بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. الله يحييكم ويبارك فيكم، وأشكر لكم هذه الاستضافة.
المادة بعنوان "كيف نتعامل مع الشبهات في باب السنة النبوية". هذا الموضوع مهم، والمخاطبون بهذه المادة هم من لديهم العناية بمعالجة المشكلات في هذا الباب، أو من يريد أن يفهم ما الذي يجري في هذا الباب وهو طالب علم، وقد يكون له مساهمة. هؤلاء هم المخاطبون، وليست المادة لمن لديه الشبهات في باب السنة النبوية، فهؤلاء الخطاب موجه لهم في مقامات أخرى. لقد قدمت بعض الخطابات في هذا الموضوع، منها دورة في حجية السنة ست محاضرات موجودة في قناتي، ودورة بعنوان "السنة" تشكل ثلاث محاضرات موجودة أيضاً في اليوتيوب، وكذلك كتاب تثبيت حجية السنة النبوية؛ كلها موجودة لمن لديه إشكالات في حجية السنة. لكن الخطاب اليوم موجه لمن لديه اهتمام بمعالجة هذا الملف.
سأتحدث عبر ثلاث نقاط أساسية. النقطة الأولى هي بعنوان "الواقع والمآلات". لا نستطيع أن نعالج مشكلة معينة دون أن نتصور واقعها بشكل جيد، وهذه القضية مفهومة ومعروفة في كل المشكلات؛ فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، وبقدر إدراك الواقع بشكل جيد بقدر ما نستطيع أن نضع الدواء على محل الداء. لأجل ذلك سأقدم مقدمة مختصرة جداً عن الواقع فقط من باب فتح النافذة، وأما التفاصيل الكثيرة المرتبطة بالواقع فليس هذا مقامها.
مع انفتاح شبكات التواصل، أتيحت منابر لأناس لديهم إشكالات فكرية، ولديهم أمراض قلوب، ومشاكل من مختلف النواحي؛ أتيحت لهم منابر مجانية ليعبروا عن آرائهم أو يقدموا أفكارهم بدون حساب وبدون رقيب. هذه القضية جعلت قدر المتحدثين بما لا يعلمون، أو فيما لا يحسن الحديث فيه إلا من لديهم العلم، جعلت هذه المساحة والبوابات مفتوحة بشكل كبير، وبالتالي كثرت الروافد على عموم الناس الذين يستمعون إلى أمور ليست محسوبة علمياً ولا منهجياً، وليست مبنية على أسس ولا على علم. وهذا أدى إلى اختلال كبير في طبيعة التلقي وطبيعة التأثر.
أمر آخر أتى مع شبكات التواصل وعلاقتها بقضية الشبهات حول السنة النبوية، وهو أنه في السابق -ما قبل شبكات التواصل، أي ما قبل عشر سنوات- كان هناك بعض الرموز الذين لديهم إنكار للسنة النبوية أو التشكيك فيها. هؤلاء الرموز طرحوا أطروحات كثيرة، مثل محمد شحرور والحداثيين العرب بشكل عام، وقبلهم المستشرقون؛ فالأطروحة الاستشراقية جعلت التشكيك في السنة النبوية جزءاً أساسياً منها، عندكم مثلاً شاخت وغيره، كان الطعن في السنة والتشكيك فيها يأخذ نصيباً كبيراً جداً. ثم تلاميذ المستشرقين، من أمثال محمود أبو رية ممن أخذ أخذاً واضحاً عن "جولد زيهر" تحديداً، كان هناك نصيب من خطابهم متأثر بالخطاب الاستشراقي. ثم من بعدهم رموز الحداثيين العرب، الذين كانت ذروة نشاطاتهم في السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الفائت، كان لهؤلاء أطروحات في التشكيك في السنة النبوية، وأغلب هذه الأطروحات متأثرة بالخطاب الاستشراقي.
ولكن لم يكن هناك من المنابر والمنافذ ما أمكنهم به الوصول إلى عامة الناس، كان خطابهم نخبوياً؛ فمثلاً أطروحات "أركون" أو "الشرفي" وغيرهما من الحداثيين لم تكن أطروحات شعبية حقيقة، لم يكن مقدار التأثر بها متأثراً شعبياً، وإن حصلت بعض المناظرات في الفضائيات أحدثت نوعاً من النقل العام، لكن في الأساس كانت أطروحاتهم بحثية، وكان من له عناية بهذه القضايا هو الذي يتأثر بمثل هذه الإشكالات.
الذي حصل الآن في شبكات التواصل أنه نقلت هذه الإشكاليات من المربع النخبوي إلى الفضاء العام. وكيف نقلت؟ نقلت عبر وسائل، من أبرزها أنه أتت رموز وسيطة. هذه الرموز الوسيطة أخذت دور التجسير بين الأطروحات الحداثية والاستشراقية وبين الفضاء العام. ومن أبرز هؤلاء وأشهرهم عدنان إبراهيم؛ فكثير من الأطروحات التي طرحها هي أطروحات إما طرحت من الحداثيين أو من المستشرقين سابقاً ولكنها كانت في دوائر مغلقة، وهو نقلها إلى الفضاء العام. وحين نقلها إلى الفضاء العام، طبيعة شبكات التواصل -دعنا نقول- طبيعة التلقي فيها ليس التلقي العلمي؛ فالذي يتلقى لا يشاهد مشاهدة من لديه الأدوات العلمية والبحثية، إنما يكتفي بمقطع من المقاطع، وأحياناً يكون للإثارة، وتحت مسميات كثيرة.
الذي حصل هو أن هؤلاء الوسطاء، الذين من أبرزهم عدنان إبراهيم، قاموا بنشر ما كان نخبوياً من الإشكالات والشبهات إلى الفضاء العام. ولذلك هو قدم مجموعة من الخطب والمحاضرات والأطروحات فيما يصب في حجية السنة أو بعض مضامينها. هذا نقل الدائرة ونقل القضية والإشكالات إلى شريحة واسعة؛ فمثلاً هو لديه خطبة في التشكيك في البخاري، تجاوزت مشاهدات الخطبة نصف مليون مشاهدة، وهي خطبة أطول من ساعة كاملة، وكلها مجموعة شبهات كثيرة ملمومة في مكان واحد وقدمت في إطار شعبوي. هذا كله جعل طبيعة التأثر بالشبهات المثارة حول السنة النبوية يختلف عن طبيعة التأثر بالشبهات بالسنة الذي كان قبل أكثر من عشر سنوات.
وبعض الناس من المعالجين، سواء من الأكاديميين في بعض الجامعات أو من الدعاة بشكل عام، لم يدرك طبيعة هذا التغير أو لم يدرك طبيعة التأثر بهذه الإشكالات والشبهات، فظن أن المعالجة لهكذا قضية تكون عبر معالجة تحت قالب واحد وهو مثلاً قالب البحوث العلمية الرصينة المركزة. وهذا في الحقيقة واحدة من الوسائل، ولكنها ليست المعالجة الحقيقية؛ هي طرحت في فضاء خارج عن هذا الفضاء البحثي الدقيق، وتلقيت تحت عنوان يختلف عن هذا العنوان، وبالتالي المعالجة من المفترض أن تراعي هذا الوسط الذي تلقيت فيه أو تم التفاعل فيه مع هذه الشبهات والإشكالات. ولذلك حقيقة المعالجة للشبهات المثارة حول السنة النبوية تكون أولاً بإدراك طبيعة التأثر وطبيعة الشريحة المتأثرة وطبيعة التلقي الذي حصل فيه مثل هذا.
أيضاً، الذين كانت لهم أطروحات قديمة من الحداثيين مثل محمد شحرور، وجدوا في شبكات التواصل ما أتاح لهم أن ينقلوا أطروحاتهم السابقة النخبوية إلى الفضاء العام دون وسطاء. الفكرة الأولى كما قلت كانت عبر الوسطاء مثل عدنان إبراهيم؛ عدنان إبراهيم لم يقدم أطروحة خاصة، ليس لديه شيء معرفي خاص به أو نظرية معينة، وإنما هو شبهات مجمعة من هنا وهناك، وإشكالات من هنا وهناك، وطرحها. أما محمد شحرور فلديه رؤية معينة مرتبطة بالسنة -طبعاً رؤية منحرفة فيها إشكالات علمية كبيرة جداً- ولكن أتيح له من خلال شبكات التواصل أن ينقل هذه الفكرة. وكان أكثر ما حصل هو عبر لقاءات تلفزيونية، هذه اللقاءات التلفزيونية نزلت في اليوتيوب، وحصل فيها قص للمقاطع واختصار وكذا، وتم انتشارها. وبالتالي صارت هناك شريحة واسعة تتبنى أفكار محمد شحرور، وإن كانت نسبياً ليست كبيرة بالمقارنة بالاتجاه الصحيح الآخذ بالسنة، ولكن على الأقل من ناحية العدد والجمهور يعد كبيراً.
الآن هذا من حيث الواقع وهو ضرورة أن ندرك هذا الواقع. حسناً، من حيث المآل؛ مآل هذا الواقع، مآل التشكيك في السنة النبوية الذي أخذ صورة العبثية أو أخذ صورة القوالب والأفكار المعلبة الجاهزة الصغيرة المفرقة؛ ما مآلات أن يكون كثير من شباب المسلمين قابلين للتأثر أو فعلاً متأثرين بمثل هذه الأطروحات المشككة في السنة والثوابت؟ هناك أربعة مآلات تشكل قدراً كبيراً من الخطورة في هذه القضية.
المآل الأول: أن هذا التشكيك في السنة النبوية إنما هو مقدمة ووسيلة للوصول إلى دركات أكثر شؤماً وأكثر شراً. ولذلك لما بدأت هذه الشبهات والإشكالات حول السنة النبوية وكثرت، نتج عنها خلال سنتين أو ثلاث سنوات أو كانت هي أحد أسباب نشوء الموجة الإلحادية. والموجة الإلحادية غالباً تكون متطلبة جسراً بين أن يكون الشاب مسلماً ثم ينتقل إلى ملحد صريح؛ هذا الجسر من صيغه التعريفية أو من البطاقات التعريفية له هو التشكيك في الثوابت الإسلامية، ومن جملتها السنة النبوية وحجيتها. إذاً، خطورة واقع التشكيك في السنة النبوية تكمن في المآل، وهو أن هذه الشبهات والإشكالات ومن تأثر بها يمكن أن تصل إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فطبيعة هذه الشبهات والإشكالات ليست طبيعة صلبة تجعل من يتأثر بها يقف عندها، وإنما طبيعتها زلقة تأخذ بمن يتأثر بها لينحدر أكثر ويصل إلى منطقة أعمق في الانحراف.
المآل الثاني: إشكالية التشكيك في السنة النبوية أنها تعطيل لمصدر معرفي ومصدر تشريعي أساسي في الإسلام. القضية هنا -لا أتكلم الآن من ناحية الخطورة على دين الإنسان فقط، أنا ما أتكلم من الناحية الذاتية أنه فمن عطل مصدراً تشريعياً يكون قد ارتكب كذا وكذا- أنا أتكلم عن صورة أن تنشأ شريحة وقد أغلقت أمام أعينها وأمام عقولها بوابة معرفية أساسية من بوابات الإسلام. هذه بوابة ليست مجرد أوامر ونواهٍ، لا، هي بوابة معرفة، مصدر من مصادر المعرفة في الإسلام، وإن كانت تحت مظلة الخبر، لكن هي باب أساسي في أبواب الخبر. وبالتالي إغلاق مثل هذه البوابة معناه تعطيل للشباب المسلمين عن استقاء المعارف من مصدر معرفي أساسي، وهذا فيه إشكال كبير يقودنا إلى النقطة الثالثة أو المآل الخطر الثالث.
وهو أن هذا التشكيك يقود إلى استجلاب مصادر أخرى؛ البحث عن مصادر معرفية أخرى. أنت كانت لديك مضخات معرفية عبر كتاب الله وعبر سنة النبي ﷺ، تشكلت لديك منظومة معرفية معينة، أنت الآن أغلقت بعضها؛ هذا الإغلاق يحدث حالة من الفقر والفراغ، أحياناً هذا يدعو إلى البحث عن مصادر أخرى وهذا ما حصل بالفعل، ولذلك هي مآل للإلحاد.
المآل الرابع: أن هذا يزيد من مشكلتنا العامة؛ مشكلة الإسلام والمسلمين، مزيد من الضعف، مزيد من الهوان، مزيد من الانحراف، مزيد من البعد. ولا تنتظر أمة تزعم الانتساب إلى النبي ﷺ ثم يتنكب كثير من أبنائها عن الاعتراف بسنته بأنها حجة وأنها مصدر، لا ينتظر أمثال هؤلاء عوناً إلهياً، لا ينتظر أمثال هؤلاء توفيقاً إلهياً، لا ينتظر أمثال هؤلاء عجلة تدور باسم أمة الإسلام أو أمة النبي ﷺ إلى الأمام.
هذه الآن لمحة متعلقة بالواقع؛ وهي الثلث الأول من المادة، نافذة على الواقع بحيث إن إدراكها يعين على المعالجة بإذن الله تعالى.
النقطة الثانية: هو ما الذي يحتاجه من يعالج الشبهات المرتبطة بالسنة النبوية؟ ما الذي يحتاج إدراكه أو مراعاته من حيث المحتوى؟ محتوى ما يقدم. هذه قضية في غاية الأهمية وفي غاية الخطورة أيضاً، لأن ضعف المعالجة أحياناً يؤدي إلى عكس النتيجة؛ يعني إذا أنا عالجت بشكل خاطئ، ليست المشكلة فقط أن العلاج لا يعطي أثره، وإنما المشكلة أن العلاج أحياناً يعطي نتيجة عكسية. لابد أن يكون هناك خارطة تصورية جيدة للمحتوى الذي يجب أن يقدمه الإنسان الذي يعالج الشبهات المرتبطة بباب السنة النبوية. ولذلك من المهم أن يراعى هذا التقسيم أو هذا الإطار العام؛ من يريد المعالجة حول السنة النبوية يجب أن يكون المحتوى أو أن يراعي في محتواه تغطية أمرين اثنين: الأمر الأول التغطية البنائية، والأمر الثاني التغطية الهدمية. أن يغطي جانب البناء وجانب الهدم، ومعالجة الشبهات حول السنة النبوية لا يكتفى فيها بالبناء وحده، ولا يكتفى فيها بالهدم وحده.
والبناء ينقسم إلى قسمين: بناء برهاني، وبناء سلوكي إيماني. والهدم ينقسم إلى قسمين: هدم مجمل وهدم تفصيلي. سأذكر الآن تفاصيل هذا المحتوى لكن هذا فقط عرض سريع؛ إذاً من حيث المحتوى، إذا أنا أردت أن أعالج الشبهات المقدمة في باب السنة النبوية، من المهم جداً.
أن أراعي جانب البناء وجانب الرد، لا أكتفي بأحدهما، وجانب البناء يجب أن أراعي فيه الأمرين؛ الأمر البرهاني والأمر السلوكي الإيماني. وجانب الهدم يجب أن يراعي فيه أمرين اثنين أيضاً؛ الأمر المجمل والأمر التفصيلي. هذي القضية ليست مجزئة، يعني لا نقول إنه اه أنا أكتفي بهذه النقطة فقط. لا، ماشي، أنت تركز على هذه النقطة، ولكن يجب أن تتصور أن الاحتياج لتغطية هذه جميعاً في نفس الوقت، وليس في وقت دون آخر.
ما المقصود بهذا التقسيم؟ هذا الآن مرور سريع لتوضيح هذا التقسيم. أولاً، ضرورة تغطية الجانب البنائي في الرد على الشبهات حول السنة النبوية. من الأخطاء التي يقع فيها البعض هو أن الإنسان إذا أراد أن يعالج الشبهات يذهب إلى الشبهات مباشرة فيرد عليها. والله عندنا شبهات إلحادية، كيف نتعامل معها؟ يلا ايش أبرز الشبهات؟ واحد اثنين ثلاثة خمسين شبهة نرد عليها الآن، والحمد لله كذا انتهينا. ما أبرز الشبهات حول السنة النبوية؟ والله في كتابة السنة كذا مثلاً، أحاديث معينة فيها إشكال البخاري وما يتعلق من إشكالات. خلاص هذه حزمة الآن إذا كتبنا فيها بحث معين أو قدمناه في مادة يوتيوبية ستنتهي، يعني خلاص سنكون قد سددنا الاحتياج. ابدا هذا غير صحيح، وهذا نقص كبير في غاية الخطورة.
أولى وأهم ما ينبغي العناية به في معالجة الشبهات هو تقديم ما يضادها من البناء. وكلما عززنا جانب البناء بقسميه البرهاني والإيماني والسلوكي، فهذا بطبيعته يعين ويؤدي إلى هدم الشبهات والاشكالات. ولاجل ذلك من يريد أن يقدم شيئاً فليعتني بجانب الإثبات كما يعتني بجانب الرد. جانب البناء المقصود فيه جانب الإثبات؛ إثبات حجية السنة، إثبات مكانة السنة النبوية. طيب، هذا الآن من حيث الأصل، اللي هو تقسيم البناء والهدم. الهدم طبعا المقصود فيه الرد على الشبهات.
طيب البناء قلنا ينقسم إلى قسمين: بناء برهاني وبناء سلوكي. البناء البرهاني المقصود به الاتيان بالبراهين الدالة على أن السنة النبوية حجة. وهذا أمر معروف ومتفق عليه ولكن تقع فيه إشكالات حقيقة، يعني بعض المعالجين للإشكالات حول السنة النبوية لمن يأتي لجانب البناء يقع في إشكالات البناء البرهاني. ايش مثلاً؟ من الإشكالات أن يستدل على حجية السنة بالسنة. هذا الاستدلال الأول وهذا من الخطأ البرهاني، لا يصح الاحتجاج بالسنة على حجية السنة إلا في حالات معينة، هذه الحالات يصح الاحتجاج بالسنة على حجيتها، كما يصح الاحتجاج بالقرآن على حجيته في حالات أو في بعض النصوص، والا في الأساس لو جاء شخص مثلاً فقال شخص غير مسلم: ما الدليل على أن القرآن حق من عند الله؟ فتقول له: قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2]، كان معلوماً لمن يمارس هذا الاستدلال أنه قام بمصادرة على المطلوب، قام بخطأ مصادرة على المطلوب. المفترض أنك تثبت أن هذا القرآن حق ثم تستدل داخل نصوصه، لكن يمكن أن تأتي على الملحد ببعض الأدلة العقلية في القرآن وتستدل بها، ليس باعتبار كونها نصاً خبرياً وإنما باعتبار ما تتضمنه من دلالة.
نفس الشيء في السنة النبوية، يمكنك أن تستدل ببعض النصوص في السنة على حجيتها ليس باعتبار كونها خبراً مجرداً، وإنما باعتبار ما تتضمنه؛ مثلاً الأخبار الغيبية الواردة في السنة النبوية والتي تحققت ووقعت. هذه من جملة ما يمكن الاحتجاج به، أليس كذلك؟ إنه من أين يمكن أن يكون هذا إذا كان هو من أنتم تقولون إن السنة من كلام أصحاب المذاهب والسياسة ما أدري ايش وآباؤكم وأجدادكم؟ طيب من أين لهؤلاء هذا العلم وأن السنة فيها نصوص كثيرة جداً من أخبار الغيبية التي وقعت؟ ومن المفارقة العجيبة أن بعض المنكرين يقول من الأدلة الدالة على أن السنة ليست حجة أن فيها أخباراً غيبية. المفارقة العجيبة ليش؟ يقول إنه لا يعلم الغيب إلا الله، وبما أنكم تقولون أن السنة فيها أخبار غيبية ولا يعلم الغيب إلا الله، فانتم تناقضون القرآن أصلاً. طيب شيل القرطاس شوي الذي على هذا وفكر، فكر شوية، لماذا لا يكون الاستدلال عكسياً؟ أيوا، لماذا لا تقول بما أن في السنة أخباراً غيبية ووقعت فهذا يدل على أنها من عند الله سبحانه وتعالى؟ على الأقل هذه الأخبار التي ورد فيها مثل هذا المعنى. وهذا يذكر بشبهة مثل من يقول إنه القرآن باطل لأن فيه بعض الأخبار التي توافق أو الموجودة في الكتب السابقة، وهذا يدل على أنها مسروق. والعجيب أن القرآن يذكر، هو القرآن نفسه يذكر، أن في الأخبار الموجودة في القرآن ما هو مصدق لما بين يديه، والقرآن كان يعرض هذه القضية على أنها دليل على صدق القرآن لا دليل على خطئه. فيعني يأتي البعض ويظن إنه المفكر العظيم الكبير الذي ابتكر تلك الفكرة الهائلة، يقول: إنه شف والله موجود في لوقا في مدري ايش كذا، إذا هذا دليل على السرقة، وهذي مفارقة عكسية عجيبة جداً.
إذا يمكن الاستدلال أحياناً بالسنة على حجيتها في مقامات، من ضمنها أن يحتوي النص دليلاً أوسع من كونه نصاً خبرياً، مثل الأخبار الغيبية. هذا واحد. اثنين، يمكن إذا استطعت أن تثبت إثباتاً خارجياً أن هذه النصوص التي فيها أن السنة حجة مثلاً، أن تثبت بطريق خارجي أنها نقلت بطريق قطعي، فإما أن تكون بمعنى التواتر، أو حتى التواتر بمعناه الخاص ليس بالضرورة بمعناه العام، وبالتالي هنا يمكنك أن تقول نعم هذا خبر ولكن أنا أثبت لك أن هذا الخبر من قول النبي صلى الله عليه وسلم بطريقة قطعية يقينية. واثبات أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم بطريقة قطعية يقينية ليس بالحديث، لم يقل للحديث إن هذا الخبر من قول النبي صلى الله عليه وسلم بطريقة قطعية، وإنما استدلك استدلالاً علمياً خارجياً، فهذا يمكن أيضاً إذا رافقه استدلال بمثل هذا المعنى يفيد أيضاً الاستدلال بالسنة على حجيتها، يفيد هذا في التعامل مع من لم ينكر جميع السنة. هناك أناس متأثرين بشبهات وليسوا بين قوسين من القرآنيين الذين أنكروا كل...
طبعا أنت عارف بعضهم ينكر... لا، هناك من ينكر كل تمام، من كان يأخذ ببعض عنده اضطراب، فهذا يفيد أن تستدل عليه بالبعض لأنه من باب الإلزام مثلاً. فهذه بعض المقامات وإلا فالاصل، وهذا من الأخطاء أنه مثلاً واحد يريد أن يثبت حجية السنة ويأتي ويسرد كل النصوص النبوية الواردة التي تدل على أن السنة حجة، هذا جيد إذا كان من باب تثبيت اليقين لمن يؤمن بالسنة ابتداء، هو يؤمن بالسنة وأنت تقول له مما يعزز ثقتك بالسنة أنه قد جاء فيها كذا وكذا وكذا، هذا جيد. لكن إذا كان من باب أنه أنا أصدر الكتاب بمقدمة؛ هناك شبهات حول السنة النبوية والمنكرون وهذه أدلة تقمع ترد باطلهم ومدري ايش، ثم تأتي بأحاديث في البيهقي وحديث في الدارقطني هكذا وفي سنن أبي داود كذا، وهو لا يعترف معك أصلاً بحجية السنة، فينبغي أن يتنبه لهذا، فهذا من الأخطاء الواقعة من الناحية الإثباتية البرهانية، ليس لكونها ليست حجة في ذاتها، وإنما لمراعاة مقام المخاطب، لا أنها ليست حجة.
طيب هذا من الأمور التي يجب أن تراعى في الجانب البرهاني. الأمر الثاني الذي يجب أن يراعى في الجانب البرهاني هو أهمية الارتكاز على القرآن الكريم في إثبات حجية السنة، لأن إنكار حجية السنة، خاصة عند القرآنيين، هو مستند في زعمهم القرآن الكريم، ومحاجتهم بالقرآن هي المركز وهي الأساس. حسناً، أين التنبيه؟ التنبيه هو أنه أحياناً نأتي بأدلة من القرآن ولا نعرف اعتراضاتهم المشهورة عليها. إذاً، النقطة التي يجب التنبيه عليها، وهذا يتمنى من كل إنسان له عناية في هذا الباب أن يهتم بها جيداً: إذا استدللت بالقرآن على حجية السنة فمن المهم أن أستحضر أن يكون استدلالي قاضياً على أهم وجوه الاعتراض التي تطرح، ليس معنى ذلك أني أتتبع كل شيء لكن على الأقل الأهم فالأهم. أحياناً تنتبه، أحياناً يأتي أحدهم يرفع لك لافتة، هذه اللافتة مشوهة، لافتة مشوهة ولكنهم يفرحون بها، ويقول لك: اه أنتوا، يلا أنا أنتظر منك ايش الدليل على حجية سنة؟ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، يعني الرسالة وليس الرسول يعني الشخص المرسل. خلاص، والله ذكر مدري مين في اللغة أنه كذا. يلا بتقول له يا حبيبي طيب وكثير النصوص: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: 7]؟ قلت: أبدا الرسول الرسالة.
فهنا أنت تنتبه، هذا إشكال سخيف، سخيف جداً جداً جداً يعني. حتى أنا أذكر تناقشت مع واحد كان يقول لي: أقول لك ايش الإثبات إنه الرسول والرسالة؟ ها؟ أقول لك، أقول لك ايش الإثبات؟ قلت له: ايش الإثبات؟ قال: شوف الله سبحانه وتعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، ما قال له قل أطيعوا الله وأطيعوني. هو الاستدلال العبقري، ها، قال: ما يصير إنه لو كان المقصود بالرسول هو الشخص، ما يصير إنه يقول الرسول نفسه يقول أطيعوا الرسول. قلت له: لا يا حبيبي ترى موجود في الخطاب العربي واضح وكثير أنه يأتي الشخص ويتحدث دون أن يأتي بضمير المتكلم. ومثلاً، مثلاً الأمير يأتي فيقول: أطيعوا الأمير. أو شخص يكون خطيباً ويقول لهم: أطيعوا الناصح، أطيعوا النذير، ها إني أحذركم أطيعوا النذير. يقصد نفسه. اتحداك، اتحداك تثبت لي خطاباً إنه فيه كذا، طبعا جاهل.
المهم، فكان من... أذكر حتى... المهم يعني صار نقاش وكذا، ثم أتيت له بآية: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 173]، غير إني أنا الغفور الرحيم، والله غفور رحيم. أنا كنت أناقشه في الواتس، فكان ظهر لي إشعار يكتب الآن، فتوقعت ايش بيكتب، بس قلت لا يعني الكتابة لو كتب اللي في بالي فهو سخافة كبيرة جداً وكتبها فعلا. وهو قال: لا تشبه الخالق المخلوق، إيه لا تشبه، اللغة العربية ما لها دخل، بس هو لا تشبه خالق مخلوق. يعني الشاهد ايش؟ الشاهد من الكلام هو أنه في سبيل الإثبات البرهاني إذا أردت أن استدل على حجية السنة من القرآن، بل أستحضر أهم الاعتراضات التي يعترضون بها على الأدلة القرآنية لأنهم يقدمون اعتراضات.
فمثلاً من الآيات التي يمكن أن تستدل بها على هذا الاعتراض تحديدا هي الآيات التي فيها الرسول وفيها الخطاب فيها ضمير المخاطب، مثلاً: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]، ومن تولى فما أرسلناك، وهنا قبلها ومن يطع الرسول. واضحة القضية بس أنه على الأقل يكون الإنسان مستحضراً مثل هذا المعنى. فهذا التنبيه الثاني؛ وهو أن تكون أدلة الإثبات من القرآن، وأن يُعتنى فيها في بيان وجه دلالتها بأن تكون مزيلة للإشكال، أو أن يستحضر المستدل وهو يستدل بتلك الأدلة القرآنية أن يستحضر أيوه الشبهات الأخرى والاطروحات الأخرى، بحيث أنها تكون معالجة. وهذا حقيقة إشكال؛ عدم التطبيق هذا إشكال موجود عند الكثير، ليس فقط في باب حجية السنة وإنما في أبواب كثيرة، تأتي أنت بدليل قرآني معين على قضية، يقول لك المخالف: يا اخي نعرف هذه الآية، نعرف هذه الآية ونحن رددنا على الاستدلال عليها. إذا كان ردهم ولو كان باطلاً ولكنه مشهور وتأثر به الكثير ودائماً يطرح ويكرر، فمن الحسن، من الحسن وأنت تستدل بالآية القرآنية، أنت تستدل أو تبين من وجه دلالتها ما يبطل هذا الاشكال أو هذا الاعتراض.
طيب هذا أيضاً من الأمور التي يجب أن يراعى فيها الجانب البرهاني. أيضاً في الجانب البرهاني والإثباتي من المهم أن يراعى إثبات حجية السنة من جهة التواتر، من جهة التواتر. وهذا غير المنزع الخبري المجرد، ليس لأن عدم التواتر ليس حجة، ولكن لأن إنكار التواتر أمر أكثر فظاعة وأكثر فجاجة. المقام لا يسع هنا، أنا في كتاب تثبيت حجية السنة ذكرت بعض الوجوه التي يمكن الاستدلال بها من خلال التواتر على إثبات حجية السنة النبوية. فهذه ثلاث تنبيهات في الجانب البنائي البرهاني.
بقي القسم الثاني من البناء، اللي هو السلوك الإيماني. وهذا جانب يغفل عنه بعض أو كثير من المعالجين لهذه الإشكالات، ألا وهو أن هناك جانباً عظيماً في السنة النبوية، من أغفله ومن عطله ومن كفر به، فقد أغلق على نفسه وعلى المسلمين باباً عظيماً من أبواب الصلاح والهداية والفلاح التي لا تتحقق إلا بالاستدلال أو بالإيمان بهذه السنة النبوية. بمعنى أنه مثلاً أحدهم أو بعضهم يكاد يحصر السنة النبوية من جهتهم المنكرين في مجموعة من النصوص التي أشكلت عليه، وكأن السنة ليس فيها منظومة تشريعية كاملة، وكأن أحكام الصلاة والزكاة وبقية أبواب الفقه ليست مبنية على السنة مع القرآن، وكأن تفاصيل الاعتقاد الإسلامي ليست مبنية على السنة مع القرآن، وكأن تفاصيل المنظومة السلوكية والأخلاقية في الإسلام ليست مبنية على السنة مع القرآن. التركيز على الجانب البنائي السلوكي وجماليات السنة وعظمتها، ما تغطيته من جوانب تشريعية وعقدية وسلوكية وأخلاقية، مقدار البركة التي في السنة النبوية، مقدار ما ينفتح على الإنسان من أبواب التعبد لله. يا اخي، أنظر مثلاً فقط الأدعية؛ الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنة النبوية.
عنوان كبير من عناوين التعبد في الإسلام، أنا لا أتكلم بمجرد حفظ الأدعية وتكرارها، لا، الغوص في معاني تلك الأدعية. وأحياناً تأتي لبعض الأدعية تكاد تحلف وتجزم بدون النظر أن فيها نور النبوة. طبعا هذا ليس دليلا مستقلا، لا يصح أن الإنسان يستدل به على صحة الحديث، لكن أنا أقول هذا، تكاد تفعل ذلك ثم يأتيك هذا بإسناد صحيح. أنت يعني مثلاً دعاء سيد الاستغفار، دعاء عظيم، دعاء فيه بركة فيه خير، دعاء هو يلخص معنى العبودية أصلاً، يلخص معنى العبودية.
كثير من المعاني الموجودة في السنة النبوية يكون من جملة ما تعزز مكانة السنة بها هو غرس هذه المعاني وتأكيدها مبكراً، تأكيدها مبكراً. وهذا في الجانب البنائي، وهو في شق الوقاية أيضاً مهم جداً وفي غاية الخطورة. فإذا أرادنا أن نقي أبناءنا، نقي الشباب من الإشكالات والشبهات حول السنة النبوية، فلا نكتفي بأدلة الإثبات، إثبات حجية السنة، ولا نكتفي بالرد على الشبهات حول السنة النبوية، وإنما لنؤسس فيهم أنه لا يمكن لك أن تعيش حياة البركة والخير والعبودية لله سبحانه وتعالى إلا بالسنة النبوية، وأن فيها من البركة والخير والنعيم والنور ما ستحرم بسببه إذا أغلقت، ما ستحرم بسبب إغلاقك له. تحرم بسبب ذلك من النعيم والخير والبركة والنور والفلاح والهدى.
وهذا جانب مهم جداً، وهذا الجانب أكثر من يؤمن به من يعمل به. فمن يعمل بالسنة النبوية ويلزم بما فيها، فانه من أكثر الناس شعوراً ببركتها وخيرها ونورها، ويحق له أن يقول لمن ينكر السنة ما قاله إبراهيم لقومه حين حاجوه في الله: ﴿أَتُحَاجُونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي﴾ [البقرة: 158]. ولك أن تقول أيضاً: أتحاجني في إنكار السنة وأنا أتغذى كل يوم من بركتها ونورها وروحها، وأرى ما فتح الله علي بسببها من حسن التعبد وحسن العبادة وحسن العمل؟ وأنا أتبع النبي صلى الله عليه وسلم في خطواته، وفي مجيئه وفي ذهابه، ولا سبيل لذلك إلا السنة النبوية. فهذه قضية يجب عدم الغفلة عنها في باب البناء، القسم السلوكي.
أما القسم الثاني من حيث المحتوى فهو القسم الهدمي، والقسم الهدمي يجب أن نغطي فيه الأمرين: الأمر الإجمالي والأمر التفصيلي، أو المجمل والتفصيلي. المجمل أحياناً يكون أهم من التفصيل. التفصيلي واضح؛ التفصيلي هو والله يوجد شبهة معينة متعلقة بحديث معين، مثلاً حديث النهي عن الكتابة، عن كتابة القرآن، فهذه الآن الاستدلال بهذا الحديث على إنكار حجية السنة هو الرد عليه يكون ردا تفصيليا، يعني تحت مظلة التقسيم التفصيلي. ومثل ذلك من الأمور والشبهات التفصيلية: والله هناك راو معين من شيوخ البخاري قال مدري ايش، وهذا معناه أن شيوخ البخاري ما أدري ايش فيهم، هذا الرد يكون تفصيلي.
لكن هناك ردود إجمالية هي أهم، ودائماً يا جماعة إذا نحن أسقطنا أصول وكليات الاتجاه الآخر تسقط الجزئيات، لذلك التركيز على الكليات وعلى مجملات الرد هو من أهم الأمور. مثلاً من الردود المجملة والمقام لا يسعى للتفصيل -أنا مثلاً في كتاب تثبيت حجية السنة ذكرت عشر قضايا في مناقشة منكري السنة، هذي يمكن أن تدخل تحت الرد الإجمالي- واحدة منها هو النقاش في كيفية إمكان إقامة الدين مع إلغاء السنة النبوية. أنا أتكلم الآن من المنزع المادي السلوكي، اللي هو من ناحية البركة، لا لا، من الناحية العملية الفعلية؛ كيف يمكن إقامة أصول الدين الكبرى المتفق على تشريعها بين المسلمين بالغاء السنة النبوية؟ ومنها طبعا الصلاة.
هناك اعتراضات أيضاً يحسن استحضارها حتى أنت ترد؛ فمنهم مثلاً من يقول إنه لا، أنا استثني مثلاً الصلاة لأنها منقولة بالتواتر العملي، فنحن نقول له: أنت الآن صرفت محل الاشكال من المصدر الذي استقيت منه هذه العبادة إلى طريقة نقلها، فانا لم أقل لك كيف نقلت حتى تناقشني في هذه القضية، وإنما نقاشي معك هو من أين عرفنا أن الصلاة خمس؟ من أين عرفنا أن الصلاة؟ من القرآن ليس مذكورا في القرآن، تمام؟ ثم بعد ذلك نقلت بالتواتر العملي، نقلت الآحاد، نقلت ما يهمني، أنا الآن يهمني: أن مصدرها من القرآن أم من السنة؟ السنة! هنا السنة! إذن بغض النظر عن طريقة النقل، إذا أعلقت مصدر السنة، فهذا معناه أنك وقعت في إشكال كبير من حيث شرائع الإسلام العظام.
فلو قال لك: ننقل لك هذا فقط في الأمور المهمة مثل الصلاة، نقول له: هذا دليل عليك، هذا دليل عليك! إن كان من شأن السنة وعظمتها أن استقلت ببيان المعالم الكبرى لأهم فريضة في الإسلام، فاذا كان من شأن السنة أن تستقل ببيان معالم الصلاة وتبين أنها الصلوات الخمس، وتبين مواقيتها، وتبين عدد ركعاتها؛ فمن باب أولى أن تأتي السنة بتفاصيل فيما دون ذلك من الأحكام. وهذا من النقاش الذي يمكن أن يكون في الدائرة المجملة وهو مهم، وللجانب التفصيلي أيضا. الجانب التفصيلي كذلك مهم، الكتب المؤلفة في الرد على الشبهات من الناحية التفصيلية كثيرة، كثيرة جداً، والكتب أو العناية بالجانب الإجمالي عناية قليلة، مع أنها أهم، ليست فقط مهمة وإنما هي أهم، غير أنه لا يستغنى بالجانب الإجمالي عن الجانب التفصيلي.
هذا من حيث المحتوى، ومن يراعي يعني إذا كان هناك مثلاً معهد أو مدرسة أو سياق تربوي معين يربى فيه الطلاب على الوقاية من الشبهات من السنة النبوية، أو يخرج فيه طلاب في تثبيت حجية السنة وما إلى ذلك، فليراع هذا الشمول، أن يكون هناك قسم إثبات وقسم رد. قسم الإثبات يراعى فيه الجانب البرهاني بالضوابط، والجانب السلوكي والإيماني. وقسم الرد يراعى فيه الجانبين: الجانب الإجمالي والجانب التفصيلي.
بقيت النقطة الأخيرة وهي مختصرة جداً، وهي طبيعة أو أصناف المنكرين للسنة النبوية، وهذا يؤثر في طريقة المعالجة والمحتوى، حتى أين ينزل؟ يمكن لنا أن نقسم المتأثرين بالشبهات حول السنة النبوية إلى قسمين أساسيين، الموجودين في الواقع ينقسم إلى قسمين أساسيين. قسم ليس له أو لاعتقاده في الشبهات حول السنة النبوية اتجاه ناظم يمكن أن تلملم به أفكاره، وإنما من طبيعة هذا التأثر أنها طبيعة أفقية مضطربة، ليست منتظمة تحت منهج معين، وإنما بحسب تأثر الشخص.
فمثلاً يوجد شخص لديه تأثر بالجانب الإنسانوي الغربي، يقول لك: والله أنا عندي مشكلة في أحاديث الحدود صراحة، عندي مشكلة في أحاديث الحدود، عندي مشكلة في أحاديث من بدل دينه فاقتلوه. آخر أو أخرى متأثرة بالجانب النسوي، يقول لك: والله أنا عندي مشكلة في أحاديث مثلاً: إذا استأذن أحد أحداكن.. استأذنت أحدكم امرأته، ليش تستأذن أصلاً؟ ما الذي جعله حق؟ أنا عندي مشكلة مع هذه النصوص مثلاً. طيب، والنصوص الأخرى؟ والله ما في منهج، بحسب المنزع، بحسب المنزع. وأحياناً نزعة عقلانية غير حتى ممنهجة، عقلانية نسبية، نسبياً تعني: والله أنا ما أتصور صراحة -يعني هذا حتى مثلاً محمود أبو رية عنده بعض هذه الأشياء- يقول لك مثلاً: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، أنا ما أتقد.. الحين منتشر عبارة "أحس لا" يعني: أشعر أنه لا.
فأنت تقول له: طيب يعني تعال، ليش؟ من أي ناحية؟ الجنة من حيث المساحة ما تكفي أنه يكون فيها شجرة ظله أو أن يكون ظل هذه الشجرة مائة عام؟ الله سبحانه وتعالى يقول عن الجنة: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: 133]، تعرف السماوات إيش عرضها؟ أين من مساحة السماوات استشكال أن يكون هناك مساحة شجرة ظلها مائة عام؟ طيب، لا والله ما.. من حيث القدرة الإلهية؟ طيب، الذي خلق جنة عرضها السماوات والأرض يعجز أن يخلق شجرة داخلها؟ طيب، هل هذا هو أعجب ما.. ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: 9]؟ ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: 28].
أين القضية؟ الكلمة للشيخ مصطفى صبري رحمه الله يرد على منكري المعجزات، يقول: وكأنهم يمكن المعجزات من من الإسلاميين في وقته الذين يحسنون صورة الإسلام برأيهم، يقول: وكأنهم حين ينكرون المعجزات بزعمهم وكأنهم يخففون عن الله سبحانه وتعالى عبء المعجزات يعني؟ ليست القضية هكذا، وهل الله سبحانه وتعالى يعجزه أو يعييه أن يفلق البحر لموسى، أو أن يصعد بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء في ليلة، أو أن.. إلى آخره؟
ولذلك الإيمان بالمعجزات لا يكون إلا بعد الإيمان بالله وقدرته وكماله، وإلا فلو وكل الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحده، أو إلى موسى عليه السلام وحده، أو إلى عيسى عليه السلام وحده، فلا يمكن له أن يقوم وحده أو أن يستقل بمثل هذه المعجزات. وكل إيمان المؤمن بالمعجزات هو إيمانه بأن الله قد أيد بها أنبياءه، وليس أن الانبياء أنفسهم هم الذين أحدثوها باستقلالهم. هذا مثل الاستنكار، هذا أحياناً عقلي نسبي، حتى لا يقال عنه عقلي هكذا؛ لأن السنة موافقة للعقل، ولكن هو عقلي نسبي: أنه أنا أظن أنه لا، أُشعر أنه لا، قد لا يكون لا، قد يكون لا، وهكذا.
فهذا جزء من الاتجاه أو من الإشكال الموجود في الواقع. وهذه الشريحة التي بهذه المثابة -التي بعضها ينكر أحاديث مما يتعارض مع الناحية الإنسانوية الغربية، أو من حيث ما يتعارض مع النسوية، أو مع ما يتعارض مع تصوراته النسبية- هذه هي الشريحة الأكثر. هذه الشريحة الأكثر، وهذه الشريحة خطورتها أنها غالباً لديها هشاشة. خلنا نقول: الأكثر ملامسة للوتر الحساس لديه هو الأكثر تأثيراً فيه، ليس الأكثر علما، وهذا إشكال. ومعالجة المشكلات عند هؤلاء طبيعتها تختلف عن الاتجاه الثاني.
الاتجاه الثاني من هو؟ هو الاتجاه الذي يسير ضمن منهج يمكن وصف أوله وآخره، ويمكن فهم معالمه بشكل تام، وغالباً له مقدمات توصل إلى نتائج معينة، وهو الاتجاه القرآني. ما يسمى بالاتجاه القرآني، وإن كانوا هم ليسوا مستقيمين مع القرآن بلا شك، بل مناقضين له في آيات كثيرة. هؤلاء لهم رموز ولهم كتب، وهؤلاء أكثر.. هم الأقل انتشاراً من ناحية الأول، ولكنهم الأكثر خطورة من حيث أمرين: من حيث خطورة القول نفسه؛ لأن هذا القول مصيبة في الدين، أن ينكر الإنسان السنة النبوية كاملة. أما الأول فيقول لك: لا والله، أنا أؤمن بالسنة، بس هذه الأحاديث يعني بعض الأحاديث ما تدخل عقلي، ما أدري ايش، كذا. أما الثاني فهذه مصيبة في الدين أولاً.
والأمر الثاني أن إشكاليتها أنها تحدث حالة من التوهم المعرفي ومن الاستغناء المصدري؛ يعني أنه أنا عندي مصدر مغن، عندي مصدر مغن هذا المصدر يكون لي نموذج تفسيري كامل عن قضية السنة في القرآن. وهؤلاء غالباً من حيث الواقع، ومن حيث.. يعني الواقع نتكلم عن تجربة طويلة معهم، غالباً يكون لديهم تعصب شديد جداً، وكثير منهم لديهم تكفير للطرف الآخر، تكفير لمن يأخذ بالحجة بالسنة النبوية. وأنا وقع لي هذا في النقاشات، يقول لي: أنت مشرك، أنت مشرك صراحة! وجه الإشراك أنك اتخذت مصدراً مع القرآن. وهؤلاء غالباً.. غالباً يصعب رجوعهم، بينما الاتجاه الأول يمكن لك أن ترجعه.
تنبيه مهم متعلق بالاتجاه الأول: الاتجاه الأول أكثر ما يحتاجه ليس المناقشة التفصيلية، أكثر ما يحتاجه أمرين اثنين، ما هي أمرين اثنين؟ الأمر الأول رفع السوية الإيمانية، وتعظيم وتعزيز مرجعية الوحي لديه. الأمر الثاني هو ملامسة منطلق الإشكال لديه، وليس المخرج، وليس المخرج هو لما يقول لك: ترى أنا عندي مشكلة مع حديث من بدل دينه، أو عندي.. مو هذه المشكلة، في اللي ورا، هناك اللي ورا، المحرك المؤثر قد يكون مؤثر نسوي، قد يكون مؤثر دنيوي، قد يكون مؤثر علماني، قد يكون مؤثر كذا. هذا الذي تلامس اللي هناك، الأصل المحرك الأساسي، وتعالجه مع رفع السوية الإيمانية ورفع.. يعني قضية المعايير لديه بحيث أنها تتفق مع قضية العبودية لله سبحانه وتعالى.
هذا يعد عرضاً سريعاً ومجملاً لما أردت الحديث عنه في هذا اللقاء، شكر الله لكم الحضور، وأشكر الإخوة في مدرسة الحديث الاستضافة وحسن الترتيب. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا ولكم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد