دخولتسجيل الدخول

مفهوم العلم الشرعي وفضله | حقيبة مفاتيح الطلب - المحاضرة الأولى | برنامج التأسيس العلمي

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى.

حياكم الله أيها الأكارم في هذه الدورة التأسيسية في الدفعة الثامنة من برنامج غراس التخصصي. بإذن الله نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلكم مشاعل للخير تحملون هم هذا الدين وتحملون هذا العلم الشريف إلى أرجاء المعمورة، أسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون جميعاً من العلماء العاملين الربانيين الذين يخدمون هذا الدين الشريف ويستعملهم الله سبحانه وتعالى في نصرة دينه وكتابه والدفاع عن شريعته إنه ولي ذلك والقادر عليه.

كما علمتم هذه الدفعة ستبدأ بإذن الله بالبرنامج التأسيسي التأسيس العلمي كما سميناه. وكان الهدف من إطلاق هذا التأسيس العلمي هو معالجة مشكلة ظاهرة وعويضة لا يدركها كثير من الطلبة، لكن المدرسين الذين ينشغلون بالتدريس العلمي يعرفونها ونحتاج إلى حل لها، وهي أن كثيراً من الطلبة يشرعون مباشرة في طلب العلوم الشرعية قبل أن يكون أو تتشكل لديهم التصورات عن طبيعة العلم الشرعي ومنطلقاته ومركزياته وأهدافه، وقبل أن تكون لديهم المهارات اللازمة من أجل معالجة هذه العلوم والنظر فيها، وقبل أن يكون أيضاً لديهم تصور عن طبيعة المادة العلمية التي تدرس، وإنما هو شيء سنح في الخاطر فأكبر.

أيها الكرام، بعد تجربة طويلة في التدريس العلمي بحمد الله، وجدت أنها تسبب مشكلة أن الطالب هو يدخل مباشرة في النحو، يدخل مباشرة يريد أن يدرس أصول الفقه، يدخل مباشرة في البرامج العلمية، سواء البرامج العلمية المباشرة الوجهية أو حتى عبر المنصات المنتشرة بحمد الله عبر العالم، يدخل مباشرة فأول ما يسمع. قال ابن آجروم أو قال العمريطي أو قال فلان في العقيدة. والحقيقة أن هذا الطالب لا ما زال يحتاج إلى مجموعة من المقدمات في حياته حتى يستبشر بهذا الطريق ويعرف كينونته ويعرف حقيقته ثم بعد ذلك يقرر إليه المسير وكيف سيكون المسير وعلى أي نوع سأسير. لأن هذه المقدمات هي توجه البوصلة وتضبط الطريق. للاسف أن بعض طلاب العلم عندما تتكلم عن أهمية هذه المقدمات له يعتبرها من تحصيل الحاصل، يعني معقول يا شيخ أنا لا أتقن الحفظ حتى آخذ مهاره الحفظ؟ أمعقول؟ نعم، بل إنني أزعم أن أكثر المنشغلين بالعلم اليوم في الوقت المعاصر لا يعرفون كيف يحفظون، سواء القرآن أو الحديث أو المتون، هناك أخطاء كثيرة، لذلك لا ينتج عندنا كفاءات علمية.

أنا أزعم أن كثيراً من طلاب العلم المنشغلين اليوم بعملية الفهم والتحليل والقراءة عندهم ضعف كبير كبير في معالجة كتب التراث، وهذا طبعا له أسباب، يعني هذا الضعف ليس منصباً على الطالب نفسه هو السبب فيه أحياناً. النشأة العلمية في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا هي لا تسمح بتكوين هذه المهارات وهذه الإمكانيات التي تساعدني على طلب العلوم الشرعية بالشكل الصحيح. وهذا من باب وضع النقاط على الحروف أن نعرف أسباب المشكلة في بلادنا. المدارس التي أنت تدرس فيها قليل جداً جداً من يركز على تنمية مهاراتك العلمية والمعرفية، سواء مهارة الحفظ أو مهارة الفهم والتحليل أو مهارة التلخيص أو التشجير أو الكتابة أو كيفية التواصل مع البيئات العلمية وهلم جراً.

ولذلك نحن في العاده عندما كنا في المدارس كيف كان أنماط الدراسة لديكم؟ أن الطالب يبقى غائباً عن الماده طوال الفصل، فإذا جاء موعد الامتحان قرأ المادة سريعا هكذا، ثم اليوم الثاني يختبر وسرعان ما ينتهي الفصل وتتبخر المعلومات. لذلك لو سألتك الآن، خاصة الإخوة الذين هم في الجامعات أو فوق الجامعات ممن يعملون، هل تتذكر شيئاً من مادة الفيزياء أو الكيمياء التي أخذتها سابقاً؟ وأنا أولكم أقول لكم هي ذكريات جميلة، لكننا نعرف أن الدراسة في الساعات الأخيرة هذه ليست دراسة علمية أبداً، وإنما هي دراسة لنيل الشهادة وتجاوز مرحلة دراسية.

لكن هل يمكن أن تبني طالب علم حتى في العلوم الدنيوية؟ لا يمكن. فنحن نجتر في دراستنا الشرعية أخطاء الماضي في الدراسة المدرسية أو حتى الدراسة الجامعية، ونظن أنه يمكن تطبيق نفس الآلية ونفس الأفكار ونصبح طلاب علم شرعي. وهذا بعيد المنال، لا يمكن، ما دمت قررت أن تكون طالب علم شرعي أو تحب أن تكون طالب علم شرعي على مرتبة من المراتب، عليك أن تتعلم الآن ما هي الأنماط الصحيحة في التعلم وأن تنسى الماضي تماماً الذي كنت فيه في المدرسه والجامعه.

نحن أتينا هنا في التأسيس العلمي لننسى تلك الدراسة المبعثره وتلك الطريقة الهزيله في تحصيل العلم ونبني منهجية صحيحه في تلقي العلم. هذه المنهجية نحن طريقة أو ما موضوعنا هو العلم الشرعي، لكن أزعم أنها ستفيدك حتى في العلوم الحياتية الأخرى، تدرس لغة عربية، تدرس علوم إنسانية، علوم تجريبية، هناك منهج للمعرفة، هناك منهج للعلم، قبل أن تشرع في العلم يجب أن تعرف كيف تتعلم. وهذا هو السؤال العريض الذي من أجله جاء التأسيس العلمي. قبل أن تقول لي ماذا أحفظ من المتون وماذا أدرس، علمني كيف أتعلم، علمني كيف أتعلم. لأن إذا عرفت كيف أتعلم بالشكل الصحيح أستطيع أن أمارس هذا النمط في حياتي. نعم ستحتاج إلى المشايخ والمعلمين، لكن سيكون بنائك العلمي بناء صحيح، تشعر بثمرته.

كم رأينا من الطلاب في طريق طلب العلم منذ عشر سنوات وما زال يضيع ويتيه في المسائل الأساسية في العلم؟ لماذا؟ لأنه لا يعرف كيف يتعلم ولا كيف يتعاطى مع الكتاب حفظاً أو فهماً أو تحليلاً أو تلخيصاً. كيف يسجل معلومة؟ في كثير من الدورات التي كنا نعقدها أجد كثيراً من الإخوة عندما أمسك كتابه وأعلق عليه، يعلق تعليقات ليست هي الأكثر أهمية، وينسى أن يعلق التعليقات ذات الأهمية، هو فقط يكتب لكن لا يعرف ماذا يكتب وما الشيء المهم وما الشيء الثانوي وما الشيء الأساسي وهلم جراً لكثير من الإشكالات التي راقبناها في حياة طلاب العلم، مما تجعل من الواجب علينا كمدرسين للعلوم الشرعية أن نعود ما يسمى خطوة إلى الخلف.

نعود خطوة إلى الخلف، لا، دعونا نرسم المنهج، منهج المعرفة، وكما قلت لك، لا تقل لي والله أنا لا أعاني من مشاكل، أنت تعاني من مشاكل كثيرة، لكن المعلم في مرحلة ما من حياتك العلمية قد يكون أقدر على أن يعرف مشاكلك منك. الثقة الزائدة أحياناً من الإنسان بنفسه أنني لا أحتاج مثل هذه الأنماط من الدورات، هذا خطğ إخواني، حتى اليوم في الدراسات الغربية وفي الجامعات الكبرى يدرسون منهج المعرفة قبل أن يدخلوا في المعرفة. لماذا فاقنا الغرب سامحوني ندرس الواقع في كثير من العلوم التجريبية؟ لأنهم يهتمون ببناء المنهج ببناء الخطة ببناء الطريقة في التفكير، ثم بعد ذلك يعطيك المساحة لتفكر أنت. إذا كنت لا تملك وسائل التفكير، لو أعطيتك كل كتب اللغة أو أصول الفقه أو الفقه أو العقيدة ستفكر بشكل خاطئ أو لن تفهمها وبالتالي تنقطع عن العلم.

لماذا اليوم في واقعنا المعاصر نجد كثير من البدع، نجد كثير من أصحاب السوشيال ميديا، إنصاف المتعلمين الذين يفتنون الناس بدينهم ويبرزون أنفسهم على أنهم منشغلون بالعلم وهم ضعاف تمام الضعف؟ ما الذي يحصل؟ الذي يحصل أن هؤلاء الذين يبرزون أمامكم على ساحة السوشيال ميديا ويعرف نفسه بأنه طالب علم وقرأ، هو قد يكون قرأ لا مشكلة عندي، لكنه لا يعرف كيف يقرأ، لا يعرف كيف يبني المعرفة، لا يعرف كيف تقرا النصوص وتحلل وكيف تبنى المعلومات وتنسق، فيخرج بمعرفة معلولة. المعلمون الذين نعاني منهم اليوم كثيراً كثيراً.

هنا إذا باختصار أتينا لنرتب الأوراق ونضع الحكاية من أولها، أتينا الحكاية من أولها، لذلك كل ما لديك من تصورات عن العلوم الشرعية مسبقاً أرجوك اليوم ضعه لي جانباً، كل ما شكلته في حياتك سابقاً لا أقول عليك أن تمحوه، لا، إن شاء الله قد يكون فيه خير، لكن حتى نستفيد مع بعضنا في هذه الورش العلمية نريد أن أضع تصوراتك قليلاً جانباً ونبدأها من الخطوة الأولى. نشكل تصوراتنا بإذن الله المتينة، ثم ما تحتاجه من الماضي الجميل تضيفه، أما تصوراتك هذه الماضية التي قد تكون مهترئة نوعاً ما أو ذليلة لا تتناسب مع ضخامة وعظمة العلوم الشرعية، نعم نريد أن نرتبها.

اقتحم المعرفة رويدا رويدا حتى لما أقول نقتحم المعرفة هو ليس شرطاً أن تكون عالماً بالمعنى الدقيق، ليس شرطاً أن تكون عالماً، لكنني أن تحسن التعلم الصحيح. يعني هل لوا منا جميعاً نما كلاً كلس سيح الله وجل عليه ما فتحه العلم، لكنني حتى لو أخذت عشرين بالمئة من العلم أن تكون هذه بالطريقة الصحيحة، يا أخ لو أخذت أربعين بالمئة من العلم أن تكون صحيحة، لو أخذت واحد بالمئة من العلم أن يكون صحيحاً، أما أنك تجلس تأخذ لي تقول لي والله أنا الحمد لله قرأت وصنفت ونظرت وقرأت ثمانين بالمئة من العلم ثم أجد غثاء كغثاء السيل، هذه مصيبة، هذه كارثه كبيرة.

فضلا أن كثيراً أصلاً من الطلاب إنما تفتر همته وينقطع عن طلب العلم عندما لا يجد الثمرة. يقول يا شيخ أنا في هذا الطريق منذ سنتين ثلاث أربع خمس، وقطعت وسمعت في النحو، والله سمعت في الصرف، سمعت في الفقه، وقرأت في العقيدة، لكن أشعر أن كل شيء يتفلت، أشعر أنني غير متقن لعلم من العلوم، فماذا يسبب له هذا؟ إحباط. يقول لك واضح أن هذا ليس من طريقي ولا من خطي، يصاب بالإحباط بالملل، فيعود أدراجه ويقول لعل شخصاً آخر يأتي مكاني يطلب العلم.

