أهلاً وسهلاً ومرحباً، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا ولكم في هذا اللقاء، وأن يجعله طيباً نافعاً. وهو لقاء متعلق بالعلوم الإسلامية والعلوم الشرعية بين المقاصد والوسائل، وهذا اللقاء مفترض أن يتبعه برنامج وأن يكون عبارة عن مقدمة لخطوات قادمة بإذن الله تعالى من السياق العلمي.
الله سبحانه وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وذكر سبحانه وتعالى اسم العلم ولفظ العلم في كتابه، ووصف الوحي الذي أنزله الله سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم وصفه بالعلم، وجعل هذا العلم الذي أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم جعله سبباً في أن يكون كافياً ومغنيا لصاحبه ولمن يتلقى هذا العلم، أن يكون كافياً له عن الاحتياج إلى شيء آخر مما يخالفه، من أهواء الناس يعني خلينا نقول ما يتعلقون به ويتمسكون كمرجعيات عامة.
ولذلك الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَيِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الرعد: 37]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 145]. لاحظ الله سبحانه وتعالى سمى هذا الوحي علماً، وأمر باتباعه، ونهى عن أن يتبع ما يخالفه من الأهواء.
وكذلك جاء لفظ العلم في آيات أخرى فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: 114]. وكان الله سبحانه وتعالى يذكر في كتابه العلم، لا يذكره بصيغة المعلومات النظرية، وإنما يذكر الله سبحانه وتعالى العلم ويذكر ما يستلزمه هذا العلم من اتباع ومن سير ومن استغناء ومن عمل بمقتضاه. ولذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر من يقوم الليل قائلاً سبحانه وتعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَلَامِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].
لاحظ مع أن سياق الآية ليس سياق الحفظ وسياق الاستنباط الدقيق، وإنما هو سياق القيام بقيام الليل وخشية الله سبحانه وتعالى وخوف الآخرة، ومع ذلك الله سبحانه وتعالى جعل هذا العمل من الخشية والخوف والاستقامة والقنوت والقيام جعله من أثر العلم، وقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَلَامِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. ولذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى ذكر خشية مع العلم، ونجد أن الله سبحانه وتعالى ذكر بعكس ذلك أناساً لا يعلمون الكتاب إلا أماني. وذكر سبحانه وتعالى أناساً كان لديهم شيء من العلم ثم شبههم بالحمير، وذكر بعض من أوتي الآيات ولم يعمل بها فشبهه بالكلب.
فقضية العلم ليست قضية متأخرة السياق متأخرة التاريخ، وإنما هي قضية متصلة بالوحي في أساسه، آتية في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولأجل ذلك أيها الكرام، كل من يتكلم عن العلم ويريد أن يبني نفسه في العلم ويريد أن يدخل في سلك من امتدحهم الله سبحانه وتعالى في العلم، ثم لا يراعي ما الذي أتى في العلم في سياق الوحي يكون قد اخذ بشيء فيه نقص، مهما كان الأمر الذي بنى نفسه عليه صحيحاً في ذاته.
وهذي بالمناسبة ليست فقط في سياق البناء العلمي وفي سياق تصور العلم، وإنما في سياق كثير من التصورات التفصيلية الإسلامية الشرعية، يعني مثلاً أناس يتمسكون باسم السلف، والسلف أناس يستحقون أن يعتني الانسان بعلومهم وبما كانوا عليه، لكن أحياناً يجعلون السلف حاجزاً بينهم وبين ما جاء في الوحي. يعني عندهم أن تأتي بنص لأحد العلماء من القرن الثاني كأنه أولى من نص أتى في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصلاً ابتداء البحث من مرحلة أهل العلم مهما كانوا وقطع الصلة بين الإنسان وبين مرجعية الوحي هذا فيه إشكال.
أنا أذكر بحثت في بعض المسائل قبل فترة، كان دائماً من يبحث فيها تجد أن استمداده هو ما ورد -هي مسألة لها علاقة بالسلوك والقلب وما إلى ذلك- تجد الإتيان ببعض كلام المتقدمين في هذه المسألة، طيب ومع أن وجود هذه المسألة في الوحي وجود واضح وظاهر، أو خلينا نقول فيما يتعلق بالسيرة النبوية، فإن يعزل الانسان نفسه عن هذه المرجعية، ولا يعتبر شيئاً في العلم ولا في البحث إلا ما كان داخلاً تحت عنوان التراث الإسلامي أو تحت عنوان السلف، وهذا برأيي مع كونه أمراً صحيحاً في ذاته من حيث المستمدات العلمية إلا أن فيه نقصاً.
طيب لماذا فيه نقص؟ هذا معتمد على المقدمة الأولى التي ذكرتها، وهي أن هذا الوحي الذي أنزله الله هذا علم سماه الله علماً، وأراد الله سبحانه وتعالى منا أن نحتفي بهذا العلم وأن نقوم به، وذكر سبحانه وتعالى لوازمه.
الآن نأتي البناء العلمي الذي يبنيه الانسان والتكوين العلمي والتكوين الشرعي، نحن اليوم يا شباب في واقع في مدارس علمية كثيرة، وفيه اختلافات مذهبية وعقدية وفقهية، وهذه الاختلافات وهذا التنوع مبني على خلافات موجودة في التاريخ، عندك مدارس عقدية مختلفة، وعندك مدارس فقهية مختلفة، وعندك مدارس حتى دخول السياسة صار يؤثر في بعض المكونات العلمية والمفردات العلمية في بعض المدارس المشهورة. اليوم الطالب أمام بحر من الأقوال، بحر من المدارس، بحر من التنوع، بحر من الاختلاف.
وهذا الاختلاف الموجود اليوم على نوعين: منه ما هو اختلاف تنوع اجتهادي يقبل القسمة، يقبل الاشتراك، يقبل أن يكون البعض يسلك هذا المسلك والآخر يسلك هذا المسلك، وهذا في مثل الاختلافات الفقهية، وأيضاً في بعض خلينا نقول أيش أفضل المراجع في كتاب كذا أو في علم كذا أو في باب كذا؟ هذه تختلف فيه الأنظار، منهم من يرى مثلاً حتى قضية هل يحفظ الانسان منظومات ولا يكتفي بحفظ السنة والقرآن قبل ذلك، هل إلى آخره؟ هذه مسائل اجتهادية تقبل الخلافات وتقبل الاجتهادات ولا ينبغي أن يوالى عليها ويعادى عليها، فضلاً عن الخلافات الجزئية الدقيقة جداً داخل هذه القضية، يعني مثلاً ألفية العراقي ولا ألفية السيوطي؟ يعني الأمور هذه واسعة وسهلة ولا ينبغي التشديد فيها.
لكن هناك بعض الاختلافات اختلافات عميقة متعلقة بتصور مصادر التلقي في الإسلام، متعلقة بالتصورات العقدية الأساسية في الإسلام، مثلاً الموقف من نصوص الصفات هل هو التسليم أم التفويض أم تأويل أم إلى آخره؟ هذه مسائل يجب أن يكون فيها وضوح بالنسبة لطالب العلم.
البعض تختلط عليه أمران في هذه المسائل العقدية: الأمر الأول تختلط عليه قضية تحديد الصواب من الخطأ في هذه المسائل مع الموقف ممن أخطأ وضل في هذه المسائل. البعض يظن أن وجود الخطأ في هذه المسائل يساوي التعامل مع كل من أخطأ في هذه المسائل تعاملاً صارماً حدياً لا يقبل معه الاستفادة في باب آخر مثلاً، أو لا يقبل معه -حتى تعرفوا أحياناً تصل حتى إلى التكفير- وعدم قبول أن يكون الانسان من المسلمين أساساً. هذا ليس موضوعاً الآن من حيث السياق العقدي والاشكالات الواردة فيه وما إلى ذلك، لكن فقط أريد أن اقول بما أن سياق فيه تناول مجموعة من الأمور الموجودة في الواقع، أنا أقول إنه مثل هذه المسألة التفريق بين أساس الموقف الصحيح فيها وبين الحكم على الأعيان والأشخاص الذين أخطأوا في هذه المسألة، وبلا شك أن مثل هذه القضية الصواب فيها هو ما وافق ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم من أصحاب القرون المفضلة في الموقف من هذه النصوص، موقف الإيمان والتسليم، وهذا متواتر عنهم في نصوص كثيرة من أصحاب القرون الفاضلة، ومستند هذا في سياق مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم واضح.
كما قلت ليست هذه مسألتنا الآن، هذا الواقع فيه هذان النوعان من الاختلاف: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد لنقل في هذه القضايا.
ثم الآن هذه صورة من الإشكال، صورة أخرى من الإشكال موجود في الواقع وهي التفريق بين وسائل العلم وبين مقاصده، وهذه هي القضية التي سأتحدث عنها الآن؛ لأن ما سبق هو عبارة عن فقط مدخل. لكن التفريق بين وسائل العلم وبين مقاصده أنا برأيي المشكلة الكبرى الموجودة اليوم في السياق العلمي، وهي التي تحتاج إلى عناية وتتطلب انتباهاً من طلاب العلم. والتفريق بين وسائل العلم وبين مقاصده له أكثر من صورة:
الصورة الأولى بين وسائل العلم وبين مقاصده العامة الغائية، يعني العلم له غايات كبرى في الإسلام، وأعظم غايات العلم في الإسلام هي العمل؛ العمل يعني التمسك بمقتضى هذا العلم. فما كان في هذا العلم من أمر ومقتضاه العمل بهذا الأمر، طبعا وهذا العمل يسبقه تعظيم لهذا الأمر، ويسبق هذا التعظيم التصديق بهذا الأمر؛ صارت عندنا ثلاثة أمور: تصديق بالامر، وتعظيم للأمر، وعمل بالأمر. وهكذا في قضية النهي، وهكذا في قضية... طبعا هذه المقاصد المتعلقة بالأوامر والنواهي. والمقاصد المتعلقة بالأخبار؛ تعرفون الدين الوحي فيه اخبار وفيه أوامر ونواهي؛ فهذا فيما يتعلق بالأوامر والنواهي.
أما فيما يتعلق بالأخبار فالصقاصد الغائية العظمى هي التصديق بهذه الأخبار، وامتثال ما يترتب على هذه الأخبار من أمر العظة والاعتبار. فإذا كانت الأخبار متعلقة بأمور الأنبياء مثلاً فالمطلوب الاقتداء بهم، وإذا كانت الأخبار متعلقة بإهلاك الله للأمم فالمطلوب الاعتبار والاتعاظ والابتعاد عن هذه المعاني التي أهلكوا لأجلها، وإذا كانت الأخبار متعلقة بالله سبحانه وتعالى وهي من القضايا الكبرى المركزية في كتاب الله فالمطلوب هو المعرفة بالله، ومن ثم ما يتبع هذه المعرفة من أعمال القلوب: محبة، وخشية، وإنابة، وصدق، وصبر، وإخلاص، وما إلى ذلك.
هذه الغايات الكبرى للعلوم الإسلامية، للعلم الذي هو خاصة العلم المسمى في الوحي، وهذه الغايات الكبرى من أعظم ما ينبغي أن يراعي طالب العلم على طول الطريق، ولا ينبغي أبداً أن يكون محلاً لنسيان أو أن يستغنى عن هذه الغايات بالمكاسب أو الغايات الأدنى منها. الآن ما أتيت إلا إلى نوع واحد فقط من الغايات، كما قلت المقاصد أنواع؛ عندنا المقاصد العامة المترتبة على العلم، طبعا ذكرت أنا مقاصد الأوامر والنواهي والمقاصد منها التصديق وفي التعظيم وفي العمل، والأخبار التصديق والانطلاق إلى ما تستلزمه هذه الأخبار كل بحسب ما تقتضيه.
والعمل الذي ذكرته أيضاً، العمل الذي يترتب على العلم كمقاصد وغايات هو نوعان: عمل ذاتي، هل هو متعلق بالصلاة والصيام وما إلى ذلك من العبادات الذاتية أو خلينا نقول هي غير متعدية، وعمل آخر متعلق بواقع المسلمين والإحسان إليهم ونصرتهم والقيام بحقوقهم وما يتعلق بالواجبات العامة والمسؤوليات العامة التي يتحملها الإنسان.
هذا كله من المقاصد والغايات العظمى. الواقع يا شباب يا حبايب الواقع اليوم واقع فيه استغناء كبير أو يوصل إلى استغناء كبير عن هذه الغايات العظمى، وأحياناً تجد بعض طلبة العلم المتخصصين يزهد في هذه الغايات العظمى، وأحياناً بصريح العبارة يقول لك يا عمي مثلاً بلاش شغل دروشة. شغل دروشة هذا حق اللي هو أنه تقعد تسبح وتستغفر، يعني احنا شغلنا شغل تفكيك عبارات وحواشي ومتون وشغل وهذا، شغل الدروشة هذا شسمه هذا يعني خلاص يعني هذا له مسلكه.
أحياناً يزهد في غايات العلم الكبرى التي أتى بها الوحي، المعاني التي هي من جملة اتباع الأنبياء وهي التي عاش لأجلها الرسل وضحوا وبذلوا، وهي التي يحيا بها الإسلام وهي التي ينصر بها الدين حقاً؛ أحياناً تعزل هذه المقاصد ويقول لك يعني هذه والله يعني غاية ما في الأمر أنه مما يمتدح الانسان لأجله، لكن أن تكون مما يقيم به العلم -يعني احنا نقول طريقة تقود إلى هذا المعنى- فهذا لا يعنيه كثيراً من المتخصصين في المجالات أو في الفنون الشرعية للأسف.
ولأجل ذلك لو أنتقدت مثلاً تقول مثلاً أنت طالب علم أو عالم، وأنت تدرس طلابك سنوات نشرح لهم متناً من المتون، يعني مثلاً تعرف بعض الناس مثلاً حتى يدخل في هذا السياق اللي يتحدث عنه مثلاً علم المنطق، تشرح المنطق رايح جاي متن من هنا متن من هناك، أو حتى اللغة العربية، أو حتى ما هو أشرف من ذلك من مثلاً خلينا نقول مصطلح الحديث أو حتى في اصول الفقه وما إلى ذلك.
طيب حين تقول يا اخي أنت مثلاً لك عدة سنوات تشرح هذا ولكن لا تذكر طلابك بالله ولا تربيهم على مكارم الأخلاق وتعلمهم، فيقول لك يا عمي أنا مالي ومال الشغلات هذي؟ هذه إذا ما ربى أبونا ما لي دخل فيه، أنا علي إني أعلمه كيف يفكك العبارات كيف يضع -خلينا نقول- يبني كتاباً على كتاب إلى آخره، أما هذا مالي دخل فيه. هذا بحد ذاته مشكلة كبيرة جداً جداً، ومما ينمي هذه المشكلة السياق، خلينا نقول كثير من السياقات الأكاديمية -وخليني أقول الآن هذا استدراك عام كل ما أحدث عنه-.
يجب ألا يُعمَّم، يعني يجب ألا يعني لا يُفهم دائماً حين أتكلم عن شيء كصورة انتقاد أن يُفهم أنها عامة، وإنما هي قد تكون منتشرة ككثير، ولكن في كل صورة من الصور يوجد بعض الاستثناءات.
قضية مقاصد العلم المرتبطة بالعمل بهذا المقتضى؛ التزكية، التزكية واستصلاح القلوب. الفصل بين العلوم الإسلامية وبين معاني التزكية والامتثال والاستصلاح الأخلاقي والقلبي، هذا الفصل هو فصل بين الغايات وبين الوسائل، فصل بين المقاصد وفصل بين الوسائل. ولأجل ذلك إذا رجعنا -وهذا متعلق بالمقدمة الأولى في هذا اللقاء- إذا رجعنا إلى مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم، إذا رجعنا إلى الوحي الذي امتدح العلم وتحدث باسم العلم، سنجد أن المعيار الذي يدلنا على الصواب في مثل هذه القضايا هو ما جاء في الوحي في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا رجعنا إليها سنجد أن هذه الغايات لا تفصل أبداً عن مقاصد العلم وعن معانيه، وأن مجرد الإتقان المعرفي والتخصص المعرفي -ولو كان في علم من علوم الشريعة- هذا التخصص وحده بدون ما يترتب عليه من أثر علمي، من إيمان بالله وخشية له، ومن قيام بحق العلم؛ هذا بمجرده أمر فيه نقص، يعني أقصد أن يكون بدون أثره، أن يأتي بدون أثره، هذا فيه نقص. فإذا كان الذي تخصص في مثل هذا صدر منه أو يكون على حال تناقض المقصد الشرعي، صار النقص مضاعفاً ومركباً، وصار عندنا ثلاثة مقامات: مقام المتعلم القائم بأثر العلم ومقتضاه، ومقام المتعلم الذي لم يحقق أثر العلم ومقتضاه ولم يعتنِ بهذا وإنما هو يعني يزيد وينقص، لا يعتنِ بهذا المعنى ولا يربطه بالعلم، وعندنا المقام الثالث وهو الإتيان بما يناقض هذا العلم، هنا تكون القضية مضاعفة في الإشكال.
فما الذي يجعل طالب العلم على المقامين الثاني أو الثالث ولا يحقق المقام الأول؟ هنا مربط الفرس. السبب، هناك بابان من الأسباب أو نوعان من الأسباب التي تؤدي إلى أن يكون طالب العلم لا يحقق أثر العلم ومقامات التعبد والعمل الناتج عن العلم. ما هما هذان النوعان؟
النوع الأول من الأسباب هو أن طبيعة العلم الذي اعتنى به هي طبيعة موغلة في النظرية، وقد يكون فيها من الدواخل على صفاء العلم المتصل بحقائق الشريعة، قد يكون فيها من الدواخل التي عبر التاريخ ومر القرون دخلت وأثرت سلباً. هناك بعض العلوم مما يفرح بها ويقال عنها علم، كانت سببا في وجود أو على الأقل مثلاً في فساد التصورات المتعلقة بوصول الوحي، وهذه القضية معروفة وتكلم علماء المسلمين على مر القرون عن ذم بعض العلوم وهي مما يسمى علوماً أو مما يسمى علماً ومما يُدرس ومما له تخصصات حتى، لكن هناك علوم توارد بعض أئمة المسلمين ونقاد علماء الشريعة على ذم بعض هذه العلوم. فمن، قلنا واحد من الأسباب أو بوابة من أبواب بوابات الأسباب التي تؤدي بطالب العلم إلى ألا يحقق أثر العلم، هو أحياناً في العلم نفسه الذي درسه؛ أنه لم يدرس من العلوم إلا ما كان من باب الصنعة المحضة، ما كان من باب وكأنه يتعامل مع معادلات رياضية محضة، ولا يكون المحتوى العلمي الذي يُدرس أو الذي يحتفى به لا تكون علوم الإسلام علوم الوحي أساساً فيه، ما يتعلق بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعبده في قيامه في أمور شؤون حياته في جهاده في بذله لهذا الدين في نصرته في تضحيته في سبيل الله. هذه لسان حال البعض، ما لها ومال العلم، أمور رقائق هذه أمور كذا، بينما هي من صميم العلم في الإسلام، من صميم العلم، وتخلف العمل عن العلم أحياناً يكون بسبب تخلف هذه الموضوعات عن العلم.
يعني احنا عندنا تخلف في العمل بسبب تخلف في العلم؛ أن تتخلف هذه الموضوعات عن دائرة العلم المقدس المحترم، أن تتخلف هذه الموضوعات فهذا بطبيعته يؤدي إلى تخلف في آثارها العملية، وهذا المعنى مهم جداً. وهذا معناه ماذا؟ معناه أن من أراد أن يحقق مقاصد العلم في الإسلام فليعتنِ بأن تكون المدخلات العلمية التي يتعامل معها مدخلات مقتربة أو مقاربة للمدخلات التي عظمها الوحي.
قد يقول قائل: طيب، هناك علوم كثيرة لم يرد في الوحي ذكر لها، أُحتيج إليها في التاريخ عبر التاريخ لأجل المشكلات التي نشأت، صار عندنا احتياج لبعض علوم الآلة التي لم يأتِ ذكر لها في الوحي وإن كان لها بعض الأصول العامة التي تدل على اعتبارها، يعني إيش المقصود؟ ليس المقصود بطبيعة الحال أن نجتنب هذه العلوم، بالعكس هذه العلوم يجب الحفاوة بها والاعتناء بها والاهتمام بها، ولكن دائماً استحضر أنها هي جزء من الخارطة بل هي وسيلة، يعني أدوات، آلات، وأن هناك صوراً للعلم وأباباً من العلم وموضوعات من العلم -صحيح أنه ليس لها تخصصات في الجامعات الآن، صحيح أنها قد لا تُدرس على صورة متون- ولكن هي من صميم العلم في الإسلام، والفصل بين أنواع الموضوعات الكبرى التي أتى بها الإسلام وعزل هذه الموضوعات عن سياق تكوين طالب العلم، هذا العزل هو من اعظم الأسباب التي تؤدي إلى تخلف العمل والتخلف عن تحقيق المقاصد الشرعية، وهذا المعنى مهم جداً، والواقع يحتاج إلى تجديد كبير من هذه الجهة.
فيجب أن يُعاد للعلوم المتعلقة بالقلب وبالعمل وبالصلاح والتزكية والأخلاق والسلوك وما إلى ذلك، أن يُعاد لها، أن تُعاد لها هيبتها وقيمتها. بالمناسبة، هذه العلوم كثير من العلماء الذين تحدثوا سابقاً -خاصة كلما اقتربنا من القرون المفضلة وممن ثار في كل طريقهم وحتى في مراحل متعددة من التراث الاسلامي- نجد أن هذه الشمولية فيها قدر من التحقيق في ذلك الواقع والزمان أكثر من تحقيقها في واقعنا. يعني احنا أضرب مثلاً في مثلاً مصطلح الحديث، مصطلح الحديث أو علوم الحديث، تجد أن المتقدمين من أئمة المسلمين المشتغلين بالحديث لهم عبارات وجمل متعلقة بطالب الحديث تحديداً -الآن أتكلم عن القرن الثاني للهجرة والثالث للهجرة- هناك بعض العبارات والجمل تجدها لسفيان بن عيينة مثلاً، لمثل عبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم، تجد وحتى سفيان الثوري طبعا قبل ذلك وشعبة، تجد لهم عبارات مركزية تدل على خطورة الانفصال بين التكوين الحديثي المجرد المتعلق بالرجال والرواة وما إلى ذلك وبينما ينبغي أن يكون عليه طالب الحديث تحديداً.
ثم انتظمت بعض هذه العبارات أو هذه الاشارات في مباحث داخل علوم الحديث، فنجد مثلاً في مقدمة ابن الصلاح وفي علوم الحديث لابن الصلاح مثلاً نجد أن هناك نوعاً من أنواع علوم الحديث اسمه آداب المحدث ونوعاً آخر اسمه آداب طالب العلم، وكان العلماء يعتنون بهذه المباحث، وكانتا، يعني أنت فقط تأمل أنه أن يُقال نوع من أنواع علوم الحديث اسمه آداب المحدث، آداب طالب العلم، يعني لم تجعل مثلاً في قضية أنه يعني ولا تنسَ يا طالب، لا، نوع من أنواع علوم الحديث، هذا معناه ايش؟ معناها أن الجانب السلوكي والأخلاقي هو جزء ينبغي ألا ينفصل عن جانب التكوين المعرفي.
واقعنا اليوم فيه قدر من انتشار تخلف العمل عن العلم، وكما قلت هذا له بابان من الأسباب؛ الباب الأول هو النقص في التكوين العلمي ذاته، ضربت صورة أو ضربت مثلاً لهذا النقص العلمي المؤدي إلى النقص العملي، وهو أن تُستبعد بعض علوم الوحي وبعض المعاني التي عظمتها الشريعة تُستبعد من سياق التكوين العلمي. وإذا صاحب هذا الاستبعاد استهجان، استهجان للانشغال بهذه العلوم، زي مثلاً زي ما قلت لكم مثلاً: والله ما احنا صوفية ولا ما احنا دراويش ولا ما احنا ما أدري ايش، إذا تصاحب هذا الاستبعاد استهجان أو استخفاف بالاشتغال بمثل هذه المعاني والعلوم المتصلة بالوحي، أدى هذا إلى تخلف واضح في مقاصد العلوم الكبرى والغايات الكبرى للعلم في الشريعة والتي ذكرتها قبل قليل تفصيلاً بين غايات الأمر والنهي وبين غايات الأخبار الواردة في الشريعة وفي الوحي.
ومن الأسباب التي تؤدي أو تقود إلى تخلف العمل أو تخلف غايات العلم عن وسائله وعن مقدماته؛ من الأسباب وجود حالة الاستغراق التفصيلي والاستنزاف، استنزاف الهمم والإيرادات والمقاصد في تحقيق فروع العلم والغياب عن أصوله. هذا الآن من الباب الأول أيضاً، أنا قلت الباب الأول تخلف في العلم وذكرت الصورة الأولى في التخلف في العلم؛ استبعاد بعض الموضوعات المركزية في الشريعة عن تكوين طالب العلم؛ التزكية والسلوك والخلق وما إلى ذلك. الأمر الثاني ضمن الباب الأول أيضاً من الأسباب هو أن يكون هناك استغراق تفصيلي فيما لم تطلب الشريعة أو ليس من روح الشريعة أو من مقاصد الشريعة الاستغراق فيه، وهذا فرع عن الأول، يعني من لا يجعل مركزيات الوحي مركزيات في تكوينه العلمي، فإن الفروع والأمور التفصيلية التي ليست مركزيات تعظم في عينه، كل إنسان لابد أن تكون له مركزيات يعتني بها، فاذا لم تكن هذه المركزيات مؤسسة على مرجعية الوحي تأتي بعض المرجعيات الأخرى تكون بديلاً عند الإنسان عن هذه المرجعيات، فتتضخم بعض الأمور التي قد تكون في ذاتها صحيحة للاشتغال ببعض القضايا -يعني خلونا نقول العلمية الشرعية التفصيلية- ولكن الاستغراق فيها أحياناً يكون على حساب المركزيات الصحيحة والكبيرة.
ما الذي يترتب على الخلل في هذه المركزيات؟ يترتب على الخلل في هذه المركزيات ألا يرى من صار عنده هذا الخلل، أن لا يرى ما يستحق الحفاوة والعناية وما ينبغي أن تعقد عليه الأنامل وما ينبغي أن تفنى فيه الأعمار، فمثلاً مثلاً قضية نصرة الدين والعمل للإسلام هداية الخلق نصرة المستضعفين وما إلى ذلك، هذه القضايا لا تكون مركزية لديك هنا تكون يعني ذات حفاوة واهتمام كبير لديك، لكن ائتِ لي بشخص عنده تقصير بالغ في نصرة الإسلام والمسلمين وعنده إشكالات قلبية وأخلاقية ظاهرة عليه، ولكن عنده تخصص دقيق في اللغة العربية ولا في المنطق ولا في علم الكلام ولا في المصطلح، وأتى ببعض الإضافات العلمية الدقيقة، ستجد لوجود الخلل في المركزيات تضخيماً لهذا الأثر الذي حصل على هذا المجدد العظيم الذي حقق بعض المخطوطات الجديدة أو أتى ببعض المعاني الجديدة المتعلقة ببعض المتون، أو هذه مشكلة عظيمة جداً تحدث من الخلل في المركزيات، وهذا كله البوابة الأولى من بوابات الاشكال أو الأسباب التي تؤدي إلى التخلف؛ تخلف الغايات عن الوسائل أو المقاصد عن الوسائل المتعلقة بالععلم.
البوابة الثانية من الأسباب التي تؤدي إلى التخلف؛ تخلف العمل عن العلم، البوابة الثانية هي بوابة الفساد أو الموانع القلبية والسلوكية، لنقل الموانع القلبية، موانع استقامة القلوب وصلاحها والموانع التي هي من باب مثبطات الهمم والعزائم. الباب الأول الذي ذكرته من الأسباب هو باب علمي، والباب الثاني هو باب عملي متعلق بالقلوب والإيرادات والهمم والعزائم وما إلى ذلك. فاحياناً -طبعاً والبابان بينهما ترابط، يعني أحياناً يحصل إشكال في هذا الباب الثاني نظراً لأن العلوم التي درسها الإنسان واعتنى بها في الباب الأول ليست العلوم ذات الشأن والمكانة التي تبعث الإنسان على هذا الانطلاق وعلى وقادة الروح وعلى صلاح القلب وإلى آخره- بدون شك أنه يعني مما قررته الشريعة أن صلاح القلب هو بوابة أساسية لتحقيق العمل بالعلم، وأنه ليس كل من علم فسيعمل، وأنه ليس كل من أراد أن يعمل فسيعمل، وإنما هذه الإرادة يجب أن توافق قلباً صادقاً صالحاً فيه من الصدق والإخلاص والتوكل والاستعانة ما يعينه بإذن الله على تحقيق هذه الإرادة.
لاحظوا الآن هذا كله في قضية تخلف الغايات الكبرى من العلوم في الإسلام العلوم الممتدحة في الوحي من قضية العلم الشرعي بشكل آخر. ثم هناك باب آخر وهو باب المقاصد الصغرى أو الغايات الصغرى، وهي الغايات المتعلقة بكل علم في ذاته، يعني الغايات والمقاصد المتعلقة بعلم الحديث، الغايات والمقاصد المتعلقة بأصول الفقه، الغايات والمقاصد المتعلقة باللغة العربية، الغايات والمقاصد المتعلقة بالعقيدة، وهكذا. وهذا باب آخر فيه إشكال كبير منتشر، وفيه قدر كبير من الجمود، وفيه قدر كبير من الغياب في التفاصيل عن مراعاة المقاصد الخاصة المتعلقة بكل علم من هذه العلوم. وغياب المقاصد وغياب استحضارها من هذا النوع اللي هو متعلق بكل علم في ذاته، غياب هذا النوع من الاستحضار يؤدي أيضاً إلى خلل في المركزيات، ولكن ليست مثل الخلل الذي في الصورة الأولى، الخلل الذي في الصورة الأولى الخلل في المركزيات الكبرى المتعلقة أساس الدين وكليات الشريعة، الآن الخلل هنا في المركزيات يؤدي إلى الخلل في موضوعات العلوم في ذاته.
يعني مثلاً داخل علم الحديث ما الموضوعات الكبيرة التي ينبغي عليّ أن أعتني بها؟ الآن بحسب مقاصد هذا العلم هذه المقاصد تحدد الموضوعات التي ينبغي العناية بها. وهناك سبب شيء آخر مهم جداً وفيه خطورة، وهو أن غياب مقاصد العلم عن طالب العلم وعن المحققين في ذلك العلم تجعل العلم قاصراً عن مواجهة التحديات الجديدة التي ينبغي أن تواجه بمثل هذا العلم في عينه. يعني الآن مثلاً لما تأتينا موجات تشكيكية متعلقة بحجية السنة والثوابت الشرعية وحتى قبل ذلك وأهم فيما يتعلق إنكار وجود الله وما إلى ذلك، من المسؤول عن التعامل مع هذه الإشكالات؟ من المسؤول؟
اولاً؛ شوفوا، لاحظوا: إذا كان في خلل في المركزيات الكبرى عند الإنسان أصلاً في العلم، فقد لا يعنيه أصلاً هذا الباب، يعني مجموعة أصحاب شهوات ومرضى يشككون في الدين، ما لي ومالهم؟ هناك أناس لا، مركزيات الدين عندهم يخافون على واقع المسلمين، يخافون على شباب المسلمين، يحرصون كل الحرص على أن يقوموا بحماية الناس من هذه الإشكالات والشبهات.
السؤال الآن: من الذي ينبغي أن يشتغل بمثل هذا؟ هل هناك علوم إسلامية شرعية تكون مولدة للإجابات عما يستجد من الإشكالات هذه أو لا؟ حين تغيب مقاصد كل علم، فإن أصحابه تقصر بهم معرفتهم المتعلقة بهذا العلم، تقصر بهم عن مواجهة هذه المستجدات الجديدة المشكلة. وتجد طالب حديث، وما أكثرهم اليوم، قل له: يا عزيزي، فيه تشكيك كبير في صحة علم الحديث في ذاته، والطعن في أنباء كثير. منهم من يقول لك: أليس عندي مشكلة في السنة في ذاتي؟ عندي مشكلة في طريقة نقلها! يا أخي، من يرد على مثل هذه الإشكالات؟
والله لأن طالب العلم الذي اعتنى بالحديث كان همه تحقيق الألفاظ الدقيقة المتعلقة بالمصطلحات والفرق الدقيق بين كذا وكذا، والتأكد من موقف العراقي وابن حجر من قضية كذا، لأن هذا الاستغراق قد حصل، فهو ليس مؤهلاً ولم يعتنِ أصلاً بما يحقق مقاصد هذا العلم التي هي بطبيعتها أو هذا العلم بطبيعته إنما نشأ أصلاً مرتبطاً بالرواية، مرتبطاً بالسنة للدفاع عنها. وكانت صورة السنة في تلك المرحلة هي حمايتها من أن يدخل فيها أو يدخل فيها ما ليس منها.
علم الحديث لماذا نشأ؟ لماذا اشتغل المحدثون؟ اشتغلوا حتى ينقحوا ويحققوا ويدافعوا ويبنوا أسراراً على الرواية الصحيحة: أن لا يدخل إليها ويتسلل إليها ما ليس منها. طيب، هذه الغاية يجب أن تستمر، ولكن قد تختلف صورتها. أين من الذي يمكن أن يدرك مثل هذه الغاية ويستحضر تفاصيلها؟ نكون نحن نقول دائماً: استحضار لها، إذا كان همه فك عبارات حواشي معينة ومتون معينة ونقطة، وصلي اللهم على نبينا محمد. من الذي ممكن يحقق مثل هذه المقاصد؟
إذاً، استحضار المقاصد خطير، المقاصد له أثر عظيم. الواقع فيه إشكال في الصورتين من تحقيق المقاصد: الصورة الأولى في تحقيق المقاصد العامة الكبرى من العلم أصلاً في الإسلام، والصورة الثانية الخلل في تحقيق المقاصد الخاصة من كل علم من العلوم. فكل علم من هذه العلوم له مقاصد معينة، له مقاصد خاصة ينبغي لط طالب العلم أن يحققها وأن يسعى لتحقيقها. فمن يبني علومه الإسلامية والشرعية على هذا القياس وعلى هذا الوزن وعلى هذا القسطاس، ستؤسس معارفه بشكل مستقيم بإذن الله تعالى، إذا بطبيعة الحال بالطبع أدى بقية الأسباب.
هذا الآن سبب من هذه الجهة وبهذا الاعتبار، لكن يمكن لإنسان أن يعتبر هذا السبب ثم لا يحقق في العلم ولا يبني في العلم بناءً متيناً يؤهله لتحقيق هذه المقاصد. الإشكال يا حبايب يا شباب أنه عندنا وهم يحصل في هذا الباب؛ البعض يظن أن التجديد في العلم أو التحقيق في العلم إنما هو التحقيق في جزئيات هذا العلم وتفصيلاته: جزئية جزئية غير متصلة ببعضها، محققة لمقاصدها الكبرى، وأن الانفراد بجزئية من الجزئيات أو بمجموعة من الجزئيات وتحقيق القول فيها إلى أبعد مدى، أن هذا هو الفتح في العلم، وهذا هو النصر في العلم، وهذا هو الخير كل الخير! وأنا برأيي أن هذا هو الوهم كل الوهم.
ليس الوهم هو الانشغال مجرد الانشغال بالجزئيات، وإنما الوهم كل الوهم هو أن يظن الظان أن هذا الانشغال الجزئي هو حقيقة العلم وتحقيقه، وأن ما سواه ليس هو حقيقة العلم. وبناءً على ذلك، مهم أن ننظر إلى العلوم الإسلامية بوعي، وأن ننظر إليها بالفهم، وأن نحاول إدراك مقاصدها وتحرير هذه المقاصد والعناية بها. وهذا إذا سلكه العلماء والمحققون، فإنهم يحدثون تجديداً حقيقياً في العلم، وهذا التجديد ليس بالضرورة أن يكون الإضافة، بل كثيراً ما يكون هذا التجديد عبارة عن إزالة وليس إضافة: إزالة لبعض المتراكمات المعرفية التي دخلت في هذا العلم وليست منه.
وذلك مثل ما فعل الشاطبي لما نظر إلى اصول الفقه وكتب الموافقات، عمل مثل هذه القاعدة وقال لك: إن بعض المباحث التي دخلت في أصول الفقه ليست منه، ليست منه ليس فقط من ناحية الاستبداد، ليست منه وهو كان ينظر إلى المقاصد، تحقيق المقاصد من علم أصول الفقه. ولذلك أشار هو في المقدمات إلى هذا المعنى، وذكر ارتباط أصول الفقه بالفقه، وأن هذه أصول أضيفت إلى الفقه لتكون نافعة في الفقه، وبالتالي في المسائل التي لا علاقة لها بالعمل والفقه وما إلى ذلك، فإن الشاطبي رحمه الله ذكر ذلك على وجه الإشكال.
ثم نجد اليوم من ينظر إلى مثل هذه المسائل النظرية -اللي هي كثير منها أتم العلم الكلام- أنه لا يفهم أصول الفقه إلا بها، وأن تحقيق أصول الفقه إنما يكون عبر دراسة الخلفيات المتعلقة بهذه المسائل، بطبيعة الحال لا يدعون إلى هذه المسائل بعينها، وإنما إلى الخلفيات المتصلة بها. وانظروا إلى الفرق الهائل إلى حد التناقض بين الصورتين: بين صورة من يرى أن التحقيق في أصول الفقه من مقتضياته أو من دواعيه أو مما يستوجبه لنقل أن تزال بعض المباحث الأصولية -شوف لاحظ: إزالة- لأن المقصد كان عنده واضحاً، المقاصد الأساسية من هذا العلم الغائية التي ينبغي تحقيقها، وبين صورة أخرى ترى في هذه المسائل أساساً لهذا العلم، أو لنقل من الأمور المهمة التي ينبغي فهمها، بل ويدرس علم الكلام كاملاً تحقيقاً محققاً محرراً مفصلاً من كتب المتكلمين بكل، حتى يصل الإنسان إلى الفهم في أصول الفقه، ليس لمجرد فهم العبارات فقط، وإنما حتى يدرك حقيقة هذا العلم! طيب، أين ذهبت مقاصد العلم؟ هذه نافلة من القول. وإنما المهم أن لاحظوا الفرق الكبير بين الصورتين وبين الحالتين.
حسناً، إذاً على طالب العلم أن يراعي مقاصد العلم الخاصة المتصلة بكل علم من العلوم، وهذه المقاصد لا تكون أو لا تتضح عند طالب العلم إلا إذا قرأ في تاريخ هذا العلم، ونظر في أقوال رؤوسه الكبار الذين أسسوه أو كانوا من أوائل المشتغلين فيه. فإذا أردت مقاصد أصول الفقه حقاً، انظر إلى الشافعي وكلام الشافعي ورسالة الشافعي والأمور التي دفعت الشافعي إلى تأليف التأليف في مثل هذا. أما أن تنظر إلى ما استقرت عليه المسائل الجزئية النظرية ثم تحملني عبء فهم كل مسألة منها، وأن هذا هو التحقيق في العلم، فهذا هو الوهم في تحقيق العلم.
وتحقيق العلم يكون بالعودة إلى مقاصده، وبالتركيز على مركزياته، وبتحقيق القول في تفصيلاته، لكن تفصيلات متصلة بهذه المعاني. هذا المعنى ليعتبره مقدمة ممكن لقاء آخر أستعرض فيه بإذن الله المقاصد الخاصة من كل علم من العلوم، يعني تتبع كل علم من هذه العلوم، الإتيان بمقاصد هذه العلوم مقصداً مقصداً، ومن ثم الكلام على ما يمكن أن تحقق به هذه المقاصد. هناك كلام كثير يمكن أن يقال في مثل هذا، لكن الآن في أساس الموضوع اكتفي بهذا القدر.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا ويسددنا، وسبحان الله، معنى الهداية ينبغي أن لا ينفك عن هذه الموضوعات، أن لا ينسى طالب العلم أنه إنما يطلب العلم ليهتدي به، لا يطلب العلم ليتبع تفصيلاته وجزئياته فقط، وإنما أساس ما يطلب العلم لأجله هو الهداية والاهتداء بهذا العلم. وفرق كبير بين من يطلب العلم بهذا المعنى، وبين من لا يطلبه إلا لغرض التحقيق المعرفي النظري المجرد.
وطلب العلم بقصد الهداية لا يعود على التحقيق العلمي بالابطال، طلب العلم بقصد الهداية لا يعود على التحقيق العلمي النظري بالابطال أبداً، بل بالعكس، يجعل المرء حريصاً جاداً ليتتبع النواحي النظرية التي يمكن أن تفيد وتثمر، ويتعب ويجتهد ويبذل ويحتسب كل لحظة يبذلها في سبيل العلم، يحتسب ذلك في سبيل الله سبحانه وتعالى، وأن هذه سنة العلم وسنة أهله، وهي الطريق الذي يمكن أن يوصل من حيث الإرادة والهمة إلى الوصول إلى تحقيق الصواب المعرفي النقدي. وهذا التحقيق المعرفي النظري هو الموصل إلى تحقيق الصواب العملي الغائي. وهذا الترتيب هو الترتيب الأقرب إلى مقاصد الشريعة، وإلى مرجعية الوحي، وإلى مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم. وأسأل الله سبحانه وتعالى الهداية والقبول والسداد والعون، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد