دخولتسجيل الدخول

الدرس 4 - تلخيص المقاطع والتفعيلات الثمان، الوافر التام، زحاف العَصب، عِلة القَطف

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، فهذا مجلسنا الرابع من مجالس علم العروض، والذي نخوض فيه في تفصيل البحور إن شاء الله، وتحسن المراجعة السريعة على ما كان. قلنا إن أقل الوحدات، أو الوحدات التي يتكون منها العروض أو يتكون منها الإيقاع، هو ما يسمى بالمقاطع أو بالأجزاء: سبب خفيف، وسبب ثقيل، ووتد مفروق أو مجموع، أولاً هكذا بالترتيب المألوف، ووتد مجموع أو مفروق، ثم فاصلة صغرى، ثم فاصلة كبرى.

ولك أن تقول أسباب فقط؛ خلاف يعني شكلي تعبيري اختصاري يظهر فقط في رسم الدائرة، بدلاً من أن يجعلوا الفاصلة الصغرى على سبب يعني في قطعة وحدها في خانة كما نقول وحدها، أي في صورة سبب ثقيل وسبب خفيف. وهذه الصغرى والكبرى يجعلونها في سبب ثقيل ووتد مجموع، خلاص، فيجعلون ذلك ماذا؟ في سبب ثقيل وسبب خفيف، وتد، وسبب ثقيل ووتد مجموع. يجعلون ذلك في فاصلة صغرى: ثلاث متحركات وسكون، وفاصلة كبرى: أربعة متحركات وسكون. هذه الوحدات النغمية، هذه الوحدات، وحدات النغم التي يتكون منها الإيقاع.

لماذا لا نقول إن الوحدات تبدأ بحركة وسكون فقط؟ لا، لأننا نتكلم في النغم، والنغم لا يكون إلا بضم شيء إلى شيء؛ حركة إلى حركة، حركة إلى سكون. ولهذا ترون هذه المقاطع مكونة من حركة وسكون، حركة وحركة، حركتان وسكون، تأتي كذلك حركتين وسكون وتد مجموع، حركة سكون حركة وتد مفروق، ثلاثة حركات أو ثلاث حركات وسكون فاصلة صغرى، أربع حركات وسكون فاصلة كبرى. والأحكام ستتعلق بهذا كما سيأتي معنا في الزحافات، أنها تغير حق ثواني الأسباب، يعني الأجزاء الثانية من السبب، الجزء الثاني من السبب لا يلحق الأوتاد، سيأتي معنا اليوم للتأكيد إن شاء الله تعالى.

من هذه الوحدات الصغيرة، المقاطع، تتكون التفعيلات التي تركب منها البحور، وقلنا عندنا ثمان تفعيلات، عندنا ثمان تفعيلات: فعول، وفاعل... وأنا ألخص لكم الآن بطريقة تعجبكم جداً في استحضارها. تعالوا الآن بترتيب مختلف عما فات، عندك فعول وعندك فاعل، خلاص. تخيل أن فاعل هو معكوس فعول؛ لأن فعول يتكون من وتد مجموع وسبب خفيف: «تتن تن»، فعول «تتن تن». طيب، اقلبها، اقرأها بالمعكوس، طبعاً لا تبدأ بالحركة كأنك تقرأ الكلمة بحروفها معكوسة، هذا العكس الذي عند اللاعبين بالبديع التافهين. لا أقرأها معكوس، يعني إذا نتعامل بالوحدات، لن تقلب، لن تقرأ سكون وحركة، ما في شيء اسمه سكون وحركة، أنت ستقرأ من السبب لأنه لوحده، اقرأ هكذا من الآخر: «تتن تن»، فاعل، «تتن تن» فعول. إذاً عندك الآن تفعيل من الثماني، فعول اعكسها فاعل.

تعال إلى التفعيلة التي ندرسها اليوم، هي تفعيلة بحر الوافر، الوافر: «مفاعلتن»، «تتن ت تتن». قلت لكم في هذا الشرح ميزته أنني سأكررها وعلى الأذن وعلى حساسية الأذن واعتياد السماع، وهذا هو الأصل أصلاً في العروض. «مفاعلتن»، اعكسها؛ يعني مفاعلتن المركبة من ماذا؟ «مفاعلتن» «تتن تتتن»، وتد مجموع وفاصلة صغرى. اعكسها، يعني اجعل البداية بالفاصلة الصغرى والختام بوتد المجموع: «تتتن تتن»، متفاعل. تركيبة الكامل يلا، وكلاهما في دائرة واحدة، رأيت؟ مفاعلتن، متفاعل. مفاعلتن «تتن ت تتن»، اقلبها «تتتن تتن» متفاعل. أعطيك معك أربعة الآن من الثماني، رأيت؟ فعول مقلوبها فاعل، مفاعلتن مقلوبها بالعکس في المرآة متفاعل؛ بدل من وتد مجموع فاصلة صغرى، فاصلة صغرى وتد مجموع. رأيت؟ طبعاً هو هذا للتعليم هكذا، خطة للتعليم وليس لأن العرب قلبوه، هو كل واحد له ذوقه المختلف. وكما قال الخليل: لو كان عندنا كثير من الأعراب يتكلم عن البحور، لكن هي هي ليس لها مقلوب، فلا تقل البحر الفلاني مقلوب البحر الفلاني، لم يقلبوها ولم يتعمدوا البحور ليقلبوها، هذا حصل توافقاً فقط. فكذلك في التفعيلات، لم يضعوا فعول فقالوا تعال نقلبها فتصير فاعل، ولم يضعوا مفاعلتن وقالوا تعال نقلبها فتصير متفاعل، غلط.

تعال إلى التفعيلة الخامسة، التفعيلة الخامسة نبدأ بمن: مفاعيل، أو مستفعلن. مفاعيل مكونة من ثلاثة من المقاطع: وتد مجموع، سبب خفيف، سبب خفيف؛ «تتن تن تن»، مفاعيل «تتن تن تن». أخونا عقيل يقول: «لكن كان البحور في خلقها مستخرجة من بعض»، أقسم لك بالله أنني اليوم تخيلت وأنا أشرح وأقول هذا الكلام أنك ستقول هذا، لكنه أرسل في العروض في موضع إلقاء. هي الأمر يتعلق بتوافقات نغم، لأنهم يدورون في الوحدات القليلة التي أجلها، كما قالوا: الوتد المجموع. الوتد المجموع سنتعرض له ربما في هذه السلسلة، وربما في غيرها، وتعرضنا له في كلام الدكتور عوني محمد عوني عبد الرؤوف في التلخيص في الأول؛ أن الوتد المجموع له جرس قوي وله اعتبار، وحتى منعوا عنه الزحافات المعتبرة، وتأثرت فقط تكون في مواطن محددة بقانون العروض.

ولهذا يقولون البحور التي تبدأ بالوتد المجموع لها شأن كبحر الطويل وبحر الوافر «تتن»، بخلاف الأخرى كبحر البسيط وبحر الرجز «تن تن»، قالوا هذه لها قوة لأن صوت النغمة فيها أطول وأقوى من «تن»، لأن «تن» أكثر في العربية، وأما هنا «تتن» فـ «تتن تن تن» مفاعيل، كذلك فعول «تتن تن»، فهذا له رياسة وله خاصة، وذكر ذلك الخليل وتكلم فيه، لكن دعكم من هذا، هذا متقدم بعض الشيء. فلما تنظر، طبعاً يعجبكم هذا الاطراد في تحصيل التفعيلات، تعال إلى مفاعيل: وتد مجموع، سبب خفيف، سبب خفيف «تتن تن تن»، اقرأه بالعكس: «تن تن تتن» مستفعلن. يلا هكذا، رأيت؟ «تتن تن تن تتن تن تتن تن».

مفاعيل، مقلوبها مستفعل، رأيتم. كأنهم قالوا: انظر، يعني هم قالوا: «فعول» وتد مجموع وسبب خفيف. ثم قالوا: اقرأها بالعكس؛ قدم الوتد المجموع والسبب الخفيف، فصارت «فاعلن».

ثم انتقلوا إلى الفواصل، فقالوا كما قلنا في تفعيلة الوافر: «مفاعلتن»، «مفاعلتن»؛ وتدن مجموع وسبب خفيف، وأقلبها «متفاعل». ثم جاؤوا بتفعيلة «مفاعيل» وجاؤوا بالوتد المجموع على اليمين، وكتبوا السببين الخفيفين على اليسار، فقالوا: «مفاعيلن»، كأنهم قالوا: اعكسها، فقالوا: «متفعلن»، فهذه ستة.

ثم كأنهم قالوا: نحن عندنا سببان خفيفان، تعالوا نجرب نخلي واحد في الأول وواحد في الأخير، ونجعل الوتد المجموع في المنتصف، فقالوا: «فاعلاتن»، التفعيلة السابعة. ثم قالوا: ما هذا؟ لحظة، نسيتم الأوتاد الأخرى، هناك وتد مفروق. تعالوا نحن عندنا السببان الخفيفان نأتي بهما على اليمين، ونجعل الوتد المفروق في الأخير، فقالوا: «مفعولات»، إياك أن تقول «مفعولات» غلط، أو «مفعولا» غلط، إنما هي «مفعولات».

إذن نحن الآن استعملنا الأوتاد والأسباب جميعًا. تقول لي: فاصلة صغرى استعملناها، طيب فاصلة كبرى؟ ستأتي، أصلًا هناك من قال ليس هناك فواصل، لكن أنت إذا رسمت الدائرة فالأحسن أن ترسم فواصل حتى لا تكثر من الأشكال أو الخانات، كما نقول جداول الكتابة في الدائرة أو جداول الرسم.

وأذكركم بهذه المادة، هناك من جعلها كالشيخ الهاشمي، أحمد الهاشمي السيد أحمد الهاشمي رحمه الله، في كتابه ميزان الذهب، قال: جعلها عشر تفعيلات، أضاف تفعيلة «متفعلن» و«فاعلاتن». هي أصلًا لماذا فعلوا هذا؟ لماذا كتبوها هكذا؟ لكي يسووا أن الزحاف هو تغير يلحق ثواني الأسباب.

ثواني الأسباب يعني الجزء الثاني من السبب. اليس في بحر الطويل «فعول» تأتي على «فعو»، يدخلها القبض، صح؟ يدخلها القبض فتصير «فعو»، ما الذي حصل؟ «فعو» وتد مجموع لم يحصل فيه شيء، و«لن» سبب خفيف حذف الساكن منه، والساكن هو الجزء الثاني أو القطعة الثانية في السبب الخفيف، فحذف فصارت «فعول».

الآن في الوافر سندرس ماذا؟ العصب، وهو تسكين الخامس المتحرك. قلنا تفعيلة الوافر: «مفاعلتن»، عد معي: م ا ع ل ت ن، سبعة عندك؛ الفاصلة الصغرى «مفا» وتد مجموع، انتهينا. «علتن» قلنا الفاصلة الصغرى مكونة من ماذا؟ سبب ثقيل «تتن» وسبب خفيف «تن»، أنت سكنت الأوسط الذي هو الخامس في التفعيلة بما يسمى بالزحافات، يعني العصب هذا الذي عصبته، ماذا؟ ثاني السبب الثقيل.

وهذا يؤكد لك أن ما في شيء اسمه فاصلة صغرى، هي ليست فاصلة، هي شكل يلخص الكلام؛ لأن الزحاف تغيير يدخل على ثواني الأسباب، ولما دخل زحاف العصب هنا لا بد أن يكون مكانه ثاني سبب. هو فعلاً ثاني سبب، الفاصلة الصغرى عبارة عن سبب ثقيل حركتان وسبب خفيف حركة وسكون، هو بالفعل دخل على الثاني المتحرك من السبب الثقيل.

كما دخل في القبض في «فعول»، كذلك في بحر الطويل لما تقول «مفاعيلن» تحولها بالقبض إلى «مفاعل»، ماذا فعلت؟ حذفت الياء، الياء التي بعد العين «مفا»، وتد مجموع صح، «عل» سبب خفيف، فأنت حذفت هذا المتحرك كما حذفته في «فعول»، هو خامس متحرك، هذا كذلك خامس متحرك حذفته، «مفاعيل» خلاص، هذا يسمى القبض، والعصب كما في الوافر ماذا فعلت؟ سكنت الخامس المتحرك، فهنا أدخلت التغيير على ثاني سبب، وهنا أدخلته على ثاني سبب.

نرجع إلى قضيتنا؛ في وزن بحر الخفيف يأتي: «فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن»، قالوا لك: لا تدخل الطي على «مستفعلن». طيب كيف يمنعونك من الطي؟ سيتبعون خطة يغيرون شكل التفعيلة، فقالوا لك: «مستفعل»؛ لماذا؟ تعال نحسبها: «مس تفع»، صارت التركيبة ماذا؟ سبب خفيف ووتد مفروق. والوتد المفروق لا يدخله الزحاف ليعمل ماذا؟ ليمنعك من حذف الفاء الساكنة؛ لو قلت «مستفعل» صارت الفاء هي الرابع الساكن، والطي هو حذف الرابع الساكن في «مستفعلن» في بحر الخفيف على التخصيص لا يدخلها الطي.

قل لي هذا وتمام، لكن ليمنعوك جعلوها لك وتدًا مفروقًا، فقلت: «مس تفع» ثم سبب خفيف الأخير، «مستفعل». طيب سؤال: هل سيتغير هذا في التفعيلة في النطق بها؟ هل ستقول هكذا «مستفعل»؟ هل سيتغير شيء؟ لا طبعًا. سؤال آخر: عدم منع الطي هنا لأجل تفعيلة «مستفعلن» أم لأجل وقوعها في إيقاع أعم؟ هو إيقاع الخفيف، هل هو لأجل التفعيلة «مستفعلن» أم لأنها تقع في هذا البحر المسمى بالخفيف؟ أجييبه: هو لأنها وقعت هنا، لأن الطي هو من الزحافات التي تدخل على «مستفعلن» فتصير «مستعل». لا يا أخونا أبو كرب، لما أفهم السؤال.

نسأل السؤال مرة أخرى: «مستفعلن» إذا جاءت في الرجز وإذا جاءت في البسيط يجوز فيها الخبن وهو حذف الثاني الساكن، ويجوز فيها الطي وهو حذف الرابع الساكن، ولهذا حتى قالوا هناك ما يسمى «الخبل» وهو اجتماع الخبل والطي، أن تحذف الثاني الساكن وهو السين، وأن تحذف الرابع الساكن وهو الفاء، فتصير ماذا؟ «متعل»، وهنا تظهر الفاصلة الكبرى وتكون تفعيلة مخبلة؛ الخبل مجموع الخبن والطي، إذا حذفت الثاني الساكن خبن، إذا حذفت الرابع الساكن طي.

ولكن قالوا لك «مستفعلن» في بحر الخفيف لا يدخلها الطي، فحتى يمنعوك من الطي ماذا فعلوا؟ حولوا التفعيلة إلى سبب خفيف وجعلوا الفاء بدلًا من أن تكون ثاني سبب خفيف جعلوها ثاني وتد مفروق، عشان بس ما يخلوك تعمل حاجة.

كده فاهمين القضية يا إخوة؟ نحن قلنا البحور عبارة عن أسباب وأوتاد خلاص. الأسباب وصلت الحمد لله: «تن» و«تتن»، والأوتاد هي «تتن» و«تن». الزحافات تدخل ثواني الأسباب، يعني الجزء الثاني من السبب، كما دخلت في القبض على الساكن الثاني فحذفته في «فعول» و«مفاعيل»، وكما دخلت في عصب الوافر، عصب «مفاعلتن» دخلت على المتحرك الثاني في السبب الثقيل في الفاصلة الصغرى وسكنته، ولهذا قالوا تغيير؛ لأن التغيير لصورة مختلفة عن مجرد الحذف، قد يكون تسكين كما رأينا في العصب. فأنت إذا ذهبت إلى «مستفعلن» كما في البسيط وكما في الرجز ستراها سبب خفيف سبب خفيف وتد مجموع، والفاء التي هي الساكن الرابع في مجموع التفعيلة إذا حذفتها يسمى.

إذا حذفتها تكون قد دخلت على السبب الثاني؛ لأنك فعلت فدخلت على الساكن من السبب الثاني، وهو السبب الخفيف. في «مستفعلن» ولكن لما وقعت «مستفعلن» في بحر الخفيف: «فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن»، لم يجدوا أن العرب قالت «فاعلاتن مستعلن»، فاعلاتن لم يقولوا هذا؛ لأن أذواقهم لم تقبله. «فاعلاتن مستعلن» فاعلاتن لا يقولون هكذا، «فاعلاتن مستفعلن» فاعلاتن تن تن تن، شوف: تن تتن تن تن تن تتن تن تن تن، لم يقولوا تن تتن تن فاعلاتن.

فقالوا: كيف نمنع حذف الطي؟ كان ممكن يقولون لنا: امنع الطي في الخفيف، أقول حاضر وخلاص، لكن أرادوا أن يعلموني ألا أحذف، فماذا فعلوا؟ قالوا سنكتب لك تفعيلة مختلفة، وسنكتب لك «مستعلن»؛ لماذا؟ لأننا نخشى أن تحذف الفاء على أنها سبب خفيف، فسندخلها لك نجعلها وتدًا وتدًا مفروقًا.

قالوا: أليس «مُسْ» سببًا خفيفًا؟ بلى. أليس «تَفْ» سببًا خفيفًا؟ بلى. أليس «عَلُنْ» وتدًا مجموعًا؟ بلى. نحن سنغير قليلاً، «مُسْ» سنتركها كما هي لن نمسها، وعندنا سبب خفيف آخر تسمى الوتد المفروق التي ظهرت عندنا في «مفعولات». «مفعولات» سبب خفيف (حركة سكون)، ماذا لو ضممنا حركة من الناحية الأخرى؟ ستصير وتدًا مجموعًا. والوتد المجموع الذي كان في الأخير «عَلُنْ» سيصير سببًا خفيفًا عاديًا، فصارت: سبب خفيف، وتد مفروق، سبب خفيف. فاحسبوها تفعيلة لوحدها، اسمها «مستعلن»: وتد مفروق، سبب خفيف، وتد مفروق، سبب خفيف.

التفعيلة الثانية التي أيضًا اخترعوها لأجل هذا هي «فاعلاتن». قالوا «فاعلاتن» التي في المضارع لا يمكن أن يدخلها الخبن، لا تدخل فيها الخبن. وما هو الخبن؟ كثيرًا ما تأتي «فاعلاتن» بل تستحب في بعض البحور، كما ستعلمون أن تأتي مخبونة تصير «فعلاتن»، مكان «فاعلاتن» حذفت الثاني الساكن؛ وهي ما أصلها تن (سبب خفيف) تتن (وتد مجموع) تن (سبب خفيف) كما عرفنا في التفعيلات الثمانية.

الخبن هو حذف الثاني الساكن، والزحاف يعني تغيير يطرأ ولا يلزم، وسياتي الشرح إن شاء الله لا تقلق. أرى عدم جدوى أن تضيف تفعيلات تاسعة وعاشرة كما فعل الشيخ الهاشمي رحمه الله، وأنا من قديم لا أقتنع بها في الحقيقة، وأرى كتابًا مثل «الكافل» للخطيب التبريزي لم يذكرها أصلاً، وقال: «كل ما يتخرج من هذا تفعيلات فرعية عنها»، وهذه حقيقة.

«فاعلاتن» في البحور الأخرى يدخلها الخبن وهو حذف الثاني الساكن، وهو زحاف لا يلزم؛ في بعض التفعيلات تأتي به وفي بعضها لا تأتي به. في المضارع قال لك لا يجوز، فكيف يمنعونك؟ أنت تقول «فا» سبب خفيف، كيف نمنع من حذف الثاني الساكن في «فا» الذي هو السبب الخفيف؟ لأنك قد تقول: هذا سبب خفيف وأنا من حقي أن أحذف ثاني الأسباب، فهذه زحافات. فقالوا لك: لكن في المضارع لا يجوز، فكيف يمنعونك نفس الحركة والحيلة؟ ضموا إليها حركة من بعدها فصارت وتدًا مفروقًا.

والباقي تن سببان خفيفان وخلصنا؛ حولنا الوتد المجموع مع السبب الخفيف إلى سببين خفيفين، وأخذنا الحركة الأولى من الوتد المجموع ضممنا إلى السبب الخفيف الذي قبله فصارت وتدًا مفروقًا لا يدخله الزحاف. ولو قال لي: لا تأتِ بالخبن في «فاعلاتن» في المضارع، أقول حاضر، ولكن لماذا؟ هم نظروا للتفعيلة، أنا سأنظر إلى بحر المضارع وأنه سيكون بعيدًا عن القبول لو دخله الخبن، فصارت «فعلاتن».

في الأخير أذكركم أن هذه المادة من الفاء والعين واللام، الفاء والعين واللام في العروض ليس لها قيمة معنوية، ولو استطعت أن تحصل أوزان الشعر من أولها إلى آخرها عن طريق «تتن» فقط فهو صحيح وجميل، بل هو الأصل. ومن أجل هذا أنا سألتزم بما حصل في التفعيل دون ما يسمى «النقل» عندنا، مثل «مفاعلتن» التي يدخلها القطف في بحر الوافر، فيحولونها إلى «مفاعلن».

تعالوا الآن إلى تعريف العروض والضرب؛ العروض هو آخر تفعيلة في الشطر الأول، والضرب هو آخر تفعيلة في الشطر الثاني الذي هو موضع القافية. وكان شيخي الشيخ علي صالح الأزهري رحمه الله يقول: قل «عروضًا» أيضًا، قل «عروضه» وكأنه رأى الناس يستغربون «عروض» مؤنثة، فيقول: قل «عروضه» ورافق نفسك، فإني أقول: «العروض» كما هو المستقر المستعمل في مصنفات العروض.

التفعيلات بخلاف العروض والضرب تسمى «حشوًا»؛ يعني كل ما يسبق العروض وكل ما يسبق الضرب يسمى الحشو. وللعروض والضرب أحكام تتعلق بهما وتميزهما، وليس ذلك اعتباطًا أو خبط عشواء. إذا كان البيت مشطوفًا، أي جاء على شطر واحد، يقال هنا: عروضه ضربه، أو عروضه هي ضربه، والبعض يقول أرى الصواب أن يقال: إن له ضربًا فقط، لأن الضرب يأتي في...

والعروض تُعرض في أثناء الكلام؛ فلذلك يقال له وليس له عروض، وهذا المشطور الذي يأتي على شطر واحد، فالذي يأتي في آخر السطر هو الضرب. والعروض كما يؤخذ من اسمها تُعرض في أثناء الكلام، وهي لم تُعرض وإنما جاء البيت فيه ضرب، خلاص. لكن ستراهم يستعملون كلمة عروض كذلك في المشطور اتساعًا واعتمادًا على المعرفة والوضوح، ولأنها أول ما يقابلنا، كما أنه في الذي يكون من مصرعين أول ما يقابلنا العروض، فكذلك هنا إذا قابلتنا فهي أول ما يقابلنا فيقولون هذه عروض، والعروض هو الضرب. كل هذا أمر اصطلاحي، هو في الأخير يوجد تفعيلة في آخر الشطر فقط أو آخر الشعر فقط، آخر السطر منه، ولا توجد تفعيلة أولى.

وندخل الآن في بحر الوافر. بحر الوافر الذي قيل إنه سمي وافرًا لتوفر حركاته، وقيل سمي وافرًا لوفرة أجزائه. والحقيقة أنه لا يختص بهذا من بين البحور، وهذه أسماء يا إخوة كلها أسماء علمية ما كان يعرفها العرب الأوائل. يعني مثل المجتث، قيل سمي بالمجتث أي اقتطع؛ لأن الاجتثاث هو الاقتطاع من الخفيف، اجتث من الخفيف، فكأنه اجتث منه. هل اجتث منه؟ لا، في الحقيقة لا، قد يكون نوعًا من أنواعه كما قد يعبر البعض أنه نوع من أنواع الخفيف، لكن كل هذا ما عرفته العرب. العرب إنما كانوا يحفظون الإيقاع بواسطة الشعر نفسه من حولهم، يعني هم يعرفون النغمات ليست لها أسماء عندهم. انظر لاستحضار الإيقاع في النفوس؛ هذه البحور على دقتها يستحضرون النغمة منها، وليس أن هذه اسمها كذا وهذه اسمها كذا.

بحر الوافر نُظم عليه 12% من الشعر الجاهلي المنقول، وهذا قدر عظيم، كل هذه الدواوين، وانظر كم بحر عندك، ينظم على هذا فقط 12%، يعني أكثر من 10% من الشعر الجاهلي المنقول، هذا قدر عظيم. وهذا البحر صورته سهلة جدًا ومحصورة ويغري المبتدئين بالنظم. وقال فيه الدكتور عبد الله الطيب هكذا باللفظ: «تدفق في الوافر تدفق»، لكني سأجل الكلام على أثر إيقاعه في النفس، وعلى طبيعة هذا الإيقاع في المعنى، وعلى الشعراء، إلى أن أنتهي من ذلك أو من استعراض البحر علميًا وعروضيًا؛ لأن للحازم القرتاجني ولعبد الله الطيب كلامًا مفيدًا جدًا حول هذا البحر.

بحر الوافر سهل لوحده، تفعيلته أولًا لأنه من البحور الصافية، وكذلك سهل لوحده صورته التامة؛ عندك الكامل ستأتي لك خمس هيئات للتام، لكن هذا له صورة واحدة للتام. وهو سهل لأنه يغري المبتدئين، أو قدمته كذلك لأنه يغري المبتدئين الذين يريدون أن يقولوا الشعر في المراحل الأولى من صناعتهم وأعمال قريحتهم، ولأنه كذلك يسهل أن أشرح عليه دائرة الخليل، لأنه مع الكامل الذي سأشرح عقبها إن شاء الله يكونان دائرة تسمى بدائرة المؤتلف. فهذا أشرح الدائرة إن شاء الله لتعلموا ما هي دائرة الخليل مباشرة بعد شرح الوافر والكامل جميعًا. ولو أنني بدأت كما يبدؤون عادة ببحر الطويل، سأشرح دائرة المختلف، هناك تسمى دائرة المختلف التي منها الطويل وتضم الطويل والبسيط والمديد، وهذه بحور مزدوجة أو مركبة ليست صافية وعددها أكبر وزحافاتها أكثر؛ فلذلك كله نبدأ بالوافر، البحر السهل الموسيقي الذي أتى عليه حماس عمرو بن كلثوم.

وهو كما قلنا بحر صافٍ، يعني يتكون من تفعيلة واحدة، تفعيلاته هي: «مفاعلتن». ولكن سنرى أن هذا البحر وقع في تفعيلته التي هي العروض والضرب في تفعيلتي العروض والضرب، وقلنا الضرب التفعيلة الأخيرة في الشطر الثاني، يعني في آخر البيت، والعروض التفعيلة الأولى. وقع في التفعيلتين هاتين، فلتان لم تأتيا قط على لسان العرب، «مفاعلتن» لم تأتِ «مفاعلتن» إطلاقًا، وإنما أتت «مفاعلتُ» كما قالوا «فعولُ».

ولهذا انتقد الدكتور عبد الله الطيب العروضيين في هذا، لحظة آتيكم بالكتاب. الدكتور عبد الله الطيب لما تكلم على بحر الوافر هذا في كتاب المرشد، المجلد الأول على ما أذكر. يقول: «هذا البحر عند العروضيين من جنس الكامل، وأخوه في دائرته الثانية، ووزنه عندهم في صيغته التامة: مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن»، هذا صفحة 330 من الكتاب، ست مرات، يعني قال: «وهذه الصيغة خيالية لم يستعملها شاعر، والعروضيون مولعون بالصيغ الخيالية، وقد احتالوا على وزنهم هذا المفتعل فأدخلوا عليه علة تسمى القطف».

وسأشرح لكم ما حصل في القطف. الوتد المجموع ظل على حاله، نحن قلنا هو «مفاعلتن»، عندنا في الأخير فاصلة صغرى. قالوا ماذا سنفعل؟ شيئين، طبعًا كل هذا ما حصل أصلًا، هم يريدون أن يحولوا لك «مفاعلتن» إلى «مفاعلتُ» وهي أصلاً لم تأتِ «مفاعلتن» إطلاقًا، طب تحولها ليه؟ لأن الدائرة اقتضت هذا. فجاؤوا إلى «مفاعلتن»، الجزء الثاني من التفعيلة ماذا؟ فاصلة صغرى، سبب ثقيل من حركتين (ت ت)، سبب خفيف (تن). فأول شيء فعلوه سكنوا الخامس الذي هو ثاني السبب الثقيل، فصارت «مفاعلتُن»، يعني أتوا بالعصب. طب لما أتوا بالعصب كيف صارت؟ صارت «مفاعلتُن» تشبه «مفاعيلُ». أيضًا قالوا نحذف السبب الخفيف فتصير «مفاعلتُ»، بعد أن صارت «مفاعلتن» صارت «مفاعلتُ»، ونقلوها إلى «فعولُ». مجموع الأمرين كل هذا الذي حصل صار علة تسمى القطف. إذن عندك الحذف أو العصب زائد الحذف يساوي القطف، ولهذا أقول لك عروضه مقطوفة وضربه مقطوف. هو ما تقطف أصلًا، هو لم ينبت ولم يثمر هذا حتى يقطف، لكن هكذا جرت طريقة الشرح؛ سكنت الخامس وحذفت، يعني عصبت وحذفت، مجموع هذا يسمى القطف.

إذن أنت الآن درست علة تسمى القطف. تعالوا الآن نشرح هذا على معلقة عمرو بن كلثوم، أشهر ما جاء على الوافر، قال: «ألا هبي بصحنك فاصبحيني» مفاعلتن مفاعلتن مفاعل. ما الذي حصل؟ «ألا هبي»، «ألا هبي» هل قال «هبيبي»؟ لو قال «هببّي» كانت «مفاعلتن»، لكن قال «ألا هبي» مفاعلتن، ثم قال «بصحنكِ فاصبحيني»؛ «بصحنكِ فاصـ» مفاعلتن، «ـبحيني» مفاعل أو فعول.

البيت التالي: «مشعشعة كأن الحص فيها» مشعشعة مفاعلتن، كأن الحص صفيها مفاعلتن. أول شيء سنلاحظ بالتأمل في هذا الذي قلناه وبالاطلاع على القصيدة كلها...

قرأناها الآن أن العروض والضرب قد جاءا على «مفاعلتن» أو كما قالوا «فعولُ»؛ القطف، لن ترى الوافر إلا كما قالوا مقطوف العروض والضرب. وكما قلنا لم يكن هكذا، ولهذا اعترض بعض الباحثين على العروضيين لالتزامهم دائرة الخليل، وهي أنها إنما وجدت لضبط الموجود لا لاختلاق المعدوم؛ وجدت لضبط الموجود لا لاختلاق المعدوم.

بالنسبة للوقت، لا إشكال، أطلنا في التوضيحات وكانت مهمة جدًا، ولا بد أن نحتوي بحر الوافر في هذه المحاضرة وإن طالت.

«الا هبي بصحنك فاصبحي»؛ «مفاعلتن» بصحنك فاصبحي، «مفاعلتن» بحينه ولا تبقي، «مفاعلتن» خمور درين، «مفاعلتن» مشعشعة. في البيت التالي: «مشعشعة» مفاعلتن، كان الحصى مفاعلتن. إذا جاءت «مفاعلتن» في البيت الأول في أول تفعيلته، وفي البيت الثاني جاءت في المنتصف. وأما التفعيلة الثانية في الأول: «بصحنك فاصبحي» جاءت «مفاعلتن»، والتفعيلة الثانية «مفاعلتن» جاءت هي «مشعشعة» مفاعلتن.

رايتُم إذن ما الذي حصل؟ سنلاحظ الآن أول شيء لاحظناه: «الا هبي بصحنك فاصبحي»، فأصبحت «مفاعلن»، ولا تبقي «مفاعلتن»، خمور درين «مفاعلن»، مشعشعة «مفاعلتن»، كان الحصى «مفاعلتن»، صفيها «مفاعلن»، إذا مـألما «مفاعلتن»، أطا «مفاعلن»، سخينة «مفاعلتن»، أو «مفاعلن» أو «فعولُ».

أول شيء تلاحظونه في تفعيلة العروض والضرب أنه دخلها القطف، وجاءت على «فعولُ» أو «مفاعلن». لو أردت أن تسهل الأمر وتنقله، بعد هذه العلة، أن تأخذها من «مفاعلتن» فتقول «مفاعلن» ولك أن تقول «فعولُ» كما هو المعروف دون إشكال. فالعروض كما قلنا في الوافر مقطوفة، والضرب مقطوف، وهذه حالة دائمة، وكما قلنا نجدها في كتب العروض «فعولُ» ليس «مفاعلن»، وهو نفسه «مفاعلتن» يتكون من وتد مجموع «تتـ» وسبب خفيف «تن»، سواء «فعولُ» أو «مفاعلن»، لكنهم فعلوا ما يسمى النقل؛ نقلوه، يعني أدخلوا على التفعيلة ما يدخل من الزحافات والعلل، وسموه النقل لجمع بعض الأشياء الداخلية في الدلالة على ما حصل في التفعيلة.

فإذا كان القطف لازمًا كما رأينا للعروض والضرب من بحر الوافر، فسنلاحظ أيضًا في التفعيلات أنه حصل شيء، وهو أنه سكن الخامس المتحرك من «مفاعلتن» فصار أحيانًا «مفاعلن»، كما رأينا في الأمثلة، مرة جاء في هذه التفعيلة ومرة في هذه التفعيلة، تأتي به أو لا تأتي به، هذا يسمى العصب. والعصب هو الربط والشد، كأنك جئت إلى هذا المتحرك الخامس وعصبته وشددت عليه، فهذا يسمى العصب. والعصب زحاف يدخل بحر الوافر، والقطف علة تدخل بحر الوافر. وهنا نأتي إلى التفريق بين الزحاف والعلة.

ما الفرق بين الزحاف والعلة؟ الزحاف هو هذا التغيير الذي يلحق ثواني الأسباب ولكنه لا يكون لازمًا، يعني لك أن تأتي به ولك ألا تأتي به. وأما العلل فهي إذا أتيت بها لزمت، ولهذا تأتي في العروض والضرب؛ قلت لكم العروض والضرب لهما خصوصية عن الحشو لقوة ظهورهما، وليس اعتباطًا كما قلت في الأول جعل الشعر على شطرين لأن النهاية لها تأثير.

لاحظنا الآن دخول شيء يسمى القطف، وهذا القطف لازم لعروض الوافر وضرب الوافر؛ ستظل تقول على طول القصيدة: «مفاعلتن مفاعلتن مفاعلن» أو «فعولُ» كما تشاء. هذا الذي حصل في الأخير في الشطر الأول والثاني في العروض والضرب يسمى علة، علة القطف، وهذه العلة لازمة. ما معنى لازمة؟ يعني تلزم إذا أتيت بها في أول بيت في القصيدة إذا أنشأت القصيدة عليها، لزمتك إلى آخرها. والزحاف لا يلزمك؛ رأيت كيف قلنا: «الا هبي» مفاعلتن، سكنت الخامس «بصحنك فاصبحي» حركته «مفاعلتن»، «ولا تبقي» سكنته «مفاعلن»، «خمور درين» مفاعلتن، «مشعشعة» رجعت ثانيًا للتفعيلة السالمة، «كان الحصى» سكنتها، فلم يلزمك.

ماذا لو أتيت به في كل القصيدة؟ يجوز. نتكلم الآن عن الجواز؛ يجوز ما لو تركته وجئت بالتفعيلة سالمة في كل القصيدة؟ يجوز، وتأتي في بعضها طبعًا، وأن تعرف موضع استعماله في قصيدة وكذا، ومتى تفعل وكيف توزعه في القصيدة، هذا مستوى في الشاعرية لم يهمله النقاد. هذا يسمى الزحاف، وهذا هو الأصل والغالب؛ لأن هناك زحافات في مواضع معينة يكون لها حكم العلة، كما سيأتي معنا في مجزوء الوافر. وإذا عصبت الضرب يلزمك أن تعصب الضرب في كل القصيدة؛ لو جئت بـ«مفاعلن» في مجزوء الوافر يلزمك «مفاعلتن» إلى آخر القصيدة، لا يمكنك أن تراوح بينه وبين غيره.

الوافر التام كما قلنا جاءت عليه معلقة عمرو بن كلثوم، وجاءت عليه رائية المهلهل: «اليلتنا بذي حسمٍ .. أنيري إذا أنتِ قضيتِ فلا تحوري»

جاء بـ«مفاعلتن مفاعلتن» في الشطر الأول، و«مفاعلتن مفاعلتن» في الثاني. هل تشعر بالراحة؟ النغمة التي حصلت في الشطر الثاني التي تأتي كالجواب للشطر الأول. أتمها في الشطر الثاني جاء بها سالمة: «إذا أنتِ قضيتِ فلا تحوري»، لكن هل تشعر بالراحة التي وقعت؟ وهذا نبه إليه عبد الله الطيب، وكما سنقرأ كلامه، نبه إليه عبد الله الطيب فيما يفعلونه بهذا العصب وتسكين الخامس المتحرك، أنهم يحدون ويبطئون منه، يكسرون رتابة؛ لو أنك ظللت على التحرك يعطي ترصيعًا للنغمة ويعطي جمالًا لها.

طبعًا استعمال هذا عندك وعند قصيدتك، هذه مرحلة من استعمال الإيقاع، ليس مجرد أن تنظم كلامًا على إيقاع وخلاص، متى تستعمل هذا؟ لأن هذا يحسن أحيانًا. هذا أيضًا ليس كلام المعاصرين كما يظن البعض، استحسان الزحافات وكذا، لا، هذا نص عليه الخطيب التبريزي. انظر، هذا الخطيب التبريزي في كتابه «الكافي في العروض والقوافي» يقول: «والزحاف جائز كالكسر ممتنع، وربما كان الزحاف في الذوق أطيب من الأصل».

شوف والله ليس كلام المعاصرين يا إخوة، هذا كلام الخطيب التبريزي! البعض يظن ربما أن المعاصرين يقولون هذا، فذلك من عند أنفسهم، هذا الخطيب التبريزي المتوفى عام 502 هـ يقول لك: «وربما كان الزحاف في الذوق أطيب من الأصل».

الأصل أطيب. شوف كلمة أطيب في كتاب عروض نادرة، نعم كالقَبْض في الطويل، وكالخبن في البسيط؛ الخبن في فاعلن تأتي بفاعِل، وكالتي في المنسرح. ينص على استحباب الزحافات يا إخوة كما سيأتي معنا، ينص على استحباب الزحافات في تفعيلات بعض البحور، تخيل ينص عليها!

هذا هو الوافر التام، اقرؤوا عليه معلقة عمرو بن كلثوم، لا تحتاجون في حفظ إيقاعه إلى كثير عَمَل كما سنفعل مع الكامل وإلى كثير قصائد؛ لأن خلاص نغمته معروفة. يدخله العَصْب، وهو حذف وهو تسكين الخامس للمتحرك في مفاعلتن، ويدخله علة القطف في العروض والضرب، تأتي فاعلن في العروض والضرب، أو تأتي مفاعلتن أو فعولن.

إذا أردت أن تقول مفاعلتن أو فعولن: ﴿هَا لَيْلَتُنَا بِذِي حُسْمٍ أَنِيرِي﴾، إذا أنتِ قضيتِ فلا تحوري، فإنِّيَ بالذّنَايبِ طالَ لَيْلٌ، فقد أبكي من الليل القصير، وأنقذني بياض الصبح منها، لقد أنقذت من شر كبير. كان كواكب الجوزاء أعوذ معطفه على ربع كثير، كان الجدي في مثنى تبرّق أسير أو بمنزلة الأسير، كان النجم إذ وى سحيرا: مفاعلتن مفاعلتن فعولن، مفاعلتن مفاعلتن فعولن.

«أبا هند فلا تعجل علينا، وانظرنا نخبرك اليقين بـأنّا؛ نورد الرايات بيضاً ونصدرهن حمراً قد روينا، وأيام لنا بيض طوال، وأيام لنا سود طوال، عصينا الملك فيها أن ندينا، تركنا الخيل عاكفة عليه». معلقة عمرو بن كلثوم، هذه أعنتها صفونا.

هذا بحر الوافر التام، ليس له إلا هذه الصورة، وهذه من أسباب سهولته. تدربوا بعد المجلس على معلقة عمرو بن كلثوم، وعلى رائية المهلهل ابن ربيعة، جِدّوا عندكم البحر الوافر المجزوء والبحر التام.

الآن نستعمل المصطلحات ونجمعها؛ التام هو البحر الذي استوفى تفعيلاته كبحر الوافر، الآخر حسب يأتي مجزوء، يأتي مشطور، يأتي منهوك، خلاص لكن الوافر يأتي مجزوء فقط. تعرضنا الآن للعلل، أيوب يقول مجزوء الوافر، حلو صح؟ وعمر بن أبي ربيعة كان يرتع فيه.

ما جاء سالماً خالياً من الزحاف يقال له سالم، وما جاء خالياً من العلة يقال له صحيح؛ ولهذا تسمعون كثيراً عروض صحيحة وضرب صحيح، وعروض صحيحة وضرب صحيح. عكس الصحة دخول العلة؛ افتكر العلة مرض، والإنسان إذا قام من العلة يقولون صحة.

والذي خلا من الزحاف يقولون سالم، يعني مفاعلتن سالم، مفاعلتن سالم، ليس بسالم هو مزاحف؛ فعولن معلول، فعولن أو مفاعلتن معلول، ليس بصحيح. الكامل مثلاً، لو قلنا هذا فقط لا أشرح العكس، الصحيح في الكامل متكامل: متفاعلن متفاعلن متفاعلن، لو قلت متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن، هنا يقال ماذا؟ صحيح العروض والضرب. لكن مثلاً لو قلت متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن، هكذا هنا سيقولون ماذا؟ سيقولون معلول وليس بصحيح، وسيأتي إن شاء الله.

إذن الصحة عكس الإعلال، إذا لم تدخله العلة -التي هي لازمة- قالوا صحيح، وإذا لم يدخله الزحاف قالوا سالم. طب عكس السالم مزاحف، وعكس الصحيح معلول. طب ما علاقة هذا بالبحر؟ لا شيء. البحر التام وغير التام يتعلق بعدد التفعيلات التي به لا بما دخل على التفعيلة، بعدد التفعيلات. ما أخذناه الآن هو البحر التام في الوافر.