فسبب كبير أو من أحد أسباب فتور الهمة الأساسية هو عدم إتقانك للمنهج المعرفي، عدم إتقانك كيف تطلب العلم. هذا صدقني هو الذي يزعجك يؤلمك، لكن أنت لست قادراً على الصراخ، لست قادراً على أن تبوح بمشكلتك، أو قد تكون أنت لا تعرف أين المشكلة. يعني أنا كثير من الطلاب يأتيني يشكو لي حاله في كثير من العلوم، والله هذا المتن يتفلت ولم أستطع أن أحفظه. حتى القرآن، كثير من الناس الذين يخرجون من المراكز القرآنية يقول إنه حفظ قرآن، عندما تختبره تجد حفظ هزيل متآكل، يعني هذا ليس حفظاً، أنا لا أسميه حفظاً، وإنما والله هكذا المركز حفظنا وممشى الحال وخرجت وأعطيت درعاً أنني أحفظ القرآن، لكنك في الواقع لو أتيت أضعك في ميزان الحفظ أنت لست حافظاً. وقص على هذا إشكالات كثيرة.

الطالب هو يريد العلم وهو صادق ومقبل بنهم، لكن هو لا يعرف أين المشكلة، فهنا يأتي دور المعلم ليخبرك أين المشكلة ولنبني تصوراتك الصحيحة قبل أن تتعمق. لذلك هذه الدورة إخواني هي لن تاخذ منك وقتاً من حيث الدراسة، يعني التأسيس العلمي هل أحتاج أن أترك الجامعة من أجله؟ لا، لا، الأمور طيبة، هي دوره سامحوني أثرها فكري تطبيقي، يعني أن أبدأ أشكال التصورات الصحيحة وأبدأ أتعلم كيف أطَبق.

لذلك ممكن الفترة القادمة تكون عند بعضكم امتحانات نهائية أو شيء، إياك تنقطع، فهذه الدورة ليست صعبة، ليست صعبة من حيث أن ليست متناً نحتاج أن نراجع في البيت هكذا مهارة الحفظ ونسمع، لا، هي دورة مهارات تدريبية، وضع للنقاط على الحروف، ترتيب الأولويات، حتى بإذن الله إذا شرعت بعد ذلك في تحصيل العلمي على وجه الحقيقة في أي أكاديمية من الاكاديميات أو في أي مرحلة من مراحل حياتك، يكون هذا الشروع بناء على طريقه صحيحة وتشعر بلذه العلم. أنا أريدك أن تشعر بلذة العلم، أريدك تشعر بلذة الإنجاز، أريدك تشعر أنك طالب علم حقيقي، المعلومات التي تحصلها تاتي في المكان الصحيح، تحفظ بالشكل الصحيح، تفهم بالشكل الصحيح، تبنى وهكذا، حتى أنت تستفيد ولا فيا خسارة الأعمال إذا ضاعت بدون فائدة علمية ترجى بعد ذلك.

فنبدأ بالمحور الأول، كما تعلمون مجلسنا سيقسم إلى محورين، المحور المجلس الأول في الحقيبة الأولى وهي مفاتيح الطلب هي مجموعة من المحاضرات التأسيسية حول مفاهيم طلب العلم الشرعي. وأما المحاضره الثانية أو المجلس الثاني سيكون في الحقيبة الثانية وهي مهارات التعلم. فنبدع بالله نطلب منه ونلج إليه ونفزع إليه أن يسددنا في كلامنا وفي فهومنا وأن يجعلنا من الصادقين المخلصين إنه ولي ذلك والقادر عليه.

موعدنا اليوم مع المحور الأول. المحور الأول أيها الكرام يتكلم عن مفهوم العلم الشرعي، وعن فضله، وعن الغاية من دراسته، وعن أثره في حياة الإنسان. يعني كم فكرة اليوم بدنا نتكلم؟ الأصل أربعة، مفهوم العلم الشرعي، فضل العلم الشرعي، الغاية والهدف من دراسة العلم الشرعي، وكيف يؤثر العلم الشرعي على حياتي.

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله. منذ اللحظة الأولى التي تفكر فيها أن تطلب العلم وترغب أن تكون جزءاً من أجزاء هذه الحكاية الشريفة التي عاش من أجلها علماء الأمة الأفذاذ، حكاية طلب العلم. منذ اللحظة الأولى التي يسنح في خاطرك أنني أريد أن أكون طالب علم وتفكر بالانضمام لأكاديمية أو معهد أو برنامج أو أي شيء من هذه المعاهد التي تدرس العلوم الشرعية، في هذه اللحظة سيهجم على خاطرك مجموعة من التساؤلات والاشكالات التي تحتاج إلى أجوبة واضحة.

والسؤال الأول الآن، طريقتي أنني ساعرض لكم هذه الإشكالات التي تعرض في أذهاننا منذ اللحظة الأولى التي قررت فيها أن تكون طالب علم. بالتاكيد أنت حضورك إلى مجالس العلم إنما هو نابع أنك تفكر بوجه من الوجوه أن تطلب العلم ولو على قدر من المقادير. منذ هذه اللحظة الأولى، بالتاكيد الأصل الإنسان تهجم عليه مجموعة من الأسئله، ساطرح هذه الأسئلة ثم سنبدأ معالجتها. السؤال الأول هو: ما حقيقة هذا العلم العظيم الذي احتمل في طلبه الأخطار، وقطعت من أجله الفيافي والقفار، وهجرت من أجل طلبه الأوطان والبلدان، وترك...

الإنسان أهله وأحبابه، ووردت العجائب تحكي قصص طالبيه، وسارت بذكر علمائه الليالي والأيام، ووصل إلينا من مآثرهم، ومن قصصهم، ومن مصنفاتهم، ما يدفع الشك ويجزم باليقين أن هذا العلم الشريف هو أعظم علم طلب على وجه الأرض، وأن أعظم مجهود على وجه هذه الأرض بذل في طلب علم وفي تحقيق علم من العلوم، إنما بذل في طلب هذا العلم الشريف.

بالتأكيد قرأت وسمعت كثيراً عن أحوال العلماء وعن أحوال طلاب العلم الاقدمين؛ سمعت كيف سافروا وهجروا أوطانهم عشرين وثلاثين سنة، وكيف دخلوا في أدغال ونزلوا في فياف وصحاري، وكيف عرض نفسه للخطر وهجر أهله سنوات وسنوات، وتسمع من القصص العجيبة والمآثر الكبيرة ما يجعلك تقول: ما هو هذا العلم الذي حصلت من أجله كل هذه الأهوال؟ أليس كذلك؟

يعني انسان يغترب عن أهله ثلاثين سنة من أجل طلب العلم، انسان مستعد يركب البحار المتلاطمة، ويقطع صحاري مليئة بالوحوش، ويقطع أدغال، ويغيب ويعيش سنوات وهو مرتحل من مصر إلى الحجاز إلى البصرة إلى الكوفة؛ ماذا يريد أن يفعل؟ لماذا كل هذه المخاطرة؟

فهذا بالتأكيد هو السؤال الأول الذي يجب أن نجيب عنه، وهو: ما هو هذا العلم الشرعي؟ هذا أول سؤال، معفي، لا يجوز أن تقتحم العلوم الشرعية وأنت لا تملك تصوراً عن حقيقة هذا العلم الإلهي الشريف.

طيب، إذا أجبنا عن هذا السؤال، سياتي في خاطرك سؤال آخر، وهو: ما الذي يدفعني إلى تعلم هذا العلم والإقبال عليه؟ هذا السؤال الثاني الطبيعي؛ إيش اللي دفعني أنا كانسان أنني أريد أن أطلب هذا العلم وأن أقبل عليه، وأن أبذل ساعات عمري في مجالسها وبين يدي أشياخ وعلى موائد كتبه، وأتحمل كل هذا العناء ذهاباً وعودة ومواصلات ومن الزرقاء للشيخ فلان، يأتي من إربد؟ ما الذي يدفعني إلى أن أتعلم هذا العلم؟ وهل يا ترى، ضمن هذا السؤال، النتائج التي سأحصل في نهاية المطاف تستحق كل هذا الجهد المبذول والعناء الكبير الذي بذل؟

يعني أحمد بن حنبل رحمه الله عليه، لما فكر يطلب العلم وهو تأخر زواجه إلى الأربعين وعاش رحلة علمية طويلة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، هل النتيجة النهائية التي حصل عليها كانت تستحق كل هذا التعب، وأن يترك لذائذ الشباب؟

بالتأكيد كان هناك شباب في أيام أحمد بن حنبل، شباب يحبون اللهو والمرح والكشتات والطلعات والفروج والمطاعم والمشاوي ويحبون كل هذه الأمور، لكن أحمد بن حنبل أو الشافعي أو مالك أو غيرهم قرر أن يعيش حياة مختلفة، متعبة مضنية، ويسافر ويترك ما يحبه أهل زمانه وأقرانه.

هل النتائج التي حصل عليها كانت تستحق كل هذا التعب الكبير الذي بذل؟ فهذا يأتي ضمن السؤال الثاني، سؤال الدافع؛ ما هو الدافع إلى تعلم العلم الشرعي؟

إذا أجبنا عن هذا السؤال، ننتقل إلى السؤال الثالث؛ أنا الآن عرفت الدافع وعرفت فضل هذا العلم وقيمته، يا ترى كيف سينعكس هذا العلم الشرعي على حياتي أنا كانسان؟

هذا سؤال مهم جداً جداً؛ ما أثر العلم على حياتك أنت يا طالب العلم وأنت يا طالبة العلم؟ ما هي الانعكاسات التي ينبغي أن تحصل؟ وما هي التغييرات الجذرية التي يجب أن تحدث في حياتك بعد أن تصبح طالب علم وتخطو خطواتك الأولى في هذا الطريق؟

أم ترى العلم هو مثله مثل علم الطب أو الفيزياء أو الهندسة، مجرد أفكار نظرية ومعلومات ذهنية موجودة في بطون الكتب، بشتغل فيها بأخذ عليها راتب آخر الشهر، لكن ما بنعكس على حياتي؟

يعني هل فيكم مثلاً انسان متخصص في الفيزياء، لو سألته: هل علم الفيزياء له انعكاسات على حياتك؟ يعني مثلاً في علاقتك مع زوجتك؟ في علاقتك مع الله؟ ممكن بعض الفوائد هكذا، تقول لي: والله زاد يقيني بالله في اشياء. لكن ربما أنتم فهمتم سؤالي؛ يعني على مستوى حياتك الشخصية، علم الفيزياء أو علم الكيمياء أو الهندسة المدنية أو المساحة الأرضية، ربما نقول يعني صعب أن يكون له انعكاسات على علاقاتك الاجتماعية تصوراتي إلا في جزء محدود من التفكير في ملكوت الله لمن يشغل هذا الذهن في هذا الموضوع.

لكن العلم الشرعي، يعني هو السؤال: هل يا ترى العلم الشرعي هو مثل العلوم الحياتية، سواء العلوم الإنسانية أو العلوم التجريبية؟ لا، العلم الشرعي مختلف، وليس مجرد أفكار، ليس مجرد متن يحفظ؛ العلم الشرعي أسلوب ومنهج حياة وممارسة سلوكية يجب أن تتغير جذرياً في حياتي قبل طلب العلم وبعد طلب العلم.

لأن هذا السؤال إذا أنت إلى الان وأنت تطلب العلم لم تجب عنه، معناه في مشكلة كبيرة في حياتك، أنه أنت ما زلت تتعامل مع العلم الشرعي أنه مجرد أفكار معلومات؛ والله المذهب عند الحنابله في هذه المسألة كذا وكذا، والمذهب عند الشافعية كذا، وتعريف العلم كذا، وتعريف وقال في المنطق كذا، وقال في البلاغة القزويني؛ أنت بتتعامل مع معلومات، لكن ليس هذا هو فقط حد العلم.

بالتأكيد العلم الشرعي شيء أكثر من ذلك، وله انعكاسات كبيرة على حياتك.

طيب، السؤال الرابع؛ إذا عرفت انعكاسات العلم على حياتك، سآتي إلى سؤال مهم ومهم ومهم، وهو: أنت الآن في اللحظة الأولى وأتيت إلى التأسيس العلمي، تقرر أن تكون طالب علم؛ السؤال: هل أنا الآن مستعد لأن أكون طالب علم؟ الآن الآن عندما أتيت، هل أنا الآن مستعد لأعيش تفاصيل هذه الحكاية وتقتحمها؟ هل أنا مستعد للتغييرات الجذرية التي ستطرأ على حياتي ومستعد لاتخاذ قرارات حاسمة ما دمت قررت أن أكون طالب علم؟ أم ما زلت في حيز التردد، مش مستعد والله لسه أقدم التضحيات المطلوبة سامحوني، مش مستعد بعد للقرارات الحاسمة؟

وإذا قلت انك مستعد للقرارات الحاسمة، سياتيك السؤال مباشرة في نفس هذا الحيز، وهو: كيف أبني شخصيتي حتى أكون مستعد فعلاً لطلب العلم؟

إخوان، هناك مشكلة كبيرة في طلب العلم اليوم في الجامعات؛ الطالب يكون يعني خرج حديثاً من عهد الثانوية العامة، وتعرف تلك الفترة وما فيها من الهزال المعرفي وعدم الجدية، فجأة يجد نفسه يدرس سنة أولى كلية شريعة وفجأة يجد نفسه في معمعة وهناك أربعة أقوال في المسألة، قال الشافعي كذا، وقال شيخ... حبة حبة علينا، أنا لسه البارح كنت في التوجيهي وأصبحت فجاه سنة أولى جامعة وبدأت في معمعة اختلف الفقهاء في المسألة على أربعة أقوال!

أنا يا شيخ لسه ما زلت لا أعرف الحفظ ولا أعرف الفهم والتحليل، وما زلت لا أعرف الخطوات الأولى في التعلم، تبدا تواجهني مسألة المياه أربعة أقوال، وقسمها الحنفية وال... والمسكين مال، ما هو عارف الأجواء ولا شخصيته أصلاً مستعد لطلب العلم، وعنده تراكم معاصي وذنوب وأخطاء واشكالات حياتية؛ يعني هو ما زال يحتاج إلى بناء شخصية كاملة قبل أن تقول له: اختلف العلماء في المسألة على أربعة أقوال، وهذه المسألة في أصول الفقه قال فيها الأشاعرة والمعتزلة وطريقة السلف مقابلة والرد على الأشاعرة!

يعني في نوع من الضياع والشتات المعرفي الهائل الذي يحصل والانتقالات الهائلة، وهي التي تبرر لنا لماذا لا نخرج طلاب علم وللماذا لا نخرج أصفياء وكفاءات علمية؟ لأن الطالب يبدأ مشوهاً، هو لم يستعد شخصياً وداخلياً لطلب العلم، ويبقى هذا التشوه معه حتى يتخرج من أربع سنوات، ثم يعود انساناً عامياً من عوام المسلمين، جزاه الله خيراً هذا إذا خرج بالسلامة! هذا على فرض أنه خرج من الجامعة الشرعية بالسلامة، إذا لم يخرج مبتدعا أو محملاً بأفكار لم تكن عنده قبل الجامعة.

يعني إذا خرج بالسلامة اليوم الله يعطيه العافية وجزاه الله خيراً، والمشكله أن أكثر الطلاب يخرج أسوأ مما دخل، يخرج من الجامعة أسوأ مما دخل لكثرة المدخلات الخاطئة اللي هو انصدم فيها، ولم يكن منصفاً مع نفسه قبل أن يقرر أن يسجل؛ هل أدرس شريعة ولا لا؟ هل أنت متأكد من قرارك وهل أنت متأكد من شخصيتك وهل أنت متأكد من استعداداتك النفسية والشخصية والحياتية لاقتحام هذا الباب؟

هذه ترى أمور مهمة جداً الإجابة عنها قبل أن تقول لي: أريد أن أتعلم الفقه أو العقيدة أو الفرائض أو أصول الفقه أو ما شابه ذلك.

طيب، هذا السؤال الرابع، أليس كذلك؟ نأتي إلى السؤال الخامس المهم؛ إذا أعددت شخصيتي ومشاعري ونفسيتي لطلب العلم، سأبدأ بالسؤال المتكرر على ألسنتكم: طيب من أين أبدأ؟ أي كتب أبدأ بحفظها وأي علم سأشرع فيه؟

هذا سؤال مهم بالنسبة لي باختصار؛ ما هو المنهج العلمي في التدرج لبناء العلوم الشرعية؟ بالتأكيد العلم الشرعي يا إخواني مثل أي علم من العلوم المعرفية الحياتية، لابد أن يكون منهج علمي صحيح في التدرج فيه.

وأما ما يظنه الطالب أن اقرا من أي كتاب، اليوم يحلق في النحو، اليوم الثاني فاذا به في اصول الفقه، اليوم الثالث يقرا في علم الرجال والجرح والتعديل، اليوم الرابع... هذا التشتت العلمي والمعرفي هذا من أكبر المدمرات للشخصية العلمية.

ولذلك أيضاً من أكبر المدمرات أو الإشكالات خليني أقول في التدريس الجامعي المعاصر اليوم، أن الطالب يدخل على الجامعة فيعبئ السنة الأولى على هواه؛ أنا بقدرش أدوام إلا اثنين وربع، طب كيف أرص المواد انه يطلع اثنين وربع؟ بشوف عاد أسماء المشايخ؛ والله في مادة كذا في السيرة والله منيحة، طيب ايش رايكم نزل أصول فقه اثنين قبل أصول فقه واحد؟ مش مشكلة، ما هو أنا ما بقدر أدومي إلا اثنين وربع.

وتبدأ هذه الفوضى العارمة، وأنا يعني أذكر درست أنا في الجامعة، وأسأل الله ألا تعاد، درست أنا في الجامعة تجد طالب في السنة الأخيرة لم يأخذ أصول فقه واحد! يعني هو اخذ أصول فقه اثنين ثلاث أربعة، وأصول فقه واحد لم يأخذها، طيب وين راحت هذه المادة؟ هي قبلهم، بس ما هو أنت عارف المسجل اخونا الله يكرمه، أتاه طالب ترجاه، قال له: أنا ما بقدر أدوم إلا اثنين وربع وعندي شغل، أحياناً بدا عندي شغل أحد ثلاثاء خميس، مشي لي إياها؛ قاله: بمشي لك إياها!

والمسكين لا يعرف أنه يخادع نفسه، إخواني العلم ليس هكذا، ليس فوضى!

أنا حقيقة أتأسف عندما أجد أن الدول الغربية عندهم من الحتمية والمنهج العلمية في دراسة علومهم، وعندما نأتي إلى أشرف علم وأعظم علم نتعامل معه بهذا الاستهتار الكبير؛ هو المهم عفواً أن تدرس وتتعلم، ولا المهم أنك تداوم اثنين وربع أو أحد ثلاثاء وخميس، وأي شيء ياتي بجانب أي شيء ويمشي الحال والأمور طيبة؟ إخواني اياك أن تستهتر.

شوف الله سبحانه وتعالى ينظر إلى قلبك؛ فإن راك جاداً في البحث عن المنهج العلمي والتمسك به، ولو على حساب كثير من أمور حياتك، يمنحك يعطيك، لكن إذا راك تقدم كثير من الرغبات والأهواء وحب النوم والكسل، وأني لا أريد أتعب في الذهاب والعودة، أريد فقط شيء سريع أخصر في يومين؛ هنا يظهر واضحاً جلياً أنك لست باحثاً عن المعرفة، وإنما انسان تريد هكذا لقطات وفوائد عامة، فلا تعطى العلم وتبقى هزيلاً ضعيفاً.

ففكر ما هو المنهج العلمي؟ هذا أهم من انك تدرس؛ يعني قبل أن أعرفك تدرس ماذا في النحو وفي أصول الفقه، عليك أن تعرف ما هو المنهج، كيف تبنى العلوم وكيف تتداخل، وأين منطقة التشابك وأين منطقة الانفصال؟

أما هذه الطريقة الموجودة اليوم للأسف في معاهدنا هي أحد أسباب عدم الإنتاج العلمي، هي أحد أسباب أننا نخرج سنوياً الآلاف من كليات الشريعة، لكننا لا نخرج طالب علم بالمعنى الحقيقي الذي هو معروف عند العلماء؛ طالب علم يستطيع أن يشرح كتاب فقه من كتب التراث من ألفه إلى يائه.

أنا ما بدي طالب علم عالم يخرج من الجامعة، لا أتصور ذلك، لكن أليس من الأحق على الأقل أن يخرج الطالب من الجامعة يستطيع أن يدرس كتاباً فقهياً من كتب التراث من ألفه إلى يائه؟ هذا الحد الأدنى بعد أربع خمس سنوات، أنك تستطيع أن تدرس متناً مختصراً في أصول الفقه؟ اليس المفروض أنك تستطيع أن تقدم مادة علمية جيدة في الفنون الشرعية ولو في فن واحد من أوله إلى آخره؟

أما هذه حالة الضياع والتشتت من أسبابها ضياع المنهج.

إذاً هذا السؤال الخامس، سؤال المنهج العلمي.

السؤال السادس والأخير؛ إذا عرفت المنهج -نحن الآن أجبنا عن كل الأسئله السابقة هكذا أريدك تتخيل، أجبنا عن كل الأسئلة: ما هو العلم؟ ما هو فضله؟ كيف ينبغي أن ينعكس ويؤثر على حياتي بشكل واقعي؟ ثم هل أنا مستعد الآن لخوض غمار هذه الرحله؟ ثم ما هو المنهج؟- ستصل إلى السؤال السادس والأخير، وهو أنه بدأ يلوح أمامك في الأفق عوائق الطلب.

بدأ يلوح أمامك في الأفق ما يسمى عوائق الطلب، أشياء تراها معيق لك عن الاستمرار في هذا الطريق، مثل ماذا يا مشايخ؟

الزواج الشيخ، واضح أنه عائق مدمر، طيب، عائق الزواج خاصة للشاب لما يصل إلى منتصف العشرين في مجتمع مليء بالشهوات والفتن عائق كبير جداً.

عائق آخر؛ الوقت بسبب ايش؟ الرزق الكسب العمل، هناك العمل الكسب الذي يأخذ خاصة في مجتمعاتنا والرأسمالية الجشعة التي تستهلكك، أصبح يأخذ زهرة العمر والحياة.

طيب ايش في عوائق أخرى؟ بعد المسافات والشقة.

طيب ايش في عوائق يمكن تلوح؟ حظوظ النفس، اللي هو الخواطر الرديئة التفكير في الشهوات المعاصي السوشيال ميديا التي أنا أعتبره أحد المفاسد العظمى في العصر الحديث؛ السوشيال ميديا مدمرة طلاب العلم وحال العلم من الشباب، هذه أكبر مشكلة يواجهها طلاب العلم اليوم أو من أكبر المشاكل؛ حالة السوشيال ميديا والإدمان عليها، والإدمان على الهاتف الجوال؛ يعني هذا لم يكن عائقا عند

الأقدمين، لذلك لن تجد عند مثلا من صنف في ففضل العلم وعوائقه وما شابه ذلك، النووي، ابن جماعة، جمال الدين القاسمي، ابن عبد البر، لم تجد أحدا تكلم عن السوشيال ميديا، لم تكن في زمانهم، لكن اليوم نحن نحتاج إلى تفعيل الدروس والورشات، كيف يتعامل طالب العلم مع السوشيال ميديا حتى لا تهلكه؟ حتى لا تسرق منه زهرة العمر وهو المسكين أسير أمام الفيسبوك والتويتر والانستغرام والكلام الفارغ واليوتيوب لا يسمن ولا يغني من جوع، والعوائق كثيرة، وسألتني إن شاء الله لمحاضرة خاصة بالعوائق نتحدث عنها بالتفصيل.

لكن سؤال العوائق سؤال خطير، كيف لا أجعل هذه العوائق توقفني عن الاستمرارية في هذا الطريق؟ بالتأكيد أنا أريد ديمومة، هو أنت أتيت تطلب العلم فقط في هذه الدورة والسلام عليكم؟ ولا العلم هو عبارة عن سنوات تلو السنوات إلى أن تلقى الله سبحانه؟ أنا أبحث عن الديمومة، أبحث عن الاستمرارية، ولكنني تلوح أمامي العديد من العوائق في الأفق، كيف لا أجعلها تؤثر علي بشكل كبير؟ ستتاح، يعني حتى لا أكون مثالي، كلنا يتاثر بالعوائق، وأنا منكم، لكن المهم ألا أجعلها توقف، أن أجعلها تمنعني وتحرمني من الاستمرار ومن التحصيل الجيد، فكيف أتعامل معها يا شيخ حتى أستمر في هذا الطريق؟

فهذا سؤال مهم ممتاز، هذه الأسئلة الستة أيها الكرام في وجهة نظري هي تشكل بداية القصة في طلب العلم، هي التي تشكل بداية القصة في طلب العلم، وتجاهل هذه الأسئلة وعدم تقديم الإجابات الشافية لها ستجد أثره مباشرة في خطواتك الأولى في التعلم من خلال التشوهات في العملية التعليمية التي أنت تمارسها، تشوه في طريقة التعلم، تشوه في أدبك، في سلوكك، في حياتك، وهذا ما سيجعلك تخرج من أنصاف المتعلمين، أو سيجعلك تنقطع عن الطريق بعد سنة أو سنتين أو ثلاث.

