الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. يا أهلاً وسهلاً ومرحباً، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذا اللقاء. لقاء اليوم بعنوان: القلب المنيب.
والإنابة والمنيب والمنيبون، هذي الصفة في القرآن صفة عجيبة، وهي من الصفات التي يعرضها القرآن على أنها ليست صفة مستقلة، وإنما صفة مؤثرة في أحوال مرتبطة بالإنسان المؤمن، بمعنى أن من يحقق الإنابة ليس فقط أنه حقق منزلة دينية أو عملاً قلبياً مجرداً، لا، وإنما حقق شيئاً هو عبارة عن بوابة للخير. ودائماً الأعمال الصالحة والأعمال القلبية بعضها يعد مرتبطاً ومؤدياً إلى نتيجة أخرى، وبعضها مشروط بمقدمة سابقة.
الآن مثلاً نحن نتكلم عن الثبات، الثبات على الدين، أنت لا تتصور ثباتاً على الدين بدون يقين، أليس كذلك؟ أليس كذلك؟ إذا حين تذكر اليقين، لا تذكر اليقين على أنه مثلاً فقط يجعل الإنسان مؤمناً مطمئناً، لا، اذكر اليقين واذكر البوابة التي يفتحها للإنسان؛ واحدة من أهم البوابات التي يفتحها اليقين أنه يقود إلى ثبات. وهكذا الأعمال الصالحة، من المهم والحسن للإنسان المؤمن إذا نظر في الأعمال الصالحة أن ينظر إليها باعتبار: هل هي فقط عمل صالح مجرد؟ أو هو عمل صالح يقود إلى أعمال صالحة أخرى ويفتح نوافذ أعمال صالحة أخرى؟
الإنابة والمنيب، الإنابة كصفة كعمل، هي من الأعمال القلبية التي تفتح أبواب الخير بالنسبة للإنسان، ولذلك حين جاءت في القرآن الكريم لم تأتي على أنها مثلاً من عمل أو من كان منيباً فله الجنة مثلاً فقط، لا، وإنما أبواب أخرى تنفتح للإنسان ويكون مآلها ومؤداها إلى جنة الخلد بإذن الله تعالى. طيب، لماذا نتحدث الآن عن القلب المنيب؟ الحديث هنا ليس لإبراز فضل الإنابة فقط، وإنما الحديث هنا لنقول ما يلي: إذا أردت أن تستفيد من القرآن، إذا أردت أن تخشع في الصلاة، إذا أردت أن تحقق منزلة عند الله سبحانه وتعالى، إذا أردت أن يفتح عليك، إذا أردت أن تقاد إلى الخير عند التباس الأمور وأن ترزق الهدى والسداد، تلبس بالإنابة وتمسك بها.
وهذا الذي سأشرحه بإذن الله تعالى وسأظهر علاقته وارتباطه خاصة وأننا مقبلون على شهر رمضان، وفي هذا الشهر الكريم، الإنسان يحتاج إلى تحقيق الشروط الباطنة والداخلية حتى يستفيد من الأعمال الظاهرة. تعرفون عادة حين يذكر شهر رمضان، كثير من المسلمين ينصرف ذهنه إلى: ماذا أعمل من أعمال ظاهرة؟ يعني مثلاً، هل أحفظ القرآن أم أقرأ قراءة تدبرية؟ هل المهم أختم ولا أقرأ قراءة كذا؟ طب هل يصح أو هل من المستحسن أن أركز على القراءة بدون حفظ بحيث أختم عدة ختمات أو لا؟ طيب، صلاة التراويح هل الأفضل نصلي ثمان ركعات ولا عشرين ركعة؟ إحدى عشر ركعة ولا عشرين؟
وهكذا تركز الأسئلة على الأعمال الظاهرة وهذا دليل خير، لكن يا جماعة الخير، لن تستفيدوا من الأعمال الظاهرة، لن تستفيد حتى من قراءة القرآن والاستفادة الكافية إلا إذا تحققت بعض الشروط الداخلية. لذلك أعجبني جواب بعض المعتنين بباب السلوك حينما سئل عن الخشوع في الصلاة، وقال إن الخشوع في الصلاة يعني سبب الخشوع في الصلاة، كيف ممكن؟ وقال إن الخشوع في الصلاة إنما هو انعكاس لطبيعة قلبك وطبيعة نفسك في باقي اليوم وفي باقي حياتك.
بمعنى أنه لا يوجد زر تضغطه قبل الصلاة يجعلك خاشعاً، وليست هي وسيلة واحدة أو اثنين أو ثلاثة تفعلها فتكون خاشعاً في الصلاة، وإنما هي استعدادات قلبية وسلوك معين يسلكه الإنسان. لذلك إذا كنا نتكلم مثلاً عن شهر رمضان أو حتى عن حياة المسلم بشكل عام: كيف نستفيد أفضل فائدة؟ كيف نستفيد أكبر فائدة؟ الاستفادة العظمى لا تكون بالتركيز على كم ختمة، ولا تكون بالتركيز على كم ركعة، ولا تكون بالتركيز على الأعمال الظاهرة، وإنما الاهتمام والتركيز في أساسه إنما يكون على كيف أهيئ قلبي وأجعله قابلاً للاتعاظ وللاعتبار وللاستفادة من مثل هذه الأعمال سواء في رمضان أو في غيرها. وتعلمون أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر الصيام في ظرف رمضان قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، يعني هذه هي الثمرة في الأخير، هذه الثمرة.
طيب، بناءً على ذلك كله، ما الاستعدادات القلبية؟ ما الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان؟ ما الذي يسلكه كمسلك باطني حتى يستطيع أن يبدأ أو أن يعالج الناحية الظاهرية؟ الجواب هو التركيز على قضية الإنابة، التركيز على قضية الإنابة تحديداً. هذه الإنابة هي البوابة الباطنية الكبرى لتحقيق الاستفادة من الآيات، هي البوابة الباطنية الكبرى لتحقيق الاستفادة من العبر، ليس فقط حتى العبر القرآنية، وإنما حتى العبر الكونية.
طيب، هذا فقط مدخل للكلام على أن الإنابة هي صفة ليست منفكة أو مستقلة، وإنما هي صفة مؤثرة فيما بعدها، وأهمية الشرط الداخلي. طيب، دعونا نمر على بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن الإنابة ولننظر كيف أن الله سبحانه وتعالى يعرض لنا الإنابة على أنها بهذه المثابة. ايش هذي المثابة؟ هي النهاية السبب، هي البوابة هي المنطلق، فاحرص على الإنابة يستقيم لك ما بعده.
طيب، دعونا نبدأ مع قول الله سبحانه وتعالى في سورة غافر: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر: 13]. دقيق يا جماعة، هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقاً، وما يتذكر إلا من ينيب. الآية لا تقول إنه لكي تتذكر فكن منيباً، ليس فقط تقول هذا، وإنما تقول: ما لا يمكنك أن تتذكر، والتذكر هنا هو الاعتبار والاستفادة، لا يمكنك أن تتذكر إلا إذا كنت منيباً. فهي قضية شرطية: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر: 13]. ولذلك، طبعا هذه بداية الآية تشير إلى الآيات الكونية، ليست الآيات الشرعية، أليس كذلك؟ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً﴾ [غافر: 13] هذه الآيات الكونية، ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر: 13].
طيب، إذا ذهبنا إلى سورة الشورى، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: 13]. لاحظ، الآن من ينيب ليس فقط أنه له أجر معين، لا، الله يهديه إليه. تأكيد هذا المعنى في سورة الرعد: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: 27]. ولذلك لا تتعجب حين قال الله في سورة الزمر: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر: 18]. لا تتعجب أن يكون واحداً من المفردات التي وصفوا بها أنهم أنابوا: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر: 17-18].
هذه الصفة، ايش معناها؟ إذا كانت هي بهذه المثابة، يهدي إليه، وتكررت في القرآن مرة: ﴿يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: 27]، ﴿يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: 13]، ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر: 13]. طيب، ما هي هذه الصفة؟ لا تنسوا أنه لما أتى الحديث عن الجنة في سورة قاف: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [قاف: 31-33]. طبعا جاء متى؟ يوم القيامة. طب القلب المنيب؟ جاء بقلب منيب أي يوم القيامة كان قلبه منيباً، ولا ظل منيباً في حياته إلى أن لقي الله؟ واضح الفكرة؟ أنه أنهى حياته منيباً. الله يجزيك الخير، أنهى حياته منيباً، مكان هذي مثل: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. واضح، تعرف وقت الموت ليست كل الخيارات متاحة، لكن المقصود أنه استمروا على العمل حتى الموت. طب وجاء بقلب منيب هذه من أعمال الجنة.
طيب، ما هي الإنابة بناءً على ذلك؟ ايش هي هذه الإنابة التي تجعل الإنسان يكون مهديّاً إلى ربه، ويكون متذكراً مستفيداً من العبر، وهو الذي يدخل الجنة لأنه جاء بقلب منيب؟ لاحظ، قلب منيب، لأن الإنابة ليست فقط عملاً خارجياً. ما هي هذه الإنابة؟ الإنابة فيها صفات متعددة يمكن أن تنتظم تحت قضية الإنابة. أنا سأذكر مجموعة من الملامح والمعالم ثم سأذكر سمة الشخص المنيب حتى تتضح قضية الإنابة، لأنه كما قلت هي ليست قضية فرعية أو ثانوية، هي قضية من القضايا المركزية في القرآن.
أول شيء، الإنابة لا تتصور دون معنى الرجوع. تمام، الإنابة فيها معنى الرجوع. طيب، لما نقول الرجوع، هذي تذكرك بأيش من الأعمال الأخرى؟ توبة، جميل. إذاً في علاقة بين التوبة والإنابة، ممتاز.
أيضاً الإنابة فيها صفة الاقبال. المنيب هو المقبل. نستطيع أن نقول إنه مقبل بعد رجوع، أو هو راجع ثم مقبل. تمام؟ هذي الصفة الثانية: رجوع وإقبال.
خلينا نروح للرجوع شوية؛ التوبة تكون بالرجوع من ماذا؟ من الذنوب والمعاصي، هذا من حيث الأساس صح؟ طيب، الإنابة، الرجوع من ايش؟ حتى الرجوع من الذنوب والمعاصي يسمى إنابة، نعم، ولكن الإنابة تزيد على ذلك أنه حتى الرجوع من الأحوال التي ربما لا تصنف أنها ذنوب، ولكن رأيت تلك الوحشة التي تعتري الانسان في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى. أحياناً يشعر الإنسان بفتور، بجفاء، بجفوة، بوحشة، بشيء من جفاف الروح، وقد لا يكون أنه هو على ذنب معين، ولكن ربما طال عليه الأمد، تأخر في مراجعة نفسه، لم يكن عهده بالقرآن بعيداً، تمام. الذي ينتبه في تلك اللحظة فيرجع مباشرة إلى الله، هذا المنيب.
الآن، الرجوع ليس بالضرورة أن يكون رجوعاً من ذنب، الإنابة ليس بالضرورة أن يكون الرجوع من ذنب، وإنما الرجوع الدائم إلى الله سبحانه وتعالى حالة ذنب، وحالة تقصير في الطاعة، وحال الوحشة التي تعتري القلب، وحال نقص العمل، وحال حتى مجرد الشعور بالضعف. شفت الشعور بالضعف؟ أنا حين تأتي في لحظة تشعر أنك إنسان ضعيف، وأنك ذرة في هذه الأرض، واحد بين مليارات البشر، ما الذي يجعلك محل نظر الإلهي؟ الانكسار والضعف ذاك الذي ينالك في تلك اللحظة فتقبل على الله سبحانه وتعالى طالباً منه أن يجعلك ممن يرحمهم، هذه إنابة. هذي الرجوع إنابة.
فالإنابة فيها معنى الرجوع، وكما قلنا دواعي الرجوع بسبب الإنابة أو التي تحت الإنابة ليس هو داعي الذنب فقط، وإنما هو أيضاً داعي الاحتياج والشعور بالتقصير، الشعور حتى ولو بتغير الأحوال.
والمعنى الثاني قلنا ايش؟ الإقبال. ولذلك الإقبال، أنا سأذكر الصفة الثالثة، هم عادة يذكرونها مع الإقبال أو بعضهم يذكرها، اللي هي الإقبال مع الإعراض. الإقبال على الله مع الإعراض عما سواه. وتعرفون كلمة الإعراض هذي؛ الإعراض والانحراف والميل عما سوى الله سبحانه وتعالى. هذا المعنى أحياناً يكون مقصوداً مقدماً.
لذلك، إمام الأنبياء وأبوهم أكثر ما وصف في القرآن بأنه حنيف، والحنيف هو المائل. طب ايش المقصود مائل؟ هو المائل عن الشرك، فلما كان إبراهيم في قوم يتحدثون بالشرك ويدعون إليه وينافحون عنه ويقاتلون لأجله، وكان هو من بينهم قد انحرف عن عقيدة قومه ومال عنها إلى إسلام الوجه لله وحده، سمي حنيفاً، سمي حنيفاً. وهذا المعلم امتدحه الله به وكرره سبحانه وتعالى في مدح إبراهيم.
الإنابة فيها قريب من هذا المعنى، ولكن ليس من جهة الشرك والانحراف عن الشرك، هذا الحنيف، لكن هذه ايش فيها؟ ايش إعراض؟ هذا الإقبال إلى الله سبحانه وتعالى، اللي هو: يا رب، أنا لا أريد أن أطلب إلا أنت، ولا أريد أن التمس فرج كربتي إلا عندك، ولا صلاح حالي إلا عندك، وأقبالي ورجائي وخوفي وخشيتي هي في إقبال عليك أنت وحدك. وأرى الناس من حولي يتقاسمون الحاجات وتتشعب قلوبهم في الأودية، وأما أنا يا ربي فأنا أعرض وأقبل بقلبي إليك وحدك. الإقبال إلى الله والإعراض عما سواه، وهذا معنى آخر في قضية الإنابة.
إذاً، الإنابة هي ليست مطلق الرجوع، الإنابة ليست هي مجرد الرجوع، رجوع بإقبال فيه إعراض، رجوع بإقبال خالص صافي، فيه إقبال على الله وإعراض عما سواه. هذا معنى آخر من معاني الإنابة. لذلك، بعض العلماء، بعض المفسرين حين يذكر الإنابة يعبر بعبارات تفهم من هذا المعنى؛ فمثلاً، أظن ابن سعدي أو البغوي، يقول: أي هو المنيب هو الذي يقبل على الله منجذبة دواعيه إليه. واضح الفكرة؟ واضح فكرة أنه كل ما لدي وكل ما أفعله وكل ما استحضره وقت العبادة هو الإقبال عليك وحدك يا رب.
بعضهم أظنه يضيف معنى الإسراع كذلك في الإقبال، لكنه نستطيع أن نقول إن الإنابة تجمع المعنيين الأساسيين: الرجوع (وقلنا الرجوع بالمعاني التي ذكرت)، ولذلك بعض المفسرين حين يأتي إلى منيب أو أناب أو أنيب أو المنيب يقول لك: هو الراجع إلى الله في جميع أموره. والثانية: هو رجوع مع إقبال وإقبال خالص فيه إعراض وانكفاء عما سوى الله سبحانه وتعالى.
طيب، إذاً من هو الشخص؟
المنيب كسمة غير هذه الصفات كمفردات، من هو الشخص المنيب في حياته اليومية؟ كما مر معنا قبل قليل، الشخص المنيب هو الذي لديه دائما محور ارتكاز لا يستطيع أن يبتعد عنه. ألا رأيتم طفلاً صغيراً حين يكون مع أمه، ثم يأتي إلى أناس زيارة ولا شيء، يلعب يلعب يلعب يلعب يلعب، ما يكمل شوية إلا ماما ماما يروح يرجع لأمه! ها، هذا الشخص المنيب، هذا الشخص الذي لا يستطيع الانفكاك عن ربه سبحانه وتعالى، ما يأخذ قتيلاً حتى يبادر ويبحث أين وهي وهلم والان، ولا يؤجل ولا يؤخر.
لذلك لا تستغربوا إذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه قال: «إني لاستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة». إيش المعنى الذي كان يراعيه النبي صلى الله عليه وسلم في استغفاره لله وتوبته إليه في اليوم سبعين مرة؟ من المؤكد أن القضية ليست هي وجود الذنوب، هي قضية الإنابة. ولذلك لا تستغرب أيضاً ولا تتعجب أن يكون إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام قد وصفه الله بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ [هود: 75].
الإنابة ليست صفة هي للمذنبين والمعاصي، لا، هي للنبي صلى الله عليه وسلم وللأنبياء. إبراهيم إمام الحنفاء يصفه الله بأنه منيب. أيضاً لما ذكر الله سبحانه وتعالى داود قال: واستغفر ربه وخر راكعاً وأناب، ولقد فتنا سليمان وأقينا على كرسيه جسداً ثم أناب. داود أناب، سليمان أناب، إبراهيم منيب، والذين هداهم الله أنابوا، والذين يدخلون الجنة وجاء بقلب منيب، ومحمد صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب إليه كل يوم سبعين مرة. هذه إيش هي؟ إنابة.
إذاً، ما سمة الشخص المنيب في اليوم؟ إيش اللي يعمل؟ هو الشخص الذي يجدد رجوعه إلى الله دائماً. ولذلك ثبت عن ابن تيمية أنه قال: إني لأجدد إسلامي كل يوم. مو المقصود فيه أنه يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أنا الآن دخلت في الإسلام، لا، هو المقصود تجديد أصل علاقة الإنسان بربه من حيث إقباله إليه، تعزيز عقيدته الأساسية في الله سبحانه وتعالى، ما يتعلق بمركزيات العبودية العظمى عند الإنسان. هذا هو الشخص المنيب، هو الذي يديم الرجوع إلى الله.
طيب، شخص عنده اختبارات لمدة أسبوعين ثلاثة أسبوع، بالكاد يحافظ على الصلوات الخمس في تلك الفترة بحكم أنه مضغوط جداً، وخاصة لو كان في السنة الأخيرة ولا عنده مشاريع بحث وتخرج وما أدري إيش إلى آخره. طيب، الآن الإنسان المؤمن في مثل هذه الأحوال هو من الطبيعي جداً أن تقل العبادة الظاهرة، وهذا طبيعي، وهذا يراعيه الإسلام، أن الإنسان عنده مؤثرات خارجية أياً كانت بغض النظر إيش تكون، أحياناً هموم أحياناً. ولكن الشخص المنيب لا يمكن أن يغفو قلبه في مدة الإشغالات، ما يغفو قلبه. ممكن يقل العمل الظاهر، ولكن قلبه قد تعود على الزاد اليومي بينه وبين ربه، فإذا نقص هذا الزاد تجده -كالام التي فقدت طفلها- حائرة، لا يقر لها قرار، ولا تجد لها سكوناً حتى تجد ابنها.
وهذا حال المؤمن الذي تعود على الزاد اليومي القلبي الروحي، مهما وجدت الشواغل الخارجية، مهما وجدت، تجده مضطرباً قلقاً تائماً، لا يرويه أي شيء. أعطه ما شئت من المسعدات الخارجية ومن المسكنات الخارجية، لن يقر له قرار. طلعوا رحلة، خليه يسافر أي مكان، أعطه فلوس، كل السعادات التي يمكن أن يحصلها مما هو تحت عنوان الدنيا كلها مصنفة لديه في خانة غير خانة السعادة التي يشعر بها كل يوم أبداً أبداً، فلا يقر له قرار، ولا يلتئم له قلب، ولا يستقر له حال، حتى يجدد رجوعه إلى الله سبحانه وتعالى.
وهذا الرجوع قد يكون رجوعاً قلبياً، لكن الإنابة غالباً يظهر عليها أثر، يعني هي يكون مصدرها قلبي ويظهر عليها أو ينعكس على جسم الإنسان أو على أعماله الظاهرة شيء من أثر الإنابة. أحياناً يتمثل هذا الشيء في سجدة، يعني هذا الشعور بالاحتياج لله سبحانه وتعالى، ثم اضطراب القلب، ثم بحثه عن الرواء والارتواء، يعبر عنه أحياناً في أنه يصلي ركعتين يسجد فيهما لله سبحانه وتعالى فتجده ارتاح.
لاحظوا يا جماعة، ترى هو ما صلى ركعتين عشان ينجح في الاختبارات، وليس ولم يصل الركعتين ليزول همه، مع أن الصلاة لأجل أن تدعو ليزول همك عبادة. إذا أنت نزلت بك نازلة فصليت لأجل أن يرفعها الله عنك ودعوت، هذه عبادة، عبادة عظيمة. لكن لاحظ، أنا ما أتكلم عن هذا الآن، أنا أتكلم عن أنه يسجد لله سبحانه وتعالى لأنه لا يستطيع إلا أن يسجد، لا يستطيع، ما يقدر يعيش، ما يقدر ما يقدر يكمل، لازم يسجد. واضح؟ هذا الشخص المنيب.
هذا الشخص المنيب قد يعبر عنها بسجود، قد يسهر هذا القلب أو ما يشعر به القلب في سجود، لكن قد يعبر عنه بشيء آخر، ممكن يكون دعاء، ممكن يكون ذكر معين، ممكن يكون استثمار أي وسيلة تعبدية محيطة به. ممكن إيش بالضبط؟ تذكر جاره الفقير المحتاج وهو يشعر بقدر من التقصير أو شيء باتجاه الله سبحانه وتعالى فيذهب ليلتمس طريقة رجوعه إلى الله تحت عنوان الإنابة بصدقته على جاره. لاحظوا الآن، حين تتصدق في معاني الإنابة في نفسه تماماً، تعرفون الآن الإنسان يتصدق أحياناً، أنت تتصدق والمعنى الذي في نفسك أنني أخرج الزكاة المفروضة، المعنى المسيطر عليك هو أن هذا واجب علي فأنا أخرجه إرضاء لله سبحانه وتعالى وإبراء للذمة، صح؟
أحياناً تتصدق لأنك ترحم المسكين، أنت خرجت فوجدته جالساً بثياب بالية، تعرف أن حاله كسير وضعيفة، وتنكسر عليه فتعطيه رحمة به. كلما استطاع الإنسان المؤمن أن يجمع عدة معاني قلبية في العمل الصالح فهذا أعظم. واحدة من المعاني التي يمكن أن تقع على الإنسان في بعض أحوال الصدقة والإنابة أنه يا رب أنا أشق بقدر من التقصير معك، وأنا واحدة من أسباب رجوعي أو من عناوين رجوعي أنا الذي تصدقت على هذا لأني أعلم أنك تحبه، أن أتصدق على الفقراء.
واضح معنى منزع الإنابة الآن في الصدقة؟ منزع الإنابة في الصدقة هو هنا صارت عنوان رجوع، عنوان رجوع، وهنا يمكن أن تستحضر «اتقوا النار ولو بشق تمرة». ايش معنى ولو بشق تمرة؟ يتصدقون بها، ومن لم يجد فبكلمة طيبة. طيب ليش كلمة طيبة؟ لأن الكلمة الطيبة صدقة، هكذا ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الكلمة الطيبة صدقة». واضح الفكرة؟ واضح؟
فمن هو الشخص المنيب؟ هو الشخص الذي يديم الرجوع إلى الله في حياته بل وفي يومه، وكلما علت منزلة أو حال الإنابة عند الإنسان كلما كثر مصداق هذا بكثرة رجوعه حتى في اليوم الواحد، حتى في اليوم الواحد. وكما قلت لكم، هو ما يعبر عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لاستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة».
نختم بمثل ما ابتدأنا، إذا كنا نتكلم عن مثلاً شهر رمضان أو عن عبادات ظاهرة معينة، لا تبحث عن الأمور الخارجية الظاهرة فقط، أول ما تبحث غص في داخل نفسك وفتش في ثنايا هذا القلب، إن وجدته قلباً غير منيب، إن وجدته قلباً يمكن أن يطول عليه الأمد ولا يشعر بالاحتياج ولا يشعر بالجفاف والشقاء، هنا العلاج يحتاج أن يكون للقلب. وبلا شك العمل الصالح الظاهر يؤثر، لكن الفكرة أن ترجع إلى الأساس، إلى المنبع، إلى المنزع الأساسي، حتى يصبح القلب كمثل ما ذكرنا في حال ذاك الطفل الصغير جداً الذي لم يكمل العامين أو العامين والنصف، وقد ظل يظل كل وقته في اليوم مع أمه حتى يذهبوا إلى أناس أو شيء يلتهي قليلاً ثم لا يستطيع إلا أن يرجع، يرجع إلى أمه باحثاً عما اعتاد عليه من رعايتها وحنانها وعطفها.
وهكذا الإنسان المؤمن قد ينشغل ببعض الأمور لكنه سرعان ما لا يستطيع حتى يبادر فيرجع باحثاً عما اعتاد عليه من الاتصال بعبوديته لله سبحانه وتعالى، وما يعطيه الله من المعرفة في القلب، والسكينة في النفس، والرواء في الروح. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المنيبين الصالحين، وأن يغفر لنا ويرحمنا، ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [الزمر: 54]. وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد