دخولتسجيل الدخول

الدرس 2 - كفاية أوزان العرب للشعر، العَروض رُكن، تاريخ الأوزان والقوافي في أشعار العرب

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آله وعلى إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا الثاني من مجالسنا في دروس العروض. وانتهينا في آخر المجلس الأول الماضي بالكلام على المقدمات، أو مبادئ علم العروض؛ تحدثنا عن واضعه، وعن ثمرته، وعن مسائله، وعن اسمه، وعن حده، وكان أكثر المجلس في ذلك.

وقلت حينها إنه من المقرر أن ندخل في بعض المصطلحات العروضية التي نحتاج إليها في بدايتنا في العروض؛ لأنه من منهجي يا إخوة في هذه المجالس، كما سأبين إن شاء الله، أنني لن آتي بهذه المصطلحات العروضية والمفردات -كـالزحاف مثلا- في أول الكتاب كما يفعل في بعض الكتب؛ حيث يؤتى بها في أول الكتاب أو في أول المجالس. الكتب تفعل هذا، والدروس غالبا لا تفعل هذا، إنما يؤتى بها في بعض الكتب ككتاب ميزان الذهب للسيد أحمد الهاشمي رحمه الله، حيث يؤتى بها في جداول وتستوفى الزحافات والعلل، وهذا غير مفيد.

ولكن هناك مصطلحات سندخل بها، كمصطلح البحر، ومصطلح الشعر والشاعر، والشطر أو المصراع، وربما كذلك العروض والضرب؛ هذا سنقدم به لأنها مصطلحات أو مفردات سنستعملها في بداية كلامنا. وكان مقررا أنني بعد أن أذكر مصطلحات العروض وأتكلم عن بعض الأصول الفلسفية وتجذر علم العروض، أو في علاقة الأوزان والقوافي بالشعر العربي، وجدت أن مصطلحات العروض هي الألق؛ وجدتها الألق بمادة العروض نفسه والكلام في البحور.

ووجدت أن الكلام في فلسفة العروض وفلسفة الوزن والشعر، وجذر الوزن والشعر في الوزن والقافية في الشعر العربي، وجدت أن ذلك الألق بالمبادئ لا سما. وقد انتهينا إلى قضية هي صلة بينهما أو تكاد تكون من هذه الجذور، وهي حول: هل يمكن أن تنشأ بحور أخرى أو لا؟ ونقلت فيها كلام ابن جني وكلام الزمخشري، وحررت فيها تحريرا. وأبدى هنا في استيفاء ما قبل الكلام على مصطلحات العروض، أن أبدأ في استيفاء هذه الأمور الفلسفية أو الجذور، والتقعيد في علم الشعر، أو في علاقة الأوزان والقوافي بالشعر العربي تاريخيا وفنيا.

وأبدأ بتذييل على المسألة الماضية لما ذكرت تحرير الخلاف في الحقيقة بين المانعين لإنشاء بحور جديدة أو أوزان جديدة -وهو ظاهر جدا من كلام ابن جني- وبين المجيزين -وهو ظاهر جدا من كلام الزمخشري-. وقلت إنه شرط وكذا، وهنا لا بد من تنبيه أو من استدراك وتذييل، وهو أن ما وضعته العرب إلى الآن -خلاص، الذي نستعمله منذ وضعته العرب قبل الجاهلية إلى الآن- كاف وناضج وتام. هذه نقطة مهمة؛ فالأمر ليس فقط قابلا للتطوير بمعنى أننا لو لم نطور نكون قاصرين، لا، التطوير لأجل الإضافة لأجل استيفاء شيء وعدم كفاية الموجود الآن شيء آخر؛ فالموجود كاف، ما وضعته العرب كاف وناضج وتام، وقد كفى الأمة كل هذه القرون. فعدم المنع لا يعني عدم النضج والكفاية.

وفي الحقيقة حازم القرطاجني له في ذلك كلمة يحسن أن نقرأها لتعلموا أن هذا ليس خطابا وليس دعوى أدعيها، وإنما هي حقيقة يعرفها فقهاء الإيقاع العربي، ومنهم بل من رؤوسهم حازم القرطاجني رحمه الله؛ فإنه من أكثر ومن أشهر من تكلم في قضية الأوزان وفقه الأوزان وكيفية استخراجها، وعلاقتها -بل هو صرح بعلاقتها- وبرجوعها عن الانفعالات والمعاني التي تتعلق بالبحور، وهذا كلام فقهاء الإيقاع كما قلت لكم.

يقول حازم القرطاجني في كتابه «منهاج البلغاء» الصفحة 208، استمعوا إلى كلمته التي تؤكد لكم هذا الاستدراك، حيث كان في معرض الاعتراض على العروضيين، وسنعرض إلى قضيته إن شاء الله تعالى لما ندخل قبيل مواجهة البحور وكيفية استخراجها، ولما أتكلم في الأول كلاما مجملا عن دوائر الخليل بن أحمد أو ما يعرف بدوائر الخليل والحسابات الرياضية في استخراج البحور؛ لأن حازم القرطاجني يتخذ من ذلك موقفا عنيفا جدا، سنعرض له لن نحيد عن منهج العروضيين، لكن سنعرض له لفائدة سأذكرها في وقتها إن شاء الله.

لكن في هذا المعرض وفي هذا السياق يقول: «وضروب التركيبات كثيرة جدا، وإنما استعملت العرب من جميع ذلك ما خف وتناسب». ثم يقول: «وليس يوجد أصلا في ضروب التركيبات والوضع الذي للحركات والسكنات والأجزاء المؤتلفة من ذلك أفضل مما وضعته العرب من الأوزان». والشعر ناضج يا إخوة، الشعر ناضج، فلا تأتِ لتقول لي إن أصل البحور يصلح أن تستخرج منه بحور جديدة.

ويقول القرطاجني: «وإذا تصفحت ما قلته في ترتيب الحركات والسكنات والمسموع المستطابة من ضروب ترتيباتها في مواضع قد تقدمت من هذا الكتاب، عرفت صحة ذلك». فقضيت أنه يمكن استخراج... وقد قلت إن كلامي محمود، وجمعت فيه كلام الزمخشري وابن جني جميعا على ما حررته لكم في المرة الماضية. حتى لو قلنا ذلك، نقول: الموجود ناضج وكاف، ولكن إذا أردت توليدا -كما أن المعاني لا تنتهي فالمشاعر والطرائق لا تنتهي- فبذلك البحور يمكن أن تخرج من البحور. لكن ماذا لو اكتفينا بالمعاني الموجودة لن يضر، ماذا لو اكتفينا بالأشعار بالتفاعلات الموجودة والبحور الموجودة لن يضر، لكن ماذا لو أردنا جديدا سيكون متاحا. فعدم المنع من إنشاء بحور جديدة لا يعني عدم النضج والكفاية، لأن ربما البعض يأخذ هذه الكلمة ويقول: إذا ما زال الشعر لم يتطور! لا يا حبيبي، متطور وناضج والباقي نوافل لو أردت.

ننتقل الآن إلى قضية، كما قلت سأجل الحديث في قضية الأوزان وكذا، وسأدخل في قضية البحور الموجودة التي أنشأها الخليل رحمه الله وفي فلسفته، وفي مسألة تتعلق بها بهذا التذييل أيضا، وهي قضية استخراج بحور جديدة. سأذكر لكم شيئا يؤكد هذا التحليل؛ الخليل بن أحمد رحمه الله كان قد...

استتم له خمسة عشر بحراً هي الأوزان التي وجدها في شعر العرب وسماها بحوراً. وتناقشنا في الوجوه التي لأجلها سنناقش قضية المصطلحات، والوجوه التي لأجلها سميت بحوراً وكذا.

ثم جاء الأخفش الأوسط، وهو سعيد بن مسعدة المتوفى في العام مائتين وخمسة عشر من الهجرة، واستخرج الوزن السادس عشر الذي عُرف بالتدارك، واستقر علم العروض على ذلك واعتمدت تاريخ هذه الأوزان. وكانت هناك بعد ذلك محاولات لبعض المتأخرين كأبي العتاهية، لكنها لم تُعتبر، مع أنه لم يخرج -انظر، مع أنه لأن هذا له علاقة بما سنناقشه في قضية الدوائر- لم يخرج عن تقسيم دوائر الخليل. يعني إذا دخلت في دوائر الخليل ستخرج ما استخرجه أبو العتاهية.

أو قال عليه -ولم يقل عليه العرب- لم يخرج عن دوائر الخليل من ذلك. مثلاً ما ذكره ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء؛ أنه قعد يوماً أبو العتاهية عند قصار، فسمع صوت المدقة، فحكى ذلك في شعر فقال: للمنون دائرة تن يدرن صرفها *** هن ينتق ننا واحداً فواحداً هو سمع تن تن هكذا فأخذ هذا وقال عليه: «للمنون دائرة تن يدرن صرفها هن ينتق ننا واحداً فواحداً». فهذا لم يُعتبر، ولم يخرج مع أنه جاء على دوائر الخليل ولم يخرج عن العروض وعن دوائر الخليل بالكلية.

إلا رزين العروضي، من يُعرف برزين العروضي، وهو مولى طيفور بن منصور الحميري، بغدادي مات في أيام المتوكل في العام مائتين وسبعة وأربعين من الهجرة. وقال ياقوت الحموي في ترجمته من كتابه إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب يقول في هذا الرجل: «أكثر شعره يخرج عن العروض». أكثر شعره يخرج عن العروض ولم يُعتبر، لم يعتبر أحد خروجه عن العروض الخليلي وتجاهلها الزمان.

لماذا؟ طبعاً هذا كلامي ليس كلام ياقوت الحموي، كلامه انتهى عند أكثر شعره يخرج عن العروض، ذكره في ترجمته رزين العروضي وأنه مولى طيفور بن منصور الحميري وقال أكثر شعره يخرج عن العروض. فأنا أقول لم يعتبر أحد خروجه عن العروض الخليلي وتجاهلها الزمان؛ لأن الأمر كما عرفنا ليس بهذه السهولة وبهذه السهولة. ولو كان الخلاف بين الفريق المجيز كالزمخشري والفريق المانع كابن جني على ظاهره، لو كان الخلاف على ظاهره أنه خلاف حقيقي معتبر، على هذا الظاهر كما عرفنا في المجلس الماضي من كلام ابن جني والزمخشري، لوجدنا على الأقل فريقاً -ولو قل أفراده- أيد رزين العروضي في هذا.

لو كان هناك من يقول بالجواز لوجدنا أحداً قال بهذا، لكن لما راجعت وتتبعت ترجمة رزين العروضي من ياقوت الحموي لأعرف هذا الشخص الذي خرج عن العروض وما كانت أحواله، لأنني أستعمل هذا في تفسير هذا الخلاف؛ لأن تفسير الخلاف لا يرجع فقط إلى الخلاصة التي أعطيتها لكم في النظر هكذا للسطور وللكلام وكذا، فنجمع جمعاً جميلاً لائقا رائقا هكذا يعني أنيقاً، لا، حتى أستطيع تفسير هذا، سأذهب إلى محاولات مخالفة العروض التي وقعت في التاريخ، العروض الموروث.

أتتبع ذلك قبل أن أفسر كلام الزمخشري مع كلام ابن جني، أذهب أتتبع، أرى من أخذ بكلام ابن جني، فبحثت عمن خالف العروض فأشه أبو العتاهية، وجدت ذلك لم يُعتبر، وجدت ذلك لم يُعتبر، وشعره الرفيع العالي الذي اعتُبر على أوزان العرب، فوجدت لم يُعتبر مع كونه لم يخرج عن الدائرة الرياضية للخليل بن أحمد دوائر الخليل. وجدت الآخر الذي خرج بالكلية حتى عن الدوائر، رزين العروضي، تتبعت أخباره وجدت ياقوت الحموي يقول: «أكثر شعره يخرج عن العروض»، ومع ذلك لم يقل أحد، لم يتبعه أحد، لا يعرف أحد بحوراً قال بها، ولا حتى أبو العتاهية.

فهذا يدلكم على فضل الله تعالى، إذا لم يقطع بصحة ما قلته في خلاف مثل ابن جني والزمخشري، وأن الجامع لقولهم هو كلام محمود شاكر رحمه الله؛ لأنه لو كان الخلاف على ظاهره كما قد يفهم بعض الجهلة، لوجدنا فريقاً يؤيد رزين العروضي، لكن كل التاريخ تجاهله، وليس هذا من شأن ما فيه خلاف حقيقي. أرجو أن يكون ذلك واضحاً، فهذا يدعم كما قلت صحة ما حررته لكم وأنه لا خلافة في الحقيقة، وإنما جهة الكلام عند ابن جني وعند الزمخشري منفكة، ويبقى القول بأنه يجوز ولا يمتنع وكذا، ولكن ولا حتى محاولة أبي العتاهية، الشاعر المعروف، حتى هذه المحاولة لم ترقَ إلى هذا.

ويؤيد ما قلته لكم من أنه ينبغي أن يكون تخلقاً جماعياً، أن يكون التخلق الجديد تخلقاً جماعياً كما كان العروض العربي الأول تخلقاً جماعياً على عقود وقرون. نعم، فهذه نقطة مهمة جداً. تمنى بعض الباحثين المعاصرين لو أن الأوزان زادت، في هذا يقول الدكتور عبد الله الطيب في المرشد في الجزء الأول الصفحة السادسة: «وكم يتمنى المرء لو أن الشعراء الأوائل لا سيما المحدثين من طبقة بشار وأبي نواس كانوا أكثر تحرراً وأقل تقليداً واتباعاً للأوزان القديمة». هذا نص كلام الدكتور عبد الله الطيب، أقرأه لكم.

ويقول وكلاً الناقد والشاعر في عصرنا هذا يجد من ضيق الأوزان العربية وانحصار عددها عنه. هكذا يقول الدكتور عبد الله الطيب رحمه الله ورضي عنه وجزاه خيراً بكتابه المرشد الذي نقرأ منه هذا الكلام، كتاب في غاية الإفادة يا إخوة، وإن لم نوافق طبعاً على كثير مما فيه ونتفق ونختلف، هكذا دأب الدارسين.

انظر إلى الفرق بين كلام عبد الله الطيب وكلام حازم القرطاجني، وانظر إلى فرق المستوى في تذوق الأبيات والخوض في الشعر، فرق المستوى، فرق الإدراك للحقيقة. وكلاً الناقد والشاعر في عصرنا هذا يجد من ضيق الأوزان العربية وانحصار عددها عنه، ويود لو كان العلماء قد سهلوا وتيسر شيء ولم تستعبدهم دوائر الخليل كل الاستعباد. هكذا يقول، وهذا الكلام، انظر هذا هو الفرق، هذا هو الفرق بين حازم القرطاجني مثلاً وهو يبحث منطلقاً من كل القيود المذهبية، وبين شاعر أو ناقد تأثر بالطريقة الرومانتيكية أو الطريقة النقدية الجديدة الأنجلو-أمريكية أو غير ذلك.

فهذا الكلام عند الأستاذ البروفيسور عبد الله الطيب رحمه الله لا يخلو من التأثر بحالة الضعف في الجيل الرومانتيكي الذي سيطر على مصر والشام وأكثر المنطقة العربية شعراً ونقداً في هذا الوقت، وإلا فأين هذا الإبداع الذي ضاقت عنه المساحة التي أبدع فيها الفحول على طول؟

أين إبداع المعاصرين من إبداع المتقدمين؟ طوال خمسة عشر قرناً منذ الجاهلية حتى الآن، يقولون إنها ضاقت عليهم، لا، الحقيقة أنني أسأل الآن: كيف ضاقت مساحات العروض على هؤلاء الشعراء الذين عرفناهم؟ الصواب هو أنه قد ضاقت قرائحهم وشاعريتهم عن استعمال هذه البحور.

وهنا يمكنكم يا إخوة الرجوع إلى كتاب «ثابت الإيقاع متنوع الوقع» للدكتور سعد مصلوح، إذا تكلمنا عن القافية، وقس عليها الأوزان. وإن كان قد ركز على قضية القوافي والأوزان، إلا أن هذا الكتاب ثابت، وربما أريكم هيئته. هذا هو الكتاب يا إخوة، وإن كان الآن طُبع بطبعة مختلفة في الهيئة؛ «ثابت الإيقاع متنوع الوقع» لأستاذنا والدنا الدكتور سعد مصلوح حفظه الله تعالى وأطال عمره بالخير، تكلم فيه عن الأوزان والقوافي جميعاً.

وذكر لك مثال القافية المقيدة المنتهية بساكن، والقافية المطلقة، وهما على وزن واحد وهيئة من هيئة القافية أو من تركيبة القافية واحدة، ولكن هذا صوت. وأتى لك بأبيات على بحر واحد من أبواب مختلفة، وقال لك إن هذه الأوزان حينما تدخل في المكونات الشعرية -وأعيد معنى الكلام- تدخل بمقادير معينة وبأشكال معينة وبتركيب معقد، تجعل هذه البحور التي هي ثابتة الإيقاع متنوعة الواقع على النفوس. أنت لا تنظم دندنة وتنتنة، أنت تدخلها مختفية في مكونات معقدة، وإن كانت ضرورية كبعض المواد الكيميائية التي حتى بعض المواد تكون سمية، تدخل في بعض التراكيب العلاجية والغذائية بمقادير معينة دخولا ضرورياً، وكل دواء له تأثير، فهكذا الأمر، فيها تعقيد.

ومع التقدير العظيم الكبير للدكتور عبد الله الطيب، أرى أن العبارة هنا ساذجة جداً وغير واعية لما يقول: «إن الناقد والشاعر في عصرنا هذا يجد من ضيق الأوزان العربية وانحصار عددها عنه، ويود لو كان العلماء قد تسهلوا وتيسروا شيئاً ولم تستعبدهم دوائر الخليل كل الاستعباد». طيب، جرب أن تخرج بما أنك ترى أن هذه البحور تضيق عن إبداعك، وعندك ما ليس عند القدماء، جرب أن تخرج ليأتيك البحر ولتوزع! فالحقيقة أنها ضاقت قرائحهم وشاعريتهم كما قلت.

والحقيقة أنا أستغرب في هذه المسألة من موقف الدكتور عبد الله الطيب من الأوزان ومن تمنيه التوسع فيها، بالقياس إلى موقفه من قضية القوافي وتمني بعض الشعراء المعاصرين لو توسع فيها العلماء أو لو رفعوها؛ لأنها أيضاً قيود، لكن موقفه مختلف فيها، ورأى أنها ضرورية ونصر فيها الطريقة العربية، لكن تمنى لو توسعوا في الأوزان. فموقفهما مختلف، لكن مآلهما واحد؛ الشعراء المعاصرون الذين سامحهم في الأوزان، هم لأجل ضعف قرائحهم أرادوا التوسع أيضاً في القوافي، فضعف قرائحهم كان علة في كلا الأمرين.

نأتي هنا إلى قضية ركنية الوزن والقافية في الشعر العربي. في الحقيقة يا إخوة، هذه المجالس في علم العروض ليست مجالاً لمناقشة ركنية الوزن والقافية في الشعر العربي بشكل تفصيلي فلسفي يستوفي المسألة، فإني سأستوفي ذلك إن شاء الله تعالى بقدر الوسع الذي يفتح به الله سبحانه وتعالى في كتاب «التأسيس لأصول الفن الشعرية عند العرب»، وإنما الذي يناسب إيراده هنا هو أن العروض والأوزان والقوافي ليست مركبة على التراكيب العربية، وليست دخيلة؛ هذه نقطة خطيرة جداً لابد أن نعرفها.

إنما تطورت التراكيب العربية والاشتقاقات العربية، فأفرزت هذه الأوزان والقوافي بطريقة طبيعية، هي خرجت من داخلها أصلاً. هذه نقطة مهمة؛ فكثرة الفصل الذهني بين الأوزان والكلام تجعلك تشعر بأن هذا يركب على هذا، فتُخدع في ضعفك المعاصر، فتذهب وتقول: لماذا؟ هل ضروري الأوزان؟ انتبه حتى تفهم موقعك من هذا. العروض من أوزان وقوافٍ، من كافة الأحكام، ليست مركبة على التراكيب العربية وعلى الاشتقاقات، وإنما تطورت التراكيب العربية وطردت الاشتقاقات العربية واتسعت المساحة المعجمية، فكل ذلك مجتمعاً أفرز هذه الأوزان بطريقة طبيعية، حتى صار عدم احتواء طبقة الفن الشعري عليها نقصاً عظيماً. وقد بين ذلك العقاد في كتابه «اللغة الشاعرة»، وقد شرحت في الأردن في عدة مجالس، أنصح بالاستماع إليها وتحصيلها لمن لم يكن فعل ذلك.

وفي الحقيقة، إن تتبعنا تاريخ العروض العربي في تشكله حتى صار بهيئته هذه، صار خاصية عربية بهيئته الحالية، لو تتبعنا هذا التاريخ وجدنا أنه شيء ضروري في النص العربي على طبقة الفن الشعري، بل تسرب منها إلى طبقة الفن النثري، أُخذ منه حتى كما عرفتم في الدورة الشعرية أُخذ منه حتى الترنم، وجرى في نثر العرب حتى وقع في القرآن كما عرفتم، وذكر ذلك ونص عليه أبو سعيد السيرافي في أول كلام له في كتابه «دور الشعر». فأرى أن تتبع التاريخ في تشكله حتى صار بهذه الهيئة أراه شيئاً ضرورياً في نظري لإثبات هذه المنية.

وفي سبيل هذا، أنوه بكتاب مفيد جداً في هذا الشأن، وهو كتاب «بدايات الشعر العربي بين الكم والكيف» للدكتور محمد عوني عبد الرؤوف. وقد لخصت لكم فصول هذا الكتاب ومادته الرئيسية، وأرى أنه يحسن أن أقرأ لكم خلاصة هذا الكتاب فيما يتعلق بما نحن بصدده، وهو قضية انبثاق الوزن والقافية والعروض العربي من داخل جسم اللغة العربية نفسه، وهذا شيء في غاية الخطورة. والكتاب فيه فوائد أخرى كثيرة سنمر عليها، فأنا الآن أخوض معكم في تلخيص هذا الكتاب.

كان عنوان الفصل الأول في الكتاب: «الشعر العربي وشعر اللغات القديمة المجاورة». انظر لتدرج الفصول: «الشعر العربي وشعر اللغات القديمة المجاورة»، لماذا؟ لأنه بذلك ينبهك إلى أن الشعر العربي... انتبه، اسم الكتاب «بدايات الشعر العربي بين الكم والكيف» للدكتور محمد عوني عبد الرؤوف، الأستاذ بكلية الألسن جامعة عين شمس، والكتاب مطبوع بدار الآداب، وأرجو أن يكون موجوداً لأنه قديم جداً. وأنا ألخص لكم الكتاب كاملاً الآن إن شاء الله مع التعليق.

300 صفحة لا أقل، 200 صفحة تقريباً. هذه الفهارس وكذا فوق الـ 200 صفحة.

كتاب مفيد، فصله الأول بعنوان "الشعر العربي وشعر اللغات القديمة المجاورة"، يبين لك هل تأثر الشعر العربي باللغات الأخرى أو لا، ولماذا تميز عنها؟ ثم الفصل الثاني بعنوان "نشأة الشعر العربي القديم"، يؤرخ لك كيف انتقل ولماذا، وما الذي دعا إلى الانتقال من صفة اسمها "النبرية" إلى صفة اسمها "الكمية" أو "الكيفية"؛ النبر هو الكيف، وهذا أوفق لعنوان الكتاب: "بدايات الشعر العربي بين الكم والكيف". وفصله الثالث بعنوان "بدايات الشعر العربي الكمي قبل الإسلام"، وهذا تدرج تاريخي وفلسفي في نفس الوقت.

الفصل الأول يؤرخ لك الشعر العربي مع شعر اللغات القديمة المجاورة، فيقرر أن الشعر العربي لا نظير له في قالبه الشعري في شعر اللغات الأخرى؛ لأنه شعر عربي النشأة. واللغات السامية الأخرى، كالأكدية والسريانية والعبرية والحبشية، شعرها شعر نبري لا كمي.

ما معنى نبري؟ أخبركم الآن ما معنى نبري بكلمة بكلمة؛ ستأتي في كتاب "العمدة" في آخره عن الجاحظ. لحظة واحدة، ابن رشيق في كتاب "العمدة"، الجزء الثاني في آخر الكتاب، صفحة 1128 و1129 ينكر على الجاحظ، وهذا أصلاً في كتاب "البيان والتبيين". قال الجاحظ -وأنا جئت بالعمدة لأن شرحنا العروض هو في سياق كتاب العمدة-: «العرب تقطع الألحان الموزونة على الأشعار الموزونة، والعجم تمط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في وزن اللحن، فتضع موزوناً على غير موزون».

يعني يا إخوة، الشعر النبري يعتمد على الكيفيات؛ على الإطالة والتقصير والضغط. النبر شعر كيفي، كيفيته مفتوحة لها مجال آخر وتخصص آخر، لكنه في الأخير شعر لا يمكنك أن تقف على إيقاعه لو قرأته أي قراءة، بخلاف القصائد التي بين أيدينا الآن. لو ناديت الآن أصغر أبنائي وقلت له: اقرأ القصيدة الفلانية، وقرأ هكذا حتى يحذر حذراً أو يهذر هرة في الكلام، ستخرج موزونة، وكل سامع سيعرف أن هذا كلام موزون؛ لأنه شعر حسابي كمي، شعر مقاطع، خلاص موزون محسوب. أما شعر الآخر فهو شعر نبري، لا يعتمد إلا بالأداء، لا يظهر أنه شعر ومنغم إلا بالأداء، يعتمد على الأداء الكيفية. اسم الكتاب: "الشعر العربي بين الكم والكيف".

نعم، اللغات السامية الأخرى التي هي قرينة العربية في السامية، كالأكدية والسريانية والعبرية والحبشية، شعرها شعر نبري لا كمي. فالشعر العربي إذاً لا صلة له بالشعر السامي كله الذي هو من عائلة لغاته. ويرجع هذا في نظر بعض الباحثين إلى طبيعة الصوت في اللغة؛ ركزوا في الكلام حتى تعرفوا لكيف اختصت العربية. البعض يأتي يقول لك: الأوزان أخذها العرب عن غيرهم، كذا لم يستقل في الفن.

طيب، تعال، الشعر العربي يا إخوة الذي يقترن بالسامية، محسوب في العروض التفعيلي المحسوب بدقة؛ لأنك تأتي عندك ثلاث حركات يسمونها هنا، أو كما يسميها الدكتور عبد الرؤوف "حركات حادة"، يعني قطع موسيقية حادة أغرت بوزن حاد محسوب حسابياً، وهو الحركات والسكنات.

اللغة المصرية القديمة لغة حامية ليست سامية، لغة حامية ولكنها مجاورة جغرافياً، ولكن شعرها أيضاً شعر نبري كذلك وليس كمياً مقطعياً. حاول بعض المستشرقين، وهو الألماني "رادول فيستفال"، أن يثبت أن العرب المسلمين تأثروا في عروضهم بالشعر اليوناني القديم، ويرى أن العرب -وهم الشعب الوحيد السامي الذي عروضه كمي حسابي- قد أخذوا هذا. هو يثبت بماذا؟ بما أن الشعب الوحيد السامي، كان الأصل أن يوافق الساميين أو كان الأصل أن توافق لغته اللغات السامية الأخرى في أن يكون نبرياً، والواقع ليس كذلك؛ فلماذا يقول هذا؟ يقول: "آه من اليونانيين". لتعرفوا حقيقة عقل المستشرقين في بحثهم وأنه ليس من فراغ، اشتد عليهم محمود شاكر كثيراً، فعلاً لهم تحقيقات مستفزة. أنا لا أقول شيئاً منذ كنت طالباً مبتدئاً إلا بعد تحريره وتتبعه لشهور من الكتب، فكيف بباحث يعلم أن العرب ستتلقى عنه أو هو يغتر بذلك ويتصف به؟ فهذا الباحث الألماني المستشرق "رادول فيستفال" يقول إن العرب، الذين هم الشعب الوحيد السامي الذي عرضه كمي، قد أخذوا هذا عن بيئة غير البيئة السامية؛ لأن البيئة السامية نبرية كيفية ليست كمية حسابية. خلاص، يقول العروض العربي استيراد من الخارج، أخذوه من اليونان.

ورد عليه عدد من الباحثين المستشرقين أنفسهم، وأظهر شيئاً يا إخوة نلاحظه في هذا السياق قبل النظر في طبيعة العروضين: هو أن العروض العربي قد تمكن بهيئته الحالية في منتصف القرن السادس، أما العروض الكمي اليوناني فقد اختفى بالتمام في أوائل القرن الرابع وحل محله النبر كما في اللغات السامية. يعني الكم اليوناني الذي يدعي أن العرب أخذوه انتهى في أوائل القرن الرابع، انتهى بالتمام، يعني آخر علاماته وآخر وجوده، نهاياته بدأت من قبل لكن بالتمام تم انتهائه في أول القرن الرابع. أما العروض العربي فقد تمكن كما هو في منتصف القرن السادس، فأين سمع العرب عروض اليونان؟ بينهم ما يقرب من ثلاث قرون.

يعني لما جعل العرب عروضهم، ولما تطورت لغتهم وجعلوها عروضاً، جعلوا الوزن عروضاً كمياً وزنياً، كان اليونان نبريين منذ دهر طويل؛ يعني العرب لم يروا أصلاً ما عند اليونان. هذا من الناحية التاريخية، نأتي إلى الناحية الفنية من نفس العروض؛ ترون الجنسين مختلفين تماماً. عروض اليونان الكمي القديم عن عروض العرب لا يمكن أن يكون أحدهما قد أخذ من الآخر؛ لأن التفعيلة العربية مختلفة تماماً عن التفعيلة اليونانية، لأن التفعيلة العربية صادرة عن الحروف العربية وحركاتها الحادة الثلاث، يعني المادة نفسها مختلفة، مادة العروض. بل يرى بعض الباحثين أن العروض العربي ينطلق من الكتابة العربية أيضاً؛ يعني يقول العروض مأخوذ حتى من طريقة الكتابة، هذا رأي بعض الباحثين، وعضد به بعض العرب الآن يتبعونه في هذا، تجدونه في بعض المصنفات؛ عضد به هذه الخاصية العربية بأنهم أخذوه حتى من الكتابة. فالعروض مختلفان جداً، يمكنك أن تراجع بشيء من التفصيل في هذا، لا يسعه المقام، في الصفحة الثانية بعد الخمسين، ومن الصفحة الرابعة بعد الخمسين إلى الثامنة بعد الخمسين.

ومن جهة ثالثة، إذا وصل حال العرب أن يستفيدوا العروض من اليونان، يعني حتى هذا المكون الشعري الوحيد، فهو بالمنطق أنهم قد اتصلوا بالشعر اليوناني والأدب اليوناني، وإذا وقع هذا التأثر بالعروض فقط، فإنه قطعاً يدل على الاختلاط والاتصال بهم، فلا بد أن يتأثروا بهم في الأدب.

ومواضعه وكيفيته، فأين هذا التأثر؟ الشعر العربي صحراء قاحلة عن التأثر اليوناني القديم، وعن التأثر بأي معنى يوناني؛ هو بعيد كل البعد.

أما الشاعر اللاتيني، فقد تحول من الكمية إلى النبرية في نهاية القرن الثاني الميلادي، وبين هذا وبين استقرار العروض العربي أربعة قرون. الشعر اللاتيني كان كميًا أيضًا. لاحظوا يا إخوة، في مشكلة هنا، انتبهوا إلى ما أتكلم عنه؛ تلاحظون الأشعار الكمية عند الأمم الأخرى صارت نحو النبرية، أي تخلصت منها، أما الشعر العربي فكان يسير نحو الكمية، يعني في طبيعتين مختلفتين.

هناك طبيعتان مختلفتان، انتبهتم إلى هذا؟ إياك أن تغفل هذه الملاحظة. الدكتور هنا يتكلم عن متى ذهب الكم عند الفلاني، فلم يدركهم العرب، عند اليونانيين وعند اللاتينيين خلاص؛ الشعر اللاتيني. لكن أنت تلاحظ من هذا أن الشعر العربي كان يتجه نحو الكمية من النبرية، بينما أشعار غير العرب تتحرر من الكمية إلى النبرية قبل العرب بقرون، والعرب يتطورون نحو الكمية. هذا يدلك على اختلاف طبيعة اللغتين، وأن كل لغة يحركها طبعها.

الرد على الذين يدعون إلى تحرير الشعر العربي هكذا يكون بفلسفة ومنطق وتعمق، لا يكون عن طريق الوزن. الوزن موسيقى، واحد يقول لك: أنا موسيقى مش عاجباني، أرى الكلام، لا يكون جِدًّا لو كان موسيقى. رد هكذا؛ طبيعة العربية سرت بها عبر قرون إلى الكمية، وإلى العروض الحسابي الدقيق الموجود الآن، ليكون الإيقاع جزءًا من الكلام؛ لأن مكونات العربية اقتضت ذلك. وشعر الآخرين حاولوا أن يكون كميًا لفترة، ثم مع تطورهم صار كيفيًا واتجه نحو النبرية، فانتبهوا إلى هذا.

عندنا اللغة الهندية لغة كمية كالعربية، وطرح البعض احتمال عداء للعرب وخلاص، تحس فيه اتجاه حاقد عام، كأن العرب لا بد أن يكونوا قد أخذوا من غيرهم، أو من غيرنا لا بد. هذه مغبة الاستسلام في وقت الضعف لدراسات المستشرقين؛ لذلك أقول لكم دراستنا الآن في هذا العصر، إن شاء الله إذا استمرت على هذا النهج كما نريد، وتركنا في ذلك تحقيقات ومصنفات وأشعار، ستكون نهضة لا تهزم ولا تهدم بعد ذلك، لأنها ستضحك ما سبق.

اللغة الهندية لغة كمية كاللغة العربية، وطرح البعض كما قلت احتمال أن يكون الخليل قد أخذ عروضه عنهم، وهذا ممتنع؛ لاختلاف الهندية عن العربية في الكلمات التي تأتي على نفس الوزن نفسه ويتفق صرفها مع التفعيل الشعري، يعني ليس الأمر كذلك، لا في الهندية ولا في اليونانية واللاتينية، إذ لا يسهل أن تتغير اللفظة هناك لتوافق الوزن كما في العربية.

أقول هنا: ولهذا تحولت أشعار هذه اللغات إلى النبرية ولم تتحمل أن تبقى على الكمية، في حين كانت العربية تتقدم نحو الكمية. لابد أن تستحضر هذه الملاحظة؛ فالخلاص من هذا الفصل هو أن العروض العربي عربي النشأة، اقتضت به طبيعة اللغة العربية، ولو كان العرب فيه تأثروا بغيرهم لتأثّروا، ونحن لا نجد ريح هذا في أشعارهم إطلاقًا، وكل الشواهد تشهد على أن العرب لم يتأثروا بغيرهم في هذا العروض.

ينتقل بنا الدكتور محمد عوني عبد الرؤوف إلى الفصل الثاني، وهو حول نشأة الشعر العربي القديم، كيف نشأ الشعر العربي القديم؟ خلاصته يقرر أنه كان نبريًا وكان مختلطًا باختلاط العربي بالثقافات الأخرى حتى أخذت العربية في طبيعتها، هذا قبل الإسلام بقرون. وهنا أيضًا أنوه مرة أخرى بكتاب «قضية الشعر الجاهلي» لابن سلام، والبحث في قضية الشعر الجاهلي عند الأستاذ محمود شاكر؛ منذ متى؟ قبل الإسلام، وكيف نضج هذا الشعر؟ راجع هذا، قبل الإسلام قبل نزول القرآن.

انتبهوا، القرآن نزل عند التمام. لربما تقول وأين وكيف العرب اختلطوا بغيرهم؟ كانوا مختلطين، لكن اللغة كانت في طور تقدمها، ولما تقدمت تمامًا ونضجت تمام النضج واستقر العرب شعراء وخطباء وفصحاء، جاء القرآن يتحداهم في هذا، وكان الله يعد العرب لهذا، ليس كلامًا وضياعًا عاطفيًا.

ننتقل إلى قضيته التاريخية؛ الشعر الإسلامي كان نبريًا، كان كيفيًا، هذا خلاصه قبل تمام النضج. ومع نضج العربية تطور الشعر إلى الكمية، من النبرية الكيفية إلى الكمية المقطعية، العروض الذي سندرسُه. هذا ما يفصله الدكتور محمد عوني عبد الرؤوف، فيقرر أن نقش النمارة هو أقدم نص وصل إلينا، فكتابتها مؤرخة بعام 328 ميلادية، واكتشف في عام 1901 بنمار في سوريا، وهو شاهد وفاة ملك المناذرة في الحيرة في العراق.

نذهب ونطوف ونرجع إلى العراق، هو شاهد وفاة ملك المناذرة في الحيرة، امرؤ القيس بن عمرو الأول مذكور في الأشعار. طبعًا عندنا العربية الجاهلية، يقول يقرر أنه في حقيقته شعر قديم، وهذا في الحقيقة لما رجعناه وجدناه شعرًا قديمًا، وعند مقارنته بنصين آراميين يرجع تاريخهما إلى نفس العهد، ظهر أنه نظام عروضي كيفي كالشعر الآرامي تمامًا، بل لا يختلف عن شعر الأغاني الواردة في التلمود البابلي.

فالشعر العربي ظل كيفيًا نبريًا على طول الفترة التي ارتبط فيها العرب بالآرامي. ويقرر أنه معروف أن عرب الشمال تأثروا بالحضارة الآرامية، وهي حضارة سامية شمالية، لكثرة الأسفار والتجارات. وتثبت الوثائق الآرامية المكتشفة في تيماء، والتي ترجع إلى القرن الخامس قبل الميلاد، أن أصحابها عرب تأثروا بالآرامي.

والأنباط عرب، كما يذهب الكثير من الباحثين، عرب أغاروا على هذه البلاد؛ الأنباط في الأصل عرب قدامى جدًا أغاروا على هذه البلاد من شمال المنطقة، وتحضروا بحضارة بلاد الأنباط وكتبوا بلغتهم لكن تكلموا بالعربية، ثم سادت لغة غزاة العرب في لغة البلاد الآرامية وتميزت عنها وعرفت باللغة النبطية بعد ذلك، يعني أصولها أصلاً عربية من عرب غزوا هذه الأماكن في الشمال. وبعد سقوط دولة الأنباط بما يقرب من قرنين، نسوا تلك اللغة النبطية ولكنهم كتبوا بالحروف العربية ما كانوا يكتبونه بالآرامية، فهذا مثال للعربية في هذه البلاد واندماجها مع غيرها وتأثرها بها، ومن هنا كان الشاعر العربي القديم نبريًا.

ننتقل إلى مرحلة جديدة بعد هذا الشعر النبري القديم، يرى بعض الباحثين كالدكتور محمد عوني عبد الرؤوف أن ما حوته بعض المصادر ككتب السيرة وكتاب الأغاني من نصوص مسجوعة، هي المرحلة التالية للشعر النبري الذي اكتشفوه في النقوش القديمة. كلام خطير، طبعًا هذا الكلام لم يتكلم فيه القدماء، لكن هو مجال البحث الآن؛ لأن العرب لم يهتموا بغير الشعر الذي صار...

البحث قد يكشف أن المرحلة التالية لهذا الذي قلناه الآن عن النقش القديم والكلام القديم، والذي هو أوائل الشعر العربي القديم، هي ما حوته بعض المصادر ككتب السيرة النبوية وكتاب الأغاني من هذه النصوص المسجوعة. هذه النصوص هي المرحلة التالية للشعر المنثور، أي أنها أيضاً شعر كيفي وليست كمياً.

هي مرحلة تالية للشعر المنثور الذي اكتشفوه في النقوش القديمة، كنص أبي سفيان لهبل يوم أحد، نص يأتي في كتب السير، نص أبي سفيان الإلهي هبل يوم أحد وسجع الكهان ونحو هذا. فهذه النصوص، وإن كانت غير موزونة بالوزن الكمي، إلا أنها يمكن أن تعد شعراً منثوراً قد زود بالسجع، كما أن بعض النصوص نلاحظ فيها تفعيلات الرجز.

رضي الله عن الخليل حين قال إن الرجز ليس شعراً. بعض هذه النصوص بدأنا نلاحظ فيها تفعيلات الرجز، وما نعرفه الآن بالنثر الفني المسجوع، يعتبره البعض مرحلة متطورة من الشعر المنثور القديم المكتشف في النقوش أيضاً. وأقول لا يتعارض كونه نثراً مع كونه شعراً؛ لأن الشعر القديم أصلاً منثور، فهو نثر في مفهوم الشعر العربي المستقر.

كل ما سبق مما يعرف بأنه شعر قديم هو عندنا الآن نثر؛ لأن اصطلاح الشعر وضع بعد ذلك على أساس الشعر في صورته الأخيرة: القول المخيل الموزون المقفى. فالوزن ركن، لأن شعر العرب لا يكون شعراً إلا بما استقر، وقبل ذلك كله مراحل نثرية ستكتب بالنثر، لكن كانت لغتنا لم تنضج، وشاء الله لها أن تنضج وشاء لشعرها أن يصير كذلك بنضج مكوناتها وماهيتها. فهو نثر في مفهوم الشعر المستقر الآن، وهو شعر باعتبار مرحلة غير ناضجة وقبل تمام الاستواء.

ننتقل الآن: كيف خرج الشعر العربي عن الكيف إلى الكم؟ هذا السؤال في الفصل الثاني عن نشأة الشعر العربي القديم. نسأل كيف خرج الشعر العربي عن الكيف إلى الكم؟ لأن السبب الكامن في طبيعة اللغة، الذي يذكره بعض الباحثين، هو اقتصار العربية المشتركة على الحركات الثلاث القصيرة؛ يقول لك العربية فيها ثلاث حركات قصيرة حادة، والحركات الثلاث الطويلة الممدودة هي من الحركات القصيرة، فهذا قد حدد بوضوح مكونات التفعيلة من الحركات والسكنات؛ لأن الحركات كلها من الضمة والكسرة والفتحة، والسكنات كلها من الواو والألف والياء.

وهناك أسباب من خارج اللغة يذكرها البعض، وهي في نظري -مع احترامي لأصحابها- محاولات للتفسير؛ فمن قائل إنها حياة البادية، ومن قائل بربط الموسيقى عموماً بالأوزان، ومن قائل بمحاكاة طريقة الجمل في سيرة، ومن قائل بربط الشعر بالغناء الساذج في حضرموت، كلها تأملات وتوقعات غير مدعومة ولو بالنظر. والذي عندي هو اللغة والذوق والتغني بالمعاني فقط.

لماذا أترك الأقرب إلى الأبعد؟ وما الذي يجعلني أتوفق مع شيء من حولي من الأصل؟ إنما الفنان منشئ فنه من مادة الفن، قد يستعمل المحيط والبيئة في تشكيل بعض الصور، لكن بداية النشاء لابد أن تكون من داخل مادة الفن، ومن داخل طين الفن، وطين الفن هنا هو اللغة التي نضجت. فلما نضج هذا الطين تشكلت منه أوزان أشعار العرب، والشاعر يريد هذه الإيقاعات للمعاني والتغني بالأشجان، لا تفرض عليه من خارج للتوافق اللازم والضروري مع شيء مما حوله، فكلها تفسيرات ساذجة في الحقيقة.

النظر المعمق في اللغة، إذا كان ممن يغوصون في أشعار العرب ويحفظونها ويصنعونها، سيعلم أن هذا ناشئ من اللغة نفسها، ومن نفس الشاعر الذي أغرته لغته والتمت معه معانيه، فأنشأ هذا الكلام ووجد صدره هكذا لأن اللغة آتته. وهنا سندخل في الجدلية: هل اللغة صنعت العربي أم العربي صنع اللغة؟ ليس المجال، لكن التقى الصدر الممتلئ بالمعنى مع لغة أتاحت له هذا، فخرجت الأوزان من داخل اللغة وليس من هذا الكلام الذي يقال في البيئات، مهما كان أصحابه، من بيئة وغناء وموسيقى وسير إبل إلى آخره.

ومن ثم تطورت هذه الجمل النثرية المسجوعة إلى جمل قصيرة فيها بعض الوزن والقافية، فكان هذا هو الشكل الأول من النص الموزون المقفى. لاحظوا التطور؛ فالنثر في حشو الجملة صار مطعماً ببعض الوزن. تعلموا يا إخوة أن اللغة الفنية عندنا الآن هي شعرنا القديم، لغة شاعرة. والذين يريدون -كما صرح بذلك عبد الله الطيب- أن نعود إلى حيث لم ينج اللغة بعد، ففي النثر صار حشو الجملة مطعماً ببعض الوزن والسجع، وبقيت القافية لتُسَمّى بعد ذلك.

حتى ابن رشيق، كما سيأتي في باب التصريع والقافية، يسميها السجعة لما تكلم عن الفرق بين التصريع والتجني، سماها سجعة. وعلى هذا يصح أن الرجز هو أقدم ما وصل إلينا من موزون؛ لأن نبض الرجز بدأ يظهر في الكلام القديم. لله در الخليل لما قال هذا ليس شعراً، ولله در العرب لما ظلوا يستعملونه في كلامهم ولا يعتبرونه شعراً، وإنما قصد في الإسلام بعد ذلك أو في أواخر العهد الجاهلي.

جماعة المستشرقين الذين درسوا هذا الباب يعتبرون الرجز سجعاً منظوماً مقفى، يعتبرون الرجز سجعاً. نعم بلغنا الساعة، سننتهي، لابد أن ننتهي من هذا التلخيص إن شاء الله، لكنه مهم وضروري حتى يتوحد لكم في المادة والعنوان.

يعتبرونها الرجز نظماً أو نثراً منظوماً مقفى، فهو تطوير للسجع المستعمل في الشؤون السريعة التي ترتفع شيئاً ما على الشؤون اليومية المبتذلة. وهذا يؤيده بالفعل أن العرب استعملوه في الحروب وفي الرقية وفي كلام الكهان ونحو هذا. ونجد النصوص في هذه المرحلة لا تطرد على الوزن ولا تنظم من أولها إلى آخرها، فهي مزيج من المنثور والموزون مع كونها جميعاً مسجوعة أو مقفاة، وقد ورث الشعر العربي الكمي عن هذه النصوص النثرية القديمة وهذه الجمل.

السجعية وهذه الجمل التي ظهر فيها أثر الوزن الرجز ورث القافية وجوهر الإيقاع. جوهر الإيقاع الذي هو الوتد المجموع، الوتد المجموع حركتان وسكون، وله خاصة في العروض كما ستعرفون إن شاء الله. فالشعر العربي الكمي الموجود الآن ورث عن هذه النصوص النبرية القديمة، وورث عن الجمل السجعية وعن هذه الجمل التي ظهر فيها أثر الوزن، ورث عن هذا كله القافية التي هي السجعة وجوهر الإيقاع.

ثم جاءت مرحلة الرجز المضطرد بكل شطرة، وكانت الشطرة به تامة المعنى، فالرجز إذا قد تطور عن الإسجاع في العبارات النبرية. تلاحظون يا إخوة، وكما ستعرفون في دراسته من هذه السلسلة، أن الرجز أكثر بحر ينتهك، أكثر بحر يتساهل فيه، أكثر بحر يتساهل في شكله يتغير بأشكال، ويُحمل عليه ويدخله الخبن ويدخله الطي، ويدخل بحر تعجب منه بل، كنت سأقول كما قال عقيل الآن، بل وصلوا به للموحد: البحر تفعيلته واحدة مستفعل مستفعل، تخيلوا! مستفعل، يعني هو فيه التفعيل الثنائي وفيه الثلاثي وفيه الواحد، محدثة طبعًا لكن تجروا عليه.

فهمتم لماذا؟ لماذا الرجز المضطرد المقفى بكل شطره تطور عن الإسجاع في العبارات النبرية؟ أيضًا أكرر وأقول: لله در الخليل الذي لم يعتبره شعرًا، كان فاهمًا تاريخه غالبًا. نعم، لأنه ظل ترقص به المرأة ولدها، وترجس به النساء في الحروب، ويرتجع به الناس في الحروب. وكما سيأتي، جعلوه مقابلا للرَّجْل، القريض الذي تقرض فيه الكلام شيئًا فشيئًا وتتأنّى.

شوف، الكلام خطير، لابد للباحث أن يربط الأمور ببعضها، وهذا معنى التخصص؛ أن تستقرئ فلسفة هذا الفن وتربط أجزاءه وتستخرج كليات وتنتهي إلى تحقيقات. هذا الفرق بين من يحقق ومن لا يحقق. أكثر الناس يساوي بين بحر الرجز وبحر الطويل، ويساوي بينهما وكذا، وهناك قصيدة جميلة على بحر الرجز، وهناك قصيدة عادية كما نقول سمك لبن تمر هندي، يجمع بين أن هذا طعام وهذا طعام وهذا طعام.

إذن الرجز تطور عن الإسجاع في العبارات النبرية القديمة وتسلل الرجز شيئًا فشيئًا كما علمنا. وبعض علماء العروض ينكر أصل عد الرجز في الشعر، كما سيأتيكم تفصيل من كلام الخليل إن شاء الله. في مشطور الرجز هنا نتكلم عن البحور، وكان الرجز في الجاهلية يلبي حالة الارتجال فقط، ولم يستعمل استعمال الأوزان الشعرية المعروفة، فتقصر منه القصائد وتفخم منه البلاغة والبيان، إلا في زمان الأمويين.

يعني الرجز عند العرب والمستشرقين جميعًا هو بدايات الشعر العربي، وليسوا طبعًا هؤلاء المستشرقين أكفاء لنا، لكن امتلأت مصنفات الباحثين بهم. وأنا التزمت هنا أن أخص كتابًا معينًا وفيه نقل المستشرقين، لكن لا أحتاج إليهم في هذا، يكفينا الخليل. ومن الجدير بالذكر أن بعض المستشرقين، وهو جلده سهر، يعد الرجز أساس البحور الأخرى؛ هو يرى أن الرجز يعد أساس البحور وليس فقط السابق عليها في الظهور، فيرى أن الرجز قد تولدت منه هذه البحور الأخرى.

ولا دليل على هذا، ولا يلزمنا أصلًا أن ننظر في هذا القول التافه؛ لماذا؟ لأن الذي جعلهم ينشئون الرجز لغرض، يجعلهم ينشئون البحور الأخرى للأغراض الأخرى، لأن الرجز وغيره نشأ عن طريق تلاقح الأغراض مع إمكانات اللغة، وماهية اللغة في تركيبها واشتقاقاتها ومعجمها، فتلاقى ذلك مع الأغراض فنشأت البحور. ما الذي يحتاج هذه العقلية العبقرية عند هذا المستشرق أن يقول لك: أتوا بالرجز وبدأوا يفرعون؟ يا أخي، أنت اربطها باللغة؛ لماذا كل البحور ناشئة عن طريق اللغة؟ إذا كانت تركيبات اللغة سمحت بإنشاء الطويل والبسيط نشأة جديدة مستقلة، لماذا تقول أخرجوه من الرجز؟ لماذا تقول أخرجوه من رحم الرجز؟ هم لا يضعون سلمًا موسيقيًا، بل ينشئون بحورًا ترتبط بالبيان، إذن ترتبط بالأغراض وبما تتيحه طبيعة العربية من هذه الأوزان فنشأت.

فلا نحتاج إلى النظر في هذا القول التافه، وهو قول أعجمي كما ترون، ولا سيما وقد تباينت أغراض الرجز عن أغراض القصيد حتى لم يجعله القدماء من القصيد أصلًا. تقول استخرجوها، والدكتور محمد عوني عبد الرؤوف يرى ويقرر أن الصواب إن شاء الله أن البحور جميعًا يمكن أن ينشأ كل بحر منها نشأة مستقلة عن طريق تصريف جوهر الإيقاع، وهو الوتد المجموع. ويدل على هذا مكانة الوتد المجموع الذي هو حركتان وسكون، حتى لم يجز الخليل أن يصيبه أي تغيير، وإنما يطرأ التغيير فيه بما يجاوره من أصوات أخرى، أما هو في نفسه فلا. ولهذا سنرى أن الزحافات والعلل تبتعد كل البعد عن المساس بهذا الجوهر الإيقاعي، إلا في آخر البيت حيث القافية تستقل عن تكوين سائر البيت بجرسها وإيقاعها، وإلا ما يحصل في أوائل الأبيات، وهذه أمور نادرة حتى إننا وجدنا بعض العارضين لا يتعرضون لها، لكن سنتعرض لها طبعًا في الشرح لأنها في الأصل موجودة في كتب العروض وتكلموا عليها، لكن نرى البعض يتجاوزها ولا نراها كالزحافات الأخرى المستحسنة، وسيتي تفصيل ذلك إن شاء الله.

فهذا كله يدلنا كما رأينا على أن هذا الوتد المجموع هو النواة التي تتكون منها البحور المختلفة على التوازي، فلا وجه لأن نقول الرجز هو الذي تولدت منه البحور. وكان لابد للشارع العربي يا إخوة من المسير نحو الكم بسبب طبيعة العربية والتحديد الحاد للحركة أو للحركات الثلاث، كما أن الشاعر العربي لا يمكن إخضاعه للعروض اليوناني وإن كان كميًا، لأن العروض العربي يلتزم جوهر الإيقاع، يلتزم جوهر الإيقاع الذي لا نظير له في العروض اليوناني.

فكيف تقول تأثرنا؟ وحافظ الشعر العربي الكمي على القافية التي ظلت به منذ كان نبريًا قديمًا، ليكون الشعر الكمي هو الشعر الكمي الوحيد الذي يحظى بالقافية التي هي في الأصل من خصائص الشعر النبري. وطبعًا هذا يمكن أن نقول وجهة نظر، لأن بعض الفلاسفة كالفاري يقول: «الأمم ليس عندها القافية، وكل شعر عجمي وجدت فيه القافية إنما يتشبهون فيه بالعرب». فالله أعلم بأمر هذه القافية هنا، لأنه يقرر هذا في الوقت الذي يقرر فيه بعض الباحثين كعون عبد الرؤوف وغيره أن الشعر القديم هو شعر نبري واحتاج إلى القافية لدعم الإيقاع النغمي لأنه ضعيف في النبر، فلا بد من القافية التي تأتي كالكف الموسيقي، بخلاف الشعر الكمي الذي استغنى بالعروض الكمية عن القافية. لذلك فالشعر اليوناني القديم والشعر الذي هو...

الشعر اليوناني القديم الذي هو كمي موزون فيه تفعيلات وأوزان، والشعر اللاتيني الذي فيه أوزان ليس فيه قافية، ولم تظهر القافية في الشعر الأوروبي إلا في القرن الرابع عشر، بين 1300 و1400 من الميلاد، دون معرفة السبب؛ هكذا يقرر الدكتور العوني عبد الرؤوف دون معرفة السبب في الظهور، وإن كان بعض الباحثين يطرح احتمال تأثرها بالشعر العربي.

أقول هنا تعليقاً فقط: الفارابي الذي عاش في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين يقول إن أي شعر مقفى إنما يتشبهون فيه بالعرب، ونقله ابن سينا في القرن العاشر والحادي عشر، ونقله القرطاجني عن ابن سينا، والقرطاجني عاش في القرن الثالث عشر الميلادي. ففي القرن الرابع عشر دخلت القافية في الشعر الأوروبي الحديث.

كل هؤلاء، من الفارابي وابن سينا والقرطاجني، يقررون أن القافية في الشعر القديم الذي يسبق القرن الرابع عشر بطبيعة الحال إنما أخذوها عن العرب، فكيف أشك بعد ذلك في أن الشعر الأوروبي أخذ القافية عن العرب؟ وفي القرن الرابع عشر الميلادي كان الشعر العربي قد نضج واحترق كما نقول.

بالمناسبة، هذه حجة فريق يدعون إلى الموزون غير المقفى، ومنهم الدكتور محمد مندور، الناقد المصري المعروف رحمه الله، وهو ناقد كبير وعبقري ذكي ومحترم، لكن للأسف الشديد تأثر بمناهج التجديد الأوروبي كثيراً وكان يدعو إلى تطبيقها في المنهج العربي، لكن رحمه الله كان حسن التوجه والنية وله بحوث مفيدة، جزاه الله خيراً، وأنا أقرأ دائماً في كتبه وأستفيد منها بعض الأمور.

كان ممن يدعون إلى عدم الحاجة إلى القافية بحجة أن الشعر اليوناني القديم واللاتيني لم يحتج إلى قافية، وأن القديم النبري المائي السائب الغنائي الذي يغنى ويرجع إلى الأداء هو المحتاج إلى قافية لتكون قفلاً موسيقياً فقط؛ يقولون إن الوزن إيقاع محكم قوي يستغنى به عن القافية، بينما كانت الحاجة إلى القافية واضحة حين كان الشعر نبرياً، فلما صار كمياً موزوناً بالتفعيلات.

هنا في ذلك إغراق في مسألة النغم وإغفال لعناصر شعرية أخرى، أولها هو الأثر الانفعالي لوجود قافية موحدة ثابتة في نهاية كل بيت، وأن ذلك كالأطفال الذي يشد القصيدة، وثانيها يتعلق بمساحة البيت نفسه وما به من عدد التفعيلات؛ لأن وجود القافية يقود إلى توحيد مساحة البيت مع الأبيات، بل إلى تقليل عدد التفعيلات، وهو ما يتفق وفكرة الكثافة الشعرية، بخلاف ترك القافية الذي يتيح للكلام تدفقاً لا يناسب الكثافة الشعرية.

تنبّهوا إلى هذا، وهذا ليس من تلخيص الكتاب بل كلامي هذا، حرره الدكتور عبد الله الطيب، ترونه في الصفحات 833 و834 من كتاب المرشد، الطبعة القديمة. كلام مهم حول قضية القافية مع الشعر الموزون، نعم وزن وقافية كلاهما ضروري، وأرجع وأقول: جماع كل ذلك طبيعة اللغة كما اقتضت.

خذ عندك مرحلة الحرص في ضبط الإيقاع في الشعر العربي، ورضي الله عن الجاحظ، ولله دره، يوم قال في كتابه الحيوان: «شعر العرب لا يناظره عند غير العربي شعر»، قال: «ليس لغير العربي شعر من حيث المادة لا من حيث الاسم»؛ من حيث المادة لا يناظره شيء عند الآخرين.

وهذا هو الفصل الثاني، وننتقل إلى الفصل الثالث وهو حول النضج، المرحلة الأخيرة. بدايات الشعر العربي الكمي قبل الإسلام: يقرر الدكتور أن الأشعار التي نظمت قبل الإسلام كوكبت أكثرها على البحور الأربعة: الطويل، والوافر، والكامل، والبسيط. ويقول إن هذه البحور الأربعة استهلكت أكثر من أربعة أخماس الشعر الجاهلي المنقول القديم، أي أكثر من 80%.

الطويل استهلك من الشعر المنقول 34%، أي نصيب الأسد، والوافر استهلك 12%، والكامل 19%، والبسيط 17%، فالمجموع أكثر من 80%. ولم يقل أحد من القدماء مطلقاً على المضارع والمقتضب والمجتث والمتدارك، بل استدركه سعيد بن مسعدة، وأصلاً لم يقل به، بل نص بعض المحققين على أن الخليل عرفه وأنكره وليس شعراً أصلاً، وكل هذا سأقف على تفصيله إن شاء الله في الكلام على المتدارك، وانتبهوا لأن أكثر شروح العروض المعاصرة لا يتكلمون في هذا التفصيل.

لم يقل أحد من القدماء مطلقاً على المضارع والمقتضب والمجتث، بل هاجم القرطاجني هذه البحور وقال: «هذا المضارع لا يضعه أصلاً، لا يتكلم فيه أحد من العرب». ولهذا يرى بعض الباحثين أنها ليس لها وجود حقيقي، وإنما استخرجت استخراجاً من دوائر الخليل في شأن البحور المهملة.

أما الرجز فلا يمثل من هذا الموروث القديم أكثر من 1.9% من الشعر الجاهلي، وأكثر من 2.25% من شعر القرون الثلاثة الأولى. ومع أن نسبة الرجز في الشعر الجاهلي المنقول قليلة، إلا أنه بعد ذلك ظهر الرجز بقوة في الشواهد النحوية الإسلامية، إذ بلغت نسبته في الشواهد الثلث تقريباً.

أما الأوزان القصيرة فتوجد أكثر ما توجد في أشعار المكيين والمدنيين، الذين عُرف عنهم وضع الشعر لأجل الغناء عند أهل الحجاز. وهنا سيفيدك أن تكون قارئاً لبعض المؤلفات، مثلاً للدكتور شوقي ضيف عن شعر هذه الفترة وشعر الغناء. ولذلك أقول لك: عادة مرحلة التحقيق تبدأ بعد الإحاطة بهذه الكتب وبتحرير الأصول، وعندها يبدأ الربط والتفسير. تأملوا صلة هذه البحور القصيرة بالرجز والغناء والارتجال، وصلة الغناء بخفيف المعاني، وبداية الربط هذا هو عمل المحقق. انظروا إلى علاقة الأرجاز في الحروب، وعلاقة البحور القصيرة في الغناء، وعلاقة الارتجال في الحروب بالارتجال.

الغناء في مكة والمدينة وكثرة الارتجال في الحروب وكثرة الارتجال في الغناء في الحجاز، المذهب واحد والطريقة واحدة. وانظروا إلى أمثال المعري وغيره الذي يقول: الرجز هو كل البحور القصيرة التي يرتجز الكلام عليها، وانظروا إلى جعلهم القريض مقابلاً. ثم انظروا إلى أن الخليل لم يعتبر الرجز شعراً أصلاً، أرايتم الكلام خطير!

فالشعر العربي الكمي يا إخوة قبل الإسلام، بعد أن تطور عن السجع المنمق وصار إلى الرجز، عرف هذه الأوزان الأخرى. الرجز أول الأوزان لكن نشأت هي بعده نشأة مستقلة، لم تنشأ بعده عن طريق تنظيم المقاطع، ولم تنشأ بعده عن طريق توليد مقاطعه، وإنما نشأت عن طريق تنظيم المقاطع قبل جوهر الإيقاع أو بعده، على حسب ما تراه باحثاً أنت في ذلك.

وكان اهتمامهم برواية القريض هو المقدم، في مقابل الشعر كان اهتمامهم برواية القريض هو المقدم، ولم يهتموا هذا الاهتمام برواية الرجز؛ حتى في الرواية لم يهتموا به إلا بعد اهتمامهم بمباحث النحو واللغة اهتموا هنا بالرجز فقط. وسمي الرجز رجزاً لتقارب أجزائه وقلة حروفه، ولأن القافية تأتي فيه بسرعة، فالانتقال من بيت إلى آخر يكون سريعاً. والخليل يرى أنه ليس بشعر، وإنما هو أنصاف أبيات.

وأبو العلاء المعري كان يعد من الرجز كلما قلت حروفه وقصرت بيوته. ولم يكن الرجز عند القدماء بمنزلة القريض لأنه كان سهل النظم حتى على البدوي الذي لا يحسن الشعر، وقت صر عند الجاهليين على المزح والسخرية والهجاء والنزال والطعان، وكان يتجنبه طبعاً في الإسلام بعد ذلك الغناء كما عرفتم، وكان يتجنبه من يريد الإيجاد في البيان.

حتى جاء العصر الأموي فجاء العجاج وابنه رؤبة، فتقرؤون كلمة "أول من قصد الرجز"، يعني ماذا؟ قصد الرجز تذهب تقرأ هكذا من نفسك؟ تقرأ طبقات فحول الشعراء، فأول من قصد الرجز يعني هو ليس قصيدة، يجب أن تفهم الفرق بين الرجز والقصيد. والقريض راجز، والذي ينشد رجزاً يقولون له: أرجوزة، لا يقولون في غيره "طويلة" أو "كاملة على بحر الكامل" أو "طويلة"، لا يقولون حتى هذا قصيد أو قريض، لا يقولون؛ لأنه الأصل. أما عند الأرجوزة يقولون هذه أرجوزة.

ويشكو هشام المزني من عدم قيامه لذي الرمة، فيقول: "أقول الرجز ويقول القصيد". يعني هو مع ذي الرمة يتجانى، فيشتكي هشام المزني من ذي الرمة أنه يغلبه، لماذا يقول أقول الرجز ويقول القصيد؟ خطير هذا، نص كلامه المنقول: "أقول الرجز ويقول القصيد".

وأبو العلاء المعري يقول في رسالة الغفران: «والرجز أضعف الشعر»، هذا نصه، هذه جملته بتمامها: «والرجز أضعف الشعر». ويقول أيضاً عبارته: «وإن الرجز لمن سفساف القريض»، أدخله في القريض لكن من سفساف، ويخرجون من القريض. وينقل أبو العلاء عن الفرزدق قوله في الفصول والغايات: «إني لأرى طرافة الرجز، ولكني أرفع نفسي عنه».

وينقل المعري كذلك في الفصول والغايات هذه العبارة يقول بنصه: «وزعم بعض الناس إنه لا يحسب شعراً»، وقال قوم: «الرجز ليس بشعر». ولم يعن بالرجز يا إخوة أحد من الجاهليين، فأحسن الأغلب العجلي، قال عنه الآمدي: "هو أرجز الرجز". ثم ازدهر الرجز على يد العجاج وابنه رؤبة في الإسلام بعد ذلك.

وليس يمتنع على الرجز، أو لا يمتنع الرجز على المقصد امتناع القصيد على الراجز؛ تذكر هنا كلمة الفرزدق: "إني لأرى طرافة الرجز ولكن أرفع نفسي عنه"، وكلمة هشام المزني: "أقول الرجز ويقول القصيد". ويقال فلان راجز كإشارة إلى أنه ليس بشاعر، كما لو قلت فلان خطيب، فلان راجز يعني يقول الرجز دون رتبة القصيد.

هذا، واعتذر للإطالة، كان لابد أن أتم اختصار هذا الكتاب ليتم لكم العنوان ومادة المذاكرة والمتابعة إن شاء الله. شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.