إذا لابد من الإجابة عن هذه الأسئلة، ولا يجوز لطالب العلم أن يشرع في طلب العلم -طبعا لا يجوز بالمعنى الصناعي وليس بالمعنى الشرعي- لا يجوز لطالب العلم أن يشرع في طلب العلم ويبدأ يسأل ماذا أفعل؟ وأريد أحضر دورة في متن كذا وكذا، قبل أن تكون هذه الأسئلة لديه واضحة، ماذا سيفعل تجاه كل سؤال من هذه الأسئلة؟ بعد ذلك قل لي والله أنا الآن مستعد لطلب العلم، طيب.

لذلك كثير من الطلاب -أعود فأقول- عدم وضوح هذه الأسئلة لديهم وعدم امتلاكهم إجابات عنها هي التي تجعلهم يتخلون سريعا عن تلك المشاعر والأحلام الجميله التي بنوها حول أنني أريد أن أكون عالما في يوم من الأيام، أريد أن أصبح كالنماذج الكبرى التي خدمت الأمة في العلم الشرعي وأصبح مصنفا وعاقدا للدروس والدورات وأنفع الشباب، هذا الحلم هو بدأ معه بفكرة، صحيح عدم تنمية هذه الفكرة بالشكل الصحيح ورعايتها والاجابة عن التساؤلات المعرفية الأولى سيجعلك بعد ربما ثلاثة أشهر، ربما بعد سنة، ربما بعد سنتين تتخلى عن كل هذه الأحلام الجميلة وراء ظهرك، وتقول أريد أن أعود طالب علم يا شيخ؟ ترى أنت قبل خمس سنوات كنت تقول أريد أن أكون عالما وأحرر أسار الأمة، أريد أن أواجه الملحدين، وأريد أن أجيب، وأريد أن أحمل عقيدة، وأريد أن أدافع عن عقيدة أهل السنة؟ مش أنت اللي كنت تحلم انك تريد أن تكون شافعيا متينا أو حنبليا كبيرا؟ أين ذهب الحلم؟ أين ذهب الطموح؟ أين تبخرت؟ قلت يوم من الأيام قلت لي كنت تريد أن تكون مفسرا للقرآن وتجلس، أين ذهب الطموح؟ سريعا تخليت عنه، هو المشكله نعم أنت تخليت عنه لأنك لم تبني نفسك ابتداء بالشكل الصحيح، ظننت أن الأمر هكذا مجرد أفكار وأفتح الكتب وأبدأ أقرأ، لا، الأمر ليس هكذا، ليس مجرد فكرة أنني أريد أن أكون مفسرا يلا نفتح ابن جرير نبدأ نقرا بعد سنة سنتين ستصبح مفسرا، هذه أحلام جميلة دعك منها، وليست جميلة هي وساوس الشيطان، هذه أصلا وساوس الشيطان أنك ستصبح مفسرا خلال سنتين ثلاث أو من خلال أعطائك للعلم نصف ساعة في اليوم وربع ساعة وباقي اليوم وأنت فاتح على السوشيال ميديا، فلذلك يا إخوان نريد أن نتخلص من الأحلام وننزل إلى الواقعية ما هو العلم وكيف؟

حتى إذا بعد نهاية الدورة أنا قلت لأحد الإخوة قال لي أحضر هذه الـهلت أحضر بعد نهاية هذه الـهلت ستستفيد أحد أمرين، إما أن تعرف أنك لست أهلا لطلب العلم فتغادر هذا الميدان وتتركه لأهله، ويكون إن شاء الله حضورك في المجالس حضور يعني تزكو تربوي لنفسك، أو أنك تكون خلص فهمت الموضوع ومستعد الآن لخوض غباره، فالفائض من التأسيس العلمي هو حقيقة أن يضعك على الطريق، وأحيانا ترى بعض النصائح تكون في مكانها، ياتيني شاب مقبل على هكذا يريد أن يدرس العلم الشرعي ومقبل عليه، الآن نحن لا نحطم أحدا، لكن ينبغي أن نراعي القدرات الشخصية والفروق والنفسيات والأحوال قبل أن أقول نعم أنت تصلح أن تكون عالما توكل على الله واشرع في هذا الطريق، ولا، لا، أنا لست من الناس المتحمسين لهذا الخطاب، أنا مع الواقعية، لأنه هذا الإنسان عندما تقول له نعم اه ادرس طلب العلم وادرس في التخصصات الشرعية قد لا يفلح في هذا الميدان، أو قد لا يجد نفسه، قد لا يكون مؤهلاً لهذا التعمق، هو يصلح أن يعرف ماذا يسع المسلم جهله، لكن التعمق ليس من شأنه، فأنت عندما تعطيه هذه النصيحة أنت قد تدمره في حياته، قد يكون هو يصلح أن يكون مبرمجا، قد يصلح أن يكون إنسانا يشتغل في المحاسبة أو تاجر، قد يكون هذا ميدانه الذي يصلح له، فأن يكون دائما خطابك لكل شخص يقول لك أريد أطلب العلم وأكون عالما نعم أنت تصلح، لا، لا، هذا خطاب استعجالي.

الأصل أنك تقول له أولا تحفزه بالشكل الحمد لله، والعلم شريف وفضله عظيم وكم ترغب فيه، لكن تكون صريح معه أن هذا العلم له ضريبة ويحتاج إلى واحد اثنين ثلاثة أربعة، وتعتيه ما سنجيب عنه باذن الله، وتخبره أنه جرب نفسك فترة معينة إن لم تجد نفسك في هذا الميدان فقد تظلم نفسك وتجبرها على شيء ليس من فنها وليس من شأنها، ولذلك الشوكاني رحمه الله عليه في كتابه أدب الطلب قسم طلاب العلم أو الذين يجدون العلم إلى مراتب، قال هناك من يريد التخصصية العالية ويريد أن يكون عالما، هناك من يريد أن يتفنن في بعض العلوم ولا يريد التخصصية العالية، هناك من يريد أن يحصل ثقافة شرعية فقط المثقف الشرعي بقول لك أنا هذه طاقتي مثقف، أنا أن أكون محققا في علم من العلوم والله صعب، أنا أعرف نفسي لست من أصحاب هذا الميدان، وهناك من يبحث قال المرتبة الرابعة من يبحث عن شيء بسيط يعني فقط يبحث عن معلومات في علم وليس حتى يريد الثقافة.

فمن قال لك أن كل انسان يصلح لطلب العلم بالمعنى الكبير؟ هذا غير صحيح، ومن هنا تاتي أهمية هذه الدورة قبل أن تدخل في الجامعة وتسجل في تخصص الشريعه أريدك أن تفهم هذا الكلام حتى تقرر هل أنا استطيع أن أدفع هذا الثمن أو لا استطيع؟ ودعك من الحالمين أو سامحني ما اسميه النصائح غير الموجهة اللي قد تسمعها على ألسنة بعض من يشتغل في الجامعات أنه نعم إن شاء الله الجامعة بتخرجك عالما، وبعد الماجستير والدكتوراه تصبح، أنا أقول لك هذا حلم لا يتحقق في الواقع الموجود.

فمهم جدا إذا التأسيس العلمي والاجابه عن هذه التساؤلات حتى أوجه البوصلة، أعرف على الأقل في أي مرتبة من مراتب التعلم أصلح أن أكون، ممكن أنا أكون إنسانا وضعت نفسي في المرتبة الأولى متخصص، فبعد أن أدرس التأسيس العلمي والله أكتشف لا أنه أنا صراحة ظروف حياتي لا تسمح لي أكون متخصص، أنا بدي أنزل للمرتبه الثالثة، بدي أكون مثقفا، وبالتالي المثقف برامجه العلمية وما يصلح أن يحضره يختلف عن ما يحضر المتخصص، صح ولا لا؟ يعني ياتيني شاب يريد يدرس ألفية ابن مالك بقول يا اخي الكريم أنت متخصص ولا مثقف؟ قول لي أنا بدي ثقافة في اللغة العربية، ايش بقول له؟ خطا تدرس ألفية ابن مالك، ألفية ابن مالك هذه لمن يريد التخصصية، أنت تحتاج إلى كتاب متوسط أو أسهل باللغة العربية يساعدك أن تشكل المعارف الأولى، هذا ما تحتاجه، والله اريد أن أكون مثلا عندي أساسيات في الطهارة والصلاة والله ايش كتاب اللي فتحته؟ قال منتهى الإرادات لابن النجار، قلت له يا اخي الله يرضى عنك منتهى إرادات كبار الحنابله عم يلا يلا يوصلوا له، فأنت تيجي تتكلم تريد أساسيات ثقافة عامة أعطيك مختصر، والله من مختصرات المعاصرة تمشي فيها الحال وتحصل بها ما تريد.

فباختيارك لأنه لما سناتي للحقيبة الثانية حقيبة المهارات هنا نحن لن نعطي فقط محاضرات، لا سيكون هناك التزامات وواجبات وظيفتها أن تقيس نفسك في هذه المهارة هل أنت تصلح لها ولا لا تصلح تمام؟ أو اين المشاكل عندك حتى نطورها ونستطيع أن نعالجها، فنحن هنا كما قلنا نحن نتدرب، مش بقول لك في دورات تدريبية هذه ليست محاضرات ونغادر هي دورات تدريبية سنكلفك بمجموعة من الواجبات اليسيرة الهدف من خلالها أنه إذا في مهاره عندك ضعف ننميها ونطورها وتعرف من أين تأتي وإذا وجدت نفسك بعد كل هذا التعليم والتدريب ضعيف أو لا رغبة لديك أو ما شابه ذلك أنك تضع نفسك في المكان الصحيح إذا ضمن العلوم الشرعية.

طيب، إذا دعونا نبدأ الحكاية أيها الكرام، ونبدأ الحكاية بالإجابة عن السؤال الأول، قلنا ما هو السؤال الأول يا شيخ؟

ما هو العلم الشرعي؟ ها بدنا التأسيس العلمي، مشايخ الأسئلة الستة هذه مثل اسمك بدك تحفظها الله يرضى عنك، ما هو العلم الشرعي؟ ما حقيقته؟ ما ضابطه؟ حتى يحصل لي نوع تصور قبل المزاحمة عليه بالركب وقبل السعي في طلبه، فإن الإنسان لو سالتكم من ناحية معرفية هل يجوز أن تطلب شيئا وأنت لا تعرف ما هو؟ لا، وهذا للأسف من المشاكل المعرفية اليوم، تجد بعض الطلاب بشكل عام ليس فقط في العلم في حياتنا المعاصرة تجده داخل على تخصص جامعي، ايش بتدرس أنت في الجامعة؟ والله ميكاترونكس، شو يعني ميكاترونكس؟ والله يا حج أني ما بعرف، بس حج سجل اسمي وقدمت للجامعة ميكاترونكس ودخلت، طب أنت تطلب علم الميكاترونكس وأنت لا تعرف ايش موضوعه؟ هذه أكبر جهل معرفة في حياة الإنسان أن يدرس شيئا وهو لا يعرف ما موضوع هذا العلم، وقص على ذلك التخصصات الأخرى اللي بتلاقي بعض الطلاب وبعض الاباء سامحوني يورث أبناءه ضعفا ولا يهتم بتنميه شخصية ابنه منذ الدراسة المدرسية والاعدادية، أجعلهم يفكر ويتعلم، أما أنت تسجل درجة أنت تسجل تخصص الجامعة وهو لا يعرف ماذا سيفعل، خاصة اليوم مع علوم الحاسب أو ما شابه كثيرة، فأي واحد يسجل أي شيء وهو لا يعرف ويقول لك بنشوف إن شاء الله في الجامعة ماذا سيخرج لنا، ماذا سيتكلم المحاضر؟ هذا جهل وتقصير وإهمال، وهذا سبب من أسباب تخلفنا الحضاري، هذا سبب من أسباب تخلفنا الحضاري أننا لا نهتم بإنشاء المعرفة الصحيحة، فإذا أنت تريد تطلب العلم الشرعي فلا تقول لي أبدا بالآجرومية ولا قطرة النداء، أريد أن أسألك ما هو الشرعي ابتداء؟ ما هو العلم الشرعي؟ سؤال من يعطيك تصور عن شغلي المايك يا شيخ، خاص الإخوة الذين يدرسون علوم الشرعية.

تمام، تسمح لي أوقف شيخ عمر تمسك هذا الكاميرا؟

أنا إخواني أنا حريص أنها تكون في أخذ وعطا في المجالس حتى نفهم يعني طريقة الإعطاء الكامل بتكون جامده ومملة بعد ساعة المشايخ بتنام، لكن أنا بدي أتحرك أعطيني واحد وأعطي الشباب واحد يا رب، في معكم مايك تاني؟

يا رب.

إخواني هذا مش شغال آه؟

بسم الله، بسم الله، خلص جيد، أنا اريد أن أسأل الذين يدرسون العلم الشرعي الإخوة الجدد وحبايبنا اللي لسه مش داخلين عندهم عذر لا، هو يقول لك أنا اليوم جاي يتعلم، لكن أنا أريد أسأل إخوة تخصصوا في العلم الشرعي وهم في يعني في الجامعات ايش تصورك عن العلم الشرعي؟ يعني لو قال لك قائل أنت ما شاء الله معك بكالوريوس علم شرعي أو ماجستير علم شرعي ما هو العلم الشرعي؟ سؤال وإذا ما جاوبتم بالاختيار ساختار بالاضطرار يعني.

طيب، استنى بالمايك شيخ أعطينا سريعا حتى يعطيك الأخ المايك، تاكد من جودة الصوت.

بسم الله، طيب ناول المايك يا شيخ، الكاميرا ما في داعي توجع عليه حتى ما نشغلك فقد تأكد.

بسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

العلم الشرعي بدايه نقول أنها يعني علاقة بين العبد وربه، نعم، لأن هذا العلم لا يوجه إنسان إلى الدنيا، طب أريدكم تعطيني تعريف مباشر الآن، لا أريد تشرح لي قل العلم الشرعي هو تلك المسائل كذا ايش هو؟ أيوه العلم الشرعي هي المسائل التي توضح للطالب أو إنسان عن أمور دينه، عن أموره، عن أمور دينه، وكمان العلم الشرعي يدخل عن أمور الإنسانية، يعني الواقعية في الدنيا، وهذه من أمور الدين أصلاً، واقع الدين، طيب أحسنت، طيب في أحد ممكن يعطينا، أعطي للشيخ علي.

بسم الله الرحمن الرحيم، شيخنا العلم الشرعي يعني قواعد ومسائل تتصل بشكل مباشر بالوحي مصدرها الوحي، جميل، يعني ولها علوم وسائل توصل للوحي، فهي مبدئيا يعني بشكل مباشر الوحي سواء فهم القرآن أو فهم السنة أو الفقه، ولها وسائل توصل لها مثل علوم اللغة العربية وما شابه.

جيد أنت أتيت إلى جانب مهم سنعلمه، وهو تقسيمات العلوم، طيب.

اجابة ثالثة وأخيرة. اه، شيخ محمد، شيخ محمد جالس آخر واحد في القاعة، قرب لنا شوي حتى نسمع منك، ناول المايك أخيراً.

نعم، يعني ممكن أن نقول: هو العلم الذي يبحث عن مراد الله سبحانه وتعالى، وعن إنزال هذا المراد في أرض الواقع، هكذا كاختصار تماماً. أنت طبعا تعريفك شمل جانباً؛ لأنه هناك جانب ركز عليه الشيخ، وهي الوسائل التي توصل إلى مراد الله. طيب، حتى لا أطيل، يعني جزاكم الله خيراً، محاورة جيدة وفيها جانب كبير من الصحة. نستطيع أن نقول: العلم الشرعي، شوفوا العلم الشرعي أنا لا أستطيع أن أعطيه تعريفاً حديّاً على طريقة المناطقة؛ يعني بثلاث أربع جمل، وإنما سنعرفه من خلال أقسامه. في هناك نوع من التعاريف عند المناطقة هو أن تعرف الشيء بذكر أقسامه، إنه ليس كل الأشياء يصلح أن تعرفها هي مجموعة كذا وكذا في سطر ونص، لا هو أصلاً طويل، فحتى تستطيع أن تعرفه تحتاج أن تقسمه إلى أقسام.

فدعوني أقول: العلم الشرعي هو مجموعة من المسائل والمعارف التي تتحدث عن ثلاثة أشياء: أولاً، تتحدث عن خالق الوجود سبحانه وتعالى، عن سيد الأكوان من حيث ما يستحقه من الأسماء والصفات والأفعال، وما يستحقه من العبودية ولوازمها، وما ينفى عنه من الشرك ونحوه، اللي هو يمكن أن يختصر بقولنا: ما يجب أن يعتقده الإنسان في قلبه تجاه مولاه. هذا القسم الأول فقط من أقسام العلم الشرعي، الذي يحدثك عما يجب أن تعتقده في قلبك من عقائد تجاه خالق الوجود سبحانه وتعالى، وهذا اللي رح يجي معنا إن شاء الله في مداخل العلوم اللي اسمه علم العقيدة.

طيب، القسم الثاني من العلوم الشرعية هو الذي يحدثك عن مراد هذا الخالق منك؛ أمراً أو نهياً، سواء في الأمور العبادية، أو في الأمور الاجتماعية، أو في الأمور الأخلاقية. إذاً القسم الثاني هو الذي يحدثك عن مراد الخالق منك. إذاً القسم الأول عن ايش بكلمك يا قصي؟ عن الخالق نفسه، هذا قسم كبير من العلم الشرعي يحدثك عن الخالق نفسه؛ أسماء، صفات، أفعال، ما يستحقه، عبودية، توحيد، معانيها، عقائد القلب تجاهه. القسم الثاني من العلم الشرعي يحدثك عن مراد الله منك، مش هناك أوامر ونواهي؟ سواء عبادات، أمور سلوكية، اجتماعية، معاملات، أو أمور أخلاقية سلوكية، هذه الأمور اللي بنسميها اليوم في العلوم الشرعية علم ايش؟ الفقه. تمام.

القسم الثالث من العلم الشرعي هو الذي يحدثك عن الوسائل والأدوات والآلات التي من خلالها تستطيع الوصول إلى القسم الأول والثاني، يعني تستطيع الوصول إلى معرفة الله ومعرفة مراد الله، وهذا هو القسم الثالث من العلم الشرعي. إذاً القسم الثالث هو الذي يحدثك عن الوسائل والأدوات والآلات اللي لازم تكون عندك، والتي من خلالها أنت تستطيع الوصول إلى القسم الأول والثاني، فتتعرف على الله بشكل صحيح، وتتعرف على مراد الله بشكل صحيح. هذا القسم الثالث اللي نحن بنسميه علوم الوسائل، زي ايش؟ كل علوم اللغة العربية؛ النحو، الصرف، البلاغة، مفردات اللغة، متن اللغة، العروض الشعري، كذلك علم أصول الفقه، علم مصطلح الحديث، علم الجرح والتعديل، بل حتى علم التفسير عند الأكثرين هو من هذه العلوم؛ لأنه كل هذه العلوم علم التفسير، علم الجرح والتعديل، علم الحديث، علم التاريخ، الفقه، علوم اللغة بأنواعها وأشكالها، هي عبارة عن وسائل بالتدبر والنظر فيها تتعرف على الله وعلى مراد الله، أليس كذلك؟

إذاً نستطيع لو أتيت بالكاميرا هنا يا عبادة، بناء على هذا نقول: العلم الشرعي ينقسم إلى قسمين بناء على هذا التعريف اللي قدمته لكم. هناك علم، أو نعم هو تعريف بالتقسيم بس أنا سأختصره إلى قسمين، أقول: علوم المقاصد، والقسم الثاني ما هو؟ علوم الوسائل. تمام. علوم المقاصد هما علمان، أنا رح أختصر فأكتب الكلمة الأخيرة: العقيدة والفقه. يعني هناك علوم هي المقصودة في العلم الشرعي، لما تقول لي: أنا أريد أدرس العلم الشرعي، بقول لك: ما هو المقصود حقيقة في العلم الشرعي؟ بقول لك: المقصود حقيقة في العلم الشرعي إما أن تصحح عقيدتك وتتعرف عليها، أو أن تصحح الفقه وتتعرف عليه، أن أعرف الله أو أن أعرف مراد الله، هذه هي المقاصد الكبرى.

وأما النوع الثاني، وهو ما يسمى علوم الوسائل، هي عبارة عن ماذا أيها الشباب؟ هي الأدوات والآلات اللي لازم أحصلها حتى استطيع أصل إلى علوم المقاصد، مثل زي ما حكينا: علوم اللغة، أصول الفقه، عندك القراءات حتى، علم مصطلح الحديث والرجال، حتى علم التفسير عند كثير من الناس يعتبر من هذه العلوم؛ لأنه أنا التفسير ما هو لو سالتك الآن حتى تتعمق الفكره لديك أكثر وأكثر، التفسير ما هو؟ مش أنت بدك تتدبر القرآن؟ مش التفسير أني أفسر القرآن وآيات القرآن؟ طيب أنت لما تفسر القرآن مفردات أو جمل، إلى أين تريد الوصول؟ إما أريد أن أصحح عقيدة، أو أريد أن أصحح فقه. يعني أنت لما تستنبط من الآيات القرآنية ايش بتستنبط؟ يا معلومة عقدية، يا معلومة فقهية.

طبعا هون الفقه بدي اياك تفهمه على المفهوم الشامل، الفقه اللي بيشمل عبادات، معاملات، أخلاق، سلوكيات، الحياة الاجتماعية، هذا كله داخل في الفقه بمفهومنا العام، أليس كذلك؟ كذلك عندما علم الحديث، علم الرجال، ايش هدفي من تدبر الاحاديث وشرحها؟ أما أن اعرف حكما فقهيا أو حكما عقديا. اصول الفقه، اصول الفقه انا بدي اشكل من خلاله المنهج اللي من خلاله ساقرا القران بشكل صحيح او اقرا الاحاديث بشكل صحيح واستنبط بشكل صحيح. كذلك مصطلح الحديث وعلم الرجال، انا اريد ان اتعلم لاعرف الحديث الصحيح من الضعيف، حتى اعرف هل هذا يمكن ان اعتمد عليه ولا لا في الوصول الى حكم عقدي او حكم فقهي.

فانت كل دراستك لعلوم الوسائل هو الهدف منها حمايه علوم المقاصد. فمثلا انت الان ستفتح صحيح البخاري، اول حديث في صحيح الامام البخاري: حدثنا الحميدي، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى». ممتاز، انا اعطيتك الحديث، هذا الحديث لو سالتك: ما هي الادوات والوسائل التي تحتاجها حتى تفهمه بالشكل الصحيح وتصل الى حكم عقدي أو فقهي؟ يلا بدي اياك انت، انت الان فتحت صحيح البخاري، واجهك اول حديث، بدي اسالك هيك شغل دماغك شوي، لازم انا كنسان طالب علم يكون معي مجموعه من الوسائل والادوات حتى احصل المعرفه من هذا الوحي الالهي اللي هو حديث ايش هو اول شي؟

اه يا عمرو، لازم يكون معي لغه عربيه حتى افهم انما الاعمال بالنيات، والله تفيد الحصر ولا لا تفيد الحصر؟ وانما لكل امرئ ما نوى، طب ليش قدم الخبر على المبتدا؟ وتمشي في هذا المنوال الى اخر الحديث. اذا انا محتاج يكون معي لغه عربيه حتى استطيع اني استنبط حكم عقدي صحيح أو فقهي صحيح.

طيب ايش برضه محتاج حتى تتعامل مع حديث في صحيح البخاري؟ اه يا شيخ. احسنت، احتاج علم الحديث، يعني صح البخاري الله يجزاه الخير حسم لنا الموضوع، بس في سنن ابي داوود النسائي انت بدك تفحص الاسناد، طب الحميدي ما وضعه؟ معدل او مجرح؟ سفيان، هؤلاء الرواه لانه انا قبل ما ادي ادخل على الحديث انا بدي اكون واثق من صحه الحديث حتى استطيع اخذ منه حكم عقدي او حكم فقهي، فانا محتاج لعلم مصطلح الحديث ولعلم الرجال والجرح والتعديل حتى اكون متوثق من صحه الحديث قبل ان اشرع فيه.

طيب ايضا شو محتاج من علوم الوسائل؟ اه يا عمار. علم اصول الفقه، لانه علم اصول الفقه هو الذي يعرفني كيف انتج المعرفه من الحديث. والله ما حكم النيه؟ واذا الانسان خلط في نيته هل عمله مقبول او لا؟ واذا كان الحديث فيه امر، فالامر هل يدل على الوجوب او على الندب؟ واذا كان فيه نهي، هل النهي يدل على التحريم؟ طب اذا كان في لفظ عام (انما الاعمال بالنيات)، الاعمال هل صيغه من صيغ العموم ولا لا؟ طب هل هناك خصوص في هذا الحديث؟ اذا انا محتاج لاله اصول الفقه.

اظن الامر بدا يقترب لكم، انه لا يمكن ان تنتج فقه ولا ان تنتج عقيده من خلال ماده الوحي الا من خلال امتلاك مسبق لمجموعه من الالات والوسائل. وهكذا حتى علوم الدنيا، يعني حتى علم الطب ولا علم الهندسه او كل العلوم، مش هناك مواد اولى وسائل وادوات هي التي تجعلك بعد ذلك ترتقي في التخصص حتى تصل للمواد الاساسيه؟ انت في العلوم الطبيه أو التجريبيه مش بتبدا مباشره في التخصص، انت اولا بيعطوك مهارات، مثلا ممكن يقول لك: والله التخصص هذا محتاج لغه انجليزيه فبدات تضطر تدرس ايش؟ ليه؟ لانه هي اداه المعرفه في هذا العلم.

طيب علم الشريعه شو اداته المعرفيه ككلغه؟ اللغه العربيه. هل تعرفون بعض الناس اخواني يصبح دكتور في الشريعه وهو يخطئ في اعراب الكلمات الاساسيه؟ طب انت انا كيف ساثق انا بعلمك اذا انت لغه هذا العلم، هذا العلم لغه؟ اللغه العربيه ربنا اختار له هي اللغه، اذا انت لا تعرب الكلمات الاساسيه بشكل صحيح، كيف انا ساثق بمعرفتك؟ انت تفقد لغه العلم، اهم وسيله من وسائله تفقدها، فاذا لا مصداقيه لعلمك سامحني.

كذلك انسان جالس امام الناس يفسر القران على شاشات التلفاز او السوشيال ميديا وهو ما عنده اصول فقه، ما درسها، انا لا يمكن ان اثق بمخرجات الفقهيه أو العقديه، لانه انت لا تملك آلة المنهجية لاستنباط الأحكام من الكتاب أو السنة، وقص على ذلك أمور كثيرة. إذاً أيها الكرام، مهم جداً جداً أنت الآن في أول خطوة من خطوات تصورك للعلم الشرعي أن تفهم أن العلوم الشرعية قسمين، وكلاهما مهم، وكلاهما مهم؛ علم المقاصد العلوم الكبرى والأساسية وهي علم العقيدة والفقه، وعلوم الوسائل والآلات وهي رح نجي لها، علوم الوسائل نعرفك عليها إن شاء الله إذا كان في العمر بقية، علماً علماً، لما ناتي لحقيبة المداخل؛ لأن مداخل العلوم أنا جعلت هذه الحقيبة فقط حتى أجعلك تمر على كل علم من هذه العلوم وتعرف أين وظيفته في هذه الخارطة التي اسمها العلم الشرعي. تفضل.

نعم، الأخلاق والسلوك هي تحت الفقه بالمفهوم العام للفقه. الأخلاق والسلوك هي تحت الفقه بالمفهوم العام للفقه؛ لأنها مطلوبة مرادة لله، عشان هيك أنا قلت لك النوع الثاني: أن تعرف مراد الله، فمراد الله منا الصدق، مراد الله منا العفاف، مراد الله منا الحياء، ليس فقط مراد الله الصلاة والزكاة والحج، هذا من مرادات الله، لكن الأخلاقيات والسلوكيات العامة أيضاً من مراد الله، فالفقه هنا أنا عرفته بالمعنى العام اللي بيشمل عبادات، أمور اجتماعية، أخلاق، وسلوك، حتى ما نفتح الباب كثيراً.

هكذا تصورنا يا إخواني طبيعة العلم الشرعي، وصدقوني كثير من العلماء كان يفني حياته ويرحل من أجل ضبط مسألة واحدة من علوم الآلات. يعني عندما تقرا في سير العلماء الأفضاذ الله يرحمهم، تجد عالم يرتحل من بلد إلى بلد ويغرب سنوات فقط من أجل أن يضبط غريب اللغة، يعني يضبط الكلمات الغريبة في اللغة. مثلا الشافعي رحمه الله عليه، كم ذهب وأقام عند قبيلة هذيل في اليمن؟ أقام عشرين سنة يا أبا محمد، عشرين سنة يتعلم اللسان العربي. ممكن واحد يقول: يا أيها الإامام، يعني أنت ضيعت عمرك وأنت بتضبط علوم الوسائل، لا كان مباشرة دخلت في الفقه، والشافعي بيفهم أكثر مني ومنك، فهو عارف أنه أنا ما بدي أدخل في الدسام وأصل حتى أكون محكم للآلات. علمائنا الكبار الله يرحمهم، الله يرحمهم، كانوا يهتمون بضبط علوم الوسائل بشكل كبير كبير، لأنهم يعرفون كل ما كنت متقن في اللغة أو في أصول الفقه أو في علم المصطلح أو كلما كان المنهج المعرفي عندك ماذا؟ أقوى.

ولذلك، ولانهم يعرفون، شوف معرفتهم لوسائل العلم وعظمته، ولانهم يعرفون أن الواحد منهم لا يمكن أن يكون محقق وعالم في جميع هذه العلوم، تجد الإنسان منهم ايش يفعل؟ يتخصص في جانب معرفي واحد، بقول لك: أنا لا أستطيع أن أحرس كل ثغور الأمة في هذه العلوم، ما راح أكون اللغوي الأصولي الفقيه العقدي، هذا لا يجتمع في شخص إلا أن يشاء الله. فلذلك كانوا ابتداء يأخذون نبذة من كل علم، تصور عام عن كل علم ونبذة، ثم بعد ذلك يتخصص في جانب من هذه العلوم حيث يميل قلبه، بقول لك: والله أنا أجد قلبي بحب أصول الفقه، خلص يا أخي أجت على دماغي، فيسخر حياته من أجل خدمة هذا العلم ويحرس ثغور الأمة في أصول الفقه، فيؤلف المصنفات العظيمة فيه، هو ليس لغوياً، هو يعرف لكن ما عنده خبرة كثيرة، وأنت لا يمكن أن تكون حاضراً في كل هذه العلوم بمعنى إماماً فيها.

أنت في قصاره أمرك وهذا بيمني أنك تتصور؛ لأنه بعض الشباب ايش بيعمل؟ بفتح، افتح النت، بفتح على شيخ متقن في التفسير، بقول: والله بدي أصير مثل الشيخ الفلاني ما شاء الله. اليوم الثاني بشوف مقطع آخر لشيخ متقن في أصول الفقه، بقول: والله أنا برضه بدي أصير مبدع في أصول الفقه. اليوم الثالث باسمع فقيه ما شاء الله تكلم في المذهب الحنبلي أو الشافعي أو المالكي أو الحنفي، بقول: برضه بدي أصير مثله. اليوم الرابع بشوف شيخ ما شاء الله في اللغة العربية فحل، بقول لك: أنا فايش هو بده؟

يصير كل هذه النماذج هو لا يعرف أن هذه النماذج هو كل نموذج نموذج على حدة؛ يعني هذا الشيخ الفحل الذي أنت رأيته في اللغة هو ترى ضعيف في العلوم الأخرى، هي هكذا الحياة! والشيخ الذي رأيته فحلاً في أصول الفقه، فاعلم هو ترى في العلوم الأخرى بسيط؛ لذلك قال الذهبي كلمة جوهرية في السير قال: وما من عالم إلا ونبغ في علوم وقصر في أخرى، ما من عالم إلا ونبغ في شيء من العلوم وقصر في أخرى.

فهذه مهم جداً في تصحيح تصوراتك عن العلم الشرعي، لن تكون حاضراً في كل هذه العلوم، مستحيل! إلا أن يشاء الله الاستحالة العادية وليست الاستحالة العقلية تماماً. الآن نموذج ابن تيمية، نموذج الموسوعيين هؤلاء هذا نادر، والنادر لا يقاس عليه في علم الأصول؛ لأني أنا بدي أنزل سقف طموحاتك شوي سامحني، حتى تكون واقعياً ولا تحط أحلام تسبب لك إحباط مع الوقت.

جميل أنك تقول أريد أن أكون نموذج الموسوعية ابن تيمية أو غيره من الكبار، لكن أنا بدي أقول لك هذه النماذج قليلة جداً جداً جداً الورود؛ فلما نتكلم مع طلاب العلم أنا ما بصير أقيس على النادر، أنا بقيس على إيش؟ على المتكرر المعتاد في التاريخ الإسلامي عبر حقب أنه المحق بالمتعددة كما قال الذهبي: الوضع الطبيعي أن الإنسان يكون جيد في علوم وفي علوم أخرى، ما بقول ليس فاهماً فيها؛ لأنه أنت أصلاً مستحيل تتخصص أصلاً في علم واحد حتى تكون أخذت طرفاً واطلعت على شيء من العلوم الأخرى.

لكن المراد لن تكون إماماً إلا في علم واحد، وأعود وأقول: كثير من العلماء كان يرحل ويهاجر من وطنه من أجل أن يكون إماماً فقط في الجرح والتعديل، يرى أنه أنا سأحرس ثغر الأمة هنا الله يعطيني العافية وجزاه الله خيراً، إمام يهاجر من أجل أن يحرس لأمة ثغر اللغة، إمام يهاجر من أجل أن يحرس الأمة اصول الفقه؛ فلا تقلل من الهجرة في علوم الوسائل؛ فإننا نحتاج متخصصين في كل علم من هذه العلوم وبشكل كبير ومتجدد.

اليوم إخواني نحن في حالة من الضياع والتشتت والفوضى العلمية في الواقع المعاصر، أريدكَ تفهم هذا، ونحن نفقد المبرزين في كل العلوم، في كل العلوم، وهناك مشاكل كبيرة أنا لا أريد أن أكرر ذكرها مرة أخرى في أنماط دراستنا والتخرج؛ لأن هي لا يمكن أن تخرج بالأنماط المعاصرة شيئاً في هذه العلوم، وإنما تخرج مثقفاً إن خرجت مثقفاً، أما هذه التخصصية والمعرفية والدقة لا تحتاج إلى نوع آخر من طلاب العلم؛ فهذا إذاً هو التصور العام لهذا الطريق.

طبعا سبحان الله تشعر أن الله سبحانه وتعالى أوسع الأرزاق على الناس؛ يعني لماذا في العادة لا يوجد عالم هو في كل هذه العلوم؟ لماذا لا يوجد عالم في كل هذه العلوم؟ من باب أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يوسع الأرزاق بين الناس؛ لأنه لو كان فقط عالم يجمع كل هذه العلوم، كان باقي طلاب العلم إيش قالوا؟ خلص ما هو الشيخ الفلاني ما شاء الله جمع كل العلوم فلا حاجة أن نطلبها، لكن لما يكون لا، فلان خلص متخصص في كذا، فتجد أنه في مساحات أخرى وثغور أخرى أنا بستطيع أبذل وأنت بتستطيع تبذل فيحصل التكامل بين الناس والعلماء، وليس فقط المرجعية الواحدة التي لا غبار عليها، لا بد من وجود التكامل.

فتجد عبر التاريخ هناك المحدثون وهناك الفقهاء وهناك المفسرون وهناك الأصوليون وهناك العقديون وهكذا، هذا التنوع والتكامل هو الذي يجمع الأمة ويكمل بعضها على بعض، ولذلك فقط من باب التنبيه: إياك أن تزدري على عالم برز في شيء ليس من صنعتك، هذا النفس للاسف موجود في بعض كتب أهل العلم القديمة فأنت لا تأثر به، إيش يعني؟ يعني تجد بعض المحدثين ينبز بالفقهاء يقول لك: وهؤلاء الفقهاء إنما شغلهم الشاغل الاعتماد على كذا وكذا، وتجد بعض الفقهاء ينبز إيش بالمحدثين ويقول: هؤلاء إنما قصارى عملهم أن يكتبوا الأسانيد والآثار بدون تفهم وتعقل لها.

الآن دحك من هذه القضية ليست من شأنك، اعلم أن كل شخص منهم سد ثغراً، المحدثون اشتغالهم بالأسانيد والطرق والروايات و و سدوا ثغراً عظيما لا يسده الفقهاء، والفقهاء اشتغالهم بالاستنباط والتحليل والنظر والنظر في واقع الأمة والنوازل سد ثغراً، والمفسرون سدوا ثغراً؛ فياكَ أن تنتقص عالماً اشتغل بفن غير فنك وتقول: لا أنا أحسن منه؛ لأني أنا اشتغلت بكذا وهو لا، لا أنت مش أحسن من حدا هذه علوم شرعية متكاملة، علوم شرعية متكاملة أنت سددت ثغراً وفلان سد ثغراً، نحن حتى اللغة العربية نحتاج من يسد ثغورها، محتاجين إيمان في الصرف وإيمان في النحو وإيمان في البلاغة وإيمان في متن اللغة، كلها ثغور مطلوبة وحراستها مفروضة، وكل واحد منا على ثغر حبب إليه ونسال الله سبحانه وتعالى تمام فيها.

طيب أيضاً هذا تقسيم إذاً للعلوم الشرعية باعتبار طبيعتها أنها علوم مقاصد وعلوم وسائل، فهمنا، هناك تقسيم آخر يذكره البعض وهو تقسيم العلوم الشرعية إلى علوم نقلية وعلوم عقلية، هذا تقسيم آخر باعتبار إيش؟ باعتبار المادة، مادة هذه العلوم تنقسم العلوم الشرعية باعتبار مادتها إلى علوم نقل وعلوم عقل، وأيها الأصل في الشريعه؟ العلوم النقلية؛ فنحن كما قال علماؤنا أمة وحي، نحن أمة ماذا؟ أمة وحي، فالعلوم النقلية هي العلوم التي مادتها الكتاب والسنة، اللي هو النقل اللي هو الوحي الإلهي وهذا هو الأصل.

وأما العلوم العقلية فهي العلوم التي تهتم بوضع القواعد وأسس التفكير للاستنباط من العلوم النقلية زي علم أصول الفقه، حتى علم المنطق، حتى بعض العلوم اللغوية اللغة، بعضها يعتبر من العلوم النقلية وبعضها يعتبر من العلوم العقلية في طريقة التعامل معه، لكن عموماً عليك أن تعرف أن هناك علوم مبناها النقل ولا بد أن أحفظ نصوصها وأن أراجعها، وهناك علوم مبناها العقل زي علم أصول الفقه، علم مقاصد الشريعة، العلوم المنطقية، نظرية المعرفة، فهذه عمل وجوه الذهني وليست نقل، والوحي والنقل هو الأصل والعقل هو التبع والخادم.

هذه نقطة أولى مهمة أنا خلص انتهيت من الإجابة عن السؤال الأول، وهو ما هو العلم الشرعي؟ وبيمني جداً أنك الآن إن شاء الله بكره في أي مجال تخصصت أنك تكون فاهم هي الآلة أو عفوا هي الصورة وتكون تعرف أنا هذا العلم ماذا أدرس فيه وما تصوراته العامة.

السؤال الثاني الذي سنجيب عنه اليوم هو فضل العلم، نحن قلنا بعد أن أجيب وأن أعرف ما هو هذا العلم الذي رحل من أجله لا بد وأن أذهب فأجيب عن سؤال الدافعية، ما هو فضل العلم الشرعي وما فضل دراسته؟ الآن لماذا سؤال الفضل سؤال مهم؟ أحسنت، لماذا أي علم لازم أبحث عن فضله؟ هسه أنت الآن لما تأتي تدرس في الجامعه وتتخصص مش تذهب إلى أصحاب الخبرة في السوق وتقول لهم: والله تخصص الذكاء الاصطناعي أو الأمن السيبراني ولا كذا شو فائدته شو ثمرته؟ فتبدأ تسمع من المتخصصين أو كذا وكذا، وبالتالي يعني إذا راقت لك الفائده وشعرت أن والله هذا علم الأمن السيبراني له فضل عظيم تذهب تدرس هذا العلم.

هذا الإنسان السوي طبعا أنا بقول لكم عن الإنسان اللي بتدخل في تخصصه مش عارف شو هو، بتدخل عن الإنسان العاقل أنه بيذهب يسال شو فضل هذا العلم؟ شو ميزاته؟ ماذا ساجني من دراسته حتى أقدر والله أدرسه ولا لا؟ طيب العلم الشرعي ألا يستحق أيضا هذا السؤال؟ إذا ما هو فضل دراسة العلم الشرعي؟ طيب؛ لأنه أنت ممكن تقول لي: والله يا شيخ شوف أنا والله حصلت معدل عالي في الثانوية العامة، أنا معدلي بلني أني ممكن أدرس طب، ممكن أدرس تخصصات كبرى طب أسنان هندسات عالية.

أنت الآن لما بدك تقول لي: لا أنا بدي إياك توظف طاقتك للعلم الشرعي وتسخر حياتك، أنا شوف أنا إذا درست علوم طبية ممكن أجيب تخصص وأجيب دخل كبير وحياة رغيدة، لما تقول لي: والله ادرس العلم الشرعي ترى أنا عم بجازف؛ لأني أنا عارف أنه خاصة في الواقع المعاصر دراسة العلوم الشرعية وظائفها محدودة جدا جدا، والمساحات اللي راح أترزق من خلالها في العادة تكون خارج العلم الشرعي أصلا، فأعطيني شيء يدفعني لهذا التضحية وهذا الثمن اللي راح أدفعه.

أنت محتاج إلى شيء يدفعك أنك تضحي؛ لأني أنا بقول لك اليوم خصوصاً اليوم يختلف عن الواقع القديم، الواقع القديم كان هناك مدارس وقفية هي التي تصرف على العلماء وطلاب العلم أمورهم طيبة، لكن الكلام اليوم أيها الكرام أنه إنسان درس العلم الشرعي بقول لك: ماذا سيكون طموحي؟ إما إمام في مسجد أو مدرس في مدرسة، هذا إذا أنهيت البكالوريوس، إذا نهيت الدكتوراه: أما أن أدرس في جامعة مختلطة كايبا أو ضع وأصف على الرف وأشوف له شغلة ثانية عمله.

فالفكرة أن طالب العلم يحتاج إلى الدافعية حقيقه، نحتاج أن نضع فيك الدافع؛ لأنه هو المحرك هو البنزين الوقود الذي سيرحلك في هذه الرحلة.

طيب من هنا نجد أن كثير من العلماء صنفوا في فضل العلم، والأحاديث والآيات والآثار كتب كثيرة، من هؤلاء العلماء من مثلاً الذين صنفوا في فضل العلم ابن عبد البر صنف لك مجلدين في جامع بيان العلم وفضله، كذلك النووي عليه رحمه الله في مقدمة المجموع وتبعه من اخذ منه كم جماعة والقاسمي وغيرهم، ابن القيم في مفتاح دار السعادة ذكر أكثر من 120 وجه في فضل طلب العلم الشرعي وحده.

لماذا العلماء يتعبون أنفسهم في تقصي الآيات والأحاديث التي تتكلم عن فضل العلم؟ لأنهم يعرفون أن هذا هو المشوق، هذا المحفز، كلما سمعت هذه الفضائل الكثيرة شوقت، دفعتك أنك تقتحم هذا الميدان، أنا هنا حقيقتاً ليس هدفي في هذه الدورة أن أجمع لك كل هذه الآثار والأحاديث، فقد قرأناها مع بعضنا في ابن عبد البر وقرأناها في آداب المفتي والمستفتي جمال الدين القاسمي أو آداب المعلم والمتعلم وقرأناها في تذكرة السامع، قرأتها كثيراً مع الإخوة، أنا فقط سآتي بآية وحديثين أُنهي بهما الكلام عن هذا الموضوع، أُعلق تعليقاً عاماً سريعاً.

أعظم آية في وجهة نظري في تحليلي في القرآن تدل على فضل العلم ما هي؟ لا، هذه من الآيات، من الآيات أحسنت: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18]. سؤالي لكم: كيف دلت هذه الآية، أو لماذا هذه الآية هي أعظم آيات القرآن الدالة على فضل العلم؟ أعطي المايك لأبي محمد.

ما وجه دلالة هذه الآية على فضل العلم؟ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ ستقول لي: ما وجه الدلالة على فضل العلم؟ اه أبا محمد بسم الله. أن الله قرن العلماء مع الملائكه بعد في شهادة وحدانية الله.

أحسنت أول دلالة في هذه الآية على شرف العلم أن الله قرن شهادة العلماء بشهادته سبحانه وتعالى، تخيلوا الله قرن شهادة العلماء بشهادته على أعظم مشهود عليه وهو التوحيد، يعني شهد الله والملائكة وأولو العلم، هل تريد اقتراناً أعظم وأجل وأشرف من هذا الاقتران، إنه اسمك يا طالب العلم يقترن مع اسم الله؟ أنتم فهمتم إيش عن الاقتران اللي هو العطف؟ شهد الله أنه والملائكة وأولو العلم عطف أولو العلم عليه، عطف أولو العلم عليه هذا الاقتران بين الله ملك الملوك وبين أولي العلم يدل على شرفهم وأن الله إنما عطفهم عليه لتشريفهم وعلى ماذا استشهد؟ على أعظم مشهود عليه في الوجود وهو التوحيد أنه لا إله إلا هو، هذه أول دلالة.

أيضاً أيها الكرام مما يدل على ذلك، قضية هل الله عز وجل يمكن أن يستشهد من عباده إلا العدول؟ أنت الآن لما تجيب واحد يشهد على قضية بتجيب مين؟ شخص عدل، الله عز وجل لم يقل شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وعوام الناس، ولا الأطباء ولا المهندسون ولا أي شي آخر قال: وأولو العلم، إذا هذا معناه أن الله يجل أهل العلم ويحكم أن علماء الشريعة العاملين بعلمهم هم أعدل البشر، هم أعدل البشر، لذلك استشهدت دون سائر البشر؛ فاختيار الله للعلماء هنا في هذا السياق يدل على أنهم أعدل البشر؛ لأن الله لا يمكن أن يستشهد إلا العدول الاكفاء، فهذه الآية عظيمة جدا جدا في دلالتها على فضل العلم.

وأما بالنسبة للأحاديث فسريعا ناتي إلى الحديث الأول هو حديث خرجه ابن خزيمة وغيره من حديث صفوان بن عسال رضي الله تعالى عنه قال: جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متكئ على بردة له حمراء، فقلت: يا رسول الله جئت أطلب العلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مرحباً بطالب العلم، إن طالب العلم لتحفه الملائكة وتظللها بأجنحتها حتى يركب بعضها فوق بعض إلى السماء الدنيا».

يعني الملائكة في مجالسكم تحف هكذا ملكان ثم فوقهم ملكان ثم فوقهم ملكان ثم فوقهم ملكان تحفك حتى تصل الملائكة كشكل سلم إلى السماء الدنيا من حبهم لما يطلب، هذا الحديث عظيم جداً نكرره مرة أخرى: «إن طالب العلم لتحفه الملائكة وتظلها بأجنحتها فيركب بعضهم بعضاً» يعني الملائكة يركب بعضها بعضاً «حتى تعلو إلى السماء الدنيا من حبهم لما يطلب»، وهذا من أعظم الأحاديث الدالة على فضله، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام بماذا بدا صفوان؟ قال: جئت أطلب العلم، فقال صلى الله عليه وسلم: «مرحباً بطالب العلم»، إيش تريد أجمل من هذا الترحيب؟ مرحباً بطالب العلم.

أيضاً الحديث الثاني هو حديث أبي الدرداء الذي أخرجه أحمد.

والترمذي وغيرهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يخرج يطلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها، وسلك به طريق إلى الجنة، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا هذا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر».

وهذا الحديث الأخير هو أعظم حديث في طلب العلم، لذلك أفرده ابن رجب رحمه الله عليه في رسالة كاملة، رسالة شرح حديث أبي الدرداء في فضل العلم، أرجو أن تقرأوها في هذه الأيام التأسيسية. طبعا شرح الحديث والتعليق عليه ليس من شأني، أنا فقط اريدك أن تسمع هذه الأحاديث وهذه الآثار.

والنصوص كثيرة أيها الكرام، النصوص حقيقة كثيرة جدا، وكلها تدل على الفكرة الأساسية، وهو أنه ما من علم في هذا الوجود الإنساني أشرف من العلم الشرعي. لذلك ابن الجوزي رحمه الله عليه في صيد الخاطر يقول: وليس في الوجود شيء أشرف من العلم -يقصد العلم الشرعي-. ليس في كل هذا الوجود الإنساني شيء تقبل عليه وتكون وصلت إلى الأفضلية العليا مثل أن تسخر حياتك من أجل طلب العلم.

شوف هذه العبارة: ليس شيء في الوجود أشرف من طلب العلم. لكن ستقول لي سؤال هنا -أنا أريد أن أختم اليوم فقط قضية الفضيلة- ستقول لي سؤال: والله يا شيخ، أنا كثيرا ما سمعت وقرأت في فضل العلم، والآيات التي تحث عليه، وأن له عند الله الفضل العظيم، وكثيرا -يعني لاحظوا أول ما سالتكم أيش آيات في فضل العلم؟ قلت لكم تعرفوا: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَلَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ [المجادلة: 11]- والله جميل يا شيخ، لكن حقيقه هذه الأحاديث والآيات سرعان ما تفقد بريقها في قلبي بعد سنة سنتين، يعني خلص سمعتها وقرأتها وفهمت أن العلم شريف وأفضل شيء.

لكن أنتم بتسمعو إياها من أجل أنها تصنع الدافعية، صح؟ هي صنعت الدافعية لفتره محدودة، لكنني فقدت الدافعية من خلالها. فأقول: ما الذي يجعلني أستمر في طلب العلم بعد ذلك؟ الآن ساتفق معك حقيقة أنه أن تبقى الهمة عالية جدا بمجرد الاعتماد على هذه الآيات والأحاديث، مع عدم تذوقك لأي جمالية، صعب أن يكون اعتمادك وحافزك على الاستمرار في طلب العلم عشر سنوات وعشرين سنة إلى أن تموت مجرد هذه الأحاديث والأثار، صعب، مش مستحيل، بقول صعب لضعف نفوسنا، وإلا فهي في مرحله الكمال وهي وحدها كفيلة. لكن احنا بنكون واقعيين لضعف نفوسنا، الذي يحصل إخواني الكرام: طب ما الذي يجعل كثير من العلماء أو من الناس يستمر في طلب العلم، مع أنه هذه الأحاديث ربما هو لا يحفظها أو فقدت قوتها في قلبه؟

الذي يحصل إخواني، وهذه من نعمة الله، أن الإنسان ابتداء يعتمد على هذه الأحاديث والآثار مع عدم تذوقه لذة العلم. فإذا شرع في طلب العلم بالشكل الصحيح المعرفي، هناك سر عجيب في العلم الشرعي، وهو أن الله ينزل اللذائذ على طالب العلم عند شعوره بالظفر بالمسائل العلمية والشرعية، يعني إذا ختمت كتاب من كتب العلم، أو فهمت أو ضبطت علم من علوم الشريعة، الله سبحانه كرما منه ينزل على قلبك لذة وجمالية، هذه اللذه ما كانت عندك في الساعات الأولى في طلب العلم، ولا في أول سنة سنتين ثلاث، إنما تأتي مع مرور الوقت.

فتبدا أنت تطلب العلم لأنك تشعر بهذه اللذة الموجودة في قلبك، إنه أنا بتذلّس بس أقرأ في -يا أخي لذة كيسر بسيوف مسلسل- وقد شي يرضي الله، أنت تصبح لذتك في هذا العلم وحبب إلي. لذلك أحد ابن حنبل سئل: وساتي معنا: هل طلبت العلم لله؟ فقال: أما لله فعي -يعني أجزم- قال: لكن شي حبب إلي، يعني أنا انسان خليني في علم الحديث -هكذا بمخ لذة شهوه تمام-.

هذه قضية بدك تنتبه لها، أنك مع الوقت ومع الاستمرارية سينقلب العلم من مجرد شيْ شاق وصعب على النفس -يمر بس أنا بطلبه لأن فيه فضل- إلى شهوة ولذة وإلى قصة عشق لا تنتهي، وإلى قصة عشق لا تنتهي. لذلك ابن عقيل الحنبلي، وهو في هرمه يقول: إن لي قوة على طلب العلم ما لا أجدها في عمر العشرين! أنت متخيل الحج اللي عمره ثمانين سنة اللي عم بيشي في الكتب وعم بيلع وعم ببحث وناظر وبيكتب، وأنت في عمر الثمانين همته على طلب العلم أكثر من همته لما كان عشرين وثلاثين قدنا!

إيش السر؟ العلم بالنسبة له شهوة، طبعا شهوة بالمعنى الشريف، شهوة معرفية عقلية جميلة، أصبح لذة، وهذه من أعظم النعم التي يمكن أن تمنحها في الحياة، أن ينعم الله عز وجل عليك بعشق العلم وحب العلم. لذلك سيدنا ابن الجوزي أعطى كلمة جميلة هكذا رشيقة تمثل الواقع، ماذا يقول؟ يقول: ولا يتناهى في طلب العلم إلا عاشق للعلم. ايش يقول ابن الجوزي؟ ولا يتناهى في طلب العلم إلا عاشق للعلم.

يعني ابن الجوزي بحط النقاط على الحروف، بقول لك مجرد أنك تقرا آيات وأحاديث في فضل العلم، هي ممكن تعطيك بنزين سنة سنتين ثلاث، لكن التناهي والتفاني في طلب العلم لا يكون إلا لعاشق. إذا لم تتولد بينك وبين العلم قصة عشق باختصار، فإنك لن تكمل في هذا الطريق في العاده.

ولذلك شوف هذه أيضا من وضع النقاط على الحروف لتفهمها: في السنوات الأولى أنت ستطلب العلم لفضيلته، ولكنك ستشعر بمراره أزمات طرق حرارة، بدي التزم مع المشايخ بالموعد، الشيخ روحنا بدري، الشيخ كذا، الشيخ بدي أروح أنزل أجيب كتاب من المكتبة. ستتبدأ تطلب العلم لسه اللذه والعشق مش موجود، وإنما يحركني الفضائل التي سمعتها والآيات التي قرأتها وأحب أن أقدم شيئاً لله. هنا أنت الآن في مرحله الاختبار، ربنا سبحانه وتعالى من كمال علمه وحكمته أنه لا ينزل العلم الشريف إلا على قلب شريف، فهو سبحانه يختبرك ابتداء، ما بعطيك اللذة والشهوة ابتداء، امتحنك، يمتحن صبرك، يمينح جلدك وهمتك، هل أنت مستعد على التضحية ولو لم تجد اللذائذ؟ فإذا وجد قلبك صالحا مهيئا نظيفا لهذا العلم منحك إياه.

هذه بدك تفهمها، لأنه في سنواتك الأولى رح تقول: يا شيخ أنا مش شاعر بلذة العلم! شيء طبيعي، لأنه لسه أنت في فترة الاختبار والتمحيص. إخواني هذا العلم شريف، لا يصلح إلا للقلب النظيف، بالتالي ما تفكر كل واحد أتى يطلب العلم خلص مباشرة الله سيعطيه العلم والمعرفة! لا يا اخي، بدك تمر بمرحلة فلتره، بدك تمر بمرحلة فلتره يختبر الله قلبك وشخصيتك ونفسيتك: هل أنت تهجر الغالي والنفيس من أجل العلم؟ هل أنت مستعد أن تضحي؟ أما علم بدون تضحية وبدون دفع ثمن، لا يصلح.

لذلك ابن القيم يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] أصلاً وفرعاً. يعني الله أعلِم أين يضع النبوة، وأعلم أين يضع ميراث النبوة -مش قلنا العلماء ورثة الأنبياء؟- ميراث النبوة لا يحصله إنسان كسول جالس على الفيسبوك عشر ساعات، وبينام عشر ساعات، وبيأكل خمس ساعات، يعني سبعة وعشرين ساعة أكثر ساعة تمام! يعني لا يمكن أنه هذا إنسان يستحق أن يعطيه الله لذة العلم. لا، بدك تسامحني، بدك تفهم الواقع: بقدر ما تري ربك سبحانه جلدا وصدقا، بقدر ما يعطيك، بقدر ما يعطيك. أما أنت ما بدك تقدم إلا فتات الأوقات، فلا تستحق إلا فتات العلم والمعرفة.

وأختم بهذه المقولة الأخيرة لابن القيم، قال: وأما عشاق العلم فأعظم شغفا به وعشقا له من كل عاشق بمعشوقه. شوف شو بقول ابن القيم: واما عشاق العلم -الإنسان الذي يصل لمرحله عشق العلم- قال: فهذا أعظم شغفا به وعشقا له من كل عاشق بمعشوقه. كثير ناس بتعيش قصص حب مع فتيات وعبر السوشيال ميديا وكذا، فبقول لك ابن القيم: مساكين هؤلاء، ما ذاقوا طعم العشق الحقيقي العشق الحلال الشريف العظيم، وهو أن تعشق المعرفة وأن تعشق البحث وأن تعشق التزود والحضور لمجالس العلم والاستفاده من العلماء والنهم.

لو أنك نظرت في كتب الاقدمين ستعرف أن هذه القصص التي يذكرونها عن أهل الحديث لو تراها اليوم تقول: هؤلاء مجموعة من المجانين! شو اللي بيوي؟ يستيقظ من الصباح يبقى جالس على باب شيخه للظهر، ست ساعات جالس ينتظر الشيخ يفتح الباب لسه الشيخ ما فتح، إيش بيوي هذا؟ أنت خص مالي والله باجي على المجلس الشيخ ما أجى بلف وبروح، مش هيك هو العلم عندكم.

تمام، اليوم الطلاب دخلوا على المجلس وجدوا الشيخ مش موجود، مش إنه يستنى له عشر دقائق والله لعل الشيخ تأخر، لا بلف وبروح وانتهت الأمور! لا بدك تفهم أنه الذي يعشق شيئا ليس كمن لا يعشقه، عندما تقرا في القصص العجيبة لطلاب العلم الأقدمين تعرف أن هذا العجب العجاب لا يكون إلا من إنسان عشق العلم.

بالتالي لو أنك تعشق فتاة -من باب تقريب الصورة- والفتاة تأخرت عن الموعد، هل ستغادر مكانك يا طالب العلم في الجامعة ولا في شيء؟ والله مستعد تضلك للمغرب، لأن هذه الفتاة أنت متعلق فيها صح، ملكت دماغك وعقلك، من كثر حالة الهستيريا الدماغية اللي عندك أنت مستحيل تفارق كرسي الجامعة حتى تأتي، وإذا ما أتت ممكن يعني يصير معك حالة من الحكة الشديدة!

هكذا كان العلماء، لكن شوف الإنسان الموفق اللي وظف طاقته في العشق والحب لشيء مفيد وليس لسفاسف الأمور، كل طاقته وعشقه وحبه وظفها أن يعشق علما، وبالتالي هو ما عنده مشكله، ما عاد يشعر لا بحر صيف ولا برد شتاء، اللي يكون يكون. كثير منهم كان ينسى الطعام، يجلس لساعات حتى تاتي زوجته تذكره بالطعام، وإذا أكل طعام ياكل وهو لا يدري ايش ياكل.

وبعضهم ربما أخذناها البارحة في ابن الجوزي في صيد الخاطر: ذاك الرجل الذي يقول: منذ سنوات وأنا أشتهي أكل الهريسة، قال: فما استطيع أن أكلها لأن موعد بيعها هو موعد الدرس! سنوات حلمه في حياته، قال: بس هيك اشتهيت هاي الهريسة، مش قادر أكلها. طيب شو له مك، ما معك مصاري؟ لا معي. شو المشكلة؟ لما يأتي بياع الهريس يبيع، بيكون موعد شيخ الدرس!

احنا اليوم بيجي موعد الدرس، الطالب يحضر الدرس بده يتابع أونلاين، في عزومة وفي عزومتين وثلاث، والشباب جايين عنده، خلص شيخ بنتابع الدرس أونلاين، مش مشكلة، مش الدرس مسجل يا شيخ عمر؟ أنتم شايفين الفرق إخواني بين من يعشق ومن لا يعشق؟ لو أنك تعشق العلم والمعرفة لأفنت حياتك من أجلها. طب هذا العشق كيف سيتولد؟ هذا شيء ينزله الله على قلبك، ليس من البداية، وإنما بعد أن تختبر وتمحص وتمتحن.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن عرفوا شرف هذا العلم وفضله، وممن رزقهم الله عشقه والتناهي في حبه، ليجعلنا من المستدامين فيه، إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه.

بقي المبحث الثالث والرابع، وهي الغاية من طلب العلم المقاصد والنيات، وكيف يؤثر العلم على حياتي، انعكاس العلم على حياتي. هذا في المجلس القادم يوم الأربعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. عشر دقائق إخواني نصلي العصر فيها مع بعضنا البعض. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.