غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى.
حياكم الله أيها الأكارم، حياكم الله يا عماد المستقبل والأجيال القادمة من هذه الأمة. حياكم الله في هذه المجالس التأسيسية لمن يريد أن يدخل وأن يسلك في طريق طلب العلم. وقد بينت لكم أيها الأحبة في المجلس الماضي أن هذه المجالس مهمة جداً جداً جداً، بل هي في كثير منها أهم من بعض التفاصيل العلمية التي لو غفلت عنها لا إشكال. لكن أن تغفل عن اصول هذا الطريق وعن منطلقاته، هذا هو الاشكال الذي يقع فيه اغلب طلبه العلم اليوم. اغلب طلاب العلم أيها الكرام اليوم ممن يجدون فيه -طبعا تجد أحدهم قد يهتم بحواشي الحواشي وتفاصيل التفاصيل- وقد ضيع كثيرا من الاصول المهمه والمنطلقات الذهنيه التي ينبغي ان تكون حاضره في حياته عن طبيعه هذا الطريق وعن قصه طلب العلم.
فحذاري أن تكون من هذا الصنف من الطلاب الذي جل هم أحدهم أن يقف على معلومة في حاشية، وإذا نظرت في مسلكه العلمي وهديه وسمته، فليس هو على هدي العلماء، ولا على طرائقهم، ولا على طبيعة هذا الطريق، وعلى الطريقة التي أراد الله عز وجل أن يكون طلب العلم عليها. ولذلك كان أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عليه عندما سئل: يا إمام، من نسأل بعدك؟ قال: عليكم بعبد الوهاب الوراق. فقالوا: إنه ليس كثير العلم. قال: لكنه رجل صالح، أرجو أن يوفق للصواب. إذاً، نظرة أحمد بن حنبل لم يكن معياره في تزكية الشخص فقط كم حجم المعلومات التي عنده، فعبد الوهاب الوراق لم يكن من أعلم أهل زمانه، لكنه كان فيه درجة عالية من الصلاح والفهم لطبيعة العلم تجعله أهلاً لأن يهديه الله وأن يوفقه للاختيارات الصائبة.
فالعلم أيها الشباب ليس فقط كم معلومات، العلم أيضاً هو شخصية وعقلية وتربية وسلوك. هذا جزء كبير من الحياة العلمية؛ تربيتك وسلوكك وسمتك وعقلك وطريقة نظرتك وتقييمك للأشياء. وأما من حصل العلم على أنه فقط معلومات يلتقطها من كتاب هنا وهناك، فهذا سريعا ما يضل وسريعا ما يزل وتقاذفه الأمواج الأهواء.
حتى لا أطيل، اليوم عندنا محاضرة دسمة، فأحتاج أن أشرع فيها مباشرة. في المجلس الماضي أيها الكرام تكلمنا عن تعريف العلم الشرعي، وعن الدافع الذي يدفع الإنسان إلى طلبه من حيث فضل العلم. وبينا قضية، وهي أن الإنسان عندما يقرا الآيات والأحاديث والآثار التي تتكلم عن فضل العلم، فهذه تصنع جزءاً من الدافعية، اليس كذلك؟ للاستمرار في طلب العلم. لكن قد يعني هذا الحديث مع الوقت قد يفقد بريقه في قلبك، ولا يعود يؤثر فيك أو يحثك أو يعطيك الهمة.
فما هو الذي سيكون بديلاً في مرحلة من المراحل أو ليس بديلاً- بل سميه توقيره- الحديث النبوي سيكون مساعداً ومعززاً للذة هذه؟ فكرة اللذة ينبغي أن تحصل عليها وتجاهد من أجل أن تشعر باللذة، لأن العلم في بدايته فيه صعوبات وتجد فيه مراره وثقل على النفس. فأنت يدفعك ابتداء لطلب العلم ما ورد فيه من الآيات والأحاديث والأثار الدالة على فضله وعلى فضل أهله. لكن مع مرور السنوات يعني يبدأ الإنسان يشعر ماذا؟ بشيء من التعب والارهاق. فما الذي سيصبرني على المداومة على ملازمه المشايخ وحضور مجالس العلم؟ هو أن تلتذ بدراسة العلم، ويصبح هوى وعشقاً، كما قلنا. يصبح هوى وعشقاً لك أن تحرر المسائل العلمية.
وهذا العشق أيها الكرام من أسباب الحصول عليه أن تتقن علماً واحداً. يعني لو أتقنت علماً واحداً وشعرت أنك تفهمه، هذا بحد ذاته يصبح لذة، يفتح لك أبواب العلوم الأخرى. لذلك كان مشايخنا يقولون لنا: أتقن علماً وستتقن العلوم. يعني إذا بدأت في علم وبدأت تشعر والله أنا في النحو والله بدأت أحسن الإعراب، بدأت فعلاً أشعر بلذته ولا أجد مشكلة في إعراب جل الجمل التي أُصادفها، شعورك باللذه في النحو هو سيفتح لك أفق أن تستمر في دراسة اصول الفقه والفقه والعقيده والتفسير وما شابه ذلك.
فأنت تحتاج إلى الفتحة الأولى، تحتاج إلى العلم الأول. مهم جداً أن أُشعر أنني أستفيد وأنني في هناك ثمرة من دراستي للكتب، لأنه بعض الطلاب يقول لك: درست الآجرومية والقطر أو درست كذا وكذا وما زلت غير متقن. شعور عدم الاتقان أو عدم وجود ثمره هو يسبب إحباطاً. فحتى لو قرأت عليك كل الآيات والأحاديث التي تدل على شرف العلم وأنت تشعر أني درست وحضرت بس ما في أثر، ما في ثمرة فعلية، أنا أقول لك: هذا سيسبب شكلاً من أشكال الإحباط.
فبالتالي نحن حريجون جداً على أن تحصل شيئاً من الثمرة مبكراً، حتى يكون هذا هو الشراره التي تصنع العشق بينك وبين هذا العلم، لتستمر إن شاء الله في الرحلة الطويلة. طبعا حتى نصنع هذه الثمرة الأولى هذا يحتاج إلى منهج علمي صحيح، وإلى شيخ متقن، وإلى طريقة دراسية صحيحة تحصلها بإذن الله. أما إذا اختل المنهج أو الشيخ غير متقن، أو أنت أصلاً من البداية لا تحرص على الدرس بالشكل الصحيح وتفقد مهارات التعلم، فهذا الذي يسبب تأخراً جداً للثمرة، وبالتالي يأسك من نفسك أن تفلح في طلب العلم.
طيب، هذا إذا كان كلام عن تعريف العلم وما الذي سيدفعني إلى أن أستمر في هذا الطريق. اليوم ساتكلم فيما يتعلق بالمفتاح الأول عن أمري بقيا، وهو الغاية. الغاية؛ النية التي بها أطلب العلم. ثم ساتكلم عن تأثير العلم وانعكاساته على حياتك، وننتقل إن شاء الله للمحور الثاني. فابدأ بالكلام عن الغاية والمقصد.
أيها الكرام، أي إنسان يشرع في أي عمل من الأعمال، أي إنسان عاقل يشرع في أي عمل من الأعمال لابد وأن يكون له ماذا؟ نية وهدف من شروعه في هذا العمل، أليس كذلك؟ سواء كانت نية صالحة أو نية سيئة. لكن الإنسان بطبيعته حارث همام، همام دائماً عنده هم وتفكير في أي عمل يريد أن يفعله. لذلك كان من اجمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم حديث: «إنما الأعمال بالنيات». وشيخ الإسلام له رسالة لطيفة يشرح بها هذا الحديث، ويقول: هذا الحديث إنما هو من جوامع الكلم. لأن قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» ليس خاصاً فقط بالأعمال الشرعية، يعني ليس معنى الحديث -وإن كان هذا ذكره البعض لكن شيخ الإسلام يرجح شيء آخر- يقول: ليس معنى الحديث أن الأعمال الشرعية بالنيات، بل هو على اطلاقه وعمومه، كل عمل تعمله بنيه سواء كانت نيه فاضلة أو نيه سيئة.
فانت إذا أكلت وذهبت إلى مطعم لتشتري طعام في نية؛ اريد والله مثلاً أن آكل هذا الطعام. إذا ذهبت إلى مكان يعصى فيه الله والعياذ بالله لتجلس مع العصاة في نية، في تفكير أنني ذهبت إلى هذا المكان لقصد، وإن كان قصداً سيئاً. وإذا حضرت مجلس العلم واتيت لتسمع برضه في نية. «فإنما الأعمال بالنيات» من جوامع الكلم؛ لأنها تبين طبيعة هذا الإنسان. الإنسان إذا أراد أن يعمل عملاً وكان بكامل قواه العقلية، فإنه ينوي، لماذا اريد أن اعمل هذا العمل؟ ما هو الهدف؟ ما هي العله الغائيه كما يقولون من دخول في هذا العمل؟ وهذا بالتالي سيجرنا إلى سؤال مهم.
أليس طلب العلم من اشرف الأعمال؟ إذا هو أيضاً سيحتاج إلى نية مثله مثل أي عمل انساني وممارسه إنسانية. فإذا انا كانسان سنح في ذهني أن أطلب العلم سأساًل سؤالاً جوهرياً وأساسياً: لماذا تريد تطلب العلم؟ أنت لما قلت لي: أنا اريد أطلب عندك أو عند غيرك، أو أحضر الدفعه الثامنة، أو أحضر مجالسكم أو مجالس غيركم؛ عندي سؤال جوهري في حياتك: لماذا تريد أن تطلب العلم؟ هل أنت عندك إجابة أم شيء سنح في الخاطر وفقط؟ ما يصلح. بالتاكيد لو فتشت في نفسك هناك شيء دعاك لأن تحضر هذه المجالس، قد يكون شيء صحيح وقد يكون شيء خاطئ، لكن في شيء متفقون على هذا: هناك شيء دفعك أن تحضر مجلس العلم، بغض النظر؛ نية صالحة خيره تثاب عليها، أو نيه سيئة بطالة تؤثم عليها.
حتى نوجه البوصلة، وقبل أن أتكلم أيضاً عن قضية الدوافع، اريدك أن تعرف قضية مهمة في العلم، وهو أن العلم الشرعي بالتحديد لا يصلح إلا أن يكون عبادة. طلب العلم الشرعي بالتحديد لا يصلح طلبه إلا على وجه إيه؟ التعبد. أما علوم الدنيا -بروس بعضكم دارس محاسبه، بعضكم دارس فيزياء، بعضكم دارس كيمياء، مهندس- لو طلبت العلوم الدنيوية فقط من أجل الدنيا، ما عندك فيها كبير نية لله، فقط من أجل الدنيا تبحث عن وظيفة وشهادة وتعيّن، هل هناك حرج شرعي؟ حقيقة لا حرج، وإن كنت ضيعت على نفسك الثواب لكن لا حرج.
لكن سؤال: هل العلم الشرعي كسائر العلوم؟ يعني هل يجوز أن أطلب العلم الشرعي فقط من أجل وظيفة وشهادة؟ لا. ليه؟ لأنه هذا بدي اياك تركز فيها، طلب العلم الشرعي لا يكون إلا على وجه التعبد، فهو عبادة لله. جلوسك في هذا المجلس عبادة، كيف هناك بتصدق؟ هناك من يتعبد بقيام الليل، أنت تتعبد بطلب العلم. وهذا أصلاً شعور جميل جداً، شعورك أنني وأنا أحفظ أنا في عبادة، يا اخي عبادة مستمره! وأنا عم بفهم، وأنا أحضر المجالس، وعم بحلل، وعم بتعب، وعم بدرس، وعم أعطي، هذه كلها عبادة بعد عبادة بعد عبادة وخير عظيم.
لكن ما دامت عبادة، لا تصح العبادة إلا بنية صالحة، ولا يجوز أن تصرف العبادة على غير وجهها. فهذا فرق كبير وهائل بين العلم الشرعي والعلوم الأخرى. وضح الفرق؟ العلوم الدنيوية لو طلبتها للدنيا فقط لست آثماً، أما العلم الشرعي لو طلبته للدنيا فقط فأنت آثم وسياتي معنا الحديث الذي يدل على إثمك إذا طلبت العلم الشرعي للدنيا فقط.
طيب، الآن نذهب لنبين ما هي المنطلقات الصحيحة، سأقسم حديثي إلى ما هي الدوافع أو النيات؟ هذا نسميها الآن. خلينا نركز على مفهوم النية: ما هي النية التي ينبغي أن تكون حاضرة لدي إذا اردت أن أطلب العلم الشرعي وتكون هذه النية موفقة ترضي الله سبحانه؟ وما هي النيات الفاسدة التي لا ينبغي أن تكون حاضرة في ذهني وأنا أريد أن أشرع في طلب العلم؟
أول نية صالحة، بل هي أصل النوايا الصالحة والكل بعد ذلك يندرج تحتها: أنني أريد بطلبي للعلم أن أرضي الله سبحانه وتعالى. أريد بطلبي للعلم أن أرضي الله عز وجل، وأن يراني ربي عز وجل في ساعات العمر وأنا منشغل بشريعته الإلهية. هذا الدين العظيم الذي أراد الله عز وجل أن يكون خاتمة الأديان، وأن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم خاتمة الرسل، وأن تكون هذه الشريعة خاتمة الشرائع. تخيل أن الله يراك طوال عمرك منشغل بها، تبحث عنها فقهاً وأصولاً وعقيدة وقرآناً، وتُحاول أن تفهم الوحي الإلهي ورسالات الله فيه. أليس هذا من أشرف الأعمال ومن أشرف النوايا؟ أن يكون همك: أن تراني يا رب منشغلاً منصباً على شريعتك الإلهية. ماذا تريد شرفاً أعظم من هذا الشرف، وخيراً أعظم من هذا الخير، أن يكون تخصصك في الحياة في الشريعة الإلهية فهماً ونظراً وتدريساً وتطبيقاً؟!
وأعظم بها من نية! إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي يقول رحمه الله عليه: من طلب هذا العلم لله، شرف وسعد في الدنيا والآخرة. إسرائيل بن يونس يقول: من طلب هذا العلم لله، أي لإرضاء الله، شرف -نلت الشرف- وسعد -نلت السعادة في الدنيا وفي الآخرة-. فمن أراد سعادة الدنيا والآخرة وخيرهما فالعلم الذي يعطيك هذا على وجه الكمال هو ماذا؟ العلم الشرعي.
طيب، النية الثانية التي يصلح أن يقصدها طالب العلم، بل ينبغي أن يقصدها وأن ينوي بطلبه للعلم أيها الكرام: أن يرفع الجهل عن نفسه، وأن يصحح سيره إلى الله. قبل ما تفكر بالاخرين، قبل ما تفكر بطلبك للعلم أنني أريد أن أدرس الناس، ويصبح عندي جمهور، وأفتح صفحة على السوشيال ميديا وأبدأ ها أطاح مطاحن، والردود القاسية والضرب على فلان، قبل ما تفكر بكل هذا الله يكرمك، هدي شوي الامور. أول شيء أنا أطلب العلم لأرفع الجهل عن نفسي، أنا بدي أتعلم، أنا أريد أن أصحح نيتي وعقدي مع الله سبحانه وتعالى. أريد أن أصحح العقيدة فلا أريد أن أكون مبتدعاً. أريد أن أصحح الفقه؛ أتطهر كما أمرني الله، أُصلي كما أمرني الله، أصوم كما أمرني الله.
ولذلك اليوم من دلائل فساد النية عند بعض الطلبة أن تجده يطلب بعض الأشياء وينشغل في بعض الأشياء التي هي ثانويات ولا تؤثر على حياته، والامور الأساسية التي تصحح عقده وفقهه قد تجاوز عنها ولا يتقنها. يعني إنسان لا يحسن الوضوء وبيتكلم في الخلاف السلفي الأشعري، أنت وضوء ما بتتوضأ صح، وضوء مش عم تتوضأ، إيش اللي مدخلك في الخلاف السلفي الأشعري؟! اليس هذا يدل على وجود دخن في النية أن اصول دينه لم يتقنها وإذا به يشتغل بامور مهمه لكنها تاتي في الدرجه الثانيه؟
يا اخي صحح عقدك، صحح طهارتك وصلاتك، صحح الاحكام الاساسيه، ارفع الجهل عن نفسك ثم اقتحم الابواب الأعلى. أما أن تبدا بالأعلى وتترك الأساس، فهذا دلاله على فساد النوايا. خذها مني: إذا وجدت طالب علم، أو من يدعي أن يطلب العلم ويبدأ بالخلافات بين الدعاة والمشايخ والقديم والحديث، ثم تجده لا يحسن صلاته، ولا يحسن وضوءه، والمعالم الأساسية التي لا يسع المسلم جهلها هو مقصر فيها، فالإجابة أن هذا الرجل.
نيته مدخوله وأنه ليس صادقاً في طلبه للعلم على منهج السلف وعلى الطريقة المرضية لذلك أحمد بن حنبل لما جاءه رجل وقال له: يا إمام! ما تقول في الوضوء من ماء الباقلاء؟ هل يجوز أن أتوضأ من ماء تم نقع الباقلاء فيه؟ أحمد بن حنبل يعني طلع عليه فيقول له: يعني إذا كثر وجود الباقلاء خلص تحول من طهور إلى طاهر. لكن قبل أن يقوم الرجل سحبه أحمد بردائه، قال له: ماذا تقول إذا دخلت المسجد؟ ما دعاء دخول المسجد؟ قال: لا أدري. قال: ما تقول إذا خرجت من المسجد؟ قال: لا أدري. قال: اذهب فتعلم هذا، ثم تعلم حكم الوضوء من ماء الباقلاء. يعني هو أنت طول حياتك كم يوم راح أشوف ماء باقلاء مرة في هالعمر؟ يعني تلاقي ماء باقلاء لا تتوضأ فيه، هذا يبحث فيه بعد أن تتقن الشيء اليومي. أنت يومياً بتدخل المسجد وبتخرج منه، صح؟ كرجل يومياً تدخل وتخرج، عيب أنك لا تحفظ دعاء دخول المسجد والخروج من المسجد وعم تشتغل ما حكم الوضوء من ماء الباقلاء أو ماء الكركديه أو ماء الورد؟ الحمد لله، المي موجودة والدنيا طيبة خير، فهذه المسائل يأتي وقتها إن شاء الله، أما الشيء اليومي أنت مقصر فيه.
فكهذا فهم أحمد الأمور، وعلمنا أنه إذا اردت أن تعرف نيتك فاعلم بماذا اشتغلت ابتداءً. هل تشتغل بحواشي الحواشي؟ لذلك إذا رأيت إنساناً يدعي أنه يطلب العلم، وأول ما يبدأ الانشغال به بالتبديع والتفسيق والحكم على الطوائف والجماعات فاعرح أنه مخذول. إذا وجدت إنساناً القرآن لا يحسن قراءته، والأحاديث النبوية الأولى ضائعة من عنده، وأحكام طهارته وصلاته لم يتقنها، وإذا به يشتغل بتبع فلان، وقال عنه شيخنا إن فيه كذا البدعة الفلانية وفلان فيه كذا، ويبدأ بتقييمات الأشخاص والطوائف والجماعات، فاعلم أنه مخذول؛ لأن الله لم يوفقه للنية الصالحة. النية الصالحة أولاً: أرفع الجهل عن نفسي، ثم بعد ذلك أنظر في أحوال غيري، فهذه قضية مهمة.
لذلك سئل الإام أحمد: يا إمام! أو قال الإمام أحمد: العلم لا يعدله شيء إذا صلحت فيه النية. فقيل له: يا إمام! وكيف تصح الننية فيه؟ قال أحمد -شوف إيش قال- ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره، هذا الأساس أولاً. قال أحمد: ينوي رفع الجهل. إذاً هي نية، ينوي رفع الجهل عن نفسي، أنا يهمني أن أنا أنجو، ربنا قال: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6] فيهممني أن أنجو أنا ابتداءً، ثم المقربون، ثم الأبعد فابعد، أليس كذلك؟ فهذه نية مهمة جداً. احذر أن تخادع نفسك فيها، فلا ترفع الجهل عن نفسك وتشتغل بثانوي العلم.
النية الثالثة التي ينبغي أن تكون حاضرة لديك، أن تنوي بطلبك للعلم أن تحيي الإسلام وأن تدافع عنه وأن تحصن حصونه. ولذلك جاء في الأثر -ولا يصح مرفوعاً-: من طلب العلم ليحيي به الإسلام فهو من الصديقين. من طلب العلم ليحيي به الإسلام فهو في مرتبة الصديقين. خصوصاً عندما تموت السنة، وتكثر البدعة، وتكثر الأهواء، ويكثر تجمع الكفار ومؤامراتهم من أجل استئصال شأفة هذا الدين. إذا طلبت العلم في زمن فتنة فأنت عظيم في ملكوت السماء، إذا طلبت العلم في زمن مات فيه العلم وقل رواده فأنت عظيم في ملكوت السماوات، فهذه الننية لابد أن تكون حاضرة لديك أنه: يا رب، أنا شرعت في هذا العلم وأريد أن أتعب وأنصب فيه لأسد ثغراً من ثغور الأمة، والثغور كثيرة؛ ضد الإلحاد، ضد الشذوذ، ضد الناقدين، ضد المشوهين للأفكار الكبرى، ضد أيضاً المبتدعة والفرق وما شابه ذلك. الذي يقف على ثغر من ثغور العلم يحميه ويحرسه هذا مجاهد في سبيل الله، هذا مجاهد في سبيل الله. ومن أعظم صور الجهاد أن تجاهد في العلم، تلزم ثغراً تتقنه تفهمه وتصبح مركزية فيه ومرجعاً.
وهذا نحتاج فيه ليس واحد ولا اثنين، الثغور اليوم كثيرة، وعندما نتكلم عن واقع العلم اليوم -إن شاء الله يفسح لنا الوقت- ستجدون أن الأمة اليوم بأمس الحاجة لشدة الهجمة الشرسة التي توجه علينا.
النية الرابعة والأخيرة التي سأتكلم عنها قال العلماء: أن يقصد بطلبه للعلم -شوف ما أجمل هاي النية- أن يشكر الله سبحانه وتعالى على نعمة العقل وصحة البدن. الله عز وجل منحك عقلاً ومنحك بدناً صحيحاً، من أعظم النوايا في طلب العلم أن تقول: يا رب -يعني إذا اردت أن تشكر الله على هذه النعمة، أعظم شكر لله على نعمة أن تستعمل هذه النعمة فيما يحبه- صح ربنا أنعم عليك بمال؟ إيش اعظم شكر؟ ليس باللسان، بل أن تصرف هذا المال في خدمته. كذلك أعظم شكر لله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: 13]. أعظم شكر لله على نعمة العقل ونعمة البدن والعين والسمع واللسان أن توظف كل هذه الجوارح في طلب العلم الذي يرضي الله سبحانه وتعالى. فإذا أن ينوي الطالب بطلبه للعلم شكر الله عز وجل على ما أنعم به من النعم الظاهرة والباطنة. فهذه نوايا أربع لابد وأن تكون حاضرة لديك. فهمناها؟
طيب، ما هي النوايا الخبيثة التي علينا أن نحذر منها في سلوك هذا الدرب؟ هناك مجموعة من النوايا كان العلماء دائماً يتحدثون عنها ويحذرون طالب العلم منها. أول نية خبيثة وسيئة: أن ينوي بطلب العلم تحصيل عرض من الدنيا. تحصيل عرض من الدنيا فقط. طبعا يعني آحياناً يا شباب أنت ممكن تدخل في الجامعة تدرس كلية الشريعة فتقول: يا رب أنا نيتي أن أرضيك وأن أخدم الدين، وتبعاً أحصل شهادة أقتات بها، هذا لا حرج فيه؛ لأن الشهادة وهي عرض من الدنيا جاءت ماذا؟ تتبعاً.
لكن إذا دخلت العلم الشرعي وليس من نيتك إرضاء الله وليس من نيتك نصرة الإسلام وإنما نيتك أن تحصل عرضاً من أعراض الدنيا، طب مش ضروري تكون مرائي، لا، أنا داخل فقط بدي الشهادة. هذه نية خبيثة، داخل بدي أتوظف في مرتبة هذه دائرة قاضي القضاة، بس أنا داخل علم شرعي ليه؟ بدي أتوظف في دائرة قاضي القضاة، عشان أجيب مصاري، وهكذا تحسن أموري، هذه نية خبيثة. أنت تطلب العلم لله، أما الوظيفه والشهادة فهذه تأتي تبعاً.
طب ما دليلك يا شيخ أنه من طلب العلم الشرعي من أجل عرض من أعراض الدنيا فقط أن هذه نية خبيثة؟ أقول: الدليل على ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه من عند أحمد كما جاء عند أحمد وعند غيره: من طلب علما -قال صلى الله عليه وسلم-: «من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله لا يطلبه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة». متخيل يعني ما رح تشم رائحة الجنة؟ من طلب علماً -شوف التقييد- مما يبتغى به وجه الله، وهو العلم الشرعي. علوم الدنيا مش مشكلة، اطلبها مشان وظائف، برجع لك. لكن العلم الشرعي قلنا عباده، فليس لك أن تطلبه ونيتك عرض من أعراض الدنيا فقط. من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله لا يطلبه إلا ليصيب به عرضاً -شوف هنا في عموم أي عرض، مش ضروري تكون مرائي ولا منافق، بس أنت طلبته للدنيا فقط ما بدي به وجه الله أنا بس هذا في الدنيا- قال: «لم يجد عرف الجنة» أي رائحتها. شوف التهديد والوعيد الشديد، إخواني انتبهوا، وخاصة الشباب الذين يدخلون في كليات الشريعة، صحح نيتك من البداية. يعني إذا أنت فقط هدفك تاخذ شهادة، نصيحتي إلك لوجه الله أنه ادخل فيزياء ولا كيمياء ولا علم حاسوب، لا تدخل شريعة؛ لأنه إذا أنت دخلت شريعة وفقط نيتك تحصل شهادة لن تشم رائحة الجنة.
فإيش اللي مورط هي الورطات؟ إذا أنت إنسان غير مستطيع أن يكون لك طموح أعلى من الدنيا ومن لعاتها، لا تورط نفسك. إذا سجلت وقدمت الكليات الشرعية فهذا عهد جديد عليك أن تنوي فيه ننية صالحة، وقل: يا رب الشهادة تبع الوظيفه تبع، وإما أن تكون أصلاً خسرت دينك ودنياك آخرتك. فهذا ينتبه له أيها الكرام.
طيب، أيضاً من النيات الفاسدة وهذه على وجه الخصوص -وإن كانت مشمولة تحت الننية الأولى- أن ينوي بطلبه للعلم أن يباهي العلماء أو يجادل السفهاء أو يصرف وجوه الناس إليه. جاء في الحديث عند ابن ماجه وغيره قال صلى الله عليه وسلم: «من طلب العلم ليباهي به العلماء» ليباهي يعني يصير يناظر العلماء أو يفاخر، يفاخر به أمام العلماء «من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه، فله النار، فله النار». حسنه طائفة من أهل العلم: من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء -يعني يجادل به الناس على السوشيال ميديا مجادلات ومناظراته- أو ليصرف به وجوه الناس إليه، سيدنا الشيخ وتقبيل رؤوس وأيادي ولايكات على السوشيال ميديا، اللي هذا هدفه من طلب العلم قال: «فله النار».
يعني شوف الكلمة المرعبة التي معناها: لا تورط نفسك في طلب العلم إذا شعرت أنك لا تريد صواب النية، صوب النية ثم قل يا رب. فهذه القضية ينتبه لها، فإن كثيراً من الدخن يدخل عليك، وقد تكون أنت ابتداء شرعت في طلب العلم لله، فإذا بدات تتذوق لذاذة الرئاسة ولذاذة الشهره وصفق لك وقبل الراس ومشيت الناس على عقبك، بدأت تشعر بالانتفاخ وبدأت النية تنحرف، أنه هاي ممتاز، وأصبحت تبحث عن الألقاب والمسميات وأن تعظم في المجالس، فهنا له النار؛ يعني خسرت دينك ودنياك وآخرتك. فتصوير النية في العلم خطير جداً جداً أيها الكرام، هذه إذا ما يتعلق بالنيات الفاسدة.
هنا سأسال سؤالين قبل أن أغلق ملف النيات: السؤال الأول: نرى في كلام كثير من العلماء، كما مثلاً الألبيري في تائيته أو ابن الجوزي في صيد الخاطر وغيره من العلماء حتى ابن القيم عندما يتكلم في مساق ترغيب الطالب بطلب العلم الشرعي، كثيراً ما يقولون أن طلبك للعلم هو سبب لشرف الدنيا، وبه تنال منزلة رفيعة، وبه وبه. طب كيف العلماء -يعني كيف أنت بتقول: يجب أن نخلص لله سبحانه في طلب العلم- وفي نفس الوقت نجد كثيراً من العلماء عندما يحثون الطالب على طلب العلم يذكرون المآثر التي ستحصل عليها في الدنيا؟ كلهم ذكروا ذلك؛ الألبيري، ابن الجوزي، ابن القيم يقولون: وإن من طلب العلم نال شرف الدنيا وعزها ومكن فيها، و و. كيف يمكن نجمع بين موضوع الإخلاص وبين ما يذكره العلماء وهم يحفزون الطالب على طلب العلم؟
شغل لنا المايك شيخ عمر. نبدا عند الشيخ، أعطي المايك للشيخ سريعاً، تناولوا بعضكم البعض. يعني أنتم فهمتم وين المشكلة؟ نحن الأصل دائماً نقول: الإخلاص. طيب كيف ابن الجوزي يقول: والعلم به تسود في الدنيا. والألبيري يحث ابنه على طلب العلم أن به تسود أقرانك. طب أنا هذا في السيادة على أقراني! طب هل في شيء من التعارض ولا نحاول نجمع؟ نحاول نجمع. بالتأكيد لهم مقصد.
نعم، الحث في البدايات يكون على الإخلاص، وهذه الأمور تأتي تبعا. الصوت شوي شيخ عمر حتى أسمع أفضل. أيوه، الحث في البدايات يكون على الإخلاص، طيب ثم تنبيهاً هذه الأمور تأتي تبعاً. يعني هل هناك مشكلة؟ مو هذا السؤال. لو أنا قلت لكم يا مشايخ: اطلبوا العلم فبه ستسودون في الدنيا، طيب مش هيك أنا بحثك على نية خطأ؟ فهمت شو سؤالي؟
طيب مش أنا لازم أقول لك: عليك بالإخلاص لله سبحانه؟ طب كيف ابن الجوزي عم بيثني على طلب العلم وهو يقول لي: ستسود به في الدنيا؟ في مشكلة في الخطاب، أو ابن القيم يقول لي: عليك بطلب العلم فبه ترتاح وتسود أهل زمانك وتفوق أقرانك. في مشكلة في الخطاب ولا ما في مشكلة؟ هذا سؤالي أنا فقط حتى أحاول اجمع كلام العلماء.
طب عند الأخ اللي في الأمام؟ ذكروه من باب أنه ثمرة وليس غاية. ذكروه أنه من باب ثمرة وليس غاية والله وجه. يريد أن يقول الأخ: إنه لما يحفزك على طلب العلم من جهة أن فيه سيادة الدنيا، من باب أن هذه ثمرة تحصل وليس نية تطلب، من باب أنها ثمرة تحصل وليس من باب أنها نية تطلب.
لكن سيأتي اعتراض: بس في النهاية أنت لما حكيت لي هيك خليت يعني صرت أطلب -يعني أنت رجعنا لنفس المربع- أنه أنت لما حفزتني ابتداء بها، مش أنت بدك تحفزني إذا أنت خليتني أطلبها؟ اه محمد أعطني المايك محمد.
بسم الله، الحل في ذلك على أن يفرق ما بين الخطاب الأول والخطاب المتاخر. الخطاب الأول يعني أن يرغب بالدنيا تماماً، حتى إذا شرع في العلم فبالمآل تتحول النية إلى أن تصلح. يعني أنت وجهة نظرك شيخ محمد أنه يصلح أني أخاطبكم كطلاب وأقول: اطلب العلم فبه إن شاء الله تنال عز الدنيا وشرفها، كخطاب أول يجوز؟
على سبيل المثال يعني أن هو شرع في العلم على ألا يكون الخطاب يعني ضخماً لدرجة أنه يعني أنسيه الآخرة وفقط أرغبه في الدنيا، على أن يكون فيه اعتدال، يجوز يعني.
خلاص أحسنت. الآن إخواني الكرام حتى لا أطيل الموضوع، حقيقة العلماء كانوا يعتمدون على قضية مغالطة النفس أحياناً في النية؛ لأن هذه المغالطة تساعدك على الاستمرارية. شوف، الآن بالتأكيد يتفق الجميع أن الإخلاص لله هو المطلوب، وأنه ألا يلتفت إلى حظ من الدنيا هو الكمال، صح؟
لكن هذا الكمال في النية -ركز معي حتى تفهم هذه القضية- هذا الكمال في النية أنك تكون متجرد تماماً تماماً من حظوظ النفس، وتعتمد عليه فقط.
الاستمرارية وجدوه صعباً على الناشئة، وجدوه صعباً على الناشئة، فالناشئ في طلب العلم أحياناً تحتاج تغالط شوي وتعطيه بعض الدفعات الدنيوية مع تركيزك على الآخرة؛ يعني أنت بتقول له: لا بد تخلص وتطمح وتجاهد. لكن قالوا: لا مانع من أن يحفز بشيء من مكتسبات الدنيا من باب مغالطة النفس.
هو لو أعطيته هاي المغالطات ابتداءً، كلما فتح له في العلم باب بعد باب سيبدأ يصلح النية أكثر وأكثر. لكن مغالطة النفس ابتداءً وإقناعها أنه برضه أنا صح، بحب أطلب العلم لله ولازم يكون، بس والله، والله جميل انه يصبح مثلاً في طلاب علم وفي كذا ونقيم برامج وأصبح مثلاً صاحب جاه.
هاي المغالطة هي نوع من المغالطات بسميها ابن الجوزي، هي محاولة إقناع النفس انه العلم إن شاء الله دنيا وآخرة. بيضبط هذا في لحظة الفتور ولحظة هيك الملل اللي بتشعر فيها انه ما عندك قدرة على استحضار المعاني الإيمانية تماماً، استحضار ممكن تعطيك إيش حافز بتمشيك، وليست لأنها مقصود لذاتها وليست لأنها مقصوده لذاتها.
إذا إذا قرأت في كلام العلماء تحفيزاً على طلب العلم من جهة السيادة في الدنيا، فاعلم أنهم أرادوا مغالطة النفس لك من أجلها. كيف بقول لك واحد بيضحك على نفسه، بدعها شوي حتى تمشي. وإذا بدك تكون عقلاني تماماً تماماً، أحياناً ممكن تتعب، فالخطاب الأكبر والأوسع بالتأكيد هو الإخلاص لله، ويبقى يذكر به الطالب، لكن لا مانع من تطعيم هذا الخطاب العام ببعض المحفزات الدنيوية؛ لأن هكذا تساس النفس بهدوء، فلا اشكال إذاً في مثل هذا الخطاب.
فلو رغبتك بطلب العلم من جهتي أن تنال به شرف الدنيا وسعادتها وسيادتها وتفوق أهل زمانك، هذا ليس رياءً أو نفاقاً حتى تتهم العلماء بذلك، وإنما هم يدركون ما الذي يصلح للناشئة، خليه شوي ها يذوق شيء من عسولة الدنيا، لعل ذلك يعطيه دافعية أكثر وأكثر أن يستمر في حضور المجالس ويواظب عليها. فهمنا إخواني كيف نجمع بين هذا الكلام حتى لا يظن أن ذاك مناقض لما أصلنا من أن الأصل في العلم أن يكون لله الواحد الديان؟
السؤال الثاني هو: هل أتصور في طالب العلم الناشئ المبتدئ، هل أتصور فيه ابتداءً أن يستطيع الوصول إلى كمال الإخلاص، أم يمكن أن يكون الطالب ما زال الإخلاص مشوباً عنده وأصبر عليه؟ حقيقة هذه قضية أيضاً تطرق لها العلماء، وهو أنه نعم يمكن الطالب المبتدئ يكون مخلصاً لله تمام الإخلاص، لكنه صعب، وهذا خاصة الناشئ الجديد؛ فيتصور فيه أن يكون مخلطاً قليلاً؛ يعني أحياناً يطلب العلم ها وتأتي التفكير في الدنيا ويغيب عن باله رضا الله.
أحياناً بعض الطلاب الناشئة ترى في نفس البروز، انه بده يبرز نفسه، بده يبدأ يظهر في القاعة الصفية أو المحاضرة انه يتقدم على أقرانه، يحب هو أن يكون دائماً أمام المشايخ، هو الذي يحمد، هو الذي يمدح، وهذا خطأ. لكن كيف أتعامل أنا كمدرس مع طالب علم ناشئ أشعر فيه هذا الخطأ؟ هل آخذه وأقول: أنت مرائي ومنافق، اذهب لا تصلح لهذا الطريق؟ لا خطأ.
والعلماء متفقون أن مثل هذا الطالب يتعامل معه باللين؛ يعني يوجه، لكن لا ينفر، يوجه ولكن لا ينفر؛ لأن كثيراً من العلماء العتاولة الكبار نصهم أنفسهم: «أننا طلبنا العلم لغير الله فأبى العلم إلا أن يكون لله». الحسن البصري رحمه الله تعالى عليه ماذا يقول؟ يقول: كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى الآخرة. أنت متخيل الحسن البصري إمام وسيد من أسياد التابعين يقول: كنا نطلب العلم للدنيا؛ يعني لما كنا في بداية طلب العلم والله كان لنا هوى في الدنيا.
نطلب حالنا، أقول لك: إني كنت مخلصاً لله تمام الإخلاص؟ مرتبة لا أدعيها، كان عندنا طلب للدنيا، بدنا جاه، بدنا رئاسة، بدنا أن ينتبه الناس إلينا. لكن مع الاستمرار في طلب العلم الجاد والحقيقي والعمل بالعلم، العلم أبى أن يستمر للدنيا وهو وجهنا إلى أن نقصد الله عز وجل به.
ففي بداية الطلب الطالب لسه ما أتقن العلم والعمل بالعلم، فيتصور أن يكون عنده شائبة حظ دنيوي، فأصبر عليه ولا أستعجل عليه ولا أأتهمه ولا أقنط، أنبه باللين، لكن مع الاستمرارية يجب أن يصل لمرحله أنه علمه هذا يقوده إلى الآخرة، وبدأ يفهم تلك النيات الفاسدة التي كانت عندي ابتداءً يجب أتخلص منها وأخلص النية لله.
حبيب بن أبي ثابت يقول رحمه الله تعالى: طلبنا هذا الامر -يعني العلم- وليس لنا فيه كبير نية، ثم جاءت النية بعد. يقول يعني: شرعنا في طلب العلم وما كانت لنا نية كبيرة لله عز وجل فيه، طلبنا هذا الامر وليس لنا فيه كبير نية؛ يعني ما كان الإخلاص كبير، قال: ثم جاءت النية بعد، جاء الإخلاص في مرحلة لاحقة.
أحمد بن حنبل إمام أهل السنة يُسأل: هل طلبت العلم لله؟ فإش قال؟ قال: أما لله فعزيز؛ يعني أن أقول إنه 100% لما بدات في طلب العلم كنت في تمام استحضار للإخلاص، عزيز صعب. قال: ولكنه شيء حبب إلي فطلبته؛ يعني أنا انسان هواية القراءة أو هواية الحديث، هواية تجميع الأسانيد، فلما ابتدات طلب العلم يعني ماشي، حاولت أخلص، لكن لا أزعم أنني كنت في تمام الإخلاص، كنت والله أنا عندي ثقافة، في بعض الناس إخواني هو بحب القراءة مش من أجل الله، لا، هو مثقف، إنسان ربنا وضع فيه جينات بحب بيقرا، فبقول لك: أنا مش أقول لك كنت مخلص، لكن حببتي الثقافة هذه أو هذا العلم فقراته.
فإذاً لا نستعجل على شبابنا المقبلين على العلم، نعم ننصحهم بتمام الإخلاص، لكن لو رايت أحد طلابك بدرت منه بادرة تشعر بانه يريد حظاً من الدنيا، اصبر عليها ولا تستعجل، فهو لن يكون أفضل من الحسن البصري؛ يعني لا تتوقع في طالبك أن يكون أفضل من الحسن البصري وأحمد وحبيب بن أبي ثابت.
وهؤلاء ذكرواها، قالوا: ما كانت كمال النية حاضرة ابتداءً، جاءت مع الوقت؛ لأن الطالب إخواني في بداية طلبه للعلم كثير من معاني الإيمان لا تكون ثارت فيه بعد، فأنت بدك تصبر عليه، تصبر عليه حتى تتمكن المعاني الإيمانية من قلبه، فيبدأ هو بنفسه عملية التنقيه والتصويب في سيره إلى الله سبحانه، أليس كذلك؟
فأيضاً هذا منحى اردت أن أنبه له، حتى برضه أنت لا تجلد نفسك أو تجلد طلابك، انه أنا والله عندي ها رغبة في الدنيا إذاً أنا منافق، أنا مرائي، خلاص لن أكمل في طلب العلم. لا، اصبر يا اخي، اصبر، حتى لو عندك دخل في النية، جاهد، واعلم أنه بإذن الله إذا أنت فعلا حزين على وجود عدم وجود الإخلاص، إذا أنت حزين ومهتم سياتيك الإخلاص ولو بعد حين بإذن الله، لكن لا تنقطع عن العلم، لا تنقطع.
أو جاءك شخص أحد أقرانك وأحياناً يصير حسد بين الأقران، فيقول لك: يا أخي أنت صديق منافق، مرائي، واضح أنك بتطلب العلم لغير الله، نصيحتي لك اترك طلب العلم. لا غلط، بصير أنت عندك حالة نفسية، اكتئاب، بتقول والله صديقي قال عني منافق، مرائي، خلاص إذا فعلاً أنا الظاهر أني فعلاً منافق، ما بدي أطلب العلم. لا، لا، ارفق بنفسك وبتحليتك، واعلم أن كثيراً من العلماء قالوا: النية تاتي مع الوقت إذا كنت صادقاً في البحث عنها.
الآن سانتقل للموضوع الرابع أو المحور الرابع في المفتاح الأول، وهي قضية: ما هو الاثر أو التغيير الذي ينبغي أن يحصل في حياته بعد طلبه للعلم؟ شيخ، ممكن هذا يكون أبرد قليلاً.
ايها الشباب، اتفق السلف والخلف على أن حال الإنسان بعد طلب العلم يجب أن يختلف عن حاله قبل طلب العلم. لا يصلح ابداً ابداً ابداً انه بعد ما تشرع في طلب العلم وتقطع فيه مشوار أن تبقى على نفس المستوى الفكري والعبادي والأخلاقى والسلوكي كما هو حالك قبل وبعد.
أنا قلت: قبل حالك بعد طلب العلم باختصار يجب أن يختلف على كافة الصعد عن حالك قبل طلب العلم، وبالتالي إذا شرعت في طلب العلم وتقطعت فيه مشواراً ودَهراً ووجدت أنك بدلاً من أنك عم تصعد في الجوانب عم تنزل، أو أنك ما زلت ثابت ما في أي تصاعد، فاعلم أن هناك مشكلة في تصوراتك الأولى عن العلم وفي طريقة تلقيك للعلم وفي طريقة تعاملك معه.
أعيد العبارة مرة أخرى: العلماء جميعاً متفقون على ماذا؟ أن العلم يجب أن يغير حياتك على كافة الاتجاهات، فإذا قطعت مشواراً في طلب العلم فوجدت أنه ما في أي تغير ملحوظ على حياتي، أو بالعكس أنا عم بحضر المجالس أكثر وأكثر وعم بنحدر مش عم بصعد، معناته في مشكلة عويصة جداً تدق ناقوس الخطر وعليك أن تعالجها في طريقة تلقيك للعلم أو تصورك له أو فهمك لأولويات المهم، في عندك مشكلة معينة يجب تراجع الطبيب.
والطبيب هنا هو العالم الرباني الذي تدرس على يديه وتقول له: أنا أطلب العلم منذ زمن، فأنا لست في تصاعد، أنا في تنازل. معناته في مشكلة واضحة وتحتاج مباشرة لعلاج، وإلا إذا تفاقمت سرطان يهلكك.
طيب السؤال يعني اختصاراً: ما هي التغيرات المتوقعة؟ ما هي التغيرات المتوقعة علي بعد شروعي في طلب العلم؟ أنا وضعت أيها الكرام أربع تغيرات: تغير فكري، وتغير عبادي، وتغير شخصي، وتغير إيش اجتماعي. ممكن نحرك الكاميرا باتجاه الشاشة؟ أشغل هذا المايك؟
بسم الله بسم الله بسم الله بسم الله.
طيب، إذاً أيها الكرام لما نتكلم، عندما نتكلم عن التغيرات في حياة طالب العلم، نتكلم أولاً عن تغير فكري، ثانياً هناك تغير عبادي، ثالثاً تغير شخصي، رابعاً عندي تغير اجتماعي. هذه أهم من كثير من المتون تحفظها وتدرسها: أن تفهم التغيرات؛ لانه إذا ما فهمتها معناته أنت لسه مش فاهم شو يعني طلب علم وبعيد بعيد عن منهج العلم.
أول شي إخواني التغير الفكري، ماذا أقصد بالتغير الفكري بعد طلب العلم؟ نظرتك لكثير من الأمور يجب أن تختلف عنها قبل طلب العلم. نظرتك للدنيا وتقييمك للأشياء والشهوات والملذات وكم تأخذ من حظ القلب وحظ الفكر والخاطر، يجب يختلف تماماً بعد شروعك في هذا الطريق.
أنت قبل طلب العلم ممكن تكون إنسان منهمك في الدنيا، متعلق بأي شيء من متاعها، ممكن واحد عنده هوس في السيارات، واحد عنده هوس في بناء قصور، واحد عنده هوس في أي شيء من متاعها، الدنيا تاخذ حظ كبير، فلان هوسه في الوجبات والطعام مدمن هو من الصباح للمساء همه: أين ساكلي؟ ساتغير؟ ساتشى؟ مدمن للسياحة، للرحلات، بغض النظر، كل واحد عنده اهتمامات تكون قبل طلب العلم.
بعد شروعك في طلب العلم اهتماماتك وأفكارك ونظرتك للدنيا يجب تختلف؛ يجب أن تصغر الدنيا كثيراً كثيراً في ذهنك وتصغر اللذات الحسية، وتعظم في عقلك اللذات الفكرية، ولا من وين ستاتي لذه العلم اللي حكينا عنها؟ لن تاتي لذه العلم إلا إذا استصغرت اللذات الحسية، انه يصبح الطعام تحصيل حاصل، والله وجدنا أكلنا، ما وجدنا مشى الحال. تصبح السيارات واللذائذ والتوسع المالي والحرص على جمع المال شيئاً ثانوي في حياتك.
أما وأنت تشرع في طلب العلم وتخطو خطواتك فيه يزداد تعلقك بالدنيا واهتمامك بها وتحتل من فكرك وخاطرك منزلة أكبر وأكبر، معناها في دخن، معناته أنت لم تفهم العلم بعد. العلم وظيفته أن يعدل نظرتك للأمور وللأشياء، يعدل موازينك.
الآن العامي، الإنسان العامي البسيط قد أتققبل منه وأتفهم حرصه على الدنيا، صح؟ قد تتقبل شغفه بأمور أنت كطالب علم تراها تافهة، لكن العامة ما عنده الموازين والمعايير اللي عندك، فقد يعفى عنه. أما طالب علم قطع مشواراً وشوطاً وما زالت الدنيا عظيمة في قلبه، وما زالت الشهوات والملذات والمطاعم والمشارب عظيمة في قلبه، معناته العلم لم يمنحك الميزان، أنت مش عم تستفيد، مش عم تنتج، أنت ما زلت كما أنت، ذاك الإنسان المحب للدنيا المتعلق بها المتشبث بها.
فهذا أول تغيير يطرأ على حياتك، تغيير في نمط تفكيرك في الحياة الدنيا وشهواتها الحسية، وترتقي في هذا الأمر فلا تكون ذلك الإنسان الذي فقط همه شهوات العين والسمع والفرج والبطن، بل له هم أسمى وأعلى، ومن يقرا في قصص العلماء وفي سيرهم يعرف ماذا أقول؛ ذاك العالم الذي ينسى الطعام وينسى الشراب وينسى السوق ولا يعرف هذه الأمور؛ لأن شغله الشاغل أصبح تحقيق مسألة علمية أو النظر في مسألة فكرية.
سبحان الله، اليوم كنت أسمع الشيخ عبد الكريم الخضير -متعه الله بالصحة والعافية- يقول: أحد أصدقائي في ليلة الدخلة قال خرج مع إلى مع زوجته، دخل غرفة النوم، فتذكر آية ونسي تفسيرها، قال: فدخل إلى مكتبته يبحث عن تفسيرها والأشياء التي يريدها، قال: فأذن الفجر عليه وهو لا يشعر؛ يعني وهو في غرفة المكتبة.
طبعا هذا النمط أنا ما أريدك تصل إليه تماماً؛ لأن لزوجك عليك حقاً، أن لزوجك عليك حقاً، لكن أنا أعطيك ماذا أقصد التغيير الفكري، انه هذا الإنسان بالتأكيد حجم نظرته للشهوات الحسية أصبح دون ونظرته للأمور العلمية. فأنت تخيل إنسان في يوم عرسه هذا همه انه في آية فيها لها تفاسير لازم أجمعها أو خطر في دينه شيء فيها لابد يحققه فنسيها في ليلة الدخلة!
فهذا يعني بس فقط مؤشر أو قصة سريعة، لكن أقول: ليس هذا مطلوباً، بالعكس، أن لزوجك عليك حقاً.
ناتي إلى التغير العبادي، تغير العبادة أيها الكرام، ماذا أقصد به؟ أنه، وهذه مهم جداً وخطيرة يا شباب، انه بعد طلبك للعلم نحن جميعاً محتاجين ننظر في هذا الموضوع، أسلوب تعبدك ونمط تعبدك وعلاقتك بالله سبحانه وتعالى يجب يختلف.
تماماً، موضوع حرصك على القرآن وخشوعك مع القرآن، موضوع خشوعك في الصلاة، موضوع امتثال لأوامر الله، موضوع النوافل والسنن الرواتب وحرصك عليها، يعني تخيل طالب علم يطلب العلم أربع خمس سنوات لا يحافظ على السنن الرواتب، يعني ايش بتعمل في طلبك للعلم؟ سامحني، تضحك على نفسك جالس. أنا مش عم بقول لك قيام ليل، أنا بقول لك السنن الرواتب والوتر. طالب علم ثلاث أربع سنوات يطلب العلم، ما زal لا يحافظ على السنن الرواتب، هذه كارثة، كارثة بمعنى الكارثة، لأنه هو يعني ربما إنسان عامي بقول لك العامي لا أحكمه، أما طالب علم، أنت طالب علم تريد أن تحمي الشريعة وتحمل لواء هذا الدين، إذا سنن الرواتب والوتر أنت مش محافظ عليها، ماذا بقي من حياتك؟ لسه أنا بديش أتكلم عن قيام الليل ونتكلم عن الأوراد والأذكار ووو، لكن بدي أتكلم عن الأساس المتوقع في أي طالب علم.
هذا في جانب الأوامر، أيضاً نمطك في جانب المعاصي والذنوب، في جانب المنهيات. أنا شرعت في طلب العلم سنة سنتين ثلاث، والله قبل ما أشرع في طلب العلم كان عندي معاصي ذنوب خطايا إطلاق نظر أفلام كذا، طب شرعت في طلب العلم، ايش المتوقع؟ المتوقع بعد سنة سنتين ثلاث أنه يكون في تصاعد، أنه في، أنا ما رح أقول إننا لن نعصي، كلنا نعصي، أليس كذلك؟ لكن ما أتوقعه نزول في منسوب المعصية، نزول في حجم المعصية في حياتك، فتصبح المعاصي فلتات، يعني فلتت فلتة، كلمة فلتة، لكن ليس إدمان على نظر محرم أو سماع أغاني وموسيقى أو علاقات محرمة أو ما شابه ذلك. كلنا بضعف إخواني، أنا برجع بقول لأن أنا أولكم، كلنا أصحاب معاصي وذنوب، لكن أنا ما أتوقعه من نفسي ومن إخواني أنه بعد ما نشرع في طلب العلم ونبدأ بتفاصيل هذه الحكاية، أنه ماذا يكون؟ في تصاعد في المستوى الإيماني من حيث تقليل منسوب المعصية في حياتي.
أما طالب علم أربع سنوات يدرس في كلية الشريعة، أو طالبة علم بعد ما تخرجت من كلية الشريعة بتخلع جلبابها، حقيقة هذا بالنسبة لي مؤشر خطير جداً، أو مثلاً مدة أربع سنوات هي في كلية الشريعة اختارت لبس النقاب، بغض النظر تعتقدوه واجب مستحب مش موضوعي مسألة خلافية، لكن اختارته، والله بعد ما تخرجت واصبحت تعمل وظيفة خلص خليني أخلعه مليت! إذا في مشكلة، الأصل أنه منسوب الإيماني والعبادي هو في إيه تصاعد، فإذا أنا بعد ما تخرجت من كلية الشريعة بدأت المحرمات تأتي، معناه أنا عكس الدنيا، يعني الأصل بعد ما أتخرج من كلية الشريعة أزداد إخباتاً وخشوعاً وإقبالاً واهتماماً، إحجاماً عن المعاصي، مش أزداد نظراً إلى النساء ونظراً في المحرمات وفتحاً للعين على المسلسلات. فإذا أنت ماشي في طلب العلم وشاعر أنك في نازل وازياد في منسوب المعصية بدلاً من التصاعد، عليك أن تدق ناقوس الخطر، معناه العلم مش عم بأثر، يعني معناه لا، أنا الآن سامحني، أنا مش محتاج الآجرومية أحطها على جنب، أنا مش محتاج الآن للفقه الحنبلي أو الشافعي بحطه على جنب، أنا محتاج أرجع لأساسيات هذا الطريق، أن أنا وين رايح بحالي؟ هذا علم إلهي شريف، ووضعه الطبيعي أنه يزيد الإنسان طاعة، أنا مش ماشي على هذا الوضع الطبيعي، أنا عم بنزل، إذاً في مشكلة، فبدي أرجع للخطوات الأولى.
ليش بقول لك التأسيس العلمي أهم أحياناً من بعض المتون؟ لأنه بعض الطلاب غارق في أوحال معاصي وذنوب ومعتبر نفسه طالب علم ومعتبر نفسه أنه أنا متقن للمذهب وممكن بدرس ويعلم الناس وكذا، وهو غارق ومكبل. طبعا برجع بقول طب شيخ مش ممكن تجيني لحظات ضعف وفعلا ينزل مستواي؟ بقول لك نعم، طبعا أنا وإياكم بهذا المنوال، أنه أنا لا أفترض التصاعد التصاعد الدائم اللي ما فيش فيه يعني نكبة هيك، يعني كلنا يصاب، بعض الصحابه نزل في بعض الأحيان ثم صعد، أليس كذلك؟ فانا برجع بقول يعني طب أنا شيخ شارع في طلب العلم لكن وقعت شهر هيك في أوحال معصية وبعدين الحمد لله تخلصت منها، ممتاز، ما دمت تسعى للتخلص وتدق ناقوس الخطر سريعاً، فأنت إن شاء الله فيك حياة ومنتبه، لكن أنا مشكلتي في المهور اللي نازل ومش منتبه أنه نازل، هذا الخايف عليه.
كلنا بتجينا نكبات وتجينا لحظات ضعف، والنسان قد تفلت العين أو يقول اللسان شيء أو أو أو، نحن بشر إخواني، لا أتصور العصمة فينا، لكن إذا أصابتك نكبة فارجو ألا تطول، إذا شعرت أنه في مرحلة من سنوات عمرك أنزلت، اصعد بسرعة، امسك أحبال النجاة، أما أنك تكون يعني نازل نزول حاد وأنت غير منتبه لما حولك وما الذي يحدث، وتظن أنك تحسن صنعاً وأنك ما زلت طالب علم وأنه عادي يعني أنه أنا نازل، لا مشكلة هنا. فهمت؟ إذا طلب العلم لازم يؤثر على مستواك العبادي في جانب الأوامر وفي جانب النواهي، في جانب الأوامر تزداد ماذا طاعة؟ يزداد خشوعك، يزداد إخباتك، يزداد ذكرك، أعمال القلوب تصبح أقوى وأقوى مع الوقت، إيمانيات ترتفع، ولا هكذا العالي. وبالنسبة لجانب المنهيات بتخف منسوب المعاصي والذنوب في حياتك قدر المستطاع، ولا تكون المعصية إلا فلتة، وأما أن يكون إدمان وحالة مستمرة أنك بتعصي، معناه في مؤشر خطير في حياتك.
نيجي أيضاً على التغير الشخصي، ماذا أقصد بالتغير الشخصي؟ شخصيتك لما بعد أن تطلب العلم يجب أن تختلف عن شخصيتك قبل طلب العلم، فحجم مزاحك وضحكك ومشيتك وهيئتك ولباسك وأنماط حياتك الشخصية لازم يختلف، يعني ما بضبط بعد طلب العلم أنت نفسك نفسك قبل طلب العلم من حيث المظهر الهيئة اسلوب الكلام اسلوب الضحك.
السلف رضوان الله تعالى عليهم كانوا يدركون هذا الأمر، فيعرفون أن العلم، كما قال الحسن البصري: كان الرجل إذا شرع في طلب العلم لا يلبث إلا أن يرى أثر ذلك في هديه وسمته وبصره ولسانه وبره. شوف شو بقول الحسن البصري: كان الرجل إذا شرع في طلب العلم لا يلبث، يعني سنة سنتين، تبدا التغيرات تظهر في ايه سمته هيئة العامة لباسه شكله هديه أسلوبه في العشرة والكلام مع الناس وبصره لسانه بره تعاملاته عموما الشخصية نظافتك الشخصية.
إخوان أنا حقيقة أحياناً في بعض المجالس يصب شيء من الاحباط من بعض طلاب العلم الذين يحضرون. طالب علم يحضر يشرب كاس فنجان قهوة وكذا ويدع ليا ويخرج، طب استنى شوي، أنت طالب علم اخي، يعني بالتاكيد هذا الكاس الذي أنت شربته أنت المسؤول أنك تذهب به إلى سلة المهملات. وإذا العلم ما علمك النظافة الشخصية معناتها مشكلة! طالب علم يأتي وأظافره طويلة كمخالب النمر، طب وين الاهتمام بالنظافة الشخصية؟ سامحوني، بعض الزوايا أحياناً أحتاج أن أضع النقاط عليها، لكن مهمة؛ لأنه أنت أحياناً ممكن تقول هي ما لها علاقة بالعلم، لا هي من صلب العلم أن تتغير في شخصيتك أنواع لباسك.
طالب علم يأتي يلبس سامحوني لباس أندية من الأندية الأوروبية حاط لي وراء ميسي ولا ما ما بزبط! هسه عامة ها بدي اعمل حالي ما شفت، أما طالب علم ياتيني بلباس فريق من أفرقة الصليبيين ولا الغرب وياتي لمجلس علم والله هذه لا تصلح، معناه أنت العلم لسه مش ماثر على نمطك وشخصيتك. أنت طالب علم يختلف لباسك، حتى لباسك يختلف، وما قد يسامح به العامة أنا لا أسامح به طالب العلم، أنت شام بين الناس، لباسك بدو يتغير، شعرك بدو يتغير، نظافتك الشخصية بدها تتغير، اهتمامك بتفاصيل حياة منزلية طال حتى امام أهلك وأسرتك.
طالب علم يخلع الثياب يضعها في أقرب الأماكن المناسبة لها يهتم بهذه الأمور، أما مش تاتي أم تتكلم والله يا شيخ ابني بيطلب العلم عندكم وهو يرمي اللباس في أي مكان في الغرفة! معناه في مشكلة لسه يعني هو مش قادر يضبط نفسه حتى في أخلاق ومستوى حياته الشخصية، فهذا عليك أن تنتبه له، لا تقول أنا طالب علم معناتها ليس مشكلة النظافة ولا المظهر ولا اللباس ولا الضحك.
حتى موضوع الضحك، يعني كما قال الأوزاعي: كنا في بداية أمرنا نضحك، فلما صرنا إلى ما صرنا إليه امتنعنا، امتنعنا مش يعني عن الضحك يعني نضحك، يقصد كنا نضحك أريحية. أحياناً بعض الشباب ضحكته قوية عنيفة قد يعني يسمعها من في آخر المجلس إلى أول المجلس، الآن بعد ما تطلب العلم وتعرف كيف كان ضحك النبي صلى الله عليه وسلم تبسماً، تحرص أنه بدي شوي أضبط نفسي، ما بينفع صوتي في الضحك يملا أرجاء المكان، هذا قبل طلب العلم عامة كنت بيمشي الحال، أما بعد طلبي للعلم والناس تنظر إلي، هذا يعني هذا الموضوع بحد ذاته هي قضية مهمة أريد أن أشير إليها.
قضية نظر الناس إليك، الناس مباشرة بعد أن تعرف أنك طالب علم نظرتها لك تختلف ما لو كنت عامي، صح؟ وهذا تجدونه في المجتمع، إذا أنت كنت عامي الناس تسامحك في كل سلوكياتك، لكن إذا كنت طالب علم ايش يقولوا؟ انظروا هذا بحضر عند المشايخ، انظروا إلى نظافته الشخصية، انظروا إلى لباسه، انظروا إلى هيئته، انظروا إلى طريقة كلامه مع الناس، انظروا إلى أسلوبه وطريقة حواره، عصبي سيء الحديث، رائحته دائما كريهة لا يحرص على العطر والطيب، أظافره طويلة لا يهتم بنظافته. فسامحني يا طالب العلم أنت أصبحت محل نظر ومحط الأنظار، فلا بد تغير هذا النمط في حياتك، كل أنماطك الشخصية تجاهد على تغييرها أولاً من أجل الله، ومن أجل الله أنك تحمي سمعة العلم، تحمي سمعة العلم من أن تكون سبب في أن يقلل من شأن طلاب العلم في نظافتهم وشكلهم وهيئتهم.
حتى لحيتك أخي الكريم هذبها، أصل ولا تقل لي والله أن اللحية لا المسها حتى ولو كانت شعثاء غبراء! هذا ما هو صحيح. قضية إطلاق اللحية وإعفائها شيء وقضية تهذيب اللحية وأن تكون بمظهر حسن هذا من مقاصد الإسلام الجمال، فقضية أنه أنا أطلق اللحية ولا أهذب بشكل من الاشكال أنا شخصيا أعتقد أن هذا مشكلة، وبعض الناس ينسب هذا إلى نهج النبي صلى الله عليه وسلم ولا أرى هذا صوابا. النبي عليه الصلاة والسلام كان من أشد الناس اهتماماً بسمته وهديه ولحيته وشكله، فنعم قال: وفروا اللحى وأرخوا اللحى، لكن لم يقل بعثروا اللحى، لم يقل أنت أنك والله أنا طالب علم وملتزم ما حدا يتكلم عن أسلوب لحيتي وأي شكلها، ما حداه عن لا لا هذا ما هو صحيح، أنت بتكابر في الزوايا الخطأ.
الشكل والمظهر والهندام مطلوب مع المحافظة على السنة والتمسك بها، فهذه كلها أمور أريدكم أن تفهموا أنها من صلب العلم ومن صلب الشخصية العلمية ولها أثر بشكل من الأشكال في استدامة مسيرتك العلمية.
أخيراً التغير الاجتماعي الذي يجب يطرا عليك، وهذا التغير مساحاته كبيرة ولست في صدد التفصيل الواسع حتى لا أثقلكم، لكن ما أريد أن أقوله وهو أن هناك في علاقاتك الاجتماعية بعد طلبك للعلم ستختلف عن نمطها قبل طلبك للعلم. ماذا أعني بهذا الكلام؟
اولاً حجم اختلاطك بالناس، الآن أنت قبل أن تكون طالب علم أنت ربما ما حدا سائلك ماذا تفعل في حياتك، تذهب تجلس ساعات مع الزملاء على سفح جبل أو في سياحة معهم أو هكذا في كلام عام في مجالس لم تكن مهتما بوقتك، اما ما أفهمنه أنك بعد أن اردت أن تطلب العلم معناه أنت تريد المحافظة على الوقت، أليس كذلك؟ يعني أنت تريد تطلب العلم معناه أنا شيخ خلص بدي أصير إنسان منتظم أنتبه على وقتي وحياتي، فبقول لك إذا بدك تنتبه على خلطتك بالناس؛ لأن أكثر ما يسرق الأعمار الخلطة، أكثر ما يسرق أعمار حياتك ماذا؟ الخلطة.
والمشكلة العويصة اليوم هي رح ناتي إليها إن شاء الله لما نتكلم عن عوائق طالب العلم، أنه الخلطة اليوم أصبح لها أشكال متطورة، هناك الخلطة الإلكترونية، يعني إحنا زمان كانت خلطة مجالس، اليوم عدونا طور لنا الخلطة، فأصبح عنا خلطة على مجموعات التليجرام وخلطة على الفيسبوك وهذا بعلق وانا بعلق وهذا رد وانا كذا وهذا ببعث ابتسامة وهذا بحط لايك وهذا كل شوي بدخل بشوف الشباب دخلت عملت له لايك ولا لا وهذا بده يشوف الشباب دخلت وعلقت طيب وهذا بيمسح وهذا بده يشوف المشايخ الفلاني شو ردوا عليه، هذه خلطة وهذه مدمرة، هذه مدمرة لحياتك العلمية تماماً.
فبدك تنتبه يا رعاك الله، لا يجوز بعد أن تصبح طالب علم أن تحافظ على خلطتك، وأنا سأقول لكم يعني إن شاء الله في موضوع السوشيال ميديا الأصل في طالب العلم يقطعها تماماً، هذا الأصل وهذا ما أتصوره أنه ما في لا للفيسبوك ولا للانستغرام ولا للتيك توك، هذا طبعا إذا سلم لك دينك، يعني أنا بدي أفرض أن في شي حرام عم بتشوفه وما بتطلع لك ها الأغام في الطريق بس أنت بتشوف أشياء مباحة أو بتشوف كلام أصحابك، بس لو هذا مدمر لحياتك فما بالك بالألغام الموجودة في الطريق وأنتم تعرفونها جيداً.
فالخلطة اليوم أصبحت مفهوم واسع ومتطور وبدك تتبع عليه، يجب أن تقلل الخلطة مع الناس قدر المستطاع، وتكون خلطتك في مجالس العلم، حاضر مجالس العلم، أذاكر مع زملاء الدروس والله أحفظ وأسمع لهم، أما الخلطة الفارغة فقط في مجالس ومقاهي ومطاعم وسياحة وشرب وذهاب وعودة هذا الذي لن يجعلك طالب علم، وهذا سبب من أسباب أنه أنت ممكن تدعي أنك أربع خمس سنوات طالب علم بس ما في إنتاج يا شيخ، لا أشعر بثمرة.
علم، متأكد أنت لا تشعر بثمره العلم؛ لأنك بعد طلبك للعلم كحالك قبل طلب العلم، بدك تضلّك على نفس المنوال، نفس المجالس، نفس الفراغ، نفس الضياع، نفس السوشيال ميديا، ست سبع ساعات على الفيسبوك والتويتر والانستغرام وهذه الأمور. إذا بالتأكيد أنت لست طالب علم بعد، أنت لست طالب علم بعد. طالب العلم من أساسيات طلب العلم أن يقلل الخلطة.
طبعاً تقليل الخلطة دائماً بعض الناس لازم يعني ترجعوا خطوة، لا يعني عدم بر الوالدين، عدم صلة الأرحام، عدم وجود مثلاً ساعات من الاستجمام مع الإخوة، هذا أنتم تفهمونه، أنا لا أنبه على هذه الاستثناءات؛ لأنه هي أصلًا أصبحت الأصول، أنا أنبه على الأصل؛ لأنه هو الذي ضاع. الذي ضاع أنه الخلطة مع الناس فرع؛ لأنه طلب العلم إخواني يحتاج إلى جهد، جهد من حيث التلخيص، من حيث القراءة، من حيث الحفظ والتكرار. اليوم نتكلم نحن عن مهارة الحفظ، ما هي مشوار من التكرار والمراجعة وحالة الاستحضار، فمتى سأنهي؟ متى متى سافوز بعلم من العلوم إذا أنا ما زلت بنفس الطريقة؟ أيضاً حمزة... التوفيق.
الناس... آه، ما هو هذه قضية الجلسة مع الأهل والأقارب يجب أن تصبح محدّدة المقدار. في البيت لو جلست مع الأهل ساعة إلى ساعتين يكفي، مش لازم ست سبع ساعات، جلسة إيش فعل فلان وسوى فلان وطلع ونزل، وأنت بدك تتفاهم مع أهلك في النهاية أنا شرعت في طلب العلم، بدي يكون بيني وبينكم تفاهمات، أنا لا أملك ذاك الوقت. ومع زوجتك إذا كنت متزوج، ما بينفع الزوجه تكون مهيمنة على حياتك، بمعنى لا أنا ما فيش، هذا وقتي من الساعة السادسة للساعة الثانية عشرة بدك تضلّك معها، ما بضبط. لذلك حاول تختار طالبة يعني اخت متفهمه لهذا الطريق؛ لأنه حقيقة بعض طلاب العلم سبب إعراضه عن طلب العلم زوجته، زوجته مطالبة، تريد دائماً طلعة وفرجة، مش متقبلة أن زوجها جالس في غرفة يقرأ لوحده، ما تتحركش فيه، لا وين رايح وتعال وكذا.
يعني قضية أن تجلس في بيتك في غرفة لوحدك صعبة نفسياً عليها، هي بدها تقعد معها وبدها تسولف وبدها تحكي، طيب أنت ما بدك تطلب العلم؟ إذا هذا النوع من الزوجات عندك فتنبه على النوعية، تنتبه على النوعية أنك تفهمها من الابتداء أنا طالب علم، بالتالي للزوجة حق وللعلم حق، وحق الزوجه يؤدى بالساعة والساعتين وليس بالعشر ساعات؛ لأنه بعض الأخوات الله يكرمهم مفكر حقها أنه عشر ساعات يقعد معها. طيب هذا ماذا سيبقى للعلم إذا عشر ساعات جالس وست ساعات نوم وأكل وشرب؟ ما بقي للعلم شيء. لذلك هم في العادة -خذوا مني عادة زوجات طلاب العلم الله يعينهم برضه يعني- من يقرأ في التاريخ يعرف المعاناة التي كانت يعانيها زوجات العلماء. زوجة ابن رجب الحنبلي رحمه الله عليه، هذه قصة زوجة ابن رجب الحنبلي، خرجت يوماً وقد جهزت نفسها، قالت ذهبت إلى حمام من الحمامات الشامية وجهزت نفسها ولبست أحسن الملابس ودخلت على البيت تريد تفاجئ ابن رجب أنني خلاص مستعدة اليوم لليلة رومانسية. فابن رجب قال: والله تذكرت المسألة أول ما شافها! قال أول ما شافها: والله تذكرت المسألة! كاتبة مسألة في ذهنه، قالت له: تعساً لك ولعلمك، أو عبارة مثل كذا يعني، أنا مجهز حالي ومضبط أموري وصار لي ساعتين ورايحة مصفط الشعر ومضبط الأمور، وأول ما تشوفني كل اللي حكيته تذكرت المسألة!
فهم زوجات الطلاب العلم والعلماء يعانون حقيقة يعني وأنا أعرف أن هذا معاناة معاناة وتحتاج إلى صبر واحتساب. لذلك مش أي زوجة تصلح لطالب علم حقيقي، أرجع بقول طالب علم حقيقي مش طالب علم ضحك على حاله، طالب علم حقيقي مش أي زوجة تصلح له؛ لأنها ستحتسب عند الله، ستحتسب عند الله كثير من الأوقات. فإذا هي غير صبورة وما عندها قدرة على الاحتساب وهي تحب الفروجات والطلعات، فأنا بنصح الاخت اللي هذا نمطها أنه لا تاخذي طالب علم، خذي إنسان متدين محافظ، لكن لا تاخذي طالب علم جاد؛ ليه؟ لأنك أنت رح تعبيه وهو رح يتعبك.
فأحياناً أيضاً؛ لأنه بعض الأخوات حالياً مات بدّي آخذ طالب علم وإنسان واقف معه وأسدد في رحلة الحياة وأكون الذي أسند ظهره، أول ما تتزوج بعد شهر شهرين: وينك يا فلان؟ رايح على مجلس علم؟ لا، ما اتفقنا! طيب وين... مش أنت اخذتيني عشان تسندي ظهري ونعيش مع بعض رحلة العلم وتكوني... هسا هذا كحلم جميل، لكن لما يبدا الواقع وتبدا تشعر هي بالمراره بتقول: لا والله، طلع الموضوع أصعب من قدراتي. فالاخت والأخ كلاهما بدّه يكون متوازن في قرار الزواج، خذ امرأة تناسبك وتناسبها، وليست القضية قضية مجرد عواطف هكذا وأحلام أني بدّي والله طالبة علم. لا تأخذ طالبة علم، وإن أن تأخذك، خذ امرأة تناسب عقلها عقلك وتفهم طبيعة هذا الطريق، امرأة صبورة. وأنت اختي الكريمة عليك أن تعرفي احتياجاتك النفسية، إذا أنت امرأة مطلاّ أو ما عندك قدرة تجلسي وحدك وتملئي أوقات فراغك، سيتعبك هذا الشخص وأنت ستتعبيه، وسيؤول إلى طلاق. وأنا أعرف بعض القضايا يعني مشاكل زوجية كبيرة سببها انشغال الزوج الدائم بالععلم، مشاكل زوجية وتطلب الطلاق بسبب ذلك.
وبالتالي هون على نفسك وهون عليه أيضاً في الأمور الاجتماعية، ما يتعلق بقضية إذا أول شيء قلنا قلة الاختلاط وضبطه، خلينا نقول أيضاً قضية سعة الصدر. عندما تصبح طالب علم، بدك توسع صدرك على الناس؛ لأن الناس ستتعب إما في الأسئلة أو في العلاقات أو في الإلحاح عليك ببعض الأمور وستجد مخالفين وخصوم ومنازعات، والساحة العلمية كبيرة. طالب العلم يجب أن لا يكون عصبياً غضوباً، عليه أن يعالج هذه الصفة الشخصية فيه ويوسع صدره، يوسع صدره أولاً؛ لأن الناس ستلح عليه كثيراً أسئلة، فتاوى، طلبات، يعني تدخل حتى في خصوصياتك، بدك توسع صدرك شوي. وكذلك مخالفين، ما في إنسان ليس له مخالفين، اليس كذلك؟ من طوائف أخرى وجماعات، ليس كل شخص انتقدك بدك تعمل حرب من أجل أن تنصر نفسك، لا، بدك تهدّئ وتضبط أعصابك وتفهم أن هذا الطريق بدّه ضبط أعصاب وتفهم وسعة صدر.
وأعذر إخواني المخالفين الذين في الساحة الإسلامية، ساحة واسعة وفيها أنظار وأفكار، أنت لست وحدك في الساحة، هناك عقول وأفكار منها الضار، منها المهتدي، فأنت بدك تكون أيضاً أكثر استيعاباً للخلافات، وهذا كمال الشخصية في النبي صلى الله عليه وسلم أنه استطاع يستوعب مجتمعات كانت يعني مليئة بالتناقضات والاشكالات الفكرية والأذى، ومع ذلك يأخذهم بالحلم، ويأتي الأعرابي يأخذ بثوبه صلى الله عليه وسلم ويقول لأصحابه: دعوكم، خلص مش مشكلة، ويرحم هذا ويتلطف بهذا، ويعطي المؤلفة قلوبهم. ترى هذا مش سهل إخواني، هذا ليس سهل.
بعض الطلاب بس يجد مخالف له في المسيلة يصبح المخالف المبتدع الفاسق، يعني هذه يعني أخف الألفاظ إذا ما زندقي، فانتبه الله يكرمك، ترى هذا علم إلهي وليست قضية شخصية. فإذا اردت تريد تحمل لواء هذا العلم وتحيي الإسلام، يجب في أنماطه الاجتماعية توسع صدرك وتعذر الناس وتوسع أفقك وتكون هادئ، صبور، متانٍ، تعرف والله هذه الكلمه إذا تكلمت بها الآن ممكن تسبب فتنة في المجتمع، بس اسكت، ليس كل كلمة يجب تتكلم بها. والله هذه المسألة إثارتها يكون متأخراً، واحنا اليوم من أكبر مشاكلنا الشخصية أنا في طلب العلم أنه هو ما يعذر غيره ولا يتسع أفقك ولا يجد مساحات للرؤية مع الآخرين، بالتالي دائماً عصبي متشنج، عند أول نقرة بس تخالف شيخه أو أستاذه يطحن طحناً، ينسى كل خيرك، لا يذكرك بشيء ويبقى يذكرك أمام الناس بسوء. معاناتها أنت لا تصلح لطلب العلم بهذه النفسية، هذه ليست نفسية طالب علم، طالب العلم هادئ متزن يستوعب الناس. طبعاً بتيجي فلتات، أنا ما بقول لك ما بتجينا فلتات، ممكن تعصب على إنسان أرهقك، أغضبك، سبب بأذاك.
نوعية الصحبه بعد طلبك للعلم بدك تغير أصحابك إذا لم يكونوا من أهل هذا الطريق. إذا أنت بدك تختار طلب العلم، أنت ما كنت طالب علم والآن خلاص أنا اريد أن أسلك هذا الدرب وأتحمل ما فيه، حقيقة إذا لم تكن هناك صحبة توافقك على مرادك ما رح تضبط الأمور. صحبتك التي هم بس شغل طشات وكشتات ورحلات وشباب وكذا، هذا رح يتعبك نفسياً؛ لأنه إذا أنت تطلب العلم وهو شغال يوسوس لك على التليفون: وينك يا فلان؟ والله أنا عندي في مجلس مع الشيخ، طيب خلص تعطلوا بعدين، اليوم في عنا جمعه عند أخونا فلان وعاملين سمك مشوي هكذا والأمور طيبة. طيب اليوم الثاني: وينك يا فلان؟ والله الشباب نازلة على البحر على العقبة والطب... إذا هذا، إذا هؤلاء لن يعينوك على الخير الذي أنت فيه، فانت محتاج أن تغير نمط الصحبه.
طبعاً تبقى الصحبه السابقة لها الوفاء وفي زيارات عامة، لا يعني إلغاؤها تماماً، لكن أقصده لا يصلح أن يبقوا هم العشرة العشرة، تحتاج مع طالب يأتي معك إلى مجلس العلم تذاكر، والله الشيخ قال في المسألة هذه ايش وكذا، وأنت ذاكرني وأنا بذاكر، طب والله في عنا محفوظ، ايش رايك نسمع أنا وياك؟ هذه بتساعدك وتحفز على طلب العلم. أما إنسان بطال، أحذر أن يكون رفيقك في هذه الرحلة، لا يوجد عالم كان مصاحباً للبطالين، كل العلماء الذين برزوا رفقتهم كانوا من طلبة العلم. ممكن أنت تبرز صحبك ما يبرز، بس مش مشكلة، أنا وياك تواخيا في هذا الطريق وتخينا، حتى أنت برزت وأنا الحمد لله يعني كنت محباً. أما إنسان لا يحب العلم وليس له فيه رغبة، فلا تجعله صديقاً خليلاً، وإنما يكون من أحبابنا المسلمين الذين بيننا وبينهم الود والأخوة عامة.
فهذه أربع أنماط في الشخصية بدها تتغير: نمط التفكير، العبادة الشخصية، النمط الاجتماعي. إذا أنت مش ناوي تغير هذه الأمور الأربعة أو تتحسن فيها، أنا بنصحك أنه لا تتروى قبل ما تقرر تطلب العلم، هذه نصيحتي لك، إذا أنت لست ناوياً أن تتغير في الناحية الفكرية والعبادية والشخصية والاجتماعية، أنصحك أن تتروى حتى لا يكون طلبك للعلم حجة عليك يوم القيامة ومصيبة عليك؛ لأن العلم إما حجة لك أو حجة عليك، فأنت لا تستكثر من حجج الله عليك إذا لم تكن ناوياً لعمليات الإصلاح التي ذكرناها.
نعم، طيب بقي دقيقتان، أنا كنت اليوم ناوي أشرع في المفتاح الثاني، لكن واضح أن المفاتيح تكسرت عليّ. طيب في هناك فكرة يعني ساذكرها عن ابن الجوزي في صيد الخاطر. ابن الجوزي في صيد الخاطر يتكلم كيف أثر العلم حتى على مستوى أفراسك -شباب- في صفحة 247 يا ربه. النص مهم حتى تنظر كيف العلماء كانوا في طلبهم للعلم يستفيدون من العلم في تغيير أنماط تفكيرهم واهتماماتهم الحياتية.
يقول ابن الجوزي: وأثمر ذلك عندي، أي أثمر طلب العلم: وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يُدرك بالعلم، يعني العلم أثر في حياتي في أشياء كثيرة أنا لا استطيع أن أحصرها لك أو أخبرك بها، لكن أنا شاعر بها. مثل قال: حتى إنني أذكر في زمان الصبوة ووقت الغلمة والعزبة -قال لما كنت شاب عزب والشهوات والتذكير في النساء والزواج كله في دماغي، الخطرات التي تعرفونها- يقول: حتى إنني أذكر في زمان الصبوة لما كنت شاب قبل ما أزوج ووقت الغلمة -الغلمة يعني اشتداد الشهوة- والعزبة، قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، يعني أنا طموحي للزواج والشهوات كما أن الإنسان العطش يطمح إلى ماء صافٍ يشربه، شاب مثله مثل أي شاب فينا يفكر في هذه القضايا وله خواطر تعلق بهذا الجانب.
كيف ساعده العلم على تقليل تأثير هذه الخواطر عليه؟ فقال: ولم يمنعني عنها -أي لم يمنعني عن المخاطرة في هذه الشهوات والنزوات- إلا ما أثمر عندي العلم من خوف الله. إذا العلم ايش أفاده؟ يعني مش ضروري يكون ابن الجوزي إنسان معروف في السوشيال ميديا، مش يكون مش ضروري يكون ابن الجوزي إنسان له مصنفات وجمهور وهناك من يقبل رأسه، يكفي لو استفاد من طلب العلم أنه ثبّته وصانه عن مقارفة الزنا والعلاقات المحرمة، لكفى بذلك شرفاً للعلم، حمى فيقول: إلا ما أثمر عندي العلم من خوف الله، ولولا خطايا لا يخلو منها البشر لقد كنت أخاف على نفسي من العجب، يعني أنا وصلت مرحلة من العصمة عجيبة جداً! يعني كيف العلم عصمني من الشهوات لدرجة أني بدأت أشعر بالعجب من نفسي أنه ما شاء الله، كيف العلم خلاني لا أفكر كما يفكر أقراني، بس هم الواحد فيهم نساء نساء نساء نساء. لا، ارتقى تفكيره، زي ما حكينا تغير التفكير، صرت أنظر للأمور بشكل آخر.
فيقول: اللهم لولا هذه بعض المعاصي والفلتات التي طلعت مني ولا لصرت أرى نفسي أعظم أهل زماني، وهذا من إنصافي أنه هو مش بيقول لك أنا العلم صمني فأصبحت معصوماً، يقول: ولولا خطايا لا يخلو منها البشر -يعني كان في فلتة عين، كان في كلمة غلط، كان في تفكير خاطئ، بشر مثلنا مثله- قال: لولا وجود هذه لظننت نفسي معصوماً ولنالني من العجب ما نالني، لكني بضلني أتذكر هذه النتف والمعاصي الصغيرة فبقول: فش داعي أنك تعجب بنفسك، ففي النهاية صدر منك ولو شيء يسير.
طيب قال: ولولا خطايا لا يخلو منها البشر لقد كنت أخاف على نفسي من العجب، غير أنه سبحانه وتعالى صانني وعلمني وأطلعني من أسرار العلم على معرفته وإيثار الخلوة به سبحانه، حتى إنه لو حضر معي معروف الكرخي وبشر الحافي لرأيتُهما.
زحمة! ايش يعني؟ طبعا بتعرف معروف الكرخي وبشر الحافي أئمة الزهد من التابعين أو تابع التابعين. فيقول: أنا وصلت لمرحلة وأنا شاب مش متزوج وعادي عندي ما يشعر به الشباب. اعلم كيف رقى فكره وخاطره حتى أصبح أنسي أن أخلو مع الله في طلب العلم. يقول: حتى لو جاء معروف الكرخي بحاله وبشر الحافي بنفسه لشفتم، زحمة زحمة يعني مش وقتكم. قول في زحمة: إنه مش وقتك. يعني كيف أنت اليوم بتيجي تحكي والله ولغت من درر العلم والاهتمام به والشغف، إنه لو اجا ابن تيمية بحاله قاعد معي راح أقول له بالله يا شيخ ما وقتك! معقول يا عم بتحكي؟ بقول لك هذا هكذا أصبح شغفي بالعلم، بشوف ابن تيمية وابن القيم زحمة علي، يعني هذا معنى معروف الكرخي والفكر.
شوف، أنا بدي تفهم نظرة العلماء للعلم، إنه العلم سلوك ومنهج. العلم تغيرات إخواني، العلم تغيرات. وأنا هذه الأربعة بدي إياك تفكر فيها كثير كثير قبل ما تفكر تشرع في طلب العلم. أنا أردت الآن أن أطلب العلم، ماذا سيتغير في هذه الزوايا الأربعة؟ واعمل لنفسك جدول وراقب، فيه لازم مراقبة، إذا ما في تغيرات في هذه الجوانب مباشرة بدك تراجع الطبيب، بدك تراجع الشيخ.
وهكذا حال طلاب العلم قديماً، كان أحدهم إذا شعر بمشكلة من المشاكل العلمية في القلبية مباشرة يلجوء إلى شيخه: والله شعرت بكذا أو أشعر أنه في عندي نقص في هذا الجانب، ايش تقترح علينا وكذا؟ وجزاكم الله خيراً. فهذه أمور مهمة إخواني، وهي أعطيتكم نموذج كيف كان العلماء يستفيدون من العلم مش فقط معلومات يباهون بها، بل صيانة للنفس وحماية لها وترقي في مدارج العلاقات مع الله سبحانه وتعالى.
طيب، سأختصر اليوم على هذا القدر، أنا كان عندي هدف أن أشرع في الموضوع الثاني، لكن حقيقة الموضوع الثاني خطير، قضية العلم الشرعي في واقعنا المعاصر خطير جداً وحساس، وسيكون فيه كلام حساس أيضاً وكبير، فبدي أتركه للوقت الكبير إن شاء الله إذا في العمر لنا بقية في الدرس القادم يوم الأحد إن شاء الله. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. نصلي العصر ثم نعود للجلسة الثانية. غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل