بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله أيها الكرام في مجلس جديد من مجالس المدارسة، هذا المجلس المطول الذي نعقد في قراءة مصنفات أهل العلم والنظر فيها. وحقيقة مثل هذه المجالس، وانشغال العمر بحضور كتب أهل العلم والنظر في مصنفاتهم، من النعيم المعجل. وينبغي على طالب العلم ألا يفوت على نفسه الفرص، فإن الحياة فرص، وعندما ينقضي هذا العمر ويطوى الإنسان تحت الثرى، سيحمد الإنسان هذه المجالس.
نعم، لربما كسدت كثير من الأسواق العلمية، وما عاد الناس يهتمون بالدراسة الشرعية الدقيقة وتحرير كلام... وما شابه ذلك بسبب ملهيات الحياة. لكن أنت يا طالب العلم عليك أن تثبت على هذا الثغر ولا تستسلم، عليك أن تبقى شامخًا بمنهجك العلمي، وأن تبقى واثقًا بالطريق الذي خطه إلى الله سبحانه وتعالى، حتى لو بقيت وحدك في هذا الطريق. إياك أن تتزحزح، فإن هذا طريق شريف، وهذه الساعات هي الساعات الحقيقية في الحياة.
فإن الإنسان لو لم يحضر مثل هذه المجالس أين سيكون الآن؟ ربما سيكون في مطعم أو مشرب أو مجلس عام، أو بعض الناس على وسائل التواصل الاجتماعي. المهم، لربما تكون دنيا. نعم، البعض قد يكون ربما أيضًا في مشاغل مهمة تهمه وتهم مجتمعه بالتأكيد، فهناك أبواب كثيرة للخير، لكن أنا أتكلم عن كثير من الناس، كثير من الناس يحب مجالس البطالة، يحب مجالس الفراغ، يحب ألا يتعب، ويحب أن لا ينصب، وأن لا يكون هناك جهد كبير في الحياة، ويبحث عن الدنيا. ولكن هذه الدنيا ستخدع، أو ستعقب عليها أصابع الندم في يوم من الأيام؛ لأنه كان بإمكانك أن تستغل كثيرًا من ساعات العمر في أمور نافعة، في أمور تقودك إلى الله سبحانه وتعالى، وأنت كنت مصرًا على أن تضيع هذه الساعات من بين يديك في ملهيات الحياة الدنيا.
فهي نصيحتي لنفسي ولإخواني بأهمية أن يبقي الإنسان همته عالية، وأن يواظب على الدرس والحضور، وأن يواظب على القراءة والنظر، وأن يواظب على المراجعة والمذاكرة؛ فإن هذه هي الحياة، وما عدا ذلك من الحياة فإنما هي: ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [التغابن: 16]. فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا المعرفة والبصيرة، وأن يرزقنا العلم، وأن يرزقنا العمل، وأن يوفقنا إليه، ولي ذلك والقادر عليه.
ما زال حديثنا مع الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى قائمًا في هذا الصنف السفر المبارك، وصلنا إلى قول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.
ساق المصنف في إسناده إلى عبد الله بن مسعود قال: «إن الناس أحسنوا القول كلهم، فمن وافق قوله فعله فذلك الذي أصاب حظه، ومن خالف قوله فعله فإنما يوبخ نفسه». وابن مسعود رضي الله تعالى عنه ما زال الحديث قائمًا في قضية العمل بالعلم، وأهمية أن يكون العلم ليس فقط من الناحية النظرية في حياة المسلم، بل أن ينزل إلى واقع حياته العملية. فابن مسعود ماذا يقول؟ يقول: الناس كلها تحسن الحديث، لكن العبرة بالذي يعمل. إن الناس كلها تحسن القول، يعني الناس كلها تنظر، والناس كلها تعطي مواعظ، والناس كلها تتكلم وتنصح وتدعو، لكن العبرة بما الذي يعمل بعد ذلك؟ لذلك قال: «فمن وافق قوله فعله فذلك الذي أصاب حظه»؛ هذا الصادق الذي كان عمله في الحياة موافقًا لما يأمر به الناس ويحث عليه. وأما من يقول شيئًا ويخالفه بعد ذلك بأفعاله فذلك الذي يوبخ نفسه؛ يعني كأنك إذا نصحت الناس بشيء وأنت لا تفعله، أنت توبخ نفسك؛ لأنك أنت أول شخص لا يمتثل لما تنصح به الآخرين.
وبإسناد عن الحسن قال: «اعتبروا الناس أعمالهم ودعوا أقوالهم، فإن الله لم يدع قولا إلا جعل عليه دليلا من عمل يصدقه أو يكذبه». فإذا سمعت قولًا حسنًا فرويدًا بصاحبه؛ فإن وافق قوله فعله، فنعم ونعمة عين، يعني واكرم به وأكرم به من شخص. أما إذا هو ينصح في النهار وفي الليل يعصي، أو ينصح وتصرفاته خلاف ما يقول، فدعك منه فإنه ليس بصادق.
وذكر مالك أنه بلغه عن القاسم بن محمد قال: «أدركت الناس وما يعجبهم القول، وإنما يعجبهم العمل الجميل». هذه الفكرة؛ قال: «أدركت الناس» يعني السلف، أنهم لا يقيسون الإنسان بكلامه، فالكل يحسن الوعظ، «وإنما يقيسون بأعماله»، ينظرون في سمته وهديه وكلامه وتصرفاته وأموره وصلاته، فإذا أعجبهم عمله قالوا هذا الرجل، وأما الكلام فالكل يحسن أن يتحدث.
وقال المأمون: «نحن إلى أن نُوعظ بالأعمال أحوج منا إلى أن نُوعظ بالأقوال». ما معنى هذا الكلام؟ قد يرعوي ولا يروي، ويروي ولا يرعوي. لذلك أنا قلت لكم هي «رِعاء» وليست «وِعاء». ماذا قال بعد ذلك؟ «فكونوا...»؛ فإنه قد يرعوي ولا يروي، يعني أنا ممكن أسمع معلومة تفيدني وأرعوي في حياتي، مع أني لست حافظًا لها صح، ما استطعت أن أرويها، ممكن أنتفع بالعلم وإن كنت لم أستطع أن أرويه لأنني لم أتقنه. وفي المقابل، هناك كثير من الناس يروي العلوم بالأسانيد والمنظومات والقرآن والسنة، لكنه لا يرعوي؛ يعني لا يجعل العلم يتقي الله سبحانه وتعالى. فبالتالي النتيجة الأهم التي خلاصة يجب أن أصل إليها هي أن أفهم العلم وأن أعيَه ليكون واقعًا في حياتي.
قال عن أبي الدرداء أنه قال: «لا تكون تقيًا حتى تكون عالمًا، ولا تكون بالعلم جميلاً حتى تكون به عاملًا». قال أبو عمر: من قول أبي الدرداء هذا -والله أعلم- أخذ القائل قوله: كيف هو متقي ولا يدري ما يتقي؟ لأنك إذا أردت أن تكون متقيًا، فما معنى التقوى؟ اجتناب المحارم، اجتناب ما يقضب الله عز وجل من المحارم والمعاصي والذنوب. طيب، إذا هذا يستلزم أنني...
تعلّم ما هي المحارم وما هي الذنوب فكيف ستتقيها؟ هذا يحتاج إلى تعلم الحلال والحرام. فكيف تتقي الله وأنت لا تتعلم ما الأمور التي ينبغي أن تتقيها؟ هذا لا يمكن.
قال الحسن: «العالم الذي وافق علمه عمله، ومن خالف علمه عمله فذلك راوية حديث»، سمع شيئًا فقاله. جيد، أحسنت، هذا مجرد إنسان. وكثير ما كنا نقوله لكم: إنه لا يغرنك إنسان ما شاء الله متبحر في القراءة أو متبحر في الحفظ، أو إنسان يحمل الألقاب العالية والفضيلة والسماحة؛ هذه كلها لا تغرني. هذا إنسان جمع علمًا فرواه، أنا حتى أحكم عليك أن أنظر في أفعالك وواقعك.
قال: «العالم الذي وافق علمه عمله»، العلم والعمل منسجمين. «ومن خالف»، قال: «فذلك راوية حديث»، سمع شيئًا فرواه. وهذا ما أكثرهم اليوم؛ سمع شيئًا فرواه وصدر نفسه على أنه عالم، وغر الناس بكثرة محفوظاته أو كثرة مروياته أو كثرة إجازاته، لكنه لما يأتي واقع الأمة لا يكون موجودًا. هذا راوية حديث كما قال، راوية علم لكنه ليس العالم الذي يمتدح ويثنى عليه.
ويروى أن سفيان الثوري كان ينشد متمثلًا، وهي لسابقة البربري: إِذَا العِلْمُ لَمْ تُعْمَلْ بِهِ كَانَ حُجَّةً ... عَلَيْكَ وَلَمْ تُعْذَرْ بِمَا أَنْتَ جَاهِلُ فَإِنْ كُنْتَ قَدْ أُوتِيتَ عِلْمًا فَإِنَّمَا ... يُصَدِّقُ قَوْلَ المَرْءِ مَا هُوَ فَاعِلُ
ويروى أن الحسن البصري كان يتمثل بهذا -والله أعلم-، وأنشد الرياشي: مَا مِنْ رَوَى أَدَبًا فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ ... وَيَكُفَّ عَنْ زَيْغِ الهَوَى بِأَدِيبِ حَتَّى يَكُونَ بِمَا تَعَلَّمَ عَالِمًا ... فَيَكُونَ غَيْرَ مَعِيبٍ وَلِقَلِّ مَا تَجْدِي إِصَابَةُ عَالِمٍ أَعْمَالُهُ غَيْرُ مُصِيبةِ
وقال منصور: ليس الأديب أخي الرواية للنوادر والغريب، ولشعر شيخ المحدثين أبي نواس أو حبيب، بل ذو التفضل والمروءة والعفاف هو الأديب. ليس الأدب أن تكون حافظًا لأشعار هؤلاء الشعراء وترويها وتحفظ الكتب والمصنفات، إنما الأدب الحقيقي أن تكون ممتثلًا في حياتك وواقعك للأخلاق والسلوكيات الصحيحة.
وبإسناد عن عثمان بن زفرة قال: سمعت أخي مزاحم بن زفر يذكر عن سفيان قال: «ما عملت عملًا أخوف عندي من الحديث». قال مزاحم أو غيره عنه: «ولوددت أني قرأت القرآن وفرضت الفرائض ثم كنت من عرض بني ثور». يقول: ما عملت عملًا أخوف عندي من الحديث، لماذا؟ لأنه أقام الحجة على نفسه. قال: أخوف شيء أنا عملته، أخشى من أن يحاسبني الله عليه، أنني طلبت الحديث ورويته. أنت بالنسبة لك هذا أعظم شيء، تعتبر أنني رويت الحديث، وبالنسبة لسفيان أقول لك: أخوف شيء علي لأنني أعلم أنني سأسأل أمام الله عن هذا الحديث، ماذا عملت به؟ هذه قضية مهمة ننتبه لها، لأنه كما أن طلب العلم نعمة لكنه مخيف لمن لا يعمل؛ مخيف لمن لا يعمل لأنه يتكثر من حجج الله عليه.
وعن سفيان قال: وجدتها أنها قطعت منها هنا ولم أروِ الحديث، الله المستعان. وبإسناد عن مكحول في قول الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 73]، قال: أئمة في التقوى يقتدي بنا المتقون، هذا معنى تفسير الآية.
وقال الثوري: «العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شغلوا، فإذا شغلوا فقدوا، فإذا فقدوا طلبوا، فإذا طلبوا هربوا». طبعًا هذا وجهة نظر، في لحظات معينة يكون فيها العلماء كثرة، فيمكن للعالم إذا شعر بالفتنة أن يهرب بدينه، لكن هذا اليوم لا يصلح؛ إذا العالم سيهرب ويقول لك أريد أن اعتزل من أجل العمل، فمن سيعلم الناس الخير؟ فما قاله سفيان قد يصلح في بيئات معينة لكن ليس قاعدة؛ أصل في العالم ألا يعتزل الناس، أن يكون بين أظهرهم ليعلمهم أمر دينهم.
وقال بشر بن الحارث: «إنما أنت متلذذ تسمع وتحكي، إنما يراد من العلم العمل، اسمع وتعلم واعلم وعلم واهرب». ألم ترَ إلى سفيان كيف طلب العلم فعلم وعمل وهرب؟ وهكذا العلم إنما يدل على الهرب. هو سفيان هرب لما طلب للقضاء لما طلبه سلاطين الزمال للقضاء، هرب وليس المراد أنه هرب من طلاب علم أتوا ليتعلموا منه، فهرب لأنه لازم نفهم متى هرب سفيان؛ لما رأى أنه سيجبر على القضاء والقضاء فتنة، فقال اهرب بدينك، وهذا فعله سفيان، وفعله أبو حنيفة، وفعله طائفة من أهل العلم. وهكذا العلم إنما يدل على الهرب عن الدنيا ليس على طلبها.
وقال الحسن: «لا ينتفع بالموعظة من تمر على أذنيه صَفْحة»، كما أن المطر إذا وقع في أرض سبخة لم تنبت. يقول لك الآن: أنتم تحضرون مجالس علمية كثيرة، أليس كذلك؟ وتسمعون من الوعظ والنصائح، كثير من الناس هو يسمع الموعظة بأذنه فتخرج من الأذن الأخرى. هذه النوعية لا تنتفع بالعلم، إنما عليك إذا سمعت النصيحة أو الفائدة العلمية أن تقر في قلبك وأن توطن نفسك على العمل بها، قال: هذا الذي ينتفع، وأما الذي تدخل مجرد الموعظة إلى أذنه وتخرج من الأذن الأخرى، فهذا كمثل مائع نزل على أرض سبخة لا تصلح للزراعة، هل ستنفع الأرض؟ لن تنتفع الأرض بهذا الماء.
وأنشد ابن عائشة: إِذَا قَسَا القَلْبُ لَمْ تَنْفَعْهُ مَوْعِظَةٌ ... كَالْأَرْضِ إِنْ سُبِخَتْ لَمْ يُحْيِهَا المَطَرُ وَالقَطْرُ تَحْيَا بِهِ الْأَرْضُ الَّتِي قَحْطَتْ ... وَالقَلْبُ فِيهِ إِذَا مَالُوهُ مُزْدَجَرُ
وقال مالك بن الدينار: «ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب»، نال الله العافية. وقال الأصمعي: سمعت أعربي يقول: «إذا دخلت الموعظة أذن جاهل مرقت من الأذن الأخرى». وقال مالك بن الدينار: «إن العالم إذا لم يعمل زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا». هذه فكرة أيضًا تتكرر ما قاله مالك بن الدينار؛ إذا كنت تعظ الناس وتهتم بتعليمهم الخير وأنت غير صادق في باطنك، فإن موعظتك تزل عن قلوبهم ولا يكون لها أثر في نفوسهم، كما أن الماء إذا نزل على الصفا -وهو الحجر الأملس- لا يثبت، يتدحرج.
ويذهب كذلك، أنت إذا أردت أن يكون لكلامك وقع في قلوب من حولك، عليك أن تعمل؛ لأنك إذا لم تعمل لا يوفق الله تلك الكلمات التي خرجت من فيك حتى تنغرس في قلوب سامعك، هذه هي القاعدة.
قال وكان سوار يقول: «كلام القلب يقرع القلب، وكلام اللسان يمر على القلب صفحة». ما معنى هذا الكلام؟ يا شيخ، الكلام الذي يخرج من القلب حين كلم به الإنسان مؤثر في قلبه فيؤثر في قلوب الناس، أما الكلام الذي هو فقط على لسانك، مجرد على لسانك أيها الواعظ، فلا قيمة له، يمر على القلوب؛ أي قلوب السامعين؟ الكلام الذي يخرج من قلبك يدخل في قلوب السامعين، والكلام الذي يخرج من اللسان وأنت في قلبك غافل لاهٍ، يمر على قلوب السامعين مرور الكرام ولا يؤثر فيهم.
قال وقال زياد بن أبي سفيان: «إذا خرج الكلام من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان لم يجاوز الآذان».
وقال أنشد رجاء بن سهل: وإن موعظة امرئ متنازع ... عن قوله بفعاله هذيانه هذه الموعظة التي لا يوجد معها عمل هي نوع من الهذيان؛ تعرف الهذيان؟ يعني إضاعة الوقت أو حالة من العقل الغافل.
وعن سلمان قال: «يوشك أن يظهر العلم ويخزن العمل، يتواصل الناس بألسنتهم ويتقاطعون بقلوبهم، فإذا فعلوا ذلك طبع الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم». وبعضهم يروي هذا الحديث عن سلمان عن النبي ﷺ مرفوعًا، عليه الصلاة والسلام، لكنه لا يصح مرفوعًا.
وقال بعض الحكماء: «إذا كانت حياتي حياة السفيه وموتي موت الجاهل، فما يغني عني ما جمعت من غرائب الحكمة؟». وقال الحسن: يعني إذا كانت تصرفاتي في حياتي تصرفات السفهاء وموتي موت الجهلاء، فما فائدة الحكمة التي جمعتها وطلب العلم الذي انشغلت فيه؟ وهذا تعزيز لفكرة العمل؛ أن حياة العالم أو طالب العلم ينبغي أن تكون حياة ليست حياة السفهاء الجاهلين أصحاب المعاصي والذنوب، بل حياة الراشدين.
وقال الحسن: «يا ابن آدم، ما يغني عنك ما جمعت من حكمة الحكماء وأنت تجري في العمل مجرى السفهاء؟». هي نفس الفكرة. وقال أبو عبد الرحمن العطوي: «أي شيء تركت يا عارفًا بالله للمبتلين والجهال؟».
وقال منصور الفقيه: أيها الطالب الحريص تعلم ... أن للحق مذهبًا قد ظللته لو ركبت السحاب في نيله ... لم يقدر الله نيله ما أخذته أو جرت عاصفات ... ريحك كي تسبق أمرًا مقدرًا ما سبقته فعلام العناء إن كان في الحق سواء طلبته أو تركته؟ يعني إذا كنت تطلب الحق، لكن سواء طلبته أو تركته، أنت لا تعمل به، ليس يجدي عليك علمك إن لم تكن مستعملًا لما قد علمته. قد لعمرِي اغتربت في طلب العلم ... وحاولت جمعه فجمعتها ولقيت الرجال فيه وزاحمت ... عليه الجميع حتى سمعته ثم ضيعت أو نسيت وما ينفع ... علم نسيته أو أضعته وسواء عليك علمك إن لم يجد ... نفعًا عليك أو ما جهلته يا ابن عثمان فازجر والزم البيت وعش قانعًا ... بما قد رزقته كم إلى كم تخادع النفس جهلًا ثم تجري خلاف ما قد عرفته ... تصف الحق والطريق إليه فإذا ما عملت خالفت سمته ... قد لعمري محطك النصح يا ابن عثمان جاهدا إن قبلته.
كلام جميل، هذه الأبيات لطيفة. وقال عبد الملك بن إدريس: والعلم ليس بنافع أربابه ... ما لم يفد عملاً وحسن تبصر أي علم من لم يستفد عملاً به ... وصلاح من لم يحرِ فاعمل بعلمك توف نفسك وزنها لا ترضى بالتي ... وزن المخر.
جميل، وبإسناد عن عبد الله بن مسعود قال: «تعلموا، فإذا علمتم فاعملوا». جميل، وبإسناده عن عباد التمار قال: «رأيت أبا حنيفة في النوم فقلت له: ما فعل الله بك يا أبا حنيفة؟ فقال: غفر لي. فقلت له: بماذا؟ فقال: بقول الناس في ما لم يعلمه الله أو ما لم أكن عليه».
هذا أبو حنيفة أعطاكم إياها من الخلاصة. قال: غفر الله لي بماذا؟ قال: بقول الناس في ما لم يعلمه الله أو ما لم أكن عليه. وأنتم تعرفون الواقع والفتنة التي تقع في أمثال هؤلاء الرجال، وكم يقال عن أبي حنيفة وينال في ساحته، وأنه قيل وفعل والرجل ليس كذلك. لذلك الكبار مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم هم يدركون أن أكثر ما قيل عن أبي حنيفة ليس بصحيح، وإنما أبو حنيفة رحمه الله تعالى عاش في زمن فتنة، وعاش في منطقة فتنة في الكوفة، وعاش في زمن قل فيه الفقهاء المبرزون على طريقته وكثر فيه الرواة، وهذا صنع جانبًا من الشحناء والحسد والتباغض، وظروف اجتماعية مر بها الرجل جعلت كثيرًا من الناس يقولون فيه التجهم وفي خلق القرآن وفي كثير من العقائد شيء لم يقله.
لذلك شيخ الإسلام في مجموع رسائله قال: «ولم يثبت عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى عنه شيء مما يقال فيه إلا ما هو معروف عنه في إرجاء الفقهاء». وبالتالي على طالب العلم أن يتوازن وأن يهدأ، ولا يكون مندفعًا وهو يظن أنه يحق حقًا عندما يخوض في عرض هذا الإمام العظيم ويخوض في علمه وما نقل عنه، حتى لو كان ما نقل عن نقله بعض الأفاضل من العلماء كالخطابي البغدادي وغيره. في النهاية لمرحلة معينة أقول للطالب: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 134]. أنت في النهاية تعامل مع العلم كنقد للفكرة، وتتعامل معه كرجل؛ هذه كفكرة منهجية في حياتكم العلمية عندما يأتي شخصية جدلية كثر فيها الجذب والرد، وكثير من الناس يقول إن الرجل متهم بشيء لم يقله ونُسب على لسانه ما هو كذب ويأتي.
علماء كبار من علماء السنة، كابن تيمية وابن القيم، يؤكدون هذه الفكرة. لك هنا، بغض النظر عن مدى اقتناعك وعدم اقتناعك، الموقف الصحيح هو أن تقف عن الخوض، هذا ما أدين الله به، وأن تترحم عليه وأن تحسن الظن، ولا تتجاوز ذلك، وأما أن تبدأ تقول لا ما هو صح ابن تيمية، لكن في غير ابن تيمية.
قال: إن أبا حنيفة... يا أخي الكريم، ما هو المطلوب منك؟ وإلى ماذا تريد أن تصير؟ هذا هو السؤال، النتيجة النهائية ماذا تريد؟ هل أنت مطلوب منك أن تحكم على أبي حنيفة؟ هل ستُسأل في قبرك عن أبي حنيفة؟ إذا وقفت بين يدي الله سيسألك: ماذا كان موقفك من أبي حنيفة؟ لو وقفت بين يدي الله وقلت: يا رب قرأت كثيرا ووصلت إلى أن هذا الرجل عليه كلام كثير، ألن يكون هذا عذراً لك بين يدي الله؟
فأحياناً بعض الطلبة تجد عنده نوعاً من الاندفاع غير المنضبط، يظن نفسه ينصر حقاً ويرفع لواءً ويحقق سنة، وهو في غاية البعد والهوى، وفي غاية البعد وعدم دراية بمسالك الأوائل. لا أظن أنك ستكون أورع من ابن تيمية رحمه الله تعالى، أو أكثر حرصاً من هؤلاء علماء السنة الكبار الذين حموا هذه العقيدة بدمائهم وأرواحهم وسجنوا من أجل مسائل.
ابن تيمية رحمه الله، تعرفون في ماذا سجن؟ في مسألة زيارة القبور، مات في سجنه بسبب مسألة، أنت لو ربما في اليوم رحت اختبار ممكن تضع عليها بس خلينا نتعين صح ولا لا، تعتبرها مسألة سهلة، ابن تيمية سجن من أجلها ومات في سجنه من أجلها؛ لما جاءت شخص بإصراره وحزمه.
ينقل عن أبي حنيفة بالإنصاف، أن هذا الرجل كُذب عليه واتهم بما ليس فيه، وصارت ما عنده من الأخطاء تنحصر في آراء الفقهاء، هذا يجعلك تتوقف، هؤلاء حماة الشريعة قالوا هذا الكلام، بالتالي أنا أريد أن أكون أهدأ وأكثر روية، وعلى الأقل إذا لم ترَ قول ابن تيمية في سياقه ورأيت نفسك أعدل من ابن تيمية في الحكم على أبي حنيفة، على الأقل هذا يجب أن يسبب لك شيئاً من الورع أن تتوقف، هذا أحسن أحوالك.
أما هذه الاستماتة في إسقاط الرجل وكأنك في معركة كسر عظام، يا أنا أبو حنيفة، فهذا نوع من الجهل أيها الأحبة، وهذا من يعلمكم إياه أخطأ خطأً كبيراً فادحاً، ولم يحسن التربية ولم يحسن التوجيه ولم يحسن النصيحة، وإن كان هو قد يكون متأولاً فيعذر الله في تأويله أيضاً. المخالف لك، باب التأويل باب واسع للجميع، أنت لا تضع في شخص وتترك عن شخص. ومن أخطأ في مقام أبي حنيفة أقول غفر الله له، وأتأول له حرصه على الدين وحرقته على الدين، حتى يكون كلامي جامعاً للجميع.
لكن في النهاية أنا أقول لكم أيها الناشئة: دعوكم من هذه النظرة في التربية، وانشغلوا بالعلم الحقيقي، انشغلوا بما يقربكم من الله، بالعلم النافع، بتحرير المسائل. وأما الانشغال بالأشخاص، فهو انشغال غير منتج وغير مفيد للأمة، هذا أنا أسميه جانباً من الحرمان، وإن كنت أنت قد تتصنع أن فيه نصراً للدين ورفعاً، لكن أحياناً الشيطان قد يخدعك ويلبس ما تقوم به لباس السنة والحفاظ على الدين، وأنت تكون تتخبط في مسالك غير مرضية.
حتى لا أفتح المجال في هذه النقطة سامحوني، أريد أن أتجاوزها، لأن إذا فتحت النقاش... ما هي الجملة؟ يقول: "لم يعلمه الله" أو "ما لم أكن عليه"، يعني كان نوعاً من الشك في الرواية، يقول الناس في "ما لم يعلمه الله" أو الرواية يقول الناس في "ما لم أكن عليه" شك من الراوي والله أعلم في الرواية. حتى الأصل، هو لما يقول لك "يقول الناس في ما لم يعلمه الله"؛ أي شيء لا يعلمه الله؟ شيء ليس موجوداً أصلاً، أنا أقول لك هذا الشيء لا يعلمه الله لأنه أصلاً غير موجود، ولو كان موجوداً لعلمه الله سبحانه وتعالى، فهذا تأكيد أنه شيء غير موجود. هو يريد أن يؤكد أن هذا الشيء غير موجود، أي شيء يعلمه الله، فلما يكون ما في شيء، إذاً هو ليس محلاً للعلم الإلهي لأنه عدم.
قال وأنشد ابن الأنباري: إذا كنت لا ترتاب أنك ميتٌ ... ولست لبعد الموت تسعى وتعملُ فعلمك ما يجدي وأنت مفرطٌ ... وذكرك في الموتى معدٌّ محصلُ
وقال منصور بن إسماعيل الفقيه: إذا كنت تعلم أن الفراق فراق الحياة قريبٌ قريبٌ ... وأن المعدّ جهاز الرحيل ليوم الرحيل مصيبٌ مصيبٌ وأن المقدمة ما لا يفوت على ما يفوت معيبٌ معيبٌ ... وأنك عن ذاك لا ترعوي فأمرك عندي عجيبٌ عجيبٌ
وهذه مرت معنا البارحة في "الداء والدواء" لما تكلم ابن القيم عن أهمية الموازنة بين ما يفوت وما لا يفوت، إذاً بتذكر في الزمن الجميل.
وقال: "وإنك عن ذاك لا ترعوي"، فقال: الحسن الذي يفوق الناس في العلم، جدير أن يفوقهم في العمل. هذا كلام جميل، يعني أقول لك إذا أنت تريد أن تفوق الناس في العلم فحري بك أيضاً أن تفوقهم في العمل. وأنا حقيقة دائماً ما أقول لنفسي ولإخواني إن كثيراً من العامة في عمله أفضل من طلاب العلم، كثير من عوام المسلمين للأسف -وهذه منهجية خاطئة- في عمله وسمته أفضل من كثير من طلاب العلم، فهو يقوم الليل، ذاك الرجل الذي أنت تراه عامياً يحرص على ورد من القرآن، يغض طرفه عن الحرام، سليم الصدر على إخوانه. بينما طالب علم يقول لك أنا طالب علم، أفوق الناس في العلم، انظر في عمله: لا يقوم الليل، لا يقرأ القرآن بشكل جيد، سيء الأخلاق، قلبه مليء على إخوانه، أيهم أفضل؟ العوام. فلذلك يقول الحسن البصري: "الذي يفوق الناس في العلم، حري به أن يفوقهم في العمل"؛ يعني أنت لا تتميز في ميدان العلم ثم أراك آخر الركب في ميدان العمل، هذا عيب بطالب العلم.
وقال فضيل بن عياض: قال لابن المبارك: «أكثركم علماً ينبغي أن يكون أكثركم خوفاً». نفس الفكرة. وقال بعض الحكماء: «ما هذا الاغترار مع ما نرى من الاعتبار؟»؛ يعني يتعجب: من أين كل هذا الاغترار وطول الأمل مع ما ترى من الاعتبار ممن مات ودُفن، أو عُذب، أو انتقم الله منه؟ من أين حصلت هذا الاغترار؟ بستر الله. وعن الحسن في قوله...
عز وجل: ﴿وَعَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 31]. قال: علمتهم، فعلموا ولم يعملوا، فوالله ما ذلكم بعلم.
وقال سفيان الثوري: وهذا معنى الآية؛ علمتم أنتم وآباؤكم ولم تعملوا بعلمكم. وقال سفيان الثوري: «العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل».
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، يقول: «ما استغنى أحد بالله إلا احتاج الناس إليه، وما عمل أحد بما علمه الله عز وجل إلا احتاج الناس إلى ما عنده».
جميل هذا الكلام؛ ما استغنى أحد بالله وافتقر إلى الله وقطع الرجاء من المخلوقين إلا احتاج الناس إليه. وما عمل أحد بما علمه الله إلا احتاج الناس إلى ما عنده، فالذي يعمل بما يعلمه الله إياه يستفيد الناس منه ويحتاجون ما عنده.
وبإسناد عن إبراهيم قال: «من تعلم علماً يريد به وجه الله والدار الآخرة، آتاه الله من العلم ما يحتاج إليه».
ويروى أن عيسى عليه السلام قال للحواريين: «لست أعلمكم لتعجبوا، إنما أعلمكم لتعملوا»، ليست الحكمة القول بها، وإنما الحكمة العمل بها. «لست أعلمكم لتعجبوا»، أي بأنفسكم. إن كانت «لتعجبَ» بالفتح، فيمكن أن يحمل على إرادة أن تتعجبوا من المسائل وتنبهروا بها، تمام، لكن لو قلت «لتعجبَ» أي لتعجب بأنفسكم، ممكن يكون هذا الأليق بالسياق، العجب بالنفس.
قال: وكان بعض الحكماء يقول: «نفعنا الله وإياكم بالعلم، ولا جعل حظنا منه الاستماع والتعجب». أمين، أمين.
وقال أيوب، والتعجب هذه قد تؤيد رواية التعجب، هذه قضية، يمكن يؤيد ما روي في النقل السابق إذا صحت أنها تعدو. قال أيوب السختياني: قال لي أبو قلابة: يا أيوب، إذا أحدث الله لك علماً فأحدث له عبادة، ولا يكن همك أن تُحدث به. هذه شرحناها المجلس السابق.
وقال علي بن الحسين رضي الله عنه: كان نقش خاتم حسين بن علي رضي الله عنه: «علمت فاعمل». وعن مالك بن مغول في قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: 100]. جميل هذه الفكرة، أن الإنسان يضع أمامه مثلاً على الجوال أو في بيته ملصقاً يذكره بالقضية. هنا شوف الحسن ماذا فعل، كان واضعاً على نقش خاتمه: «علمت فاعمل». هذا يعطيك فكرة أنه ممكن الإنسان لما يجد موضوعاً معيناً كثير ما يغفل عنه، يضع هكذا أمام ناظريه دائماً، شاشة جوالك مثلاً، أو حائط غرفة النوم، تضع عليه فكرة معينة، هذا من مسالك السلف حتى ينبه نفسه على هذه الفكرة التي قد تضيع.
وعن مالك بن مغول في قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ قال: «تركوا العمل به». هذا معنى أن أهل الكتاب نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، أي تركوا العمل به. فكل طالب علم يعطيه الله القرآن أو السنة أو العلم النافع ولا يعمل به، تصدق عليه هذه الآية أنه نبذ القرآن وراء ظهره، شوف الكلام المخيف والذي يجب على الإنسان أن ينتبه له.
ومن حديث علي رضي الله عنه، قال: قال رجل: يا رسول الله، ما ينفي عني حجة الجهل؟ قال: «العلم». قال: فما ينفي عني حجة العلم؟ قال: «العمل». تريد أن ترفع الجهل عن نفسك عليك بالعلم، طيب إذا طلبت العلم فأصبح حجة عليك، فعليك بالعمل، هي هكذا التسلسل المنطقي.
وقال الحسن: «إن أشد الناس حسرة يوم القيامة رجلان: رجل نظر إلى ماله في ميزان غيره، سعد به وشقي هو به، ورجل نظر إلى علمه في ميزان غيره، سعد به وشقي هو به».
وروينا عن الشعبي أنه قال: «كنا نستعين على حفظ الحديث بما...». طبعاً هذا الكلام، أنا أيضاً أحب أن تكون كل جملة مفهومة في هذا الكتاب، هذه منهجية إخواني؛ لما تقرأ أي كتاب إذا أردت أن تكون طالب علم جاد، لا تمر عليك كلمة ما تفهمها، يعني لازم يكون عندك ما أسميه «الوسوسة العلمية». الآن في وسوسة وضوء لا نريدها، وفي وسوسة في الصلاة ما نريدها، بس في وسوسة في العلم أريدها. ما هي الوسوسة في العلم؟ أنك تشعر في داخلك: أنا ما بعرف أمشي كلمة مش فاهمها، هذه ستجعلك إنساناً مبرزاً. أما طالب العلم الذي يقرأ الكتاب، نص ما فهم، خلص، انتقل إلى الذي بعده، هذا لا ينفع. بدك تكون عندك وسوسة وهمة عالية وشريفة، أنك لا تقبل أن تختم كتاباً وفيه كلمة غير مفهومة لك.
هنا ماذا قال؟ قال: «إن أشد الناس حسرة يوم القيامة رجلان: رجل نظر إلى ماله في ميزان غيره، سعد به وشقي هو به، ورجل نظر إلى علمه في ميزان غيره، سعد به وشقي هو به». كيف؟ هذا الرجل أنفق في سبيل الله، والناس انتفعوا بعلمه. يعني رجل أعطى المال للآخرين رياءً وسمعة، والآخرون انتفعوا به وبذل في أوجه الخير، فهذا المال بالنسبة للآخرين كان ثواباً لهم وسعدوا به، وأما أنا صاحب المال الأصلي شقيت به لأنه كان رياءً. والشيء نفسه في العلم؛ أنا أعلمك معلومة أنت استفدت منها واستثمرت فيها، في يوم القيامة لما أرى ميزانك، أرى الشيء الذي علمتك إياه حسنات عندك، وأراه سيئات عندي. فهذا من أعظم الناس حسرة، الذي يرى علمه الذي نقله للناس هو في موازين الآخرين حسنات، وفي ميزانه هو سيئات لعدم صدقه في تعليمه، مشكلة وحسرة عظيمة جداً.
وروينا عن الشعبي أنه قال: «كنا نستعين...»، والمراد أنه عمل غير مقبول رياءً وسمعة، لم يعمل بعلمه، خليك على المفهوم العام. كيف شقي هو بعلمه؟ أنه نافق فيه ورأى فيه ولم يعمل به، فكلمة الشقاء هي التي دلتنا أنه عنده مشكلة في أثناء تقديمه للعلم.
فهمت، نعم. قال وروينا عن الشعبي أنه قال: «كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به».
هذه فكرة جيدة لمن ينسى كثيرا؛ إذا كان عندك شيء في الحديث النبوي تنساه، فأفضل طرق تثبيت الحفظ أن تعمل بحفظك. أنا أنسى يا أخي، كلما دخلت دورة المياه أنسى دعاء دخول دورة المياه. كرروا بعض الأدعية التي موجودة في السنة، فمن يقول لك لا أحفظها، لو كنت تدعو بها وتلتذ بها إلى الله لحفظتها، ولكن لأنك لا تدعو بها بالتأكيد ستنساها. فالآثار والأقوال إذا أردت أن تثبت وترسخ ولا تنسى، عليك أن تكررها في مواطن العمل بها.
قال: «وكنا نستعين على طلبه بالصوم». وقال عبد الله بن هاشم الطوسي: «وكنا نستعين على طلبه بالصوم». يفعل طاعة حتى يعين الله على طلب العلم. قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول: «كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به، وكنا نستعين على طلبه بالصوم».
وقال ابن وهب عن مالك أنه سمعه يقول: «إن حقاً على من طلب الحديث أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعاً للآثار؛ متبعاً لآثار من مضى». يعني يسير على خطى السلف في سمته وهديه ولباسه وكلامه وأخلاقه، كل هذا.
قال: وقال لي مالك: «إن من أدب العلم أن يكلم العالم كل من سأله ويجيبه». ما معنى هذا الكلام؟ وفي بعض النسخ: «إن من إذلال العلم أن يكلم العالم كل من يسأله ويجيبه».
أحسنت، الفكرة كما قال الأخ، إن العالم لما يبذل العلم، وكلما أراد شخص أن يفتح معه موضوعاً أو نقاشاً، عليك أن تنظر في أهلية السائل في أن تجيبه عن مسألته؛ فقد لا يكون أهلاً، قد يكون مقصراً في العمل كثيراً، فيمكن يأتيك طالب يناقش في مسائل وهو مقصر في كثير من العمل، فهذا يجب عليك ألا تجيبه، بل توجهه لما هو صالح: «أخي، لماذا تناقش أموراً أكبر من حجمك العلمي؟ انتظر قليلاً حتى يستقيم أمرك».
قال: فصل من هذا الباب في كسب طالب العلم المال وما يكفيه من ذلك. قال: يحيى بن يمان، سمعته... طبعاً مشكلة الرزق أو كسب المال هي من أكبر المشاكل التي يعاني منها الطلبة قديماً وفي الوقت المعاصر، فإن كثيراً من طلاب العلم إنما ينقطعون عن العلم وعن مجالس العلم بسبب الوظائف والأعمال التي تنهك. فهنا سيتكلم عن قضية أن طالب العلم كيف يكسب المال ويحاول أن يدخر شيئاً من المال في استثمار أو ما شابه ذلك من أجل أن يستمر في رحلته العلمية، وإلا إذا طالب العلم ليس عنده مصدر مالي، في يوم من الأيام سينقطع عن الحياة، خاصة لما يصبح عندك عيال وتحتاج للكسب لهم. فهنا سيتكلم عن أحد أبرز العوائق في حياة طالب العلم وهي عائق الرزق، وكيف كان السلف -رضوان الله تعالى عليهم- يتعاملون مع هذه القضية باتزان.
قال يحيى بن يمان: سمعت سفيان الثوري يقول: «العالم طبيب هذه الأمة، والمال دواؤها، والمال دؤها؛ فإذا كان الطبيب يجلب الداء إلى نفسه، فكيف يعالج غيره؟». إذا كان العالم هو الذي يجلب الداء والمرض، إذا كان العالم هو الذي يطلب بعلمه المال، فكيف سيصلح حال هذه الأمة؟ العلم دواء وطبيب، والمال مرض، فإذا كان العالم -الذي هو الأصل أن يكون طبيباً- هو الذي يجيب المرض ويطلب المال، هل سيصلح حال هذا العالم وحال من يعلمه؟
قال: ورُوي في الحديث المرفوع: «لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي في المال». وقال أبو عمر: «المال المذموم عند أهل العلم هو المطلوب من غير وجهه، والمأخوذ من غير حله». والآثار الواردة بذم المال نحو قول رسول الله ﷺ: «الدينار والدرهم أهلك من كان قبلكم».
المال المذموم هو المال الذي يشغل، أما المال الذي يكون بيد الرجل الصالح ويصرفه في الجهة الصالحة فهذا محمود ومما يُغبط به. فأحياناً يجب أن تكون متوازناً؛ فعندما تقرأ نصوص ذم الدنيا، في المقابل هناك نصوص في مدح الدنيا التي تكون في الطاعة. كذلك لما تقرأ النصوص التي في ذم المال، بعض الناس يحفظ النصوص في ذم المال، لكن هناك نصوصاً أخرى تمدح المال الصالح في يد الرجل الصالح، فالمال إنما مشكلته لما يكون فتنة. أما شخص ملياردير ولكن أمواله في أوجه الخير والصلاح، أليس هذا من أعظم النعم؟ أن يوظف الإنسان ماله ويعيش حياة سوية ويخدم المشاريع.
أظن ابن الجوزي في قراءتنا "صيد الخاطر" عالج هذه القضية معالجة مستفيضة؛ إنه من الذي قال إن المطلوب أن أخرج من المال؟ بالعكس، خلِّ معك مالاً، ليس عندي مشكلة، ولكن بشرطين: لا تتعلق بالمال، واكتسب المال بالشكل الصحيح، وثم لا يشغلك عن طريقك الذي أنت فيه؛ لأن وجود المال في يدك يخدمك ويخدم غيرك. ونحن أمة مطلوب منا العمل وإقامة حضارة وإقامة مشاريع واستثمار، ليس المطلوب من الأمة أن تفتقر وتبقى في حالة كحالة ما يطلبه كثير من أهل التصوف كالعزلة والخلاء، هذا ليس من المنهج الإسلامي في شيء.
والآثار الواردة بذم المال نحو قول رسول الله ﷺ: «الدينار والدرهم أهلك من كان قبلكم، وإنهما مهلكا»، ونحو قوله ﷺ: «ما ذئبان جائعان أُرسلا في حظيرة غنم بأفس لهما من حب المال والشرف»، وما في معناه من حديثه ﷺ عليه الصلاة والسلام. ونحو قول عمر بن الخطاب: «ما فتح الله الدينار والدرهم والذهب والفضة على قوم إلا سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم»، ونحو هذا مما روي عن غيره من السلف في هذا المعنى.
فوجه ذلك كله عند أهل العلم والفهم في المال المكتسب من الوجوه التي حرمها الله، وفي كل مال ما لم يطع الله فيه، حيث يجمع صاحبه في كسبه بين معصية ربه واستعان بها على معصية الله وضلاله، ولم يؤدِّ حق الله وفرائضه فيه، فذلك هو المال المذموم والكسب المشؤوم. أما إذا كان المال مكتسباً من وجه مما أباح الله، وتأدّى منه حقوقه وتقرب به...
فيه آية بالإنفاق في سبيله ومرضاته، فذلك المال، فذلك مال محمود ممدوح كاسبه ومنفق له. هذا ابن عبد البر أعطاك الموازنة الصحيحة في فهم هذه النصوص.
قال: لا خلاف بين العلماء في ذلك، ولا يخالف فيه إلا من جهل أمر الله. وقد أثنى الله على الإنفاق في آيات من كتابه، ومحال أن ينفق ما لا يكتسب، وكأنه يرد على من يقول إنه لا ينبغي للمؤمن أن ينشغل بالمال. أقول لك: لا، في فرق بين مال محمود ومال مذموم؛ كن متوازناً في خطابك مع الناس، لا تطلب من الناس أن يخرجوا من أموالهم. وتأتي لنا قصة أبي بكر الصديق لما أخرج كل ماله في غزوة؛ أبو بكر الصديق كان يتاجر بعد ذلك وأتى بمال آخر، فقط للمعلومة. فأحياناً بعض الدعاة وبعض الناس يريد أن يتذمر، أو هو في وضع مادي تعب، فيريد أن يجعل كل الناس مثله، لا أخي الكريم؛ كن متوازناً في طرحك، فالمال محمود لما يكون بطريقة متوازنة وصحيحة.
قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [البقرة: 274]، وقال: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، وقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]، وقال: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: 245]. وما في القرآن من هذا المعنى في قضية الإنفاق والجهاد بالمال كثير جداً.
الإنفاق والجهاد بالمال يستلزم أنه يكون معي مال، وهذا الذي يكذب من قال إن المال مذموم؛ هذا خطأ. المال المذموم هو الذي ضبطه بالضوابط السابقة، أما المال إذا أنفق في سبيل الله وبذله صاحبه في أوجه الخير، فهو من أعظم النعم التي يمكن أن ينعم الله عز وجل بها عليك. وكذلك السنن الصحيحة كلها تنطق بهذا المعنى، وهو الثابت عن الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين.
قال النبي ﷺ: «كل معروف صدقة»، وقال: «اليد العليا خير من اليد السفلى»، اليد العليا التي معها مال وتعطي، خير من اليد السفلى التي تمد إلى الآخرين وتطلب منهم. وقال: «اليد العليا المعطية، والسفلى السائلة». وقال لسعد بن أبي وقاص: «لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت فيها». وقال ﷺ: «أفضل درهم درهم تنفقه على عيالك»، والآثار في هذا متواترة جداً.
وقال ﷺ لعمرو بن العاص: «هل لك أن أرسلك في جيش يغنم الله ويسلمك، وأزكي لك من المال رغبة صالحة؟»، فنعم المال الصالح للرجل الصالح. وقال أبو بكر الصديق لعائشة رضي الله عنهما: «ما أحد من خلق الله أحب إليّ غنى بعدي منك، ولا أعز عليّ فقراً بعدي منك». وكان الصحابة يتمنون لأولادهم الغنى، فأبو بكر لم يقل لها: أنصحك يا بنيتي أن تبقي فقيرة فإن المال مطغية، بل قال: أنا أريد وأحب أن تكوني من أغنى الناس بعدي. وكان رسول الله ﷺ يدخل مما أفاء الله عليه من فدك وغيرها قوت سنة لنفسه وعياله، ويجعل الباقي في الخيل والسلاح في سبيل الله.
وهذه آثار مشهورة كرهت سياقتها بأسانيد خشية التطويل. وبإسناد عن حكيم بن حزام أن أباه قال: «يا بني، عليكم بالمال؛ فإنه منبهة للكريم، ويستغني به عن اللئيم». منبهة للكريم أي شيء يعلي من مكانتك ويحفظك، فإن الناس لضعف عقولهم في العادة ينبه عندهم الشخص الثري. أنت لا تطلب هذا من أجل أن تنبه عندهم، لكن هم بطبيعتهم تجل قدرك إذا رأوك مكتفياً، تمام، لكن إذا رأوك متعباً منهكاً، حتى لو كنت في علم ابن تيمية، يبقى في قلوب ضعاف العوام شيء من النظرة الدونية، وإن كان هذا خطأ، لكن هكذا الواقع، حتى الإنسان يفهم الواقع كيف هو.
وساق أثراً عن مجاهد أن امرأة من نساء عبد الرحمن بن عوف أصابها نيف وثمانية آلاف دينار ذهبي، ربع الثمن فقط للواحدة. عندما مات عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، الزوجة تأخذ الربع أو الثمن، والثمن إذا كان له أولاد يقتسمونه، فإذا كان له أربع زوجات، الزوجة الواحدة تأخذ ربع الثمن. هذا مبلغ هائل جداً، عبد الرحمن بن عوف كان ملياردير في اللغة المعاصرة، كان شيئاً هائلاً في المال رضي الله عنه. وهل ماله صد عن الجهاد في سبيل الله؟ من الذي جهز الجيوش إلا هو وعثمان رضي الله عنهم وكبار أثرياء الصحابة؟ ماله لم يشغلهم.
والحديث الذي يذكر للأسف في بعض الكتب، مثل كتاب "صور من حياة الصحابة" وغيره، وإن كان كتاباً نافعاً لكن في بعض الأحاديث لم يحررها الكاتب، وهو أن عثمان وعبد الرحمن بن عوف يتأخران في دخول الجنة ويدخلانها حبواً؛ هذا حديث ضعيف لا يصح، وإياك أن تنقله للناس. فتقول عبد الرحمن بن عوف سيدخل الجنة حبواً لأنه كان كثير المال، هذا خطأ، والحديث غير صحيح ولا ينبغي أن يروى؛ لأن فيه أصلاً إعطاء صورة غير صحيحة عن أحد العشرة المبشرين بالجنة. فينتبه الطالب أحياناً ماذا يقرأ في الكتب؛ لا تقبل أي حديث، خاصة إذا وجدت فيه انتقاصاً لصحابي وكان من الكبار، ثم تراجع السند فتجد السند مهترئاً.
وعن صالح بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف مثله، إلا أنه قال: "من ثلث الثمن". وبإسناد آخر عن يونس مثله، فإذا قلنا ثلث الثمن فمعنى ذلك أن زوجاته كن ثلاثاً، وإذا قلنا ربع الثمن فكن أربع زوجات، الله أعلم. وبإسناده عن ابن سيرين قال: كان ممن ترك الصامت عبد الرحمن بن عوف، والصامت يعني المال والذهب.
وكان ممن لم يدع صامتا، أبو بكر وعمر. بعد ذلك، بعض الصحابة كان منهجه أنه يدخر ما عنده، ما دام يقوم بالحقوق وبزيادة، وبعض الصحابة كان منهجه الإنفاق، يعني لا يدخر. هذه كلها مناهج محترمة، وكل إنسان أدرى بما يصلح له، ولا توجد قاعدة عامة في هذا الباب.
ترك الصامت وراءه للورثة، يعني كان يترك ويدخر لمن بعده، والبعض يقول لك: لا، أنا خلص إن شاء الله أولادي مكتفين، أنا أريد أن أقوم بمشاريع خيرية أو أنفق. المهم أنك أديت الحقوق الشرعية، هذا هو المهم في النهاية.
وبإسناد عن صالح بن إبراهيم كما سبق، وبإسناد عن كعب قال: كان للزبير ألف ألف مملوك يؤدون الخراج، لم يكن يدخل بيته منها درهما. هو كان عنده ألف عامل، متخيل لو كل ألف عامل يوميًا كل واحد يريد أن يأتيه بدرهم أو بدينار، هي ألف دينار في اليوم، يعني في الشهر ثلاثون ألفًا. وقول لك عنده ألف عامل كل يوم يعطيه خراجًا، يعني أجره، كأنه مضمنه بلغتهم المعاصرة.
لكن لما كان يأتيه مبلغ هائل، هل كان يكنزه أم ينفق؟ قال: لما يصل إليه لا يبقى منه دينار، مباشرة في أوجه الخير. هؤلاء الصحابة الكبار، وهكذا الدين: عمل وإنتاج وحركة ونهضة ومشاريع. دع الناس تشتغل، دعنا نقيم مشاريع يعمل فيها أبناء المسلمين، ولما يأتيك المال الوافر أنفقه في سبل الخير.
إياك أن يكون طرحك للناس أنه لا تكتسب المال لأن المال فتنة، والمال يبعدك عن الله سبحانه وتعالى. لا، أعطهم خطابًا متوازنًا: يا أخي لا تجعل المال يشغلك، لا تجعل المال في قلبك، اجعل المال في يدك. هذه نصيحة، لكن في الجهة المقابلة: يا شيخ لا نكتسب المال لأنه فتنة، والله يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15]. المراد أن تنتبه لقلبك مع المال، وليس المراد أن تترك كسب المال، فنحن أمة عمل وليست أمة نوم وكسل، ولا نجمع هذا، ليس بصحيح.
لذلك عدوك اليوم انظر كيف يفوقك في كل المشاريع ونحن ما زلنا على تراهات بعض أهل التصوف، منهم من يقول: اتركوا المال والدنيا لأهلها. هذا الكلام ليس صحيحًا. فمهم جدًا طالب العلم لما يخاطب الناس يعرف مسؤوليته تجاه الأمة، وما هي المشاريع وحاجة الأمة، ولا يخاطب بخطاب عاطفي غير منضبط وغير متزن بميزان الشريعة.
ابن عبد البر يعلمك التوازن، يعلمك أن الصحابة كان عندهم مال، ولماذا يأتي ويقول هذه النصوص؟ ليزرع فيك: إياك أن تنصح الناس بترك المشاريع والكسب، هذا خطأ. الناس تحتاج إلى المال والمشاريع، لكن وجه قلوبهم ألا يتعلقوا بالمال، هنا التوجيه الصحيح.
بإسناده عن نافع، أن ابن عمر باع ميراثه بـ 100,000 درهم، وهذا ابن عمر أحد الورعين الكبار. وبإسناد عن قرة بن خالد قال: سألنا الحسن البصري: أوصى عمر بن الخطاب بثلث ماله 40,000؟ قال: لا والله، ماله كان أيسر من أن يكون ثلثه 40,000، ولكن لعله أوصى بأربعة آلاف.
وبإسناده عن زر قال: مات عبد الله بن مسعود وترك 70,000 درهم. قال: لكن لعله أوصى، يعني هو ثلث ماله ما يصل إلى 400,000، لعله كل ماله كان 400,000 وهو أوصى به. وتعرف أن الإنسان إذا أوصى بأكثر من الثلث لا تجوز الوصية حتى يقبل الورثة، فالورثة أجازوا، وقالوا نقبل. أن عمر يتصدق بكل ماله بالـ 40,000، يعني عمر مات عنده 40,000 درهم فضي، هي الفكرة أن 40,000 مبلغ درهم فضي، عمر لم يمت وهو فقير، عنده مبلغ جيد.
وبإسناد عن سعيد بن المسيب قال: لا خير في من لا يجمع المال يكف به وجهه ويؤدي أمانته. حتى عبد الله بن مسعود، الذي كان فقيرًا في مكة يرعى الغنم رضي الله عنه، لما دخل الكوفة وصار هناك فيء وغنائم وجهاد، استطاع أن يكتسب مبلغًا كبيرًا جدًا وهو الورع الزاهد التق، باختصار: وجود مال في حياتك لا يعني أنك لست زاهدًا، أنت قد تكون زاهدًا في كل الدنيا ومع ذلك عندك مال ادخرته أو جاءك عن طريق الكسب المشروع أو من الغنائم وما شابه ذلك، فهذه فكرة تحتاج إلى توازن.
تفضل، خلينا نكمل الباب. بعد ذلك وبإسناد عن سعيد بن المسيب قال: إنه ترك 400 دينار، وقال: إني والله ما تركتها إلا لأصون بها عرضي أو وجهي. وبإسناد عن أبي قلابة قال: لا تضركم الدنيا إذا شكرتم لله. وكان أبو قلابة يقول لي: يا أيوب، الزم سوقك؛ فإن الغنى من العافية. يعني إذا جاءتك الدنيا وأصبحت ثريًا لا يضرك هذا، بشرط أن تشكر الله على هذه النعمة ولا تطغى بها. وكان أبو قلابة يقول لي: يا أيوب الزم سوقك؛ فإن الغنى من العافية، يعني يا أيوب لا تترك التجارة، الغنى عافية ومذهب للفقر.
وبإسناد عن عبد الرحمن بن أزبي يقول: «نعم العون على الدين اليسار». شوف الكلام الجميل، من الشيء الذي يثبتك على الدين أن تكون عندك يسر مالي. بعض الناس يفتنه الفقر، الفقر يسيء ظنه بالله سبحانه وتعالى. فهذه كلمة عظيمة جدًا؛ ما يعينك على الثبات على دين الله أن يكون عندك مال تكف به وجهك عن الناس وتعيش حياة متوازنة وصحية، وهذا كلام الأئمة الكبار.
وبإسناد عن أبي ظبيان الأزدي قال: قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ما مالك يا أبا ظبيان؟»، قال: قلت أنا في 2500. قال: «فاتخذ سائمة، فإنه يوشك أن يجيء أغيل من قريش يمنعون هذا العطاء». يعني اتخذ سائمة، أي تاجر واشترِ غنمًا سائمة حتى يصير عندك درهم ونسل، لأنه في يوم من الأيام هذا الخراج الذي تأخذه سوف يوقف. فهو ينبه إلى أهمية الاستثمار، ينبهه إلى أهمية إشغال المال حتى يكثر، لأنه في يوم من الأيام لن تعتمد أن الراتب الشهري سيظل مستمرًا، سيُنقطع، فكن عاقلًا في الادخار وفي المشاريع.
بإسناده عن سليمان بن عبد الملك... دقيقة، سند الرفاء الذين سيأتون بعد ذلك.
عن سليمان بن عبد الملك، أن عبد الرحمن بن هبيرة أخبره أن عبد الله بن عمر ركب إلى الغابة، فمر على ابن هبيرة. الغابة هذه منطقة بجانب المدينة النبوية اسمها الغابة، منطقة بجانب المدينة فيها أراضٍ وقطع. فمر على ابن هبيرة وهو في بيته فقال: «ألا تركب معنا؟»، فركبت معه حمارًا فسِرنا.
قال: فسكت، أحدث نفسي. فقال عبد الله بن عمر: «مالك؟ قلتُ: سكتُّ. قال: أتمنى». قال ابن عمر: «لو عندي أحد ذهبًا أعلم عدده وأخرج زكاته ما كرهت ذلك أو ما خشيت أن يضرني». عبد الله بن عمر يقول: أنا ما عندي مشكلة لو كان عندي مثل أحد ذهب ما دمت أخرج ماله وأدي حق الله فيه، هذا ما فيه مشكلة؛ عشان كذا نحن لازم نعمل مشاريع استثمار يا شباب. هذه الفكرة النهائية بنطلع منها.
وبإسناد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وأقام الصلاة، وأتى الزكاة، مات والله وهو راضٍ عنه».
وبإسناد عن أيوب السختياني قال: قال لي أبو قلابة: «يا أيوب، الزم سوقك، فإن فيها غنى عن الناس». وبإسناد عن سفيان الثوري قال: «صلاحًا في الدين»، هي إضافة، وصلاحًا في الدين موجودة هنا، مهمة في هذه الرواية. وبإسناده عن سفيان الثوري قال: «لأن أخلف عشرة آلاف درهم يحاسب الله عليها أحب إلي من أن أحتاج إلى الناس».
وبسنده عن سعيد بن الجثيم؛ إخواني، أصلًا من المخططات الصهيونية والماسونية العالمية، ومن أهم مقاصدها في إثارة الأفكار الصوفية، أن الأفكار الصوفية تدعو إلى ترك المال وإلى الفقر وكذا، وإن كان كثير من زعماء الصوفية عنده من الأموال ما الله به عليم. دعوكم من الكذب حتى تفهم القضية؛ حتى يبقى العالم العربي والإسلامي مضطهدًا تابعًا للغرب، يعطونك بعض الخطابات على أيدي بعض المتصوفة التي تدعو الناس إلى عدم الانشغال بالدينار والدرهم، حقيقة هذه الدعوات أنت تعطي بها معروفًا كبيرًا للماسونية والصهيونية العالمية، هذا ما يريدونه؛ أن نبقى أمة تابعة لهم، نعيش على آثارهم وعلى ما يؤدونه للعالم العربي والإسلامي، وأما العالم العربي لا ينتج؛ لأن مشايخهم يأمرون بالزهد وترك المال.
هذا إخواني تدمير للفكر، إياك أن يقتنع أحدكم بهذا لأنه يخدم العدو. ليش أنا حريص على هذه الفكرة؟ أنت تخدم أجندة العدو عندما تقول للمسلمين لا تعملوا والمال فتنة واحرصوا على أن تبقوا زهادًا. وكم من مال أطغى صاحبه، لكن في خطاب آخر، وكم من مال نفع صاحبه، وكم من مال أنهض الأمة، وكم من مال أوجد فرص عمل للشباب، وكم من مشاريع. فأنت ما ينفع تأخذ زاوية معينة تتكلم بها وتنسى زوايا أخرى خطيرة وجوهرية في حياة أمة الإسلام. فكم من خطيب أحمق وكم من واعٍ غافل أفسد على الناس دينهم ودنياهم، فمهم جدًا أن نخرج طلاب علم على درجة من الوعي بأهمية هذه الجوانب.
وبإسناد عن سعيد بن الجهم الجزري قال: جمع عبد الرحمن بن شريح وعمرو بن الحارث الصف في المسجد، فلما سلم الإمام قال ابن شريح لعمر بن الحارث: «يا أبا أمية، ما تقول في رجل ورث مالًا حلالًا، فأراد أن يخرج من جميعِهِ إلى الله زهدا في الدنيا ورغبة فيما عنده؟». شوف، هذا بده يطلع من كل ماله، بده يصير مثل إخواننا بدون ولا درهم، فماذا أجابه؟ قال: «لا تفعل». قال ابن شريح: فقلت لعمر: سبحان الله! لا يفعل؟ لا يزهد في الدنيا؟ شوف هذا الخطاب ممكن يصير ما بدك إياه يزهد في الدنيا، يا أخي لماذا تأمر أن يبقى بالمال؟
فقال عمرو بن الحارث: «ما أدب الله عز وجل به نبيه أفضل من ذلك». قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29]. ولكن يقدم بعضًا ويمسك بعضًا، هذا منهج، هذا منهج القرآن. الله يقول لك يا أخي: لا تجعل يدك مغلولة، يعني كناية عن البخل، ولا تكن أيضًا مسرفًا، كن متوسطًا، التوسط إخواني نعمة الأعمال.
قال أبو عبد البر: قال أبو عمر، هذه الآثار كلها إنما أوردناها هنا لئلا يظن ظان جاهل بما يرى في هذا الباب أن طلب المال من وجهه للكفاف والاستغناء عن الناس هو طلب الدنيا المكروه الممنوع منه، فإنه ليس كذلك. إذاً أبو عبد البر يعطيك إياها، هذا رد على الجهال. فإن قال أبو الدرداء حيث يقول: «من فقه الرجل المسلم استصلاح معيشته»، جميل، أبو الدرداء رضي الله عنه ماذا يقول؟ من فقه الرجل المسلم أن يصلح معيشته، يشوف وظيفة معينة أو استثمارًا معينًا تستقيم به الحياة ويكفي أبناءه ويقيم مشروعًا جيدًا، هذا من فقه ووعي الإنسان.
وقال أبو الدرداء أيضًا: «صلاح المعيشة من صلاح الدين، وصلاح الدين من صلاح العقل». وقال الشاعر الحكيم: ألا عائذاً بالله من بطر الغنى ... ومن رغبةٍ يوماً إلى غير مرغبِ
وبإسناده عن علي بن أبي حَمْلة قال: لما قفل الناس من القسطنطينية لقيت يحيى بن راشد أبا هاشم الطويل، فقال لي: «وجدتُ الدين الخبز». وقال علي بن أبي حَمْلة: «ورأيت بلال بن أبي الدرداء». يعني ماذا يعني وجدت الدين الخبز؟ هي واضحة بس بدها تركيز صغير. حذيفة أحسنت، قال: «وجدت نفسي لا يصلح دينها إلا إذا أشبعت، وجدت ديني لا يصلح إلا إذا أشبعت»، فقلت: «وجدت الدين الخبز». يعني كيف تقول وجدت الدين المنسف؟ أنا إنسان إذا أكلت منسفًا وأموري جيدة، قلبي يكون مستعدًا للرقائق للإيمان للعمل لطلب العلم، إذا كنت جوعان والله ما أعرف لا أحضر درس ولا أسمع محاضرة، فهذا كلام حقيقة ينظر فيه.
وقال علي بن أبي حَمْلة: «ورأيت بلال بن أبي الدرداء أميرًا على دمشق». يعني أبو الدرداء الذي كان من أكبر الزاهدين، بتعرف أبو الدرداء ومشاكله في دمشق مع معاوية بن أبي سفيان؛ أبو الدرداء يقول للناس ازهدوا، ومعاوية يقول له: يا أبا الدرداء والله ما ينفع. ويرجع معاوية، حتى معاوية أرسل رضي الله عنه إلى عثمان قال له: خذ أبا الدرداء من دمشق وحطه في المدينة، لأنه رح يكهرب الناس، لكن في النهاية ابن أبي الدرداء ماذا أصبح؟ أصبح أميرًا، لأنه في النهاية.
حياة وبدها تمشي وهكذا مسيرة الحياة. فعثمان ومعاوية كانوا ربما، وإن كان أبو الدرداء -يعني قبل قليل قال: من فقه الرجل استصلاح معيشته- ترى هو أيضًا له نظرة في الحياة، لكن أبو الدرداء ماذا كان يعيب على أهل دمشق؟ الترف الزائد.
أبو الدرداء هو واعي لقضية أهمية المعيشة، هو قبل شوي استدل ابن عبد البر بكلامه: «من فقه الرجل استصلاح معيشته»، لكن هو أبو الدرداء كان يرى أن أهل دمشق عندهم ترف زائد. فمعاوية رضي الله عنه قال لعثمان: خذ أبا الدرداء، فإن أهل دمشق ليسوا بعقلية أهل المدينة؛ أهل المدينة ينفعهم الكفاف، أهل دمشق والشام كانوا يحتاجون إلى زيادة أكثر وأكثر وأكثر. وبالتالي أحيانا الإنسان ابن بيئته تصبغ عقلية معينة، فلما يأتي إلى بيئة أخرى يريد أن يفرض نفس تفكيره الذي كان في البيئة القديمة، فتصير أحيانًا شيء من الإشكالات، ورضي الله عن الجميع رضوان الله عليهم.
قال أبو الدرداء: «ليس من حبك الدنيا التماسك بما يصلحك منها». وكان يقول -شوف وهذا أبو الدرداء-: «ليس من حبك الدنيا أن تتمسك بشيء من الدنيا ينفعك ويصلح من شأنك»، هذا إخواني فقه عظيم من صحابي. أرجو أن تعوا، يعني ابن عبد البر انتقاءات في هذا الكتاب، دقيقة، هذا كتاب جمعه ابن عبد البر من أطايب كلام السلف حتى تعرف العقلية التي يفكر فيها السلف رضوان الله تعالى عليهم في مختلف جوانب الحياة.
قال: وكان يقول: «من فقهك عويمر إصلاحك معيشتك». وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «يا معشر القراء استبقوا الخيرات وابتغوا من فضل الله ولا تكونوا عيالًا على الناس». يعني ما تجيش تقول لي أنا طالب علم خليني أروح أسأل الناس يتصدقوا علي، عيب! أنت طالب علم الأصل تحاول قدر المستطاع تدبر نفسك، فإن بعض طلاب العلم بحجة أنه طالب علم يمد يده إلى الناس ويسألهم المال وهذا عيب، «لا تكونوا عيالًا».
قال: وقد أحسن منصور الفقيه في قوله، وقد تنسب لغيره: وأفضل من ركعي قنوت ونيل حظ من السكوت ومن رجال بنوا حصونًا تصونه داخل البيوت غدو عبد إلى معاش يرجع منه بفضل قوت
تروح تشتغل وتعمل، أحسن أنك تقعد في البيت لا شغلة ولا عملة وتقول لي أنا مشتغل بقيام الليل والقنوت والصلاة والذكر؟ قوم اشتغل، هذا شيء وهذا شيء. لا تحاول تخادع نفسك في هذا الميدان، أنه أنا والله طالب علم أنتم المسؤولين تصرفوا علي، لا أخي حاول. لو كان في أوقاف وفي مصادر تعطيك بنفس شريف فما في مشكلة، لكن بدون ابتذال لنفسك وإهانة لها.
ثم يقول إن الزهد في الحلال وترك الدنيا مع القدرة عليها أفضل من الرغبة في حلالها، وهذا ما لا خلاف فيه بين علماء المسلمين قديمًا وحديثًا. وقد اختلف الناس في حدود الزهد والعبارة عنه بما يطول ذكره، وأحسن ما قيل فيه قول ابن شهاب: «الزهد في الدنيا ألا يغلب الحرام صبرك ولا الحلال شكرك». حتى هذه العبارة فيها نظر. ثم يقول الشاعر السابق إنه أن الزهد في الحلال وترك الدنيا مع القدرة عليه أفضل من الرغبة في حلالها، يعني حتى هذا الكلام وقول هذا ما لا خلاف فيه بين علماء مسلمين، أظن يحتاج إلى إعادة نظر في طريقة تسويق هذا الكلام أو طرحه بهذه الطريقة. العبارة، ابن الجوزي أدق من هذه العبارة: «كل إنسان أدرى بما يصلحه».
قال: وأحسن ما قيل فيه قول ابن شهاب: «الزهد في الدنيا ألا يغلب الحرام صبرك ولا الحلال شكرك». شوف ابن شهاب كلام منطقي، الزهد الحقيقي ما هو؟ الزهد الحقيقي هو أنه الحرام لا يغلبك وتبقى صابر، «ألا يغلب الحرام صبرك»، يعني بعض الناس يصبر بس في لحظة معينة الحرام يغلب فيفعل الحرام، فهذا الزهد الحقيقي أن تبقى جامدًا عاضًا على أصابعك، لا يغلبك الحرام ولا الحلال شكرك. يعني وإذا رزقك الله الحلال فلا تطغى به فتنسى الشكر، «ولا يغلب الحلال شكرك»، إذا أنعم الله عليك بنعم فلا تضيع وسط هذه النعم وتنسى شكر الله عليها.
قال: وكان سفيان الثوري ومالك بن أنس يقولان: «الزهد في الدنيا قصر الأمل». يعني الزهد هو هذا، لماذا يأتي بهذه العبارات حتى يفهمك أن الزهد في الدنيا ليس في المال، أنه ما تكسبه؟ لا، الزهد في الدنيا أن يكون معك، لو كان معك مئات الآلاف ما في مشكلة، المهم أن تكون منتظرًا أنك ستموت، في كل يوم قصر الأمل، ومتوقع إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت. هذا هو الزهد الحقيقي، أما المال ذهب، جاء هذا خير عمومًا إذا أنفق في أوجهه.
وبإسناد عن الثوري مثله، قال: وقال مالك بن أنس مثل ذلك بإسناده عن إبراهيم بن الأشعث، قال: سألت فضيل بن عياض عن الزهد فقال: «الزهد القناعة وفيها الغنى». قال: وسألته عن الورع فقال: «اجتناب الحرام». يعني القناعة، ومن قنع حصل الغنى، قال: «القناعة وفيها الغنى»، من قنع شعر بالغنى، غنى القلب لأن غنى القلب هو الغنى الحقيقي.
والآثار عن السلف والصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين في فضل الصبر عن الدنيا والزهد فيها وفضل القناعة والرضا بالكفاف والاقتصار على ما يكفي دون التكثر الذي يلهي، أكثر من أن يحيط بها كتاب أو يمل عليها باب. هذا جانب آخر، وهو أنا إذا عملت مشاريع وجمعت المال وأصبح عندي ما يكفيني، لا ينبغي أن يصبح مع الوقت طلب المال مقصدًا. هذه نظرة أخرى؛ حصلت من المالي اليد تدور طيبة والشاري والخل جيد، ما بقي الوقت بعض الناس ما يشبع، لا بده مال وبده مال. أقول لك أصبحت عندك نوع من الطغيان والتعلق بالمال، فإذا أنت حصلت المال واشتغلت وعندك ما يكفيك والحياة قويمة وكذا، خلي جوانب أخرى من وقتك لطاعة الله، للأعمال، لطلب العلم، لأمور منتجة. أما ليس يصبح طلب المال بحد ذاته مقصدًا تعمل له ليلًا ونهارًا كحال كثير من أصحاب رؤوس الأموال المعاصرين، في هذه القضية أصبح طلب المال عبادة، يعني هو ٢٤ ساعة فقط يطلب المال ويستمتع به، فهي كما قلت لك هذا الموضوع يحتاج إلى توازن نفسي في جوانبه المتعددة.
قال: والذين زوى الله عز وجل عنهم الدنيا من الصحابة أكثر من الذين فتحها عليهم أضعافًا مضاعفة. قال: روينا عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ليحمي عبده الدنيا كما يحمي أحدكم...»
يشتد الطعام يشتهيه، يعني أحياناً الله سبحانه وتعالى قد يعمل العبد ويعمل، لكن دخله يبقى محدوداً. ارضَ أيضاً بالفقر، يعني إذا ابتليت بالفقر فاصبر به، فإن الله يحميك من الدنيا لأنه يعلم في سابق علمه أنها ستضرك. فبعض الناس يصلحه الفقر وبعض الناس يصلحه الغنى، فالناس ليسوا شيئاً واحداً.
فإذا لم يرزقك الله المال، فلا يكون وجه نظرك التسخط والتمني وحسد أصحاب الأموال، بل اقنع؛ فإن الله أراد بك خيراً عندما حجب الدنيا عنك، فلعلها تطغيك، والله أعلم. وهذا نظر منه عز وجل لذلك العبد، أي نظر منه في صالح هذا العبد. فرب رجل كان الغنى سبباً في فسقه وعصيانه لربه عز وجل وانتهاكه لحرمته، ورب رجل كان الفقر سبباً في ذلك كله، وربما كان سبباً في كفره وتعطيل فرائضه، وهما طرفان مذمومان عند العلماء.
وقد روي عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك من قوله ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك من غنىً مُطغٍ، وفقرٍ منسٍ». وكان ﷺ يقول: «الفقر المنسي»، والفقر الذي يشغلك ويشغل خاطرك وذهنك فينسك العبادة وذكر الله والأعمال النافعة. وكان ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئس البطانة». وكان من دعائه ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك من الفقر، والفاقة، والقلة، والذلة، وأن أظلم أو أُظلم، أو أجهل أو يُجهل علي». وكان من دعائه ﷺ: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى».
والدليل على أن التقلل من الدنيا والاقتصاد فيها والرضا بالكفاف منها والاقتصار على ما يكفي ويغني عن الناس، أفضل من الاستكثار منها والرغبة فيها وأقرب إلى السلامة، ما حدثنا به وبإسناد إلى أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: «قمت على باب الجنة فإذا عامته من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد محبوسون». وأصحاب الجد يعني من أصحاب الغنى، محبوسون لأن الله سيسأل عموماً يوم القيامة: «وعن مالك وعن كل درهم من أين اكتسبته وفيما أنفقته»، وهذا سيؤخر دخولك الجنة. الفقير ليس في شيء يسأل عنه، ما عنده مال، فيدخل الجنة مباشرة، أما الغني فلا، في حساب المال: من أين أتى وأين ذهب؟
«وإذا أصحاب الجد محبوسون إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار». أما أصحاب النار ففقراء أغنياء سيذهبون مباشرة إلى النار، فإن أمرهم مختلف. «وقمت على باب النار فإذا عامته من دخلها النساء». والجد عندهم الغنى.
في هذا الموضوع الآن جاء موعد الشيخ، لا، خلينا نقوم نصلي إن شاء الله ثم بعد الصلاة نكمل، وصلى الله على سيدنا محمد.
بسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. نبدأ الجلسة الثانية اليوم بإذن الله. بسم الله الرحمن الرحيم، وبإسناد عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: «قمت على باب الجنة فإذا عامته...».
وعن أبي أمامة الباهلي قال: أتت النبي ﷺ امرأة ومعها صبي تحمله وبيدها آخر، وهي حامل، فلم تسأل رسول الله ﷺ شيئاً إلا أعطاها، فسألت النبي ﷺ مالاً فأعطاها مالاً عليه الصلاة والسلام. ثم قال: «حاملات، والدات، رحيمات بأولادهن، لو ما يأتين إلى أزواجهن دخلن مصلياتهن الجنة». يعني هذا الكلام لولا أنهم غلبوا أزواجهن، وإلا دخلن الجنة، فهذا حث على أن الزوجة عليها ألا تتعب زوجها، فإن المرأة بطبيعتها مشاكسة مع زوجها لفرط حساسيتها وعدم امتلاكها لعاطفتها، فيجب عليها أن تتقي الله في هذا الأمر وتسعى أن تحزم أمرها قدر المستطاع.
وبإسناد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لقطع صوت أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها». وروينا، وهذا كله من التزهيد في الدنيا، هو يسوق هذه الآثار التي فيها تزهيد في الدنيا، وأن الإنسان لا يتطلع إلى الاستكثار منها.
وروينا عن عبد الرحمن بن عوف أنه لما حضرته الوفاة بكى بكاءً شديداً، فقيل له: ما يبكيك يا أبا محمد؟ فقال: «كان مصعب بن عمير خيراً مني، توفي ولم يترك ما يكفن فيه، ولم توجد له إلا بردة، كان إذا غطى بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطت بها رجلاه بدت رأسه. وبقيت بعده حتى أصبت من الدنيا وأصابت مني، وما أحسبني إلا سأُحبس عن أصحابي بما فتح الله علي من ذلك»، وجعل يبكي حتى فاضت نفسه. والمراد أنه لن يصل إلى مرتبة الصحابة الأوائل في جنات النعيم، «سأُحبس عنهم» أي لن أصل إلى مرتبتهم لأن عندي مالاً كثيراً، وهذا يدل على أن عبد الرحمن بن عوف كان يشعر أحياناً بشيء في قلبه بسبب كثرة ما عنده من المال، وإن كان ماله خيراً إن شاء الله.
وبإسناد عن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «خير الرزق ما يكفي، وأفضل الذكر الخفي». خير الرزق ما يكفي، يعني القناعة، حصل من الرزق ما يكفيك، وهذا الذي يدور حوله. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً»، قوتاً يعني ما يكفيهم من القوت، ولا يكون هناك ثراء زائد يطغي الإنسان.
وبإسناد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أبشركم يا معشر الفقراء، إن فقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم»، بنصف يوم من حساب يوم القيامة، ويوم القيامة بألف سنة، فإذا كان بنصف يوم يعني بـ 500 سنة.
وعن خولة بنت حكيم عن النبي ﷺ قال: «إن الدنيا خطرة حلوة، فمن أخذها بحقها بُورك له فيها»، وربما متخو في مال الله ورسوله له النار يوم يلقاه، لأنه لا يخوض في هذه الأموال بحق.
عن شقيق قال: دخل معاوية على خاله أبي هاشم بن عتبة يعوده فبكى، فقال له معاوية: «ما يبكيك يا خال؟ أوجعٌ تجده أم حرصٌ على الدنيا؟» قال: «كلا، ولكن النبي ﷺ عهد إليّ فقال: يا أبا هاشم، إنك لعلك تدرك أموالًا يؤتها أقوام، وإنما يكفيك من المال خادم ومركب في سبيل الله، وأراني قد جمعت، وأراني قد جمعت، زدت على ما أمرني النبي ﷺ أن أتخذه كزاد».
وعن سعيد بن المسيب، أن ابن مسعود وسعد بن مالك عاد سلمان؛ فحدث نفس الشيء، عاد إلينا ﷺ بزاد وراكب، «ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب»، ما يكفيه من الطعام والشراب.
وقال أبو عمر: أخذها أبو العتاهية فأحسن في قوله: إذا كنت بالدنيا بصيراً ... فإنما بلاغك منها مثل زاد المسافر
وبإسناده، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جده قال: أتيت عبد الرحمن بن عوف، فإن ظن ظان جاهل أن الاستكثار من الدنيا ليس فيه بأس، أو غلب على جهله فظن أن ذلك أفضل من طلب الكفاف منها، وشبه عليه بقول الله عز وجل: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: 8]، فيما عدده الله على نبيه ﷺ من نعمه عنده، فإن ذلك ليس كما ظن.
وفي الآثار التي قدمنا ما يوضح لك أن الغنى ليس ما ذهب إليه واحتسبه، بل هو غنى القلب؛ فمن وضع الله الغنى في قلبه فقد أغناه، وكان ﷺ أغنى عباد الله قلبًا، وقد روي عنه ﷺ آثار كثيرة تدل على ما قلنا، منها قوله ﷺ.
وهذا ليقيم توازنًا في طرح موضوع المال، وهو أن المال مطلوب، وأن يكون هناك مال وهو جيد ويعين على الدين، وهذا في جهة، لكن ليس المطلوب أن يصبح طلب المال والاستكثار من قصد ومطلب في الحياة. لا، أنت جيد افتح مشروعًا وانبسط، وخلِّ عندك من المال ما يكفيك، لكن إياك أن يتحول الموضوع لأن يصبح المال هو المقصود.
قال ﷺ: «ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس». وإنما الغنى عن كثرة ما عندك من الأمتعة والأثاث، وإنما الغنى الحقيقي غنى النفس. وقد أحسن عثمان بن سعدان الموصلي في نظمه معنى هذا الحديث، حيث يقول: تقنع بما يكفيك واستعمل الرضا ... فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي فليس الغنى عن كثرة المال ... إنما يكون الغنى والفقر من النفس
وأخذ به الخليل بن أحمد أيضًا، فقال في جوابه لسليمان بن حُبين المهلبِي: أبلغ سليمان أني عنه في سعة وفي غنى ... غير أني لست ذو مالٍ سخي بنفسي إني لا أرى أحدًا يموت هزلًا ... ولا يبقى على حالي الرزق عن قدر لا العجز ينقصه ولا يزيدك فيه حول محتال ... والفقر في النفس لا في المال تعرفه
كذا يكون الغنى في النفس لا المال، لذا علماءنا يركزون أن الغنى الحقيقي هو غنى النفس، وأما المال فهو شيء من متاع الدنيا تقضي به حاجتك وتقضي به مراد الله منك.
ونعم، شدد عبد الله بن محمد بن يوسف: «تقنع بما فاتك، ولا تيأس لما فاتك، ولا تغتر بالدنيا، أما تذكر أمواتك؟». وقال: «أما تذكر أمواتك أنك ستلحق في يوم ما؟». وقال بكر بن أبي أذينة: «وكم من فقير غني النفس تعرفه، وكم من غني فقير النفس مسكين».
كم من فقير لكنه غني النفس وأنت تعرف ذلك، في المقابل وكم من إنسان غني لكنه فقير النفس لأنه دائم الطمع ويريد التزود. تقنع بما أتاك الله ولا تيأس على ما فاتك من الدنيا؛ هنا بما فاتك كان المراد بكل ما أتاك الله مما مضى، اقنع به ولا تصب لليأس أنه فاتتك أشياء كثيرة لم تحصلها، فهنا الفوت الأول بمعنى ما مضى، والفوت الثاني بمعنى ما ضاع ولم تحصله.
قال أبو عمر: كان فضيل بن عياض يقول: «إنما الفقر والغنى بعد العرض على الله تعالى». لذلك هو الفقر والغنى متى يا أبا محمد؟ بعد العرض على الله؛ لأنه سيعرف من أهل الجنة ومن أهل النار، فإذا عرفت أنك من أهل الجنة فهذا الغنى الحقيقي، وإذا ظهر أنك من أهل النار -ولو كنت من المليارديرات في الدنيا- فأنت في قمة الفقر في تلك الساعة لأنك ستدخل النار والعياذ بالله. فبقوله ساعة الصفر في تحديد الغني من الفقير هي بعد العرض على الله ومعرفتك هل أنت من أهل الجنة أو من أهل النار، نسأل الله أن نكون جميعًا من أهل جناته.
وقال محمود الوراق: «الفقر في النفس وفيها الغنى، وفي غنى النفس الغنى الأكبر، ومن كان ذا مال كثير ولم يقنع فذاك الموسر المعسر، ومن كان قنوعًا وإن كان مقلاً فهو المكثر». يعني الذي يكون قنوعًا ولو كان ذا مال قليل فهو الكثير، لأنه امتلك الغنى الحقيقي ألا وهو غنى النفس.
وقال محمود الوراق أيضًا: «غنى النفس يغنيها إذا كنت قانعًا، وليس يغنيك الكثير مع الحرص، والله لو كان معك كثير وأنت حريص على كسب المال ستبقى طماعًا». وقال أبو حازم: «إن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس في الدنيا شيء يغنيك». وقال أبو العتاهية في هذا المعنى: «إن كان لا يغنيك ما يكفيك فكل ما في الأرض لا يغنيك»، وقال: حسبك مما تبتغيه القوت ... وما أكثر قوتًا لمن يموت
وقال أبو فراس الحمداني: غنى النفس لمن يعقل خير من غنى المال ... وفضل الناس في الأنفس لا في الحال ويتفاضل الناس في أنفسهم ... وليس يتفاضلون في الحال
أي في اليسر والعسر، ليس تفاضل الناس أن حالك فقير وأنا حالي غني، وإنما نتفاضل في أنفسنا، من كان تقيًا ورعًا، «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، هذا المعنى؛ فضل الناس في الأنفس ليس الفضل في الحال أي في العسر واليسر. وبإسناد قال سليمان...
«كل العيش جربناه، فوجدناه يكفي منه أدناه». جميل، جربنا عيش الغنى وعيش الفقر، في النهاية الغني نايم والفقير نايم، الغني ماكل والفقير نايم، هذا راكب وهذا راكب؛ فخذ من الدنيا ما أدناه. وإنما أنت تستكثر أموالاً ستحاسب عليها، أم أنها الحياة؟ ربما هذا يأكل شيئاً أوسع من هذا، يعني أشياء محدودة جداً ليست هي فعلاً ما عليه التنافس.
وبإسناد عن ابن أبي نجيح قال: قال سليمان بن داوود: «أوتينا ما أوتي الناس وما لم يؤته، وعلمنا مما علم الناس ومما لم يعلموه، فلم نجد شيئاً أفضل من تقوى الله في السر والعلانية، وكلمة العدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر»؛ والقصد هو الاعتدال. قال سفيان: وزادني فيه غير ابن أبي نجيح، قال: قال سليمان: «لا يضر مع هذا ملك».
والكلام في هذا الباب، وتقتضي القول فيه والآثار فيه وتقصي القول فيه، يعني تتبع كل الأقوال التي قيلت فيه، لا سبيل إلينا لخروجنا بذلك عن تأليفنا، يعني ليس موضوعنا أن نستقصي كل هذه الأمور.
الباب الذي يليه باب الخبر عن العلم أنه يقود إلى الله عز وجل على كل حال. العلم يقودك إلى الله، وهذا من أعظم الأمور التي تحفز الإنسان على الاستمرار في هذا الطريق؛ أن يعرف أن العلم سيقوده إلى الله على كل حال.
وبإسناد قال: سمعت الحسن يقول: «كنا نطلب العلم للدنيا، فجرنا إلى الآخرة». أحياناً، خاصة الطلبة الناشئة، قد لا يكون عندهم نية عالية في طلب العلم، يعني أن يستحضر الإخلاص التام وعظم ما عند الله، وإياك أن تطلب الدنيا، وإياك أن يكون لك هذا. نحن ننصح به، لكنني لا أتوقع أن يحصل بسهولة. إذا كان العلماء الكبار يقولون: «طلبنا العلم للدنيا فجرنا إلى الآخرة»، علماء كبار يقولون: «طلبنا العلم من أجل أن يصبح لنا صيت أو ثناء وإعجاب»، ولكن مع الاستمرار في طلب العلم -ركز فيها مع استمرارك في هذا الطريق وانتباهك- ستبدأ نيتك تتغير وستبدأ تستحي أن يكون هذا العلم قصارى ما تطلبه به دنيا الناس.
فلذلك أحياناً أنا لا أفترض في كثير من الطلبة الناشئة المثالية العالية في النيات، متوقع أن يقصر في شيء من النيات، وأنت كمعلم يجب أن تكون هادئاً في التعامل مع الطالب الناشئ. أنت تنصح بالصدق والإخلاص وكذا، لكن تتوقع ضعفاً في بعض زوايا ذلك. قد تتوقع منه أحياناً أن هذا الطالب واضح أنه يحب أن يظهر، هذا الطالب يحب أن يمسك الميكروفون، هذا الطالب يحب أن يمدح الناس؛ ستشعر أن في طلابك شيئاً من حب الدنيا، لكن حبه حبة، لا تستعجل عليه وتنفره بقولك: «أنت مرائي اترك العلم أنت لا تصلح». أحياناً بعض العبارات تكون جافة صادمة تجعل هذا الطالب المسكين يترك كل الباب، ويقول لك: «عمي أنا الشيخ قال لي أنا مرائي منافق لا أصلح لهذا الطريق»، وهذا خطأ من الشيخ. هم نفسهم العلماء، الحسن يقول: «كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى الآخرة»، يعني لن يكون طالبك أعلى مستوى من الحسن البصري رضي الله عنه، فحب في التعامل مع الطلاب ورفقاً بهم.
وبإسناد قال: سمعت معمر يقول: «كان يقال: من طلب العلم لغير الله يأبى الله عليه العلم حتى يصيره إلى الله». وهذا بشرط أن يستمر في الطلب؛ يعني هذا الكلام أن يحولك العلم من طلب الدنيا إلى طلب الآخرة، هذا شيء يحصل تدريجياً بالاستمرار، أما الذي انقطع عن العلم فقد فاته التحول في النيات.
والذي يليه نحو ذلك؛ وعن حبيب بن أبي ثابت قال: «طُبنا هذا الأمر وليس لنا فيه نية، ثم جاءت النية بعد». يعني أحياناً واحد قد يطلب العلم ويقول لك: «أنا والله كنت شيخاً أريد شهادة دنيوية، كنت أتخصص في مسجد أو في دائرة قاضي القضاة أو في شيء من هذه الأمور، لكن بعد أن دخلت وعرفت العلم وذقت طعمه أصبح لي فيه نية»، لا، غيرت نيتي وهذا أيضاً متوقع ويمكن أن يحصل.
والذي يليه نحو ذلك، وبإسناد قال: سمعت ابن عيينة منذ أكثر من ستين سنة يقول: «طلبنا هذا العلم لغير الله، فعقب الله بما ترون». يعني إمام من أئمة السلف والزهد. وقال الحسن: «لقد طلب أقوام هذا العلم ما أرادوا به الله وما عنده، فما زال بهم حتى أرادوا به الله»، يعني ما زال العلم يحثهم على التقوى ويحثهم على الإخلاص؛ هذا العلم الذي يطلبونه يحثهم. لكن هذا كما قلت يحتاج إلى إنسان منتبه، يعني هو عنده مشاكل في النية لكنه أيضاً ليس نائماً على غش، بل في محاولات منه للإصلاح. هذا النوع هو الذي ينهض، أما الذي هو مستميت على الدنيا غارق فيها، فهذا احتمال كبير أن تبقى نيته كما هي.
السلف يقولون: «دخلنا وكان عندنا شيء من الوساوس كحب الدنيا، فنحن نطلب العلم بجاهد ونتعثر أحياناً ونجاهد إلى أن قادنا». لكن إياك أن تقول: «أنا الآن ليس مشكلة، سأبقى مرائياً ومع الوقت إن شاء الله العلم لحاله سيغيرني»، لا، لن ينفع هكذا. لا تأخذ من كلامي أنه ليس مشكلة الآن أن أكون عندي نفاق أو رياء وإن شاء الله ربنا عز وجل يغيره مع مرور الوقت، لا بد أن تجاهد. وأتوقع منك أن تسقط في بعض الأحيان، لكن يجب أن تجاهد حتى يصلحك العلم، هذا مهم جداً في فهم مراد السلف. أما الإنسان الذي لا يجاهد ولا يقاوم، فهذا أيضاً لا ينفع.
باب معرفة أصول العلم وحقيقته وما الذي يقع عليه اسم الفقه والعلم مطلقاً. الآن سيبدأ يتكلم بتخصصي أكثر، سيبدأ يطرح أبواباً أكثر تخصصية في ما هو العلم الشرعي، وما هي أصول العلم، وكيف ينبغي أن يُطلب العلم.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، وسنة قائمة، وفريضة عادلة». هذا الحديث فيه ضعف من الناحية الإسنادية، لكن أهل العلم يذكرونه، والمراد به ما هي مقاصد العلوم الشرعية. أنتم تعرفون أن العلوم الشرعية تنقسم إلى علوم مقاصد وعلوم وسائل. ما هي علوم المقاصد؟ التفسير والفقه والعقيدة، حتى التفسير البعض يعتبره من الوسائل من باب ذكر جميع الآراء، فحقيقة أساس العلوم الشرعية هي العقيدة والفقه، وهذا معدنه الأساسي، ما هو الكتاب والسنة. فلذلك قوله: «والعلم ثلاثة»، يعني أصول العلم ومقاصد العلوم الشرعية ثلاثة؛ أن تتعلم...
الكتاب؛ لأنه سيصلح عقيدتك، ويعطيك الفقه. أن تتعلم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لان هذا يعطيك العقيدة والفقه، والفريضة التي هي علم المواريث، والمواريث احنا نعتبره ضمن دائرة الفقه، يعني احنا نعتبره أصلا ضمن دائرة الفقه، لم يخرج عن ذلك.
فسيأتي طالب يقول: إذا يا شيخ لا ندرس المذاهب الفقهية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه الكتاب والسنة، وهو بعض الناس ما زال يعاني من أزمة أن المذاهب الفقهية شيء مناقض للكتاب والسنة، وليست هي الطرق التي توصلك إلى الكتاب والسنة؟ خطأ، المذاهب الفقهية هي الطرق التي ستوصلك -وأنت في القرن الخامس عشر- إلى قنطرة الكتاب والسنة، وإلا وأنت ضعيف اللغة، ضعيف الفهم، ضعيف الاستنباط، ضعيف المق... هذا لا يمكن أن تصل بذلك إلى فهم الكتاب والسنة. تريد الكتاب والسنة؟ فعليك بقنطرة المذاهب الفقهية، لكن المذهبية بالطريقة الواعية التي ليس فيها تعصب ولا تشنج ولا شيء يخرجك عن طريقة الأوائل في طلب العلم.
عن أبي هريرة -دقيقة دقيقة يا عبد الرحمن-: متحمس من القرآن والسنة، لا يعني ليس إذا أنت صنفته كعلم، كعلم نعم، لكن هو البعض إيش المشكلة؟ البعض يعمم والبعض يخصص، يعني البعض يقول الفقه يدخل في علم السلوك، يعني يعتبرونه علم السلوك والأخلاق يعتبرونه ومن ضمن الفقه في دين الله، تصنيفه كأنه علم مستقل هذا حادث ليس عند السلف، السلوك والأخلاق هي من الفقه في دين الله سبحانه وتعالى.
وبإسناد عن أبي هريرة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فرأى جمعا من الناس على رجل فقال: «ما هذا؟». قالوا: يا رسول الله، رجل علامة. قال: «وما العلامة؟». قالوا: أعلم الناس بأنساب العرب، وأعلم الناس بعربية، وأعلم الناس بشعر، وأعلم الناس بما اختلف فيه العرب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا علم لا ينفع، وجهل لا يضر».
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني الانشغال والانهماك في علم النسب علم لا ينفع، معرفة اصول هذا الباب جيدة وينفع بها، لكن الانهماك الزائد والانشغال بها عن علم الكتاب والسنة هذا هو الذي يقصده صلى الله عليه وسلم بانه علم لا ينفع وجهل لا يضر، يعني لو جهلت الأنساب هذا لا يضرك، يعني أهم شيء أنك تعرف مسائل دينك-.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم... نفس الحديث السابق. قال أبو عمر: في إسناد هذا الرجلين -أنا قلت لكم هذا الحديث في إسناده مقال، في إسناده مقال، حديث أن العلم ثلاثة وما سوى ذلك فضل-.
والذي يليه نحوه؛ عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأمور ثلاثة: أمر تبين لك ر...». عبد الله بن عمر عن طس... لا لا، اقرأ. وعن عبد الله بن عمر قال: العلم ثلاث أشياء: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري. إذا هذا مش نفسه هذا مفهوم آخر، عبد الله بن عمر يقول لك: العلم ثلاثة أشياء: الكتاب، والسنة، وأن تقول: لا أدري فيما لم تعلم، هذا من العلم. شوف شوف فقه عبد الله بن عمر: من العلم أن تقول: لا أدري فيما لا تدري، ومن أعظم الأصول العلمية التي يمكن أن ترسخ فيها أن يقف الانسان عند حدود الله، وألا يخوض فيما يجهل.
وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأمور ثلاث: أمر تبين لك رشدة فاتبعته، وأمر تبين لك زيغه فاجتنبته، وأمر اختلفت فيه فكله إلى...» -اختلف فيه، اختلف فيه فكله إلى عالمه-. يعني أنت لا تحسم الأمر فيه، كله إلى العلماء، هم الذين يحسمون الأمر فيه.
عن كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم امرين لن تضلوا بما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم». وهذا حقيقة، يعني هذه الآثار جيد أن يسمعها طالب العلم في بداية طلبه العلم، حتى لا يظن أن القراءة في الكتب الأخرى والانشغال عن الكتاب والسنة ممدح.
فإن كثيرا من الشباب الناشئ اليوم يظن أن طلب العلم يعني الكتاب والسنة، يمر عليه تبرك، بركة يعني بقرا قرآن، يعني لو مرينا هيك هكذا قراءة كتاب البخاري سريعا جيد. وانغماس العلمي فقط في قراءة في الثقافة المعاصرة، وماذا حدث، والامور الفكرية. لا، أنت حب حب الله يرضى عنك، ترى اصول الفكر الاسلامي واصول النضوج العقلي واصول الاتزان النفسي والايمانية من الكتاب والسنة.
فابن عبد البر بقول لك: انتبه، لا تضيع البوصلة، ولا يغرك انسان ما يسمونه المثقفون، اللي دائما يروجون للقراءه في كتب الفلسفة الغربية والمعاصرة وشوف. هذا الكلام لانسان عالم متخصص بده يتصدى للرد على الغرب، نعم، في مساحات معينة مقبولة، لكن التشبع الزائد منه وحب الاكثار منه، ثم بعد ذلك بعد سنوات وأنت تقرأ في هذه الكتب الثقافية والفلسفية والتربوية وخذ اسماء كثيرة، أجدك ماذا تعرف في تفسير القرآن؟ إذا أنت مفهوم الله الصمد تجهله، سورة الإخلاص أنت لا تستطيع أن تعطيني تفسيرها، أليس هذا عيبا، وليس هذا جهلا، وليس هذا دلالة أن الشيطان قد أحبك الشرك والفخ، وجعلك تقع فيما يسمى اليوم هذا التصنع العلمي في دراسة امور قد يكون فيها فائدة أنا لا امنع ذلك في جوانب لكنه اشغلك عن الاعظم والأهم؟
فمهم جدا يا شباب أن ننتبه على هذه القضية، أساس العلم الكتاب والسنة، لا تقرا القرآن قراءة هكذا مجرد قراءة بركة، لا، قراءة متدبر متفكر، وستجد القرآن كلما أعطيته أكثر أعطاك من المعاني الضخمة والفخمة أكثر وأكثر. ربما أنت الآن لا تجد مفهوم كلامي حقيقة لقلة تدبر، لكن من عاش مع القرآن جملة جملة وسطر سطرا، سيعي أن القرآن يعطي الفكر والمنهج والطريق والقواعد والنجاح في الحياة، وأن سنة النبي صلى الله عليه وسلم تعطي كل شيء.
شوف النبي صلى الله عليه وسلم إيش يقول: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا». إذن لا يمكن أن يكون القرآن والسنة قصر في جانب من جوانب المعرفة الكلية التي يحتاجها المسلم، لكن بالتأكيد المشكلة فيك أنت؛ لأنك لا تحسن التدبر ولا استخلاص المعاني الكلية. والا النبي صلى الله عليه وسلم تكفل وهو الصادق المصدوق أن من أحسن التمسك -تمسك المتدبرين والمتفقهين والمتعقلين والعاكفين على معاني الكتاب والسنة- أخرجوا شيئا كثيرا.
لذلك ابن تيمية في آخر عمره ماذا قال؟ على ماذا تحسر؟ أنه... نعم، مش اطلاع، هو قال: أسفت على أنني لم أقض ساعات العمر في التدبر في معاني القرآن. طبعا ابن تيمية ترك كثير من الموروث التفسيري، أنت تستغرب أصلا أن ابن تيمية هناك أحد المشايخ في الأزهر سبع مجلدات في تفسير ابن تيمية للقرآن، سبع مجلدات في الآيات اللي فسرها ابن تيمية وناقشها، وبعد كل ذلك يقول ابن تيمية: تأسفت على أنني ضيعت عمري في غير معاني القرآن. مهول، إذا هو يريد شيء أعلى وأعلى.
ويعلم أن... يعني ابن تيمية انشغل، قرأ بالفلسفة ورد على الأشاعرة ونظر في كتب ابن س... اشتغل بالأمور الفكرية اللي بحبوا كثير من الشباب المعاصرين يشتغلوا فيها، لكنه في آخر عمره توصل لقناعة أنه أكثر هذه القضايا الفكرية لو أنني عكفت على القرآن لاستخلصتها بسهولة بدون هذه الرحلة الطويلة التي قضيتها في كتب أهل الكلام، وان كان الله بحمد الله أشغله فيما هو لصالح الأمة ولخير.
لكن أنا بديك تفهم هذا الأثر؛ لأنه يعطيك بعد معين عند ابن تيمية، وهو أنه مدرك تمام... طبعا لما ياتي هذا البعد من شخص واسع الثقافة، ليس كما ياتي من شخص مش مثقف كما يقولون، لما شخص بدهاء وعقلية وتوسع قراءة ابن تيمية يعطيك نهاية العمر أن كل ما عشته تستطيع أن تستخلص كلياته من القرآن.
إذن هي كلمة يعض عليها بالنواجذ، وكلمة عظيمة تنبهك أنه أنا ربما واضع حوادث كبيره بيني وبين القرآن وأتعامل مع القرآن يعني مجرد قصص وأحكام عامة وكذا خلص، يعني مفهوم يا شيخ القرآن. لا، أنت مش فاهم، هو مفهوم لمن يتدبر، أنت فاهم وأنت السطحي جدا جدا في الحياة مع القرآن.
إذن أغلب الناس، حتى بعض طلاب العلم، يظن نفسه أنه فاهم القرآن، وأنا أقول لك إنه مش فاهم، وأقول لك أنا قرأت تفسير ابن كثير والسعدي وكذا، أقول لك خلص فهمت، ماذا يحتاج أكثر من ذلك؟ شوف هذه الكلمة خطيرة، القرآن لا تنتهي ما فيه من المعارف والمعاني والحكم والافكار والمناهج، لكن ضعفك وسطحيتك في التعامل معه يجعلك تنظر بهذه النظرة القاصرة مع كلام الله سبحانه وتعالى.
يعني وهذا كلام كثير يطول، لكن لا اريد أن أهشل المجلس في هذه القضية مع أنها قضية محوريه وجوهريه، فقط أأحببت أن أنبهك أنك لا تضيع القرآن والسنة في حياتك المعرفية.
وبإسناد عن أبي بصره الغفاري؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سألت ربي ألا تجتمع أمتي على ضلالة». فأعطاني هذا الأصل الثالث من مصادر التشريع، ألا وهو الاجماع، فهو يركز ابن عبد البر هنا على مصادر التشريع: أولا تكلم عن الكتاب والسنة، الآن تكلم عن الإجماع.
وفي كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عروة: كتبت إلي تسألني عن القضاء، وبأن رأس القضاء اتباع ما في كتاب الله، ثم القضاء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بحكم أئمة الهدى، ثم استشارة ذوي العلم والرأي. هنا أيضا في اشاره إلى بعض المصادر المعرفية في بناء الأحكام الشرعية، وهو الرجوع إلى كلام الصحابة، وهؤلاء هم أئمة الهدى المراد هذا الحديث، فإن الصحابة وأقوال الصحابة مصدر تشريعي عند كثير من المذاهب الفقهية، ومصدر يستانس به ومهم عند الآخرين، فلا يمكن أن الإنسان ينبل في العلم بدون أن ينظر في آثار الصحابة.
بعض الكتب عند بعض الطلبه المتقدمين في الشريعة مجهولة، مثل مصنف ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والبزار وغيره، مع أن هذه مليئة جدا باثار الصحابة، يظن الطالب أن الكتب هي الكتب السته وما عدا ذلك -يعني إن شاء الله يقرأها غيري- ويظن نفسه أنه سيصبح عالما، وهو ضعيف الاطلاع على آثار الصحابة. آثار الصحابة الاطلاع عليها في هذه المصنفات مهم جدا في بناء أيضا المعرفة الشرعية.
وذكر وأبو عمر عن سفيان بن عيينة قال: كان ابن شبرمة يقول: ما في القضاء شفا... -شبر حد، أقران أبي حنيفة وعاش في زمنه، وهو أحد فقهاء الرأي، وإن لم يكن من مدرسة أبي حنيفة لكنه من فقهاء العراق رحمه الله عليه-.
ما في القضاء شفا... للمخاصم عند اللبيب ولا الفقيه العالم. هون عليك إذا قضيت بسنة أو بالكتاب برغم أنف... راغم وقضيت فيما لم تجد أثرا به بنظر معروفة ومعالم.
يقول: هون عليك إذا قضيت بسنة أو الكتاب -فأصل القضاء يكون بالسنة أو الكتاب، فإن لم تجد فعليك أن تسلك آثار من سبق وتنظر بكلام أهل العلم، لذلك قال:- وقضيت فيما لم تجد أثرا به بماذا؟ قال: بنظر معروفة ومعالمه؛ بالمعالم والقواعد التي تركها علماء السلف.
وبإسناد قال مالك: الحكم حكمان: حكم جاء في كتاب الله، وحكم أحكمته السنة. قال: ومجتهد رأيه لعله يوفق، قال: ومتكلف فطعن عليه. طيب، ال... إذن يقول لك الاحكام الشرعية إما تؤخذ من الكتاب والسنة، فإن لم تظفر بها صريحة فبماذا؟ فالاجتهاد، مجتهد إن شاء الله ربنا يوفقه لعله يوفق، مجتهد في ضوء القواعد العامة للكتاب والسنة. وغير هيك... يعني أنت يا كتاب يا سنة يا اجتهاد في ضوء الكتاب والسنة، وغير هيك ماذا يكون؟ انسان ضال يطعن في علمه، اللي بيقول من رأي وهواه بدون أن يدور في فلك الكتاب والسنة، فضال يطعن في عقله وذوقه.
والذي يليه نحوه؛ اللي هو سماه متكلف، المتكلف المتنطع اللي بيخوض في مسائل بدون قواعد وبدون علم ومعرفه حقيقية.
قال: وقال مالك: العلم والحكمة نور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثره المسائل. هذه ضعوا تحتها خط، العلم اخواني ليس بكثره المسائل، أظن تكلمت عنها سابقا هذه، العلم ليس بان تكون انسان تحفظ كثيرا كثيرا، وإن كان الحفظ أصلا، وإنما العلم نور وبصيره وفقه النفس.
لذلك دائما يقولون العالم هو فقيه النفس، فلذلك مثلا عن السعد الحنفية مش يقولون قاضي خان هو محرر المذهب عند المتأخرين أو من كبار مفتي المذهب عند المتأخرين؟ لماذا قالوا؟ وكان فقيها النفس. هكذا قالوا في سيرته وغيرهم، فبالتالي أن تصل إلى مرحله فقه النفس هذا هو المطلوب، وإلا مش ضروري تحفظ كثيرا كثيرا، قد يحفظ الإنسان أسفار كثيرة، وأنا هذا رايته ممن يحفظ متون كثيرة ومسائل، لكنه ليس فقيه النفس، فإذا جاء عند النوازل أخفق. فالمراد أن تصل إلى الرياضة والملكات، والحفظ إحدى الوسائل المهمة، وأما أن يصبح الحفظ فقط هو المقصود ويبقى كما حالنا اليوم تجد طالب ممكن يشرح لك المستصفى للغزالي، لكنه لا يحسن تطبيق قاعدة اصولية على نازلة معاصرة، إيش استفد منك أنا بعد كل هذه الرحلة؟
ففي هناك مشكلة في الدرس المعاصر، ليس هذا موقف نشر. وقال في موضع آخر من ذلك الكتاب: سمعت مالكا يقول: ليس الفقه بكثره المسائل، ولكن الفقه يؤتيه الله من يشاء. من بعده قال ابن وضاح والسو... إلى سحنون. شوف هذا كلام دقيق بس بغض النظر قال: لكن الفقه يؤتيه الله من يشاء من خلقه. هذا كلام انسان عارف، كلام مالك، مالك هو عارف مين الفقيه، كما الفقيه ليس أن تحفظ.
متون المذهب هذه كما يقول بعض المشايخ الشيخ مولود وغيرهم هذا مجرد نقل، يعني أنك تحفظ متون المذهب هذا نقل للمذهب، هذا ليس فقهًا، ممكن تحفظ لي الزاد والأقناع والدليل وكله ما شاء الله عنك، وإذا سألتك عن شيء تقول لي: قال في الدليل وقال في الزاد، لكن هل هذا فقه؟ لا، انتبه، هذا مجرد نقل، الفقه هو شيء أعلى من ذلك، فقه النفس.
أيس العالم أن يقول لا أدري فيما يدري؟ فقال: أما ما في كتاب قائم أو سنة ثابتة فلا يسعه ذلك، وأما ما كان في هذا الرأي فإنه يسعه ذلك لأنه لا يدري أصيب هو أم مخطئ. يعني الشيء الذي فيه آية وسنة واضحة يجب أن تخبر بها، ما في مجال تقول لا أدري وأنت تعرف الآية والحديث. يعني هو يسأل: أيس العالم بالكتاب والسنة أن يسكت عن حكم المسائل الشرعية إذا سئل عنها؟ ماذا قال؟ قال: إذا كانت المسألة التي سئلت عنها أنت تعرف فيها آية واضحة في الدلالة أو سنة واضحة في الدلالة لا يسعك أن تكتم ذلك عن السائل، قضية محسومة، لكن أين يسعك أن تسكت وتقف في بعض الأحيان؟ فيما هو اجتهاد، يسعك أن تقول: والله أنا لم يظهر لي شيء في المسألة هنا، نعم يسع العالم السكوت.
وذكر ابن وهب في كتاب العلم من جامعه قال: سمعت مالكًا يقول: إن العلم ليس بكثرة الرواية، ولكنه نور جعله الله في القلوب. وهذا كلام عظيم من مالك. وقال في موضع آخر من ذلك الكتاب: وقال مالك: العلم والحكمة نور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثرة المسائل، نفس الفكرة. قال عبد الله بن مسعود: ليس العلم عن كثرة الحديث، إنما العلم خشية الله. وانظروا كيف جعل خشية الله علمًا، جعل خشية الله من العلم. قال: العلم خشية الله، أن تصل لهذه المرتبه. فلا تفعل... ماذا يترتب على خشية الله؟ أنك إذا تكلمت تكلمت بحق، وإذا لم تعرف قلت لا أدري، وما شابه بعد ذلك.
والذي يليه نحوه قال ابن عباس: إنما هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن قال بعد ذلك شيئًا برأيه فما أدري أفي حسناته يجده أم في سيئاته؟ حسب، إذا قاله بناء على القواعد العامة فإن شاء الله اجتهاد، إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله اجر، لكن إن قاله بالتشهي والهوى فهذا يكون في سيئاته.
وبإسناد قال الشافعي: ليس لأحد أن يقول في شيء حلال ولا حرام إلا من جهة العلم، وجهة العلم ما نص في الكتاب أو في السنة أو في الإجماع، فإن لم يجد في ذلك فالقياس على هذه الأصول ما كان في معناها. وليت العامة يفهمون كلام الشافعي، أن أن تقول شيء حلال وحرام ليس بالذوق ولا بالهوى ولا بالتشهي ولا أظن ولا أعتقد وأنا رأيي وأنت رأيك، هذا كله والعياذ بالله من القول على الله بدون علم. يقول لك الذي يتكلم في العلم يجب أن يتكلم بماذا؟ بأصل علمي واضح يرجع إليه.
قال أبو عمر: أما كتاب الله فيغني عن الاستشهاد عليه، ويكفي من ذلك قول الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 3]، وكذلك السنة يكفي فيها قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59]. يعني ابن عبد البر الآن سيريد أن يرسم مصادر التشريع يقول: أما القرآن فكونه مصدرًا من مصادر التشريع لا يحتاج أن ناتي له بدليل واضح مستقر في نفوس أهل الإيمان، فما بالك بطالب علم؟ هل تحتاج أن أقنعك أن القرآن مصدر تشريعي؟ فتجاوز هذه النقطة لوضوحها تمامًا.
وكذلك السنة، أما سنة النبي صلى الله عليه وسلم فما دليلها؟ قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
وأما الإجماع مأخوذ من قول الله تعالى... دليل على أن الإجماع مصدر من مصادر التشريع فهي الآية المشهورة: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: 115]. هذه عادة يستدلون بها على حجية الإجماع؛ لأن سبيل المؤمنين توعد الله من يتركه، فإذا أجمعت الأمة على شيء فهذا هو سبيل المؤمنين فلا يجوز لك أن تتركه، وهذا وجه الدلالة؛ لأن الخلاف لا يصح مع هذا الظاهر. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على ضلالة». وعندي أن إجماع الصحابه لا يجوز خلافهم والله أعلم؛ لأنه لا يجوز على جميعهم جهل التأويل. وفي قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143] دليل على أن جماعتهم إذا اجتمعوا حجة على من خالفهم، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم حجة عليهم جميعًا. ودلائل الإجماع من الكتاب والسنة كثيرة ليس كتابنا هذا موضعًا لتقصيها، وبالله التوفيق.
وقال محمد بن الحسن: العلم على أربعة أوجه: ما كان في كتاب الله الناطق وما أشبهه، وما كان في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الماثورة وما أشبهها، وما كان فيما اجمع عليه الصحابة رحمهم الله وما أشبهه، وكذلك ما اختلفوا فيه لا يخرج عن جميعهم، فاذا وقع الاختيار فيه على قول فهو علم يقاس عليه ما أشبهه وما استحسنه عامة فقهاء المسلمين وما أشبهه وكان نظيرًا له. قال: ولا يخرج العلم عن هذه الوجوه الأربعة. يعني الآن أن هذه ما نسميه في علم أصول الفقه إيش؟ مصادر التشريع المتفق عليها: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وعلى الكتاب والسنة والإجماع في النوازل والمستجدات وما عدا ذلك فإنما هو تبع لها كالمصالح المرسلة والاستحسان وما شابه ذلك، تفضل هذا كله مما يعني يلتحق بهذه المصادر، وغير ذلك لا عبرة به فانما هو قول بالتشهي.
وبإسناد قال أبو عمر: قول محمد بن الحسن "وما أشبهه" يعني ما أشبه الكتاب، وكذلك قوله في السنة وإجماع الصحابة يعني ما أشبه ذلك كله فهو القياس المختلف فيه في الأحكام، وكذلك قول الشافعي "أو كان في معنى الكتاب والسنة" وهو نحو قول محمد بن الحسن، ومراده من ذلك القياس عليه. ممكن الطالب الذي يقرأ كتاب الرسالة للشافعي يقول: مصادر التشريع الكتاب وما في معنى الكتاب، فابن عبد البر يعطيك فائدة يقول: إذا قال الشافعي "ما في معنى الكتاب" يقصد القياس، هذا مصطلح الشافعي، إذا قال معنى الكتاب، ما هو الكتاب وما في معنى الكتاب؟ ايش يقصد بكلمة "ما في معنى الكتاب"؟ القياس. طبعا القياس بمعناه العام، هنا قياس الأصول الدقيق وهناك القياس على قواعد الشريعة الكبرى اللي بيسموه المصالح المرسلة، فإن المصالح المرسلة قياس لكنها قياس على ماذا؟ على القواعد الكلية. وأما القياس الأصولي وهو قياس فرع على أصل لعله هذا القياس بمعناه المتعارف به عندكم. وسنفرد لذلك بابًا كافيًا في كتابنا هذا إن شاء الله.
وإنكار العلماء الاستحسان أكثر من إنكارهم للقياس، وليس هذا موضع بيان ذلك. في الحقيقه الكل يستحسن، لكن هم عندهم إنكار للمصطلح أو لما عرف به، أما من حيث الواقع العملي فالجميع يستحسن.
وبإسناد عن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: «لقد ظننت يا أبا هريرة أنه لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، إن أسعد الناس بشفاعتي أنت، أولى من يسال عن هذه المعلومة لأنك عندك حرص على العلم. إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قبل نفسه».
والذي يليه نحوه، وقال أبو عمر في الخبر الأول: "لما رأيت من حرصك على الحديث" وفي هذا: "لما رأيت من حرصك على العلم". قال ابن عبد البر: اسمع انظر ماذا قال، قال أبو عمر ابن عبد البر في الخبر الأول: "لما رأيت من حرصك على الحديث"، قال: وفي هذا: "لما رأيت من حرصك على العلم" هذا موطن الشاهد من ذكر هذه الأحاديث، وإلا نص المتن لا يخدم الموضوع اللي احنا فيه. قال: فسمى الحديث علمًا على الإطلاق، وهذا يريد أن يؤكد فيه ابن عبد البر أن الحديث النبوي أحد مصادر التشريع وأنه علم بحد ذاته، لذلك قال في الحديث الأول قال: "لما رأيت من حرصك على الحديث"، وفي الرواية الثانية قال: "لما رأيت من حرصك على العلم"، فإذا ما هو العلم؟ هو نفس الحديث المذكور في الرواية السابقة.
ومثل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها غيره، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». فسمى الحديث فقهًا مطلقًا وعلمًا، إذا أيضًا في هذا الحديث قال: "فرب حامل فقه"، ما المراد بحامل فقه؟ حامل حديث، ما أنت... إيش يعني حامل فقه ليس بفقيه؟ يعني حامل حديث فيه فقه، فيقول ابن عبد البر: وفي هذا الحديث سمى النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فقهًا، إذا الحديث علم في الأحاديث السابقة، وهنا الحديث فقه، فاياك أن تضعف بضاعتك في الحديث النبوي.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص إذا أذن له أن يكتب حديثه، قيد العلم. فقال له يا رسول الله وما تقييده؟ قال: «الكتاب». فأطلق على حديثه اسم العلم لمن تدبره وفهمه.
وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا المنذر، أي آية معك من كتاب الله أعظم؟» قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]. قال فضرب صدري وقال: «ليهنك العلم، ليهنك العلم أبا المنذر». وهذا العلم هو العلم بالكتاب، فأساس العلم هو إما علم بالقرآن أو علم بالسنة، هذا المراد أن يؤكد عليه.
وبإسناد أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: بينما أنا وأبو هريرة عند ابن عباس رضي الله عنه جاءته امرأة فقالت: توفي عنها زوجها وهي حامل فذكرت أنها وضعت لأدنى من أربعة أشهر في يوم من يوم مات عنها زوجها، فقال ابن عباس: تنتظر آخر الأجلين. قال: هذه مسألة معروفة، عدة المتوفى عنها زوجها وهي حامل العبرة بأطول الأجلين أو العبرة بالأربعة أشهر وعشرة أو العبرة بوضعها لحملها؟ مسألة فيها خلاف، المهم احنا نريد الزبده، ليس هذا موطن الهدف. قال ابن عباس... قال أبو سلمة فقلت: إن عندي من هذا علمًا. وذكر حديث سبيعة الأسلمية، أن عندي من هذا علمًا، ايش أقصد بالعلم؟ حديث نبوي، فسمى الحديث علمًا.
وعن ابن عباس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين خرج إلى الشام فأخبر أن الوباء قد وقع فيها واختلف عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء عبد الرحمن بن عوف فقال: إن عندي من هذا علمًا. نفس الفكرة، أن عندي من هذا علمًا، يعني حديثًا ما بعده.
وعن عطاء بن أبي رباح في قول الله عز وجل: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: 59] قال: إلى الله إلى كتاب الله، والى الرسول قال: ما دام حيا، فإذا قبض كانت إلى سنة، قال: إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. تمام فهذا يدل على مركزية الكتاب والسنة.
والذي يليه نحوه، وعن ابن عون يقول: ثلاثة أحبهن لي ولاخواني: هذا القرآن يتدبره الرجل ويتفكر فيه فيشك أن يقع على علم لم يكن يعلم، وهذه السنة يطلبها ويسأل عنها ويذر الناس إلا من خير جميل. يعني أقول لك ابن عون هي نصيحة بنصح فيها الشباب نفسي وإخواني: القرآن عليك أن تفترشه وتتدبره ليلا ونهارًا فسيبقى يعطيك من المعاني ما لم تقف عليه سابقًا، ثانيًا: السنة أن تتطلع منها وتنظر فيها فستبقى أيضًا تعطيك، ثالثًا: تذر الناس من شرك وتكثر لهم الخير.
قال أبو أحمد بن خالد: هذا هو الحق الذي لا شك فيه. فكان من وضح أن يعجبه هذا الخبر ويقول: جيد جيد. يعني بقول هذا الكلام اللي قاله جيد جيد ابن ممتاز.
سمعت يحيى بن أكثم يقول: ليس من العلوم كلها علم، أوجب على العلماء وعلى المتعلمين وعلى كافه المسلمين من علم ناسخ القرآن ومنسوخه؛ لأن الأخذ بالناسخ واجب فرضًا، والعلم به واجب لازم ديانة، والمنسوخ لا يعمل به ولا ينتهى إليه، فالواجب على كل عالم علم ذلك لئلا يوجب على نفسه أو على عباد الله أمرًا لم يوجبه الله عز وجل، أو يضع عنهم فرضًا أووجبه الله عز وجل. عمومًا علوم القرآن كلها مهمة، لكن من أهمها الناسخ والمنسوخ؛ أن كثير من الناس ما زال إلى الآن يقرأ القرآن ولا يعرف أن فيه آيات منسوخة وربما يعمل بها المسكين ولا يعرف أنها آيات منسوخة، فمعرفتها خاصة مما بقيت تلاوتها وانتسخ حكمها مهم.
وعن عطاء في قوله عز وجل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59] قال عطاء: الله ورسوله، اتباع الكتاب والسنة.
السنة وأولو الأمر منكم؟ قال: أولو العلم والفقه. فأولو الأمر في تفسيره ليس الزعماء، وإنما العلماء. وعموماً كما قال شيخ الإسلام وغيرهم أن أولي الأمر يشمل العلماء والأمراء، أولي الأمر يشمل العلماء والأمراء نعم.
وعن جابر بن عبد الله قال: قول الخير. نعم، حدثنا بقية بن الوليد قال: قال لي الأوزاعي: يا بقية، العلم ما جاء عن أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لم يجئ عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فليس بعلم يا بقية. لا، لأن أم شوف أمة الإسلام علمها علم نقل في الأساس، والعقل تابع للنقل هذه بدك تحفظها، نحن أمة نقل، علمنا موروث عن الصحابة الذين ورثوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، والعقل يدور في فلك النقل وليس العقل هو المؤسس، بخلاف ما أصحاب الدعوات الهدامة الذين يقولون أن الأصل هو العقل وإنما النقل على ما يوافق عقولنا، هذه خطيرة هذه الدعوة.
انظر كلام الأوزاعي ونصيحته: نعم يا بقية، لا تذكر أحداً من أصحاب محمد نبيك صلى الله عليه وسلم إلا بخير ولا أحداً من أمتك، وإذا سمعت أحداً يقع فيه في غيره فاعلم إنما أنه إنما يقول أنا خير منه تمام. ولذلك إذا سمعت أحداً يطعن في معاوية بن أبي سفيان أو يطعن في عثمان أو في بعض الصحابة ويبدأ يتفلسف عليهم، اعرف أنه خالف السلف وأن هذا يُخشى عليه في دينه، حتى لو تصدر على أنه إسلامي أو صاحب تجديد في الخطاب، بعض الناس يص يعني يتصدر على السوشيال ميديا أنه صاحب جديد إصلاحي أو كذا، أو له رؤية معينة في إصلاح وتجد يخوض في معاوية. متى رأيتم إنسان يتكلم في هذا في هؤلاء فاعلم أنه مخذول مهما كان اللواء الذي يرفعه، لا أحد يخوض في الصحابة، تصدر أخطاء منهم الله يسامحهم، لست أنت من يقوم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم نعم.
والذي يليه نحوه، وعن قتادة في قوله عز وجل: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: 6] قال: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. سمعت الأوزاعي يُحَدِّث يعني الذين أوتوا العلم المراد بالآية أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وحقيقة الآية أوسع من ذلك، أصحاب محمد وكل من سار على نهجهم واقتفى أثرهم نعم. وبإسناد قال: سمعت الأوزاعي يحدث عن ابن المسيب أنه سأله عن شيء فقال: اختلفت فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رأي لي معهم. شوف الأدب، بعض الناس اليوم تجد يريد أن يضع رأيه مع أبي بكر وعمر رضي الله عنه، يقول لك: لا رأي لي مع الصحابة الكرام وإنما أخذ من أقوالهم نعم.
قال ابن وضاح: هذا هو الحق. وقال أبو عمر: معناه أنه ليس له أن يأتي بقول يخالفهم جميعاً به اه يعني هو ينتقي من أقوالهم، أما أن يأتي بقول خارج دائرة أقوال الصحابة ولم تقلها الصحابة في مسألة وقعت في زمانهم، فهذا ليس له أن يكون، وهذا أصلاً يعتبر في علم أصول الفقه ايش يعتبر؟ خرق للإجماع، لأن الصحابة إذا اختلفوا على قولين ليس لك أن تحدث قولاً ثالثاً، هكذا يقول علماء الأصول. وبإسناد عن مجاهد قال: العلماء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ومن سار على دربهم، ومن سار على دربهم أيضاً نعم.
وعن ابن عباس في قول الله، لكن هذا الحصر هو حصر تفخيم خلينا نقول تعظيم أنه هم أساس العلماء، هم الأساس ومن بقي يكون بعد ذلك تبع لحضرته رضي الله عنه نعم. عن ابن عباس وبإسناد عن ابن عباس في قول الله عز وجل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] هم الذين هاجروا مع محمد صلى الله عليه وسلم. وقفز عن النص كأنه لا نقطة، سعيد بن جبير قال: ما لم يعرفه البدري فليس من الآل، البدريون من شهد بدراً وهؤلاء هم الرعيل الأول من الصحابة والخط العالي، فكأنهم يقولون: هؤلاء كل شيء لا يعرفونه وليس بع طبعا هي العبارة هذه يجب تفهم في سياقها، يعني أنتم تفهمون ما المراد، المراد أن كل ما وقع في زمانهم في زمانهم ولا يعرفونه وليس لهم فيه أدنى دراية، فهذا يدل أن في عليه علامة استفهام عموماً نعم.
وبإسناد عن عبد الله بن الزبير قال: أنا والله لمع عثمان بالجحفة ومعه رَهْط من أهل الشام فيهم حبيب بن مسلمة الفهري، إذ قال عثمان وذكر له تمتع وذكر له تمتع بالعمرة إلى الحج، أن أتموا الحج وخلصوه في أشهر الحرم، فلو آخرت هذه العمرة حتى زرتم هذا البيت سورتين كان أفضل، فإن الله قد وسع عن كان لا يرى المتعة، تعرفوا الحج ثلاثة أنواع: في حج تمتع وقِران وإفراد، عثمان كان لا يرى حج التمتع، ويرى أن الحج يجب أن يكون في سفرة والعمرة تكون في سفرة أخرى مستقلة، هذا كان رأي لبعض الصحابة نعم. فإن الله قد وسع في الخير فقال له علي رضي الله عنه: عمدت إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورخصة رخص للعباد بها في كتابه تضيق عليهم فيها وتنهى عنها، وكانت لذي الحاجة ولنئي الدار، ثم وناء الدار يعني للبعيد، يعني يا عثمان أنت ضيقت على الناس لما منعتهم من المتعة في ناس يسكنون في أماكن بعيدة ما يستطيع يأتي للحج والعمرة كل واحدة في سفرة، فحج التمتع يساعده أن يأتي بعمرة وحج في سفرة واحدة نقاش بين الصحابة الكبار نعم. ثم أهل بعمره وحج مع علي رضي الله عنه، قال لعثمان: أنا رح اعمل عمره وحج تمام يعني حتى أثبت لك وأقنعك أنه هذا صح، يعني شيء من الحدة اللي هي مقبول بينهم، واما أنت يا طالب العلم فإنما مكانك الأدب معهم.
نعم، فأقبل عثمان على الناس فقال: شيخ ممنوع من الصرف فاقبل عثمان على الناس فقال: وهل نهيت عن؟ وهل نهيت عنها؟ إني لم أنه عنها، إنما كان رأي أشرت به، فمن شاء اخذ به ومن شاء تركه اه. عثمان شو بقول رضي الله عنه؟ ترى أنا ما بقول لكم المتعة حرام، أنا بقول ما دام الآن زمن أمن وأمان وفي وفرة في المال الأفضل أن تأتي في العمرة في سفرة والحج في سفرة، وأما لو اتيت بهما أنا لا أقول أنك أنها غير مقبوله عثمان يبين وجهة نظره أكثر وأكثر في المسألة نعم. قال: فما أنسى قول رجل من أهل الشام مع حبيب بن مسلمة، انظر إلى هذا كيف يخالف أمير المؤمنين! والله لو امرني لا لضربت عنقه، طبعا هذا خطا يعني لا أقول انظر إلى هذا يقس مين؟ علي بن ابي طالب كيف خالف أمر أمير المؤمنين والله لو أمرني أمير المؤمنين أن أضرب عنق علي لضربت عنقه، بس هذا يعني تحمس زياده شويه. قال: فرفع حبيب يده فضرب بها في صدره وقال: اسكت فض الله فاك، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما يختلفون فيه. ايش يعني مين اللي ضربه؟ كأنه عثمان نفسه، هذا الرجل حمس قال بده يعني يأذي علي، فعثمان قال له وين رايح أنت؟ تعرف من هذا؟ هذا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، الزم الأدب في مقام الكبار نعم.
وبإسناد قال: أخبرنا ابن جريج قال: سئل عطاء عن المستحاضة فقال: تصلي. أحكي عن المستحاضة أي ما حكمها في الشرع؟ هل تصلي أم لا تصلي؟ فقال: تصلي وتصوم وتقرأ القرآن وتست تعرفون الفرق بين الحائض والمستحاضة؟ سليمان بن موسى: أيحل لزوجها أن يصيبها؟ قال: نعم. قال سليمان: أرأي أم قال يصيبها يعني أن يجامعها نعم. قال سليمان: أرأي أم علم؟ قال: يعني ما قلته أنت اجتهاد من عندك أم علم؟ وكانوا ها شوف عرف السلف إذا أطلقوا كلمة علم ماذا يقصدون؟ الكتاب والسنة، يعني هذا رأي ولا علم؟ إذا علم يعني كتاب وسنة، رأي يعني يقبل الصواب والخطأ نعم. قال: بل سمعنا أنها إذا صلت وصامت حل لزوجها أن يصيبها جميل. وإن كان الحنابلة عندنا لا يجيزون وطء المستحاضة لكن المسألة فيها خلاف واجتهاد نعم.
وعن ابن جريج قال: سألت عطاء عن غريب قدم في غير أشهر الحج معتمراً ثم بدا له أن يحج في أشهر الحج أيكون متمتعاً؟ قال: لا يكون متمتعاً حتى يأتي من ميقاتها في أشهر الحج. قلت: أرأي أم علم؟ قال: بل علم. شوف شو يعني هذه، أنت يهمك النص الاخير أنهم وصلوا لمرحلة أنهم لا يطلقون كلمة علم إلا على ما في الكتاب والسنة، هذا يدلك على أن هذا مركزي هذا اللي ابن عبد البر بده يوصله الك لك يعني ابن عبد البر هو لا تهمه القصة يهمه النص الاخير: أعلم أن الكتاب والسنة أصل في العلم ودليل ذلك أن السلف إذا أطلقوا كلمة العلم قصدوا الكتاب والسنة، وما سوى ذلك من آراء الفقهاء يسمونها إيه رأي، مجرد رأي نعم.
وعن ابن وبإسناد عن ابن سيرين أنه سئل عن المتعة بالعمرة إلى الحج فقال: كرهها عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، فإن يكن علماً فهما أعلم مني، وإن يكن رأياً فرأيهما أفضل. يعني إذا كان من الكتاب والسنة فهما أعلم، وإن كان اجتهاد فرأيهما أفضل نعم. وبإسناد قال: سمعت أبا وائل شقيق بن سلمة يقول: لما كان يوم صفين وحكم ح لو بعض الشباب المعاصرين كان دخل في المسألة واجتهد وقال: هم رجال ونحن رجال هيك بعض الشباب المعاصرين، شوف الأدب قالهم رأي يعني حتى لو كان اجتهاد يبقى اجتهاده ما مقدم. وقس عا هذا على الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، لا تيجي تقول لي هم رجال ونحن رجال الله يكرمك تمام، أرائهم أفضل من رأيك في هذا الوقت نعم. هم ليسوا بمنزلة الصحابة لكنهم عظماء وأئمة كبار وأئمة في الرسوخ العلمي والمعرفي اللغوي والمقاصد، أرسخ منك بدرجات فلكية تمام، فمهم جداً أن تعرف قدرك مع الكبار ولا تكن كالفجار كما قالت عائشه لأبي سلمة بن أبي عبد الرحمن.
قال سمعت سهل بن حنيف يقول: يا أيها الناس، اتهموا اتهموا رأيكم، فلقد رأينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أبي جندل، ولو نستطيع أن نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددناه. وذلك أبو جندل الذي جاء يوم صلح الحديبية وقال: يا رسول الله خذني نعم ف عمر قال: يا رسول الله بدنا ناخذه. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا، احنا الآن عقدنا معاهدة والمعاهدة هي ملزمة لجميع الأطراف، وأمر أبا جندل بالصبر. فالصحابة تغيظوا، يعني أنت متخيل أبو جندل مسلم يفر بدينه ويرد إلى المشركين؟ طبعا هنا السياسة الشرعية تأتي والمصلحة العامة تقدم عن المصلحة الخاصة في فقه كثير يؤخذ من قصة أبي جندل ليس هذا وقت بيانه، لكن الفكرة أن بعض الصحابة يقول بعد ذلك أنه عرفنا بعد ذلك أنه كان حكم الله هو الصحيح، وأن كنا في تلك اللحظة كنا نود أن نرد حكم الله ونأخذ أبو جندل غصب عن المشركين، لكن بعد أن رأينا المصالح التي حصلت اتهمنا رأينا، وهذا كثير ما أنصح به الشباب المتحمس الاندفاعي في كثير من الآراء المعاصرة عندما يرى ما بالمسلمين من أحوال يريد أن يحمل العلماء الربانيين حطما الربانيين عر خطوط طبعا أن يحملهم فوق طاقتهم في أخذ آراء واجتهادات ويقول لك بعد يعني التحمس الزائد قد يأتيك بكوارث أيضاً، التحمس الزائد قد يأتي بماذا بكوارث. فالعالم الرباني الصادع بالحق الذي تراه الأمة في قضاياها بكل الأمور التي تعرفونها في خطابي بعد ذلك اصبر عليه ولا تطلب منه شيء أعلى من الواقع، لأنه اتهم رأيك يعني هذه هي الفكرة النهائية اللي بدو يوصلها ابن عبد البر.
انت كطالب متحمس اتهم رأيك وتوقع أن اندفاعك هو الذي ليس بصحيح، وأن توازنات بعض العلماء الربانيين هي الصحيحة، وأنت لن تدرك الآن هذا الكلام سستدركه بعد أن تمر العاصفة، ستدركه بعد بعد وقت، وهذا ما وقع مع الصحابة أنهم كانوا يريدون أن يردوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم لكن الله صبرهم عن هذا الأمر وهدأ نفوسهم وأنزل السكينة كما قال سبحانه. ثم بعد أن انجلى غبار صلح الحديبية أدركوا بعد ذلك صحة الشريعة وأن ما أمر به أحكم وأن هناك يعني قد تتزاحم المصالح في أزمة معينة من الأزمات فيجب أن يقدم أعلى المصالح، ولما نقول يقدم أعلى المصالح هذا يعني بالتأكيد أنها ستفوتك، لأن قدمنا في النهاية ما هو أولى بتحصيله، وهذا كلام من فقه عظيم، وما لم يبلغه لا يخوض في دين الله سبحانه وتعالى.
نعم وبإسناد قال: حدثنا طلق بن غنام قال: أبطأ حفص بن غيث في قضية فقلت له فقال: إنما هو رأي ليس في كتاب ولا في ولا سنة، وإنما أح أحز في لحمي فما عجلن ايش يعني هذا الكلام؟ اه يا شيخ عمار، ايش يقول؟ ماذا يقول حفص بن غياث؟ اه يا سند يقول: هذا هذا وهذا سنة أطع من لذا أخطأت. اه يعني حفص بن غياث هو قاضي قاضي تمام، فجاءت قضية نصبت بين يديه فتأخر ايش يعني تأخر؟ سكوت شوي وأعطى لنفسه مهلة لم يستعجل في الجواب. فقلت له قلت له هذه عبارة مختصرة، قلت له يعني يا حفص اقضي فيها فحفظ قال له: يا عمي شوي شوي قال: هذه مسألة نازلة لا يوجد فيها نص لا من الكتاب ولا من السنة فإذا.
إذا تكلمت فإنما أتكلم من دمي وشحميات، وعلى وجه العجلة موضوع، بل يجب التؤدة والهدوء الذي طالب به حفص بن غياث. ففي هذا المعنى قلت له: اكتب، فقلت له لماذا لا تقضي؟ لماذا لا تحسم؟ فقال: هذا رأيي أنا، أنا أجتهد، المسألة ما فيها نص، ليس فيها كتاب ولا سنة، وإنما أحز في لحمي، فما عجلتي؟
لماذا الاستعجال؟ الهدوء والتؤدة في النظر في وقائع المسلمين والمستجدات هذه سمة طالب العلم. طالب العلم الذي تراه أول ما تطر عليه المسألة مباشرة يبدأ بالكلام، إياك أن تأخذ منه، يعرف أنه عنده مشكلة. الكبار يهدون، الكبار لما تعرض عليهم نوازل الأمة لا يستعجل في الحديث، يهدأ ويتزن وينظر وينتظر حتى ينقشع كثير من الأمور. وأما الصغار، هم الذين مباشرة تجد عندهم رأياً ويتكلمون ويخوضون، وبحرمة بعض الطلاب يظن أنه دلالة على أنه فهمان، وأن الجواب على لسانه، هذا بالعكس خطر؛ أن تكون جوابك على لسانك. لأن العلماء يئدون ويهدون في اتخاذ الأجوبة.
وبإسناد، قال: سمعت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- وقد عاوده السائل في عشرة دنانير ومائة درهم، فقال أبو عبد الله: برأيي هذه مسألة، مسألة لو باضلت هذا المبلغ بهذا المبلغ ما حكم ذلك؟ برأيي استعف منها وأخبرك أن فيها اختلافاً، فإن من الناس من قال يزكي كل نوع على حده. هذا هو موطن الشاهد، هذا هو أن أحمد قال: يا عمي هذه المسألة ليس فيها نص، هذه فيها رأي، وبالتالي أعفيني من أن أبدي وجهة نظري، أنا أعطيك الخلاف والحسم عند غيري. وهذا من ورعه رضي الله عنه، لتريح علي.
ثم ذكر أبو عبد الله حديثاً عن جابر بن زيد أنه قبل يكتبون رأيك، وبإسناده قال أبو بكر الأثرم، ولم يزل به السائل حتى عاد: «وتلح علي، فما تقول أنت فيها؟ وما عساي أن أقول فيها وأنا أستعف منها؟ كل قد اجتهد». فقال له الرجل: لا بد أن نعرف مذهبك في هذه المسألة لحاجتنا إليها، فغضب، وبعض الناس لحوح لا يترك الشيخ، أنت تريد أن تحكي يا أحمد بن حنبل! أحمد يقول: يا أخي أنا لا أريد أن أفتي، لا بد أن تعطينا مذهبك. فغضب وقال: «إذا هاب رجل شيئاً أن يحمل على أن يقول فيه». ثم قال: «إن قلت فإنما هو رأي، وإنما العلم ما جاء من فوق».
ولعلنا أن نقول: القول ثم نرى. نفس الفكرة، العلم ما جاء بالنقل، وأما ما نقول نحن فيعتبرونه آراءً لا يعتبرونها علماً، وهذا من ورعهم أنهم لا ينسبون أقوالهم إلى العلم. ثم ذكر أبو عبد الله حديث عمرو بن دينار عن جابر بن زيد أنه قيل له: يكتبون رأيك؟ قال: تكتبون ما عسى أن أرجع عنه غداً؟ قال أبو بكر الأثرم: ولم ينزل به السائل حتى جعل يجنح لقول من لا يرى الجمع بينهما، وكأني رأيت مذهبه أن يزكي كل نوع منهما على حده. قال محمد بن مسلمة: إنما على الحاكم الاجتهاد فيما يجوز فيه الرأي، وليس أحد في رأي على حقيقة أنه الحق، إنما حقيقته الاجتهاد.
وبإسناد قال: سمعت مالك بن أنس -لا أحد كان يعتقد أن قوله هو الفصل وأنه الحق ويجب على الناس أن يتبعوه- هو هكذا، العلماء الكبار يعتبرون رأيهم اجتهاداً ويحتمل الخطأ، هذا معنى الكلام. وبإسناد قال: سمعت مالك بن أنس يقول: «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكلما وافق الكتاب والسنة خذوا به، وكلما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه».
والذي يليه نحوه، وبإسناد قال: سمعت مالك يقول. طبعاً من هذا الذي يريد أن ينظر في رأي مالك بن أنس ويرى أنه موافق للكتاب والسنة؟ واحد بمرتبته! لأن بعض الطلاب يأتي بقول: يا شيخ مالك قال انظروا في رأيي، فأنا أريد أن أنظر في رأي مالك وأشوف هو موافق للكتاب والسنة! يكون هذا الطالب متحمساً زيادة. أقول ماشي، هو صح مالك قال انظروا في رأيي، لكن هو لمن يقول انظروا، فهو يخاطب بها الجماعة من العلماء، وليس أنت الطالب الذي ما زلت تخطئ في الأجرية، الله يكرمك.
وبإسناد قال: سمعت مالكاً يقول، قال ابن هرمز: لا تمسك علي شيئاً مما سمعت مني من هذا الرأي، فإنما اجتهدت فيه، فلا تتمسك به. يعني هذا نحن اجتهدنا فيه. وبإسناد قال: سمعت الشعبي يقول: «ما حدثوك عن أصحاب رسول الله ﷺ فخذ به، وما قالوا فيه برأيهم فدعه». يعني هذا لا قيمة له.
وبإسناد قال: حدثنا أبو سفيان الحميري قال: سألته شيئاً عن تفسير القرآن، كيف صار فيه اختلاف؟ قال: قالوا برأيهم فاختلفوا. ما نتيجة القول بالرأي؟ وبإسناد، وإن كان كثيراً من الاختلاف حقيقة هو اختلاف تنوع، كما قال شيخ الإسلام في المقدمة في أصول التفسير: ليس اختلاف تضاد، لكن الاختلاف التضاد هو المشكل، قالوا هذا إنما نشأ في العادة من القول بالاجتهاد.
وبإسناد عن عاصم الأحول قال: كان ابن سيرين إذا سئل عن شيء قال: ليس عندي فيه إلا رأي أتهم به، فقيل له: قل فيه على رأيك؟ فيقول: لو أعلم أن رأيي يثبت لقلت فيه، ولكني أخاف أن أرى اليوم رأياً وأرى غداً غيره، فأحتاج أن أتتبع الناس في دورهم. قال: إذاً اليوم أفتي وبكرة تغير رأيي، سأضطر أن ألف على كل الذين أفتيتهم بالأمس، بيت بيت، أقول: يا فلان ترى أنا غيرت. فكان هذا يسبب كثيراً من الورع والتوقف قبل أن يجزم برأيه في المسألة خشية أن يتتبع الناس في دورهم ويخبرهم أنه تراجع عن فتوى البارحة.
وهذا باختصار إدراك المسؤولية. إخواني، اليوم نحن نعاني من ظاهرة مخيفة، أن الإنسان يتكلم في الدين وما يحسب، على السوشال ميديا في أي مكان، يطلع يوتيوبرز لا يحسبون أثر الكلام الذي تكلموا به، ولا يحسبون ما الذي سيحدث في بيوت الناس بسبب كلامهم. الذي يتكلم في دين الله يجب أن يحسب ألف حساب للأثر الذي سيتركه هذا الكلام.
وبإسناد عن سالم بن عبد الله بن عمر، أن رجلاً سأله عن شيء، فقال له سالم: «لم أسمع بهذا في شيء». فقال له الرجل: إني أرضى برأيك. فقال له سالم: «لعلي أخبرك برأيي ثم تذهب فأرى بعدك رأياً آخر غيره، فلا أجدك بعرف ما أقول لك؛ إني رجعت، كيف أخبرك أني تراجعت لو أني تغيرت؟».
طبعاً هذا هل هو مبرر حقيقي أو هو ورع؟ هو ورع؛ لأن أي إنسان مجتهد شيء طبيعي أنه ممكن يتغير اجتهاده، فلو أن الإنسان لا يتكلم خوفاً من تغير اجتهاده لما تكلم أحد، لكن هذا نحمله على سياق الورع، لكنه ليس ملزماً. أنا ماذا أفعل؟ خلاص ما أجتهد في دين الله خوفاً من تغير رأيي؟ أنا أجتهد، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت نعيد مرة أخرى وننظر مرة أخرى، وهكذا. لكن هذا الكلام أحمله على سياق الورع منهم، رضي الله عنهم.
وبإسناد عن عبد الله بن عمر، أنه كان إذا سئل عن شيء لم يبلغه فيه شيء قال: «إن شئتم أخبرتكم بالظن»، بالظن ليس بالجزم؛ يعني أنا هذا ظان ولست جازماً فيه. وقد تقدم ذكر قول أبي السمح رحمه الله أنه قال: «سياتي على الناس زمان يسمن الرجل راحلته ثم يسير عليها حتى تهزل»، يلتمس من يفتيه بسنته فلا يجد إلا من يفتيه بالظن، يفتيه بالظن يعني برأيه وهواه، لكن ما عنده سنة يعود إليها.
وروي عن مالك رحمه الله أنه كان يقول: «إنما هو ظن وما نحن بمستيقنين»، يعني مالك كلما سئل في مسألة اجتهادية قال: «إنما هو ظن»، هذه فتوى أيضاً، ولست مستيقناً. وعن عبيد الله بن الحسن العنبري، قاضي البصرة ومفتيها، أنه قال في نفقة الولد البالغ المدرك إنه لا تلزم الوالد، قيل له: أعطِ الشاب إذا أصبح بالغاً مدركاً؟ قال: لا تلزم والده أن ينفق عليه، الشاب يروح يشتغل. قيل له: أفيُعطيها الوالد من زكاة ماله؟ قال: إنما قولي لا تلزمه نفقته، رأي لا أدري لعله خطأ، وأكره أن يغرر بزكاته فيعطيها ولده، وهو يجد موضعاً لا شك فيه؛ يعني لا تعطي الزكاة لولدك حتى لو كان فقيراً، لأن إعطاء الزكاة للولد مشكوك فيه لخلاف، فضع زكاتك في شيء متفق أنه يجوز صرف الزكاة إليه، خلاص اصرفها للأجانب أو للأقارب الذين ليسوا من الأصول والفروع.
وبإسناد عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: سئل بعض أصحاب النبي ﷺ عن شيء، فقال: «إني لاستحي من ربي أن أقول في أمة محمد ﷺ برأيي». وقال عطاء: بلغنا هذا الورع، سبحان الله. وقال عطاء: «وأضعف العلم أيضاً علم النظر»، أن يقول رجل: رأيت فلاناً يفعل كذا، ولعله قد فعله سهواً. يعني بعض الناس يستدل مثلاً بتصرفات العلماء، يقول: والله هذه المسألة يا شيخنا رأيته يفعل كذا، أقول لك: انتبه لا تستدل بفعل شيخك، فلعل شيخك فعله سهواً، ففعل الشيخ لا يكون قدوة بهذا الإطلاق، وإن كان أرباب المذاهب يعتمدون أفعال الأئمة، لكن عموماً هذا ليس من أقوى الأدلة لأن العالم يتصور منه السهو والخطأ في أثناء الفعل، أثناء الصلاة وهكذا.
ومن فصل ابن المقفع في اليتيمة قال: «ولعمري إن لقولهم: ليس الدين خصومة أصلاً يثبت»، وذا علم النظر، أي ماذا يعني علم النظر؟ قال: «وأضعف العلم علم النظر»، يعني أن تنظر إلى أفعال شيخك فتعتبر شرعاً؛ أن تنظر إلى أفعال الشيخ لا أن تسمع أقواله، لا تعتمد أفعاله، بول لك هذا ضعيف، لماذا؟ لما قلنا إن الشيخ قد يكون له رأي فقهي لكنه يفعل خلافه سهواً أو خطأً، وهذا متصور.
«ولعمري إن لقولهم: ليس الدين خصومة أصلاً يثبت»، وصدقوا ما الدين بخصومة؛ ولو كان خصومة لكان موكلاً إلى الناس يثبتونه بآرائهم وظنونهم. ما معنى ليس الدين خصومة أصلاً يثبت؟ يعني ليس حديثاً ثابتاً عن النبي ﷺ، لكن معناه صحيح. هذا الحديث أقول لك ليس أصلاً ثابتاً، لكن معناه صحيح، قال: «وصدقوا ما الدين بخصومة».
وصلنا إلى: «وكل مكل إلى الناس رهينة ضياع، وما ينقم على أهل البدع إلا أنهم اتخذوا الدين رأياً، وليس الرأي ثقة ولا حتماً، ولم يتجاوز الرأي منزلة الشك والظن إلا قليلاً، ولم يبلغ أن يكون يقيناً ولا ثباتاً».
أعدت النظر في الجملة مرة أخرى؛ قال: «ولعمري إن لقولهم: ليس للدين خصومة أصلاً يثبت»، إذاً هذا أخذناه، «ولعمري إن لقولهم ليس للدين خصومة أصلاً يثبت»، هذا بعكس ما قلته؛ يعني وإن لم يكن حديثاً لكن له أصل يمكن أن نثبته عليه، إذا جعلتها خبر "إن" أو اسم "إن" مؤخر. ماذا قال؟ «ولعمري» هو يقسم، يقول: إن لقولهم ليس للدين خصومة أصلاً يثبت، فهو يقول إن هذه الجملة يمكن أن نجعل لها أصلاً ثابتاً، وصدقوا فيها هذا الكلام، هو الأعدل؛ لأنه جعلها خبر "إن"؛ أي أن لقولهم ليس للدين خصومة يمكن أن نجعل لها أصلاً ثابتاً.
«ولستم سامعين أحداً يقول: الأمر قد استيقنت، وعلمه أرى أنه كذا وكذا»، فلا أجد أحداً أشد استخفافاً بدينه ممن اتخذ رأيه ورأي الرجال ديناً مفروضاً. قال أبو عمر إن هذا المعنى -والله أعلم- أي لا أحد أشد استخفافاً بدينه ممن اتخذ رأيه ورأي الرجال ديناً مفروضاً.
هذا كلام مهم جداً، أنت تستخف بدين الله إذا اعتبرت اجتهادك ملزماً للأمة، أنت يا أيها المجتهد يبقى قولك في مساحة الاجتهاد، وإياك أن تعتبر قولك ديناً تلزم به الناس. بعض الناس يجتهد في فهم منهج السلف، ثم يعتبر فهمه لمنهج السلف هو طريقة السلف، والذي خالفها صار مبتدعاً، يا أخي حبة حبة الله يرضى عنك، فرق بين منهج السلف كمنهج سلف ثابت بالنقل، وبين فهمك أنت لمنهج السلف، فرق هائل بين هذه العبارة وهذه العبارة. فهمك لمنهج السلف هو اجتهاد منك، أما الشيء الذي تعتبره منهج السلف القطعي وما خالفه مبتدع فهو شيء ثبت بالإجماع وبالنقل أنه منهج، أما ما فهمته أنت فيبقى فهماً وليس ملزماً للناس، فهناك من يخالفك من العلماء في فهم منهج السلف.
السلف في بعض التفاصيل حتى تلزمني، وحتى تعتبرني مبتدئًا؛ إذا خالفتك يجب علي أن تأتيني بإجماع أنه هذه طريقة السلف، مش باجتهادك وتخليه هو المنهج ومن خالفك مبتدع. هذه طريقة المتنطعين.
«فاترك ما علمت لراي غيري، وليس الراي كالعلم اليقين». وهي أبيات كثيرة أشدها مصعب، ثم ذكر ابن حزم أنها شعره، وسنذكر الأبيات بتمامها في باب ما تركه المناظرة والجدال.
وفي هذا الباب من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، روي -ولا أعلم بين المتقدمين- وأفضل ما روي عنهم في الرأي أنهم قالوا: نعم، نقرأ ولا نعلم. ولا نعلم بين متقدمي علماء هذه الأمة وسلفها؛ خلافًا لأن الرأي ليس بعلم حقيقي؛ لأنه ليس مجزومًا به. لماذا لا يعتبرونه علمًا؟ ليس مجزومًا به، هم يعتبرون العلم ما كان مجزومًا به، والآراء الاجتهادية تبقى في ساحة الظن.
وأفضل ما روي عنهم في الرأي أنهم قالوا: «وزير العلم الرأي الحسن». فالرأي هو وزير، لكنه ليس علمًا بحد ذاته. وقالوا: «أبقِ الكتاب موضعًا للسنة، وأبقِ السنة موضعًا للرأي الحسن».
قال أبو عمر: «وأما أصول العلم فالكتاب والسنة». وتنقسم السنة قسمين: أحدهما إجماع تنقله الكافة عن الكافة، وهذا ما نسميه الحديث المتواتر، وهذا التعريف هو الصحيح للحديث المتواتر؛ نقل الكافة عن الكافة، وهذا هو تعريف الإمام الشافعي له.
وأما ما هو مشهور في كتب المتأخرين من مصطلح الحديث: «ما رواه عادة تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن مثله من منتهى السند من مبتدأ السند»؛ هذا في الحقيقة تعريف مدخول وليس بصحيح على قواعد السلف في تعريف المتواتر. تعريف المتواتر: نقل الكافة عن الكافة بدون اشتراط أن تحيل العادة تواطؤهم على الكذب؛ لأن هذا القيد إنما هو قيد دخل من طريقة المتكلمين، وتأثر به من تأثر من العلماء المتأخرين في علم المصطلح، ولذلك انتقده ابن تيمية وغيره.
وأما تعريف نقل الكافة عن الكافة، فأسلم وأشهر، وأنه على تعريف المتأخرين من علماء الحديث لن تجد حديثًا متواترًا إلا حديثين أو ثلاثة بالكثير. وأما على هذا التعريف الذي ذكره الشافعي وابن عبد البر، فلا يمكن أن نأتي بأمثلة كثيرة على أحاديث متواترة، وليس كما يقول علماء الكلام إن الأحاديث المتواترة لا تتجاوز حديثًا أو حديثين؛ هذا غير صحيح.
فهذا من الحجج القاطعة للأعذار؛ فإذا لم يوجد هناك خلاف، ومن رد إجماعهم فقد رد نصًا من نصوص الله، يجب استتابته، وإراقة دمه إن لم يتب لخروجه عما أجمع عليه المسلمون، وهو غير سبيل. إن الخروج عن إجماع المسلمين القطعي الثابت خروج عن الإسلام، لكن هذا يحتاج أولًا إلى التأكد من القطعية حتى لا نستعجل بإخراج الناس من الدين مع عدم وجود قطعي.
القسم الثاني من السنة: أخبار الآحاد الثقات، وإثبات العدول، والخبر صحيح الإسناد المتصل منها يوجب العمل، على جماعة علماء الأمة الذين هم الحجة والقدوة. ولذلك خبر السالم -ما عندي المرسل- إذا كان من سالم الثقة مرسلًا كمرسل مالك بن أنس وغيرها، معروف أنها معتمدة عند الفقهاء؛ المرسل وإن ضعفه علماء الحديث لكنه معتمد عند الفقهاء يوجب العمل أيضًا، والحكم عن جماعة منهم.
لكن قال: الحديث المرسل ليس متفقًا على العمل به لوجود خلاف بين أهل العلم، ومنهم من يقول إن خبر الواحد العدل يوجب العلم والعمل جميعًا، والكلام في ذلك موضع غير هذا؛ هذا في علم أصول الفقه يدرس.
وبإسناده قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تعلموا الفرائض والسنة، والسنة كما تتعلمون القرآن». وبإسناده تعلموها بالتفصيل: الفرائض والسنن.
وبإسناد قال لي إسحاق بن راهويه: كان الزهري إذا ذكر أهل العراق ضعف علمهم، فقلت له: إن بالكوفة مولى لبني أسد، يعني الأعمش يروي أربعة آلاف حديث، قال: أربعة آلاف حديث؟ قلت: نعم، إن شئت جئتك ببعض حديثه أو ببعض علمه. قال: فجئ به. فجئت به، فلما قرأه قال: «والله إن هذا لعلم، ما كنت أرى أنا بالعراق أحدًا يعلم هذا».
كان أهل المدينة والحجاز عندهم نظرة سلبية لعلماء العراق أنهم لا يعرفون شيئًا في الحديث، لكن هنا الزهري لما بلغه ما عند الأعمش من الأحاديث -وأنتم تعرفون الأعمش إمام من الأئمة- قال: «والله ما كنت أعتقد أن عندهم مثل هذه الأحاديث». إذًا القول بأن أهل العراق ما كانوا يعرفون الأحاديث، أو أن فتاويهم صادرة لقلة معرفتهم بالحديث، هو كلام ليس دقيقًا ولا محررًا. هذا شيء فقط من باب النظر؛ إياك أن تستعجل في اتخاذ القرار أنهم ضعفوا في البضاعة الحديثية، فهم لم يضعفوا بهذا النفس الكبير، بالتأكيد هم أقل من غيرهم، لكن ليس بهذا التصور المجحف أنهم ما عندهم شيء وكانوا يفتون بآرائهم أحيانًا.
هناك إجحاف في سرد التاريخ وعدم تعمق؛ وتنبه هل المعلومة التي أقرأها في هذه الكتب صحيحة ولا خاطئة؟ إن بعض الكتب تجحف في تصوير الحالة العراقية، كأن حالة أبي حنيفة وجماعته كانوا يقولون بأهوائهم وآرائهم، ما هذا كلام صحيح إخواني، حتى من حيث الدراسة العلمية، دعك من موقفك منه ومن غيره، لكن اعرف التاريخ كما هو بدون زيادة ولا نقصان.
وبإسناد قال شريح: «إنما اقتفي الأثر، فما وجدت في الأثر حدثتكم به». وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس أنه: «لا رأي لأحد مع سنتي سنة رسول الله ﷺ». وبإسناد سمعت ابن المبارك يقول: «ليكن الأمر الذي تعتمدون عليه هذا الأثر، وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الحديث». وبإسناد عن سفيان قال: «الأصل الأثر، وآراء الرجال إنما توظف في شرح الآثار وفهمها وليس التطاول عليها».
وبإسناد قال: أنشدنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن سفيان الثوري قال: «إنما الدين الآثار». هذا ما عندكم، النص لا حكاية.
وبإسناد قال: أنشدنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: «دين النبي محمد أخبار ... نعم المطية للفتى الآثار لا ترغبن عن الحديث وأهله ... فالرأي ليل والحديث نهار»
الرأي ظلم آراء الرجال، والذي ينورها الآثار والسنة. جميل هذا الكلام، ولربما قال الشاعر: ولربما جهل الفتى أثر الهدى .. والشمس بازغ لها أنوارُ
هذه الأبيات ينبغي أن يحفظها طالب العلم عموماً. وقال بشر السري السقطي: «نظرت في العلم فإذا هو الحديث والرأي، فوجدت في الحديث ذكر النبيين والمرسلين، وذكر الموت، وذكر ربوبية الرب وجلالته وعظمته، وذكر الجنة والنار، وذكر الحلال والحرام، والحث على صلة الأرحام، وجمع الخير. ونظرت في الرأي فإذا فيه المكر والخديعة والتشريح، واستقصاء الحق والمماطلة في الدين، واستعمال الحيل، والبعث على قطع الأرحام، والتجرؤ على الحرام».
هذا الكلام عن الرأي المذموم، الرأي الذي فيه الخديعة، وليس هذا هو آراء العلماء، بل هذه آراء من ضعفت بضاعته في الحديث. وبإسناد عن محمد بن سيرين قال: «كانوا يرون أنهم على الطريق ما داموا على الأثر». يعني كانوا رحمهم الله، سلفهم الصالح، يرون أنهم على المنهج الصحيح ما داموا متمسكين بالآثار، ولا يقولون بالأذواق بعيداً عن الأثر.
قال أبو عمر وقد زادنا هذا المعنى بيتان بياناً في باب الرأي، وقلت أنا: «مقالة ذي نصح وذات فوائد، إذا من ذوي الألباب كان استماعها، عليك بأثر النبي فإنها من أفضل أعمال الرشاد اتباعها».
قال الزهري: «يا هلي، يعجبك الحديث؟ قلت: نعم. قال: أما إنه يعجب الذكور الرجال، ويكرهه المناثئ». والجميل في قوله: الحديث يعجب الرجال ويكرهه الإناث، ويقصد بالإناث المميعين؛ أصحاب الدعوات الهدامة من الفكر الحداثي والعلماني والليبرالي، هؤلاء الذين إذا قلت لهم: «قال رسول الله ﷺ»، قالوا لك: «يا أخي هذه أمة انقضت، خلينا نتكلم في واقعنا وفي رؤيتنا المعاصرة، فلسف علينا»، فيقول لك ابن شهاب الزهري: هذا الحديث يعجب الرجال ويكرهه المناثئ.
وذكر أبو جعفر الطبري في التاريخ الكبير أنه بلغه عن المبارك الطبري أنه سمع يقول للمهدي -وهو ابن أبي جعفر المنصور-: «يا أبا عبد الله، لا تجلس وقتاً إلا ومعك من أهل العلم من يحدثك». فإن محمد بن شهاب الزهري قال: «الحديث يعجب الذكور الرجال ولا يحبه إلا الذكور»، وصدق أخو زهراء بن شهاب الزهري.
وقلت لعثمان البتي: دلني على باب من أبواب الفقه، قال: «اسمع الاختلاف حتى يتسع مداركك، وتعرف الفقه؛ اختلاف العلماء في المسائل». وبإسناد قال: سمعت سفيان الثوري يقول: «إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التجديد فيحسنه كل أحد».
عظيم جداً هذا الأثر، وهو أن بعض طلاب العلم يظن أنه الشطارة في الفتوى والذكاء أن تشدد على الناس وتسكر منافسهم جميعاً، كله حرام! ماذا يقول لك سفيان الثوري؟ يقول لك: ترى ليس التجديد على الناس هو الفقه. يعني لا تعتبر نفسك فقيهاً متقناً إذا كان كل شيء تقول فيه للناس حرام حرام.
فالفقيه كما يقول القرافي: يغلق الذرائع في جوانب، فإنه يفتح في أماكن أخرى. فالفقه أن تعرف المعاملات وحياة الناس، كيف توسع عليهم بطريقة مشروعة؛ إذا كان في طريقة مشروعة يمكن أن توسع فيها على الناس، وسع ولا تضيق. قال: «فإن التجديد يحسنه كل أحد».
يا أخي، شوف سفيان الثوري ماذا يقول لك: التجديد؟ تقول للناس كل شيء حرام، ما أسهله! إذا أحد سألك عن مسألة حرام، خلص، لا تعمل شيء، ويجي واحد ثاني تقوله برضه حرام. التجديد هذا سهل، لكنك تعسر على الناس حياتهم. الفقيه هو الذي يعرف كيف يفتح للناس الحلال بالضوابط الشرعية بعيداً عن الحيل، هذا هو الإتقان في الصنعة والفهم.
خاصة اليوم عندك معاملات مالية، عندك بنوك، عندك حياة متعبة جداً، فنحن نحتاج إلى فقهاء يحسنون التعايش مع المجتمع ويعطون فتاوى صحيحة منضبطة، ويجدون مخارج للناس حتى تستقيم الحياة. وإلا التضييق سهل، أن أقول لك: لا تتعامل مع البنوك، ولا تتعامل مع شيء، وانتهى الأمر؛ هذا سهل جداً.
وبإسناد عن أبي القاسم عبيد الله بن عمر بن أحمد: «الرخصة إنما العلم الرخصة»، أي التسهيل، بس إذا صدر من ثقة، لا من واحد مميع هو أصلاً يحب التمييع في المسائل الشرعية. لا، العالم الثقة الذي يعرف كل شيء في يضع موضعه، هذا الذي التيسير منه مطلوب. أما المميع، فإياك أن تقربه، فإنه في المقابل يجعل كل شيء حلالاً؛ بعض الناس يجعل كل شيء حراماً، والمميع يجعل كل شيء حلالاً.
وعن أبي القاسم عبيد الله بن عمر بن أحمد قال: «إن من حق البحث والنظر الإضراب عن الكلام في فروع لم تحكم أصولها، والتماس ثمرة لم تغرس شجرتها، وطلب نتيجة لم تعرف مقدماتها».
هذا النص عظيم، ولازم تحفظه وتنتبه له؛ لأنه يسكل منهجاً في العلم الشرعي وفي طريق طلبه. قال: «إن من حق البحث والنظر في أي مسألة من المسائل المعاصرة الإضراب عن الكلام في فروع»، أي في مسائل لم تحكم أصولها وأنت لا تحكم أصول النظر فيها. وهذا عامة ما يعانيه كثير من طلاب العلم، بل حتى المتصدرين والمتشدقين بالعلم الذين يخوضون بحثاً ونظراً في فروع هم لم يحكموا أصول النظر فيها من مقاصد الشريعة وأصول الفقه. هذه أصول النظر، أنت لم تحكم هذه الأصول، إياك أن يكون لك بحث ونظر واجتهاد في شيء أنت لم تحكم أصوله.
قال: «والتماس ثمرة لم تغرس شجرتها»، إذا أنت لم تغرس في نفسك أصول العلم لا تنتظر حصول الثمار. إذا لم تغرس العلم غرساً صحيحاً، لن تكون هناك ثمار حقيقية، ستكون ثماراً مزيفة تضحك بها على نفسك وعلى الناس، لكن الثمار الحقيقية لن تكون. قال: «وطلب نتيجة لم تعرف مقدماتها»، كيف تريد الوصول إلى نتيجة أو حكم وأنت لم تضع المقدمات الصحيحة؟ لابد من مقدمات تبنى عليها النتائج.
ثم قال أبو عمر: «ولقد أحسن القائل وكل علم غامض رفيع .. فإنه بالموضع المنيع ولا يرتقى إليه إلا عن درج .. من دونه بحر طموح ولجج ولا ينال ذروة الغايات إلا عليم بالمقدمات»
وقال صالح بن عبد القدوس: «لن تبلغ الفرع الذي رمته إلا ببحث منك عن أصله». هنا في هذه النصوص ركز ابن عبد البر على أهمية تحصيل الأصول، ومن لم يحصل...
الأصول كانوا يقولون: «حرم الوصول في نص...» قفز عنه في قوله عن عمه أبي الفضل ذي النون بن إبراهيم، أنه سمعه يقول: «من أعلام البصيرة بالدين معرفة الأصول؛ لتسلم من البدع والخطأ والأخذ بالأوقات».
يعني من علامات التبصر في دين الله شيئان: أن تكون محكمًا للأصول حتى تفرق بين الصواب وبين البدعة والخطأ، وأنك إذا تزاحمت عندك النظر في الفروع، تأخذ بالأحوط من الأقوال سلامة لدينك. هذا كلام أيضًا مهم.
نختم بقول الأصمعي: سمعت أعرابيًا يقول: «إذا ثبتت الأصول في القلوب، نطقت الألسن بالفروع». هذا كلام عظيم جدًا، ربما أنت مش مستوعب كم حجمه في ذهنك، لكنني أدرك تمامًا كم عظمة هذا الكلام وهذه الآثار.
طالب العلم الذي يحكم أصول العلم، يُقال له: يا شباب احفظوا المتون الأساسية، افهموا أصول العلم؛ إذا حفظت المتون ما بخاف عليك في الفروع، يصبح لك ضبط ومنهاج تسير عليه. لكن مشكلتنا في التعليم الجامعي المعاصر أنه يحرم الطالب من الأصول، فيصبح كل إنسان يتكلم بالهوى.
من ضبط أصول العلم كما قال الأصمعي: «إذا ثبتت الأصول في القلوب نطقت الألسن بالفروع»، خلص بصير عندك منهج. الأصول هي تشكيل المناهج العلمية، ومن يشكل المنهج ويجلس فترة جيدة في تشكيل المنهج، ستكون كلامه في سائر فروع الشريعة منضبطًا.
أخوف ما أخاف على الشباب من شيخ أو دكتور جامعي يحمل رسالات الشريعة وهو لا يملك منهجًا، وهذا للأسف -حتى أكون دقيقًا- هو حال السواد الأعظم اليوم؛ عدم وجود منهج أصول ينطلق منها في كلامه، وبالتالي يوم في الشرق، فتوى في الغرب، شوي في الشمال، شوي في الجنوب؛ لأنه ما في أصول ومنهج علمي. إذا ثبتت الأصول في القلوب نطقت الألسن بالفروع.
والله يعلم أن قلبي لك شاكر، ولساني لك ذاكر، وهيهات أن يظهر الود المستقيم من القلب السقيم. نسأل الله أن يجعل قلوبنا صحيحة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. نصيحة للأحبة الكرام في بداية الجلسة الثالثة؛ هناك أربعة كتب أنا أنصح بها أي إنسان يشرع في العلم، وأنا لذلك أشرحها الآن للطلبة.
هذه أربع كتب قبل أن تقول لي: أريد أن أدرس في النحو والأصول وأبدأ في العقائد؛ وهي كتب تضبط لك المنهج يا طالب العلم: المنهج السلوكي، النفسي، العلم، والحياة عمومًا. كتب من فهمها وأدمن النظر فيها وقرأها على العلماء، ثم أعاد النظر فيها وحده، سيستطيع بإذن الله أن يستخلص منهج الحياة العلمية والمعرفية.
الكتب هي: «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر، و«صيد الخاطر» لابن الجوزي، و«الداء والدواء» لابن القيم، و«أدب الدنيا والدين» للماوردي. هذه الكتب الأربع إذا أدمنت النظر فيها -وطبعًا هذه الكتب ينبغي أن يدرسها الطالب في بداية رحلته العلمية ولا يقرأها وحده، الأصل أن يعرضها على شيخ أو يسمع شرحًا لها، لا يعالجها وحده، يسمعها من أصحاب الخبرة ممن سبقوه في هذا الطريق حتى يوقفوه على معاني المفردات والجمل وعلى أبعادها- بعد أن تسمعها من المشايخ عليك أن تبقى هذه الكتب رفيقة لك في دربك العلمي بإذن الله.
ما قيمة هذه الكتب؟ ربما أنت الآن لن تدرك ذلك، لكن عندما يمضي بك مشوار الحياة ستعرف قيمة اكتساب المنهج النفسي والسلوكي والحياتي والمعرفي. يعني أن بناء المنهج هو أساس كل شيء، وبعد ذلك أن أدرس الآجرومية، ولا الألفية، ولا قطر الندى، كل ذلك فروع.
أنا أسمي من لا يملك منهجًا حياتيًا... ولما أقول المنهج لا أقصد فقط المنهجية في طلب العلم، كأن آخذ هذا المتن قبل هذا المتن، بل أتكلم حتى على طريق إدارة النفس وأسلوب الحياة، وطريقتك في التعاطي مع العلم والتواصل مع العلماء والبيئة العلمية، والتعامل مع الكتب، وإدارة تزاحم المصالح في حياتي وغير ذلك. أنا أزعم أن هذه الكتب من أعظم ما تركه علماء التراث، من أعظم ما كتب كمنهج حياتية.
هذه الكتب الأربعة تحتاج منك أحيانًا لإعادة ترتيب للأفكار، وبعد أن تنظر فيها -الأصل يعني خلصت هذه الكتب الأربع- الآن ارسم منهجك، ارسم ماذا استفدت من هذه الكتب وكيف ستخطو حياتك بناءً على ضوئها. أما هكذا ما يفعله بعض الطلاب؛ أول ما يخطر في ذهنه طلب العلم يريد النحو، ويريد الصرف، ويريد البلاغة.
طيب يا أخي اهدا شوي، أنت رسمت المنهج أصلاً؟ عارف أين ستسير بك هذه السفينة؟ هل تدري أين الحياه العلمية ستقودك وإلى أين سيصل مركبك؟ إذا هذه الأمور غير واضحة في ذهنك ابتداءً، أنت لا تعرف العلم ولا طريق العلم ولا الثمن ولا المطلوب ولا الأفكار ولا كيفية إدارة النفس. كيف ستسلك طريقًا وأنت جاهل ببنياته وأنت جاهل بتفاصيله؟
أي إنسان في الحياة يريد أن يدخل طريقًا لا بد أن يكون عنده معرفة بهذا الطريق، أليس كذلك؟ أنت مثلاً تريد أن تسافر من عمان إلى بلاد الحرمين، مش بدك تعرف طريق الذهاب؟ ما رح ينفع تمشي هكذا في الشارع إن شاء الله بتوصل، إن شاء الله ما توصل لـ 100 سنة وأنت لا تعرف الطريق، ولا تعرف أين هو الطريق الموصل وما معالمه.
هذه الكتب الأربع هي التي تضع المعالم بالنسبة لي على الأقل فيما رأيته مما تركه العلماء. البعض يضيف «إحياء علوم الدين»، البعض يقول هذه الكتب اختصرت حتى ما في الإحياء وفي غيره؛ لذلك أنا أقول لك هي الزبد. هذه الكتب الأربع هي زبد ما هو منثور في الكتب الأخرى، فادمن النظر فيها بإذن الله، ثم ارسم منهج حياتك، وارسم الخطط على مستواك النفسي والاجتماعي والحياتي، وعلى بعد ذلك مستواك العلمي وماذا تريد أن تكون.
هذا فقط فائدة سريعة حتى تعرفوا لماذا نحن نتدارس مثل هذه الكتب، وأعتبرها أحيانًا أهم من أني أدرسك الآجرومية ولا غيرها من المتون الكبرى؛ لأن هذه تعطيك فلسفة في الحياة ونظرة صحيحة.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، عليه الصلاة والسلام. قراءة سريعة لباب العبارة عن حدود الديانات وسائر العلوم الممنوحة عند جميع أهل المقالات. قال أبو عمر: «حد العلم عند العلماء والمتكلمين في هذا المعنى هو ما استيقنت وتبينت، وكل من استيقن شيئًا وتبينه فقد علم».
وإذا ما تعريف العلم؟ قال: «تعريف العلم عند العلماء والمتكلمين: العلم هو كل شيء استيقنت». هذا تعريف العلم حتى من الناحية اللغوية؛ العلم هو ما استيقنت وتبينت.
شيء وصلت فيه إلى اليقين والبيان والوضوح، فهذا يسمى علمًا. وعلى هذا، من لم يستيقن الشيء وقال به تقليدًا فلم يعلمه، فكل إنسان أخذ قولًا من دون وضوح ولا معرفة بدليله وكيف بني، فهذا لا يسمى عند المتقدمين علمًا، وإن كنا نحن اليوم نسمي الذين يحفظون المتون أو ينقلون المذاهب علماء، لكن عند الأقدمين لا يسمون علماء. العالم يعرف المسألة بدليلها ووجهها وكيف بنيت ومن أين أتت، هذا هو العالم في عرفهم.
والتقليد عند جماعة من العلماء غير الاتباع؛ لأن الاتباع هو أن تتبع القائل على ما بان لك من فضل قوله وصحة مذهبه. ما الفرق بين التقليد والاتباع؟ سؤال: نحن لما نتبع النبي ﷺ هل نسمي اتباعنا له تقليدًا؟ لا، اتباعك للنبي وسيرك على منهجه اسمه اتباع مش تقليد. التقليد هو أن تأخذ قول شخص أنت مش عارف صح ولا خطأ، بس خلص جعلته بينك وبين الله، قلت مثلاً أنا بدي أتبع الحنابلة، جعلت كلامهم بينك وبين الله في المسائل، هو كلامهم صح وكلامهم خطأ، أنا مش متأكد بس أنا عامي ما بقدر، قلت يا رب فقدت أحمد وجعلته بيني وبين الله.
أما النبي ﷺ، فهل يمكن أن يكون في كلامه صواب وخطأ وتقول يا رب أنا اتبعت؟ لا، لا يمكن، فالنبي ﷺ يقول: «كل ما يقوله صلى الله عليه وسلم صح». فإن تعرف فضله وصدقه وبانت لك الحجة على أنه الحق مهما كان، وبالتالي اتباعك له لا يسمى تقليدًا بل يسمى اتباعًا. وأما غير من العلماء الذين يصيبون ويخطئون، فاتباعهم يسمى تقليدًا لأنك حملت المسؤولية عند الله، لتسمي تقليدًا: أنا قلدت أحمد، قلدت الشافعي، وأنا ما أستطيع أكثر إلا أن أتبعهم، فإن أصابوا فمن الله وإن أخطأوا فهذا ما وصلوا إليه.
والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرف وجه القول ولا معناه، وتأبى من سواه أو أن يتبين لك خطأه فتتبعه مهابة خلافه. هذا كلام يحتاج لنظر؛ إذا تبين لي أن العالم أخطأ، هل يجوز لي أن أتبعه مهابة أن أخالفه؟ لا، لكن ليس من السهل. هنا بدك تركز؛ بعض الطلاب الناشئ في العلوم الشرعية يقول لك: يا أخي أنا درست المذهب الحنبلي وتبين لي خطأ أحمد! لا حبيبي استنى شوي، لما تقول لي تبين لي خطأ أحمد، هذه كلمة عريضة؛ من الذي يقول تبين لي خطأ أحمد؟ الشافعي مجتهد متمكن متضلع، وأما طالب مبتدئ سقط في خطواته الأولى يقول تبين لي خطأ الشافعي أو رأيت أبا حنيفة خالف القرآن والسنة!
بعض العبارات تخرج من طلاب العلم ولا تعرف كيف يتكلم بها أو من أين أخذ هذه الجرأة أن يقول تبين لي! ما هو أنت يا أخي الكريم لو أتيت إلى أساسيات العلم سأكتشف أنك جاهل بها، جاهل بأساسيات العربية وبأصول فهم الأحاديث وأصول الجرح والتعديل، فكيف تقول تبين لي؟ كلمة «تبين لي» ضع تحتها خطًا في حياتك، لا تتكلم بها إلا إذا أصبحت مؤهلاً، إذا أصبحت مؤهلاً وتبين لك، لا يجوز لك أن تقلد. نعم أتفق معك، لكن لما تصل لهذه المرحلة نتكلم.
قال: «وأنت قد بان لك فساد قوله وهذا محرم القول به في دين الله سبحانه». والعلم عند غير أهل اللسان العربي فيما ذكر، يجوز أن يترجم باللسان العربي علمًا ويترجم معرفة. والعلوم تنقسم قسمين.
بعد أن عرفنا أن العلم هو ما تيقنت وجزمت به، وإن كان كثير من الناس يدخل المظنون تحت مفهوم العلم، وهذا ما يحدث في واقعنا؛ أنه حتى ما وصلت إليه بالظن يدخل تحت اسم العلم من باب توسعة مفهوم العلم، لكن قديماً مر معنا أن العلوم تنقسم عند علماء المنطق إلى علمين: علم ضروري وعلم نظري. ما الفرق بين العلم الضروري والنظري؟ النظري هو ما يسمونه العلم الكسبي. العلم الضروري هو كل علم لا يحتاج أصلاً إلى نظر ولا استدلال، يحصل لك مباشرة. السماء فوقنا، هل تحتاج إثباتًا لها؟ لا، هذا شيء معلوم، لا يحتاج إلى نظر ولا إلى استدلال، مثل معرفة الفرق بين البحر والنهر، وكثير من الأمور تعرفها بالبداهة.
الضروري يعرفونه بطرق مختلفة وكلها توصل إلى نفس المقصد؛ يقول لك الضروري: ما لا يمكن أن تتشكك فيه. هل يمكن أن تشك أن السماء فوقك؟ لا، إذاً هذا ضروري لا يمكن أن أشك فيه أصلاً، فأنا أراها، ويحصل له العلم بذلك قبل الفكرة والنظرة، أي لا يحتاج إلى فكر ولا إلى نظر فهو واضح جداً، ويدرك ذلك من جهة الحس والعقل.
في العلم باستحالة المتناقضات، هذا من المعلوم بالضرورة في العقول أن الأشياء المتناقضة لا تجتمع. هل يمكن أن يكون شخص قائم قاعد في نفس الوقت؟ عند إخواننا الصوفية ممكن، لكن عندنا فيما نعلمه من العقول السليمة أن هذا لا يمكن. هم يقولون يمكن الشخص أن يكون في الحج والعمرة وهو جالس معك، يقولون حلق بنفسه وبقي بجثته، فهذا من باب الاعتذار.
ومن الضروري أيضاً وجه آخر يحصل من جهة الحواس الخمس، ومن الضروريات ما يسمى المحسوسات، وهو كل شيء أدركته بالبصر السليم؛ كلمة «السليم» ضع تحتها خطًا، فممكن يكون بصره ضعيف فيدرك الشيء خطأ. فكل ما أدركته بالبصر السليم أو السمع السليم أو الأنف السليم أو الذوق السليم أو اللمس السليم يعتبر أيضاً من الأشياء الضرورية. فأنا لما أشرب هذا الكأس وأجد طعمه مراً، إدراكي للمرارة هذا ضروري لأني أدركته بإحدى الحواس، بس إذا شخص حاسته أصلاً مضروبة، فاقد لحاسة الذوق، هذا لا يسمى علمًا لأنه لا توجد حاسة أصلاً ليتم الاعتماد عليها.
قال: «كذوب الشيء يعلم به المرارة من الحلاوة ضرورة إذا سلمت الجارحة من آفة». رؤية الشيء يعلم بها الألوان والأجسام، وكذلك السمع يدرك بالأصوات. ومن الضرورية علم الناس أن في الدنيا مكة والهند ومصر والصين، والمصدر الثالث للضروريات هو الخبر. فإذاً خلاصة ما يريد ابن...
يجب أن تبني في ذهنك أن الضروريات من أين تحصل؛ إما من أمور في العقل مستقرة كاستحالة اجتماع المتناقضين، أو أمور تدرك بالحواس، أو أمور تدرك بالخبر المتواتر، الذي سماه قبل قليل "الآل الكافة عن الكافة"، وهذا منهج علمي.
والآن أبني لك المنهج المعرفي؛ متى تقول إنه في عندي علم ضروري؟ العلم الضروري مصادره ثلاثة: إما قواعد مستقرة في العقل وجدت في الدنيا وانطلقت في الحياة وفهمتها من الصغر، كاستحالة اجتماع المتناقضين وأن الكل أكبر من الجزء، واثنان: كل ما تدركه بالحواس السليمة يسمى علمًا ضروريًا، وثلاثة: كل ما أدركته بخبر العامة عن العامة، الذي يسمى المتواتر بتعريف السلف، وهذا أيضًا يعطيك علمًا ضروريًا.
فشخص يتكلم لم يزر الهند، الآن في واحد فيكم زار الهند؟ حتى ما حدا أخبر، ماشي، ما حدا زار الهند، هل في أحد فيكم شاك أنه في شيء اسمه هند؟ لا، لأن الأخبار المستفيضة تدل على أنه في دولة اسمها هند، يعني في أخبار مستفيضة ممن راح وجاء. وممكن الشخص يقول: شفت على التلفزيون، هو ابن عبد البر ما عنده تلفزيون، هو يتكلم في زمانه.
وأما العلم المكتسب، فهو ما كان طريقه الاستدلال والنظر، ويسمى علمًا نظريًا، ومنه الخفي ومنه الجلي؛ فالأمور النظرية منها ما يدرك بسرعة، ومنها ما يحتاج إلى علماء أفذاذ حتى يدركها. فما قرب من العلوم الضرورية كان أجل، وما بعد عنها كان أخفى؛ يعني العلم النظري بعضه يكون قريبًا فيكون قريبًا للعلوم الضرورية يأخذ حكمها، وبعضها يكون شديد الخفاء فيكون في غاية البعد عن العلوم الضرورية.
والمعلومات على ضربين: شاهد وغائب، فالشاهد ما علم ضرورة، والغائب ما علم بدلالة من الشاهد. وهذا كلام تقسيم آخر؛ فبعد أن قسم العلوم إلى ضرورية ونظرية -الذي هو الكسبية- قسمها بتقسيم آخر يقول لك: الأشياء المعلومة يمكن أن نقسمها باعتبار هل هي مشاهَدة أو غائبة؛ فإذا كانت مشاهَدة فإدراكها بالبحث والحس، وإذا كانت المعلومات غائبة فكيف سدركها؟ بالقياس على المشاهد. حتى تفهم الشيء لابد أن تستعمل القياس على المشاهد، هذه مسألة طبعًا فلسفتها كبيرة، ويخوض فيها علماء الأصول؛ قياس الغائب على الشاهد، أو قياس الغائب على الحاضر، مسألة كبيرة، ومتى تجوز ومتى لا تجوز، وليس هذا موطن بحثها.
قال: والعلوم عند جميع أهل الديانات ثلاثة: علم أعلى، وعلم أوسط، وعلم أسفل. فالعلم الأسفل هو تدريب الجوارح في الأعمال والطاعات، كالفروسية والسباحة والخياطة وما شابه ذلك من الأعمال التي هي أكثر من أن يجمعها كتاب أو يأتي عليها وصف، وهي المهارات الحياتية.
والعلم الأعلى عندهم علم الدين، الذي لا يجوز لأحد الكلام فيه بغير ما أنزل الله في كتبه وعلى سنة أنبيائه صلوات الله عليهم أجمعين نصًا ومعنى، نحن نسمي علم الدين والديانة والشريعة، وفي الفلسفة يسمون "الميتافيزيقيا" التي هي ما وراء الطبيعة. ونحن على يقين مما جاء به نبينا ﷺ عن ربه عز وجل، وسنة أمته من حكمته، فالذي جاء به هو القرآن: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، أي شفاء ورحمة للمؤمنين، أتاه الله الحكم والنبوة فكان ذلك يتلى في بيوته. قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: 34]، يريد القرآن والسنة.
ولسنا على يقين مما يدعيه اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل؛ لأن الله قد أخبرنا في كتابه عنهم أنهم يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عندنا، يحرفون، ثم يقولون: هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلاً، ويقولون: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون. فكيف يؤمن من خان الله وكذب عليه؟ وكيف تؤمن شخصًا وتؤمن على معلوماته وهو يخالف الله ورسوله؟
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: 52]. والحمد لله بما أنزل الله على نبينا ﷺ من القرآن وما سنه لنا عليه الصلاة والسلام.
قال أبو عمر: «من الواجب على من لا يعرف اللسان الذي نزل به القرآن -وهي لغة النبي ﷺ- أول علم ينبغي أن يتعلمه الطالب بعد حفظ القرآن، ألا وهو تعلم العربية؛ فإنها لسان الشرع». فسيركز على أهمية أن يبتدئ الطالب مشوار العلم بدراسة علوم اللغة العربية؛ لأنه الآن سيبدأ بشرح ما هي العلوم التي ينبغي الاعتناء بها في رحلتك.
الكتاب اسمه "جامع بيان العلم وفضله"، سيبدأ في بيان ما هو العلم، قال: أن يأخذ من علم ذلك ما يكتفي به ولا يستغني عنه، حتى يعرف تصاريف القول وفحواه وظاهره ومعناه، وذلك قريب على من أحب علمه وتعلمه، وهو عون له على علم الدين الذي هو أرفع العلوم وأعلاها، به يطاع الله ويعبد ويشكر ويحمد. فمن علم من القرآن ما به الحاجة إليه، وعرف من السنة ما يعول عليه، ووقف من مذاهب الفقهاء على ما نزعوا به وانتزع من كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ، حصل على علم الديانة، وكان على أمة نبيه مؤتمنًا حق الأمانة، إذا اتقى الله فيما علمه ولم تمل به دنيا شهوة أو هوى يرديه، فهذا عندنا العلم الأعلى الذي تحظى به في الآخرة.
والعلم الأوسط هو معرفة علوم الدنيا، التي يكون معرفة الشيء منها بمعرفة نظيره ويستدل عليه بجنسه. الآن كما قلنا، هو تكلم عن تقسيم العلوم إلى علم أدنى وهي علوم المهارات الحياتية، وعلم أعلى وهي علوم الشريعة، ولما تكلم عن علوم الشريعة تكلم عن أهمية تعلم العربية معها؛ فإن العربية هي لسان الشرع وبه يعرف دين الله، ولو أنك تعلمت العربية من أجل أن تفهم آية من كتاب الله تنجيك من النار، لكان تعلمك العربية أعظم شيء فعلته في حياتك لأنك أنقذت نفسك من النار بسببها.
الآن سيتكلم عن العلم الأوسط؛ مش قلنا العلم أدنى وأوسط وأعلى؟ الأدنى فهمنا أنه المهارات الحياتية، والأعلى هي علم الشريعة وما يتعلق بها، فما هو العلم الأوسط؟ مثل له بقوله: كعلم الطب والهندسة؛ العلم الأوسط هو معرفة علوم الدنيا التي يكون معرفة الشيء منها بمعرفة نظيره ويستدل عليه بجنسه ونوعه، كعلم الطب والهندسة، يعني العلوم الحياتية هذه.
العلم الأدنى هي المهارات، العلم الأوسط هي علوم الحياة التي تقوم بها الحضارة كالهندسة في العلوم، كذلك هو عند أهل الفلسفة إلا أن العلم الأعلى عندهم هو علم القياس في العلوم العلوية التي ترتفع عن الطبيعة والفلك. طبعا هم يسمونها ميتافيزيقيا أو علم الإهيات الفلاسفة.
نعم، مثل الكلام في حدوث العالم وزمانه، ومتى حدث العالم وهل هو قديم ولا حادث؟ وهذه المسائل التي يتطرق إليها علماء الكلام أيضا في الإسلام: هل العالم حادث ولا قديم؟ علماء الفلاسفة يبحثون هذا، والتشبيه ونفيه وأمور لا يدرك شيء منها بالمشاهدة ولا بالحواس، قد أغنت عن الكلام فيها كتب الله الناطقة بالحق المنزلة بالصدق وما صح. نحن لا نحتاج إلى علوم الفلاسفة فيما يتعلق بما وراء الطبيعة؛ لأن عندنا الوحي الإلهي كما قال ابن عبد البر يغنينا عن فساد عقولهم.
وإنما ظهرت البدع من المعتزلة والأشعة والماتردية عندما طلبوا العلم الإلهي من كلام الفلاسفة فضلوا وأضلوا. نعم، قال: قد أغنت عن الكلام فيها كتب الله الناطقة بالحق المنزلة بالصدق وما صح عن الأنبياء صلوات الله عليهم. ثم العلم الأوسط والأسفل عندهم على ما ذكرنا عن أهل الأديان، إلا أن العلم الأوسط ينقسم عندهم على أربعة أقسام: علم الموسيقى وعلم كذا والحساب. نعم هذا كله ليس من موضوعنا.
ومن أهل العلم من ينكر شيئا مما وصفنا أنه لا يعلم أحد بالنجوم. تكلم عن قضية؛ لأنه يعني هذه كلها علوم كان يبحث فيها الفلاسفة، التنجيم، الموسيقى، الحساب، هذه كلها أمور ظهرت عندهم، لكن هذا ليس من موضوعنا.
قال أبو بكر: لا بأس أن تتعلم من النجوم ما تهتدي به. يعني الآن سيطرح قضية: هل علم النجوم علم معتبر شرعا؟ وإن كان معتبرا عند الفلاسفة، عند الفلاسفة يعتبرونه علما ويدرسونه، عند أهل الإسلام هل يعتبر علما؟ ما أفاد في معرفة الطرق والاستدلال عليها لا إشكال فيه، لكن أن يستعمل للاستدلال بالنجوم على الغيب هذا هو موطن الإشكال.
عن أبي نظرة قال: قال عمر: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم أمسكوا. ثم أمسكوا يعني لا تخض في علم النجوم أكثر من ذلك. وعن إبراهيم قال: لا بأس أن تتعلم من النجوم ما تهتدي به، ما يدلك والله نجم الشمال يقودني هنا وتعرفون هذه الطرق.
قال أبو إسحاق المغربي الحربي: العلوم ثلاثة: علم دنيوي، وعلم دنيوي أخروي، وعلم لا للدنيا ولا للأخرة، ثلاث أشياء يعني لا خير في لا دنيا ولا في الآخرة. قال: فالعلم الذي للدنيا علم الطب والنجوم وما أشبه ذلك، والعلم الذي للدنيا والآخرة علم القرآن والسنة والفقه فيهما، والعلم الذي ليس للدنيا ولا للآخرة علم الشعر والشغل به.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد». إذا اقتبس علما من النجوم على أنه يريد به الاطلاع على الغيب، أما من اقتبس علما من النجوم للاستفادة في الاهتداء في الطرقات فليس مذموما. فدائما لما تقرا النص لا تأخذ على ظاهره بالتأكيد في له تقييدات، وإن كان صاحب الكلام لم يقيد، لكن أنت كطالب علم واعي لما تقرأ بدك تقيد. هو الكلام عن ماذا؟ عن علم التنجيم الذي هو تكلم في أمور الغيبيات، وأما علم النجوم المستفاد منه فإن لا أحد يذمه.
وروى طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوم ينظرون في النجوم: أولئك لا خلاق لهم. كلما ازددت اقتباسا من علم النجوم ازددت اقتباسا من السحر، هذا معنى ما زاد زاد، كلما ازددت اقتباسا من علم النجوم ازددت اقتباسا من السحر. لكن هذا بالقيد الذي ذكرناه: علم النجوم المذموم وليس علم النجوم المحمود.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد طهر الله هذه الجزيرة من الشرك أن لا تضل النجوم». إلا إذا اشتغلوا بعلم التنجيم جزيرة العرب المراد. وعن ميمون بن مهران قال: ثلاث لا تنازعوا أهل القدر، يعني لا تناقشوا الذين يكذبون بالقدر، الذين يكذبون بالقدر يسمون أهل القدر الذين يكذبون بأقدار الله. قال: لا تجادلوهم فهؤلاء أهل بدع، ولا تقولوا لأصحاب نبيكم صلى الله عليه وسلم خيرا، يعني لا تخض فيما حدث بين الصحابه ولا تنتقص أحدا منهم، ولا تنظروا في النجوم، اللي هو النظر المذموم طبعا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا ذكر القدر فأمسكوا».
وعن أبي محجن قال: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أخاف على أمتي بعدي ثلاثا: حيف الأئمة، وإيمان بالنجوم، وتكذيب بالقدر». وأما الطب فمعرفته طبائع نبات الأرض وشجرها ومياهها ومعادنها وجواهرها وطعوم وروائحها ومعرفة العناصر والأركان وخواص الحيوان وطبائع الأبدان والغرائز والأعضاء والآفات العارضة وطبائع الأزمان والبلدان ومنافع الحركة والسكون وضروب المداواة والرفق والسياسة. فهذا هو العلم الثاني الأوسط وهو علم الأبدان، والعلم الأول الأعلى علم الأديان، والعلم الثالث الأسفل ما دربت على عمله الجوارح كما قدمنا ذكره.
هذا تقسيم الفلاسفة، وهو قريب من تقسيم الإسلاميين: العلم الأعلى علم الأديان، العلم الأوسط علم الأبدان سموه الطب وما شابه، والعلم الثالث علم الأخلاق والتهذيب والسلوك والمهارات الحياتية. واتفق أهل الإسلام أن الدين تكون معرفته على ثلاثة أقسام: أولها معرفة خاصة الإيمان والاسلام، وذلك معرفة التوحيد والإخلاص، ولا أعظم علوم الشريعة وهو علم العقيدة.
الان سيتكلم ما هي اعظم علوم الشريعة؟ اعظمها أولا علم العقائد، وهذا بالتأكيد لأنه الذي يوصلك إلى الله بنجاة وسلام. ولا يوصل إلى علم ذلك إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو علم العقيدة. ما مصدره؟ العقل ولا النقل؟ النقل. هذا معنى: إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم. أساس هذا ابن عبد البر يعطيك منهجية لا في علم العقيده لا تقول لي عقلي وعقلك، قل لي ماذا قال السلف وماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم. فهو علم مبني على النقل وليس على آراء الرجال، فهو المؤدي عن الله والمبين لمراده.
وبما في القرآن من الأمر بالاعتبار في خلق الله بالدلائل من آثار صنعته في بريته على توحيد وربوبيته سبحانه. إذا هذا الطريق الثاني قال: إنما يستدل إذا بالنبي صلى الله عليه وسلم بما قاله، وبالقران وما فيه من الدلائل والحجاج. لذلك قال: وبما في القرآن، إذا مصادر علم الاعتقاد القرآن والسنة باختصار الوحي الإلهي.
والقسم الثاني معرفة مخرج خبر الدين وشرائعه، وذلك معرفة النبي صلى الله عليه وسلم الذي شرع الله الدين على لسانه ويده، ومعرفة أصحابه الذين أدوا ذلك عنه، ومعرفة الرجال الذين حملوا ذلك وطبقاتهم إلى زمانك، ومعرفة الخبر الذي يقطع العذر لتواتره. ومعرفة علم الحديث ما يتعلق برجاله وطبقاته وكيف وصل الخبر.
أنه إذا احنا قلنا أساس العلم الإلهي والشرعي الوحي إذا لابد نكون على دراية في كيفية وصول الوحي إلينا، وهذا يقتضي أن نعرف طبقات النقلة وجرحهم وتعديلهم وما يتعلق بهم حتى أكون على ثقة أن ما وصلني هو الوحي وليس خطأ من ناقل، أليس كذلك؟ وهذا يدخل تحت ما ذكره في الطبقة الثانية.
وقد وضع العلماء في كتب الأصول من تلخيص وجوه الأخبار ومخارجها ما يكفي الناظر فيه ويشفيه، وليس هذا موضع ذكر ذلك لخروجنا به عن تأليفنا وعما له قصدنا، يعني مش من موضوعنا في هذا الكتاب.
والقسم الثالث معرفة السنن، ومعرفة السنن واجبها وادبها وعلم الأحكام، وفي ذلك يدخل خبر الخاصة العدول، ومعرفة الفريضة من النافلة ومخارج الحقوق والتداعي، ومعرفة الاجماع من الشذوذ. قال: ولا يوصل إلى الفقه إلا بمعرفة ذلك وبالله التوفيق.
كأنه يقول العلوم أساسية ثلاثة: علم العقيدة ومبناه الوحي الإلهي، ثانيا علم الحديث لأنه هو الذي يؤكد لك دقة ما وصلك من الوحي، ثالثا معرفة الفقه والأحكام علم الفقه. هذه مقاصد علوم الشريعة، وإن كان كما أن العلم الثاني اللي هو علم الحديث والرجال هو ليس من علوم المقاصد أساسا، وإنما هو من علوم الوسائل؛ لأن هو وسيلة لمعرفة صحة الوحي. فعلوم المقاصد حقيقة هي اثنان: العقيدة والفقه. وأما علم التفسير وعلم الحديث من حيث الطبقات والرجال فهذا كله من علوم الوسائل والله أعلم.
باب مختصر في مطالعه كتب أهل العلم والرواية عنهم. بإسناده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بلغ عني ولو آية وحدث عن بني إسرائيل ولا حرج». هذا يدل على أهمية ماذا؟ أولا النظر في القرآن هو أساس النظر لدى طالب العلم. واما بني إسرائيل فيجوز الرواية للإسرائيليات لكن لا تصدق ولا تكذب.
وباسناد عن عبد الله بن مسعود قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا؛ أن تكذبوا الحق أو تصدقوا باطل. فبالتالي النظر في الكتب الاسرائيليات ليس شيئا منتجا كثيرا، وإن كان أهل العلم يسلكه بعضهم، لكن هو في النهاية علم لا نستطيع أن نجزم به؛ لأن القوم قوم بهت وقوم تحريف وقوم كذب.
وعن يحيى بن جعدة قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب في كتف فقال: «كفى بقوم حمقا أو ضلالة». كتاب في كتف؛ قديما تعرفون كانت وسائل الكتابة بدائية، فقد يكون الكتاب مكتوبا على كتف خروف ولا كتف ثور يعني ما في عندهم أوراق. قال: كفى بقوم حمقا أو ضلالة أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم.
فأنزل الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: 51]. فالقرآن والسنة يكفيك عن النظر في علوم الأوائل هذا المراد. لما أنزل ألم يكف؟ مش كافيك القرآن والسنة؟ دعوكم مما كتبه الإسرائيليون وما في كتبهم؛ فانه علم لا يوثق به، يعني لا نصدق ولا نكذب، لكنه شيء لا تبني عليه علمك أنك أنت غير متاكد مما في هذه الكتب.
وباسناد عن ابن شهاب قال: أخبرني ابن أبي نملة أن أبا نملة الأنصاري أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل من اليهود فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أعلم». فقال اليهودي: أنا أشهاد أنها تتكلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما حدثكم اهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم». والمراد بالجنازة الميت على في قبره.
قال: «فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقا لم تكذبوهم وإن كان باطلا لم تصدقوهم». طبعا النبي عليه الصلاه والسلام نزل عليه الوحي بعد ذلك في قضية عذاب القبر وما يتعلق به. هذا والله أعلم كان قبل نزول عذاب القبر فكان صلى الله عليه وسلم إذا سئل يقول الله أعلم، وكان يسمع بني إسرائيل يقولون أن هناك عذاب في القبر وأن الإنسان يسال عن ربه ودينه، ثم نزل عليه الوحي بعد ذلك بوجود عذاب القبر وهذا من ورعه صلى الله عليه وسلم أنه إذا سئل عن مسألة لم ينزل فيها الوحي عليه يعني يقول الله أعلم لم يأتني في ذلك شيء حتى نزل عليه كما قلنا بعد ذلك.
وعن ابن عباس قال: كيف تسألون عن شيء وكتاب الله بين أظهركم؟ وعن عطاء بن يسار قال: كانت اليهود يحدثون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيسبح كأنهم متعجب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا»، فيصبحون كأنهم متعجب. ما معنى هذا؟ أنت لما تحكي خبر عجب سبحان الله يعني على سبيل التعجب فيسبح عجباً من أخبارهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: دعوكم من اليهود؛ فهؤلاء يعني احنا لا نكذب لكن في نفس الوقت لا نصدقهم مش قادر أمسكه مش واثق بمعلومة. نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ما بعد ذلك عن عطاء بن يسار مثله، قال عبد الله: لا تسألوا أهل الكتاب فإنهم لن يهدوكم وقد أضلوا أنفسهم.
طيب، ما بعد ذلك؟ قال وزاد معاً عن القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله، في عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده، والذي نفس محمد بيده، لو أصبح فيكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي في الأمم وأنا حظكم من النبيين»، يعني أنتم نصيبي من الأمم فعليكم أن تتبعونا.
طيب، وباسناد عن ابن عباس قال: كيف تسالون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزله الله على النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهركم، أحدث الكتب عهداً بربه تقرونه غضاً لم يشُب، ألم يخبركم الله في كتابه أنهم قد غيروا كتاب الله وبدلوه وكتبوا الكتاب بأيديهم وقالوا هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، ألا ينهاكم العلم الذي جاء عن مسألته؟ والله ما رأينا رجلاً منهم قط يسألكم عما أنزل إليكم.
نعم، هو عفوًا عنوان الكتاب باب مختصر في مطالعته كتب أهل الكتاب، أنا قبل قليل صار عندي سبق نظر فقراتها في مطالعته كتب أهل العلم، لا يعني هذا الفصل خاص بما يتعلق بالرواية عن أهل الكتاب فقط من باب التعديل.
نعم، وبإسناد عن جابر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض الكتب، فقال: يا رسول الله، إني أصبت كتاباً حسناً من بعض الكتاب. قال فغضب وقال: «أمتوهكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد...» نعم.
النبي عليه الصلاة والسلام حقيقة أراد أن ينشئ الجيل الأول وأن تنشأ أجيال الأمة على فهم الكتاب والسنة، وإنما حدثت الفرقة والبدع في هذه الأمة عندما رغبنا عن الكتاب والسنة وبدانا ننظر في أفكار الأمم من حولنا الفرس والروم والهند، وناخذ منهم، كلما اقتبسنا منهم في علم العقائد كلما ازددنا فرقة، هذه هي النتيجة التي وصلنا إليها.
نعم، قال: «لا تسألهم عن شيء فيحدثونك بحق ف...» بعد ذلك اقرأ.
وبإسناد عن ابن عباس قال: تسألون أهل الكتاب عن كتبهم وعندكم كتاب الله أقرب الكتب عهداً بالله تقرونه غضاً، يعني هسه جديد الكتاب نازل يعني ليس قديماً، لماذا تعدلون عنه إلى كتب؟ وهذا كمان بشكل عام يمكن نتكلم فيه عن أي طالب علم افتتن بكتب الفلسفة المعاصرة أو النظر فيها، أنه إياك أنك تخلط في بداية طريقك خصوصاً، اجعل بداية طريقك خالصة في الكتاب والسنة؛ فإن الطالب في بداية طلبه إذا خلط شوية بقرا معانا في الكتب العلمية شوي يوم ثاني بلاقيه عند الفلسفة، بقول لك: يا شيخ أنا واثق لا تخاف علي أنا بس بدي أرد عليهم، بتضيع وتهلك وأنت لساتك بتتفلسف حالك.
وحد المنهج، وحد رؤيتك في طلب العلم، يعني لن تكون أذكى من عمر وأبو بكر، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمتوهكون فيها يا ابن الخطاب؟». في بداية طلب العلم إياك أن تخلط وإياك تزعم أنك ذكي وإياك تثق بنفسك؛ لأنك ستضيع وستتاح، فأنت اليوم تسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وبعد شوية بتقرا في كتاب لكانت ولا نيتشي ولا هذول الجماعة الفارط، وبدخل عليك فكرة أنت مش قادر تجمعها مع القرآن وبعدين تتورط، بعدين تفسد، بعدين بصير عندك شبهة، بعدين بتحد، بعدين يا شيخ الحقني، اه هذا اللي بيصير مع كثير من الشباب أنه وورط نفسه وبدخل حاله اعتماداً على ذكائه في شبهات محكمة وبالتالي لا يحسن الإجابة عنها ولا يقنع كلام المشايخ، فضلا أنه بعضهم أصلاً له نظرة دونية للمشايخ أن هذول دراويش وهذول شو فهمهم في الفلسفة هذول بدها واحد مثل كذا وكذا، فصير هو عنده لا هو واثق بالمشايخ وأهل العلم ولا هو وحد المنهج والمنبع، عم بلط، هذا نهايته مأساوية، والله أبكي عليه عندما أرى شاب في بداية طلبه للعلم يقرا في كتب الفلسفة المعاصرة أو القديمة، أشفق عليه والله لأني أعرف أنه عرض نفسه للفتن وفتح باباً مغلقاً على نفسه.
احذر يا طالب العلم هذه الكتب بعد أن ترسخ ويتضح لك المنهج وتثبت قدمك في العقائد وتستطيع أن ترد الشبهات أنظر فيها لترد على أصحابها، وإلا فإذا لم تتاهل فوالله ما في كتب أهل العلم يغنيك إذا كنت تبحث عن السلامة وخذ النصيحه، ماذا أفعل أكثر من ذلك؟
نعم، قال أبو... قال أبو عمر: قد قال عمر بن الخطاب لكعب: إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلها الله... كعب الأحبار أحسنتم.
نعم، قال: إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلها الله عز وجل على موسى بن عمران عليه السلام فاقرأها آناء الليل والنهار، يعني إذا أنت واثق إنه ما في إيدك هي التوراة الصحيحة الكاملة اقرأها آناء الليل والنهار بس أنت مش واثق هذا معنى كلامه، أنت مش واثق إنها التوراة الصحيحة أكيد حُرّفت.
نعم، قال: باب من يستحق أن يسمى فقيهاً أو عالماً حقيقة لا مجازاً، ومن يجوز له الفتية عند العلماء.
بإسناده عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الله بن مسعود». قلت: لبيك يا رسول الله. قال: «أتدري أي الناس أفضل؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن أفضل الناس أفضلهم عملاً إذا فقهوا في دينهم».
قال: «يا عبد الله بن مسعود». قلت: لبيك يا رسول الله. قال: «أتدري أي الناس أعلم؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في العمل وإن كان يزحف على استه».
ما معنى هذا الكلام؟ ما معنى أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصراً في العمل؟ اه حبيبنا، جيد ويستطيع أن يبصر الفتن ويميز الصواب من الخطا، مش ضروري يكون مكثر في العمل الصالح، ممكن يكون مثلاً ضعيف في قيام الليل، ممكن يكون ضعيف في تلاوة القرآن، ضعيف في الأذكار، لكن الله قذف في قلبه نوراً يستطيع أن يميز الفتنة من الحق، بدعة من السنة، هذا معنى أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس. اختلف الناس المراد بالعقائد والفتن وفي ساعات الصعوبة، حتى ولو كان مقصراً في العمل.
هل الذي يعرف الحق لابد يكون يعني في درجة عالية من العمل؟ ممكن غيره يفوق في الأعمال لكنه رزقه الله نوراً في قلبه، قال: ولو كان يسعف على... يعني لو كان إنسان مسكين يعني من كثر ما هو متعب يسعف على استه يعني قد لا، طبعا يسعف على استه هي محتملة الحسي ومحتمل المجازي أن يكون يزحف على استه أنه منقوص عند الناس، لا أحد يراه شيئاً مسكين في هيئته وفي صورته، لكن المهم أنه واثق في مسيره إلى ربه سبحانه وتعالى.
نعم، قال: قال أبو يوسف: وهذه صفة الفقهاء.
وبإسناد عن ابن مسعود قال: الفقيه هو الذي يعرف الحق عند دلهام الفتن. هذه صفة الفقهاء يبصرون الحق عند اختلاف الناس ويعرفون الفتنة إذا أقبلت وإذا أدبرت، وأما الجاهل فلا يبصر الفتنة إذا أقبلت بل يخوض فيها، فإذا أدبرت عض أصابع الندم.
نعم، وبإسناد عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الله بن مسعود». قلت: لبيك يا رسول الله ثلاث مرات. قال: «أتدري أي عرى الإيمان أوثق؟». قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «الولاية في الله».
الولاية في الله نفس القضية: أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصراً في العمل. طيب، ما بعده نفس الفكرة.
طيب، سمعت أم الدرداء تقول... أنا أجد عن أبي مرحوم المليكي قال: سمعت اه نعم قال: سمعت أم الدرداء تقول: افضل العلم المعرفه. ومن هنا اخذ الشاعر قوله والله اعلم خيرنا افضلنا معرفه، واذا ما عرف الله عبد...
إذا ما معنى أفضل العلم المعرفة؟ لأنه بعض الناس بقول لك: يا شيخ، مش العلم هو المعرفة والمعرفة هي العلم؟ أيوه أحسنت في قيد: أفضل العلم معرفة الله ومعرفة مراد الله المراد إذاً المعرفة، فيجب تقييد حتى تقول: أفضل العلم المعرفة. شو الفرق بين العلم والمعرفة؟ المراد معرفة الله سبحانه وتعالى، لذلك قال: أخذ منه الشاعر. طيب، ايش قال؟ خيرنا أفضلنا معرفة، وإذا ما عرف الله عبد من عرف الله عبده.
نعم، وعن مجاهد في قوله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] قال: إلا ليعرفون. وقال ابن جريح: ليعرفوني أي ليَعرفوا الله. نعم.
وقال ابن جريج: إلا ليعلم ما جبلته عليه من الشقوة والسعادة.
وبإسناد عن حسان بن عطيه قال: ما ازداد عبد بالله علماً إلا ازداد الناس منه قرباً.
وكان الحسن البصري كثيراً ما يتمثل بهذا البيت: يسر الفتى ما كان قدم من تقى إذا عرف الداء الذي هو قاتله.
طبعاً هو هنا يتكلم عن ماذا؟ احنا في هذا الفصل، ما عنوان الفصل؟ من هو العالم الفقيه صح؟ فأول شيء أعطاك صفة من صفات العالم الفقيه خلينا نحط عليها واحد أنه الذي يبصر الحق عند اختلاف الناس، الأحاديث الأولى ركزت على هذه الصفة فيه.
الصفة الثانية من هو العالم الفقيه؟ أكثر الناس معرفة بالله، وهذه النصوص تؤكد على هذه الصفة الثانية أنه أكثر الناس معرفة بالله خشية وتوكلاً وأنابة وإقبالاً واتصالاً به، هذه أيضاً من صفات العالم الفقيه.
طيب أنه بدك تكون أنت ذكي وأنت تقرا الكلام، بعض الشباب مشكلته أنه ما زال يقرأ مثل هل الكتب جرد هو مش عارف ابن عبد البر وين شرق وين غرق والطالب رايح وجاي معه، لا بدك تفهم هو ايش ففعل ابن عبد البر الفصل؟ يعني هو ماذا يفعل ومتى انتقل؟ بيهمني جداً أن تكون القراءة الواعية أن الإنسان أنا بقرا الآن هو بيركز على شيء لم يركز عليه قبل قليل، اه إذا هو انتقل من فكرة إلى فكرة أخرى النصوص هذه ليست مثل النصوص السابقة، طب أنا ايش الباب اللي أنا فيه؟ باب هو العالم الفقيه، بدي يصير عندك نوع من التحليل الجيد حتى تعرف قراءه كتب التراث، وهذه فائدة هذه مجالس المدارسة أن نحاول أن نعرف كيف نقرا مثل هذه الكتب، فقابل قليل أعطى صفة، اه الآن بينتقل لصفة أخرى من صفات العالم وهي أنه عارف بالله احسن من غيره في هذا الموضوع، طيب نشوف في صفات أخرى سيتكلم فيها، أكمل.
وبإسناد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا انبئكم الفقيه كل الفقيه؟». قالوا: بلى. قال: «من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤيس من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله». ولا يدع... هذه من صفات العالم أيضاً أنه يحسن تعليم الناس الخير، فيعرف أين يضع نص الرجاء وأين يضع نصوص الخوف ومتى يستعمل هذا النص ومتى يستعمل النص الآخر، فهذه أيضاً من صفات الفقيه العالم إحسان التعامل مع النصوص وإنزالها في مواطنها الصحيحة فلا يقنط ولا يئس، كل شيء له مكانه المناسب.
جيد، قال: «ولا يدعو القرآن رغبة عنه إلى ما سواه إلا...» لا خير في عبادة ليس فيها تفقه ولا علم، ليس فيه تفهم ولا قراءة ولا قراءة ليس فيها تدبر، ولا قراءة لا خير فيها قراءة ما فيها تدبر وعلم ما في تفقه هذا مش علم وليست قراءة.
نعم، قال أبو عمر: لا يأتي هذا الحديث... عفوًا مسألة إسناد.
وقيل لقمان: أي الناس أغنى؟ قال: من رضي بما أوتي. قالوا: فيهم أعلم؟ قال: من ازداد من علم الناس إلى علمه.
وعن كعب... أنو كأنك نصوص ليست عندي، طيب امشي.
أكمل، وعن كعب أن موسى عليه السلام قال: يا ربي، أي عبادك أعلم؟ قال: عالم غرثان للعلم. قال ابن وهب: يريد الذي لا يشبع من العلم.
وعن عمر مولى غفرة أن موسى قال: يا رب، أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يلتمس علم الناس إلى علمه.
نعم، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كفى بخشية الله علماً، وكفى بالغرور بالله جهلاً. لا يرى الناس شيئاً في الحياة، طبعا ليس مراد التكبر لا يرى الناس، يعني قلبه ليس متعلقاً بالناس وإنما قلبه متعلق بالله سبحانه وتعالى.
نعم، قال: ولا يفقه العبد كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة.
أحسنت، اللي هو أيضاً سعة الأفق، هذه سميها مسافات العالم الفقيه، سعة النظر ويفهم أن القرآن الآية القرانية يمكن أن يكون لها أكثر من وجه في فهمها، فلا يعتبر قوله هو القول الحاسم الذي لا غبار عليه وقول الآخرين كلها آراء. إذن من العالم الفقيه؟ هو الذي يعرف أن القرآن حمال وجوه، لكن حمال وجوه وفق ضوابط اللغة العربية وأصولها وليس حمال وجوه كل واحد يتكلم على كيفه، هذه بد ننسبها له. بعض المحدثين الحداثيين بقول لك يا اخي القرآن حمال وجوه، أنت ليش تحجر عليه؟ مش هيك بقول لك؟ فكيف تجيبه لو قال لك شخص من الحداثيين اليوم إن القرآن حمال؟
الوجوه ماذا تكون إجابته؟ إنه هذه الوجوه محوطة بماذا؟ بضابط عام، وهو أن تكون وفق قواعد اللغة العربية وأصول الشريعة، وليست وجوهاً على كيفك وهواك، وفسر زي ما بعمل شحرور وغيرهم، كل واحد بيقدم المعنى اللي بيجي على باله، اللغة توافق وما توافق ما عنده مشكلة، هذا ليس بالتأكيد هو المراد من قولنا القرآن حمال وجوه. حمال وجوه وفق ضوابط اللغة العربية وأصول التشريع يحتم الوجوه في هذه الدائرة، أما المزاج والهوى فلا يدخل في دائرة أن القرآن حمال وجوه، مهم جدا تفهم هذه العبارة في أثناء نقاشك العلمي والمعرفي.
بإسناد عن أبي الدرداء قال: لن تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها كثيرة، ولن تفقه هذه أيضاً من صفات العالم أن يرى للقرآن وجوها كثيرة، ثم قال: ولن تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات الله ثم تقبل فكرة سابقة. وبإسناد عن أبي الدرداء قال: لن تفقه مثله.
وبإسناد عن حماد بن زيد قال: قلت لأيوب أرايت قوله: حتى ترى للقرآن وجوها كثيرة؟ فسكت يتفكر، قلت: أهو أن يرى له وجوها؟ فهاب الإقدام عليه، قال: هو هذا، هو هذا. بإسناد عن أن يرى احتمالات كثيرة فهاب أن يفسر القرآن، هذا معنى أن ترى للقرآن وجوهاً، يعني هذا من التفاسير قال: أن يرى له وجوهاً فيهاب الإقدام على التفسير، بقول لك يا أخي القرآن حمال وجوه وأخشى أن أجزم أن هذا تفسير كلام ربي فأكون تجاسرت واستعجلت، هذا مما يدخل تحت أن أعرف أن للقرآن وجوها ألا استعجل وأباد في التفسير قبل أن أعرف ما قاله الأوائل.
وبإسناد عن ياس بن معاويه قال: إنه لتأتيني القضية اعرف لها وجهين فأيهما اخذت به عرفت أني قضيت بالحق. وبإسناد عن قتادة قال: من لم يعرف الاختلاف لم يشم الفقه بأنفه. طبعا الكلام السابق يعني: أيهما قضيت عرفت إنه الحق، كيف يمكن نفهمه؟ يقول: إنه لتأتيني القضية اعرف لها وجهين فأيهما اخذت به عرفت أني قد قضيت بالحق، هذا على رأي من يسمى في علم أصول الفقه ايش؟ المصوبة؛ من يرى كل رأي صواب ما دام في دائرة الظنيات.
لكن هذا الكلام فيه نظر، لأنه في النهاية هناك صواب وهناك خطأ، الخطأ أنت معذور فيه ومثابين أهل الاجتهاد، لكن هل إذا القضية فيها وجهين؛ وجه أنها حلال ووجه أنها حرام، وأنا قضيت بأي الوجهين بكون حق؟ أنا بكون حق في اجتهادي أني اجتهدت، لكن بالتأكيد في أحد الأوجه صواب وفي وجه آخر خطأ، لكن كما قلت بعض الفقهاء كان يعتقد أن المسألة الاجتهادية كل الاقوال فيها صواب، هذول يسمون في علم الأصول ايش؟ المصوبة.
لكن هذا الكلام فيه نظر، الحق واحد، كما قال الجمهور الحق عند الله واحد، يعني هي يا حلال يا حرام، معقول تكون هي حلال وحرام؟ يا حلال يا حرام، إذا كانت مثلا بين الحلال والحرمة فأكيد عند الله المسألة هكذا أو هكذا، لكنك إذا أخطأت فيها فانت معذور عند الله ولك اجر واحد، وإن أصبت فلك أجران، هكذا ما عليه استقر علماء الأصول.
أكمل. وبإسناد عن سعيد بن أبي عروبة قال: من لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالماً. ليه؟ إذا من صفات العالم، من صفات العالم ايش؟ أنه مطلع على الخلاف. يجيني واحد بيقول لك: أنا متمثل فقه شافعي ولكنه لا يعرف الخلاف مع المذاهب الأخرى، يبقى ضيق الأفق ويحمل الناس على قوله حتى لو كان شافعياً ولا حنبلياً ولا مالكياً ولا أبو حنيفة. لا تعد عالماً بحق حتى يكون لك نظرة في أقوال العلماء الآخرين، لن تحيط بها لكن لابد تعرف الخلافات حتى يتسع أفقك وتعذر المخالفين لك، فمن سمة العالم سعة عذره.
متى بعرف أن هذا طالب العلم ضيق الأفق ولا في مجال إن شاء الله يصبح شيئاً؟ إذا رايته ضيق الأفق بعرف أن صعب يصير عالماً بهذه العقلية. من سمات طالب العلم الناجح سعة أفقه وسعة عذره للناس ومعرفته أن المسائل فيها أقوال، وهذا يكون باطلاعه على أقوال المخالفين.
وعن محمد بن عيسى قال: سمعت هشام ابن عبيد الله الرازي يقول: من لم يعرف اختلاف القراء فليس بقارئ، ومن لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه. لابد إذا من ميزات العالم الاطلاع على الاقوال المتعددة في المسألة.
وبإسناد عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالماً باختلاف الناس، فإن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يده. وبإسناد عن أيوب السختياني قال: أجسر الناس على الفتيا اقلهم علماً باختلاف العلماء وأمسك الناس عن الفتيا أعلمهم باختلاف العلماء. فإن لم يكن كذلك رد من العلم هو أوثق من الذي في يده، يعني أنت اطلاعك للخلاف إذا كنت مجتهداً يعينك على ترجيح الأصوب، فأنت إذا لم تكن مطلعاً على الخلاف قد ترد قولاً وتبطله وهو أوثق من قولك، بقول لك: انتبه إذا كنت مجتهداً لازم تطلع على الخلاف ليه؟ حتى تنظر ما هو الأوثق فتتبعه.
لكن هذا لمن أيها الأحبه؟ للمجتهد طالب العلم المتقدم جداً، أما المبتدئ لا ينظر في الخلاف، احفظوها، المبتدئ لا ينظر في الخلاف فإن هذا كما قال العلماء يشوش قلبه وعقله. المبتدئ يقتصر على قول واحد في مذهب واحد، وأما قولهم أهمية النظرة في الاختلاف لأنه بعض الطلاب مسكين بيجي يقرا هذه النصوص بده يطبقها الآن، لا هذه النصوص للمتقدمين الذين يريدون أن يصدروا أنفسهم للأمة. انتظر سيدنا الشيخ لا تصدر نفسك للأمة حتى تكون مطلعاً على الخلاف بين المذاهب الفقهية، أما المبتدئ خطأ كبير جداً جداً أن يطلع على الخلاف لأنه يشوش ضبطه للمسألة الواحدة.
عن أيوب السختياني قال: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً باختلاف العلماء، وأمسك الناس عن الفتيا أعلمهم باختلاف العلماء. وقال ابن عيينة قال: أكثر الناس تجرأ على الفتيا أقلهم علماً. ليه؟ لماذا أكثر شخص يتجاسر على الفتوى هو أقل الناس علماً؟ فبفكر أنه قوله هو بس القول الصحيح الموجود في العالم، لكن اللي بيطلع على الخلاف والمذاهب وبيعرف أن الخلاف بينهم بالسنتيمتر وبالمليمتر والأقوال متزاحمة، من لم يطلع على الخلاف يفكر أن الدين هو قوله فقط، بقول لك: يا اخي والله المسألة هذه سهلة أنا مش عارف المشايخ ليش بتوقف فيها هيك، يعني يستنكر، بقول لك: مش عارف ليش المشايخ متوقفين، بس بتتعلم إن شاء الله بتعرف ليش متوقفين.
وعن ابن عيينة قال: العالم الذي يعطي كل حديث حقه من النظر والبحث، فينظر في الحديث الذي يؤيد قوله والذي يعارض ويحاول يجمع ويمشي على قواعد منهجية علمية.
وبإسناد عن الحارث بن يعقوب قال: إن الفقيه كل الفقيه من فقه في القرآن وعرف مكيده الشيطان. وعن ابن القاسم قال: عرف مكيده الشيطان يعني من وين بضحك عليه الشيطان في حياته عموماً، هذا فقيه الذي يعرف من أين يدخل عليه الشيطان.
وعن ابن القاسم قال: سئل مالك، قيل له: لمن تجوز الفتوى؟ فقال: لا تجوز الفتوى إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه. قيل له: اختلاف أهل الراي؟ قال: لا. مالك كان يرى أن أهل الراي أقوالهم مش معتبرة من الأقوال أصلاً، فكان يقول: لا، الاختلاف الذي يجب تنظر فيه اختلاف الصحابه هذا الاختلاف المعتبر، أما أهل الراي فقولهم لا يعتبر من الآراء، طيب، لكن أنتم في عارفين مشاكل أهل الحديث وأهل الراي، فدائماً وأنت تقرا هذه النصوص برضه بدك تكون متوازن وتفهم أنه في بعض الخلافات التي حدثت أيام الأئمة واختلاف عصر وزمان، وأما بعدهم فانضمت كثير حتى من أقوال أهل الراي وأصبح هناك رأي مذموم ورأي محمود، يعني في مساحات كثيرة من الفهم يجب أن تفهم.
قال: اختلاف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وعلم الناسخ والمنسوخ من القرآن ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك يفتي.
وقال عبد الملك بن حبيب: سمعت ابن الماجشون يقول: كانوا يقولون لا يكون إماماً في الفقه من لم يكن إماماً في القرآن والآثار، ولا يكون إماماً في الآثار من لم يكن إماماً في الفقه. يعني لم تبلغ الإمامة الحقيقية حتى تجمع بين الرواية والدراية، هكذا معنى قولهم الآثار رواية والفقه دراية، فلا بد تجمع بين الرواية والدراية حتى تكون عالماً مكتملاً. بعض الناس يعرف في الفقه بس ما بيعرف شيء في الحديث، وبعض الناس بالعكس يعرف في الحديث بس ما بيعرف شيء في الفقه، كلاهما ليس عالماً كاملاً، الكمال أن تجمع بين معرفتك بالآثار ومعرفتك بالفقه.
قال: وقال لي ابن الماجشون: كانوا يقولون لا يكون فقيهاً الحادث من لم يكن عالماً بالماضي. جميل هذا الكلام، لا تكون عارفا بالنوازل حتى تكون عارف بالمسائل التي مضت في حياة الأمة، ليه؟ لا يستطيع الإنسان أن يتكلم في الحادث، الحادث يعني النوازل المعاصرة، حتى يكون عالماً بالماضي، أي بما حدث قديماً من المسائل. ليش؟ أحسنت، أنه أنت تكتفي بالنازلة بدك تقيسها على أقرب ما يشبهها في كلام الاقدمين، فالذي لا يعرف الفتاوى القديمة لا يستطيع أن يقيس عليها النوازل المعاصرة، هذا كلام جميل جداً افهمه.
وبإسناد عن عبد الله بن المبارك سئل: متى يسعو الرجل أن يفتي؟ قال: إذا كان عالماً بالأثر بصيراً بالراي. يعني بده يجمع بين عقل وأثر، يعني عنده فهم وقدرة على الاستنباط مع ماذا؟ هذا معنى الراي مع فهمه بالآثار.
وبإسناد عن محمد بن المنكدر قال: ما كنا نعدو رواية إلا رواية الشعر، وما كنا نقول للذي يروي أحاديث الحكمة إلا عالم.
وقال يحيى بن سلام: لا ينبغي لمن لا يعرف الاختلاف أن يفتي، ولا يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول هذا أحب إلي.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: لا يكون إاماً في الحديث من تتبع شواذ الحديث أو حدث بكل ما يسمع، حدث عن كل أحد. من هو العالم بالحديث بحق؟ الذي ينتقي ويعرف الصواب من الخطأ، أما القصاص الذي يروي كل الأحاديث الموضوعة والمكذوبة وهو لا يدري ما هو الصحيح من الضعيف هذا ليس عالماً، حتى بالحديث لا يعتبر عالماً، فالعالم بالحديث هو الذي ينتقي أصوبه فيرويه ويعرف الضعيف فيتركه.
وبإسناد عن سعيد بن أبي عروبة يقال: من لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالماً. وبإسناد عن قبيصة بن عقبة قال: لا يفلح من لا يعرف اختلاف الناس.
وبإسناد عن خليل بن أحمد قال: الرجال أربعة؛ رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه وسلوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك جاهل فعلموه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك غافل فنبهوه. يعني رجل يدري بس هو مش عارف أنه عالم، فيقول له: تعال أنت غافل ترى أنت عالم يا فلان، هذا الذي يدري لكنه لا يدري أنه يدري، يعني إنسان عالم بس ما حدا قال له تصدر وعززه، فهذا غافل عن نفسه وعن قدراته الشخصية فنبهه: ترى فلان أنت عندك قدرات اطلع تكلم، وأما أسوأهم فهو الذي لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك أحمق فاحذروه. تمام، يعني هذا إنسان في عنده حمق فانتبهوا منه أنه مصيبة أنه يطلع يتكلم وهو لا يدري، والمشكلة الأعظم أنه لا يدري أنه لا يدري ففكر حاله سيدنا الشيخ.
التالي مثله. وروى مالك بن انس عن سعيد بن المسيب بلغه عنه أنه كان يقول: ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله. شوف هذا كلام عظيم جداً جداً، وهو أن لا تعتقد في النهاية العالم المثالية، لا تعتقد أن هناك عالماً ما عنده عيوب، صح؟ ما في عالم لا يوجد له عثرة في الحياة، لأنه بعض طلاب العلم يعتقد في العالم مثالية تامة في كل تصرفاته، فإذا أخطأ العالم أمامه أسقط حرمته، وهذا من جهلك كما قال الذبياني: أي الرجال المهذب؟ ما في إنسان صفي تماماً من الأكدار إلا من صفاه الله من المعصومين صلوات ربي وسلامه عليه من الأنبياء، وأما الباقي كله عنده كدر عنده أخطاء عنده تقصير، فلا تنتظر المثالية.
قال: كما أنه من غلب عليه نقصانه ذهب فضله. وقال غيره: لا يسلم العالم من الخطأ، فمن أخطأ قليلاً وأصاب كثيراً فهو عالم، حتى لو أخطأ قليلاً يبقى عالماً له حرمته. قال: ومن أصاب قليلاً وأخطأ كثيراً فهو جاهل.
وقال مالك بن انس رحمه الله: لا يؤخذ العلم عن أربعة؛ سفيه معلن السفه، وصاحب هوى يدعو إليه، ورجل كذاب يكذب في حديث الناس وإن كنت لا تتهمه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجل له فضل وعبيادة لا يعرف ما يحدث.
صاحب هوى يدعو إليه، صاحب بدعة هذا لا يؤخذ عنه العلم، يقول صاحب البدعة الذي يدعو إلى بدعته الأصل لا يجوز الجلوس بين يديه، وكم من طالب علم افتتن بسبب مجالسته أهل البدع وهو بقول لك: أنا يا شيخ ما تأثرت، وأنا يا شيخ بس بدي أخذ منه الفقه، وأنا بس بدي أخذ منه كذا، فاضاع، بقول لك: صاحب الهوى الآن في.
صاحب بدعة ساكت، بقول لك يا أخي أنا ما عندي، ما بدي أدعو إلى بدعتي، يعني ما عندي هوى فيها يعني أدعو إليها؛ هذا أخف شوي ممكن تدرس عنده. لكن صاحب البدعة الذي يدعو إلى بدعته، لا تأخذ عنه لا اللغة، ولا النحو، ولا الصرف، ولا الفقه، ولا أي شيء حتى في الخارج؛ ليه؟ لأنه يدعو إلى بدعته في كل مجلس يرمي له فتشة من هون، وفتشة من هون، وفتشة من هون حتى يعبئ قلبك على المنهج الحق، ويمتلئ قلبك بالشبهات، وخذ عاد الحقني يا شيخ، واليوم الثاني بلا كان من أهل السنة، صار على منهج آخر، ليش يا فلان؟ والله الشيخ أثر علي.
طيب، ما قلنا لك من البداية، قال لك: لا، لا، خلاص أنا اقتنعت بكلام الشيخ الآخر، ذهب وضاع، والان يعني نسأل الله أن يعيده إلى منهج السنة مرة أخرى. هذه فكرة مهمة جداً ما قاله مالك، بيقول لك: هؤلاء إياك تأخذ منهم علم. شفت شيخ عنده سَفَه، وسَفَه ظاهر؟ لا تقرب منه، لأن سفهه رح يضرك حتى لو كان عنده معلومات، سفهه سيضر.
ثانياً: الشيخ إذا كان صاحب بدعة ويدعو إلى بدعته، أحذره وحاول أن تتركه. طيب، الثالث، قال: ورجل معروف بالكذب في أحاديث الناس، وإن كان لا يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. شيخ عالم، لكنه عنده عيب أنه كذاب إذا حدث؛ في طبعا لا يكذب في العلم، هو يكذب وين؟ في حديث الناس، بقول لك: والله رحت عند فلان، وهو لا راح ولا شافهُ، وزارني الشيخ الفلاني، وما حدا زاره، وكل ما يعني سوء علي، كذب في الحديث والقران كذا لا يكذب. طيب هذا ممكن أقول يا شيخ، طيب كذبوا عليه وأنا بأخذ منه صدقة، في الشريعة ماذا ستجيب؟ ما هو بيقول لك، لا، ما هو بقول لك لا يكذب في الشريعة، هو يكذب في حديث الناس، يعني لما يسلف في القضايا الحياتية بيكذب، بس في الشريعة ما بيكذب.
آه يا عمار، كذب على الناس؟ اه يعني يمكن، يعني كما قال، يمكن أن يشتر على ذلك، ممكن، لا أريد أن أقول كلامكم خطأ، يمكن أن يشتر مع الوقت تمام، والأخلاق سرابة أيضاً، هو يخشى أنه تنتقد أخلاقه إليك، وتفوق هي الشيخ ما شاء الله عالم وفقيه وبيتكلم وكذا، يا أخي بيكذب مش مشكلة، فتستهلك طالب، لتأول له كذباته وبتصير تعذره، لا هذا خطر.
آه يا سند؟ ممكن حتى لو ما حصل بركة العلم، تح أحسنت، ممكن أيضاً هذا جانب آخر ينظر فيه، وأنه بركة العلم ممحوق، شيخ كذاب والله ما هي زابطة هذه، صح ولا لا؟ بركة العلم تذهب من حياته.
نعم، قال: ورجل له فضل وصلاح، لا يعرف ما يحدث به؛ هذا آخر شخص، اللي هو للأسف كثير اليوم، إنسان فاضل وشيخ وطيب وحبيب وقرأ كتاب كتابين، بس لسه مش عالم، نحن مشكلتنا عاطفيين شوي، بنشوف إمام مسجد فاضل ومحترم وخلوق، وعليه سمة السنة، وأعطاه درس هيك ما شاء الله جميل بعد الفجر، نضعه في مراتب من العلماء؟ بيقول لك: هذا خطأ.
قال: حتى لو رأيت رجل من أهل الخير والصلاح، لكن لا دراية له، يعني لم يشهد له أهل الزمان أنه من أهل الرسوخ العلمي، ففضله وصلاحه جميل، لكنه لا يصلح أن يكون ماذا؟ عالماً. كثير من الدعاة على السوشيال ميديا، انتبهوا، حتى ولو كان فاضل وجيد ونافع، يبقى داعية، لا يصدر على أنه عالم، فإن كثيراً من الناس إذا أحبوا شخصاً نزلوه منازل ليست منازله، ويصبح هذا الشخص بده يحل ويربط، والمسكين لما يتورط ويشوف الناس حطته عالم، بصير بده يجتهد وهو ليس من أهل الاجتهاد فيضل ويضل، وتبدأ الأمور تتفاقم في الأمة.
فهنا التوازن مطلوب، الداعية يبقى داعية، ومقام العالم مقام آخر. هذا مهم جداً، وهذا من عظيم كلام مالك بن انس حقاً في اختيار من الشيخ الذي يصلح أن أتعلم على يديه. نعم، تفضل، ايش هو؟
عبد الرحمن قال: لا يكون إماماً في العلم، أمه لأنه متكرر مو متكرر قفز عنه تمام. من اخذ بالشاذ من العلم، ولا يكون إماماً في العلم من روى عن كل أحد، ولا يكون إماماً في العلم من روى كل ما سمع. هذا ما أظنه تكرر، تكرر، لا، لا، يعني وحقاً كلام مهم صدق أخوي كلام عبد الرحمن بن مهدي قبل قليل: لا يكون إماماً في العلم من أخذ بالشاذ من العلم؛ إن أهل العلم يبنون كلامهم على المعروف المشهور وليس على الشواذ، ولا يكون إماماً (يعني راسخاً في العلم) من روى عن كل أحد؛ بدك تعرف وتنتقي الشيخ الذي تجلس بين يديه وتنقل عنك عنه المعلومات، ولا يكون إماماً في العلم من روى كل ما سمع؛ أنت ستسمع في حياتك العلمية الكثير، لكن عليك أن تنتقي أفضل ما سمعت وتغربل، فقد رووا: إذا كتبت قم شي، ثم إذا رويته ففتش.
مش هيك يقول السيوطي في ألفيته؟ ماذا يقول العلماء إذا فقد رووا إذا إذا كتبت قم شي؟ يعني اكتب كل شي بتسمعه من العلماء، لكن إذا أجيت ترويه وتتصدر للناس قال: ثم إذا رويته ففتش، انتقي أفضل ما كتبت وأصوبه، ولا تتكلم بكل شيء سمعت من المشايخ، فإن المشايخ يتكلمون بالصواب والخطأ.
نعم، قال وبإسناد عن أبي حيان التييمي قال: العلماء ثلاثة: عالم بالله وبأمر الله، وعالم بالله وليس بعالم بأمر الله، وعالم وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله؛ فأما العالم بالله وبأمر ذلك الخائف لله، العالم بسنته وحدوده وفرائضه، وأما العالم بالله وليس بعالم بأمر الله فذلك الخائف لله وليس بعالم بسنته ولا حدوده ولا فرائضه، وأما العالم بأمر الله وليس وليس بعالم بالله فذلك العالم بسنته وحدوده وفرائضه وليس بخائف منه.
نعم، وبإسناد عن ابن جريج عن عطاء، أنا بدي نختم هذا الباب فقط لذلك بس ننتظر دقائق. نعم، في قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] قال: من خشي الله فهو عالم؛ فالعلم هو الذي يرثك الخشية، وليس العلم هو فقط كثرة المحفوظات.
نعم، وروي عن ابن مسعود قال إن عفواً أنه كان يقرأ إنما يخشى الله من عباده العلماء به؛ إنما إنما يخشى الله الله الضبط خاطئ. طيب، إنما يخشى الله من عباده الع لا هو إنما يخشى الله من عباده العلماء بهم، ايش المشكلة؟ الله هي زي ما هي ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] به. طيب إذاً ماذا قال الناسف؟ اقرأ حتى نستفيد نسمع.
نعم، الار إنما يعظم الله من ع يعظم الله قراتها ف إذا إذا كانت كما يضبطها الإخوة في النسخة: إنما يخشى الله من عباده العلماء؛ فيقول إذا النسفي: إنما الخشية هنا بمعنى ماذا؟ التعظيم: إنما يعظم الله من عباده العلماء به. تمام، كما قلت يا قراءة شاذة. طيب، إنما يخشى الله من عباده العلماء به، وكذلك في مصحفه.
وبإسناد عن أبي قلابة قال: العلماء هكذا كتبت في مصحف ابن مسعود نفسه يعني. نعم، وبإسناد عن أبي قلابة قال: العلماء ثلاثة: رجل عاش بعلمه ولم يعش الناس به معه، ورجل عاش الناس بعلمه ولم يعش هو به، ورجل عاش بعلمه وعاش الناس به معه.
ما معنى هذا الكلام بس سريعا حتى نقف؟ العلماء ثلاثة: رجل عاش بعلمه ولم يعش الناس به معه، ايش يعني؟ يعني هو استفاد لكن ما أفاد الناس، طيب؛ ورجل عاش الناس بعلمه ولم يعش به، علم الناس وعاش الناس بعلمه بس هو ما ما عمل بعلمه، ورجل عاش بعلمه وعاش الناس به معه، حصل الخيرين هو عمل وعلم.
وعن مجاهد قال: الفقيه من خاف الله، وعن سليمان بن موسى: يجلس إلى العالم ثلاثة: رجل يأخذ كل ما يسمع (يعني كل شي بكتبه ولا بفرق بين كلام الشيخ وكلام غيره)، قال: ورجل لا يحفظ شيئاً وهو جليس العالم (اللي هو ايش أخونا اللي على البركة هم الجلساء ولا يشقى بهم جليسهم)، ورجل ينتقي وهو خيرهم (اللي هو ايش؟ اللي يأخذ من كلام العالم أصوبه فيكتبه).
طبعا المرحلة الأولى، كما قال أخونا، في المرحلة الأولى من حياتك العلمية ستكتب كل شيء مش مشكلة، يعني صح هي مش حالة الكمال، بس مش مشكلة؛ في المرحلة الأولى تكتب كل شيء، مع الوقت سترتقي وتصبح تعرف ما الذي تنقيه من كلام المعلم فتكتبه.
فإذاً عندك ناس ثلاث: واحد معوش لا كتاب ولا دفتر ولا قلم، زي بعض طلاب العلم، هؤلاء هم البركة المجالس إن شاء الله بركتهم حاضرة الله يجزاهم الخير، ونوع ثاني الذين يكتبون كل شيء يسمعون وهذه مرحلة متقدمة نوعاً ما، المرحلة الأفضل والأعلى هو الذي ينتقي من كلام شيخه وهذه مرحلة تصل إليها مع الدربة.
ثم قال: وقال: إذا كان علم الرجل حجازية، وخلقه عراقية، وطاعته شامية، (أنه الرجل قال: إذا كان علم الرجل حجازية، شوف هذا الكلام)، حجازية يعني على الأثر؛ لأن علماء الحجاز يهتمون بالاحاديث والآثار أكثر من غيرهم، فإذا كان علمك حجازياً (يعني ايش؟ كتاب وسنة)، وخلقه عراقياً (إيش يعني خلقه عراقي؟ هذا يعني يحتاج إلى نظر في التاريخ، هل أهل العراق كانوا يمدحون بأخلاقهم مقارنة بغيرهم؟ وإن شاء الله أهل خير وفضل، لكن أنا أقصده هنا المقارنة)، قال وخلقه عراقية، ماذا يقصد أنه خلق عراقي؟ الصبر ممكن، الجلد ممكن هذه القضية.
وطاعته شامية، يقولون أهل الشام كانوا أطوع الناس لزعماء وأمرائهم وهذا واضح فينا ما شاء الله، تمام؛ وأطوع الناس لزعماء وأمرائهم قال: فهذا هو الرجل (إيش يعني الرجل؟ هو الكامل من الرجال)، الكامل من الرجال من اخذ العلم على طريقه الحجازيين، وكان عنده طرائق العراقيين وهذه تحتاج إلى تدقيق أكثر ماذا قصد بالطريقة هنا.
قال: وخلقه، هل مراد الصبر الجلد؟ ممكن هذه من صفاتهم، تمام؛ ثم قال وطاعته شامية، أي إنه لا يخرج على ولاة أمره.
طيب وبإسناد عن سليمان بن موسى قال: يجلس إلى العالم ثلاثة: رجل يكتب كل ما يسمع، كذلك كابهذا القدر إن شاء الله اليوم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. طيب يا رب اللهم أعنا، رأس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل