ما أخذناه الآن هو البحر التام الوافر. عندنا المجزوء، والمجزوء هو الذي حُذف منه جزؤه الأخير من الشطرين، يعني حُذفت عروضه وحُذف ضربه، حُذفت تفعيلته العروض وتفعيلته الضرب، ويسمى مجزوءًا. تتذكره بماذا؟ حذفنا جزءًا، يعني تفعيلته تسمى مجزوءًا. يعني بحر الوافر الذي يكون على ست تفعيلات سيصير على أربع، اثنتان هنا واثنتان هنا، وسنحل التي فيها مفاعلتن أو فعولن، سنحفظ الأولى والثالثة أو الأخيرة في الشطر الثاني. فالبحر المجزوء هو الذي حُذفت تفعيلته العروض من شطره الأول وتفعيلته الضرب من شطره الثاني.
البحر المشطور هو نصف البيت من التام الذي حُذف شطره بالكامل، وهذا لا يدخل في الوافر. البحر المنهوك هو ثلث البيت، يعني تفعيلة اثنتين من البحر فقط تبقى، فحذف ثلثاه وبقي ثلثه، هذا يسمى منهوكًا. هناك بعض المتأخرين عملوا تفعيلة واحدة أصلاً في الرجز «مستفعلن»، لكن تخيل هذه بدعة! فبذلك تكون قد استوعبت القضية.
إذا كان مجزوء الوافر، فالتفعيلات في كل شطر هي: مفاعلتن، مفاعلتن، مفاعلتن. وهذا له أحكام؛ لأنك تلاحظ أن التفعيلتين الثالثة والسادسة لما حُذفت، ماذا عُرفت؟ مفاعلتن عُرفت، مفاعلتن كُشفت، فاختلفت الأحكام شيئًا ما كما سترون. هذا المجزوء له صورتان:
الصورة الأولى: يكون ضربها صحيحًا «مفاعلتن» لا يدخله شيء، فتقول: مفاعلتن، مفاعلتن، مفاعلتن، مفاعلتن. ولك في العروض وسائر التفعيلات من الحشو أن تعصب، أي تقول «مفاعلتن» وتصبح «مفاعلتن»، يجوز أن تعصب حتى في العروض، وأخذت حكم الحشو لأن البحر صار قصيرًا، فصار النظر فقط إلى العروض والضرب.
أما في الضرب، فلا بد أن تأتي «مفاعلتن»، وهل يجوز هنا أن تأتي «مفاعلتن»؟ يجوز لكن بشرط سنراه لاحقًا. نحن الآن في النوع الأول: مفاعلتن، مفاعلتن، مفاعلتن، مفاعلتن، أو مفاعلتن، مفاعلتن، مفاعلتن، مفاعلتن. هذا ينظم عليه كثير من الشعراء، ومنهم عمر بن أبي ربيعة.
أنظروا إلى نغمته الجميلة في قول الشاعر: طربتُ وردَّ من تهوى جمالُ الحي فابتكرْ .. فظلت كفُّ كفٍ دمعُها إذا نهرتْ مفاعلتن، مفاعلتن، مفاعلتن، مفاعلتن. وبِتُّ لذاك مكتئبًا أقاسي الهمَّ والسهرْ .. لبين الحي إذ هاج الأحزان والذكرْ
انظروا، ماذا حصل في العروض؟ عُصبت العروض، وهذا عادي لا إشكال، فلك أن تفعله ولك أن تتركه، لأن العصب في العروض هنا زحاف. لكن انظروا، الضرب كله «مفاعلتن» لم يدخله عصب.
وفي قوله: فأحبل من تهواه أمسى منك منبرا .. فقد من كنت تلقى لصف قد مضى كدرا مفاعلتن، مفاعلتن، مفاعلتن، مفاعلتن. عُصبت العروض، لكن الضرب بقي «مفاعلتن».
وفي قوله: ليالي لا أبالي من لحا في الحب أو عذرا .. ولن أنسى مقالتها لتريها النظرْ تلاحظون أن البحور كلما قصرت رغماً عنك ستنغم، إذا قصرت البحر ستنغم، وكلما طال البحر اختفى التنغيم وظهر الكلام والتركيب. كلما كُسر البحر ظهر سلطان النغم، وكلما أطلت البحر ظهر نغم التركيب مندمجًا في سرية وتعقيد وخفاء مع الإيقاع، وقلَّ أو خفي سلطان الإيقاع، سيتعامل كأنه يعمل مع المخابرات مع التركيب، ولهذا البحور الطويلة أصعب في الكلام.
وفي قوله: وصالُه هجرٌ ولو ما وقيت كما .. على الهجران واستتر وقولٌ قد ظفرت بها كفاك وخبرُ الخبرْ وقولٌ إن سرك يوم بطن الخيف قد شهرْ قلتُ أغرها إني.. مفاعلتن، مفاعلتن، مفاعلتن، مفاعلتن.
وستلاحظون أن البحور المجزوء يكثر فيها البيت المدور، وهو الذي تنقسم الكلمة فيه بين العروض في آخر الشطر الأول، وبين أول تفعيلة في أول الشطر الثاني، ويكثر هذا في البحر الخفيف.
فإذا كان عندك هذه الصورة: مفاعلتن، مفاعلتن، مفاعلتن في الشطر الأول، ومفاعلتن، مفاعلتن، مفاعلتن في الشطر الثاني، وتفعيلة الضرب «مفاعلتن» فقط، ثم أردت أن تدخل العصب على تفعيلة الضرب، انتقلت إلى الصورة الثانية من مجزوء الوافر، وصار العصب هنا علة، أو صار زحافًا له حكم العلة.
فلو قلت: مفاعلتن، مفاعلتن، مفاعلتن، مفاعلتن، وصار العصب هنا علة، فإنه يلزم. إذاً عندك نوعان من مجزوء الوافر: النوع الأول هو صحيح الضرب، ويلزم الضرب أن يكون صحيحًا وسالمًا مما يمنع دخول أي شيء عليه. وأما العروض والحشو فلك أن تعصب كما تشاء وأن تترك. لكن الضرب إذا عُصبت في أول بيت لزمك أن تعصب في كل القصيدة، ويقال هنا زحاف له حكم العلة؛ لأنه بما أنه لازم، وحقيقته هو علة، لكن بما أنه يقع في داخل التفعيلة وفي هذا المجزوء فقالوا زحاف له حكم العلة.
لكن مجزوء الوافر له علة اسمها العصب؛ فلو جاء شخص الآن وقال: مجزوء الوافر له علة تسمى العصب، هل يكون مخطئًا؟ لا، محمد الحماري قال: هو زحاف جرى مجرى العلة، لكن لو قال هو مجزوء الوافر له علة تلزمه تسمى العصب، وتكون لازمة صفة كاشفة، فهل يكون مخطئًا؟ لا، طبعًا هي مصطلحات.
العروض أكثر العلوم تضع القاعدة من الغالب، ولهذا قالوا: «الزحاف له حكم العلة». لماذا كان زحافاً وصار له حكم العلة؟ لماذا أصلاً زحاف؟ لأن أكثر وقوعه أنه لا يلزم، ولأن المجزوء مجزوء من التام فصار كأنه استثناء.
لكن لو جاء شخص وقال إن النغمة التي تسمونها مجزوء الوافر (مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن) لها علة تسمى العصب، لم يخطئ، بل سيسميه العصب. أنت نظرت إلى أنها لا تلزم في الأصل في الأكثر والقاعدة، لكن هنا لا؛ فكلها تيسيرات علمية، ولهذا نسميها «زحاف له حكم العلة». أنا فقط لا أخرج عن مصطلحات العروض، وإنما أنبهكم إلى حقائق المعاني فيها.
مع ذرة لانقطاع خدمة الإنترنت، وقد طال الانقطاع؛ إذا عرفنا أن مجزوء الوافر هو الذي حذفت منه التفعيلة الثالثة من كل شطر، والتفعيلات من الوافر في كل شطر هي: (فعولن مفاعلتن)، التي قالوا إن قد دخلها القطف، فتُعرّض بذلك التفعيلة التي تسبق (فعولن) وتُعرّض التي تسبق (مفاعلتن) في العروض وفي الضرب.
وهي (مفاعلتن) فصارت لها أحكام مختلفة. قلنا لها صورتان، والصورتان تختلفان من خلال الضرب فقط؛ لأن سائر التفعيلات، ومنها تفعيلة العروض، يجوز فيها أن تكون سالمة ويجوز فيها أن تكون مزاحفة بالعصب. يعني يجوز لك أن تقول (مفاعلتن) في العروض، ويجوز لك أن تقول (مفاعلتن) كذلك في العروض، وكذلك في سائر التفعيلات في الحشو. وإنما يظهر الاختلاف وافتراق الصورتين في الضرب؛ لأنك في الضرب في المجزوء الذي هو (مفاعلتن)، لو قلت (مفاعلتن) في أول بيت لزم كذلك في كل القصيدة، ويكون ذلك علة أو زحافاً يجري مجرى العلة.
يقولون في هذا: «زحاف يجري مجرى العلة» أو «له حكم العلة» من حيث إنه يلزم، ويكون ثابتاً. هو زحاف من حيث كونه بالأصل لا يلزم في بحر الوافر التام، وكذلك لا يلزم في المجزوء في تفعيلاته في حشوه كله، في التام وفي عروضه، وفي المجزوء وفي الحشو كذلك، ولكن في المجزوء صار هناك أمر وهو أنه إذا جاء هذا العصب لزم؛ فهو زحاف باعتبار عدم اللزوم في الأصل، وهو علة أو له حكم العلة، أو هو في ذاته علة في هذا الوزن عيناً. يعني إذا قلنا إن العلة هي ما يلزم، فالعصب هنا يعدل بمتمّ.
أبا بشرٍ عجبتَ لمشربٍ ... عدلوا بمتمٍّ أبا بشرِ. وبما أن عمر بن أبي ربيعة -رحمه الله- أي كان حفياً بهذه البحور المجزوءة، ترى عنده مجزوء الوافر بأنواعه، وترى عنده الخفيف ومجزوء الخفيف، وترى عنده الرمل ومجزوء الرمل؛ فكان عمر بن أبي ربيعة مظنة هذا البحر. فإذا أردنا أن نقف على مثال من ذلك، مثلاً عندكم القصيدة في ديوانه، وهي القصيدة الميمية التي أولها: «أرقتُ وأبنى همي»، وهي رقم ١٠٤ في ديوان عمر بن أبي ربيعة بشرح الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد.
يقول: أرقتُ وأبنى همي ... لنائي الدار من نعمِ
وقفنا على مثال المجزوء الأول الذي هو صحيح وسالم في ضربه على (مفاعلتن)، فوقفنا أنه في ضربه قال (مفاعلتن) سالمة صحيحة كما هي لم يدخلها شيء وملتزمة هكذا في كل القصيدة. هنا سنرى العكس، سنرى (مفاعلتن) المعصوبة ملتزمة في كل القصيدة.
انظر: أرقتُ وأبنى همي ... لنائي الدار من نعمِ فاقصر عاذل عني ... وملّ ممرضي سقمي أموت لهجرها حزنا ...
انظر العروض كيف جاءت: «حزنا»، «أموت لهجرها حزنا»، (مفاعلتن)، مع أنه في البيت السابق: «فاقصر عاذل عني»، (مفاعلتن)، (مفاعلتن)، لا إشكال، وتكون العروض هنا سالمة صحيحة لعدم دخول العلة إليها، ولكن يقال مزاحفة مرة بالعصب وسالمة مرة من العصب. أما في الضرب، موضع القافية، إذا جئت بالعصب لزمك هذا الزحاف وصار له حكم العلة:
أموت لهجرها حزنا ... ويحلو عندها صرمي فبئس ثواب ذات الود ... تجزيه بنه العمي ويوم الشر قد هاجت ... دموعاً وكف السجمِ تجلت على عجل شتى ... بارد الظلم وقالت لفتاه عندها حورُ أكرني
وهكذا إلى آخر القصيدة. كذلك عنده قصيدة أخرى بعدها، وهذا طبعاً عند عمر كثير، لا تجدون هذه الكثرة عند غير عمر، لما قالوا في الأعشى إنه قال على كل الأراضي وقال على كل القوافي، هذا بالنظر إلى الجاهليين، لكن من بعده من العباسيين قالوا على كل شيء حتى اخترعوا في ذلك اختراعات.
يقول مثلاً، وهي أيضاً ميمية مضمومة: أبين اليوم يا نعمُ ... أوصل منك أم صرمُ فاقصر من عاتبةٍ ... ها مرةً نعمُ
في العروض ومرة (عاتبة)، يعني مرة (مفاعلتن) ومرة (مفاعلتن) عادي كالحشو العصب عادي، فقد تأتي وهي سالمة، أما الضرب فلا بد (مفاعلتن) ملتزمة إذا جاء فيها في أول بيت:
تلومك في الهوى نعمُ ... وليس لها به علمُ صحيح لو رأى نعماً ... لخام جسمه سقمُ جلت نعم على عجلٍ ... ببطن منن وهم حرموا
ليس «حرم»؛ أي كان يمكن أن يقول الأصل والأقرب «حرموا»، لكن «حرموا» سُكّنت لالتزام ماذا؟ لالتزام العصب هنا. هل درس عمر بن أبي ربيعة العروض حتى يلتزم هذا؟ لا، لكنه في عظمه يعرف هذا النغم، يعرف أنه لو جاء بهذا البحر المجزوء وقال (مفاعلتن) في الأخير، لو قال (مفاعلتن) لزمه في الكل، ولو قال (مفاعلتن) لزمه كذلك في هذا المجزوء الذي أخذه من (فعولن مفاعلتن):
جلت نعم على عجلٍ ... ببطن منن وهم حرموا أسيلاً ليس فيه لناظرٍ ... عيبٌ ولا كلمُ
فهكذا ترون العصب ملتزماً إلى آخر القصيدة.
نأتي هنا إلى قضية، لما كنا نشرح كتاب الصناعتين مررنا ببيتين وسألنا: من أي بحر هذان البيتان؟ فقال بعضكم: هذا من مجزوء الوافر، وأغلبكم قال: هذا من الهزج. وحبيبنا عبد الحق الشاعر الجزائري ماذا قال؟ قال: «الهزج هو مجزوء الوافر يا أستاذ». وأنا حينها لم أعلق، كان يمكن أن أشرحه وهذا المتوقع المبادِر أن أشرحه عندما أعرض إلى الهزج، ولكن أعرض له هنا لأنه فيه تقدمة للهزج، وفيه تفرقة لمن ينظم منكم على الهزج، ولأنه جاء هذا... لا أقول الالتباس، نوع التداخل ونحن نشرح في كتاب آخر، ما الفرق بين هذا النوع الأخير الذي هو (مفاعلتن) في الضرب وبين الهزج لو أن الشاعر قال على مجزوء الوافر وخلاص اختار أن يعصب؟ سنقول يفرق في...
هذا بين البحرين من ناحيتين؛ ناحية من الهزج نفسه، وناحية من الوافر نفسه، ناحية من الهزج نفسه الذي قد يلتبس، وناحية من الوافر.
أما الهزج ففيه نوع من الزحاف مقبول محبوب كثير الوقوع، وأنا أضع هذه القيود بقصد، وهو الكف؛ لأن الهزج يأتي على: مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن. مفاعيلن هي مفاعلتن بنفس الحركات والسكنات، لو أنك التزمت مفاعيلن أو لو عصبت تفعيلة الوافر "مفاعلتن" (تتن تن تن) فستصبح "مفاعيلن" (تتن تن تن). فلو جاءك شاعر وقال سألزم هذا في النص، التزم العصب خلاص، وساند على الثاني من المجزوء الذي هو معصوب ملتزم العصب في الضرب، سيلتبس بالهزج.
فكيف نفرق هنا؟ سنقول أولًا: الهزج فيه الكف، وهذا هو حذف السابع الساكن كما ستلاقي في "مفاعيلن" في الطويل إن شاء الله؛ "مفاعيلن" لك أن تحذف النون وهذا يسمى الكف، فتقول: مفاعيلُ مفاعيلُ، كذلك في الهزج وهذا مستحب فيه ويقع فيه كثيرًا.
من جهة الوافر، الأصل في تفعيلته والأكثر هو "مفاعلتن" (تتن تتن) وليس (تتن تن تن)، فهذا الأصل فيه "مفاعلتن". فلو قلت "مفاعيلن" على طول القصيدة، وليس فقط التزامًا في الضرب، هذا يكون فيه شيء من الخلل أو خلاف الأصل.
لو أنك تريد نغمة الوافر، فماذا قال عبد الله الطيب؟ يقول: «هذا العصب الذي هو تسكين الخامس المتحرك من مفاعلتن فيه نوع من كسر رتابة الوافر أو تفعيلته». لو أنك استمررت عليها، يعني يقول لو أنك ظللت تقول: مفاعلتن مفاعلتن فعولن، مفاعلتن مفاعلتن فعولن، هكذا (تتن تتن تتن تتن) فيه رتابة، ولهذا لا تكاد تجد قصيدة إلا وفيها هذا العصب.
الطيب يقول: ترى التفعيلتين لما تتوالى مع الاختلاف بالعصب، مرة (تتن تتن) ومرة (تتن تن تن)، لم يتنافر ولكن أيضًا لم يتطابق، فماذا لو عصبت الجميع؟ وقعت في مستنقع الرتابة. لو أنك أردت نغمة الوافر، هل معنى هذا أن الهزج فيه رتابة؟ لا، لأن له أشكالًا أخرى منها الكف، يدخل عليه كثيرًا وهذا ليس موجودًا عند الوافر "مفاعلتن" إلا في نوع بعيد، سنتكلم عنه الآن ضمن الزحافات التي لا تكاد تجدها، وربما يغلب عليها أن تستقبح ويقل أن تجدها في الشعر العالي والشعر المعتبر في القريض، وإنما تجدها ربما في المجزوءات، كما عند عمر بن أبي ربيعة، فأنا لا استحضر ورودها إلا عند عمر بن أبي ربيعة كما سنرى الآن إن شاء الله تعالى.
فأول شيء: الكف كثير مستحب في تفعيلته الهزج "مفاعيلن"، وما يقابلها في الوافر ليس بهذا الاستحباب، وربما لا يقابلك وأنت تقرأ الشعر، ربما يقابلك قليلًا في بحور المجزوء كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وثانيًا: الأصل في الوافر هو "مفاعلتن"، وكما قال عبد الله الطيب يأتي العصب لكسر الرتابة، فلماذا تعمم؟ ليس الأصل أن تعمم؛ إذا أردت نغمة الوافر "مفاعلتن" فالأصل أن تأتي "مفاعلتن" بتحريك الخامس وليس بتسكينه، وإلا صارت "مفاعيلن" وصارت بحرًا آخر.
إذاً، لو جئنا بنص، تعالوا الآن مثلاً نقرأ نصًا لعمر بن أبي ربيعة نكتشفه، نختبره، نرى هل هذا من الهزج أم من مجزوء الوافر؟ ولماذا؟ القصيدة الثامنة عشر بعد المئة في ديوانه، ها هي، انظر يقول: ألا حي التي قامت تتن تن تن تتن تن تن
أنا الآن لو قلت لك "مفاعيلن" أو لو قلت لك "مفاعلتن" ستعرف مسبقًا ماذا أريد، أنا لا أريدك أن تعرف ما رأيي في البحر أو الوزن، فلذلك أقول ينقذنا هنا "التنتنه" أو "الدندنة" (تتن تن تن تتن تن تن)، أما "مفاعيلن" على صورتها السالمة الصحيحة أو "مفاعلتن" على صورتها المزاحة، فـ: ألا حي التي قامت تحيينا .. ففاضت عبرة منها فكاد الدم عينا لئن شطت بها دار عنون بالهوى حينا .. لقد كنا نواتها وكانت لا تواتي فلا قرب لها يشفي وليس البعد يسلينا .. وقد شُوف الإبداع اللي عند ابن زيدون كله هنا، فلا قرب لكن مش وقته، مش موضوعنا. فلا قرب لها يشفي وليس البعد يسلينا .. وقد قالت لتربيها، ورجع القول ليعنينا: ألا يا ليت ما شعري وما قد كان يمنينا .. أموفي بالذي قال وما قد كان يعطينا؟ فقالت تربها ظني به أن سو فيجزي .. ويعصي قول من ينهى ومن يعذ له فينا كما نعصي إليه عند جد القنا هينا
هل وجدتم "تتن تن تن" واحدة؟ هل وجدتم "مفاعلتن" واحدة؟ ها! نعم. طيب، إذاً أخونا عبد الله الحماري يقول: إذاً هو الهزج. لا، لحظة، يأتي شخص ويقول: هو مجزوء الوافر. هو مجزوء الوافر؟ يعني أول شيء ذهبت إلى الوافر وجزأته، ثم عصبت كل تفعيلاته، ثم ارتكبت زحافًا نادرًا قليلًا في الوافر، وهو أنني حذفت السابع الساكن في "مفاعلتن" ويسمى النقص، يقال فيه التفعيلة منقوصة لأنه قد توالى النقصان عليها بحذف الساكن بعد تسكين الخامس، وهذا قليل.
طيب، لو قلنا الهزج، أي الأقرب؟ الهزج صورته الأصلية التي لم يجرِ إلا عليها هي الصورة التي يقولون إنها مجزوء، يعني الهزج لم يُعرف "مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن"، بل قالوا هو مجزوء بخلقته: "مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن". فهذا مخلوق هكذا، فإنت تذهب إلى الأصلي أم تذهب إلى بحر تقول جزأته من كذا ثم تفعيلته الأصلية "مفاعلتن"؟ فلم يخالفها، أما الأخرى في الوافر الأصلية في المجزوء، فبعد أن كان مجزوء تفعيلته ماذا؟ "مفاعلتن"، ولا تلتزم إلا في الضرب إذا جئت به معصوبًا في الوافر.
المجزوء، فأنت تقول هذا مجزوء والتزمت العصب في الجميع، وأتيت بزحام بعيد، أم تقول جئت بالهز على صورته غير المجزوء؟ هي هكذا مجزوء بطبيعتها، وتفعيلاته دون عصب؛ السالمة الصحيحة «مفاعلتن»، ثم فيه الكف وهو حذف السابع المتحرك من «مفاعلتن»، والسابع الساكن من «مفاعيلن»، وهذا مستحب فيه.
فهذا يرجح كون هذا البحر من الهزج وليس من مجزوء الوافر، كما قال بعض المحققين في تعليقه لمن التزم كتابه البحر في رأس القصيدة. فبعض نسخ ديوان عمر القديمة في أولها أن هذا من مجزوء الوافر، والصحيح إن شاء الله أنه من الهزج وليس من مجزوء الوافر؛ واجب عندكم راجعوا في ذلك القصيدة التي هي الثانية في ديوان الحماسة: «عفونا عن بني ذهل وقلنا .. القوم إخوان عفى الأيام أن يرجعن قوماً كالذي كانوا»
هذه كذلك من الهزج. وبمناسبة الدكتور عبد الله الطيب، يرى أن الهزج منسول من الوافر؛ لماذا؟ التزمت العصب، خلاص التزمت العصب فيه. لا أريد أن أفرع في هذا الآن، لكن لشدة الشبه ولأن ما يأتي في الهزج بعض صور مجزوء الوافر، قال إنه منسول منه، يراه منه في الحقيقة وليس بحراً مستقلاً، كأنه مجزوء الوافر التزموا فيه أشياء معينة واستكثروا فيه من هذا الكف أو حذف السابع.
إذا كان الهزج من الوافر، فهو أن تنقص من التفعيلة هذا السابع الساكن بعد أن تجعلها «مفاعلتن». بهذا يا إخوة يكون الوافر له ثلاثة أنماط أو أشكال: الوافر التام، وهذا سهل؛ ستة أجزاء، مقطوع العروض والضرب. ومقطوف العروض والضرب، ستة أجزاء، مقطوف العروض والضرب، يعني كما قالوا «مفاعلتن» صارت «مفاعلن» أو «فعولن».
بعد ذلك عندك الوافر المجزوء، يكون صحيح الضرب سالماً، وعندك الوافر الذي يكون معصوب الضرب، وهذا زحاف له حكم العلة، ولهذا قالوا إن الوافر المجزوء ينقسم إلى صورتين: إلى صحيح الضرب سالماً، وإلى معصوب الضرب بزحاف له حكم العلة. وهذا الثاني هو الذي يشتبه مع الهزج ويطابق في كثير من الأحيان كما رأينا.
السؤال الآن: لماذا جرى العصب هنا مجرى العلة؟ يا إخوة قضية زحاف يلزم وعلة لا تلزم، هذه مصطلحات توضع على التغليب. الفكرة في الأخير هي فكرة الإيقاع؛ سترون «مفاعلتن» لما صارت هي الضرب، وصارت هي العروض، ووقصر البحر أخذت حكم الحشو، تقول «مفاعلتن مفاعلتن»، لا إشكال. المشكلة الكبرى عندنا هي في الضرب موضع القافية.
ولهذا إجمالاً في الشعر سترون سلامة العروض والقافية من الوجوه التي بها يحصل خلل وضوضاء. سترون بعض الزحافات تحصل، ولكن تراها في أول التفعيلة لا في آخرها، وترى الزحافات التي تأخذ حكم العلة وتصير لازمة ستراها تقع وتؤثر في الصوت وتقترب من القافية. فأنت تحتاج في القافية إلى أحكام بخلاف الحشو؛ قلت لكم في الأول إن هناك فرقاً بين الحشو وبين العروض والقافية لشدة أثر العروض والقافية في الإيقاع فتعلقت بهما أحكام.
فأنت في القافية تأتي بقفل، هذا القفل لا يجوز أن يحصل فيه تغير أو تراوح بين صور مختلفة يؤدي إلى عدم الوحدة في صوت البيت؛ فلو قلت مرة «مفاعلتن» ومرة «مفاعلتن»، اختل الصوت الذي هو هنا في مجزوء الوافر في موضع القافية. لكن لماذا جاز لك في التام؟ لأن عندك قفلاً متحداً وهو «فعولن» في العروض والقافية على طول القصيدة.
وأنبه أن «مفاعلتن» يقال فيها صحيحة، لأن الصحيح هو الذي خلا من العلة، لكن يقال فيها كذلك غير سالمة لأنها مزاحفة؛ ففرق بين الصحيح والسالم؛ الصحيح الذي خلا من العلة، والسالم الذي خلا من الزحاف. فإذا قلت «مفاعلتن» هذه صحيحة سالمة، وإذا قلت «مفاعلن» هذه صحيحة ليست سالمة، يعني لو جئت في مجزوء الوافر في العروض وقلت «مفاعلن»، هذه عروض صحيحة ولكن غير سالمة بل مزاحفة بالعصب.
بعد ذلك يا إخوة عندنا في الوافر بعض الزحافات أجلت الكلام فيها، وهي زحافات أكثرها غريب، وتشهد أشعار العرب أو يشهد واقع شعر العرب بنبوغه في الجمّ عن شعر العرب، وأنها يؤتى بها في بعض الصور كالصور المجزوء كما سنرى عند عمر. أنا لا أستحضر الآن مجيئها إلا في المجزوء عند عمر بن أبي ربيعة، هذا ما أستحضره، ربما مرت بي أو في أشعار أحفظها ولا أذكر.
تكلموا في زحاف الوافر عن شيء يسمى «الخرم»، وسيتم عنه في الطويل كذلك، وهو حذف أول متحرك من الوتد المجموع في أول البيت. تتذكرون لما قلنا الزحاف تغير يلحق ثواني الأسباب؟ ترون الخرم هنا يلحق الأوتاد، والوتد له مكان وجلالة في المقاطع العروضية العربية. هذا الخرم الذي هو حذف أول متحرك من الوتد المجموع في أول البيت، والدكتور عبد الله الطيب يقول إن في الغالب يكون هذا المتحرك واو العطف؛ فـ«مفاعلتن» التي تأتي في أول البيت، هذا الصحيح السالم، تصبح «فاعلتن»، وهذا يسمى «الأعجم»؛ لأن ذهب أحد قرنيه.
هذا الخرم الذي دخل على «مفاعلتن»، ماذا لو كانت أول تفعيلة مزاحفة بالعصب؟ يعني كانت «مفاعلتن»، فإذا خرموا «مفاعلتن» المعصوبة في أول البيت، جاءت «فاعلتن»، وسموا ذلك «الأقزم»، تشبيهاً بمن انكسرت سنته من نصفها لسقوط أول التفعيلة وذهاب حركة الوسط.
وتكلم كذلك في «مفاعلتن» المعصوبة بحذف الخامس، لتصير «مفاعلن»؛ هي أصلاً معصوبة «مفاعلن»، حذفوا الخامس فتصير «مفاعلن»، وسموا ذلك «العقل». هذه «مفاعلن» المعقولة إذا جاءت في أول بيت، يعني هي أصلها تخيل أن عصبوا أول تفعيلة في البيت صارت «مفاعلتن»، فحذف الخامس، وأصل «مفاعلتن» تقابل في الطويل وفي الهزج «مفاعيلن»، فتقبض «مفاعيلن» فتصير «مفاعلن»، فكذلك فعلوا هنا في «مفاعلتن» حذفوا اللام فصارت «مفاعلن»، عصبوا أبوها ثم حذفوا الخامس، ثم جاءت في الأول وخرمها فقالوا هذا «الأجم»، صارت «فاعلتن»، ورحم الله عبد الله.
الذي قال إنهم أتوا بالعصب لكسر الرتابة، فكسروا القرون بمفاهيم فاعلة ودخلها الخرم، فصارت أجمّ وصارت فاعلة، صارت في الأخير فاعلة؛ كسروا القرون جميعًا لأن الأجم هو الذي ذهب قرناه جميعًا. وتكلموا كذلك في مفاعلة المعصوبة هذه التي تكلمنا عليها ونحن نتكلم عن الهزج، تكلموا في مفاعلة المعصوبة بحذف السابع فتصير مفاعلة تقابل مفاعيل في الهزج، وفي الطويل، خلاص، وهذا سموه المنقوص.
أين نجده؟ أظن في نفس القصيدة التي قرأناها مثالًا للثاني من الوافر المجزوء، القصيدة 104 عند عمر بن أبي ربيعة؛ انظر القصيدة الرابعة بعد المئة، في البيت الخامس عشر. هذا المنقوص إذاً هو مفاعلة، خلاص، مفاعلة معصوب، مفاعلة كـ مفاعيل معصوب بحذف السابع الذي هو الكف في مفاعيل، خلاص، وهنا سموه النقص، وصارت التفعيلة منقوصة عند عمر.
يقول: «زويت العرفونا». زويت العرفونا؛ هذا من مجزوء الوافر كما عرفنا، زوي لأنه أتى مفاعلة في بعض التفعيلات، فليس من الهزج. زويت العرفونا؛ فونا مفاعلتن. هذا وجدته عند عمر بن أبي ربيعة وسماه بالمنقوص، النقصان عليه بحذف السابع بعد تسكين الخامس؛ يعني سكنوا الخامس بالعصب ثم حذفوا السابع فصار مفاعلة.
طيب، هذه مفاعلة التي عُصبت ثم نقصت، مفاعلتن، خُرمت فصارت فاعلة، وهذا يسمى المعقوص أو الأعقد. هذه الزحافات ظاهرة كثيرة في الشعر التام العالي المعتبر، وقد أهملتها بعض مصنفات العروض، لكن ينبغي أن نعرفها طبعًا، وقد وجدناها عند عمر بن أبي ربيعة مثلاً. عندكم مفاعلة المعصوبة التي حذف خامسها فصارت مفاعلا، هذه موجودة في نفس القصيدة عند عمر في البيت التاسع؛ قال: «ولم يجا زنا بالود أحفـا بي ولم يكـمي ها». أصلها ماذا؟ مفاعلة، حذفوا اللام فصارت مفاعلا. «يجا ولم يجا زنا بالود مفاعلة ها»؛ فتجدون عند عمر، وتلاحظون أنها وقعت في بحور مجزوء، فهذه إشارات أنتم لا تجدونها كثيرًا. هل بعضكم قابلها كثيرًا في قراءته للشعر؟ هل قابلتم هذه الزحافات كثيرًا: الخرم والنقص والعق؟ هذه التي لم تذكرها كل كتب العروض، هل قابلتم كثيرًا؟
عقيل، لازم يأتي بجواب الحكيم، يجيب عن سؤال آخر. نعم، طيب، فهذا كله كما قلت مما تجاهلته بعض كتب العروض، أو كثير منها، لندرته ونبو المشاهد من الشعر عنه، خلاص، ولا أنصح بتجريب ذلك إلا إذا فُرض عليك فرضًا من جهة حاجة الشعر والمعنى أن تأتي بمثل ذلك، وربما لا يرتكبه بعضكم على طول حياته أصلًا.
نأتي الآن أخيرًا إلى الكلام على طبيعة هذا البحر ونغمه. ذكرت في الأول أن لحازم القرطاجني، وللدكتور عبد الله الطيب، كلامًا في هذا البحر. أما حازم القرطاجني فله كلام مفيد دقيق حول توسط هذا البحر بين البحور الطويلة والبحور القصيرة، وكيف أن هذا يجعل شعر الشاعر القوي رفيعًا إذا جاء على الوافر، ويجعل شعر الشاعر الضعيف أحسن إذا جاء على هذا البحر، كذلك يحسن من الضعيف، ويجعل شعر الشاعر القوي أقوى؛ لأنه بحر متوسط.
نقرأ كلام القرطاجني، لأنه ثمين في الحقيقة، وهو ذكره في معرض إثبات أن لهذه البحور تأثيرًا في شخصية الشعر ومعاني الشعر، هذا في الصفحة 242 من كتاب «منهاج البلغاء» في الطبعة الثانية أو الأخيرة الجديدة التي هي ضمن الأعمال الكاملة. يقول القرطاجني: «ومما يبين لك أن لكل وزن منها، ويجعل لكل وزن في طبع، علاقة بين الأوزان وبين أنماط الانفعال، يصير نمط الكلام مائلًا إليه؛ أن الشاعر القوي المتين الكلام إذا صنع شعرًا على الوافر اعتدل كلامه وزال عنه ما يوجد فيه مع غيره من الأعاريب القوية».
ثم يقول: «واعتبر ذلك بأبي العلاء المعري، فإنه إذا سلك الطويل توع في كثير من نظمه حتى يتمغط، وإذا سلك الوافر اعتدل كلامه وزال عنه التوع، وما شئت أن تجد شاعرًا إذا قال في المديد والرمل ضعف كلامه وانحط عن طبقته، في الوافر كان حططها في الوافر عن الطويل إلا وجد». فهذا يدلك على صحة ما ذكرت. يقول: «فأما الضعفاء فكلامهم في الوافر وما أشبهه من الأعاريب المتوسطة أقل قبحًا».
الأعاريب يا إخوة عن البحور عند القرطاجني ليست العروض وليست التفاعيل، الأعاريب عند القرطاجني هي البحور؛ يقول: الطويل والوافر والبسيط والكامل والهزج، وهذه تسمى الأعاريب، هذا اصطلاحه. «فأما الأعاريب الطويلة التي تفضل عن المعاني، فيعبر فيها بركا الحشو وقبح التذييل وتخاذل بعض أجزاء الكلام عن بعض لطوله، وأما الأعاريب القصيرة التي تفضل المعاني عنها، فيضطرون فيها إلى التكلف والحذف المخل». ما هو الضعيف؟ لا يستطيع أن يمد الكلام، ولا يستطيع أن يحذف؛ التوسط حلو، الشاعر الضعيف لا يستطيع أن يمد الكلام لأن البحر واسع عليه كبحر الطويل والبسيط، والبحر الضيق جدًا لا يستطيع أيضًا لأنه يحتاج إلى مهارة الحذف والاختصار وهو لا يحسنها.
ثم يقول في الأخير: «فقد يجيء شعر الشاعر الأضعف في الأعاريب التي من شأنها أن يقوى فيها النظم، مساويًا لشعر الشاعر الأقوى في الأعاريب التي من شأنها أن يضعف فيها النظم، ليس ذلك إلا لشيء يرجع إلى الأعاريب لا إلى الشاعرين».
هذا كلام خطير، عقيل يقول مولانا بهذا الكلام: «فقد يجيء شعر الشاعر الأضعف في الأعاريب التي من شأنها أن يقوى فيها النظم -كالوافر- مساويًا لشعر الشاعر الأقوى في الأعاريب التي من شأنها أن يضعف فيها النظم». يعني الشاعر القوي إذا كبر عليه البحر جاء به فيه قوة، والشاعر الضعيف إذا عبّر بشعره عن طريق الوافر ربما ساوى الشاعر القوي إذا أضعفه البحر. يقول: «ليس ذلك شيء، أيوب سينقطع لـ الوافر، الوافر يجلجل الناس، يهزهم»، ليس ذلك إلا لشيء يرجع إلى الأعاريب لا إلى الشاعرين. كلام القرطاجني صريح: الأعاريب فقط، اختار بحرك بعناية، إياك أن ينافسك شاعر ضعيف فيرفعه البحر ويضعك البحر. ولذلك يا إخوة ستلاحظون أن المبتدئين...
يغترون بالبداية بهذا البحر، يحمل عنهم كثيراً من العناء، هو مجلجل وحده، وهو من أسباب بداية شرح هذا البحر. لكم الدكتور عبد الله الطيب -أخوه- له كلام جميل عن طبيعة هذا الإيقاع، وكان بعضه تفصيلاً لما قاله القرطاجني عن إغراء هذا الوزن وعن رفعه لمستوى الشعر.
انظر كلام الطيب هنا، كأنه فك لكلام القرطاجني هذا، ما نختم به في صفحة 332، يقول: «في الوافر تدفق». ثم يقول: «إلا أنه بعد هذا التدفق مفاعلتن مفاعلتن، إلا أن نغمه ينبت في آخر كل شطر كما قدمنا، وهذا الانبثاث عظيم جداً في نغمة الوافر، إذ يكسبها رنة قوية ليست في المتقارب». لأنه يرى أن الوافر أصله من المتقارب، لكن لا أدخلكم في هذه المتاهة الآن، هي مرحلة متقدمة إن شاء الله.
يقول: «إذ يكسبها رنة قوية ليست في المتقارب، وهذه النغمة القوية بالطبع تسلبه مزية الإطراب». هو ليس مطرباً إطراباً كاملاً، "مفاعل" لو قلت "مفاعلتن" انظر ترجمة ذلك إيقاعياً: "مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن"، ماذا حصل؟ اطمئنان وسلام زي الكامل. أما "متفاعلن متفاعلن متفاعلن" فهي أمواج البحر تمشي هكذا. أنا قلت لكم رأيي لماذا سمي بحر أمواجه هكذا: سالمة وجميلة وآمنة ويشبه بعضها بعضاً.
لكن بحر الوافر يفاجئك، كما نقول يجذب انتباهك، يفاجئك، يصدمك: "متفاعل مفاعلتن مفاعلتن"، أنت تتوقع "مفاعلتن" لا، "مفاعلتن" ماذا حصل؟ ثم يأتي الشطر الثاني مثله. تدفق، وإيه وكبح جماح، تدفق وقطع، تدفق وقطع، انبثاث.
سماه "إر"، وهذا الانبثاث عظيم جداً في نغمة الوافر، إذ يكسبها رنة قوية ليست في المتقارب. وهذه النغمة القوية بالطبع تسلبه مزية الإطراب الخالص الذي في المتقارب: "فعولن فعولن فعولن فعولن"، ولكنها تعوضه تعويضاً عظيماً عن هذا النقص بأنها ترشحه للأداء العاطفي، سواء أكان ذلك في الغضب الثائر والحماسة، أم في الرقة الغزلية والحنين.
تصعد ثم تفاجئني، تصعد ثم تفاجئني، تنبت. وإن نبض الوافر الذي يحدث في كل شطر خاصة غريبة، وهي أن عجزه سريع اللحاق بصدره. أفهم لماذا يصلح خطابياً؟ يقول: «وهي أن عجزه آخره سريع اللحاق بصدره»، الضرب سريع اللحاق بالعروض.
أخونا محمد الحميري له تعليقات في هذا، وأنا أعترف أنها جميلة وهو يفكر، يقول: «لذلك لم يكتب امرؤ القيس على الوافر». نعم، لأن امرأ القيس عنده طاقة شعرية إذا أراد أن يقول قصيدة طويلة جيدة، طاقته الشعرية ليست خطابية تفصيلية، ولهذا يأتي له بحر الطويل يستوعبه. تعليقاتك جيدة يا محمد.
يقول: «والانبثاث الذي يحدث في كل شطر خاصة غريبة، وهي أن عجزه سريع اللحاق بصدره، حتى إن السامع لا يكاد يفرغ من سماع الصدر حتى يهجم عليه العجز». مثل: «ألا هبي بصحنك فاصبحي ... ولا تبقي خمور الأندرين». لا، بل الشاعر نفسه أثناء النظم فيما أرجح يشعر بهجوم العجز والقافية بمجرد فراغه من الصدر، وربما سبق عجز البيت صدره إلى نفسه. رأيت الكلام؟ وأنت تصنع الوافر تشعر هذا التدفق الذي يجعلك رغماً عنك.
الدكتور عبد الله الطيب هنا كان ذا ذوق رفيع في التحليل. كذلك، لماذا يقول لك: «أنا أظن أن الشاعر وهو يستحضر نغمة الوزن ويستحضر الكلام، ربما يعرف العجز قبل الحشو، أو قبل ما يسبقه يعرف آخر الكلام»؟ وهذا يقودك إلى شيء آخر، وهو أن هذا الشعر قد يكون من المباشر السريع الخطابي.
«أبا هند فلا تعجل علينا، أنت أصلاً حتى في الشرح لن يمكنك أن تقف على التفاصيل، أبا هند فلا تعجل علينا، وأنظرنا نخبرك اليقين». شرط مشروط على طول، أو أمر وجوابه كما قال الفراء في ذلك: «وأنظرنا نخبرك اليقين، بأن نورد الرايات ونصدرهن حمراً، قد روينا وأيام لنا بيض، طوال عصينا الملك فيها الدنا».
بحر لا يتسع لمثل هذا، فصرنا إلى الحسنى، ورق كلامنا ورد، فذلت صعبة، أي إذلالي، جمل اعتراضية في الوسط. وكذا، لما يقول: «تنورتها من أذرعات، وأهلها بيثرب أدنى دارها، نظرت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان، تشب لكفال». نظرت إليها، ثم يقطع "نظرت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان"، ثم قال "تشب لكفال"، وهي في منتصف اعتراض، خلاص، يقول: "نظرت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان"، "تشب لكفال" ليس نعتاً لمصابيح الرهبان، وإنما هو حال من النجوم في "نظرت إليها".
هذا بحر الطويل يتحمل هذا، لا يتحمل. انظر اللفتة الرائعة هنا، يقول: «في بحر الوافر... لأوضح لك كلامي هذا بمثال». تخيل أن شاعراً أراد أن يجعل كلام بشار: «إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازمة، ولا تجعل الشورى عليك غضاضة، فريح الخوافي قوة للقوادم، وقتل إذا لم تعطى إلا ظلامه، شب الحرب خير من قبول المظالم»، تخيل أن شاعراً أراد أن يجعل كلام بشار هذا في بحر الوافر، ألا أحسب أن ذلك لن يتأتى له إلا بمضاعفة عدد الأبيات؟ ثم هو لن يقدر بعد ذلك على أن يوجد فيها هذا النفس الرزين الهادئ الذي في طويل بشار.
وحقيقة الأمر أن الوافر بحر مسرع النغمات، متلاحق مع وقفات قوية سرعان ما يتبعها إسراع وتلاحق، النغمة سريعة وبتر سريع وبتر. وهذا يتطلب من الشاعر أن يأتي بمعانيه دفعاً دفعاً، كأنه يخرجها من مضخة، لا في انثيال كما يفعل صاحب المتقارب، ولا في رشاقة ورقص كما يفعل صاحب الكامل.
ولهذا فإنك أكثر ما تجد الوافر في نظم الشعراء ذا أساليب تغلب عليها الخطابة. لا فرق في ذلك بين رقاق التراث وفخامتها، هكذا جاء هنا، لم يقل وفخامتها، والخطابة في الوافر جلي فيها عنصر التكرار والموازنة والمطابقة، وحملها الصدر على العجز، والإضراب عن الشيء إلى سواه، أي ظاهر فيها أو جلي فيها، والإضراب عن الشيء إلى سواه وعرض جوانب مختلفة من المعنى الواحد يتبع بعضها بعضاً. وأحسن ما يصلح هذا البحر في الاستعطاف والبكائيات، وإظهار الغضب في معرض الهجاء، والفخر والتفخيم في معرض المدح.
ورأيت له في صفحة 334 يقول: «ولا يجد الشاعر متنفساً من سرعة الوزن ليخلص إلى معنى آخر». ويقول في صفحة 341: «وإتيان بأبيات كاملة مصمتة التركيب، لا تستطيع أن تبدأ بأولها ثم تقف في جزء منها بدون أن تخل بنظام الكلام، ولا تكاد تملك إلا أن تندفع فيها إلى الآخر، كأنما أرادك الشاعر لتنشدها مسرعاً في نفس واحد». طبيعة الإنشاد.
في بحر الوافر، طبعاً، تقتطع العبارات من أجزاء الفقر. طبيعة الإنشاد في بحر الوافر؛ في صفحة 347 يقول: "والوافر لخفته وسرعته وقوته، من أصلح بحور الشعر العربي للقطع".
إذ القطعة تتطلب من الشاعر أن يحصر نفسه في غرض واحد، وأن ينفق كل ما عنده من بلاغة وحذق في أدائها. الوافر قطعه؛ خمسة أبيات، ستة أبيات، ثلاثة أبيات، قطعة واحدة في غرض واحد، موقف واحد سريع ينشدها، هو صالح لهذا.
وفي صفحة 349 يقول: "ومن خير ما يستشهد به في التدليل على طبيعة النغم الوافر، شعر ابن أبي ربيعة الذي جاء في هذا الوزن". ويقول: "وإنك إذ تقرأ وافري ابن أبي ربيعة، تَلْفِيهِ يخالف فيه مذهبه المعهود كل المخالفة، حتى إنك لتلتمس شخصه الذي تعرف فلا توشك أن تلم به".
يقول هنا: فقد ثبت عندك أيها القارئ، وعند أكثر النقاد، أن ابن أبي ربيعة ينهج نهج الحوار في الشعر، ويصطنع المغازلة والمشاغبة، وهذا نهج تناسبه الأبحر القصار، ولا يكاد يصلح له الوافر لما فيه من إسراع وتدفع وخطابة وإنشاء. "وإنك إذ تقرأ وافري ابن أبي ربيعة تَلْفِيهِ يخالف فيها مذهبه" إلى آخره.
ويقول في 351: "الوافر من الأوزان الخصبة، إذ لم يخلُ من نظم حسن، حتى في العصور المظلمة التي تلت سقوط بغداد، والمعاصرون يتعاطونه كثيراً، ومنهم من ينسون أن له حقوقاً عليهم، أهمها تجويد الأداء وإعطاء التفعيلات نصيبها الوافي مما يلائمها من الألفاظ، فيوقع هذا النسيان في الأوابد".
ويقول أخيراً في صفحة 353: "ومن المجيدين في الوافر من شعراء العصر المرحوم شوقي، على أن الوافر لم يكن بواديه الطبيعي، وإنما كان يعتسف اعتسافاً".
أنتم ترون الآن بوصفكم شعراء، لن تختاروا بحر الوافر في الجيد الذي تفصل فيه، وإنما تختاره للجيد الذي تخطب به القصائد الجمهورية، وليست القصائد التي تفصل وتعمق ونجلس عليها جلوس النقاد والشعراء.
تأمل رأي المهلهل في ابن ربيعة وما فيها من تدفق مع الجودة، وتأمل نونية المثقب العبدي على جودتها أيضاً؛ ترى هذه الأشعار على الوافر خطابية هتافية، معانيها مباشرة سريعة متلاحقة. حتى لو أجاد فيها الجاهليون، مهما كان البحر، فله سلطان، فترى أنك مهما شرحت فيها لا يمكنك أن تشرح طويلاً كما تشرح في طويلي امرئ القيس أو غيره ممن أجاد في الطويل.
فهذا البحر جائز لما اصطلحت عليه معكم بالقصائد الجمهورية، وهي باختصار شديد التي تقترب من الجمهور، ولا تخرج عن حد الإجادة والجواز في حق شاعر محترم يحترم نفسه وشعره؛ فلا تخرج عن الجودة ولكن لا تعلو فوق الجمهور. وأما الأشعار التي تجيدون فيها تماماً، فهذه ستخرج رغماً عنكم عن الجماهير، وانتظر فيها كلام النقاد، لا تفعلوا ذلك يا ماهر.
وشكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد