ثمنًا فلا تأخذ ثمنًا، والمدان عندهم الذي لا يأخذ لعلمه ثمنًا.

وبإسناد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد ريح الجنة يوم القيامة». هذا حديث من أخوف الأحاديث؛ لأن قال: «لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا»، يعني أنت ممكن تتعلم العلم الشرعي، ليس ضروري تكون مرائي، لكن لا تطلب به إلا مثلاً شهادة دنيوية؛ يعني أنت دخلت الشريعة في الكلية فقط هدفك شهادة دنيوية، هذا أراد عرضًا من الدنيا، وهذا لا يجد ريح الجنة.

هذا الحديث أعم، هذا الحديث ما قال لا يطلبه إلا رياءً، قال لا يريد به إلا عرضًا من الدنيا؛ رياء، ثناء، منصب، وظيفة. شوف، العلم الشرعي لا يصلح أن تطلبه لتقصد به الوظائف، يعني الوظيفة تحصل تبعًا، ما عندنا مشكلة، لكن أن أكون داخل شريعة فقط لأصبح مثلاً موظفًا في سلك معين، لا يجد ريح الجنة. الشريعة شوف التخصصات الأخرى أسهل، ادرس فيزياء، كيمياء، أحياء، اطلب بها الدنيا ما أحد سألك، لكن لا تأتي على الشريعة المقدسة التي لها عظمة وتجعلها هكذا سلعة تطلب بها الدنيا. اطلب بها الله، وإذا حصلت وظيفة تبعًا ما عندنا مشكلة، أما أن يكون مقصدك من التخصص في الشريعة ابتداءً طلب وظيفة أو شهادة أو أي عرض من الدنيا كما قال ﷺ، فهذا فيه وعيد شديد أنه لا يجد رائحة الجنة يوم القيامة.

فتخصص الشريعة له خصوصية تختلف عن سائر التخصصات الأخرى؛ يكون الأساس التقوى، وتقوى الله سبحانه وتعالى ومراد الله، وتكون الدنيا تبعًا، أما أن يكون هو يريد التخصص من أجل وظيفة أو منصب أو سلك معين يدخل فيه، هذه خطيرة على دينه.

وبإسناد عن فريح بن سليمان مثله، وبإسناد ذكر عن أبي طوالة مثله، وعن ابن وهب مثله. وبإسناد عن الحسن بن صالح يقول: «إنك لا تفقه حتى لا تبالي بيد من كانت الدنيا». وبإسناد عن عيسى قال: «يا معشر القراء والعلماء، كيف تضلون بعد علمكم، أو تعمو بعد بصركم، من أجل دنية وشهوة ردية؟ فلكم الويل عليها، ولكم ولها الويل منكم».

ما معنى: «إنك لا تفقه حتى لا تبالي بيد من كانت الدنيا»؟ طيب، ما معنى هذه العبارة؟ لا يفقه الإنسان حتى لا يبالي بيد من كانت الدنيا؟ حبيبنا، أظنك تحوم حول المعنى قريبًا، لا تدرك حقيقة الإيمان حتى تكون الدنيا آخر همك؛ يعني لا تدرك حقيقة العلم والإيمان حتى تكون الدنيا آخر همك.

تقريباً كما قال الأخ، إنه حتى لا تبالي الرئاسة الآن بيد من، والأموال بيد من، كأنك لا تنظر إلى حال السلاطين وأموالهم ومن أصحاب الأموال منهم؛ أنا فقط منشغل بالعلم منكب به، لا أبالي بيد من كانت الدنيا من سلطانها من مالها، هذا ليس من شغلي ولا من اهتمامي ولا من احتفائي. وهذا دلالة طبعاً على الصدق، وأنك لا تطلب بعلمك دنيا الناس.

وبإسناد عن يزيد بن أبي حبيب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الشهوة الخفية، فقال: «هو الرجل يتعلم العلم يحب أن يجلس إليه». وبإسناد عن الحسن، هذا كثير ما يقع فيه حتى طالب العلم، وقد يكون طالب العلم كما قلنا في بداية طريقه لا يسلم من دخول هذه الدواخل على قلبه، فيجادل.

لا يترك العلم بحجة؛ والله يا شيخ بعض الطلاب يقول لك: أنا أشعر أنه عندي شيء من الرياء فأريد أن أترك العلم، حتى لا ينفع؛ لأنه الشيطان أيضاً في المقابل يحاول يقنعك أنه أنت غير صادق وغير جاد بنية صالحة حتى يصرفك عن العلم، فالمطلوب ليس ترك العلم، المطلوب هو المجاهدة على النية، هذا هو المطلوب منك.

وبإسناد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «العلم علمان: علم في القلب فذلك العلم النافع، وعلم على اللسان فذلك حجة الله عز وجل على خلقه». وروي عن أنس مرفوعاً، وبإسناد عن سفيان الثوري، كأنه يقول: العلم علمان؛ علم وصل إلى قلبك فأثمر وتنتفع به في حياتك لأنه وصل إلى القلب فأصبح له إنتاج، والنوع الثاني العلم الذي على لسانك وأنت تعلمه، فهذا أنت تقيم به الحجج على خلق الله سبحانه وتعالى ترفع عنهم الجهل وتنبيههم.

فأنت تحتاج حتى تنتفع أن لا يبقى العلم على لسانك؛ باختصار العلم لا يجب أن يبقى على لسانك، ما فائدة أني أعلمك وأقيم الحجة عليك والعلم لم يصل إلى قلبي وأنتفع به أنا؟ فانتبه، يجب أن يكون العلم على لسانك يصل إلى قلبك ويثمر في حياتك.

وبإسناد إلى سفيان الثوري يقول: «إنما يطلب الحديث ليتقى به الله عز وجل»، فإنما يطلب الحديث للوصول إلى التقوى، فلذلك فضل على غيره من العلوم، ولولا ذلك كان كسائر الأشياء؛ كان طلب الحديث كطلب الفيزياء والعلوم وكل علوم الدنيا لا يميز. وهذا ليس خاصاً بطلب الحديث، بل هو خاص بكل العلوم الشرعية؛ إنما طلب العلوم الشرعية يتقى بها الله، تخصص الشريعة إنما يطلب ليتقى به الله، وإلا كان هذا التخصص كغيره من التخصصات الدنيا إذا لم يوصلك إلى تقوى الله؛ درست شريعة، درست محاسبة، درست فيزياء، كلها نفس الشيء، أصبحت لا تفاضل بينها. إنما التفاضل إذا طلب بالعلم وجه الله سبحانه وتعالى.

علوم الآلة مطلوبة، علوم الآلة إذا كان يقصد بها خدمة الشريعة فهي داخل ضمن علوم الشريعة إذا كان يقصد بها هذا المقصد. وبإسناد إلى حماد بن سلامة يقول: «من طلب الحديث لغير الله مكر به» والعياذ بالله. هذا مخيف؛ من طلب العلم الشرعي لغير الله مكر الله به، مكر الله به في لحظة هو غافل، تأتيك مصيبة وبلية تفتنك في دينك؛ فمراقبة النيات في طلب العلوم الشرعية من أهم الأشياء.

وبإسناد إلى سماك يقول: قال مسعر: «من أراد الحديث للناس فليجتهد فإن بلائهم شديد، ومن أراده لنفسه فقد اكتفى». وكان شعبة حاضراً فقال: «هذا والله ينبغي أن يكتب». ما معنى هذا الكلام؟ «من أراد الحديث للناس فليجتهد فإن بلائهم شديد»، ما معنى فليجتهد في ماذا باختصار؟ والحكمة في كلمة «فليجتهد»؛ فليجتهد في إصلاح نيته ومراقبتها، فإن الناس فتنة؛ هذا يثني عليك، وهذا يمدحك، وهذا يعزمك، وهذا يأخذك، فبالتالي الموضوع ليس سهلاً. وأما إذا طلبته لنفسك وليس لتحدث به الناس ريحت نفسك، اكتفى؛ يعني أموره سهلة لأنه لا يريد أن يواجه بها الناس، فالقصة أنه اجتهد في تصويب نيتك.

وبإسناد إلى طاووس قال: «ما تعلمت فتعلمه لنفسك، فإن الأمانة والصدق قد ذهبا من الناس». يعني هذا كلام لا يحكم به، قد ينظر فيه، هو يقول في زمن معين أو في لحظة معينة خلص تعلموا العلم لأنفسكم، ترى الناس ذهبت الأمانة والخير فيهم، لكن هذا ليس مقياساً، لا أعتبر هذه قاعدة عامة؛ لا، علم الناس وأنفع، فإن الناس حتى لو ضعفت ديانتهم يحتاجون إلى العلم.

وروي عن إبراهيم التيمي قال: «من طلب العلم لله عز وجل أتاه الله منه ما يكفيه»، جميل، هذا كلام في الجهة المقابلة الإيجابية. وبإسناد عن سفيان الثوري قال: «زين العلم ولا تتزين به». أي شيء قصد هذا الكلام؟ زين العلم ولا تتزينوا به. يا مشايخ، نريد وجوهاً جديدة، هو اثنان أو ثلاثة الذين يفكرون قاعدين في المجلس. زينوا العلم بماذا؟ بأخلاقكم وسمتكم ونشره وتعليمه وصدق النية فيه، ولا تتزينوا به تتباهوا به وتتفاخروا فيه؛ أنه والله أنا طالب علم وأنا متخصص في كذا، وأن دكتور شريعة، هذه كلها ألقاب تذهب.

وبإسناد عن سفيان الثوري قال: «زينوا الحديث بأنفسكم ولا تزينوا بالحديث». نعم، جميلة، هي نفس الفكرة السابقة. وبإسناد عن سفيان الثوري قال: «إنما يتعلم العلم ليتق الله به»، وإنما فضل العلم على غيره لأنه يتقى الله عز وجل به، ونفس الكلام السابق؛ أن العلم الشرعي إنما يطلب من أجل التقوى وإلا كان كسائر العلوم جميعاً. قال سفيان نفس الكلام: «ولا تزين نفسك بالعلم».

وقال ابن المبارك بإسناده: «كان يقال تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنة كل منهما ما فتنة لكل مفتون»، نسأل الله العافية. ومن حديث ابن وهب أن رسول الله ﷺ قال: «هلاك أمتي عالم فاجر وعابد جاهل، وشر الشرار أشرار العلماء، وخير الخيار خيار العلماء».

وروينا عن الأوزاعي رحمه الله قال: «شكت النواويس إلى الله عز وجل ما تجد من نتن جثث الكفار، فأوحى الله إليها بطون علماء السوء»، أنت مما أنتم فيه، سبحان الله. وروينا عن فضيل بن عياض وأسد بن الفرات قالا: «بلغنا أن الفسقة من العلماء ومن حملة القرآن يبدأ بهم يوم...»

القيامة قبل عبدة الأوثان. وقال فضيل بن عياض: «إن من علم ليس كمن لم يعلم». وقال الحسن: «عقوبة العالم موت قلبه»، قيل له: وما موت القلب؟ قال: «طلب الدنيا بعمل الآخرة».

كيف تعرف أن قلبك مات يا طالب العلم؟ إذا أصبحت تطلب الدنيا بعمل الآخرة، فهي علامة موت قلبك، أن أصبحت تستثمر العلوم الشرعية من أجل طلب لعاعة من الدنيا.

هنا حقيقة لست متأكداً منها، لكن الذي يظهر أما القبور أو ما شابه ذلك التي فيها جي في الكفار تشكو من نتنها، قال: «وأنشدني محمد بن إبراهيم بن مصعب لأحمد بن بشر بن أغبِس في شعر له: أحسن شيء قيل في عالم: ما أصدق المرء وأورعه، وشر ما عيب به أن يرى عبداً من الدنيا لما أطمع».

وقال بعض الصالحين: «اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع». وقال: «وأنشدني عبيد الله: وما يحول بين الحق وأهله من الطمع»، ما الذي يحول أهل الحق من العمل بالحق؟ الطمع بالدنيا، هذا المراد.

وقال أنشدني عبيد الله بن المبارك: «يا طالب العلم بادر الورع، وهاجر النوم، واهجر الشبع. يا أيها الناس أنتم عشب يحصده الموت، كلما طلع لا يحصد المرء عند فاقته إلا الذي في حياته زرع». لا يحصد المرء عند فاقته، متى الفاقة؟ يوم القيامة لما تقف حفاة عراة غرلاً. لا يحصد المرء عند فاقته إلا الذي كان في حياته زرع. يوم القيامة ما راح تحصل الذي زرعته في الدنيا، إذا زرعت خيراً ستحصد خيراً، وإذا زرعت دنيا فاسدة ومطامع وشهوات ستحصد ما زرعت.

وقال الحسن: «من أفرط في حب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه، ومن ازداد علماً ثم ازداد على الدنيا حرصاً لم يزدد من الله إلا بغضه، ولم يزدد من الدنيا إلا بعداً». سبحان الله، حتى الدنيا لا تحصلها. وقد روي مثل هذا من قول الحسن مرفوعاً والله أعلم.

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «من طلب العلم لغير الله، أو أراد به غير الله، فليتبوأ مقعده من النار». وعنه ﷺ أنه سئل عن شر الناس، فقال: «العلماء إذا فسدوا». وهذه الأحاديث إن لم يكن لها أسانيد قوية فإنها قد جاءت كما ترى، والقول عندي فيها كما قال ابن عمر في نحو هذا: «عش ولا تغتر». عش ولا تغتر، يعني كون مصحصحاً لحياتك واشتغل لآخرتك.

وقال جعفر بن محمد: «إذا رأيتم العالم محباً لدنياه فاتهموه على دينكم، فإن كل محب لشيء يحوط ما أحب». وروي أن الله عز وجل أوحى إلى داود: «يا داود، لا تجعل بيني وبينك عالماً». هذا كلام مهم؛ إذا رأيت العالم محباً لدنياه لا تثق بفتواه، يعني لا تأمنوا على دينكم، لا تستفتوا إذا رأيت عالماً محباً للسلطة محباً للجاه؛ لا تحط دينك عنده، لأنه سيفتيك بما يوافق هواه.

فإن كل محب لشيء يحوط ما أحب، يعني كل إنسان أحب الدنيا سيكون حريصاً في كلامه أنه يقول لكم: «احذروا الفتن»، بعبارات معينة لأنه خائف على دنياه، فبالتالي خطابه الشرعي أو الديني يكون حرصاً على دنياه وليس حرصاً على مصلحة الإسلام أن يحفظ، وهذا كلام له عمق أكثر من ذلك، لكن اكتفِ بهذا.

جاءت كما ترى متعاضدة المناجاة من قلوبهم، سبحان الله. لطالب العلم اليوم يحتاج إلى مجموعة من التوازنات وهو يقرأ مثل هذا الكتاب؛ يجد الكتاب يحذر من لحوم العلماء وأنها مسمومة، ويحذرك من الازدراء بالعلماء، لكن في نفس الوقت يحذرك من العالم المفتون ويحذرك من أن تتبعه وأن تضع دينك عنده، فهي مجموعة من التوازنات يجب أن تحصل عندك.

كيف أحافظ على حرمة العلماء؟ أول خطوة هي الحقيقة التي يجب أن تفهمها، أن تحدد مفهوم العالم، وهذا دائماً ما أركز عليه: من هو العالم الذي امتدحت النصوص وذكره لكم ابن عبد البر؟ العالم العامل، العالم الرباني الصادق الذي تظهر أمارات الصدق عليه، هذا حرمته عظيمة عند الله وفقدُه ثلمة. ويجب عليك أن لا تتسرع وأن لا تهاجم وأن لا تنتقد وما شابه ذلك.

في المقابل، عالم السوء هذا لا حرمة له، العالم المفتون بالدنيا المتعلق بالكراسي والمناصب لا حرمة له. فكل نص أو كل مجموعة نصوص يجب أن تحسن إنزالها بتوازن في المكان الصحيح، لأن بعض الطلاب يخلط كل النصوص ببعضها. من المهم جداً أن نفرز النصوص، كل نصوص توجه إلى من يستحقها.

وبإسناد عن الشعبي قال: «يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من أهل النار، فيقولون لهم: ما أدخلكم النار؟ وإنما أدخلنا الجنة بفضل تأديب وتعليم. قالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله». وبإسناد عن أبي هريرة قال: «إن في جهنم آراء تدور بعلماء السوء، فيُشرفنا جمع رحى»، والرحى تعرفونها التي يطحن عليها القمح قديماً، «فيرى عليهم بعض من كان يعرفهم في الدنيا، فيقول: ما سيركم في هذا؟ وإنما كنا نتعلم منكم! قالوا: إنا كنا نأمر بالأمر ونخال إلى غيره». علماء السوء يطحنون برحى في جهنم والعياذ بالله، قالوا: «إنا كنا نأمركم بالمعروف ولكننا في خلواتنا لا نأتيه، ونهاكم عن المنكر ونكون في خلواتنا نأتي»، والعياذ بالله.

وقال أبو عمر: «قد ذم الله عز وجل في كتابه قوماً كانوا يأمرون الناس بأعمال البر ولا يعملون بها، ذمهم وبخهم الله به توبيخاً يتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة، فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]».

وقال أبو العتاهية: وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى ... وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى يعني هو كأنه يخاطب شخصاً، وصفت التقى حتى كان كأنه ذو تقى، يعني يتحدث عن التقوى ويعظ الناس بها -وما شاء الله دروسك في بيان معنى التقوى بلغت العشرات- ولكن ماذا قال؟ وذيّرت الخطايا من ثيابك تسطع ... وأنت غارق منغمس في ذنوب الخلوات.

إنسان ينتبه أيها الشباب، مسؤولية العلم، نسأل الله أن يرحم ضعفنا. وقال سلمة بن عمر المعروف بالجاسر: «ما أقبح التزهيد من واعظ يزهد الناس ولا يزهد». لو كان في تزهيده صادقاً لأضحى وأمسى بيته المسجد، ولرفض الدنيا، فما باله يستملح الناس ويسترق الرزق؟

مقسوم على ما على، من ترى يسعى به الأبيض والأسود؟ يعني الأبيض والأسود فينا كله يسعى، وكل واحد راح يأخذ رزقه، ليس الأبيض يأخذ رزقًا والسود يأخذ رزقًا، الحياة مقسومة بقضاء الله وقدره.

قال أبو العتاهية في أبيات له: يا واعظَ الناسِ قد أصبحتَ متهمًا .. إذ عبتَ منهم أمورًا أنت تأتيها كملبسِ الثوبِ من عريٍ وعورةٍ .. للناسِ باديةً وما يواريها

يعني كمن يلبس الثوب لإنسان عارٍ أمامه وهو ناسي نفسه أنه هو عارٍ؛ الذي ينصح الناس وهو لا يأتي بما ينصح به، كمن يلبس الثوب لإنسان عارٍ أمامه وهو عارٍ لم يستر نفسه قبل أن يستر عورة غيره، هذا المراد.

قال: وأعظمُ الذنبِ بعد الشركِ نعلمُه .. في كلِّ نفسٍ عماها عن مساويها

يعني أعظم الذنوب بعد الشرك أن تكون عاميًا عن مساويك وعن أخطائك، تقول ولا تفعل، وتشغلها بعيوب الناس تبصرها منهم ولا تبصر العيب الذي فيها، شغالة بعيوب الناس وتركك لعيوب نفسك.

وقد ذكرنا الأبيات في باب قول العلماء بعضهم في بعض من هذا الديوان. ورُوي عن عبد الله بن الزبير قال: أشكو إلى الله عيبي ما لا أترك، ونعت ما لا آتي. وقال: إنما نبكي بالدين للدنيا.

وقد قال عبد الله بن الزبير شعرًا يشبه هذا الحديث فقال: يبكون بالدين للدنيا وبهجتها .. أربابُ دينٍ عليها كلهم صادي لا يعلمون لشيء من معادهم .. تعجلوا حظهم في العاجل البادي

الصادي هو المتعطش، يبكون بالدين للدنيا وبهجتها أرباب دين عليها كلهم صادي، كلهم متعطش للدنيا ويريدها ويبحث عنها، لا يهتدون، تابعهم ظل المقود وظل القائد الهادي. أي والله، وقال: ظل المقود، مَن المقود؟ الناس، وظل القائد الذي هو العالم الذي أراد بدينه دنياه، سبحان الله، جميل هذا البيت: ظل المقود وظل القائد الهادي؛ لأنه إذا العالم أصبح يطلب الدنيا ضاع هو وضيع الناس وراءه، باختصار هو ضاع وضيع الناس الذين يحسنون الظن به.

وقال: يا أيها الرجلُ المعلمُ غيرَه .. هلا لنفسكَ كان ذا التعليمِ وأراك تلقحُ بالرشادِ عقولًا .. وأنت من الرشادِ عديمُ

يعني أنت تلقح الفوائد والفكر وأنت لم ترشد في نفسك، سبحان الله هذه قضية مهمة، قضية طالب العلم أن يسعى أن يلتزم بما ينصح به الآخرين، اللهم مستعان.

ولأبي العتاهية في هذا المعنى: يا ذا الذي يقرأ في كتبه .. ما أمر الله ولا يعملُ قد بين الرحمن مقت الذي .. يأمر بالحق ولا يفعلُ من كان لا تشبه أفعاله .. أقواله فصمته أجملُ من عذل الناس فنفسه بما .. قد قارف من ذنبه أعذرُ إن الذي ينهى وعنه يأتِ في .. الحكم لا يعدلُ وراكب الذنب على جهله .. أعذر ممن كان لا يجهلُ

يعني الذي يفعل معصية وذنبًا وهو جاهل بها أعذر عند الله ممن يأتي المعصية وهو عالم وطالب علم، لا تخلط ما يقبله الله من فعل بقول منك لا يقبله.

وبإسناد عن صفوان بن محرز قال: سمعت جندب بن عبد الله البجلي يقول في حديث ذكره: «إن مثل الذي يعظ الناس وينسى نفسه، كالمصباح يحرق نفسه ويضيء لغيره». الذي يعظ الناس وينصحهم ويصلح من شأنهم وإذا كان هو لا يعمل، يعني هو أحرق نفسه وإن أرأى الطريقة للآخرين، لكن هذا إحراق نفس سلبي، إحراق نفس في نار جهنم والعياذ بالله.

قال أبو عمر: أخذها بعض الحكماء فقال: وبخت غيرك بالع فافهِ بصرًا .. وأنت محسن لـ عماك كفتي المصباح تحرق نفسها .. وتنير موقدها وأنت كذاك

أنت أيها العالم الذي لا تعمل بما تنصح الناس به، أنت أحرقت نفسك وإن كنت أنرت الطريق للآخرين، لذلك شر الناس عالم يوصل الناس إلى الجنة ثم يُلقى به هو في النار، يوصل الناس إلى الجنة ثم هو يُلقى به في النار، الناس استفادت منك وعملت ودخلت الجنة بسببك، لكن أنت أين ذهبت؟ أُلقي بك في النار لأنك لم تكن صادقًا في خلواتك.

وقال وقد أخذها في غير هذا المعنى عباس بن الأحنف فقال: صرت كأني ذبالة أوقدت تضيء للناس وهي تحترق، والذبالة هي الفتيلة التي في المصباح التي تنير.

ولقد أحسن أبو الأسد الدؤلي في قوله: أيها الرجل المعلم غيره .. هلا لنفسك كان ذا التعليمِ وأراك تلقح بالرشاد عقولنا .. نصحًا وأنت من الرشاد عديمُ لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله .. عار عليك إذا فعلت عظيمُ وابدأ بنفسك فانهها عن غيها .. فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ فهناك تقبل إن وعظت ويقتدى .. بالقول منك وينفع التعليمُ

ولأبي العتاهية: الحمد لله دائمًا أبدًا .. قد يصف القول غير مقصده وإذا عبت أمرًا فلا تأتهِ .. وكن بمجتنبا ما يعيبُ

وقال عيسى بن محمد بن طلحة بن عبيد الله: لا تلم المرء على فعله .. وأنت منسوب إلى مثله من ذم شيئًا وأتى مثله .. فإنما يزري على عقله

طبعًا هذا لا يعني إخواني أن بعض الطلاب يقول: إذا خلص اترك النهي عن المنكر والأمر بالمعروف حتى أستقيم، برضه هذا خطأ، المراد أنك استمر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكن جاهد نفسك. أحيانًا قد يخطئ الإنسان في شيء، وجود خطأ في شيء، يعني هل مثلاً أنت تغض بصرك عن كل المحرمات؟ يمكن يحدث منك زلة حتى لو كنت طالب علم، هل هذا معنى أنه خلاص لا آمر الناس بأن يغضوا أبصارهم لأنه أنا والله يا شيخ تصدر مني فلتات؟ لا، بدك تأمر الناس وتحثهم وتجاهد نفسك.

شوف الله سبحانه وتعالى إذا رآك تجاهد نفسك على الشيء الذي تنصح به وتجاهد نفسك ولو كنت تسقط ما في مشكلة، لكن على الأقل تجاهد نفسك الله عز وجل يرحمك، لكن المشكلة أن تكون أنت مستغرقًا في المعصية وغير عابئ بها في خلواتك وتذهب تنظر على الناس فيها، هذه المشكلة. أما قضية أنك تعصي وفي نفس الوقت تأمر الناس بالمعروف وتنهى عن المنكر، فهو لا يُفترض في العالم العصمة، هل العالم معصوم من الآثام؟ لا، هذا شرط عالٍ جدًا ما أحد اشترطه من العقلاء، العالم يخطئ، العالم تعتد منه زلات وينصح غيره في هذه الزلات التي يخطئ فيها، لكن العالم أو طالب العلم يجاهد نفسه على ترك هذه الزلات هي الفكرة، وأما أن يترك الناس النصيحة بحجة أنهم يذنبون بما ينصحون به، فإذا تركنا كلنا هذا الباب وهذا...

قال منصور الفقيه: «إن قوما يأمرون بالذي لا يفعلون لمجانين»، وإنهم لم يكونوا يسرعون. والمجنون في العرف القديم هو الذي يصيبه الصرع، فيقع على الأرض وتخرج منه حركات تشنج، فيقول هؤلاء مجانين، ولكن الفكرة أنهم ليس عندهم صرع مثل المجانين الحقيقيين، وهذا الفرق بينهم وبين المجنون الحقيقي.

وقال غيره: «إذا أنت لم تعرف لذي السنن فضله عليك، فلا تنكر عقوق الأصاغر». ويروى عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنهما هذا البيت الجيد؛ أي إذا أنت لم تحترم العلماء الأكابر أصحاب الصدق، غداً إذا عقك الأصاغر فلا تقل "لقد عقوني"، لأنك لم تحترم الأكابر فيعرض الأصاغر لذلك. وهذه نصيحة لكل طالب علم أن يتروى على العلماء الصادقين الربانيين ولا يسارع في التهجمات، لأنك إذا لم تحترم العلماء غداً لن يحترمك طلابك، هي قاعدة في هذه الحياة.

«إذا أنت لم تعرف لذي السن فضله عليك، فلا تنكر عقوق الأصاغر». حتى في قضية الوالدين، إذا أنت لم تبر والديك لا تقل لي غداً لماذا أبنائي يعقون، لأنك ابتداءً لما كنت والداك على قيد الحياة ما بررته، فلا تقل لي الآن لماذا أبنائي ليسوا على رشاد معي، هي كما يقولون: «كما تدين تدان».

ويروى عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنهما في قول الله عز وجل: ﴿فَكُبِّكُوا فِي جَهَنَّمَ هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: 97]؛ قال: قوم وصفوا الحق والعدل بألسنتهم وخالفوه. هؤلاء هم الغاوون؛ قوم وصفوا الحق والعدل بألسنتهم ولكنهم خالفوه بأفعالهم، قالوا شيئاً لم يفعلوا.

وبإسناد إلى ابن مسعود قال: «إني لأحسب أن الرجل ينسى العلم قد علمه بالذنب يعمله». وكثير من طلاب العلم يعانون من نسيان العلم، ومن الأمور التي تسرع في نسيانك للعلم ذنوبك التي تفعلها.

وفي قصيدة لابن عبد البر: نطق الكتاب بفصل حكم باهر *** إن التقي مباين للفاجر لم يجعل الأبرار كالفجار لا *** لـكتاب ربنا نطق بحكم عدل باهر ماذا قال الله سبحانه وتعالى؟ «إن التقي مباين للفاجر»، التقي ليس كالفاجر عند الله سبحانه. لم يجعل الأبرار كالفجار، لا، فالطاهر ليس مثل النجس، والنجاسة ليست مثل الطهارة.

ومتى أمرت بما تخالف فعله *** فاعلم بأنك حيز صفقة خاسر وإذا جهلت الفرق بين جلي *** ما يتلى به أبداً وبين الدائر فاعمد إلى حبر له زهد *** فخذ بمقاله واعده خير مواز واهرب عن المستاكن بدينهم *** والجائر فبئس مثوى الجائر والزهد في الدنيا يلقن حكمة *** أكرم به من ذي اقتدار صابر إلى نفا... فاسم بعالم متنزه... ذو رغبة وفم فديت كفا... غار أول برهان على جهل الفتى وادل برهان على جهل الفتى جمع الحرام ورغبة في الحاث.

واضح أن هذا الكتاب لا يزال في كثير من أجزائه يحتاج إلى إعادة ضبط، مع أن نسخه بالأشبال نسخة، لكن فيها أيضاً كثير من السقط والإشكال.

وبإسناد عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عز وجل». إذا كان هناك إنسان تقي، يورثه الله فراسة جيدة فيعرف من الصالح من الطالح بفراسته التي أورثه إياها تقواه وحبه وخشيته لله سبحانه وتعالى.

وقال أبو العتاهية: بكى شجو الإسلام من علمائه *** فما اكترث لما رأوا من بكائه بكى شجو الإسلام من علمائه، يعني الإسلام يبكي بسبب علماء السوء، وما زال علماء السوء لا يكترثون للإسلام وهم يرون الإسلام يبكي على حال الذي وصلت إليه الأمة. فأكثر مستقبح لصواب من يخالفه *** مستحسن لخطاه فيهم المرجو فينا لدينه وأيهم الموثوق فينا *** برأيه سبحان الله.

وقال أبو العتاهية عبد الله بن محمد الناشئ: «أصح واقع الآراء ما لم يكن مصوباً عند الجهول». في العادة أصح شيء في الأقوال هو الشيء الذي لا يوافقه الجاهل، لأن الجهول يوافق من الأقوال ما يريد هواه.

وبإسناده عن عبد الله بن عكيم قال: سمعت ابن مسعود بدأ باليمين قبل الحديث فقال: «والله ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه عز وجل كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر»، ثم يقول: «يا ابن آدم، ما غرك بما عملت فيما علمت؟ ماذا أجبت المرسلين؟».

وبإسناد عن أبي الدرداء قال: «إني ما أخاف إذا وقفت على الحساب أن يقال لي: قد علمت، فماذا عملت فيما علمت؟».

وبإسناد عن سليمان بن يسار قال: تفرّج الناس عن أبي هريرة، فقال له ناتل الشامي: أيها الشيخ حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أول الناس يقضى فيه يوم القيامة ثلاثة: رجل استشهد في سبيل الله، فتي به ربه فعرفه نعمه، فقال: فما عملت فيها؟ قال: قتلت حتى قتلت، قال: كذبت، ولكن قاتلت ليقال هو جريء وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فتي به فعرفه نعمه، فقال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت القرآن، قال: كذبت، ولكن ليقال هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل أوسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فتي به فعرفه نعمه، فقال: فماذا عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن أنفق فيه إلا أنفقت فيها، قال: كذبت، ولكن ليقال هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار».

وهذا الحديث فيمن لم يرد بعلمه وعمله وجه الله تعالى، وقد قيل في الرياء إنه الشرك الأصغر ولا يزكو معه عمل، عصمنا الله برحمته، آمين. وبإسناد عن محمود قال: لما حضرت شداد بن أوس الوفاة قال: «أخوف ما أخاف على هذه الأمة الرياء».

والشهوة الخفية، من حديث لبيد رضي الله عنه. قال يونس: وأخبرني خالد بن نزار بن سفيان قال: الشهوة الخفية هي الذي يحب أن يُحمد على البر.

وبإسناد عن أبي الدرداء قال: «لا أخاف أن يقال لي يوم القيامة: يا أبا الدرداء، ما عملت فيما جهلت، ولكن أن يقال لي: يا عويمر، ما عملت فيما علمت». قال: لا أخشى أن يقال لي ما علمت فيما جهلت، لأن الجهل متصور في الإنسان في النهاية، ولكنني أخشى أن يقال: ماذا عملت فيما علمت وتعلمت؟

ومن حديث عطاء عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن خمس خصال: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وأين أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه». ومن حديث مسعود عن النبي ﷺ مثله.

وعن أبي الدرداء أنه قال: «إنما أخاف أن يقال لي يوم القيامة: أعلمت أم جهلت؟ فأقول: علمت، فلا تبقى آية من كتاب الله عز وجل أمرها أو زاجرها إلا جاءتني تسألني فريضتها». فسألني الأمر، هل ائتمرت بكل الآيات التي تعلمتها وكل المسائل التي تفقهت فيها؟ ستأتي تسألك: هل عملت بها أو لم تعمل؟ كل آية وكل حديث، فتسألني الأمر: هل ائتمرت؟ والزجر: هل اجتنبته؟ فأعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع.

وبإسناد عن معاذ قال: «لا تزول قدم العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن جسده فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه كيف عمل فيه».

وبإسناده عن الثوري قال: «وددت أني قرأت القرآن ثم وقفت، ووددت أني أفلتُّ من هذا الأمر، لا لي ولا علي». قال: أفلتُّ؛ يعني أنني غادرت الدنيا أو خرجت من العلم، أفلتُّ من هذا الأمر، يعني من العلم، لا لي ولا علي بالكفاف، يعني لا آخذ حسنات.

الآن الأفول بمعنى الغياب والذهاب، لكن ممكن في نسخة تكون: «ليتني أفلتُّ من هذا الأمر»، قصدك أفلتُّ؟ إذاً دعونا عن النسخ، ما دام أن «أفلت» هي نفس الفكرة، الآن إما أن يكون من الأفول أو من الفلتان، وفي النهاية ربما «أفلت» أوضح في هذا السياق، يعني ليتني أخرج من هذا العلم، لا لي حسنات، بس أهم شيء أنه ما يكون علي سيئات، كما قال عمر: «ليتني أخرج من الدنيا لا لي ولا علي».

قال: وما أدركت أحداً، قال سفيان: «وما أدركت أحداً أرضاه إلا قال ذلك»، يعني ليتني أخرج من العلم لا لي ولا علي. وبإسناد الزاهرية قال: بلغني أن في بعض الكتب أن الله عز وجل يقول: «أبثُّ علمي في آخر الزمان حتى في بعض الكتب»، يعني كتب الأوائل، كتب أهل الكتاب السابقة، حتى يعلمه الرجل والمرأة، والحر والعبد، والصغير والكبير، فإذا فعلت ذلك بهم، أخذتهم بحقي عليهم، يعني حاسبتهم على العلم الذي نشرته فيهم.

باب جامع القول في باب العلم في العمل بالعلم. وبإسناد عن ركب المصري قال: قال رسول الله ﷺ: «طوبى لمن تواضع في غير منقصة، وذل في نفسه في غير مسكنة، وأنفق مالاً جمعه في غير معصية، وخالط أهل الفقه والحكمة، ورحم أهل الذل والمسكنة. طوبى لمن طاب كسبه، وصفت سريرته، وكرمت علانيته، وعزّ عن الناس شره. طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله».

هذا موطن الشاهد: «طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله»، يعني لم يتكلم بكلام زائد عن الحاجة، هذا معنى «وأمسك الفضل من قوله»، يعني لم يتكلم بكلام فاضل زائد عن الحاجة.

وبإسناد عن أبي الدرداء قال: «ويل لمن لا يعلم ولا يعمل، وويل لمن يعلم ولا يعمل» سبع مرات. وقال بعض الحكماء: «لولا العقل لم يكن علم، ولولا العلم لم يكن عمل، ولا أن أدع الحق جهلاً به خير من أن أدعه زهداً فيه». يعني أن أترك الحق وأنا جاهل به خير من أن أترك الحق وأنا زاهد فيه؛ متى تترك الحق وأنت زاهد فيه بعد أن تتعلم؟

وقالوا: «من حجب الله عنه العلم عذبه على الجهل، وأشد منه عذاباً من أقبل عليه العلم فأدبر عنه، ومن أهدى الله إليه علماً فلم يعمل به». وقالت الحكمة: «يا ابن آدم، إن التمستني وجدتني في حرفين: تعمل بخير ما تعلمت، وتدع شر ما تعلمت». وعموماً الأصل في الشر أن يُترك جميعاً متى استطاع الإنسان ذلك.

وروي عن عيسى عليه السلام: «من علم وعمل وعلم، دعي في ملكوت السماوات عظيماً». يعني هي ثلاث وظائف باختصار، المطلوبة منك يا طالب العلم: تتعلم، وتعمل، وتعلم. إذا حصلت هذه العناصر في حياتك كنت عظيماً عند الله.

قال أبو بكر بن حماد فقال: وإذا امرؤٌ عملت يداه بعلمه .. نودي عظيماً في السماء مسودا

وهذا البيت في قصيدة له يرثي بها أحمد بن حنبل. ويقال إن في الإنجيل مكتوباً: «لا تطلبوا علم ما لم تعملوا، حتى تعملوا بما علمتم». وقال عيسى عليه السلام: «يكن حرصك على العمل أكثر من حرصك على التزود في العلم».

وقال عيسى عليه السلام للحواريين: «يحق أن أقول لكم إن قائل الحكمة وسامعها شريكان، وأولاهما بها من حققها بعمله، يا بني إسرائيل». ما يغني عن شريكين؟ كما مر معنا أنه العالم والمتعلم شريكان. قال: «يا بني إسرائيل، ما يغني عن الأعمى معه نور الشمس وهو لا يبصرها، وما يغني عن العالم كثرة العلم وهو لا يعمل به». يعني الأعمى إذا كانت معه كل الشمس مستفيد منها شيء وهو لا، لأنه لا يبصر، كذلك العالم لو كان معه كل العلم لكنه لا يعمل به، لم يستفد.

وقال رجل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله، قال الله عز وجل: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، فما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ فقال إبراهيم: من أجل خمسة أشياء. فقال: وما هي؟ قال: عرفتم الله فلم تؤدوا حقه، وقرأتم القرآن فلم تعملوا بما فيه، وقلتم نحب الرسول وتركتم سنته، وقلتم نلعن...

إبليس وطاعة، والخامسة تركتم عيوبكم وأخذتم في عيوب الناس. لذلك كثير من الناس اليوم يقول: والله يا شيخ ندعو كثيرًا ولا تلبى حوائجنا، ماذا حققت من هذه الأمور الخمسة؟ قبل أن تطلب من الله الإجابة، ماذا حققت من هذه الأمور؟

وقال عبد الله بن مسعود: «إني لأحسب الرجل ينسى العلم بالخطيئة يعملها، وإنما العالم من يخشى الله». ثم تلى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].

وبإسناد عن عبد الله بن مسعود قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أتيتك لتعلمني من غرائب العلم، فقال له رسول الله ﷺ: «ما صنعت في رأس العلم؟» قال: وما رأس العلم؟ قال: «هل عرفت الرب؟» قال: نعم. قال: «فما صنعت في حقه؟» قال: ما شاء الله. قال: «هل عرفت الموت؟» قال: نعم. قال: «فما أعددت له؟» قال: ما شاء الله. قال: «اذهب فاحكم ما هنالك، ثم تعال نعلمك من غرائب العلم». اذهب واحكم هذه الأمور ثم تعال أعلمك من غرائبها. طبعًا هذا الحديث موضوع لا يصح عن النبي ﷺ، لكن هذا من كلام أهل التصوف والزهد، هو كلام جيد وصحيح، لكن لا يرفع إلى النبي ﷺ بحال.

وبإسناد إلى سفيان قال: كتب ابن منبه إلى مكحول: «إنك امرؤ قد أصبت بما ظهر من علم الإسلام شرفه، فاطلب بما بطل من علم الإسلام عند الله محبة وزلفى، واعلم أن إحدى المحبتين سوف تمنع منك الأخرى». باختصار، يا بتحب الدنيا يا بتحب الآخرة، إذا أحببت الدنيا ستمنع من الآخرة، وإذا أحببت الآخرة فإنه ستمنع كثيرًا من الدنيا، هي هكذا الحال.

وقال الحسن البصري: «يبعث الله لهذا العلم أقوامًا يطلبونه ولا يطلبون حسبه، وليس لهم فيه نية، يبعثهم الله في طلبه كي لا يضيع العلم حتى لا يبقى عليه حجة». ما معنى هذا الكلام؟ ما معنى لا يطلبون حسبه؟ أحسنت، يعني لا يطلبونه لوجه الله. أحيانًا تعرف المقولة المختصرة أن «الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»، معناها أنه في بعض الأحوال قد يوجه الله بعض الناس ليطلبوا العلم لا يبتغون به وجه الله، ولا يحتسبون به شيئًا، وإنما شيء حبب إليهم يطلبونه ويعلمونه.

لماذا فعل الله بهم ذلك وجعلهم يسودون حتى تبقى الحجة قائمة على الناس؟ يعني يبقى العلم منتشرًا بينهم، لكن أنفس هؤلاء الطلاب ليس لهم شيء عند الله سبحانه وتعالى. فباختيارك، مجرد أن الله وجهك لطلب العلم لا يعني هذا ابتداءً أنك إنسان صالح، مجرد أن الله استعملك في طلب العلم، هل هذا بحد ذاته يعني أنك صالح؟ لا، لأنه يقول لك في ناس ربنا يستعملهم في العلم فقط حتى يقيم بهم الحجة على الناس، وإلا فهم فاسدون عند الله سبحانه وتعالى. إذا أردت أن تعرف صلاحك فانظر في عملك، باختصار فانظر في عملك ومجاهدته لقلبك.

وبإسناد عن أبي معمر قال: قال عمر لكعب: «ما يذهب العلم من قلوب العلماء بعد أن حفظوه ووعوه؟» فقال: «يذهبه الطمع وتطلب الحاجات إلى الناس».

وعن أبي بن كعب قال: «تعلموا العلم واعملوا به»، وعن أبي بن كعب قال: «تعلموا العلم واعملوا به، ولا تتعلموه لتتجمع به، فإنه يوشك إن طال بكم الزمان أن تتجملوا بالعلم كما يتجمل الرجل بثوبه».

وبإسناد عن معاذ بن جبل قال: «اعلموا ما شئتم أن تتعلموا، فلن يؤجر الله بعلمكم حتى تعملوا». وعن عبد الرحمن بن غنم قال: حدثني عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: كنا نتدارس العلم في مسجد قباء، إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فنسيت الحديث السابق، لكن حقيقة لا يصح على النبي ﷺ، هذا من كلام العلماء.

وروي عن النبي ﷺ مثل قول معاذ، من رواية عباد بن عبد الصمد عن أنس، فيه زيادة: «إن العلماء همتهم الرعاية، وإن السفهاء همتهم الرواية». العلماء همتهم الرعاية، ما معنى الرعاية؟ الرعاية مراعاة العلم، يعني أن تعمل به، أما السفهاء الذين يحصلون العلم ولا يعملون به فهمهم الرواية فقط، يعقد الدروس والمجالس لكنه لا يعمل بعلمه.

وبإسناد عن أنس بن مالك مثله، هكذا حدثنا به موقوفًا وهو أولى من رواية من رواه مرفوعًا، وعباد بن عبد الصمد ليس ممن يحتج به، بل هو ممن لا يشتغل بحديثه لأنه متفق على تركه وتضعيفه.

وروي عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله قال: «مررت بحجر مكتوب عليه، فقلبت فإذا عليه مكتوب: أنت بما تعلم لا تعمل، فكيف تطلب علم ما لم تعمل؟».

وقال مكحول، ونختم بهذا الأثر: قال مكحول: كان رجلًا يسأل أبا الدرداء، فقال له: «كل ما تسأل عنه تعمل به؟» فقال: «لا»، قال: «فما تصنع بزيادة حجة؟». يعني لا تستكثر من العلم إذا لم تكن تعمل، لأنك تتزين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.