دخولتسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله جميعاً ويا أهلاً وسهلاً ومرحباً. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتولانا جميعاً برحمته، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن ينصر عباده المؤمنين في كل مكان، وأن ينجي المستضعفين من المؤمنين في كل مكان، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يدرك أهل فلسطين بغوثه ورحمته إنه هو أرحم الراحمين سبحانه.

حياكم الله جميعاً ويا مرحباً بكم. هذه رسالة في قضية مهمة جداً، وأرجو أن تصادف عقولاً واعية وقلوباً مهتمة، وهي قضية مدى إدراك أزمنة التحولات الكبرى؛ مدى إدراك الناس لأزمنة التحولات الكبرى التي يعيشون فيها.

حقيقة، من يتأمل في التاريخ يجد أن كثيراً من الناس الذين يعيشون في أزمنة التحولات الكبرى لا يدركون قيمة الزمن ولا حقيقة التحولات التي تصنع في زمانهم، وإنما يدركون الأمور بعد تمامها. ولذلك نجد في الحقب التاريخية الآن حين ننظر إليها بعد انقضائها تجد أن المؤرخين والباحثين يلقبون تلك الحقب بألقاب معينة بناء على رؤيتهم إياها بعد تمامها. فيقال مثلاً: هذا عصر كذا، هذا زمن كذا، هذا قرن كذا، والذي يلقب ذلك الأصل أنه يأتي بعد ذلك القرن أو في نهايته بحيث تكون الأمور ظاهرة وواضحة وتمت، وينظر الإنسان إليها باعتبارها نتائج.

أما الذين يعيشون وسط هذه الأحداث فقليلاً ما يدركون الرابط بين هذه الأحداث المتفرقة، فضلاً عن أن يدركوا السمة التي يمكن أن يوصف بها القرن أو توصف بها المرحلة.

واذكر، كان هذا من الملاحظات من يتذكر منكم سلسلة تاريخ الفكر الغربي، كان هذا من الملاحظات الأساسية التي قدمت في السلسلة، أنه يا جماعة صار في الغرب تحولات كبرى وهائله ولم يكن يدرك كثير من الناس هذه التحولات، ولم تلقب أصلاً الأزمنة والعصور لأنه تاريخ الفكر الغربي ومحقب تحققوا واضحة جداً، وهذا الوضوح وهذه التحقيبات لم تأتي في وقتها وإنما كان في وقت الزمن تصنع النظريات وتقدم ويحدث لها تفاعلات معينة في الواقع وما إلى ذلك وارتدادات على المستويات المختلفة، ثم بعد ذلك يأتي الباحثون والفلاسفة والمفكرون يلقبونها بلقب.

والخلاصه من كل ذلك للدخول إلى زماننا أننا نعيش اليوم في زمن هو من أعظم أزمنة التحولات، ومن أكبر الأحداث المجتمعة في زمن متقارب. ولذلك أكبر خطأ يمكن أن يحصل اليوم من أفراد المسلمين هو أن لا يدركوا أنهم يعيشون في زمن التحولات وزمن استثنائي وزمن صعب وزمن فيه أحداث هائله وكبيرة، وستؤول إلى مآلات مختلفة عما نراه اليوم في هذا الزمن، بغض النظر -ليس الجميع مطالباً بان يصل إلى تحليل عال ودقيق وتلقيب للزمن وهذا تكليف بما لا يطاق- ولكن على الأقل أن يدرك الإنسان أنه يعيش في زمن تحولات هائلة وكبرى، وأن هذه التحولات الهائلة والكبرى من شانها أن تغير الصورة التي اعتاد عليها الناس في فهم زمانهم وأحوالهم، مما نشأوا عليه وأخذ حالة من الجمود وحالة من الثبات.

طيب، اليوم إذا كنا نتحدث ما هي الأحداث التي تنبئ عن التحولات الكبرى؟ فحقيقة الأحداث أكبر من أن تحصر في مثل هذه الرسالة، وأسرع من أن يحاط بها؛ لأنه تتسم بحاله من التجدد السريع جداً.

وحقيقة نحن دخلنا في مسلسل أحداث استثنائية في الأمة منذ مئة سنة تقريبا، وحقيقة هي ليست مئة سنة وإنما قبل ذلك يمكن لنا أن وصف بداية تغير المنطقة كلها مع زمن الاستعمار، وبعد ذلك طبعا حصلت أحداث كثيرة، لكن إذا اقتربنا سنقول مئة سنة، هذه المئة سنة حصلت فيها تغيرات هائله وكبرى ومهولة، وكان من نتائجها بسبب تحكم الاستعمار في منطقتنا أن غرس الكيان الصهيوني المحتل في قلب الأرض المقدسة في فلسطين. ولم يكن هذا نتيجة حرب لجيش من الصهاينة أو من اليهود أتوا من الخارج وحاربوا المسلمين في اطراف بلادهم حتى دخلوا، لا، هذا نتيجة الاستعمار.

وبالتالي كوننا ننظر الآن إلى الصهاينة وإلى اليهود المحتلين والمجرمين والذين يفعلون ويفعلون، فنحن ننظر إلى نتيجة ولا ننظر إلى مقدمة. المقدمة هي التي صنعت كل هذا، ولا تزال هذه المقدمة اللي هي المقدمة الاستعمارية لا تزال إلى الآن هي الراعية لهذا الكيان وهي المثبته له وهي الداعمة له، وحتى في هذه الحرب ضد المستضعفين في غزة لا يزال الغطاء الغربي على المستوى العسكري وعلى مستوى الاستخبارات وعلى مستوى الأسلحه وعلى المستوى السياسي وعلى المستوى الأمني لا يزال قائما فعالاً إلى درجة كبيرة وجذرية.

وتتذكرون ما ان بدات الأحداث منذ سنتين حتى جاءت البوارج الحربية والمدمرات الحربية الغربية إلى البحر الأبيض المتوسط، فالحرب حربهم، والمصير مصيرهم، والمعركة معركتهم. إذاً، أنت أمام خارطة كلية، أنت لست أمام صورة بسيطة، أنت أمام صورة مركبة.

بعد ذلك وأثناءه حصلت تغيرات هائلة لأول مرة في تاريخ الأمة الإسلامية، لأول مرة منذ وفاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، لأول مرة يحدث أن يتبع كثير من أبناء المسلمين أن يتبعوا ويؤمنوا بثقافة المحتلين الكفار. يعني حصلت احتلالات أو غزو من المغول وحصل غزو من الصليبيين في تاريخنا، الحملات الصليبية، الوجود الصليبي في بلاد الشام استمر قرابه مئتي عام. المغول لما جاؤوا مكثوا أيضاً أزمنة طويلة جداً، وحصلت موجات متعدده في خروج المغول، لكن النتيجة كانت موحدة وهي عدم الرضوخ الثقافي والفكري والإيماني والعقدي من أبناء المسلمين لهذا الغازي المحتل، وإنما الغازي المحتل الظالم الكافر يسمى ويلقب بألقاب المقت وألقاب المذلة وألقاب الكفر واللعن وما إلى ذلك، بل بالعكس المغول أنفسهم دخلوا في الاسلام بعد زمن من الاحتلال، صارت القضية بالعكس، المحتل يأتي ثم هو يسلم وليس المسلم هو الذي يأخذ دين أو ثقافة المحتل.

الذي حصل في الزمن الحديث يا أيها الكرام مختلف تماماً. الذي حصل في الزمن الحديث هو عكس ذلك تماماً؛ الاستعمار الفرنسي لما جاء والاحتلال البريطاني لما جاء إلى بلاد المسلمين، لم نغمض أعيننا ثم نفتحها إلا وقد وجدنا أبناء المسلمين يركبون البحر إلى بلاد أوروبا ليتعلموا ثقافاتهم وأفكارهم وقوانينهم، فضلاً عن لباسهم وهيئتهم وما إلى ذلك. وهذا لم يكن بدافع، أو خلينا نقول لم تكن صورته النهائية هي الاستفادة التقنية المجردة التي تؤول إلى قوة المسلمين، ولو كان الأمر كذلك لهان الخطب، لكن الأمر لم يكن كذلك، وإنما كان الأمر حقيقه ليس حتى أقول ذوبان ثقافي فقط، وإنما انبهار ثقافي هائل جداً، وإيمان فكري كبير بأفكار الغرب، بل وأكثر من ذلك، يعني أن يكون بعض مثقفي بلاد المسلمين هم السفراء الحقيقيون لأوروبا في بلادنا. السفراء ليسوا من الناحية السياسية وإنما الناحية الفكرية والثقافية والدينية والعقدية وإلى أخره. وهذا يا جماعة الخير ظهر أكثر ما ظهر في القرن العشرين، سواء من بداية القرن إلى منتصفه إلى قرابة نهاياته، خاصة إلى ما قبل الصحوة أو مع بدايات الصحوة الإسلامية.

وهؤلاء الذين لبسوا ثياب الغرب وأفكارهم وعقائدهم وما إلى ذلك تسنموا مناصب كبيرة وسيطروا على الإعلام والوزارات، بعض الوزارات الثقافية والتعليمية، وهذا حصل من بداية القرن العشرين بالمناسبة. وحصل تأثير كبير جداً حتى ظهرت عندنا شرائح في بلاد المسلمين هي مؤمنة إيماناً حقيقياً بالثقافة الغربية والفكر الغربي، والإيمان بأن هذه هي الحداثة التي ينبغي تحقيقها، وأن الإسلام والحكم بالإسلام والحكم بالشريعة هي عبارة عن رجعية. وهذه معارك يا جماعة ترى صارت في القرن العشرين، سالت فيها دماء وطحنت فيها عقول وأجساد وقصة طويلة.

وتغيرت بعد ذلك متغيرات ومتغيرات وأحداث إلى أن ظهرت الصحوة الإسلامية في نهاية أو في منتصف السبعينات من القرن الماضي. طبعا قبل ذلك احنا ذكرنا موضوع الاحتلال والاحتلال وآثار الاحتلال الهائله والكبيرة والواسعة والعظيمة، وسحق الاحتلال للجيوش العربية تحطيمه لها، احتلاله لأراضيها، وبعد ذلك مجيئهم إلى الاحتلال مادين أيديهم للسلام والتطبيع وما إلى ذلك.

لكن بعد ذلك ظهرت الصحوة الإسلامية، وهذه الصحوة طبعا كانت مسبوقة بشيء خطير جداً جداً كان هو أسفل نقطة في القاع وصل إليها العالم الاسلامي، وخاصة العالم العربي، أسفل نقطة في القاع، أسفل من النقطة التي نعيشها اليوم بكثير، وهي حقبة الخمسينات والستينات وشيء من السبعينات، حقبة الموجة الشرقية الاشتراكية، حقبة القومية العربية، تلك الحقبة البئيسة التي ظهر فيها الإلحاد وفشى في الأوساط الشبابية إلى أبعد مدى، والتي كثر فيها الفساد وكثر فيها الابتعاد عن معنى التدين. وكان فيها خير لا شك وبذور خير كثيرة، ولكنها ذات نسبة قليلة بالنسبة للمجموع.

وفي تلك المرحلة كانت هي المرحلة التي قل فيها حجاب النساء، وكثر فيها الجهل بأبجديات الدين. البعض يظن الآن أنه نحن نعيش أسوأ مرحلة من حيث الجهل ومن حيث البعد عن الدين وكذا، أبداً، مرحلة الخمسينات والستينات في القرن العشرين كانت أسوأ من ذلك بكثير. وفي وبينما نحن في أسفل القاع، والشعارات في ذلك القاع مرفوعة وكأنها في السماء بالنسبة لأصحابها، إذ حصلت الهزيمة الهائله الكبيرة في حرب السابعة والستين حين سحق الكيان الإسرائيلي المحتل الجيوش العربية وخاصة ما أحدثه أو ما فعله في مصر، وكانت هزيمة نكراء تتعارض تعارضاً تاماً مع الشعارات القومية العربية التي كانت تمني وتبشر وتجعل في نفوس العرب أنهم قريباً سيسيطرون على الشمس والكواكب التي في الفضاء. وإذا به الكيان الإسرائيلي يسحق الطائرات جميعاً في مرابضها قبل أن تفكر أن تنطلق حتى، ويحتل الأراضي وكذا وإلى أخره. وكانت هزيمة على الأرض أدت إلى تحول فكري، من الذي كان يدرك حينها ما هو التحول الفكري وأين سيؤول؟ ربما قليل من الناس، نحن اليوم نلاحظها بشكل سهل لأنه انقضى ذلك الزمن.

هذا الانكسار ثم بعد ذلك بسنتين عام تسع وستين حصل إحراق للمسجد الأقصى، وهذا زاد الحسرة وزاد الطين بلة. ونظراً لكون السياقات الإسلامية التي من بدايات القرن العشرين تقريبا كانت بقيت بذورها، وإن كانت بذورها في السجون في تلك المرحلة في الستينات خاصة في سجون مصر، ما أن حصلت هذه الكسرة وحصلت بعض التحولات السياسية وحصل بعض الانكسار الثقافي حتى فتحت أبواب السجون وخرجوا، وكان أصلاً كثير منهم قد هاجر في تلك الحقبة؛ لأنه كانت عدة دول عموماً تحارب السياقات الإسلامية، والأغلب في مرحلة الستينات هاجر إلى السعودية في تلك المرحلة.

وبهذا التفاعل الإسلامي الواسع حصلت تأثيرات مع انكسار في الجو العام، ثم حصلت الصحوة الإسلامية، وهذه الصحوة كانت تحولاً هائلاً عظيماً كبيراً جداً جداً، أيضاً ربما لم يدرك كثير من الناس حقيقة هذا التحول الذي حصل في الأمة نتيجة هذه الصحوة.

ما أن بدأت الصحوة حتى ظهر الجهاد الأفغاني، كما يسمى، قتال الروس أو قتال الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، واحتوى هذا الجهاد طاقة الصحوة الإسلامية؛ يعني كانت الأمور مندفعة، كانت الطاقات هائلة، كان الصعود للتو حاصل، فجاء هذا الجهاد فاحتوى تلك الطاقات، وبالفعل ذهب أبناء الأمة زرافات ووحداناً إلى أفغانستان وجاهدوا في سبيل الله، وكان المناخ العالمي السياسي لا يتعارض مع فكرة الجهاد وكذا، نظراً لكون العدو هو الاتحاد السوفيتي. وهذه كلها أمور معروفة لا حاجة لذكرها على وجه التفصيل، لكن الشاهد أنه بعد ذلك وابتداء من أحداث الحادي عشر من سبتمبر -طبعاً قبل ذلك صارت أحداث مهمة وكبيرة، سواء أحداث البوسنة، أحداث الشيشان، غير ذلك حتى من الناحية العلمية والثقافية، آثار الصحوة من الناحية العلمية، آثار الصحوة من الناحية التربوية، آثار الصحوة من الناحية الدعوية، آثار الصحوة على مختلف التيارات الإسلامية، سواء ما كان منها متبنياً للسياسة أو القتال أو الدعوة أو التربية أو إلى آخره- هذه كلها تأثيرات كبيرة حصلت في تلك المرحلة أيضاً، ليس هذا وقت ذكرها.

لكن أنا أريد أن أصل لنتيجة سأتي إليها بعد سرد بعض الأحداث، وهو مقدار التحولات التي تحصل اليوم. وابتداء من ما بعد ألفين وواحد، من بعد أحداث سبتمبر، إذا قلنا إننا في قرن كامل أو في القرن الأخير نعيش تحولات هائله وكبرى وأحداث عجيبة وعظيمة ومصيرية، فإن ذروة هذه الأحداث ابتدأت في آخر عشرين سنة، أو تحديداً الآن مضى عليها ربع قرن، خمس وعشرون سنة، نحن اليوم أمام أحداث مختلفة، هذه الأحداث المختلفة والمتنوعة يجمعها جامع واحد تقريبا، أو من أهم ما يجمعها، محاربة الجذور الإسلامية التي تؤدي إلى -ما بين قوسين- التطرف والإرهاب والأصولية وما إلى ذلك من الألقاب والألفاظ المعروفة.

وهذه الحرب الشرسه الشاملة الكبيرة دخلها أمريكا ودخلها الغرب بصورة مصيرية، وانعكست على العالم العربي بشكل واضح جداً. ومن هنا بدأت تحولات هائله وكبيرة جداً، وصار احتلال لأفغانستان ثم احتلال للعراق، الحرب على مستوى المناهج، على مستوى الدعاة، على مستوى الرموز الدينية، على مستوى كذا إلى آخره. وهذه الحرب أدت إلى انكسار الصحوة الإسلامية وإن كان بشكل تدريجي، لكن من الذي كان يدرك حينها أن هذا انكسار لصحة إسلامية استمرت قرابه ربع قرن من الزمان؟ وبالفعل كانت تلك الأحداث هي بداية الانكسار لذلك الزخم الهائل للصحوة. نعم، لا يظهر هذا في أول شيء؛ لأنه لما تأتي أحداث كبيرة تستهدف جذوراً عميقة.

الناس ماذا يرون؟ يرون أن كثيراً من الأمور التي نحن اعتدنا عليها موجودة؛ الدروس موجودة، كذا موجود، إلى آخره. ما الذي تغير؟ لكن لما تدور الأيام وتجتمع الأحداث الجزئية التي كل مرة نقول بسيطة، بسيطة، بسيطة، يدرك الناس بعد زمن أن الذي حصل لم يكن يسيراً، وأن ذلك أدى إلى تحول هائل.

أذكر أحد المشايخ الكرام في بلد من بلدان المسلمين حدثنا، يعني أنا سمعته مباشرة، قال: نحن عندنا جمعية فيها ثلاثة آلاف يتيم، ويرعون من مؤسسة خيرية في بلد آخر، بلد اسلامي معروف، يعني الجمعيات الخيرية والكذا، أغفلت هذه الجمعية. يقول: نحن، يقول: أنا في تلك الليلة ما أعرف كيف، ما أنام، يقول: ما أعرف كيف بت، لأنه في لحظة واحدة فقد رعاية ثلاثة آلاف يتيم.

الآن ممكن تقول لي: ما هذا الحدث؟ يعني ثلاثة آلاف يتيم، يعني الله المستعان، يعني عادي فقراء والله يعين. هي هذه الفكرة، أن كثيراً من الآثار تحدث لحدث بسيط بالنسبة لك، تقول والله مثلاً جمعية خيرية، طبعا نتكلم عن مؤسسات خيرية كبرى أغلقت. هذا البلد الذي أتحدث عنه الذي فيه ثلاثة آلاف يتيم ترعاهم هذه الجمعية، بلد في أطراف العالم الإسلامي، يعني لا هو البلد الأساسي الذي ترعاه هذه الجمعية، هذا واحد من البلدان، يعني ثلاثة آلاف هنا وثلاثة آلاف هناك وخمسة آلاف هناك ومئة هنا والـ ١٥٠٠ هنا، ربما عشرات الآلاف من الأيتام والفقراء والأرامل والمحتاجين وإلى آخره يقطع عنهم كل شيء في لحظة واحدة.

هذا شيء بسيط جداً من آثار الصحوة الإسلامية التي تأثرت بأشياء قد يراها الإنسان حين يراها يقول: والله الله المستعان، مؤسسة خيرية كبيرة أغلقت، والله المستعان الله يصلح الحال. لكن لما تنظر، هذه آثار كبيرة جداً. طيب، مثلها على المستوى الفكري، على المستوى الاجتماعي، على المستوى أشياء كثيرة جداً.

مثلاً يكون رمز من الرموز الإسلامية يبعد عن الساحة، يسجن أو أي شيء، البعض يقول: الله المستعان، الله يفرج عنا. لكن من يعلم الأعمال التي يقوم عليها هذا الرمز الإسلامي، والثاني والثالث والرابع والعاشر والمئة والـ ١٠٠٠ والـ ٥٠٠٠، لأنه تكلمنا عن مساحة العالم الإسلامي، مقدار الرموز الإسلامية التي تقبع الآن في السجون؟ نتكلم احنا عن آلاف مؤلفة من شرق العالم إلى غربه.

وهذا ما قد حصل في التاريخ ترى من وفاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، ما قد حصل في التاريخ أبدا أبدا، أبدا لم يحصل هذا، وأنا أتحدى أحد يثبت أنه حصل مثل هذا هكذا من شرق العالم إلى غربه أن تعمل لهذا الدين. فالإحتمال احتمالية أن تسجن هذه احتمالية كبيرة جداً، طبعا في استثناءات لا شك، في بعض البلدان أوسع، في بعض البلدان تتفهم، وفي بعض البلدان ما نعمم، لكن من شرق العالم إلى غربه موجود هذا الشيء باستثناءات.

انت لما تنظر خلال الـ ٢٠ سنة أو الـ ٢٥ سنة الأخيرة، كم من الرموز الإسلامية التي حيدت؟ كم من الرموز الإسلامية التي حيدت؟ كم من المؤسسات التي أغلقت؟ كم من المعاهد التي أيضاً أغلقت أو حوصرت أو صدرت أو غيرت مناهجها؟ وكم وكم وكم وكم؟ ارتدادات هذا وآثاره أكبر من أن تحصر، يعني أنت بقدر أصلاً ما تعرفه من عدد، يعني مثلاً ماذا تعرف عن طاجكستان وما فيها من حرب شرسه على الدين والاسلام والعلماء والدعاة والمصلحين منذ عقود طويلة، ومؤخراً منعوا الحجاب مثلاً؟

والتعريف العام ايش؟ بلد إسلامي يمنع الحجاب، يعني يمنع الحجاب! الله المستعان. ماذا تعرف عن أحوال الدعاة هناك؟ ماذا عن تركستان الشرقية؟ وماذا عن وعن وعن؟ وعدد ما شئت. وأيضاً مرة أخرى نقول: ومع ذلك يوجد خير كبير، ويوجد استثناءات، ويوجد بعض الدول فيها مساحات جيدة للعمل الإسلامي وفيها تفهم. كل هذه الاستثناءات نحن نعرفها، نحن نتكلم الآن عن التحولات، ما نتكلم عن الاستثناءات، والله يعينا على زمن الاستدراكات هذه اللفظية الكثيرة.

على من شرق العالم إلى غربه، اليوم من خاصة في الـ ٢٥ سنة الأخيرة، حصلت موجات هائله في ظل انشغال الغرب وعلى رأسه أمريكا طبعا في محاربة المد الإسلامي السني. خلال الـ ٢٥ سنة الماضية، من بعد ١١ سبتمبر، كان هناك على الضفة الأخرى من الأرض من يعمل بصمت، ويتطور بصمت، ويتضخم بسرعة هائلة، وهو كما يسمى المارد الصيني، وكذلك الروس، ترميم ما حصل بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، والصعود التقني الهائل والاقتصادي الهائل.

الغرب منشغلون انشغالاً حقيقياً بنا، بحربنا، بقتالنا، باجتثاثنا، فعلوا كل شيء، كل ما وصلوا إليه من التقدم التقني والاستخباراتي والأمني سخروه في الـ ٢٥ سنة الماضية في حرب نحن المسلمين، على أننا نعيش مرحلة الضعف، فكيف لو كنا في مرحلة القوة؟ يعني ماذا كانوا سيفعلون؟ نحن نعيش في مرحلة الضعف، بل ومن أشد الضعف، هذا ومع أنهم مع أن الغرب يخدمون من الناحية السياسية، ويخدمون من الناحية يعني كثير من هذه الجهود التي توجه في الحرب ما يحتاج حتى الغرب يدخلون بأنفسهم، هناك من يخدمهم في ذلك.

ومع ذلك كل الطاقات موجهة، ٢٥ سنة والحرب شرسة وهائلة. هذا الآن لسه احنا ما جينا فيما بعد ٧ أكتوبر، هذا الآن اختلفت الـ اختلف اختلفت المعادلة أيضا تماماً، لكن احنا نتكلم عن ما قبل ذلك، الأمر كان عظيماً جداً وكبيراً جداً وهائلاً جداً.

خلال هذه المرحلة، كما قلت، بدأ يتمدد المارد الصيني والروسي، و يحصل لهم صعود هائل وكبير، ونحن نراه اليوم، والله أعلم ما الذي سيكون ماله في المستقبل، قد يكون المستقبل القريب، الله أعلم كيف سيكون هذا المآل؟ حرب كبرى، حرب عالمية؟ لا يمكن أن يكون هناك توافق عالمي على أن تصعد أطراف جديدة كبيرة وهائلة في المعسكر الشرقي ويكون لها هذا التقدم الهائل، هذا مستحيل، ولذلك الصراع حاصل حاصل على أي مستوى، مستوى اقتصادي، مستوى عسكري، بغض النظر هو لا بد أنه حاصل ولا بد أن يتطور ويزيد.

وأكبر كذبة صدقها كثير من الناس المساكين في هذا الزمن، أنه فعلا العالم يعيش نظام الأمم العالمية التي توافقت على السلام وحقوق الإنسان وما أدري إيش وإلى آخره وكذا، وانه العالم عادي يعني سيتقبل فكرة أنه تصعد قوى جديدة، ما في ما في أحد يتقبل هذا، تتقبل أنت المسكين لحالك.

وهذا الصعود الكبير وهذا التطور الهائل والكبير في المعادلات، معادلات اطراف الصراع العالمي، هذا لابد أن يؤول إلى شيء، وهذا الشيء الذي يؤول قد يقود إلى متغيرات هائلة وكبرى، ولذلك ترى حتى بعض الدول الضعيفة بدات تحسب حسابها، تحسب حساب، ولاءاتها، روح يمين ولا يسار، شرق ولا غرب، رجل هنا ورجل هناك، طرف هنا وطرف هناك حتى يعني ايش الواحد يحسب حساب الزمن، نتكلم على دول يعني.

بعد ذلك وخلال وأثناء هذه الحرب، حصلت الثورات في ٢٠١١، ولا شك أنه هي كانت حدثاً جديداً خارج نطاق الحسابات، خارج نطاق التوقعات، لم يكن على نفس المستوى المتوقع في ال يعني فيما قبله من عشر سنوات، حدث جديد مختلف، مهول، كبير، واسع، هائل، لكنه قوبل بشراسه وبما يعرف بالثورات المضادة، والتي يعني رفعت سيفا لم تنزله حتى أراقت من الدماء وسفكت من الدماء البريئة ما لا يحصى، وبكل أنواع الشدة.

احنا نتكلم عن العشر سنوات أو ١٢، ١٣ سنة الأخيرة، احنا دائما نقول عشر سنوات والزمن يمشي، ما ننتبه أنها صارت ١٢، ١٣، ١٤، ١٥ سنة، تعودنا على كلمة عشر سنوات. هذه السنوات البضع عشرة سنة الأخيرة، ما كان من حرب في بعد ٢٠٠١، تضاعف أضعافاً كثيرة وهائلة جداً، ولكن تلك المرة كانت الحماسة الشديدة في هذه الحرب من أمريكا والغرب، وبعد ذلك صارت الحماسة الشديدة من الأنظمة السياسية في كثير من الأنظمة السياسية، عددا من الأنظمة السياسية في المنطقة التي باتت ترى أن ما حصل هو إشكال جذري وعميق، وجعلت المعركة الحقيقية بالنسبة لها هي معركة مع الإسلاميين وبقايا الإسلام.

وبالفعل صارت أشرس حرب خلال عشر سنوات أو بضع عشرة سنة، بضع عشرة سنة، وتغير وجه العالم العربي والإسلامي، ومن لا يرى هذا التغير... يعني شوف، المفترض أن الكل يبصر هذا التغير، لكن كل واحد يراه من جهة، كل واحد يراه من جهة، خاصة وأن هذا الـ هذه الحرب وافقت صعود موجة شبكات التواصل والتقنية وما إلى ذلك، و يعني حصلت تغيرات في الأجيال واضحة وهائلة وكبيرة، فكل واحد يبصر للقضية من طرف.

واحد يقول: والله الجيل تغير، واحد يقول: والله الله المستعان الإنترنت ما أدري إيش صار فيه صار فيه بلاوي، واحد يقول: يعني الله المستعان كان في مشايخ وعلماء والان يعني احنا مفتقدينهم، والثالث يقول: والله الله يصلح الأحوال يعني في مظاهر ما كنا نشوفها وصرنا... يعني كل واحد ينظر من جهة معينة، لكن المشهد الكلي، المشهد الكلي خطير وهائل وكبير جداً، وآثاره واسعة.

ولذلك نحن نقول، وأنا ذكرت هذا في سلسلة التجارب الإصلاحية في العصر الحديث، أن الصعود الثاني للعاملين للإسلام في القرن الحديث، في القرن العشرين، يعني من القرن العشرين، الذي كان في بداية السبعينات، بداية هبوطه كانت في ٢٠٠١، بداية الهبوط لصعود العاملين للإسلام للصحوة الإسلامية كان في بعد ٢٠٠١. هذه بداية الهبوط، مو معناها أنه بعد ٢٠٠١ صار الهبوط مباشرة، لا، بداية مقدمات طبعا.

خلال هذا صار في ممانعة شديدة، وصار في أمور يعني كبيرة من مقاومة المحتل والجهاد في سبيل الله، والحمد لله الذي هذا الجهاد أدى إلى نتيجة عظيمه وكبيره جداً جداً، وهي من أعظم النتائج التي تحققت في العصر الحديث، وهي نتيجة انتصار أهل أفغانستان على الاحتلال الأمريكي بعد ٢٠ سنة، هذا نصر يسجل في التاريخ، هذا نصر بقدر الانتصارات التاريخية التي نقرا عنها في كتب التاريخ، وهذا له حديثه إن شاء الله.

الشاهد أنه احنا يا جماعه الخير هذه هذه تحولات، يعني ترى أنا مقصد التسجيل ليس ذكر أفراد التحولات، مقصد التسجيل هو أنه في تحولات كبيرة، هذه التحولات الكبيرة كثير من الناس لا يدركها إلا بعد أن تنتهي. أنا لم أصل إلى النتيجه بعد، أنا أريد أن أقول: ما هو التحول القادم؟ ما هو التحول الكبير القادم النتيجة لهذه التحولات كلها؟

طيب، بعد ذلك حصلت مجموعة من الانفراجات، طبعا احنا صارت أول انفراجه عندنا انفراجة أفغانستان، وهي انفراجه هائله وكبيرة جداً جداً، ويعتبر نصر استراتيجي للأمة الإسلامية، نعم آثاره محدودة جغرافياً بحدود أفغانستان على الأقل في بداية مراحله، بعد ذلك أكيد سيكون هناك آثار على الجوار، من على الأقل من ناحية معنوية، من ناحية اعتبارية، من ناحية يعني من النواحي المعنوية المختلفة. لكن هذا انتصار جزئي، جزئي على يعني بالنسبة لمجموع الأمة يعتبر جزئياً، وإن كان هو انتصاراً هائلاً وكبيراً في حجمه، في مستواه، في آثاره المتوقعة بإذن الله.

بعد ذلك حصلت أحداث غزة، وأحداث غزة لا شك أنها سرعت من عجلة التحولات الهائله والكبيرة، وأحداث غزة يعني أيضاً الحديث فيها الآن، نحن نعيش، من الذي يدرك من الآن ما هي التحولات والأثار التي يمكن أن تحدث بسبب أحداث غزة؟ بل التي حدثت، وليس التي يمكن أن تحدث، التي حدثت إدراكها أسهل، التي يمكن أن تحدث وما علاقتها بكل هذا القرن، وما علاقتها بالـ ٢٥ سنة الأخيرة من حيث الآثار؟ لا أقيم من حيث مقاصد ونيات من فعل الحدث بالضرورة، لأنه ليس بالضرورة أن يكون الحدث الذي يؤثر في غيره أن يكون مقصوداً لمن فعل الحدث، ليس بالضرورة. الإنسان قد يفعل حدثاً معيناً لهدف معين، لفائدة معينة، لمصلحة معينة، لكن الآثار التي تحدث تكون غير محسوبة، أوسع بكثير من تأثيرات يعني محدوده أو جزئيه أحياناً في بعض الأحداث.

تحدث انفراجه هائله جداً للعالم الإسلامي بسبب أحداث ما يظن أصحابها أنها كذلك، وأحيانا تحدث حدث أزمات وأحيانا، فهذا حدث لا شك أنه مهول وكبير، لكن الكلام في كثير الآن الأحداث ساخنة، ونسأل الله العلي العظيم أن ينصر أهل غزة نصراً مؤزراً وأن يرحمهم وأن يفك أسراهم يثبت أقدامهم ينصرهم على المجرمين الظالمين المفسدين.

طيب، بعد أحداث غزة حصلت انفراجه انفراجه هائله عظيمه كبيره للأمة الإسلامية في قلبها، في بلاد الشام، تحرير سوريا، فتح سوريا. هذا الفتح وهذا التحرير قيمته عظيمة جداً جداً، وأعظم من أن يحصرها الحاصر ويعدها العاد. الذي قبل قليل، من الذي يدرك حقيقة الآثار التي يمكن أن تحدث بسبب الانفراجه في سوريا؟ بسبب الفتح في سوريا؟ بسبب التحرير في سوريا؟

ممكن قائل يقول: طيب ما الفائدة أن ندرك هذه الآثار هذه التحولات؟ الفائدة هو أن تدرك قيمه الحدث الحالي فتتفاعل مع الحدث بقدر ما يتوقع فيه من تحولات، من مآلات، وهذه المآلات والتحولات لا شك أنها اجتهادية ظنية حين ينظر إليها، لا يقطع الإنسان بها، لكن هناك آثار متوقعة. لذلك مثلاً اليوم الذين ينظرون بمنظار بسيط جداً إلى سوريا، تجدهم متأزمين، حانقين، يرون أنه والله مثلاً في إشكالات في سوريا وفي نقص في كذا وفي كذا وإلى آخره، ولا يدركون حقيقة حقيقة هذا التحرير في سياق الأمة، وفي سياق المئة سنة الأخيرة، وفي سياق الـ ٢٥ السنة الأخيرة. تحول هائل حدث، عظيم، كبير، مهول، عجيب، وكل خير مرتقب في الأمة في المستقبل كان من أهم شروطه أن تحرر سوريا. عاد والله بعدين حصل تقصير، حصل نقص.

حصل كذا؛ هذا لا يطعن في أساس الفكر. أساس الفكرة أن الله أتاح للأمة فرصة، فيجب أن تستغل الأمة هذه الفرصة أعظم وأثمن وأزكى وأعز وأجل استغلال. وهذا يقتضي صبرا طويلا وكبيرا وعميقا، وحكمة ورشدا، وترويا تجاه تحقيق الكمال الذي ينتظره الناس أو كثير من سوريا. هذا فضلا عن تفهم الواقع وأشكالاته إلى آخره، أنا أتكلم عن الخارطة الواسعة الهائلة الكبيرة للعالم الإسلامي وللتاريخ الإسلامي الحديث وموقع تحرير سوريا من كل هذه الأحداث.

هذا فرج من رب العالمين هذه رحمة، أنا ما أتحدث عن مجرد إنقاذ المستضعفين من صيدنايا والسجون الأخرى وما حصل من رجوع المغتربين، وهذه نعمة عظيمة جدا، لكن الأمر أعظم من ذلك وأوسع وأكبر بكثير. الأمة مقيدة مكبلة، موضوع الأغلال في أعناقها يا جماعة الخير منذ مئة سنة، ثم منذ خمس وعشرين سنة بشكل أكبر، ثم منذ بضعة عشر عاما بشكل أكبر وأكبر، ثم تأتي هذه الانفراجة في قلب العالم الإسلامي، بعدين واحد يقول والله بس عندهم كذا وناقص كذا وما كذا إلى آخره! يا أخي التزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وانصح وحاول وما في إشكال، كل هذا بالعكس مطلوب ومن أسباب النجاة أصلا.

لكن اياك أن تنظر إلى هذا الواقع بأنه واقع بئيس وسيء ويعني من أسوأ ما يكون، ويجب تغيير هذا الواقع ويجب... والله يا أخي يعني النظر إلى تاريخ المسلمين وتاريخنا الحديث ومعرفة ما الذي جرى وما الذي يجري يجعلك -إن كنت صادقا راشدا وتعرف التاريخ جيدا وتعرف حتى التاريخ القديم- تدرك أنك في نعمة عظيمة جدا جدا، واسعى لرعايتها. ومن أعظم ما يسعى لرعايتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، النصيحة، السعي للعمل في الخير، العمل في الدعوة، العمل في الإصلاح، العمل في المحافظة على روح العزة والكرامة والقوة، والتهيؤ لما هو قادم.

طيب، هذه انفراجه أخرى أيضا، وكنا والله أعلم في مرحلة انفراجات جزئية؛ انفراجه هنا، انفراجه هناك. هذه الانفراجات الجزئية لا تنتظر فيها النتائج الكبرى. يعني انظر إلى السياق التاريخي، أنت في مئة سنة في انحدار، مو انحدار! أنت مئة سنة في يعني فعلا البسطار العسكري موضوع على رقبتك، على رقبة الأمة، أنت مسحوق، لست فقط مستضعف. فمرحلة الانتصارات الجزئية لا تنتظر فيها النتائج الكبرى، فضلا عن بعض الاتجاهات والتيارات التي تبنت قبل سنوات فكرة الإتيان بالانتصارات الكبرى كرها ورغما عنها.

واحد يقول بسم الله الرحمن الرحيم قامت الخلافة! إيش فيك أنت ابن الحلال؟ خلافة ما تقوم زي كذا. خلافة لا تقوم هكذا، خلافة ما تجي بالغصب، ما تجي تجيبها تحطها تركز علم بمنطقه مسيطر عليها وتقول قامت الخلافة! ما هو على كيفك، ما هي كذا، ما تصير كذا لا في سنن الله ولا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ولا في التاريخ الاسلامي ولا في العقل ولا في العرف ولا في الأسباب ولا في الشرع ولا في أي شيء تصير زي كذا أبد، فقط في راسك أنت، فقط الوحيد الذي يمكن أن يقتنع بهذه القضية.

الخلافة والنتائج الكبرى والأمور الكبرى هذه نتائج ليست مقدمات، هذه نتائج ليست مقدمات؛ نتائج تؤول إليها المقدمات الكثيرة والكبيرة والواسعة والمتنوعة والمختلفة. لا يمكن أن تكون مقدمات الخلافة عسكرية فقط، ولا يمكن أن تكون مقدمات الخلافة علمية فقط، ولا يمكن أن تكون مقدمات هائلة وكثيرة بقدر ما حصل من غياب لها في التاريخ، بقدر ما حصل من إشكال في التاريخ، بقدر ما حصل من آلام عظيمة جدا ومهولة جدا حصلت المئة سنة بل والمئتي سنة الأخيرة، فضلا عن ربع القرن الأخير.

نرجع مرة أخرى: نحن اليوم في زمن تحولات هائلة وكبيرة. أن تعيش بعقلية الأحداث الجزئيه، وأن تعيش بعقلية الاهتمام الشخصي؛ ترى أنت ما أنت عارف بأي زمن عايش، ما أنت عارف بأي زمن عايش. اليوم الحياة ليست عادية، لا تتعامل مع الحياة اليوم بنفس الآمال البسيطة الجامدة التي كان يتعامل معها الجيل السابق في السبعينات والثمانينات؛ بوقتهم توهم الأمور بدأت تستقر من نواحي الاقتصادية ومن نواحي كذا، وكل واحد يبغى... اليوم أنت نعم مطالب أن تنجح في حياتك، وهذا كله جيد يعني، لكن لازم تحسب حساب وتعرف أنك أنت في زمن تحولات هائله وكبرى، وأول ما تستعد له هو أمر آخرتك، هذا في كل زمان بطبيعه الحال، ثم أن تكون جزءا من هذه التحولات الإيجابية الصالحة للأمة.

الأمة الإسلامية اليوم يا جماعة الخير، وبالنظر إلى سنن الله تعالى وإلى حكمته ورحمته وقدرته وعزته، وبالنظر إلى مجموع النصوص ومختلف الأحوال والواقع، يصل الإنسان إلى نتيجة واضحة. هذه النتيجة هي أن رحمة الله ستدرك هذه الأمة قريبا، رحمة الله ستدرك هذه الأمة قريبا، رحمة الله ستدرك هذه الأمة قريبا. وهذا الرحمة حين تنزل على هذه الأمة ستستعيد من خلالها ومن آثارها، ستستعيد كل ما فقدته خلال مئتي عام وخلال المئة عام وخلال الـ 25 عام، لكن هذه الاستعادة هي عبارة عن مسيرة، مسيرة استعادة وليست نتيجة واحدة تتحقق.

اللي ما يستطيع يدرك أهمية السياق التاريخي في فهم الأحداث الجزئية لن يفهم لماذا ما تحركت الأمة في أحداث غزة. في ناس تكاد تمزق يعني شعورها وما يسترها، وتكاد تجن أنه مو عارفين ليش وضع الأمة كذا. أغلب الناس اللي هي محتارة هذه الحيرة هم ناس استيقظوا متأخرا، ناس استيقظوا حديثا؛ مو استيقظوا حديثا معناه أنهم كانوا فاسدين لا، مو بالضروره، قد يكونون صالحين وكذا، لكن استيقظوا حديثا أنهم للتو ادركوا طبيعة التاريخ وطبيعة الأحداث وطبيعة تقييد الأمة وطبيعة أن الخمسة عشر عاما أو ثلاثة عشر عاما أو يعني العشر سنوات الأخيرة أنها كانت من أهم الأسباب في عدم تحرك الأمة اليوم، لأنها تلك السنوات حيدت فيها الرموز الإسلامية؛ مشايخ وعلماء ومؤثرون وغير ذلك من مختلف الرموز الذين كان لهم الأثر على الواقع الإسلامي وعلى الشارع الإسلامي وعلى السياقات الإسلامية المختلفة حيدت خلال تلك الفترة.

فرات الأمة نفسها استيقظت أمام هذه الأحداث المهولة بلا رؤوس موجهة. وأيضا أقول هذا ليس تبريرا ولا أعذارا ولا أنه لا خلاص ما بيدنا ولا شيء، ما أقصد هذا، لكن أقول فقط حتى نفهم اللي صار بس. طيب، لما نفهم اللي صار معناه ايش؟ نحط يد على يد ونقول الله المستعان وخلاص؟ لا طبعا، لكن حتى تفهم لازم استيعاب التاريخ، التاريخ على الأقل القريب، حتى تفهم هذا الواقع.

طيب، أنا أقول الآن من حيث المآلات والنتيجة، لا شك ولا ريب أن رحمة الله ستدرك هذه الأمة قريبا، وأن هذه الرحمة ستتمثل آثارها في مآلاتها إلى عودة عز الإسلام والمسلمين في الدرجة الكاملة في أعلى الدرجات. هذا يقين لا شك فيه ولا ريب، وليس كل إنسان مطالبا بأن يتحقق عنده هذا اليقين بالضرورة، لأنه أحيانا الإنسان ما يستطيع يستوعب هذه الحقيقة وهذه النتيجة وهو في ظل هذا الواقع البئيس؛ ليس الإنسان مطالبا بهذا اليقين، الإنسان مطالب بأن يحسن الظن بالله، أما ايش طبيعة الننتيجة وايش طبيعة كذا وايش طبيعة كذا، فهذا ليس الإنسان مطالبا به على وجه التفصيل، وإلا أيضا قد يكون تكليفا بما لا يطاق.

لكن اعتبروها يعني رأيا شخصيا، اعتبروها قناعة مبنية على مجموعة من التحليلات والاحداث والنظر وما إلى ذلك. هذا المآل العظيم الذي ستصل إليه الأمة باذن الله هو سيحتاج إلى مسيرة، وهذه المسيرة بالفعل هي مسيرة لا أقول إن الأمة الآن هي في المرحلة الصفر في هذه المسيرة، بالعكس، هذه المسيرة قائمة، وأحداث غزة عجلت من هذه المسيرة وعجلت من سرع تها وعجلت من قابلية الأمة لمثل هذه المسيرة بقدر الألم الذي رأته في غزة، بقدر الحنق والغيظ والقهر الذي رأته في دماء الأطفال وفي أشلاء المستضعفين.

ولذلك أنت اليوم أخي المسلم اختي المسلمة من واجبك أن تكون جزءا من مسيرة استعادة عز هذه الأمة. والفكرة دائما هو أن تجمع بين السقف العالي في الأمل والسقف العالي في حسن الظن وبين الواقعية في الفعل، والواقعية في الفعل الجزئي؛ لانه بعض الناس لما يتفائل تفاءلا كبيرا، أو عند أول ابتلاء وأول مشكلة وأول صعوبة يقول لك وين الآمال وين الكذا وين الكذا وين الكذا؟ وكأن الإنسان ياتي بهذه الأمور من رأسه يعني، وكأنه ما في سنن إلهية وكأنه ما في وعود ربانية، لكن الفكرة في فقه هذه الوعود وفي فقه هذه السنن وفي فقه التاريخ وفي فقه الواقع وفي فقه التجارب وفي فقه إلى آخره.

فلذلك الخلاصه اليوم هو أن الإنسان مطالب بأن يكون جزءا من مسيرة يصنع بها عز الإسلام والمسلمين. تقول لي هذه المسيرة هل تتمثل في شخص؟ هل تتمثل في جهة؟ أقول لك لا، هذه مسيرة عامة للأمة، لا يمثلها حزب معين ولا جماعة معينة ولا شخص معين، لكن الكل يجب أن يرتقي ارتقاء ولو بسيطا ولو بخطوات عن الواقع المزري البئيس الذي صنع لشباب هذه الأمة ولاجيالها حتى يمكثوا في المستنقع، أن يرتقوا ارتقاء نفسيا وإيمانيا وفكريا ومن حيث الوعي والفهم والعمل ورفع الراس والنظر إلى الأمام إلى هذه الأمة وإلى مصيرها وإلى مآلها، والنظر إلى الخلف إلى ما حيك لها ودبر لها وإلى ما أُوِذيت فيه وبسببه خلال المئة سنة الماضية.

فيخطوا خطوات، هذه الخطوات لها معالم، لها سمات ذكرتها في سلسلة التجارب الإصلاحية في العصر الحديث تحت عنوان معالم الصعود القادم، ذكرت مجموعة من معالم الصعود القادم التي ينبغي أن يكون عليها الصعود القادم، ويذكرها غيري في مختلف، الحمد لله اليوم الكثير لديهم الوعي والحكمه والكلام الطيب المؤصل والنافع الذي تستفيد منه الأمة بفضل الله سبحانه وتعالى. اليوم تتظافر جهود الأمة، اليوم القضية لا، الحمد لله رب العالمين الأمة تستعيد وعيها وتستعيد مقدمات كرامتها ومقدمات عزتها.

لكن التنبيه الأخير هو: إذا قلنا إن هذه مسيرة، وإذا قلنا إن هذه المسيرة مسبوقة بمئتي عام من القهر والاحتلال والاستعمار والغزو الثقافي والفكري، ومسبوقة بمئة سنة هي أشد من بعد سقوط المظلة الجامعة للأمة الإسلامية وما تبع ذلك من أحداث، وإن كانت أشد في الـ 25 سنة الأخيرة بعد الحرب العالمية على -بين قوسين- الإرهاب والشدة والحرب الشمولية في اجتثاث الجذور الإسلامية؛ إذا كانت هذه المسيرة هي بعد كل هذا، فلا تنتظر أن تكون هذه المسيرة تسير بهدوء وبسلاسه ومباشرة، ترتقي خطوة خطوة حتى تتسنم سنام المجد كاملا في خمس دقائق! لا، هذه مسيرة إذا كانت بعد كل ذلك، فلا بد أن تاخذ حظها ومسارها وسيرها، وعين الله ترعاها وهي محروسة بقدر الله سبحانه وتعالى.

والخوف ليس عليها من الخارج، الخوف عليها من داخلها، من انحرافها من داخلها، من إعجابها بمسيرتها، من إعجاب أبنائها بأنفسهم، من تخليهم عن منهاج النبوة وعن السير على ما يحب الله سبحانه وتعالى، من تفريطهم في الأسباب وفي الحذر، من عدم استيعابهم لحقيقة وطبيعة ومستوى المعركة الهائله الشرسه الشمولية والتي رأس الحربة فيها اليوم هو العدو الصهيوني، وعدم إدراك مقدار ما وصل إليه هذا العدو من قدرة أمنية واستخباراتية ومعلوماتية وإلى آخره؛ أن لا تدرك هذه المسيرة هذا الخطر، وأن لا تسير بهذا الحذر، وأن لا تعطي القضية حقها أو في نفس الوقت تسير وعين على الدنيا وعين على الآخرة.

هذا السير المتردد البطيء لا يصلح في أزمنه التحولات الكبرى؛ هذا يصلح بعد أزمة التمكين، بعد أزمة التمكين تمشي بهدوء ويعني ممكن إنسان يتوسع في الدنيا ممكن... أنا لا أتكلم عن المستوى الشخصي، أتكلم عن المستوى الجماعي، يعني حتى في تاريخ الأمة الإسلامية ترى ما أُنشئ المباني والعمائر والحضارة، ما يسمى بالحضارة الإسلامية على المستوى البنياني والعمراني إلا بعد زمن ترى، بعد زمن ترى، زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان أساس الرسالة والعمل لها التضحية في سبيلها، ما في، المسجد باللبن.

ولو أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستفيد من الخبرات والطاقات في مختلف العالم الإسلامي لبناء مسجد يبهر رسل الملوك حتى يقولوا الله ما أجمل هذا البناء دعونا ندخل في الإسلام لأن البنيان جميل، لو أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك لفعل، لكنه لم يفعل ذلك ولا خلفاؤه الراشدون، هذاك جاء الرسول وعمر رضي الله عنه نائم تحت شجرة تحت شجرة وقيلت الكلمه المشهوره سواء صحت الرواية بعينها ولكنها صحيحه بمعناها: حكمت فعدلت فأمنت فنمت.

فأزمنة القيام بالمشاريع الكبرى، أزمنة القيام بالرسالة تحتاج تعاملا استثنائيا. أما إذا أنت مشغول كل الوقت وعندك مشاريع تجارية كثيرة، ويا الله تبغى تدور لك أفضل شهادة وأفضل تخرج وأفضل جامعة وأفضل مكان وأفضل ما أدري ايش، ويا الله يا الله يا الله من بين هذا كله تلقى لك وقت يعني شوية تعمل فيه للإسلام وتعمل فيه لنصره هذا الدين، فيعني ما ليس بهكذا أناس ولا بهكذا مسيرة ولا بهكذا أوقات ترفع الرايات، ليس ليس بمثل هذا لا.

هذه في أزمنة الرخاء، هذه في أزمنة الرخاء في أزمنة التمكين في أزمنة الاستقرار تتنوع يعني يعيش الناس، طبعا ليس هذا معناه أن الإنسان يكون عالة على الخلق وما ينجح في دنياه، يعني برضه نحتاج استدراكات. لكن أنا أقصده: اليوم ليس السير العادي، اليوم سير استثنائي، ولذلك تذكرون في سلسلة خير القرون لما تكلمت على فكرة تفريغ العاملين.

أنه يا جماعة لازم الأمة تنهض لهذه الفكرة، يفرغ أناس من أبناء يا اخي عندك ابن مميز مو لازم يروح أفضل تخصص جامعي دنيوي مو لازم، ممكن أنت تفرغه بمالك حتى يكون من رموز العاملين للإسلام في هذا الزمن يا أخي. اعتبر هذه وظيفة شريفة، واعتبر أن من أفضل ما يمكن أن تدخل به الجنة إن شاء الله هو أن تقدم ولدك لهذا العمل الجليل ولهذا السبيل الشريف.

فالخلاصة والقصد أيها الكرام، نحن اليوم في زمن تحولات هائلة، وكثير من الناس لا يدركون أن هذه تحولات هائلة وكبيرة جدا، وأننا أمام ثمرات هائله وكبيرة كذلك نتيجة لهذه التحولات بإذن الله تعالى. وأنبّه أيضا على أن هذه النتائج العظمى والكبرى، كما أشرت قبل قليل، أنها تحتاج إلى مسيرة طويلة، وأن هذه المسيرة الطويلة قد يكون فيها من الآلام ما الله به عليم، بمعنى أنه ترى المرحلة القادمة قد يكون فيها تغيرات مؤلمة كبيرة قد لا تصنعها أنت ولا أصنعها أنا ولا يصنعها غيري، قد تكون هي نتيجة صراعات أصلا في العالم ومشكلات كبيرة وهائله وتغيرات والله أعلم ايش يصير من آثارها ومن أحوالها ومن تبعاتها، ولازم تتهيأ أنك أنت عايش في زمن هكذا، زمن المتغيرات، زمن الأحوال الصعبة.

على أية حال، هذه رسالة طالت ووصلت إلى ساعة تقريبا، ولكنها رسالة كما قدمت لها في البداية أرجو من الله سبحانه وتعالى أن تصادف قلوبا واعية وعقولا يقظة، تفهم ما فيها وتدرك ما فيها. ونسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وفضله وكرمه وجوده وإحسانه أن يرحم هذه الأمة وأن يعزها وينصرها، ونسأل الله العفو والعافية، نسأل الله العفو والعافية، نسأل الله العفو والعافية ونستغفره من ذنوبنا ونتوب إليه، اللهم يا ربنا صل على عبدك ورسولك محمد يا رب العالمين.