بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا الثالث من مجالسنا في دروس علم العروض، ونشرع الآن في الكلام على بعض المصطلحات العروضية. علم العروض أيها الإخوة علم مليء بالمصطلحات، وهذا ما يجعل البعض يشعر بأنه علم صعب لأجل كثرة مصطلحاته، لأن الأصل هو أن تحصل معاني مهمة من وراء هذه المصطلحات، والأصل هو أن تكون هذه المصطلحات ميسرة للعلم.
فإذا كثرت المصطلحات فيما تحصيله أيسر بدون هذه المصطلحات وفيما فهمه أنجع عن طريق انتقال الفكر من المسألة إلى المسألة دون العبور على جسر المصطلح، هنا كثرة المصطلح تكون معسرة نوعاً ما من تلقي العلم، فيظن البعض أن علم العروض علم صعب، وهذا توهم. وبعض الفاهمين يعلم أنه في الحقيقة علم سهل من جهة التطبيق وتحصيل أصوله والتفريع منها، ويعرف أن كثرة المصطلحات به تشوش أكثر مما تقرب وترتب، أي أنها لا تؤتي المطلوب من الاصطلاح عادة.
على كل الأحوال سأتبع في الأمر منهجا حسناً إن شاء الله تعالى، وهو أنني لن أجمع لك مثلا كل الزحافات وأذكر لك المصطلح ومعناه ثم العلل بالزيادة والعلل بالنقصان كما ترى في بعض الكتب المعاصرة، وإنما أول ما أفعله هو أن أقدم لك بمقدمات حسنة في المقاطع والتفعيلات والكتابة العروضية، وتعريف بدوائر الخليل مجمل، بعد ذلك أخوض معك في البحور بحراً بحراً.
وبدراسة كلما انتقلنا من بحر إلى بحر، اجتمعت لنا هيئات التفعيلات شيئاً فشيئاً، واجتمعت لنا الزحافات والعلل شيئاً فشيئاً، فتراكم عندنا من هذه المعارف ما يسهل البحور المتأخرة عن طريق البحور المتقدمة؛ فهذه معارف متكررة متراكبة، فيكون آخرها أسهل وأيسر من أولها إن شاء الله تعالى. فلا ننتهي من دراسة البحور إلا وقد عرفناها كلها، وعرفنا مواقعها من التفعيلات، وكذلك ترتيب التفعيلات في داخلها.
لحظة، ماذا يقول أخونا؟ هل توجد مشكلة في الصوت أو شيء؟ طيب يا إخوة، الصوت عند عقيل يتقطع، هل هو عنده فقط أم عندنا كذلك؟ الإنترنت عند عقيل فيه مشكلة، هل عندكم كذلك؟ كل شيء جيد؟ طيب الحمد لله، إذا هي مشكلة الإنترنت عندك يا عقيل.
أقول: لا ننتهي من دراسة البحور إلا وقد عرفناها كلها، وعرفنا مواقع التفعيلات منها، وعرفنا كذلك موقع الزحافات والعلل وكيف تكون في كل بحر. وقد حصرنا كذلك، أما أن نوردها كلها جملة في أول الدراسة كما في كتاب "ميزان الذهب" للشيخ السيد أحمد الهاشمي رحمه الله، فلا أرى في ذلك كبيراً فائدة، ولا يؤدي إلى ثباتها في الذهن؛ يعني أن نأتي بها جميعاً في جدول في أول الكتاب هذا لا أرى فيه فائدة من الأصل، وليس منهجا صحيحاً في التحصيل.
فاخترت طريقة القدماء في عرضها خلال البحور، وهي أيضاً طريقة بعض المعاصرين، وهي الأنسب بل هي الصواب إن شاء الله تعالى. لكن كما ترى كررنا في كلامنا كثيراً مصطلح البحر وغيره من المصطلحات، فهذه مصطلحات يحسن في البدء أن نتعرض لها، فنرى مصطلح البحر والبحور.
وظاهر ومشهور في الناس أيها الإخوة أن المراد بالبحر هو هذه الهيئة العروضية التي يأتي عليها بيت الشعر، فهناك بحر يسمى الطويل، وبحر يسمى البسيط، وبحر الوافر، وبحر الكامل، وهكذا. السؤال المفيد هنا: لماذا سمي البحر بحراً أصلاً؟ لماذا سمي البحر بحراً؟ يعني هذه الميزان، بحر الكامل، بحر الطويل، هذه التفعيلة أو هذه الأعاريب المركبة، لماذا سميت الوحدة المركبة منها بحراً؟
أكثر من يدرس علم العروض يلقن أن البحر إنما سمي بالبحر لأنه يحمل كل ما يحمل عليه من الكلام والمعاني، أي يتحمل ما لا يتنا كما يتحمل البحر، وهذا المعنى صحيح في نفسه، لا يمكن أن نقول إنه خطأ، ولكن هذا شيء واختيار المعنى الذي يكون منه الاصطلاح شيء آخر، فهو صحيح لكنه ليس المعنى البارز المنفرد الذي يغري بالاصطلاح ويغري بهذا المجاز. فضلاً عن أنه معنى عادي يصدق على كل القواعد، يعني قاعدة النحو بحر، وهي أكبر من قاعدة الشعر؛ لأن كل الكلام يمكن أن يكون صحيحاً نحوياً، الجيد منه والرديء، أما الشعر فلا يكون إلا العالي من الشعر، الموزون. ولو قلت إن موضوع العروض هو كل الموزون، فالموزون أقل بكثير من غير الموزون من المنثور، في حين أن النحو يتحمل الموزون والمنثور جميعاً؛ كل كلام يقال بالعربية فهو ينبغي أن يحمله النحو، فالنحو بحر أوسع. لماذا لم نقل عليها بحراً؟ قاعدة النحو بحر، قاعدة الصرف القياسية بحر.
وكما قلت إن المعنى بارد، يعني لا يحمل على المجاز ولا يبرز اللفظة للاصطدام، فليس من العجب ألا ينضب هذا البحر، فعدم نضوب هذا البحر شيء عادي، كما المقام الموسيقي لا يبرز فيه أن يمدح بكونه بحراً لأنه نغم يتحمل ما يحمل عليه.
هناك تفسير آخر أميل إليه في الحقيقة، وهو ليس في كل المصنفات، على كونه سليماً مجزياً من جهة البلاغة والاصطلاح، ثم هو أوفق لصورة البحر العروضي أو الوزن العروضي، وهو أن الوزن إنما سمي بحراً لأنه يشبه البحر الحقيقي في توالي أمواجه وانتظامها، وفي كونها تتفق غالباً في هيئتها والمسافة بينها بحسب حال الريح. هذا هو، لو أنك صورت، يعني رسمت التفاعيل في البحر وصورته وجدته أمواجاً منتظمة.
وهناك أمواج ترى عدد الأمواج فيها كثيراً والموجة قصيرة، كالخماسي المثمن كما تقول: فعول فعول فعول فعول فعول فعول فعول فعول. وسترى موجة أخرى أقصر، والتفعيلة أطول، كما ترى في "مستفعلن" في بعض البحور المتأخرة. وسترى تفعيلات متنوعة متكررة أيضاً كبحر الطويل وبحر البسيط، وترى مثلاً بحراً كوافر: موجتان وموجة قصيرة وموجتان وموجة قصيرة، أو بحر الكامل ست موجات متساوية كلها "متفاعلن" أو "مفاعلتن" متفاعلن، والبحر الوافر تجده "مفاعلتن". فلو نظرت للبحر وصورته، أو البحر العروضي، وجدته أمواجاً، وهذه الأمواج تحدث في البحر الحقيقي بحسب حاله.
الريح، لكن سترى الاطراد حاصلاً في البحر الحقيقي في أمواجه مهما حصل، إلا إذا تخبطت؛ إذا رميت في الماء الثابت رميت حجراً، وبحسب رميك للحجر تكون الموجات. خلاص، فأنت ترى اختلاف أنواع الأمواج بحسب الريح، وهو بالضبط ما نراه في البحر العروضي في هيئة تفعيلاته المتوالية، بل نرى اضطراد ذلك في هذا التشبيه؛ نراه مضطرداً في البحور المزدوجة التي تتركب من تفعيلتين كبحر الطويل وبحر البسيط، بخلاف البحور غير المركبة المسماة بالصافية كبحر الوافر وبحر الكامل.
مع أنك ترى في الحقيقة بحر الوافر في حقيقته النغمية الأولى من تفعيلتين، لأن «فعولن فعولن» أو «متفاعلن» التي هي في العروض والضرب لم تسمع بغير ذلك أصلاً افتراض كمالها على الدائرة العروضية، وهذا ما سنعرض له الآن إن شاء الله؛ افتراض كمالها على الدائرة العروضية. فأقول هنا سنرى اختلاف أنواع، وسنرى اطراد التشبيه في البحور حتى هذه المزدوجة وليست فقط الصافية، فهذا ما أراه في سبب الاصطلاح بلفظ البحر، والله تعالى أعلم.
أرجو فقط بسرعة طمئني إلى سلامة البث، أخوكم عقيل ينقطع عن الإنترنت حتى أقول لا أفهم شيئاً، هي مشكلة عنده للأسف. ممتاز، الحمد لله. ستحتاج طبعاً إلى سماع المجلس مرة أخرى مسجلاً يا عقيل.
نرى كذلك يا إخوة مصطلح القافية، ولكن هذه سنعرفها إن شاء الله تعالى في موضعها، لأن معرفة القافية التي تدرس في علم العروض لا يفيد هنا التعرض لها الآن، فنحن قسمنا الآخر إن شاء الله من دراسة العروض في الأخير سندرس القافية دراسة مستقلة. حتى البعض يقول الأوزان والقوافي باب الأوزان وباب القوافي عند ابن رشيق كما ندرسه، والبعض يقول علم العروض والقوافي فيجعل العروض على الأوزان دون القوافي، فقد تقول جعلها على الأوزان دون القوافي، أو قد تقول جاء للأهمية من باب الذكر الخاص بعد العام لأهمية القوافي وهي مهمة جداً، وسأعرض إلى هذا عند دراستها إن شاء الله.
فمع معرفة القافية سنعرفها في موقعها، لأن لها معرفة تختص بها من حيث كونها جزءاً عروضياً في علم العروض العربي، لكن المصطلح الجاري على ألسنتنا جميعاً وهو مستعمل دون إشكال، واستعمله الخليل نفسه الذي وضع تعريف القافية كما سندرسها، هو أن القافية تطلق على حرف الروي، وهذا شائع جداً وموجود وقال به بعض العلماء، وكل هذا سيأتي إن شاء الله بيانه.
لكن يحسن هنا أن تعرف أن القافية إنما سميت قافية لأنها تقفو الوزن، أي تأتي في آخر الكلام، تأتي قافية للكلام، يعني تابعة له أخيره؛ فهذا معنى القافية أنها تقفو وتأتي في الأخير، وهذا المعنى العام قطع النظر عن الاستعمال الفني بعد ذلك، وهو في الحقيقة استعمالات فنية وليس استعمالاً واحداً، وهناك استعمال خاص في العروض سأبين كل هذا تفصيلاً إن شاء الله تعالى في موقعه.
كذلك من الحسن هنا أن تعرف ما قد يكون أعدل الأقوال في اصطلاح القصيد والقريض؛ لماذا سميت القصيدة قصيداً أو قصيداً، ولماذا سمي القريض -وهو قرض الشعر- ولماذا جعل مقابلاً للرجز؟ هنا يوجد للدكتور البروفيسور عبد الله الطيب كلام جميل جداً في الحقيقة، وأنا تأثرت به، يقال تأثرت به، وتأثرت في بداية دراستي للشعر لأنني وجدته -بعد أن خضت في كثير من التعريفات والتعليلات في مصطلح القصيد والقريض- وجدته أعدل الأقوال في ذلك.
هذا في كتابه «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها» في المجلد الثاني صفحة 833. طبعاً النسخة التي معي يا إخوة قديمة ليست الجديدة، الجديدة يقال إنها أجود ويبدو أنها بالفعل أجود في خمسة مجلدات كبيرة، لكن عند هذه القديمة المكدسة في مجلدين فقط، هي من ثلاثة أجزاء، الأول والثاني في مجلد والثالث في مجلد، ومرقم ترقيماً واحداً بالصفحات من أولها إلى آخرها؛ يعني إذا أخرجنا الفهارس تقع في 1276 صفحة. هذه نسختي ولم أشأ أن آتي بالجديدة لأنني وضعت حاشية كبيرة جداً على هذه النسخة ودرست عليها وحفظت أماكن المسائل منها، وهكذا فلم أستطع الاستغناء عنها في الحقيقة، لكن للأمانة أقول إن الأخرى في خمسة مجلدات أفضل من هذه، ويبدو أنها كذلك فعلاً، وهذا بإجماع كل من كلمته عن هذه النسخة، لكن أنا لم أعالجها لكن رأيتها هكذا وربما نظرت في داخلها بسرعة، واضح أنها أجود وهي المعتمدة الآن، نسختي قديمة لا تعتمد الآن.
يقول هنا الدكتور عبد الله الطيب في صفحة 833 من نسخته القديمة: «وما أحسبهم سموا القصيدة قصيداً إلا من أجل ما يقال في أوزانها من تقطيع الضربات التي تنتهي عند معقد القافية، وتتابع الأبيات الذي يمتد من المطلع إلى المقطع. وكان القصيدة إنما سميت قصيدة على سبيل التشبيه بالقنا ذي الكعوب والأنابيب المتناسبة الأبعاد».
يعني يقول لك الذي يأتي بالحراب أو القنا التي تصنع منها الحراب، تكون من نوع من القصب، يعني النباتات المعقله، والمسافات بين عقلها ثابتة، فشبه ذلك بالتفعيلات المنتظمة، إما على سبيل القصيدة أو على سبيل الأبيات. وفي الداخل يقول: «وكان القصيدة إنما سميت قصيدة على التشبيه بالقنا ذي الكعوب والأنابيب المتناسبة الأبعاد، إذ القصيدة كالأنابيب الواحدة من قطع الأبيات المتلاحق تلاحق الأنابيب، والقافية تعقد آخر كل أنبوب بما يليه».
يعني لو أتى هكذا بحربة سيراها أنابيب، كل أنبوب بيت، والعقدة بين الأنبوب والأنبوب القافية. وعندي في ذلك نظر، وهو أن هذه إذا نظرنا إلى التفعيلات وجدنا أن هذه الأنابيب هي أقرب إلى التفعيلات وليس إلى الأبيات؛ يعني القناة تمثل البيت وليس القصيدة كاملة، وكأنك جئت مثلاً بعشرة أبيات، جئت بعشر حراب ورصصتها هكذا، وجعلت من يمينك كعبها القاعدة، وجعلت أعلاها مكان السنان هي القافية جعلتها عن اليسار، رصصت هكذا، وتكون المعاقد في الداخل هي التفعيلات وتمايز التفعيلات عن بعضها.
ثم يقول في معنى القريض: «والقوافي في مكان النصال». نعم، هذا ما قاله، في كل بيت صحيح، القوافي هي مكان النصال، أحسنت. والقريضة طبعاً كما درستم في الصرف أنها تطلق على الفعل نفسه، فقال: «وهو أحسبه أريد به وصف صياغة الشعر»، ثم أطلقه المجاز على الشعر نفسه، وكان الشاعر عندهم يقرض الكلمات قرضاً ثم ينظمها في نطاق الوزن. هذا ولقد ترى ما في لفظي القصيد والقريض من كلام عبد الله الطيب، انظر لما يأتي العرب بالمصطلحات هكذا من الهواء، وعبد الله الطيب له جهد يشكر كبير في تمييزها وتعليلها، يقول: «هذا ولقد ترى ما في لفظي القصيد والقريض» إلى وصف المجهود الذي يكون من الشاعر إذا...
قابلته، ما بقولك هزج أي غناء، ورجز أي حركة. ومنشأ هذا المجهود بلا ريب هو ما يعانيه الشاعر من كلفة التأليف بين الوزن واللفظ والقافية، أو قل ما يعانيه من كلفة إبراز الوحدة الكامنة فيهن إلى حيز العبارة الناصعة والبيان الواضح.
الله! رأيتم هذا الكلام يا إخوة؟ ما المقصود من هذا الكلام؟ لو أنكم نظرتم في بعض كتب، مثل أبي العلاء المعري وغيره، وكلام الخليل، وجدتهم يفرقون بين القريض والرجز؛ يقول لك هذا من القريض، يعني الشعر، والقريض مرادف للشعر. والرجز خلاص، فالرجز فيه الإسراع. ثم تجدهم كما عمموا لفظ القريض على البحور الطويلة الفخمة التي يعمل عليها القريض الذي هو الشعر والقصيد الذي فيه نفس المشقة، تراهم يطلقون الرجز على كل البحور السريعة، لا على «مستفعل مستفعل مستفعل» فقط، لا على هذا الوزن المصطلح عليه بالرجز، يطلقون الرجز حتى على الهزج، على كل البحور المشطورة والمنهك والمجزوء القصيرة؛ إذا قصر البحر صار رجزًا. لماذا؟ يقال في كل ما يسرع به، والقريض كل ما يقرض، ومنه هو من قرض الكلام.
وهذا يعلمكم هذه الحقيقة في طريقة صناعة الشعر، وعلى هذه المعاني بنيت بيتي الذي وصفت به قصيدة الميمية: ثائرٌ وقريدُها لحمي وقافُها دمي
هذا بيت صناعي جداً بنيته على هذه المعرفة؛ قلت قصدتها قصد العظام، يعني جعلت عروضها، وعرفنا أن القصبات أو الأنابيب إنما هي التقسيمات والتفعيلات أو الأبيات، فأنا أقول قصدتها -وهذه صفة العروض- قصدت عروضها قصد العظام. وقريدها أي كيف كسوت هذه العظام التي هي العروض بالكلمات؟ فأقر الكلمات، فقرت من ذلك لحماً، ثم تأتي القافية التي تأتي تقفو، هذا كله، وقافها دمي. وكأنني أذكر هنا وأشرح بترا، حصل في لحمي وعظامي بهذه القصيدة: قصدتها قصد العظام عروضها، وقريدها لحمي، وقافها دمي. فهذا بيت صناعي جداً مبني على فهم معنى القصيد والقريض والقافية.
نأتي بعد ذلك إلى هذه القصيدة، صفة هذا المصطلح القصيدي من حيث صفة الاطراد والتساوي وصناعة الأبيات والتفعيلات. فإذاً فالقصد يتعلق بالعروض، والقريض صفة لانتظام العروضي، والقريض الكلام على هذا العروض؛ فهذا مما قاله الدكتور عبد الله الطيب وهو حسن. وقيل غير هذا، قيل إن القصيدة من القصد، فقصدت إليها وأطلت وكذا، وتقول فيه البيت والبيتين وكذا، لكن بعد ذلك يبقى اصطلاح أخص.
يبقى اصطلاح أخص، وهو يتعلق بكم، هناك اصطلاح بعد ذلك في داخل الأبيات نفسها، في داخل الشعر. فالقصيدة هي التي بلغت سبعة أبيات وتكون قصيرة إلى تسعة أبيات، يعني أقل من سبعة أبيات مقطوعة، ولهم بعد ذلك تقسيمات أخرى أو اصطلاحات، وبيت مفرد وبيتtwo، ما تحت سبعة أبيات ليس بقصيدة؛ إذا بلغت سبعة أبيات -كما قال- صارت قصيدة. من سبعة أبيات إلى تسعة أبيات قصيدة قصيرة، إذا بلغت عشرة أبيات صارت قصيدة متوسطة، من عشرة أبيات إلى تسعة عشر بيتاً قصيدة متوسطة، إذا بلغت عشرين بيتاً دخلت في الطول، ولهذا تسمى المعلقات بالمطولات، هذه ليست طويلة جداً، هذه مطولة، ليست طويلات، هذه مطولة. إذا بلغت عشرين بيتاً صارت قصيدة طويلة، طبعاً العشرين عند العرب معتد بها، قصيدة طويلة معتبرة وتستحق الخلود، وأقل من ذلك أيضاً. فإذا بلغت كلماتك سبعة أرتال تخيلوا قالوا قصيدة، حتى لو قصيرة بس قصيدة، فانظر إلى كثافة الكلام العربي، وثمان عند العرب هناك كذلك.
عندنا بعض المصطلحات الأخرى، مثلاً نحن نقول الشعر، أنا أتكلم عن الشعر، الشعر هو العلم، نقول الشعر والشاعر يحسن أيضاً، ونعرج هذا كأنه صار من البديهي الذي نعرفه، لكن المعنى وراءه لا يعرفه كثير من الناس للأسف الشديد. الشعر يا إخوة هو العلم، لكن علم خاص في هذا المكان. نحن نرى العرب تستعمل أسلوب ليت شعري، كما قال مالك بن الريب: «ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً» وكما قال قيس بن الملوح المعروف بالمجنون: «ألا ليت شعري هل لليلى وماليا».
فما هذا الأسلوب؟ هذا أسلوب عربي، «ليت شعري» معناها ليت علمي، والخبر هنا محذوف لأن تقدير الكلام ليت علمي حاضر أو متحقق أو حاصل. ما الذي نقدر منه الخبر؟ السؤال أو الكلام الذي يأتي بعد ذلك؛ يعني مثلاً قيس بن الملوح يقول: «ألا ليت شعري مالي ليلى وماليا»، تقدير الكلام: ألا ليت علمي حاضر بجواب السؤال: مالي ليلى وماليا؟ ومالك بن الريب: «ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة»، معناه تقديره: ألا ليت علمي حاصل أو حاضر أو متحقق بجواب السؤال: هل أبيتن ليلة؟ فهذا بعد أن تفهمه لابد أن يظهر أثر الفهم في أدائك الصوتي لهذا: «ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة»، «ألا ليت شعري مالي ليلى وماليا»، فلا بد أن نشعر أنك تفهم هذا.
والشاعر، الشاعر هو الذي يشعر بما لا يشعر به غيره. والمقصود بالعلم الذي هو الشعر، أي العلم الذي يعرفه الشاعر وما لا يشعر به غيره، وهو المعاني الخاصة الشعرية التي تحتاج إلى الفطنة ويتحقق بها شرف المعنى وعلو الشعر. وهذا الكلام موجود في كثير من الكتب، وحتى في بعض المعاجم، وهو في لسان العرب فيما أذكر وهو شائع.
والآن مثلاً في متناول يدي هكذا على المكتب، وجدت قلت سآتي بأقرب كتاب إلي فيه مثلاً هذا المعنى، فوجدت هذا الكتاب، وهو كتاب المنتخب في شرح لامية العرب ليحيى بن أبي طيب المعروف بابن أبي طيب المتوفى عام 630، وهو أقوى وأطول شرح على لامية العرب المعروفة بلامية العرب أو لامية الشنفري، وتنسب للشنفرى. اسمه المنتخب في شرح لامية العرب، كتاب كبير كما ترون، مجلد ضخم، هذا أكبر شرح على هذه القصيدة المشهورة، طبع بدار المنهاج بجدة.
في الصفحة الواحدة بعد الثمانين يقول المؤلف: «إنما سمي الشاعر شاعراً بفطنته ولأنه يشعر المعنى قبل نظم البيت، يقال هو شاعر، وما كان شاعراً هو شاعر، ولقد شعر وهو يشعر، والشاعر المتعاطي قول الشعر، ولبعض المحدثين: ما سمي الشاعر إلا لما يشعره من جيد القول، والشاعر جمعه شعراء على غير قياس». وقال الأخفش -وهذا كله من متن الكتاب-: «الشاعر مثل لاب وتامر أي ذو شعر، والشعر سمي شعراً». انظر كلام الأخفش، والشعر سمي شعراً.
«شعرا» من قولك: شعرت بالشيء إذا فطنت له، إذا فطنت له كما قلنا في الشاعر، فكان الشاعر قد فطن لشيء خفي على غيره ولطف عن فهمه. هذه يا إخوة، حتى انظروا بعد ذلك يقول: «وهذا الاسم وإن كان عاما في الأصل في كل علم، فهو مخصوص بالترجمة عن هذا النظم، كاختصاص الفقه بعلم الشريعة وإن كان كل علم فقها وفهما».
يعني ما معنى كلمة فقه؟ فهم، صح. فكتب الرياضيات فقه، وكتب الفيزياء فقه، وكتب التفسير فقه، كلها فقه في الدين. وهناك كتاب الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة، خلاص، حتى دراسة العقيدة فقه؛ كل العلوم التي تدخل في الفهم فقه، ولكن خص الفقه بعلم الفروع، الأحكام العملية الشرعية إلى آخره. فكذلك أيضا الشعر؛ يطلق على كل ما يشعر به، ولكن خص بهذا النوع الذي هو خاص بفئة معينة من الناس، يفطنون إلى معان لا يفهمها غيرهم، فهذا هو الأمر.
وهذه صفة فيما يشعر به الشاعر ومعاني الشاعر، لأن البعض من التوجهات الرومانتيكية يستشهد ربما بذلك على ماذا؟ يقول لك: المهم الشعور، فكل ما قلته عن مشاعر صادقة هو شعر. غلط! ربما يكون ذا مشاعر صادقة ولا يقول شعرا لأنه ليس بشاعر، فهذه صفة في المعاني لا في المشاعر، مرة أخرى: الشعر به هذه الصفة في المعاني لا في المشاعر.
كذلك سترون أننا نتكلم، نقول الشطر الأول والشطر الثاني وكذا، لك أن تقول الشطر الأول والشطر الثاني والمصراع الأول والمصراع الثاني، والصدّر والعجز. ورأينا في كلام ابن رشيق يقول: القسيم الأول والقسيم الثاني، على أن هذا ليس شائعا، الشائع في ألفاظنا الآن الشطر الأول والشطر الثاني، وكذلك قل المصراع الأول والمصراع الثاني، وكذلك قل الصدر والعجز.
ومن الأبيات ما يكون من جزء واحد، كالرجل كما ترون في أرجاز رب بن العجاج وسائر المشطور الذي يكون من شطر فقط، والمنهوك الذي بقي ثلثه. وأما المجزوء الذي حذفت عروضه وحذف ضربه، كما في الوافر: مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن، فقد بقي على الشطرين كما هو. وأغلب الشعر يأتي على الشطرين، بل جليل الشعر يأتي على ذلك وعلى البحور التامة، واستعمال البحور المجزوء. وقد تدخل فيها هذا الأثر العروضي الجارح الذي هو الاجتزاء والشطر، وكذا هذا يحتاج إلى حنكة الشاعر الذي يحسن ويوظف هذا الجرح في الحزمة الشعرية والتركيبة الشعرية.
ولا بد من التنبه إلى أن ما كان على شطرين من الشعر، لابد من التيقظ له أكثر؛ لماذا؟ لأن له أحكاما تخصه، كالتصوير ومراعاة ما يكون في الحشو دون أن يكون في العروض والعكس، وكذلك في طريقة الأداء. فلم تجعل العرب البيت على شطرين إلا لسلطان الأداء في العروض، لا تتفذ لك وتصل البيت لأن المعنى متصل، هذا كمن يصل الآيات لأن المعاني متصلة، خلاص لا تتفذ لك في هذا. العرب جعلوه على شطرين، وكرروا في الثاني ما أتوا به في الأول، وجعلوا اختلافا معينا بين العروض والقافية في صور ستعرفونها تفصيلا إن شاء الله، فهذا ليس اعتباطا أتى به العرب، وإنما فعلوه للعروض وللنغم، وهو تمام الشطر، ولولاه لأكمل.
يعني قالوا لك تقف على التنوين كما هو، إلا في مواطن التصريع التي تحتاج فيها إلى تناظر الصوت كما سيأتي. بل قالوا تكلموا فيما يعرف بالبيت المدور في بعضكم، الذي يقرأ سيرى ميما بين شطرين هكذا؛ هذه الميم معناها أن البيت المدور الذي انقسمت الكلمة فيه بين آخر الشطر الأول وأول الشطر الثاني، فلو وقفت انقسمت اللفظة الواحدة. تكلموا حتى في هذا، وقالوا ماذا نفعل فيه؟ استثنوا وقالوا هنا تصل.
وعندي في ذلك حيلة ربما يفعلها البعض وهي السكتة الخفيفة أو النبر والضغط، حتى لا تخسر الانقسام أو الإيقاع، وحتى تبين سلطان النغم وأنه كاد أن يقطع الكلمة لكن لم يقطعها، لكن قف عليها كالسكته، تشبه السكتة القرآنية، ولكن أيضا لا تسكت، اضغط، انبر، اضغط عليها هكذا حتى تبين أنك كنت ستقف لولا أنه لا يجوز أن نقطع الكلمة إلى نصفين، لكن بين سلطان النغم عليك وضغط الشطر عليك. هذا لابد، وتذكر أنك في الشعر كما قلت الآن تنشد على نية الوصل لا على أحكام الوقف؛ يعني تقف على التنوين بالنون لا بالإطلاق، وهكذا، لأن ذلك كله يظهر سلطان النغم العروضي أو الإيقاع حتى إنه يقطع ما شأنه، فتقف بأحكام الوصل لشدة سلطان الإيقاع، وهذا من أسرار الفن الشعري والحزمة الشعرية والإيقاع.
بعد ذلك إن شاء الله سأجمع المصطلحات العروضية الأخرى في الطريق بإذن الله تعالى في أثناء الشرح، وستحصلون جميعا إن شاء الله مصطلحا مصطلحا ولكن في مكانه بالدراسة والترتيب والتجميع.
ننتقل الآن إلى باب آخر وهو باب الكتابة العروضية. العروض من حيث رسم البحور يا إخوة هو علم، ولكنه في الأخير حاسة إيقاعية، هو في الأخير حاسة إيقاع وليس مجرد أنك تبني ألفاظا وتركب ألفاظا على الكلام فتحزن عن الحس الموسيقي، بل الحس الموسيقي قد يغني عن تحصيل القواعد. وابن الأثير قال: «لا يحتاج إليه من صحت قريحته»، ومن صحت قريحته وتلقت البحور من كلام العربي وكذا وكذا، هذا لا يحتاج إلى تعلم العروض. لكن في الحقيقة واقعيا ستحتاج؛ لأنك إذا أردت أن تحيط بكل أحوال البحور لن تجدها كلها منتشرة من حولك ولا حتى في الدواوين، ستحتاج إلى معرفتها. وحتى هذه القليلة التي أتى بها العرب قديما أتوا بها لأنها كانت أيضا موجودة في بيئتهم، أما بيئتنا فمعدومة تقريبا، فأنت تحتاج إلى دراسة العروض ومعرفة الاستثناءات على الأقل، وأكثرها يحتاج إلى دراسة العروض نفسه دون أن يتلقاه من الدواوين ومن كثرة قراءة الشعر.
هناك كلام جيد للأستاذ رحمه الله الحساني حسن عبد الله، وهو آخر تلامذة العقاد، وكنت زرته عام 2015 له خلوة يختلي بها في إحدى الدور في دار لبنة في تعليم العربية للناطقين بغيرها. وأظن زرته مرات، لا أذكر، كنت أتناقش معه دائما في بعض مسائل الشعر وعن العقاد ومحمود شاكر وكذا، كان هو صديق محمود شاكر رحمه الله، وكان هو من أخذ البعض إلى العقاد، هو كان صديقا للعقاد قديما، وهو من الشغوفين جدا بعلم العروض، والعجيب أنه شغوف بالعروض وبالفلوس رحمه الله، العقاد وتوفي منذ سنوات قليلة رحمه الله.
منذ سنتين تقريبًا أو سنة ونصف، لا أتذكر، له تحقيق على كتاب، وهو كتاب رئيس سنعتمد عليه، ولكم أن تقرأوه بعد ذلك وترجعوا إليه، هو كتاب «الكافي في العروض والقوافي» للخطيب التبريزي المتوفى في العام 502 من الهجرة. حققه طبعًا مكتبة الخنجي، حققه الحساني حسن عبد الله الشاعر المصري رحمه الله، له ديوان شعر مشهور معروف، طبعًا هو رومانتيكي جدًا، له كتاب ويميل إلى الفلسفة، له ديوان «عفت سكون النار».
يتكلم هنا عن خطر العروض فيقول في الصفحة الثالثة من تقديمه: «إن ذلك أنه علم يتطلب قدرة خاصة، قد يوجد العلم والأدب والذكاء ولا توجد هي القدرة على الفطنة إلى نغم الكلام ثم حسابه وتحليله، ولا بد من الحساب والتحليل؛ لأن الفطنة وحدها تصنع الشاعر ومتذوق الشعر، أما العروضي فغرضه الضبط والتصنيف ووضع القياس».
ويروى أن الأصمعي ذهب إلى الخليل يطلب العروض ومكث فترة فلم يفلح، حتى يئس الخليل من فلاحِه، فقال له يومًا متلفًا في صرفه: «قطع هذا البيت، إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيعه»، فذهب الأصمعي ولم يرجع، وعجب الخليل من فطنته، على ما يروى؛ أن الخليل أن الأصمعي نفسه أراد أن يطلب العروض ولم يستطع، ولم تطقه نفسه أو طبيعته.
يقول: «فهذا رجل من كبار رجال اللغة والعلماء بأدبها يحاول أن يتعلم العروض على يد أكبر أساتذته منذ كان الشعر إلى اليوم، فيخيب التلميذ وييأس المعلم، إلا أن هذا لا يعني أن العروض مقدور علمه لفئة قليلة، فما أكثر من تتوفر لهم القدرة العروضية وإن لم يكن لهم ذكاء الأصمعي وعلمه بأدبه، لأنها قدرة كأي قدرة غيرها، ليس يلزم أن يؤتاه عظيم الذكاء فحسب، بل قد تكون مع الذكاء المتقد وغير المتقد، والمعروف أن الملكات قد تقوى ولا يسيرها الذكاء في قوتها، هي قدرة سمعية، وأغلب الظن أن لها صلة بسرعة التصور أو التخيل، وأنها أدخل في هذه الملكة منها في رهافة السمع».
ثم قال وسبب آخر من أسباب صعوبة العروض كثرة مصطلحاته إلى آخر ما قال، وقال: «وللخلق كلمة في النحو تصلح ردًا على أولئك المستصحبين للدقائق والمستكبرين للأسماء، لا يصل أحد من علم النحو إلى ما يحتاج إليه حتى يتعلم ما لا يحتاج إليه». يريد أن يقول إنك مضطر إلى دراسة هذه العلوم والمصطلحات وأن تعرفها وكذا وكذا وتحصلها حتى تصل إلى ما تحتاج إليه، فنحن سنفعل هذا، وسنتقن البحور والإلمام بها كاملاً، أما كجبل فوق رؤوسنا فهذا لا أظنه يصلح علميًا، وهذا ما وقع في كتاب «ميزان الذهب»، وهذا علميًا غير صحيح بل خطأ كما قلت.
فهو علم لا يغني عن الحس والقريحة الموسيقية، بل هي الأصل، ويمكن أن يستغني -كما قال ابن الأثير- بهذه القريحة عن ذلك. وكذلك شيء آخر، البعض يظن أن الشعر هو العروض، يعني أنا قابلت من يستشهد بهذا الذي قرأناه عن الأصمعي بأنه في قول الشعر وليس في العروض، فلا يفرقون بين العروض وقول الشعر.
نحن الآن وحتى في مجلسنا هذه سأرسل لكم بفوائد حتى لا نقف بالبحور على البحور، بل نتجاوز بها إلى طبيعة الشاعر وعمله، وعلاقة هذه البحور والأوزان والإعارات وأنماط الانفعالات وأبواب المعاني، فهذا مما يميز هذا الشرح والحمد لله رب العالمين.
الكتابة العروضية يا إخوة تعتمد على النطق والسماع وليس على الكتابة، ولهذا كان هناك ما يعرف بالكتابة العروضية التي لا يقاس عليها. والزركشي في كتابه «البرهان في علوم القرآن» نقل عن ابن درستويه قوله: «خطان لا يقاس عليهما: خط المصحف وخط العروض». خطان لا يقاس عليهما، لماذا؟ خط المصحف معروف لأنه الخط العثماني الذي رُسم بطريقة معينة لتحتمل قراءات أخرى إلى آخره. وخط العروض لأنه يُعنى بالأداء لا يُعنى بالكتابة، يُعنى بالأداء.
ولهذا لا يجوز يا إخوة -انتبهوا إلى هذا الخطر- فذلك من بعض المعاصرين ويحبونه جدًا حينما يخطبون بالشعر؛ لا يجوز في قراءة بيت الشعر أن تقرأه كما تقرأ في النثر بحرية الوقوف والابتداء، فأسقطت ركن الشعر. هكذا كالبدء بهمزة الوصل مثلا، أن تبدأ بهمزة الوصل في أثناء البيت، أو همزة القطع مثلا، تقول: «بحومانة الدراج فالمتثلم»، لا، هي: «بحومانة الدّرا جف المـتثلم»، «بحو نتد الرا جفم تسلمي»، «بحو فعول مفاعيل فعول مفاعل»، «بحومانة الدراج فالم فعول فالمتثلم مفاعل»، هكذا.
أو: «أقوت وقد طال عليها سالف الأبد»، غلط، غلط، سالف الأبد غلط، فاحترس: «أقوت وقد طال عليها سالف الأبد»، فيقف هكذا «أقوت وقد طال عليها» ويبدأ بهمزة الوصل فيسقط طبعًا العروض ويختل.
كذلك الخطأ الشائع في بعض إخواننا ويحبونه للأسف الشديد، وهو الوقوف على المتحرك بالسكون ثم البدء بما بعده، فيكون قد سكن حرفًا على أصول العربية بالوقوف على الساكن كأنه في نثر، لكنه ضيع قانون الشعر وركنه وهو الوزن. ويفعل هذا، أنبهكم، الناس الآن يحاكون بدر الدريع ومحمد الحرزي في الأداء، يفعل هذا كثيرًا، وهذا عندي ثمرته -والله أعلم- من عدم إحاطته بمثل هذه التحذيرات العروضية العلمية، وغلبت أسلوب الخطابة عليهم في أداء الشعر، فيقفون على المتحرك بسكون ويبدؤون بما بعده وكأنها خطبة وليس شعرًا، ينبغي أن يظل سلطان النغم قائمًا.
بعد ذلك يا إخوة تكون الكتابة الرمزية العروضية بمقابلة الحركات والسكنات بالشرطة والدائرة. بدأنا في التحدي الآن، قلنا سنشرح هذه الدروس بدون رؤية، خلاص نحن في العروض سنتعامل مع شرطة ودائرة، شرطة ودائرة. والكتابة الرمزية العروضية تكون بمقابلة الحركات والسكنات بالشرطة والدائرة، وهذه الحركات والسكنات يتكون منها إيقاع الشعر وتتركب منها وحدات، هي وحدات العروض التي تُعرف بالتفعيلات.
تلتئم حركاتها وسكناتها مع حركات الألفاظ وسكناتها، ولكن لا تسقط الألفاظ العربية من حيث كونها وحدات على وحدات التفعيلات، بحيث تكون اللفظة العربية ساقطة في لفظة التفعيلة أو في وحدة التفعيلة. يحدث هذا أحيانًا، مثلاً لما تقول: «متكامل وجمال»، حتى هذا لا يصلح، «متكامل» وقعت في التفعيلة، «متكامل» «متفاعل»، «تتتن»، «تتتن»، «متكامل» «تتتن» «تتن»، لكن لم تقع في الثانية، «وجمال وجه»، «وجمال وجه» «متكامل» «متفاعل» «تتتن» «تتن»، لكن ما معنى «وجمال وجه»؟ عندك واو العطف وجمال ووجه. وسقوط اللفظ داخل التفعيل يحدث أحيانًا لكن ليس الغالب وليس الأصل، ولهذا ينقطع الأداء.
الأداء الشعري ينفصل عن التقطيع العروضي، ولا يقرأ البيت بالتقطيع العروضي إلا للتدريب والكشف عن البحر. وهذه القراءة التي سنعتمد عليها في هذه المجالس حتى تحفظوا أصوات الإيقاع لهذه الأعاريب أو البحور، هي البحور ويسميها الخليل جن الأعاريب.
حتى هذه المحاضرة لابد أن نطيل فيها حتى ننتهي ونبدأ في بحر الطويل وبحر الوافر، فمعذرة في المحاضرة التالية إن شاء الله، فقد نطيل هنا قليلاً حتى ننتهي من كافة المقدمات. فأقول: الأداء الشعري ينفصل عن التقطيع العروضي، لكن نحن هنا سنظل نؤدي بالتقطيع العروضي لأننا في درس عروض لا في درس شعر.
لكن مثلا في غير هذه المجالس لم نقرأ هكذا: «قف نب من ذكر حبي ومنزلي بسقط لوى بين دخول فحوم لي أو الأهبي بصحنك فصب بحينا»، نبدا ببحي هكذا غلط، ونضغط عليها كذا غلط؛ هذه قراءة عروضية. «هل غادر الشعراء من متردم؟» قراءة عروضية. ستلتزم في القراءة العروضية دون الأداء الشعري؛ لأن الإيقاع عنصر مؤثر بالنغم الخفي، ليس متسلطاً تسلطاً كاملاً في الأداء.
هنا نقطة يا إخوة، هناك من يسمى التقطيع العروضي والكتابة العروضية، ويقولون لك في المجالس: ما تنطقه اكتبه، وما لا تنطقه لا تكتبه. فمثلاً لو قلت «من الأشياء» كيف تكتبها؟ من الأشياء ترسم الميم والنون خلاص، حرف معنى مستقل. من الأشياء ترسم ألفاً تسمى ألف وصل لا تنطق بها في الكلام، ثم اللام ألف، فتقول: م-الأشياء. فيعلمون أن تكتب هكذا: م-الأ-ش-ياء، ميم لام همزة ميم مكسورة لام ساكنة همزة، ثم تبدأ في تحويلها إلى حركات وسكنات.
والله لا أراكم أطفالاً لأجل هذا، أقول لك شيئاً واحداً واضحاً: أنشد الأبيات، اتلُ الأبيات وارسمها حركات وسكنات. أنت لما تنطق الأبيات لن تنطق إلا بحركات وسكنات؛ الحركة اكتبها شرطة، والسكون دائرة. وانتهينا، لا تحتاج إلى هذه الوصلة الطفولية أن تكتبها أولاً بالحروف بعيداً، يعني هي طبعاً تصلح للمبتدئ جداً، ليس أنتم، وليس الأذكياء.
فكرة واحدة: أنشد، اقرأ، انطق بصوت، والأصوات حركات وسكنات. الحركة شرطة، والسكون دائرة، وانتهينا. كيف ما كانت الحروف ورسم الحروف بعد ذلك لا يهمنا؛ في «الأنواء» كيف نكتبها؟ في حرف جر معروف، الفاء والياء مسافة، الأنواء ألف وصل، ألف في الأنواء، فانت تكتبها في الأنواء: فاء مكسورة ثم اللام ألف واو ألف. في الأنواء كيف نطقتها؟ في الأنواء: حركه سكون حركه، حركه سكون حركه سكون، كل حركة ترسمها شرطة، والسكون رمزه دائرة، وانتهينا خلاص.
التفعيلات التي تتركب منها البحور تتكون بواسطة تشكيلات ما يعرف بالمقاطع، يعني هناك وحدات قليلة صغيرة تتكون منها التفعيلات، وهذه التفعيلات تتكون منها البحور في صورتها الأخيرة. إذاً عندنا ثلاث مراتب: مرتبة المقاطع، ومرتبة التفعيلات، ومرتبة البحور.
أصغر واحدة هي تلك المقاطع أو الأجزاء الصغيرة، الوحدات الأصغر التي تحصل عن طريق اجتماع الحركات والسكنات، ثم بهذه الوحدات تتشكل تفعيلات مختلفة كفاعل ومفعول ومستفعلن. التفعيلات تتكون عندنا البحور بعدد معين وهيئة معينة. نأتي الآن إلى بيان المقاطع العروضية أو الأجزاء العروضية، سنرى أنها تتكون من شرطة ودائرة (حركة وسكون)، وهذا يسمى بالسبب الخفيف: شرطة مائلة ودائرة.
ثم شرطتان: سبب ثقيل، هذا هو المقطع الثاني أو الجزء الثاني. ثم شرطة وسكون، هذا يسمى وتداً مجموعاً، والأفضل أن تقول وتد (بكسر التاء). إذاً عندنا سبب خفيف (حركة وسكون: تن)، وعندك سبب ثقيل (تت)، وهذا السبب لا يقوم وحده في التفعيلات دون ساكن بالمناسبة، لكن هو موجود له أحكام تتعلق به. فهذا يسمى سبباً ثقيلاً (تت)، ليس «تتت»، لا، قبله السبب الخفيف (تن)، فتكون: «تن تت».
ثم وتد مجموع: «تت تن»، حركتان وسكون. ثم وتد مفروق: «تنت»، حركه سكون حركه. ثم هناك الفاصلة الصغرى: ثلاث حركات وسكون «تتت»، إذاً عندنا: سبب خفيف (تن)، سبب ثقيل (تت)، وتد مجموع (تتن)، وتد مفروق (تنت)، فاصلة صغرى (تتت). ثم آخر جزء، أربع حركات وسكون «تتتت»، وتسمى فاصلة كبرى. إذاً عندنا: سبب خفيف، سبب ثقيل، وتد مجموع، وتد مفروق، فاصلة صغرى، فاصلة كبرى.
البعض يقول إنما هي أسباب وأوتاد فقط، لا يوجد فاصلة صغرى ولا فاصلة كبرى، والامر هنا يا إخوة اصطلاح محض، ولا مشاحة في الاصطلاح. لماذا؟ لأنهم يقولون هذه «التتت» عبارة عن ماذا؟ عن وحدتين: سبب ثقيل وسبب خفيف (تت تن)، والفاصلة الكبرى سبب ثقيل ووتد مجموع (تت تتن). الأمر يتعلق بالتعبير محضاً ليس أكثر من ذلك، أكثر العروضيين يقولون بوجود الفاصلة الصغرى والكبرى فقط لأجل اختصار المصطلح في الكلام، لكن هل له أثر على الواقع العروضي إطلاقاً؟ لا يوجد شيء إطلاقاً. البعض سيقول هذه فاصلة صغرى، والجمهور يقول هذه فاصلة صغرى وفاصلة كبرى، والبعض سيتجاهل هذا ويقول: سبب ثقيل وسبب خفيف، أو سبب ثقيل ووتد مجموع.
وللمبتدئين على سبيل التيسير والحصر، جمعوا هذه المقاطع في عبارة لا تحصيل من ورائها: «لم أرى على ظهر جبل سمكة». «لم أرى»؛ «لم» سبب خفيف (تن)، «أرى» سبب ثقيل (تت)، «على» وتد مفروق (تنت)، «ظهر» وتد مجموع (تتن)، «جبل» فاصلة صغرى (تتت)، «سمكة»... تخيلوا: «لم أرى على ظهر جبل سمكة». حتى إنك ترى هنا كلمة «سمكة» مخالفة للقواعد العربية أصلاً، لأن الأصل أن تقف على الحرف الأخير بالسكون، لكن هذا كان لأجل الشرح لا أكثر.
ولا يتوالى في الشعر أكثر من أربعة أحرف متحركة، وأيضاً لا يجتمع فيه ساكنان إلا في حالات مخصوصة في القوافي التي ستأتي معنا في علة تسمى القصر، وعلة تسمى الوقف، كما في...
مفعولات، آخرها وتد مفروق، لات صح؟ مفعولات، لا ت، مفعولات؛ هذه كلمة مفعولات، هذه تفعيلة، قسموها أو فصلوها على ما أخذناه من الأجزاء، هذه المقاطع: سببان خفيفان؛ مف، عو، تن، تن، مفعولات، لا ت، لا ت، تن، تن.
هناك شيء يسمى علة تسمى الوقف، وهو أن تسكنها، أن تسكن المتحرك الثاني هنا من هذا الوتد المفروق في مفعولات، مفعولات؛ ليس الكسف أو الكشف، هذا شيء آخر، تحذفها، لكن أتكلم هنا عن التسكين، تسمى الوقف. فإذا سكنت، خلاص، صار ماذا؟ توالى سكون التاء مع سكون الألف قبلها فصار مفعولات، وكذلك في علة القصر. أما في غير القافية فشاذ، وليس بجيد في غير القافية، شاذ وليس بجيد. نعم، إذًا لا يجتمع أكثر من أربع حركات، ولا يجتمع ساكنان إلا في حالات مخصوصة كما قلت في القوافي، التي ستأتي في علة تسمى القصر وعلة تسمى الوقف، أما في غير القافية فشاذ وليس بجيد.
قلنا هذه المقاطع أو هذه الأجزاء يتركب منها ما يسمى بالتفعيلات. تعالوا الآن نترك نتكلم على التفعيلات الثمان، التفعيلات الثمان، هذه المقاطع في هذه الصور التي أخذناها: تن، تته، تتن، تن، ته، ت، ت، تن، تن. ليست شيئًا ولا يعتد بها، وليست موضع بحثنا، وإنما يبدأ بحثنا من أول الهيئة الثانية، الوحدة الوسطى، وهي وحدة التفعيلة التي هي هيئات تتركب بها لتصير التفعيلات التي تصاغ منها البحور العربية.
أول تفعيلة معنا، كم تفعيلة؟ أولًا حتى نحفظ ذلك ونفهمه من الأول، كم تفعيلة؟ ثماني تفعيلات. التفعيلة الأولى: فعول، اكتبوها، فعول وتحتها شرطتين؛ سكون، شرطة، سكون، فعول؛ متحرك، متحرك، سكون، متحرك، سكون، فعول؛ تتن، تن. وقلت لكم سألت كثيرًا على فكرة النغم والتنت والدندنة، أنا أستعمل التاء وهي التي في كتاب عبد الله الطيب المرشد: فعول تتنت، فعول تتنت، قفانا، فعول قفانا، فعول. لماذا أنا قرأت هكذا؟ قفانا، هتقول لي طب ما أنا ممكن أجدها فعول، ما دي حاجة تانية بقى اسمها القبض، إن فعول تأتي فعول، تحذف الخامس الساكن، هذا سيأتي معنا في الزحافات خلاص، وهو جيد في مواطن، هناك زحافات كثيرة جيدة كما القبض في بحر الطويل.
خلاص، طيب أول تفعيلة، فعول، مكونة من ماذا لو نظرت في الأجزاء التي درستها الستة؟ وجدتها مكونة من وتد مجموع زائد سبب خفيف؛ فعو (وتد مجموع)، لن (سبب خفيف). التفعيلة الثانية: فاعل، العكس، قصها هكذا على ما أخذت من التفعيلات، خلاص سترى. أول تف؛ طب ما ممكن واحد يقول لي طيب وأنا ممكن أرى فاعل، فاعل، فاع، ل، فاعل، فاقول وتد مفروق وسبب خفيف؟ أقول لك لا، الأصل أنك تنظر اكتمالها من الأول، اكتمل لك من الأول سبب خفيف فهو سبب خفيف، ثم الثاني وتد مجموع؛ فاعل، فاعل.
التفعيلة الثالثة: مفاعيل، تلاحظ أنها أطول صح؟ مكونة من سبعة، متحركات وسواكن، مكونة من ماذا؟ مفاعيل التي ترونها في بحر الطويل، كفان كم ذكرى، مفاعيل تتن، تن، مكونة من ماذا؟ وتد مجموع، سبب خفيف، سبب خفيف، وتد مجموع، سبب خفيف، سبب خفيف.
التفعيلة الرابعة: فاعلات، تن، ت، تن، تن، يا سلام، فاعلات، تن، ت، تن، تن؛ سبب خفيف، وتد مجموع، سبب خفيف، تن، سبب خفيف، تتن، وتد مجموع، تن، سبب خفيف، فاعلات، فاعلات.
التفعيلة الخامسة: مستفعلن التي تأتي في الرجز وتأتي في أول الطويل، خلاص، مستفعلن، تن، تن، ت، تن؛ سبب خفيف، سبب خفيف، وتد مجموع، تن، تن، ت، تن.
التفعيلة السادسة: مفاعلتن، التي ستأتي معنا مع أول بحر هو بحر الوافر، مفاعلتن التي هي وتد مجموع وفاصلة صغرى؛ مف، تتن، وتد مجموع، علة، تتتن. طب أنا قلت فاصلة صغرى، أهو جئنا للتطبيق، قلت فاصلة صغرى حتى أوفر على نفسي أن أقول سبب ثقيل وسبب خفيف، وسبب ثقيل "ت ت" وخفيف "تن".
التفعيلة السابعة: متفاعلن، العكس، قد دمت القطعة وأخرت الأخرى، خلاص، ت، ت، تن، ت، تن؛ فاصلة صغرى زائد وتد مجموع، قلت فاصلة صغرى لاختصار قولي سبب ثقيل زائد سبب خفيف.
آخر تفعيلة ثامنة: مفعولات، مفعولات، لا تقل مفعولات، وإياك تنون وتناصر تقول مفعولات، مصيبة سوداء، جبت بقى دخلت في سكة تانية خالص مالهاش دعوة بالعروض، مفعولات، مفعولات؛ سبب خفيف، سبب خفيف، وتد مفروق؛ مف، عو، سبب خفيف، عو، سبب خفيف، لات، وتد مفروق، مفعولات، التي تكلمنا عنها قبل قليل، خلاص، وقلنا تقف وتسكن فيجتمع ساكنان في حال التفعيلة.
نعم، هذه التفعيلات هي السالمة الصحيحة، وسأفرق إن شاء الله بين السالم والصحيح في أثناء دراسة الوافر، لكن هي هكذا بهذه الصورة الصحيحة السالمة، وكل الصور بعد ذلك تأتي عن طريق الزحافات والعلل. يعني أنت تقول مثلاً أنا أرى مستفعلن تأتي أحياناً متفعلن بحذف السين، أقول لك هذا اسمه خبن، متفعلن اسمه خبن الذي هو حذف الثاني الساكن، بل هذا مستحب أصلاً في بعض البحور، والطي مستحب في بعض البحور، الذي هو حذف الرابع الساكن. مستعلن، بل يجتمع الخبن مع الطي ويأتي ما يسمى الخبل، فتحذف السين الساكنة وتحذف المطوية الرابعة الساكنة، فأن تقول متعلن، احذف السين والفاء ستكون متعل، جاءت الفاصلة الكبرى، وهنا يقال في التفعيلة مخبول، مخبول من الخبل، اجتمع فيها الخبن والطي. فكل هذه الصور الأصلية، ما خرج عنها هو ما خرج عنها، هو يكون بأثر الزحافات والعلل.
البعض كالشيمي الشيخ السيد أحمد الهاشمي، الشيمي يجعلها عشر تفعيلات بإضافة ماذا؟ بإضافة مستفعلات وفاعلات. كيف تكتب مستفعل؟ تكتب متصلة، ميم، سين، تاء، عين، لام، نون، مستفعلن، هكذا، وفاعلات تكتب متصلة، فاء، ألف، عين، تتصل باللام، ألف، تاء، خلاص، مستفعلاتن. مستفعلن، فاعلاتن. وواحدة سترونها كما سيأتي معنا في بعض البحور: الخفيف والمجتث والمضارع، تأتي التفعيلة هكذا: مستفع، مستفع، ميم تتصل بالسين تتصل بالتاء تتصل بالفاء تتصل بالعين، مستفع، ثم يأخذون مساحة ويكتبون لن، وفاعلا يكتبون هكذا، فاع، فا، ألف، عين، وخلاص، ويفصل العين عما بعدها، ثم اكتب لات، لات، فاعلات. فعد بذلك عشر تفعيلات، وهذا في نظري أقرب إلى الغلط؛ لماذا؟ لأن التفعيلة واحدة في الحقيقة، مستفعلن هي مستفعلن، وفاعلاتن هي فاعلاتن، ما الذي حصل؟ رسمت كذلك في بعض البحور؛ بحر المجتث والخفيف والمضارع، لماذا؟ ليمنعوا بعض الزحافات، ليقول لك هذا الزحاف لا يصلح هنا، هذا الزحاف لا يصلح هنا كما سيأتي تفصيله إن شاء الله، يعني كتبوها بطريقة ستغير في هيئة ماذا؟ في هيئة التركيبة.
ليقولوا لك لا يصلح أن تفعل هذا؛ لأن الزحافات تصلح في كذا، والعلل تصلح في كذا، ولا يصلح هنا كذا، فإنه ينبغي أن تكتبها هكذا حتى تستحضر فقط، لكن لو كتبتها كما هي وقلت لا يجوز كذا في تفعيلته كذا فهذا صحيح، لكن في النطق ستقول مستفعل فاعلات في كل البحور، ولكن ما جاز لك في بحر في هذه التفعيلة استثني هنا الخفيف والمجتث والمضارع لا يصلح فيه هذا، فقالوا لك لا تكتبها هكذا أو قالوا لك لا تنطق هكذا؛ منع هذا الزحاف لخصوصية في هذا البحر، يمكنك أن تمنع دون إشكال.
أما أصل التفعيلة السالمة واحدة دون إشكال، ولهذا جعلها الخطيب التبريزي في كتابه «الكافي في العروض والقوافي» -وهذا مرجع جميل كما قلت لكم- جعلها ثمانية تفعيلات فقط، بعد ذلك البحر يتكون من تكرار تفعيلة واحدة بعدد معين ليكون ما يعرف بالبحر الصافي.
الآن نعرف ما البحر الصافي؛ البحر الصافي أو غير المركب هو الذي يتكون من تكرار تفعيلة واحدة، أما البحر المزدوج فيسمى المزدوج، وهذا مصطلح أيضًا، دونوا هذا: بحر المزدوج هو الذي يتركب من أكثر من تفعيلة، ويبنون البحر من تعاور هذه التفعيلات المختلفة.
فأنت ترى تكوين البحر في البسيط من تفعيلتين: فعول مفاعيل مكررة، وفي الحقيقة بيني وبينك هي من ثلاثة؛ لأن مفاعلت التي هي لازمة في ضربه في عروض الطويل لم تأتِ إلا مفاعلن أصلاً، لم تكن مفاعيل في يوم من الأيام، فهو في الحقيقة بيني وبينك -وهذا الكلام لا تخبر به أحدًا- هو فعول مفاعيل مفاعل في الأخير في الضرب، هكذا خلقه الله؛ اقتضاء الدائرة.
شيء آخر سنأتي إليه الآن، لا بد أن نأتي إليه الآن حتى وإن طال المجلس قليلاً مع الاعتذار، حتى لو طال استثناء لا إشكال، لكن ننتهي تمامًا من كل هذه التأسيسات لندخل في بحر الوافر مباشرة في المجلس القادم إن شاء الله.
فهذا البحر الطويل مزدوج، وبحر البسيط مستفعل فاعلن مستفعل فاعلن. يقول أخونا: لكن توجد أشعار على الطويل آخرها مفاعيل؟ أنا قلت العروض وليس الضرب، العروض وليس الضرب، الضرب يأتي مفاعيل، خلاص يأتي مفاعيل ويأتي غير ذلك، يأتي له ثلاث صور: يأتي على مفاعيل كما في الحشو، ويأتي أيضًا مقبوضًا كما في الضرب، ويأتي أيضًا... ماذا؟ مفاعيله.
ما معنى العروض والضرب؟ سيأتي إن شاء الله أيضًا. الضرب هو آخر تفعيلة في البيت في الشطر الثاني، والعروض -وهي مؤنثة- هي آخر تفعيلة في الشطر الأول ولها أحكام خاصة، سياتي الآن الحديث عنها إن شاء الله.
إذن نحن عرفنا التفعيلات وأنها ثمانية: فعول، فاعلن، مفاعيل، فاعلات، مستفعل، مفاعلة، متفاعل، مفعولات. وقلنا هذه الثمانية هي الأصول، وكل ما يتفرع عنها بعد ذلك يكون بأثر من الزحافات والعلل.
نأتي الآن إلى القسم الأخير من هذه التقديمات، منهج الخليل؛ ماذا فعل الخليل؟ الخليل بن أحمد رحمه الله ورضي عنه كان عبقريًا جدًا، ورسم طريقة رياضية بصرية لاستخراج البحور من المقاطع، صنع دوائر وجمع فيها بحورًا بينها علاقة يستطيع بها استخراج هذه البحور عن طريق سير موحد داخل هذه البحور أو هذه الدوائر التي تتوزع عليها الأجزاء.
يعني هو استعمل الأجزاء التي درسنا الآن: سبب خفيف، سبب ثقيل، وتد مجموع، وتد مفروق، فاصلة صغرى، فاصلة كبرى، وتد خفيف، وتد ثقيل؛ وجد أنه يمكن أن يأتي بدائرة ويوزع فيها هذه الأجزاء توزيعًا يطرد في جمعه بين بعض البحور، فإذا بدأ من تفعيلة من جزء معين ومشى في الدائرة -ركزوا معي في الكلام إذا بدأ، لأن بعضكم أول مرة يسمع عن دوائر الخليل- إذا مشى من جزء ومشى في الدائرة سيستقيم له البحر كاملًا، وإذا بدأ من تفعيلة أخرى أو مقطع آخر اكتمل له بحر آخر.
ولكن هل اضطرد له ذلك؟ أنا أسألكم أنتم الآن، من له خبرة سابقة هل اضطرد له ذلك؟ انتظر الجواب يا إخوة. لم يطرد له ذلك، كيف لم يطرد له ذلك؟ بعض البحور لما مشى من أولها إلى آخرها استقام له البحر تمامًا، وبعضه لما أراد أن يمشي مع الدائرة وجد أنه سيتم له بحر لم تقل به العرب.
مثل ماذا؟ مثل بحر الوافر؛ بحر الوافر لم ينقل عن العرب إلا هكذا: تتن تتن تتن، تتن تتن تتن، تتن تتن تتن، تتن تتن تتن؛ مفاعلتن مفاعلتن مفاعلن. التفعيلة الأخيرة في الشطر الأول وهي العروض، سمى العروض، وكان الشيخ علي صالح رحمه الله الذي درست عليه العروض منذ اثني عشر عامًا تقريبًا في بيته في خان الخليلي بجوار الأزهر، كان يقول لي: إن كنت تقول عروضه لا إشكال، قل عروضه؛ لأنه كان يلاحظ أن البعض إذا قال عروض هي أقرب إلى التذكير، فهذه العروض تشغل ذهنه، فكان يقول لي قل عروضه أو عروض، كلاهما صحيح. الشيخ علي صالح الأزهري حفظه الله تعالى وأطال عمره بالخير وهو مسن جدًا وهو بصير.
فكان يقول لي يا ولدي أن تقول عروضه وأن تقول عروض، تتن تتن تتن، تتن تتن تتن، تتن تتن تتن، تتن تتن تتن؛ لم تأتِ العروض إلا تتن تتن، ولم تأتِ في الضرب، والضرب هو آخر تفعيلة في البيت في الشطر الثاني لم تأتِ إلا تتن تتن أيضًا.
ولكن الدائرة لما تدور تقتضي ماذا على الرسمة الخليلية؟ سأشرح لكم الآن الدائرة بالرسمة الخليلية ماذا تقتضي؛ تقتضي هكذا، ماذا يفعلون هنا؟ بدأوا يدخلون التغييرات على التفعيلة الأخيرة المسمى التغيير، وسمي بالقطف؛ القطف أصل التفعيلة.
يقول هذا الهزج ما فيه زد تفعيلة، خليكم معي، ما هو أخوك عبد الحق لما عرضنا في الصناعتين لبحر المجتث قال هذا الهزج، وعند شرح الوافر المجزوء الوافر سافر بينه وبين الهزج يلتقي معه وليس هو. خلاص، خليكم معي الآن، ماذا فعلوا؟ قالوا هنا حصل عصب؛ عصب يعني تسكين الخامس المتحرك، تسكين الخامس المتحرك هي عبارة عن مفاعلتن، فسكن الخامس المتحرك.
هذه مكونة من سبع مكونات، سبع حركات وسكنات: متحرك، متحرك، ساكن، متحرك، متحرك، متحرك، ساكن. فالسكن الأخير، الخامس معذرة، المتحرك الخامس الذي هو الأوسط، وهذا يسمى العصب. العصب سنأتي إليه إن شاء الله في الوافر، لا تقلقوا، سيأتي مكانه في الوافر؛ أنا أحكي لكم الآن وأشرح دوائر البحور، وسأذكر لكم كل شيء فيها إن شاء الله.
فماذا فعلوا؟ عصبوا الخامس، وهذا جائز في الوافر أصلاً، جائز في التفعيلة الأولى والثانية في الحشو. عصب الخامس فصار ماذا؟ مفاعلتن، تتن تن تن، صار شبه مفاعيل، هنا المهم لا تلخبط نفسك: تتن تن تن. ثم أجروا شيئاً يسمى الحذف؛ الحذف هو حذف سبب خفيف كامل، يعني حركة وسكون، فصار تتن تن تتن تن، كل هذا لماذا؟ حتى يرجع البيت إلى صورته الأصلية بعد اقتضاء الدائرة. ولهذا ترون هنا في المرشد في صفحة 810 -أنا أحفظ أماكن هذه الدقائق والاعتراضات بالصفحات- يقول: «وإني بعد أكرر ما قلته من أني أعيب على قدماء العروضيين ما أسرفوا فيه من المصطلحات، وما جنحوا إليه من فساد القسمة في بعض الدوائر».
ولما أراد أن يتكلم على البحر الوافر، اذكر أيضاً لما أتكلم عن البحر الوافر؛ انظر ماذا قال، قال في صفحة 330 في المجلد الأول: «وهذه الصيغة التي هي مفاعلة مفاعلة مفاعلة، تتن تتن تنن تنن، هذه صيغة خيالية لم يستعملها شاعر، والعروضيون مولعون بالصيغ الخيالية، وقد احتالوا على وزنهم هذا المفتعل فادخلوا عليه علة اسمها القطف، وهي إسقاط آخر سبب خفيف وإسكان ما قبله». طبعاً نقول إسقاط سبب؛ لأنه في الأخير كان فاصلة، خلاص في الأخير كان فاصلة، فأحب في الشرح أن أسكن ثم يكون الأخير سبباً خفيفاً فيُحذف.
نعم، لا، الدوائر تفيد. أخونا يقول: ما فائدة الدوائر؟ أنا سأقول لكم منهجي في الدوائر إن شاء الله في دراستها. المهم بمناسبة هذا الكلام، منذ سنوات، منذ أكثر من 12 عاماً أو 13 عاماً، مهرت على أحد الأساتذة ممن يشرحون العروض للناس، وكان يشرح بحر الوافر، فقال لهم: «وبحر الوافر لم يأتِ هكذا عن العرب، وإنما دخله القطف». فإن أردت أن يشرح لهم لماذا جعل هذا أصلاً، لماذا جعل مفاعلة مفاعلة مفاعلة أصلاً؟ الناس لا يعرفون دوائر ولا خليلاً. فقلت له: طب يا سيدي يا مولانا، إذا كان العرب لم ينطقوا هكذا، لماذا تقول أصل النغم مفاعلة؟ فقال: لأن الأولى مفاعلة والثانية مفاعلة. قلت له: الأولى شيء، والثانية شيء ثانٍ، وهذه شيء ثالث؛ أنا كنت أسوقه ليشرح الأمر نظرياً، ليقول للناس إن الدائرة الرياضية اقتضت هذا، لكن لم يقل أحد بهذا أصلاً.
فهمت؟ الدائرة اقتضت هذا ولم يقل أحد بهذا، لم ينطق العرب بـ "مفاعلة مفاعلة مفاعلة"، وإنما هي مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن، أو تتن تن تتن تن تتن تن فقط. فأنا أردت أن يشرح، وأخذت أقول له: طب يا سيدي، أخبر الناس كيف صارت هكذا؟ لماذا لم تصر من الأول؟ قال: لأنهم لم ينطقوا بها. طيب، ولماذا افترضت مفاعلة؟ لأن البحر كله مفاعلة. طيب، ولماذا صار البحر كله مفاعلة؟ أنا أسوقه ليتكلم عن الخليل، ولم يتكلم ولم يعرف، فربما ظهر لي أنه نفسه لا يعرف أن هذه صورة خيالية رياضية أرادوا فقط أن يطردوا في الدائرة تعليمياً ليس أكثر من ذلك. فهذه طريقة بصرية لم تطرد للخليل رحمه الله، وفي الغالب إن شاء الله يا إخوة، منهجي معكم سيكون أن أتعرض في آخر بيان البحور، أو بعد اجتماع بعض البحور في الدوائر، أن أشرح لكم دوائر الخليل لتكونوا على علم بها، فحط دوائر الخليل سأعرضها في أثناء الشرح إن شاء الله تعالى.
حازم القرطاجني يا إخوة له نظر آخر في قضية معرفة أوزان العرب واستخراج ذلك، هو مجانب للعروضيين كثيراً، بل يهاجمهم كثيراً، بل ويتهمهم بالجهل والسفسطة، أنهم يجرون وراء الحسابات الدائرية أو الدوائر بعيداً عن حقيقة أوزان الشعر عند العرب. لماذا؟ لأنه يرجع الأوزان إلى البلاغة نفسها، ويقول في هذا السياق: لا اعتبار باعتراضات العروضيين، لأنهم هم أنفسهم البلاغة حجة عليهم. وهذا هو الخطير في كلام القرطاجني، ولم أرَ أحداً تعرض له كما تعرض هو له بهذا التفصيل والمصارحة والحدة، أنه أرجع الأوزان إلى التلاؤم البلاغي الذي ندرسه في علم البلاغة، ويقول: الأوزان التي لا تضطرد على هذا من الافتراضات الخليلية، إذا اطردنا مع الدوائر ينبغي أن نطرد تماماً من الكلام العروضي أصلاً، وأخذ عليهم استخراج أوزان فقط لأن الدائرة أخذت بها.
وقال هذا كلام فارغ، وقال قولهم: البحر الفلاني معكوس. طيب، تعالى، ما من بحر إلا ويمكنك أن تعكسه، يعني عكس الأجزاء في التفعيلات؛ نحن أخذنا سبباً خفيفاً، وسبباً ثقيلاً، وتداً مجموعاً، وتداً مفروقاً، فاصلة صغرى، فاصلة كبرى، قال: كل بحر يمكنك أن تعكسه وستأتي ببحور ليس لها عند العرب برهان ولا سلطان. فلماذا تقول هذا البحر معكوس؟ كأنك تفترض أنهم تخيلوا أن يعكسوا في الدائرة. هذا بحر له اختراعه وهذا بحر له اختراعه، هذا له بلاغته وهذا له بلاغته، وليس أنهم عكسوا، وإلا لعكسوا بقية البحور. يقول: لا يوجد بحر معكوس، بحر كلام فارغ؛ هذا كلام القرطاجني في هذا.
ويجب مقدماً يا إخوة أن نقف على شيء من كلامه في هذا، لا لأننا سنتابع طريقته، نحن سيغلب علينا متابعة طريقة العروضيين لنتعلم العروض، وإنما لشيء خطير جداً وحق، وهو أن الأوزان بالفعل ترجع إلى البلاغة وإلى ذوق العرب، وأن الوسائل العلمية أو الرياضية هي وسائل شرح وتدوين وليست حاكمة على المنقول. يعني فعلاً لا يوجد "مفاعلة" في الضرب والروي في بحر الوافر، هي "مفاعلتن" فقط. انظروا، أقرأ لكم عبارات لحازم القرطاجني رحمه الله، وأوافقه في هذا بمناسبة عبد الله الطيب، وسترون أثر ذلك عند محمود شاكر في ثورته العروضية، لكن هذا الكلام سيكون ترصيعاً وفائدة لكلامنا. وسندرس العروض كما درسه العروضيون غالباً، إلا في التفعيلات المفروض مخترعة، فسنمضي حتى على طريقة ابن جني الذي يثبت التفعيلة الحقيقية. نعم، في كتاب القرطاجني صفحة 202. معلش، نحن زدنا على الساعة ونصف، معذرة.
لابد أن ننتهي لنغلق هذا الباب الآن تماما، إن شاء الله تعالى. نعم، اعتبروها ناء، يعني نحن خلاص ننتهي بهذه النقولات.
انظر في صفحة 22 لحازم القرطاجني، ماذا يقول؟ يقول: «وليس هنا يعيد العروض إلى البلاغة وإلى مبدأ الملائمة، يقول: وليس يجب أن يلتفت إلى تسليمهم في ذلك ولا منازعتهم العروضيين، فإنهم فقراء إلى أن يلبسوا تصحيح أصول صناعتهم من هذه الصناعة التي هي الشعر والبلاغة». يقول: «وليس يجب أن يلتفت إلى تسليمهم في ذلك ولا منازعتهم، وافقوا أو خالفوا، فإنهم فقراء إلى أن يقتبسوا». هو اعتبر العروضيين رياضيين وليسوا نقادا؛ فإنهم فقراء إلى أن يقتبسوا تصحيح أصول صناعتهم من هذه الصناعة، فإن معرفة صناعتهم موقوفة على معرفة جهات التناسب في تأليف بعض المسموعات إلى بعض، ووضع بعضها تالية لبعض أو موازية لها في الرتبة، ومعرفة طرق التناسب في المسموعات، والمفهوم لا يوصل إليها بشيء من علوم اللسان إلا بالعلم الكلي في ذلك وهو علم البلاغة.
جعل أصول العروض بلاغة، جعل أصول معرفة الأوزان بلاغة، وهذا كلام خطير ونوعي جدا؛ لا يوصل إليها بشيء من علوم اللسان إلا بالعلم الكلي في ذلك وهو علم البلاغه الذي تندرج تحت تفاصيل كلياته ضروب التناسب والوضع. ثم قال: «من اعتماد ما يلائم واجتناب ما ينافي».
في صفحة 205 يقول على العروضيين، وهو يناقشهم في بعض التفصيل في الخبب؛ يقول طبعا الخبب اسم، من يعرف الخبب؟ اسم من أسماء أي بحر؟ الخبب يا إخوة اسم من أسماء أي بحر؟ من يعرف يقال فيه الخبب وغير ذلك من يعرف المتدارك. أحسنت. قال: «وإنما حملهم على هذا حرصهم على أن يجعلوا الخبب يساوق في ترتيب حركاته وسكناته المتدارك». يعني هو يقول يريدون إنشاء علاقات رياضية بين البحور، والحقيقة أن كل بحر تخرج تخريجا بلاغيا مستقلا.
في صفحة 206 يرمي العروضيين بالغلط في العروض بسبب جهلهم في البلاغة التي هي أصل الأوزان، يقول: «إذ كانوا جهالا بطريقة التناسب والتنافر، حتى إنهم جزؤوا كثيرا من الأوزان تجزئة وقعوا بها في حيز الوضع المتنافر».
وفي صفحة 207 يقول: «يجب على كذا وكذا على دارس البلاغة والعروض ألا يعتقد في وزن من الأوزان أنه مفتقر في وضعه إلى أن يفك من نظام آخر، ما تجدونه وهذا مقلوب بحر كذا وهذا مأخوذ من بحر كذا»، يقول هذا كل كلام فارغ. يقول: «وإذ قد تبين هذا، فينبغي لمن طمحت به همته إلى مرقات البلاغة المعدودة بالأصول المنطقية والحكم، ولم تصفُ به إلى حديد صناعة صناعات اللسان الجزئية المبنية -أكثر آراء العروضيين المبنية على شفا جرف هار- ألا يعتقد في وزن من الأوزان أنه مفتقر في وضعه إلى أن يفك من نظام آخر، بل إنما يستنبط الوزن باستقصاء دروب تركيبات الأسباب والأوتاد، واستقصاء دروب ما يتركب من الأجزاء المؤتلفة من تركيبات الأسباب والأوتاد».
فلهذا بعد ذلك يقول: «وجب أن يعتقد أن هذه الانفكاكات التي لهذه الأعاريب من الدوائر أمور عارضة، لا يفتقر في تصور ماهية الأعاريب وحقائقها إليها، ولذلك لم يقل بها كثير من العروضيين». هو يقول هذا، ولهذا لم يقل بها كثير من العروضيين، ومن أوردها فإنما أوردها على أنها أمور عارضة لحقت الأوزان اتفاقا، لا أنها حقيقة بنيت عليها الأعاريب وضعا واعتمادا.
«فلهذا يجب أن يبلغ الحرص بالمتاب على أن يستقصي جميع ما ينفك من كل دائرة، ويروم أن يرد كثيرا من الأوزان إلى ذلك ولو بتجزئة ثقيلة كما فعل ذلك العروضيون، بل يجب عليه أن يقدر كل وزن بالتجزئة المتناسبة اللائقة به، سواء وجد ذلك الوزن بتلك التجزئة منفكا من بعض الدوائر التي قد وقعت فيها أوزان مستعملة، أو وجد وزن مستعمل غير منفك من وزن مستعمل». يعني يقول: أنت تذهب تستقصي وتخالف قواعد العرب وأصول العرب وذوق العرب، وأنت تلعب في الدائرة التي وضعت لضبط بعض الأوزان وليس لخلق الأوزان، الدائرة حساب رياضي ليس لخلق الأوزان.
ثم يقول: «وضروب التركيبات كثيرة جدا، وإنما استعملت العرب من جميع ذلك ما خف وتناسب، وليس يوجد أصلا من دروب التركيبات والوضع الذي للحركات والسكنات والأجزاء المؤتلفة من ذلك أفضل مما وضعته العرب من الأوزان». وفي صفحة 210 يقول: «فهذا ينبغي، أو لهذا ينبغي، ألا يلتفت إلى ما وضعه أو غيره العروضيون أو الرواة من الأبيات التي تدفعها المقاييس البلاغية والقوانين الموسيقية والأذواق الصحيحة في هذا الوزن وغيره».
هذا نقل من كلام حازم القرطاجني، وتجدون مثله أو قريبا منه عند الدكتور عبد الله الطيب، وتجدون محمود شاكر غاص في هذا الأمر، وسنعرض إلى هذا كله إن شاء الله تعالى.
وفي الحقيقة كان هناك شيء أخير وحيد، ما وقع له علق بهذا الأمر في هذا السياق؛ الدكتور أو الأستاذ الحساني حسن عبد الله رحمه الله، في مقدمته للكافي صفحة خمسة، ناقش كلمة الجاحظ في علم العروض، وأنا أردت أن أضع كلمة الجاحظ في الحقيقة في مكانها؛ لأنه يقول -وغفر الله للجاحظ- تصريحه بأن العروض علم مستبد لا فائدة له ولا محصول، إنها جمحة أفلتت من ركن. وإن حملت شيئا من روح الفكاهة فيه لا ينبغي أن تؤخذ مأخذ الجد الخالص، ولا سيما أن للجاحظ نفسه قولا آخر يعترف فيه بوظيفة العروض، جمحة فيها من التهكم ما يشبه تهكم أستاذه النظام، إذ يقول إن دوائر الخليل لا يحتاج إليها غيره، هكذا النظام قال متهكما: «إن دوائر الخليل لا يحتاج إليها غيره».
وربما كان كلا القولين مرجعه إلى افتراق المذهب، لماذا يا دكتور عبد الله الحساني؟ يقول: «دخلها في العقائد، بقى معتزلة وسنة ومشكلات، وربما كان كلا القولين مرجعه إلى افتراق المذهب وما يوقعه في النفس من هه»، فالنظام والجاحظ من أهل الاعتزال، والخليل من أهل السنة، أو ربما كان أبو عثمان كصاحب الأصمعي، فهو إذا -الجاحظ كصاحب الأصمعي- في عدم العلم بالعروض، فهو إذا ديق طارئ وصبر نافذ. أنا أقول هنا في الحقيقة شطح شديدا جدا الأستاذ الحساني حسن عبد الله رحمه الله وأسكنه فسيح الجنان، آمين، كان إنسانا.
كريماً رزين النفس خلوقاً رحمه الله ورضي عنه. أقول: شطح هنا شديداً في رأيه، وخلط بين علم العروض ومعرفة البحور وبين الوقوف عند دوائر الخليل اقتصاداً، مع كونها تخالف منقول العرب وأذواق العرب في كثير من الأحوال؛ فالصواب هو التفصيل وتحرير موضع كلام الجاحظ والنظام.
وما أيسر أن نروغ إلى تعليق الخلاف باختلاف المذاهب، وما أبعد أن يتهكم عالمان كالجاحظ والنظام بعلم لأجل الاختلاف في المذهب مع واضعه! هذا لا يقال، وإنما الأمر له تحرير آخر، قيل مثله في المنطق ونحوه يا إخوة، وكان هو الادعاء، ولا سيما وقد ذكر الحساني نفسه أن الجاحظ اعترف بوظيفة العروض.
فالصواب هنا أنهما يعترضان على طريقة الخليلي وعلى العروضيين الذين يطردونه في إطار مقيت، ونفس هذا فعله عبد الله الطيب، وفعله كثير من العروضيين الآخرين، وفعله حازم القرطاجني عالم متقدم أيضاً. فالجاحظ والنظام شعراء أصلاً ونقاد، وكذا النظام بدأ شاعراً وانتهى عالماً، والجاحظ عالم وأديب وناقد، خلاص، وهو نفسه قال اعترف بوظيفة العروض.
هما يعترضان ويتهكمان بطريقة العروضيين التي أغرقوا فيها بعيداً عن أذواق العرب، وكلام النظام يشهد لذلك لما يقول: لا ينتفع بها غيره، يقول هؤلاء يتلقون. أصلاً حتى في عصرهم كان كثير من الشعراء يتلقى العروض عن طريق القريحة على طريقة ابن الأثير التي ذكرها في المثل السائر، وفي الوقت نفسه كان كثير من العروضيين يطرد في بيان هذا وفي اطراد حسابات الخليل، وهذا غير صحيح.
فحساب الخليل ينبغي أن تستعمل فقط فيما تساعد فيه، وما خرج عنها لا نستعمل فيها دوائر الخليل ولا نفترض هذه الافتراضات؛ لأنها لم تنقل عن العرب، هي حسابات رياضية بصرية لا علاقة لها بالأوزان المستقاة من بلاغة العرب، كما قال حازم القرطاجني.
هذا آخر ما أردته من مقدمات وتمهيد، ونبدأ في بحر الوافر في الحصة القادمة إن شاء الله. شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد