دخولتسجيل الدخول

الدرس 1 - مبادئ علمِ العَروض، هل يتاتّى اختراعُ بحور جديدة؟

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله، ثم الحمد لله، حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، فقد وصلنا والحمد لله تعالى من كتاب العمدة إلى باب الأوزان، ويليه باب القوافي، ويليه باب التصريع والتقية والحقيقة. أيها الإخوة، إنني وجدت أن هذه الأبواب وما لحقها من الأبواب في آخر الكتاب، كذلك وجدت أنها تباين سائر أبواب العمدة تقريباً إذا استثنينا هذه الأبواب.

نجد ابن رشيق فيها يتوجه إلى المبتدئين، ويجتهد في بيان الباب، وكان من ظواهر ذلك أنه ربما يشرح المصطلح الواحد، أو كما يذكره اللقب الواحد، بتعريفات عدة، يذكر تعريفات عدة للقب الواحد ويذكر اختلاف العلماء في ذلك ويجتهد في ذلك، وربما يذكر للتعريف الواحد ألقاباً عدة ويذكر المذاهب في ذلك، وهذا كله من صور اجتهاده في بيان الأبواب للمبتدئين.

فأما إذا جئنا إلى هذه الأبواب، قطعنا بأنها لا يمكن، أو يتعذر، ليس فقط يتعسر، يتعذر للمبتدئ الذي لم يعرف علم العروض أن يتلقى منها هذا العلم إذا لم تكن له معرفة سابقة به. فكان ابن رشيق رحمه الله تعالى يتناول هذه الأبواب على قاعدة أو اعتماداً على دراسة سابقة، فغرق في هذه الأبواب، لم يكن تعليمياً وإنما كان تدوينياً تسجيلياً، بل ونرى بعض هذه الأبواب قد تأخر في آخر الكتاب، وقال: باب ذكر الألقاب وما بقي من كذا وكذا. وهذا يدلك على أنه إنما كان يرتجل ذلك لا ينظمه، وأنه ما قصد من ذلك أن يكون تعليمياً، وإنما كان قصده أن يكون تدوينياً.

وهذا يجعل تلقي علم العروض للمبتدئ من هذه الأبواب متعذراً ممتنعاً، لا أقول فقط يجعله متعثراً عسيراً صعباً، لا بل هو متعذر. ومن هنا وجب أن أمهد لكم قبل الدخول في هذه الأبواب بعلم العروض نفسه، بمجالس هنا، تلك في علم العروض. هذه المجالس الآتية التي لا أدري في كم ستكون إن شاء الله تعالى في علم العروض، وستكون موصولة بكتاب العمدة كالمَدّ لأبواب الأوزان والقوافي، ولكنها مع ذلك تصلح لأن تكون مستقلة من حيث مادتها لتكون دروساً تامة في علم العروض.

من أراد أن يستفيد منها من حيث كونها دروساً في العروض مستقلة وجد بغيته إن شاء الله تعالى، ومن كان مبتدئاً في الشعر كله، ومن أبوابه علم العروض، فإنه سيدرسها موصولة متصلة بمادة هذا الشرح، ولذلك سأجعلها مادة في قلب كتاب العمدة يستفيدها ويدرسها من يدرس كتاب العمدة، فلا يخرج ليتلقى العروض في الخارج ثم يعود. وسأجعل منها نسخة إن شاء الله تعالى في خارج كتاب العمدة ليستفاد منها من حيث كونها دروساً في العروض تستقل بهذا العلم.

سأشرح العروض إن شاء الله تعالى شرحاً مستوفياً بما يناسب هذه المرحلة، وسأبين منهجي في ذلك إن شاء الله في ذلك الشرح، وفي كيفية بيان الزحافات والعلل وغير ذلك، سأبين هذا إن شاء الله بعد قليل. وسأسير في كل المنهج نحو التيسير والتحصيل، هذا سيكون هدفي، ليس عندي منهج مقدس أتبع طريقة فلان أو طريقة فلان، فالطرائق مختلفة أصلاً، وسأسير من ذلك السير نحو التيسير والتحصيل، وكلها أمور يستعملها العروضي في تقديم هذا العلم وتيسير تحصيله كما سترون بأنفسكم إن شاء الله تعالى.

ونحن نتعامل مع بعض الكتب، وسأضع إن شاء الله في هذه المجالس فوائد أكثر من العروض، سأضيف إن شاء الله فوائد حول مقدماته وفلسفته وأصالته في الشعر العربي، وسأذكر بعض خصائص البحور، وأذكر بعض أثرها في الشعر ما لم يذكر في مصنفات العروض من حيث كونه عروضاً، وإنما يذكره كما ربما أسميهم متفقهي الأوزان والإيقاع، كالدكتور عبد الله الطيب والأستاذ محمود شاكر وغيرهما؛ هؤلاء الذين يتفقهون في الأوزان وفي الإيقاع العروضي، ويبحثون عن علاقات البحور بالأوزان، وعن الطبيعة الشخصية لعلاقات البحور والأوزان بالشعر، وعن الطبيعة الشخصية لهذه البحور أيضاً.

سأثري هذا الشرح بكثير من ذلك إن شاء الله تعالى إعانة للشاعر الذي يتلقى من هذه السلسلة. فعندكم من رؤوس هؤلاء الدكتور عبد الله الطيب في كتابه المرشد، والأستاذ محمود شاكر في كتابه نمط صعب ونمط مخيف وغيرهما، ممن يبحث عن أثر النغم والإيقاع في المعنى الشعري، وبذلك بحمد الله تعالى ترتفع جداً فائدة هذه السلسلة بما لا يوجد في غيرها بفضل الله تعالى.

وستكون مجالسنا بواقع مجلس واحد فقط في الأسبوع إن شاء الله، ومدته ستكون ساعة واحدة فقط، ذلك ليتأتى الإيعاب والتحصيل والمراجعة. ليس لأجل الراحة، وليس لأجل أننا ندرس كتباً أخرى مع هذه الكتب على طول الأسبوع، لا، ولكن قللت حصص العروض وقللت مدة المجلس لأن العروض كما تعلمون مليء بالاصطلاح، مليء بالأشياء التي يتوهم أنها تحتاج إلى الحفظ وهي تحتاج إلى الممارسة أكثر من الحفظ، فأعطي المدة لأجل ذلك إن شاء الله.

ومن منهجنا الذي يتفرد به هذا الشرح أننا سنقرأ في مهمات البحور، أو في أكثرها، قصائد كاملة يا إخوة على البحر المدروس. كتب العروض كلها تعنى بأن تبين بشاهد أو شاهدين، وغالبها شاهد واحد للشرح فقط للوزن، لكن نحن هنا إن شاء الله سنعتبر درسنا أكثر من درس عروض، ولذلك سنقرأ في مهمات البحور أو في أكثر البحور قصائد كاملة على البحر المدروس، نقرأها قراءة على خلاف الأصل هذه المرة، قراءة تقطيع عروضية، الغرض منها تحصيل نغم البحر إن شاء الله.

ومن منهجنا كذلك في هذا الشرح الذي ترتفع به فائدة هذا الشرح، أنني في نهاية كل بحر، غالباً في مهمات البحور، سأجمع لكم نغماته على أحواله كلها متوالية على طريقة الدندنة؛ لتنطبق صورة البحر المشتركة والتباينات الواقعة في هذا البحر في أذهانكم، فالصورة المجملة للبحر تنطبع في أذهانكم، وهذا يساعدكم أكثر على معرفة هوية هذا البحر.

حتى بعد ذلك إذا دخلنا في قراءة منهجية حرفاً حرفاً من كتاب المرشد للدكتور عبد الله الطيب، كان ذلك عملاً ناجعاً، لأن هذا الكتاب يستصعبه كثير من الناس حتى الذين درسوا العروض، لأنهم يرون أن الدكتور عبد الله الطيب، وهو رجل شغوف بهذا الباب الموسيقي في الشعر، يرون أنه أوغل طبقة أو طبقتين أو ثلاث في قضية العروض، لكن بهذا الذي نفعله إن شاء الله.

وتطعيم كلامنا من كلامه كثيرًا حول هوية البحر وشخصية البحر، ستكونون مستعدين تمامًا للخوض في كتابه الذي احتل جزءًا عظيمًا منه هذا الباب في شخصية البحر. ومنهجنا كذلك أيها الإخوة في هذا الشرح، التمثيل بالشعر الجاهلي والقديم؛ لأننا نجد شروح المعاصرين جرت على الاستشهاد بأبيات الشعراء المعاصرين، بل ربما بأحمد عبد المعطي حجازي، وليس فقط بشوقي والعقاد وحافظ إبراهيم وكذا، كما تجدون ربما في شرح الدكتور شعبان صلاح يستشهد حتى بأبيات أحمد عبد المعطي حجازي، وعنده من الشعر القديم ما يمكن أن يستشهد به، لكن هي مناهج وطرائق وأغراض.

البعض يقول: الشعر المعاصر أجود عند الناس أو أقرب إلى نفوسهم، ويمكنهم أن يتلقوها بطريقة أفضل، لا يريد أن يشغل باله بمعاني الكلام في صعوبته وكذا، وهو يتلقى العروض والإيقاع فقط، فنقدر للجميع مذهبهم واتجاههم. أما نحن، فبقدر ما يسعفنا الأمر نستشهد إن شاء الله تعالى بالقدماء، بغرض منهجنا في ربط وتعليق أنظاركم بالكبار الفحول، حتى ونحن ندرس الأمثلة فقط، لا نريد أن ترى أعيننا الكلام الركيك أو الضعيف، لا سيما من كلام المعاصرين.

ولهذا سترون إن شاء الله تعالى أنني أستشهد كثيرًا بأبيات كتاب ابن جني في العروض، وهذا سيصحب على طول رحلتنا إن شاء الله بدلًا عن الأمثلة المعاصرة، لاعتماد ابن جني كثيرًا على أبيات المتقدمين. ولم أراعِ يا إخوة في كل ذلك عدد المجالس، وإنما جعلت حصول الفائدة بتمامها أمام عيني، أقمت حصول الفائدة بتمامها على الوجه الذي اخترته وأسعى إلى تحقيقه وإتمامه.

والمجلس يكون ساعة واحدة، لا نزيد غالبًا إن شاء الله، إلا إذا احتجنا مثلاً إلى دقائق؛ نتم بيتًا مثلاً، دخلنا في بيت وبقيت دقائق يحسن أن نتمه، لو زدنا مثلاً من خمس عشرة ربع ساعة 15 دقيقة فقط ممكن، لكن دون أن نطيل في ذلك، وحتى هذه الزيادة الضئيلة تكون في أوقات أو في أحوال ضرورية كالتي ذكرتها الآن إن شاء الله في إتمام باب معين وكذا، أو فيما لا يحسن القطع فيه والوقوف عند جزء منه، لكن غالبًا نلتزم الساعة إن شاء الله تعالى وتكون واحدة فقط ساعة واحدة في الأسبوع، حتى لا تكون هناك مشكلة بعد ذلك في هذا العلم، وحتى يمكنكم أن تستمعوا إلى هذه الساعة بعد ذلك مرات ومرات، سواء في الأسبوع أو بعد انتهاء السلسلة إن شاء الله المجالس في العروض، وبذلك من كانت عنده مشكلة في العروض تذهب إلى الأبد إن شاء الله.

وهنا قضية أخيرة خطيرة، أنني سأشرح صوتًا دون كتابة. هذه القضية الكبيرة، سأشرح صوتًا دون كتابة أو دون شرح بصري، مع أننا نحتاج في الأصل إلى كتابة الحركات والسكنات. وهذه فرصة لتحويل البحور إلى إيقاعات في النفس، تحويل البحور إلى دندنات أو تنتنة في النفس، وهذه هي الغاية أصلاً من دراسة البحور.

يظن البعض يا إخوة أن العروض حفظ، وهذا غير صحيح؛ العروض هو إلعاب للإيقاع شيئًا فشيئًا، تحتاج إلى أن تفهم، هو قليل من الفهم، تحتاج إلى قليل من الفهم فقط، وبعد ذلك أنت تتلقى هذه الإيقاعات وتشعر بها في الأبيات، سترى أن ذلك ينسل إلى نفسك شيئًا فشيئًا، فليس حفظ كثير كما تظن، ستنسى أصلاً؛ لو أن العروض حفظ ستنسى. ممكن تحفظ امتحان، تدخل الامتحان كلية دار العلوم كلية لغة عربية وتجيب، ممكن، لكن هذا لن يجعلك موعًا للعروض، بمجرد أن تخرج من الاختبار ستنسى؛ لأن كثرته ومصطلحاته وألفاظه وصوره، من التام وله صور في العروض والقافية، والمجزوء وله صور في العروض والقافية، والمنهوك وهكذا، هذا سيفتح الدنيا عليك، وليس له معنى إلا فقط الأصوات حركات وسكنات، فهذا ستنسى، فهذا باب غلط في العروض أن تظن أنه يحتاج إلى حفظ، هذا يحتاج إلى ميراس أيها الإخوة، يحتاج إلى ميراس. وسأبين الآن وأنا أتكلم إن شاء الله في هذه المقدمات والمدخل إلى علم العروض، سأبين إن شاء الله تعالى كثيرًا من المنهج حول ذلك بما يسركم إن شاء الله.

بسم الله الرحمن الرحيم. طبعًا كل علم يا إخوة له ما يعرف بالمقدمات، وهذه المقدمات في أبيات مشهورة نظمها أبو العرفان محمد بن علي الصبان في حاشيته على شرح السلم المنورق في المنطق للملوى، فالملوي وضع الصبان حاشية عليها ونظم في هذه الحاشية هذه المقدمات. والصبان هنا هو صاحب حاشية الصبان على الآجرومية في النحو، نظم هذه المقدمات التي تسمى بمبادئ العلوم، وهذه المبادئ هي ما تحتاج إلى أن تبدأ به قبل الدخول في أي علم، تحتاج إلى معرفته من حيث كونه مدخلًا إلى هذه العلوم، فأنت تبتدئ به، هي مجموعة من التصورات ينبغي أن تعرفها قبل الخوض في أي علم، بدونها يقال هذا علم وهذا علم وهذا علم وهذا علم، لكن إذا أحطت بمبادئ العلم عرفت ما يحد هذا العلم واتجاه هذا العلم، وعرفت المداخل إليه التي تجعلك تسلك هذا العلم أو تسلك غيره، أو تقدمه على غيره أو تؤخره عن غيره.

نظمها فقال: إن مبادئ كل فن عشرة ... الحد والموضوع ثم الثمرة وفضله ونسبه والواضع ... الاسم الاستمداد حكم الشارع مسائل والبعض بالبعض اكتفى ... ومن درى الجميع حاز الشرف

البعض يكتفي، يعني البعض يلغي المسائل، يقول لك كيف المسائل وأنا لم أدخل في العلم؟ لا، هي ممكن رؤوس المسائل هي قريبة من الموضوع، لكن بوجه ما تذكر رؤوسًا من المسائل، ولذلك قال: والبعض بالبعض اكتفى، ومن درى الجميع حاز الشرف.

فهذا هو العلم يا إخوة، علم العروض؛ إن مبادئ كل فن عشرة: الحد والتعريف والموضوع. الموضوع موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية. يعني حينما نقول مثلاً ما موضوع علم الطب؟ موضوعه ما تخرج منه إلى غيره. أنا في مسائل الطب أبحث جسم الإنسان، أمامي الآن الإنسان مسجى على السرير، خلاص، طيب لو خرجت من جسمه إلى هندسة السرير، خرجت إذًا من علم الطب إلى موضوع آخر هو علم الهندسة. طيب إذا خرجت إلى هندسة صناعة السرير، طيب إذا خرجت من جسده إلى بناء المستشفى، إذا أنا أدرس هنا ماذا أدرس هنا؟ الهندسة البنائية، خرجت إلى علم الهندسة. إذا خرجت منه إلى الهواء وإلى كذا من حيث نفسه لا من حيث تأثيره في الطب في جسده، خرجت إلى علم الطبيعة. طيب إذا دخلت إلى نفسيته، إذا جعلته هكذا مستيقظًا وكلمته في أحداثه وذكرياته وأثرها في نفسه، دخلت إلى علم النفس. فموضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه.

الذاتية، ما العوارض الذاتية؟ المسائل هذه المقدمة تقال في كل العلوم يا إخوة؛ مقدمات كل العلوم: العوارض الذاتية، المسائل التي تعرض لهذا العلم؛ خلاص الحد والموضوع، ثم الثمرة، ما النتيجة المرجوة من هذا العلم وفضله؟ البعض يدخلها في الفضل أو يدخل الفضل في الثمرة، هذا شيء، وهذا شيء.

الثمرة هي النتيجة التي تكون عن دراسة هذا العلم، والفضل يترتب على هذه الثمرة؛ يعني بعد هذه النتيجة ما الفضل؟ ما فضل هذه الثمرة أو النتيجة؟ وفضله ونسبته إلى أي جماعة أو حزمة من العلوم ينسب، والواضع من واضع هذا العلم ما اسمه؟ طبعًا تلاحظون أنه لم يرتب شيئًا إلا بحسب ما يقتضيه النظم: الاسم، الاستمداد من أين يستمد حكم الشارع، حكم الشريعة، مسائل ما هي مسائله؟ والبعض اكتفى، ومن درى الجميع حاز الشرف، ونحن نبين من ذلك قدر ما ييسر الله سبحانه وتعالى.

إن شاء الله نحن الآن يا إخوة نخوض في العلم الذي وضعه الخليل بن أحمد الفراهدي، ليحفظ به ركن الإيقاع الذي أنشدت عليه العرب أشعارها، التي لا يتحقق في مرتبتها شعر في أمة من الأمم غير العرب، وهذا ليس كلامًا عاطفيًا، هذا كلام علمي ألمح إليه الجاحظ أو صرح به، وشرح كلام الجاحظ الدكتور عبد الله الطيب، وليس ذلك مجال الكلام، سيأتي إن شاء الله في سياق كلامنا ربما، لكن ليس هذا موضعه.

على كل حال، واضع هذا العلم هو الخليل بن أحمد الفراهدي، الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي، فهو عربي بصري، ويكنى أبا عبد الرحمن، توفي في عام ١٧٥، وقيل في عام ١٧٠، وقيل في عام ١٦٦ من الهجرة. وذكروا شيئًا غريبًا يا إخوة في سبب موته؛ أنه أراد أن يعمل نوعًا من الحساب كما قالوا، تذهب به الجارية إلى القاضي فلا تظلم.

شوف يا أخي، الناس الذين يحبون الخير يستغلون عبقريتهم في صناعة نوع من الحساب؛ تذهب به الجارية، الطفلة الصغيرة، أو قد يريد العجمية التي لا تفصح عن نفسها، فدخل المسجد وهو مغرق في التفكير، يدور في المسجد ينفعل بالتفكير، فاصطدم رأسه بسارية، فانصدع رأسه ومات رحمه الله ورضي عنه وهو يفكر كيف ينقذ الجارية بين يدي القاضي فلا تظلم في حقها، أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينزله منزلة الشهداء بذلك.

حتى قيل إنه مات وعمره ٤٠ عامًا، قيل مات كل هذا الذي قلب كيان الأمة في العلم وصنع علومًا وحسابات وعمره ٤٠ عامًا. وأجمعوا على أنه كان من أذكياء بني آدم، من عباقرة هناك عدد من العلماء المتقدمين نصوا على أنهم كانوا من عباقرة البشر، كانوا مميزين عن سائر العلماء، منهم بل من رؤوسهم الخليل بن أحمد الفراهدي.

ونسبته الفراهيدي إلى فراهيد بن مالك بن فهم بن عبد الله بن مالك بن مضر بن الأزد، فالفراهيدي هذه نسبة عربية، ويقال له كذلك فرهودي أو الفراهيدي، وقالوا إن أباه أول من سمي أحمد بعد النبي ﷺ. كان من أخلاقه الزهد في الدنيا والإقبال على العلم، حتى قالوا إنه أقام في خص بالبصرة -شيء كما نقول نحن الآن كشك صغير- لا يقدر على فلسين، وطلابه يكسبون المال الوفير بعلمه.

وذكروا أن سليمان بن علي والي الأهواز في هذا الوقت أرسل إليه ليأتيه ويؤدب أولاده، وظاهر من السياقات في التراجم في «بغية الوعاة» وغيرها، أن ذلك كان لاشتهار حاله بالفقر، أنه كان هذا العبقري واضع العلوم المصنف الكبير العظيم كان فقيرًا. فلما جاءه رسول سليمان أخرج له خبزًا يابسًا وقال له: «ما عندي غيره، وما دمت أجده فلا حاجة لي في سليمان».

ورجع الرسول إلى سليمان، ولكن قبل أن يرجع قال له الخليل: «بماذا أخبر الوالي؟»، فأملاه بيتين: أبلغ سليمان أني عنك في سعة .. وفي غنى غير أني لست ذا مالي سخى بنفسي إني لا أرى أحدًا .. يموت هزلًا ولا يبقى على حالِ

ولكن ما الذي يبقى مع الإنسان؟ شرفه وعلمه وكرامته. لو كان الخليل بن أحمد بالثراء في هذا الوقت لكان عندنا الآن عدمًا، لا نعرف عنه شيئًا، صح؟ لكن بقي الخليل. انظر إلى الشرف برسالته إلى عالم فقير، لولا ذلك ما ذكرناه الآن أصلاً. سليمان بن علي رح رحمه الله وجزاه خيرًا عن نيته الحسنة.

وذكروا عن الخليل رحمه الله التواضع وفعل الخير والزهد، وكان أستاذًا لسيبويه، وأكثر المادة في كتاب سيبويه عن الخليل بن أحمد الفراهدي الأزدي رحمه الله؛ فإذا قال سيبويه «سألته» أو قال «قال العلماء»، فهذا الخليل. ويقال مما يقال إنه دعا الله تعالى بمكة أن يرزقه علمًا لم يسبق إليه، فرجع وقد فتح الله تعالى عليه بعلم العروض. ومن الطريف هنا أنهم ذكروا من كلامه العبارة التالية: «ثلاثة تنسي المصائب: مر الليالي، والمراه الحسناء، ومحادثات الرجال».

الزمان يمر بنسي كما نقول، مر الليالي، والمرأة الحسناء تنسيك الدنيا؛ كما قال النبي ﷺ: «إذا نظرت إليها سرتك».

اسم هذا العلم أيها الإخوة، واضع هذا العلم هو الخليل بن أحمد الفراهدي رحمه الله تعالى، كما عرفتم كان من علماء القرن الثاني، واختلفوا في سنة وفاته، وقيل مات عن أربعين عامًا، عمره أربعون عامًا.

أما اسم هذا العلم فهو العروض، علم العروض، هذا متفق عليه، ويقال الأوزان والقوافي، وتفصل القوافي عن الأوزان في الكلام لاختصاصها ببعض الأحكام، فيسمون هذا العلم العروض، وهو يشمل الأوزان والقوافي وما يتعلق بهما. والبعض قد يقول: العروض والقوافي، الأمر في هذا فيه مرونة وسعة وهناك تسامح في العبارات؛ لكن لك أن تقول علم العروض وأنت تريد الأوزان والقوافي، ولك أن تقول العروض والقوافي من باب ذكر الخاص بعد العام مع كونه داخلًا فيه، ولك أن تغلب لأن باب الأوزان أكثر فتقول العروض والقوافي، فغلبت العروض على الأوزان، أو غلبت الأوزان فجعلتها في العروض وخصصتها بالعروض وجعلت القوافي علمًا محاذيًا، كل هذا قريب من بعضه ولا يؤثر، هو اصطلاح وتسامح وتوسع في العبارة، فلا مشاحة في ذلك كله.

لكن السؤال هنا: لماذا سمي بعلم العروض؟ لماذا سمي بالعروض؟ قيل إنه سمي كذلك لأنه يعرض عليه الشعر، وهذا جميل، ومن معاني العروض في اللغة ما يعرض عليه الشيء؛ يعني إذا عرضت الشيء على الشيء، هذا الذي عرضت عليه، هذا الهيكل أو هذا البناء أو هذا الذي تعرض عليه بضاعتك أو نحو ذلك، هذا اسمه العروض. يقال من معاني العروض هذا الشيء ما يعرض عليه الشيء، فلذلك سمي بالعروض لأنه يعرض عليه الشعر، أنت عندك أوزان وكذا تختبر الأشعار بأن تعرضها عليه.

وربما هذا أيضًا من المعتبر في هذا التعليل أنه سمي عروضًا لبعض أجزائه يا إخوة؛ لأن العروض -وهي مؤنثة بالمناسبة لأن العروض هي أول ما يقابلك في بيت الشعر غير الحشو كما سنعرف هذه المصطلحات إن شاء الله وتختص بأحكام- مع الضرب، العروض أو العروضة هو المعروف، والبعض يقول لك قل عروضة خلاص لأنها مؤنثة، على كل حال قلت عروض أو قلت عروضة فهي مؤنثة، لكن طبعًا علم العروض مذكر؛ لأنك تريد العروض، درست العروض أو درست علم العروض، فهذا المضاف مقدر حتمًا في الكلام. فربما سمي ببعض أجزائه، كما تقول ديوان الحماسة وهو الحماسة والآداب وكذا، لكن هو أول باب فيه وأكبر باب، فربما لذلك.

وقيل أيضًا: سمي العروض لأن الخليل بن أحمد رحمه الله وضعه في الموضع المسمى بالعروض بين مكة والمدينة، قيل هذا، وربما سمي عروضًا لاسم الخشبة المعترضة في وسط بيت الشعر -وليس الشعر- لأنهم أخذوا مصطلحات العروض من بيوت العرب، الأسباب والأوتاد، وحتى المصطلحات ستأتي معنا إن شاء الله؛ فالأسباب والوتد والكذاب مأخوذة من مصطلحات خيام العرب وبيوت العرب في الصحاري أو في البادية. فكذلك قيل إنه سمي عروضًا، أو ربما سمي عروضًا لاسم الخشبة المعترضة في وسط بيت الشعر، وأقول: ليس الشعر، الشعر الذي -يعني الجلود- كانوا يصنعون البيت من الهيكل، يشدون العروض التي تكون في وسط البيت، والأسباب الحبال، ويدقون الأوتاد، كل هذه مصطلحات عروضية، أسباب ثقيلة وأسباب خفيفة وهكذا، ثم يكسون بماذا؟ بالشعر، وكان الشعر الذي يكسى على هذا البناء هو الشعر الذي يكسى به العروض (الهيكل).

فهذا قريب جدًا في التسمية ببعض أجزائه الذي ذكرناه أولًا؛ لما قلنا في الأول سمي بذلك لأنه يعرض عليه الشعر، ولأنه ربما سمي عروضًا ببعض أجزائه، فهذا أيضًا داخل فيه أن يكون يسمى كذلك ببعض أجزائه، لكن هذا في بيت الشعر وهذا في بيت الشعر، ما قلناه في الأول سمي عروضًا ببعض أجزائه، العروض التي تأتي في شطر البيت الأول، وهذا في شطر البيت الثاني، قول قريب. وهذا القول الأخير، والأول الذي هو يسمى العروض لأنه يعرض عليه الشعر، هما الأقرب إن شاء الله تعالى؛ أما ليس لأنه سمي عروضًا لأن الخليل بن أحمد وضعه في المكان المسمى بالعروض بين مكة والمدينة، هذا بعيد، ليس حاضرًا تمامًا، لكن هذا القول الأخير أنه سمي للعروض التي في بيت الشعر أو لأنه سمي ببعض أجزائه، هذا أقرب، أو لأنه يعرض عليه الشعر، هذا يعني أقرب إن شاء الله تعالى.

أما حده؛ حده تعريف الشيء، يعني تعريف الشيء ونسبته والواضع، حده فهو تلك القوانين أو القواعد أو القضايا الكلية، كلها مرادفات: قانون، قاعدة، قضية كلية، أساس، ميزان، كل هذا شيء واحد. القوانين أو القواعد مجملة أو الكلية أو القضايا الكلية، يقال قضية كلية أو قاعدة كلية، التي يعرف بها صحيح الوزن في الشعر العربي من فاسده، هي هذه القواعد أو القوانين أو القضايا الكلية التي يعرف بها صحيح الوزن في الشعر العربي من فاسده، وما يتبع ذلك من الاختلافات اللازمة التي هي العلل، وغير اللازمة التي هي الزحافات وسائر الأحوال في هذا العلم أو التابعة لذلك، لكن أساسه الأوزان، ويدخل في الأوزان في هذا الكلام وهذا السياق القوافي؛ لأننا نتكلم عن القواعد الكلية، ففي الأخير الأوزان تدخل فيها القوافي تغليبًا أو تأسيسًا. ولك أن تقول: القواعد أو القوانين أو القضايا الكلية التي يعرف بها صحيح الوزن وصحيح القافية في الشعر العربي من فاسده وما يتبع ذلك من الأحوال.

أما موضوعه، يعني ما نبحث فيه عن عوارضه الذاتية، ما نبحث فيه عن مسائله، فهو شعر العرب فقط يا إخوة، ما موضوع العروض؟ موضوع العروض شعر العرب، فلا يستعمل علم العروض في غير شعر العرب، دعوكم من قضية الدكتورة البروفيسورة الألمانية التي قاست، لن يلتئم ولن يكون ولن يطرد.

أولًا يا إخوة، لماذا كان مستعملًا في شعر العرب دون غيرهم؟ أولًا لأن شعر العرب شعر كمي، هذه نقطة مهمة، شعر العرب شعر كمي، وأكثر شعر الأمم نبري يعتمد على الكيفيات والأداء، حتى نبه الجاحظ -ويأتيكم في آخر كتاب العمدة- على الفرق بين غناء العرب وغناء العجم، حينما يغنون الشعر بعد ما فُتح الشعر على غير العرب وصاروا يغنون شعر العرب بغناء العجم، نبه الجاحظ -ونقل هذا ابن رشيق في آخر الكتاب كما سيأتيكم- نبه الجاحظ إلى أن شعر العرب يضطر العجم إلى أن يكيفوا أداءه وغناءه على حسب نغمات...

الغناء فيخل به وباصه، أما غناء العرب فمقدار العرب في الشعر، هذا الفرق بين غناء الشعر عند العرب في أساسه وغنائه عند العجم. شعر العرب يا إخوة شعر كمي، يعني مضبوط حسابيا.

مضبوط حسابيا يعني ماذا؟ يعني لا يتركك للتنظيم، لا يتركك للنبر أن تضغط على شيء وتخفف من شيء، لا يتركك للأمر هكذا في الأداء؛ لا أنت تقرأ بعينك تتخيل النغمة كيف تكون من الحركات والسكنات، من الحركات والسكنات. هذا معنى كونه شعرا كميا، افهموا هذا، هذا مصطلح مهم وهو محدث معاصر في الدارسين المعاصرين؛ شعر العرب شعر كمي، وشعر الأمم الأخرى في أكثره نبري.

هذا أولا، وثانيا: الموزون الكمي من غير شعر العرب ليس على قواعد هذه الأوزان المستقرة من شعر العرب. يعني إذا نظرنا لبعض شعر الأمم الأخرى كمي كشعر العرب من حيث فكرة الكمية، ولكنه ليس على قواعد هذه الأوزان المستقرات.

وهذه خطيرة؛ لأن الشعر العربي لماذا كل هذا؟ أعلل لكم لماذا موضوعه الشعر العربي فقط؟ أقول ثالثا: لأن الشعر العربي امتاز بالقافية عن أي شعر موزون أو غير موزون، وهذا نص عليه بعض الفلاسفة كالفارابي، ونقله حازم القرطاجني في منهج البلغاء؛ أن الشعر العربي معروف بالقافية، وأي شعر آخر سواء كان موزونا أو غير موزون ليست فيه القافية.

يعني ماذا؟ شعر غير موزون، أي شعر نبري. يعني هناك شعر آخر عند غير العرب موزون أو نبري في آخره قافية، نعم هم أصلا أدخلوا القافية على الشعر النبري ليعطوه أحكاما، أما شعر العرب فمحكم المقام. فشعر العرب امتاز بالقافية عن أي شعر موزون أو غير موزون، فالقافية يا إخوة ليست لغير شعر العرب، وما تجدونه من القافية في شعر أي أمة من العجم إنما تتشبه فيه بشعر العرب.

نص على ذلك عدد من فلاسفة الإسلام وفلاسفة الشعر الذين ترجموا عن أرسطو. حازم القرطاجني في منهاج البلغاء جزم بأن ما عند غير العرب من القافية يحاكون فيه الشعر العربي، أعجبهم عند العرب فحاكوا به شعر العرب، تمتنا لشعرهم المائي أو السائب إذا كان نبر أو كذا أو كان وزنا مضطربا غير مضطرد محكم كما عند العرب. ونحن الآن نقلدهم في ترك القافية، كانوا يقلدونها في القافية، الآن نقلدهم في ترك القافية.

وليس من موضوعه النثر؛ ربما أحدكم يقول الآن: طيب، ما أنا أرى بعض النثر موزونا، حتى في القرآن. ليس من موضوعه النثر وإن وقع فيه بعض الوزن، لأنه ليس طريقة سابلة مضطردة فيه وليست لازمة فيه، وإنما يعرض. والعروض لا تثبت به قاعدة؛ مجرد العروض لا تثبت به قاعدة، نتكلم في اللازم. هذا موضوع هذا العلم، علم العروض، شعر العربي وليس إلا.

وأما ثمرة هذا العلم فهي التمييز بين ما هو شعر وما ليس بشعر من كلام العرب إذا ما وقفت على أركان الشعر الأخرى، وكذلك التمييز بين ما هو نظم وغير نظم إذا كنت تتكلم في غير الشعر. أما إذا كنت تتكلم في الشعر فلا يكفي العروض في التمييز بين ما هو شعر وما ليس بشعر، وإنما نقيد ونقول: التمييز بين ما هو شعر وما ليس بشعر من كلام العرب إذا ما وقفت على أركان الشعر الأخرى.

وهذه خطيرة ومهمة وللأسف لا يذكرها الشراح المعاصرون في علم العروض، يقول لك لأن الشعر موزون، وما كان موزونا فهو الشعر وتميز به، بينما هو الشعر ليس بالشعر. هذا التوسع والتسامح ينبغي الوقوف عنده في ظل الجهل الذي نعيشه؛ ينبغي أن يضيفوا هذا القيد: "إذا ما وقفت على أركان الشعر الأخرى".

لم أجد للأسف الشديد إلى الآن شرحا أو أحدا اهتم لهذا الجانب، يقولون فقط: تميز بين ما هو شعر وما ليس بشعر، فما كان شعرا فهو شعر، وما كان موزونا فهو شعر، وما ليس بالموزون فليس بشعر. هذا غلط، هذا يعتمد ربما ويطلق إذا كان يعتمد فيه على وجود ثقافة وعلم شائع، لكن الناس الآن يقولون: ألفية ابن مالك شعر، يقولون المنظومات العلمية في الفقه والأصول واللغة شعر، وفي النحو والصرف يقولون شعر. لميت الأفعال شعر، رأوا ما شاء الله البحور الطويلة نظمت عليها الشاطبية وغيرها في القراءات قالوا شعر، تخيلوا يسمونها شعرا!

هذا غلط كبير وجهل كبير، مهما كان مقام قائل هذا ليس بشعر، هذا نظم. ترى البعض يقول: منظومة شعرية في الفقه، يعني جملة عج بالغثيان، منظومة شعرية في الأصول، يعني منظومة. ولو قلت أرجوزة الفقه جميلة، نظم في الفقه جميل، لكن كل منظومة شعرية يعني تؤكد عدم علمك، تؤكد أنك لا تعرف تفصل بين الشعرية والنظم وتصف النظم بالشعرية، يعني تحلف يمينا أنا جاهل ومش متعلم. ويكتبها أناس فقهاء يشتغلون بالفقه، تخيلوا! فيمكن أن يتسامح في هذا في ظل علم شائع، أما في ظل جهل ناقع لا يصح.

فلا بد أن تقول هنا: "إذا ما وقفت على أركان الشعر الأخرى"، لأن علماء الشعر يا إخوة يعلمون أن الوزن وحده غير كاف في جعل الشعر شعرا، وأنه ركن وليس الركن؛ إنه ركن وليس الركن، ركن وليس الركن. فإن لم يكن فيه إلا الوزن لم يكن شعرا وإنما هو نظم كما وسمه غير واحد من علماء الشعر.

فإن كنت مستعملا للشعر متعديا معه من جهة التلقي، نعم، إن كنت مستعملا للشعر متلقيا له، كانت ما كانت جهتك في الاستعمال، من مرتبة القارئ المستمتع مثلا، مرورا بالمتفوقين، وانتهاء إلى الخريت النحرير، خلاص، فأنت بحاجة في كل هذا إلى معرفة ما هو شعر وما ليس بشعر.

فإذا كنت شاعرا، هل ينفعك العروض؟ نعم، من ثمرة هذه المعرفة أن تجرب قريحتك لصناعة الشعر ومزج الإيقاع بالمعاني في القريحة الشاعرة التي عندك من حيث كونك شاعرا. وكذلك ربما يتعلم ومنكم من تعلم مثلا بعض البحور بالتلقي والتعاطي معها، ولكن أحوال البحور الاستثنائية، لا سيما هذه المجزوء وهذه التي تدخلها زحافات غريبة أو تدخلها علل ليست شائعة، هذا من الصعب أن تلاقاه، أن يتراكم في نفسك دون معرفة نظامية متون كهذه أو علمية كهذه.

فيعني أنا أقول، وقال هذا من قديم ابن الأثير في المثل السائر: "لا يحتاجه صاحب القريحة". نعم، لكن في زمان تسمع فيه الشعر من حولك على كل البحور، لكن في زمان كزمانه بالكاد ينظمون على البحور المشهورة، أو يأتي كثير من المعاصرين يتغنون بالبحور، يعني هي قليلة الشأن وسخيفة، رديئة دنيئة كما سماها البعض.

سماها الدكتور عبد الله الطيب «البحور الدنيئة»؛ عند هذا بحر دنيء سيمر معنا إن شاء الله. سأعرض لكم علم عبد الله الطيب في هذه السلسلة حول البحور إن شاء الله تعالى، ثم بعد ذلك تكون لنا قراءة كاملة بالحرف في هذا الكتاب تستفيدون من هذا العلم العظيم إن شاء الله.

أقول: كما يذهب البعض من المتفقهين المعاصرين في النظم على البحور الرديئة، هذا لا يعلمك شيئًا، فتحتاج إلى هذا النوع من العلم. فالشعر يا إخوة موضوعه العروض، وموضوعه شعر العرب، وثمرته التمييز بين ما هو الشعر وما ليس بشعر. يقتضينا ذلك أن نقول: الشعر لا بد عند العرب أن يكون موزونًا؛ الشعر عند العربي لا بد وأن يكون موزونًا.

ابن جني له كلمة جميلة في كتاب العروض، نقرؤها لكم، وهذا كتاب العروض لابن جني طبعة دار السلام، صفحة 41، له كلمة مهمة يقول فيها: «اعلم أن العروض ميزان شعر العرب، وبه يعرف صحيحها من مكسورها، فما وافق أشعار العرب في عدد الحروف الساكن والمتحرك سمي شعرًا، وما خالفها فيما ذكرناه فليس شعرًا، وإن قام ذلك وزنا في طباع أحد لم يحفل به».

أخذ خطوة أخرى خالف فيها الزمخشري، وهي أنه لو نظم أحد على وزن آخر غير المنقول لا يكون شعرًا، وهذه قضية سنعرض لها إن شاء الله. لكن الشاهد من هذه الكلمة الآن هو ما أجمع عليه كل من ألف في الشعر أو في عمود الشعر، أجمعوا لفظًا وعملاً أنه الوزن ركن في الشعر، ولا يكون الشعر دون الوزن.

أما نسبة هذا العلم، علم العروض، فهو أحد العلوم المنتسبة إلى الشعر العربي خاصة، أحد العلوم المنتسبة إلى علوم الشعر العربي، ولا ينسب إلى أي علم آخر أو إلى حزمة أخرى، ولو كانت حزمة أدبية خاصة أو عامة؛ هذا ينسب إلى علم الشعر خاصة. لماذا؟ لأنك ترى مثلاً علم البلاغة الذي يعمل في الشعر والنثر جميعًا، ويدخل في تفسير الكلام الأدبي البليغ كله من حيث كونه كلامًا أدبيًا، لا من حيث كونه نثريًا ولا من حيث كونه شعريًا، كما تدخل في تفسير القرآن، فأصول البلاغة تدخل في الحزمة الأدبية العامة التي تشمل كل نص أدبي. أما نسبة العروض فهو علم ينتسب في علوم الشعر خاصة، فهو فرع عربي لا يعمل إلا في الشعر أو في النظم المجرد عن الشعر.

هل يمتنع أن ما ندرسه من الرجز أو من البحور المشطورة نعم نعمل به في المنظومات العلمية؟ لا، المنظومات العلمية نستعمله، لكن ليس هذا الأصل ولا الغالب. لأن هذا النظم أُخذ بعد ذلك في تدوين العلوم في العهد العباسي، وقبل ذلك كان يستعمل في الكلام المرتجل، وكما ستعرفون من البحور وطبيعتها إن شاء الله. أما استمداد هذا العلم، فاستمداده مستمد من شعر العرب دون غيرهم، ولا يتزن شعر العرب لا في أوزانه ولا في هيئة بحوره وأوزانه ولا في قافيته، التي عرفنا أنها بأصلها محصورة في العرب. فمن أين استمد هذا؟ لا يقل أحد: علم العروض العربي ربما استمد من أشعار غير عربية، لا، ما استمدوها إلا من الشعر العربي، كما أن العرب ما نظموا أشعارهم إلا على بحورهم هم، كما سنعرف تفصيلًا إن شاء الله تعالى ونحن نلخص فلسفة هذا العروض في الشعر العربي وجذوره التاريخية.

أما حكمه، فهو تابع لحكم دراسة الشعر. وخابت وخسرت ورغم أنف أمة ضيعت شعرها، لا سيما إذا كانت أمة العرب. وهناك كلمة جميلة للأستاذ محمود شاكر في كتاب «نمط مخيف» يقول: إن الأمة التي فقدت شعرها كادت أن تفقد نفسها؛ لأن الشعر هو ذروتها في التعبير عن دواخل النفس التي لا يمكن التعبير عنها إلا بلغة قومية خاصة. حتى توماس إليوت يقول: «الشعر لغة قومية»، يعني الشعر فيه من الخصائص ما لا يمكن أن يترجم، لا يعرفها إلا القوم أهل هذه اللغة. ولذلك إذا احتلت دولة، غيرت في لغة الإعلام والصحف والجرائد وفي التعليم والجامعات، لم تستطع أن تغير في لغة الشعر السائر بين أهل هذه اللغة، ولا تقضي على هذا إلا بعد أجيال بانقراض الجيل الذي يعرف هذا وتوليد جيل جديد نشأ في محضن آخر.

فلكم أن تتخيلوا أن الله تعالى حفظ اللسان العربي والبيان العربي وحفظ البلاغة التي نزل عليها القرآن بلسان العرب، حفظها بشعر العرب. فحكم العروض إذا كنا نجهل العلم به تابع لحكم دراسة الشعر. أما مسألة أن يتلقى الجميع بالقريحة من الأشعار، فهذه نظرية أكثر منها عملية، هي عملية في أفراد لكنها نظرية في الجيل؛ لا أتخيل أن بعضكم يتلقى عن طريق القراءة الكثيرة، لكن لا أتصور أن يكون قاعدة عامة نستغني عن العروض ونتلقى بالقريحة، لا يمكن. وهناك آخرون يريدون فقط وزن الكلام وليست عندهم القريحة التي يدركون بها، فماذا سيفعلون؟ فعلم العروض وجوده فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهذا الحكم تجدونه في مبادئ كل العلوم؛ لأن العلم أصلاً ما وُضع إلا للحفاظ على شيء من الهوية أو الانتساب أو الشريعة والإسلام.

أما مسائل هذا العلم فهي: البحور والأوزان المنقولة عن العرب، وما يعرض لها من الزحافات والعلل، والقوافي وما يعرض لها من عوارضها الذاتية. وفي مناسبة هذا نختم هذا اللقاء لأنه قربنا على الساعة، لكن نختم بهذه المسألة من المقدمات الضرورية لأنها تابعة لهذا، وسنعرض لها الآن مبكرًا قبل الخوض في علم العروض حتى نفهم في أي شيء نخوض، وحتى نفهم حدودنا كيف نسير فيها من هذه البحور المحصورة التي ندرسها. ولا أرى فيما رأيت من الكتب المنتشرة من المعاصرين أو مجالس شرح العروض...

المشهورة أو المنتشرة، لا أرى فيما ظهر لي من الشارحين المعاصرين من عرض لها في أثناء شرح العروض وهي مسألة هذه البحور المنقولة، أو حتى ما استدرك ما قيل إن استدرك -سيأتي الكلام في هذا أصلاً- قد البحر المتدارك، وأن الخليل كان لا يعلمه، إلى آخر هذا الكلام. سنرى هذا الشأن كله إن شاء الله بالتفصيل.

لكن هذه البحور المنقولة عن الخليل، أو حتى ما استدرك التي حصرت الموجودة من شعر العرب، أو حصرت الأكثر شائعة من شعر العرب، هل يجب التزامها بحيث لو اتزن الكلام على غيرها لا يكون شعراً؟ عرض لهذه المسألة عالمان من علمائنا المتقدمين، وأقصد بالمتقدمين السابقين على زماننا الحديث، وهذان عالمان كتبا في علم العروض.

الأول هو ابن جني، العالم ابن جني صاحب «الخصائص» وصاحب كتاب «العروض» الذي توفي عام ٣٩٢، يعني في آخر القرن الرابع الهجري. والثاني هو جار الله الزمخشري صاحب «الكشاف» الذي توفي في العام ٥٣٨، يعني في منتصف القرن السادس.

اعلم أننا بلغنا الساعة، أنا رأيته لكن لا بد أن نتم هذا إن شاء الله. أما كلام ابن جني فهو في مطلع كتابه «العروض»، وهو الذي قرأناه الآن ونقرؤه مرة أخرى في الصفحة الواحدة بعد الأربعين، يقول ابن جني رحمه الله أبو الفتح عثمان: «اعلم أن العروض ميزان شعر العرب، وبه يعرف صحيحها من مكسورها، فما وافق أشعار العرب في عدد الحروف الساكن والمتحرك سمي شعراً، وما خالفها فيما ذكرناه فليس شعراً، وإن قام ذلك وزناً في طباع أحد لم يحفل به حتى يكون على ما ذكرناه».

يعني قال ابن جني -وابن جني ليس عربياً لكنه من علماء العربية- يقول ما خرج عن هذه الأوزان العربية الموروثة ليس شعراً. يعني لو جاء العجم وأنشد الشعر العربية أو الكلام العربية على أوزانهم ليس شعراً، ليس عربياً، خلاص هذا كلام ابن جني، وهو صريح في أن الذي ينظم على غير هذه البحور لا يكون كلامه شعراً.

أما كلام الزمخشري فهو في كتابه «القسطاس»، له كتاب اسمه «القسطاس في علم العروض»، ترونه في الصفحة الواحدة بعد المئة إلى الصفحة الرابعة بعد المئة في أول كتابه. يقول الزمخشري في فصل: «أقدم بين يدي الخوض فيما أنا بصدده».

هذا تأليف جار الله الزمخشري صاحب «الكشاف»، ابن جني له كتاب في العروض والزمخشري له كتاب في العروض اسمه «القسطاس»، ابن جني شهر بـ«الخصائص» والزمخشري شهر بـ«الكشاف»، وكلاهما ألفا في العروض، وسنعود إلى كتابيهما إن شاء الله تعالى في مسيرتنا، لا سيما إلى كتاب «العروض» لابن جني لأنه أكثر ضبطاً وتنسيقاً، وأنا أسير نحو التنسيق والضبط والتيسير لأجل تحصيل هذا العلم إن شاء الله.

يقول الزمخشري في الفصل: «إن بناء الشعر على الوزن المخترع الخارج عن بحور شعر العرب لا يقدح في كونه شعراً عند بعضهم»، وبعضهم أبى ذلك وزعم أنه لا يكون شعراً حتى يحامى فيه على وزن من أوزانهم، حتى يطابقه أو يقاربه، وحتى يتمسك به.

والذي ينصر المذهب الأول -وهو في الحاشية يقول في الأصل وهو أبو إسحاق الزجاج، وأيضاً ابن جني معنا وابن جني سابق في الزمان على الزمخشري- ليس فقط أبا إسحاق الزجاج وابن جني وربما كثيرون، لكن لي نظر في هذه الأقوال سأبينه الآن إن شاء الله، ولا أحسب أن أحداً أيضاً من من شرح العروض إذا تعرض لهذه المسألة بين هذا القول الذي سأبينه بعد قليل أو هذه النظرة.

قال الزمخشري: «والذي ينصر المذهب الأول، الذي هو أن المخترع لا يخرج عن أشعار العرب، هو أن حد الشعر: لفظ موزون مقفى يدل على معنى». فهذه أربعة أشياء: اللفظ، المعنى، الوزن، القافية. فاللفظ وحده هو الذي يقع فيه الاختلاف بين العرب والعجم.

يقول باللفظ، يعني بالنص، فاللفظ وحده هو الذي يقع فيه الاختلاف بين العرب والعجم، فإن العربي يأتي به عربياً والعجمي يأتي به عجمياً، وأما الثلاثة الآخر فالأمر فيها على التساوي بين الأمم قاطبة. ألا ترى أن لو عملنا قصيدة على قافية لم يقف بها أحد من شعراء العرب، ساغ ذلك مساغاً لا مجال للإنكار فيه؟

يعني مثلاً لو أن العرب لم تنظم على الزاي أو على الجيم -وموجود طبعاً الجيمات والزاي على الضاد وموجودة، فلنفترض صورة مثال ولا يشترط في المثال الصحة، ومناقشة المثال ليست من شيم الرجال، المهم في المثال التوضيح- فلو لم ينظم أحد من القدماء إطلاقاً على الضاد أو الظاء، فجئت ونظمت على الظاء، هل سيخرجه عن كونه عربياً؟ لا، فهو يقيس هذا على ذاك، قد تناقش في هذا القياس، ممكن، لكن ليس موضوعي الآن لأن لي نظرة أخرى سأبينها الآن.

قال الزمخشري: «وكذلك لو اخترعنا معاني لم يسبقنا إليها لم يكن بنا بأس، بل يعد ذلك من جملة المزايا، وذلك لأن الأمم عن آخرها متساوية بالنسبة إلى المعاني والقوافي، والافته فيها لا اختصاص لها بأمة دون غيرها، فكذلك الوزن لتساوي الناس في معرفته والإحاطة بأن الشيئين إذا توازنا وليس لأحدهما رجحان على الآخر فقد عادل هذا ذاك كفتي الميزان».

يعني يقول لك الوزن والنغم فطرة في كل البشر، لماذا تخص العرب به بخلاف العربية اللغة؟ ثم قال: «ثم إن من تعاطى التصنيف في العروض من أهل هذا المذهب، فليس غرضه الذي يمه أن يحصر الأوزان التي إذا...»

بني الشعر على غيرها لم يكن شعراً عربياً، وكأنه يرد على من يحتج، فيقول: ولكن لم يذكروا غيرها. نعم، ولم يمنعوا غيرها، لكن ذكروا ما نُقل فقط. لم يقولوا إن المخترع ليس شعراً، هم نقلوا لك ما قاله الخليل.

قال الخليل: «وإن ما يرجع إلى حديث الوزن مقصور على هذه البحور الست عشرة، لا يتجاوزها»، إنما الغرض حصر الأوزان التي قالت العرب عليها أشعارها. هذا هو الغرض، حصر الأوزان. إذا زادوا هذه قضية؛ ليس معنى أنني ألفت في ست عشرة وزناً أنني أرفض غيرها مما قد يخترع بعدي مثلاً، ولكن معناه فقط أنني أحصر ما أُلف عن العرب أو ما أُثر عن العرب، أحصر ما نُقل عنه.

قال: «إنما الغرض حصر الأوزان التي قالت العرب عليها أشعارها»، فحتى لو قيل قبل المؤلف: «أنا أؤلف عروضاً فيما قالت العرب»، لا أرفض ما اخترع بعد ذلك. وإن سبق تأليفي، قال: «إنما الغرض حصر الأوزان التي قالت العرب عليها أشعارها»، فليس تجاوز مقولاتها بمحظور في القياس على ما ذكرته.

فالحاصل أن الشعر العربي -كما يقول الزمخشري- يفتقر قائله إلى أن يطاوع أعقاب العرب فيه فيما يصير به عربياً، وهو اللفظ فقط؛ لأنهم هم المختصون به، فوجب تلقيه من قبلهم، فأما أخواته البواقي فلا اختصاص لهم بها البتة لتشارك العرب والعجم فيها. هذا كلام الزمخشري، وهو كلام صريح في عدم حصر الأوزان الصالحة في الشارع العربي في هذه الأوزان الخليلية المحصورة في علم العروض.

آتي الآن إلى الذي أراه حقاً، ويظهر لي -والله تعالى أعلم- وهو أن الكلامين لا يتعارضان. ووجه ذلك أن ابن جني إنما منع الخروج عن هذه الأوزان، لما منع الخروج عن هذه الأوزان إنما يريد أنها الأوزان المتخلقة المثمرة المعتد بها من زمان مديد من صناعة الشعر على قريحة العرب. يعني هي الأوزان التي نبتت من كلام العرب، لم يضعها العرب هكذا، هي الأوزان العربية؛ فلا يحق لأحد أن يخترع من نفسه وزناً هكذا.

انظروا الفرق يا إخوة؛ هو يمنع أن يأتي أحد ويخترع من نفسه وزناً ويزن عليه الكلام ويقول هذا شعر عربي، لأن العرب أنفسهم ما وضعوا هذه البحور وضعاً هكذا على هذه الطريقة، وإنما توافرت عليها قريحتهم قروناً على طول الزمان حتى استوت على ما هي عليه. العرب اخترعوها، لكن كيفية الاختراع هي التي منعها ابن جني؛ فلما رفض ابن جني توليد الكلام أو توليد البحور وقال: «من قال على غيرها غلط»، انظروا ماذا قال في عبارته، وهي عبارة خطيرة: «وإن قام ذلك وزناً في طباع أحد لم يحفل به في طباع أحد».

هو يرد على من يقول إن طباعي جرتني إلى هذا. ابن جني لا يمنع وضعاً جديداً، ولكن ما كيفية الوضع؟ تمخض عن استعمال العربي أم يوافق طبع واحد من الناس؟ هذا ما رفضه ابن جني. أما الزمخشري رحمه الله، فلا نحسب بإجازته أنه يسمح لشخص أن يأتي ويخترع بحراً. الزمخشري لا نحسب أنه يقصد أن يأتي أحد هكذا يوافق طباعه ويخترع بحراً ويقول هذا وزن عروضي عربي.

الأوزان الست عشرة هي بحور العرب، وقد تولدت عبر قرون. اقرأوا لأجل هذا كتاب، اقرأوا كتاباً حتى تعرفوا تطور الشعر العربي؛ كتاب «قضية الشعر الجاهلي عند ابن سلام». أو آتي لكم بعنوانه تحديداً: «قضية الشعر الجاهلي»؛ اسمه الكتاب لمحمود شاكر رحمه الله: «قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام».

قضية الشعر الجاهلي في النضج الذي وصل الشعر به بهذه الطريقة. ولما تدرسون -إن شاء الله- كتاب عبد الله الطيب «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها»، ستعلمون أن البحور ما جاءت هكذا بوماً في العقل اختراعاً، فلا أحسب أن الزمخشري يجيز لشخص أن يأتي ويخترع بحراً ويقول هذا وزن عروضي عربي، وإنما كلامه في أصل الوضع.

فابن جني يرفض أن يخترع شخص، والزمخشري يجيز في أصل الفكرة؛ وأنه من المنطقي أن تجود القريحة العربية إذا بقيت واستمرت بأوزان عربية، هي كذلك من عمل القرائح على امتداد الزمان. بذلك لا يظهر تعارض بين الاثنين أصلاً، بل الشواهد في كل منهما على أنهما لا يتعارضان.

لهذا أرى أن الأستاذ محمود شاكر رحمه الله قد وفق إلى نص فيه مراعاة لهذين النصين معاً، عن نص ابن جني ونص الزمخشري، وذلك في كتابه، ويحسن جداً أن نقرأ القطعة التي قالها محمود شاكر رحمه الله: «على أن الإتيان بجديد في بحور الشعر ممكن، ولكن دون ذلك خرط القتاد كما يقولون؛ فإن هذه الزيادة لن تتم كونها إلا لقليل من الشعراء في الزمان بعد الزمان، ولن تتم أيضاً إلا بعد أن يصبح تراث الشعر العربي كله نافذاً في النفس والعقل والعاطفة، وبعد أن تكشف النفوس والعقول معاً جمال تركيب هذه اللغة، أيضاً في تركيب الكلام، في بناء كلماتها، في جرس حروفها، في تركيب جملها، وفي صور بيانها المختلفة. ولن يتم ذلك إلا لنفوس مستوية بلا آفة، وعقول مضيئة بلا عاهة، ثم تأتي ساعة الميلاد على غير استكراه أو زحير، فعندئذ ينبثق النور الساطع من السن متوهجة تتحدى السدود والظلمات».

الآن ائتلف الكلام كله، وفهمنا كلام الزمخشري وكلام ابن جني، حتى لا يخدعك جاهل يأتي ويقول لك بفهم أعجمي: هذه مسألة خلافية، وعادي لو أن البعض وضع... الزمخشري يقول...

بجوازك الزمخشري يا جاهل، بجوازك أنت يقول بما يفعله المعاصرون من اختراع أبيات... ما شاء الله، قرون من الشعر العربي تمخضت عن ١٥، وأنت ما شاء الله كل يوم بتحط لي بالع وبتلعب. هذه شواهد على بطلان ما أنت عليه، بطلان ما يفعلون.

فهذا، إن شاء الله تعالى، قول محمود شاكر هو القول الصادق الجامع: البحور العربية ممكنة، لكن لما نكون عربًا على هذا المستوى، ولما تولد هذه البحور كما قال محمود شاكر ميلادًا عربيًا صحيحًا شرعيًا، على طول ممارسة الشعر العربي الصافي كله والتماهي به.

أما الآن فنحن ما زلنا نقنع الناس بالأوزان العربية الموجودة، التي هي عربية بالإجماع، وتحملت تاريخ الشعر العربي المجيد كله، كل تاريخ الشعر العربي تحملته.

فأنى لجاهل معاصر متبجح يستشهد بكلام الزمخشري، أيظن الزمخشري يتسيب ويضيع الدنيا مثله؟ وهذا ختام حلقة اليوم أو لقاء اليوم، وإن شاء الله نلتقي نتم هذه المقدمات في السبت القادم، إن شاء الله تعالى، ونبدأ في الكلام عن بعض المصطلحات العارضية. شكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.