بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، انتهينا بحمد الله تعالى وتوفيقه وإنعامه من دراسة بحر الوافر، ومادة بحر الوافر والمجلس في بحر الوافر طال منا جداً، ولذلك قسمنا الكلام في بحر الوافر إلى محاضرتين: محاضرة عن الوافر التام، ومحاضرة عن الوافر المجزوء وما يلحق ذلك من توابع الدراسة.
وعلى هذا نكون قد قضينا خمس محاضرات، أتممنا في آخرها في الخامسة منها الكلام في بحر الوافر، فهذه هي المحاضرة السادسة والتي نلج فيها إن شاء الله تعالى إلى عالم الكامل؛ عالم بحر الكامل. بحر الكامل بحر مطرب، مدندن، مجلجل، إيقاعه له حظ ظاهر من المعنى.
وإنما أقول حظ ظاهر، لأنني لو قلت له حظ من المعنى لم أضف شيئاً، سيكون الكلام صحيحاً، لكن لم أضف شيئاً لأن كل بحر له حظ من المعنى؛ لأن المكون الشعري أو عناصر الشعر يتماهى فيها الإيقاع مع المعاني، مع التراكيب، مع الدلالات، مع الاشتقاقات، مع هيئة القوافي، مع صوت الروي، حرف الروي، مع إعراب الروي، هذه الحزمة الشعرية المعقدة التي جعلت الشعر أصعب الفنون، فهذا يتماهى.
فلم أضف شيئاً لو قلت إن إيقاع الكامل له حظ في المعنى، كل بحر كل وزن له حظ في المعنى، لكن أقول له حظ ظاهر في المعنى، يعني دندنة، جلجلة، طرب؛ كل ذلك ظاهر في المعنى. لأن هناك بحراً آخر مثلاً كبحر الطويل، هادئ في المعنى، له حظ عظيم في المعنى، ولكن ظهوره ليس قوياً، بحر خافت، ولهذا هو بحر فاضح، وكلما جَلْجَلَ البحر سهل عليك، وأخذ منك مساحة، أو وفر عليك مساحة من التأثير والإنهاء وهز النفوس، بخلاف البحر الهادئ الذي تتوارى الوظيفة الظاهرة لإيقاعه كبحر العروض، فيظهر هنا احترافك، وتظهر هنا قريحتك في إظهارك أو في مزج هذا الإيقاع بالمعاني ليكون ذلك شيئاً واحداً.
وكلما قصرت البحور واجتزت أو نقصت عن هيئتها الأولى وصارت تعتمد على الصوت والطريقة، كلما سهلت هذه البحور، إلا إذا أردت أن تظهر قريحتك الشعرية، وأن تظهر تمكنك في هذه البحور، فتكبرت المعنوية، وأن تظهر فيها التركيب، وأن تجعل وظيفة العروض ليست ظاهرة كل الظهور، وهذا يتعذر في كثير من هذه البحور.
بحر كما قلت مجلجل مدندن: عفت الديار محلها بمن امت بد غولها فرجامها فما دافع الريان عرري رسمها فلقا كما ضم الوحي سلامها. متفاعل متفاعل متفاعل.
هل غادر الشعراء من مت دمي أم هل عرفت الدار بعد توهمي؟ أعياك رسم الدار لم يتكلم حتى تكلم كال أصم الأعجمي.
اليلتنا بذي حسم أنيري إذا أنت إن قضيت فلا تحوري.
لاحظتم اختلاف الجنسية والهوية والشخصية للبيت والطبع أو الطبيعة؟ لاحظتم كيف أن الوافر يتصاعد، وكيف أن الكامل يهبط وينزل؟ انقلبت القضية، ولاحظت كيف أن تدفق الكامل قد تم له، وكيف أن تدفق الوافر قد انبت بتعبير عبد الله الطيب.
طال الثواء على رسوم المنزل، بين الكيك وبين الذ حلملي، اليلتنا بذي حسم أنيري إذا أنت إن قضيت فلا تحوري.
عرفتم لماذا قالوا في الوافر: «حلو في الخطابة»؟ يعني مما من أبوابه الرئيسة الخطابة. عرفتم لماذا؟ لأن الخطابة تحتاج إلى هذه الصدمات النفسية، حتى لو تبكي بالوافر. اسمعوا البكاء في الأول، رأينا المهلهل: «اليلتنا بذي حسم أنيري إذا أنت إن قضيت فلا تحوري، فإن يكب ذنا أبط لليلي فقد أبكي من الليل القصير، وأنقذني بياض الصبح منها، لقد أنقذت من شر كبير، كان كواكب الجوزاء عوذ معطفه على ربع كثير».
ولهذا لما انتقل إلى الجزء الذي فيه خطاب، المهلهل نفع معه بعض بحر الوافر، لما قال: «وإني قد في نفس القصيدة، وإني قد تركت بواردات بجيرا في دم مثل العبير ينوء بصدره والرمح»، هل سيقول أيضاً مفاعلة؟ لا، مفاعله ينوء بصدره والرمح فيه ويخرجه خدب كالبعير. حصل انبت؛ فلذلك صلح للخطابة، أما الطرب والجلجلان والدندنة.
وعندنا وقفة في الآخر إن شاء الله في الكلام على طبع الكامل، من كلام فقهاء الإيقاع: بحر الكامل سمي كاملاً لتكامل حركاته، لأن في كل بحر ثلاثين حركة، ولا يوجد بحر غيره كذلك، لا يوجد بحر في كل بحر ثلاثين حركة.
الوافر سمي وافراً لوفرة حركاته دون تكاملها، فالكمال فوق الوفرة. ولولا القطف الذي وقع في الوافر، لما جاز لنا أن نخص هذا البحر الذي ندرسه اليوم باسم الكامل، لأن الوافر حينئذ سيكون مثله. ما الذي قصر بالوافر عن بحر الكامل؟ ما الذي حصل في تفعيلة الوافر؟ الصوت واضح يا إخوة؛ القطف، أحسنت يا فاطمة، أحسنت، القطف. حذف كم حركة؟ من مفاعلتن إلى مفاعلن، من مفاعلتن إلى مفاعلن.
مفاعل حذف من التفعيل الواحدة كم حركة؟ أحسنت، حركتان. أحسنت، حركتان. حركتان في العروض وحركتان في الضرب.
سأرى الوافر التام هنا بدون قطع، بالنظر عن الزحافات، صار ماذا؟ صار ستًا واثنتين حركتين، صار 26 حركة. والكامل كم؟ 30 حركة. كيف 30 حركة؟ كثيرة جدًا. تعال نحسبها، تعال نحسبها. متفاعل عندك سبع أشياء، سبع أجزاء، منهم كم حركة؟ متفاعل كم حركة في التفعيلة الواحدة؟ ها، كم حركة في التفعيلة الواحدة؟ متفا- ت ت ت- ع ل، كم حركة في التفعيلة الواحدة؟ ستة، يعني في سكون واحد. متفاعل، متفاعل، كم حركة في التفعيلة؟ خمسة. بالضبط، أحسنتم، خمس حركات في التفعيلة الواحدة.
والبحر فيه كم تفعيلة؟ بحر سداسي، فيه ثلاث وثلاث في كل شطر. وبحر الكامل لم يدخله ما دخل الوافر، فاضرب 5 في 6 بـ 30، 5 في 6 بـ 30، ولهذا سمي بالكامل. ولولا الذي دخل على الوافر من القطف الذي أسقط منه حركتين من تفعيلته العروض وتفعيلة الضرب، لكان أيضًا 30، وما جاز أن نسمي الكامل بالكامل تخصيصًا له.
ولكن سموا الوافر وافرًا، لماذا؟ لوفرة حركاته، يعني لكثرة حركاته ولكنها لم تكمل. وسموا الكامل كاملًا لتكامل حركاته بعد وفره، فالتكامل فوق الوفرة، فكان الكامل 30 حركة وسمي بالكامل.
نأتي الآن إلى تفعيلة الكامل، نحن عرفنا تفعيلة الوافر أنها مفاعلتن بسرعة في لحظة، هكذا مراجعة على التفعيلات؛ قلنا فعول، تعكسها تقرأها في الأجزاء بالعكس: فاعل، فعول، فعول، فاعل. وعندك مفاعلتن، إذا عكستها قرأتها: متفاعل. وعندك مفاعيلن، إذا عكستها تصير مستفعلن. ثم عندك فاعلاتن ومفعولات. هذه التفعيلات الثمان التي تتكون منها كل البحور، وما يخرج عن هذه الهيئات هو أحوال تتعرض لأحكام الزحافات والعلل تطرأ على هذه التفعيلات الأساسية.
تعالوا الآن نثمر معرفتنا بتفعيلة الكامل من خلال تفعيلة الوافر، نستخرج تفعيلة الكامل من خلال معرفتنا بتفعيلة الوافر، فنعرف بذلك هيئتها وزحافاتها. تفعيلة الوافر كانت ماذا؟ مفاعلتن، وتد مجموع وفاصلة صغرى. أقول لك السر: اعكسها فقط، لا تعكسها بطريقة البديعيين التافهين تقرأ "لا كما بك الفرس"؛ لا، هذا لا نريده، ولكن اعكسها عن طريق الوحدات التي هي الأسباب والأوتاد والفواصل.
قلنا سبب ووتد مجموع وفاصلة صغرى: مفاعلتن، ت تن تتن. اقرأ من الناحية الأخرى: فاصلة صغرى، وتد مجموع، ت تن تتن، تصير: متفاعل، متفاعل، متفاعل. هذه تفعيلاته.
نتعرف على الزحاف المستطاب في الكامل أيضًا من الوافر. تذكرون لما قلنا العصب، وهو تسكين الخامس المتحرك من مفاعلتن؟ هذا الخامس المتحرك هو المتحرك الأوسط من الفاصلة الصغرى التي قدمناها الآن، وهو المتحرك الثاني من الوتد من السبب الثقيل؛ لأننا قلنا نسهل كل فاصلة صغرى، لكن الحقيقة أنها سبب ثقيل حركتان، وسبب خفيف حركة وسكون.
الآن توجد مشكلة؟ واضح. نفس هذه الحركة الوسطى في الفاصلة الصغرى التي سكنتها وكانت خامسة في تفعيلة الوافر، سكنها في تفعيلة الكامل وسميها الإضمار. وحينما أتيت بالفاصلة الصغرى جعلتها في الأول، صار ترتيب هذه الحركة التي سكناها -وهي المتحرك الأوسط من الفاصلة الصغرى والمتحرك الثاني من السبب الثقيل- هي الثانية في التفعيلة. فهذا الذي هو تسكين المتحرك الثاني سموه بالإضمار.
لماذا قالوا مضمر؟ لماذا لم يقولوا عصب كآخره؟ سموه بالإضمار تشبيهًا له بالاسم المضمر في العربية، لأنك يجوز لك أن تضمره أحيانًا وأنت تظهره أحيانًا أخرى، شبهوه بالاسم المضمر في العربية هو موجود مرة مضمر ومرة يظهر، بما أنك مرة تسكنه ومرة تحركه. وستقول: ما العصب كذلك؟ صحيح، لكن بما أنه وقع في آخر التفعيلة شبهوه بربط الشيء في الآخر فهو عصب. فانتهينا.
في الحقيقة، عندك الآن العصب في تفعيلة الوافر يناظره الإضمار في تفعيلة الكامل، كلاهما تسكين ثاني السبب الثقيل، أو لو عبرت بالفاصلة الصغرى اختصارًا، تسكين المتحرك الأوسط من الفاصلة الصغرى في التفعيلة. لهما تسكين ثاني السبب الثقيل. وقلنا الزحاف لأن الإضمار والعصب زحاف لا يلزمان، تأتي بهما وتتركهما، وهما زحفان مستطابان.
الزحاف هو تغيير يطرأ على ثواني الأسباب، وهذا التغيير في الحقيقة واحد؛ إذا نظرت إلى السبب، فالعصب في الوافر والإضمار في الكامل كلاهما تسكين ثاني السبب الثقيل، أو تسكين المتحرك الأوسط من الفاصلة الصغرى، فجاء الخامس في الترتيب في الوافر وجاء الثاني في الكامل بسبب مكان الفاصلة. فلا تعني نفسك كثيرًا بحفظ التعريف، وافهم لب الصورة. ولهذا البعض يقول اختصارًا للقاعدة: إن كل ثلاثة متحركات يمكنك أن تسكن الأوسط منها، إذا جئت بها في الوافر ستسميه العصب وتقول تسكين الخامس المتحرك، وإذا جئت بها في الكامل ستقول الإضمار وتقول تسكين الثاني المتحرك. افهم ثم احفظ، هذا يسهل عليك كثيرًا، فالفهم يسهل لك تجاوز المصطلح إلى حقيقة ما يحصل. لماذا هذه المتحركات الثلاث لما وقع متحرك في الأوسط جاز أن أفعل فيه شيئًا يغير الرتابة التي قد تطرأ على البحر أحيانًا؟ لماذا جاز هذا؟ رأينا عبد الله الطيب يقول هذا العصب يكسر الرتابة في الوافر، ولو التزمنا -ونفس الكلام يمكنك أن تقوله في الكامل- مع تغيير أشياء.
فهمتم؟ ننتقل إلى بيان جديد. الآن عرفنا تفعيلة الكامل "متفاعل" ونعرف كذلك زحافها المستطاب وهو الإضمار، تسكين الأوسط من الفاصلة، يعني تسكين الثاني المتحرك، فيصير "متفاعلن" مزاحفة. كلاهما تفعيلة صحيحة، ما كانت مزاحفة وما كانت غير مزاحفة، إنما يقال سالمة ومزاحفة، وكلاهما صحيح؛ لأن الصحيح يقابل ما دخلته العلة التي تلزم، هنا لم تدخلها العلة، التفعيلة سالمة دخلها الزحاف الذي يذهب ويجيء.
ننتقل إلى بيان جديد عن الكامل. درسنا لما درسنا الوافر وجدنا له صورة واحدة تامة، مقطوف العروض ومقطوف الضرب.
مقطوف، ضرب، مقطوف، مفاعلتن صارت مفاعل أو فعول. ولما انتقلنا إلى الوافر المجزوء، ركزوا في الكلام، أنا أعطيكم الآن أدوات لا أشرح لكم صورة البحر فقط، أعطيكم أدوات تفكرون بها في سائر البحور وتفهمون بها الفكرة.
لما انتقلنا إلى الوافر المجزوء وجدنا له صورتين، ووجدنا أن الصورتين إنما تختلفان بسبب ماذا؟ بسبب الضرب، ولم تختلفا بسبب الحشو، مع أن الحشو يقع فيه العصب ولكنه زحاف، والزحاف لا يلزم، يروح ويجيء، وتكون معه التفعيلة سالمة لا يتغير به البيت، وتأتي الأبيات المختلفة في القصيدة عادي؛ لأنه لا يلزم من الأصل، وإنما لما نتكلم على ما يلزم هنا تبدأ الاختلافات وتبدأ الوجوه في الافتراق، وما لا تلتزم في قصيدة ينبغي أن تلتزم إلى آخر القصيدة.
وهذا ما ينبغي أن تفهمه من الآن، وهو أنه تتعدد صور البحر الواحد باختلاف أحوال العروض والضرب بواسطة العلل، أو بواسطة الزحافات التي تجري مجرى العلل. مرة أخرى، وافهموا هذا: تتعدد صور البحر الواحد باختلاف أحوال العروض والضرب بواسطة ما الذي يحصل في العروض والضرب الذي به تتعدد الصور؟ لا بالزحافات، وإنما بالعلل، لا بالزحافات على أصلها، وإنما بالعلل وبالزحافات التي تجري مجرى العلل.
تذكرون لما دخل العصب في ضرب مجزوء الوافر، لزم؛ لما قلنا هذا العصب زحاف يجري مجرى العلة ويختل به الصوت لو أخطأ، بخلاف ما يقع في الحشو، ولهذا لما قصر البحر قالوا العروض مثل الحشو؛ هنا اعتبروه كأنه سطر واحد، فالعروض كالحشو، الزحاف زحاف العصب عادي في الوافر، لكن في آخر البيت لا، هناك مشكلة، الإيقاع سيختل. فإذن العربي الرهيف لم يقبل الزحاف الذي هو العصب في ضرب مجزوء الوافر؛ لأنهم وجدوا بالأذن أن هذا سيخل بالإيقاع الذي هو الغرض الأسمى.
ولهذا قلت لكم، لو تذكرون، لو قلنا إن العصب علة في مجزوء الوافر -بمعنى أن العلة ما لا يلزم- لم يكن خطأ. العصب مرة يأتي زحاف ومرة يأتي علة، فهو علة؛ يعني صفة تلزم إذا جاء في مجزوء الوافر، لكن قالوا الزحاف يجري مجرى العلة تسهيلاً؛ لأن الأغلب من حاله عدم اللزوم.
فصور البحر الواحد تتعدد لا بالزحافات التي على أصلها، وإنما تتعدد باختلاف أحوال العروض والضرب بواسطة العلل أو الزحافات التي تجري مجرى العلل في اللزوم. أما الحشو فلا تختلف به الأبيات؛ لأن الزحافات التي تقع به لا تلزم، وإنما تأتي العلل في الضرب والعروض، أو تأتي زحافات في أحوال معينة تجري مجرى العلة.
ومن ثم سنتخذ العروض أساساً؛ العروض يعني التفعيلة الثالثة أو التفعيلة الأخيرة في الشطر الأول التي تقابل الضرب، آخر تفعيلة في الشطر الثاني وفي البيت كله. سنتخذ هذه العروض أساساً في شرح صور الأبيات من البحر الواحد، فنقول له: عروضه هي كذا، ومعها ضرب هو كذا، وضرب هو كذا. فهذا تنظيم مجد متبع من جهة التعليم؛ لا يقول له مثلاً له عارضان وكذا وكذا من الأضرب، خلاص، فنقول مثلاً: هذه عروض في هذا البحر، له عروض أولى كذا ومعها ضرب كذا وضرب كذا، والثانية كذا ومعها كذا، مثلها أو مرفل أو مذل أو مقطوع أو محذوف أو مقبوض كما يأتي في الطويل.
وهذا كما قلت تنظيم مجد متبع من جهة التعليم، سهل ومفيد في فهم صور البحر نفسها وفلسفتها؛ لأن البحر بالفعل يقوم على وجود علاقة بين العروض والضرب من حيث الزيادة والنقص والقصان والأحوال المختلفة، كما سنرى اليوم إن شاء الله تعالى، إذا أدركنا في بحر الكامل التام.
وندخل الآن بعد هذا التقعيد وهذا البيان إلى بيان صور الكامل؛ لأننا لو جئت لك وقلت الكامل التام له صور كذا وكذا، له مثلاً خمس هيئات أو خمس صور، أنت كيف تحفظ كل هذا؟ العروض صعبة. سنقسم إن شاء الله، وأنبه إلى شيء: اتخذت العروض في بيان صور الأبحر، لكن التام وحده والمجزوء وحده. لماذا؟ لأنه جرت كتب العروض -ككتاب ابن جني مثلاً وكتاب الكافي للخطيب التبريزي- على أنهم يعدون العروض المجزوء عروضه؛ يعني مثلاً يقولون: نحن درسنا الوافر، الوافر له عروض مقطوفة، هم يقولون له عروض مقطوفة وعروض مجزوء، فيدخلون المجزوء في الصور. أرى أن الأسهل أن أقول لك: التام له أحوال، وهذا له أحوال، وإنما أنشئ علاقة العروض بالضرب في البحر التام استقلالاً، وفي البحر المجزوء استقلالاً، تيسيراً وتسهيلاً للتعليم ليس أكثر من ذلك. أنت لو حصلت كل هذا بالإيقاع والأذن الموسيقية كفاك إن شاء الله.
الكامل التام له عارضان: عروض صحيحة، وعروض حذاء. تعلمتم علة جديدة الآن، كنتم عرفتم علة اسمها في الوافر القطف، الآن تتعلمون علة جديدة وهي الحذ أو الحذف. والحذف في اللغة هو القطع، وفي الاصطلاح العروضي: حذف الوتد المجموع من آخر التفعيلة؛ الوتد المجموع كامل، حركة حركة سكون، كله يحذف، حذ قطع جره.
والعروض الأولى صحيحة، فالعروض الأولى لأنها صحيحة تأتي على متفاعلن، والعروض الثانية حذاء، يقال حذاء، وفي الضرب يقال أحذ. طيب، بعد أن صارت حذاء صارت ماذا؟ متفا. أين العلة؟ ما هي العلة التي تمثل الوتد المجموع كاملاً؟ حذف الوتد المجموع. يبقى العروض الأولى متفاعلن، والعروض الثانية حذاء متفا. وهذه نقلوها إلى فعل، وأنا لن أنقل كما قلت لكم، أريدها كما هي "متفا" حتى تعلم ما الذي حصل، لأنه لا حرمة في العروض لهذه التفعيلات أصلاً لمادة الفاء والعين واللام بكاملها.
أنت لو قلت متفاعل سنقول هذا خبر لمبتدأ محذوف أي هو متفاعل، ولو قلت متفاعلا ممكن يحصل شيء ولا يحصل شيء، فإنا لا أريد أن أنقلها إلى "فاعل" متفا، لأنها في الأخير تفعيلة، لن أنقلها هي كما هي "متفا" حتى أعلم ما الذي حصل، هذا أفيد في التعليم على الأقل في الأول.
وأنبه كالتفعيلة الصحيحة، يتساوى في هذا أن تقول متفاعلن أو أن تقول متفاعل بالإضمار. انتهينا من موضوع الإضمار، والإضمار يعني المزاحفة، وعدم السلامة لا يعني عدم الصحة، ما الذي وقع فيه عدم الصحة؟ العروض الحذاء؛ لأن ذلك يلزمها حذف وتد مجموع.
لم تغير ثواني الأسباب، حذفت وتدا مجموعا كاملا، ولزم في العروض إذا قلت أول بيت خلاص، إذا قلت أو بلاش، إذا التزمت أتت به في القصيدة. القصيدة قد يكون فيها نوع من الفن في العروض اسمه التصريع، قد يمر معنا إن شاء الله اليوم، لكن إذا جئت بالحذذ أو بالحذ في قصيدة، ألزمك أن تلتزم وأن تستمر إلى آخر القصيدة لأن هذه علة تلزم.
لكن لو قلت مرة «متفاعل» ومرة «متفاعل»، يعني تنن تن تن أو تن تن تتن أو متفاعل تنن، هذا يقال فيه تفعيلة صحيحة ولا إشكال، فخلاص انتهينا من موضوع الإضمار، هو كالعصب في الوافر، رايح جاي لا إشكال.
العروض الصحيحة الآن عندنا عروض صحيحة، يعني تفعيلة في الشطر الأول، وعروض حذاء تفعيلته في الشطر الأول. كيف صور الكامل مع هذه التفعيلة، العروض الحذاء والعروض الصحيحة؟ العروض الصحيحة يأتي معها ضرب صحيح، ويأتي معها ضرب مقطوع، ويأتي معها ضرب أحذ مضمر. لا تخف، واحدة واحدة.
قلنا عروض صحيحة «متفاعل»، يأتي معها ضرب في الأخير مثلها «متفاعل»، فتقول البحر هكذا: «متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل». طبعاً «متفاعل» و«متفاعل» رايحة جاية ما عندنا مشكلة، هي هي، خلاص انتهينا من الإضمار، زحاف حلو جميل.
وكيف أأتي به؟ ما الضابط الذي يجعلني أأتي به مرة وأتركه مرة؟ القانون الشرعي الفقهي للعروض يقول لك: لو تركته كله في كل القصيدة لا بأس، ولو أتيت به في كل القصيدة لا بأس، ولكن كيف يجود الكلام بذلك؟ هذا حديث في الشعر من حيث كونه شعرا، لا من حيث كونه عروضا وإيقاعا فقط. العروض يبين القانون فقط، أما الآخر فهذه لعبة الشاعر: متى يأتي ومتى يترك، هذا شيء آخر.
فأنت عندك «متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل»، عروض صحيحة وضرب صحيح. ويأتي معها مع العروض الصحيحة ضرب مقطوع. ما معنى القطع؟ القطع هو أن تحذف الساكنة من الوتد المجموع وأن تسكن ما قبله. إذا تعلمت القطع وتعلمت الحذ أو الحذذ، يقال حذ وحذف، وتعلمت القطع.
الآن ما القطع؟ أن تأتي أنت عندك التفعيلة، كيف هي؟ «متفاعل»، تن تن تتن، عندك في الأخير وتد مجموع، حركتان وسكون، احذف السكون وسكن الحركة التي قبلها. ممكن واحد يجي يقول زي حبيبنا محمد حسين بالأمس في نقاش آخر قال: حذفت متحرك، والله لو عرفتها كده براحتك، يعني بدل كيقا بوصفه إيقاعا بدل من تنن جعلتها تن، نويت في نفسك أن تحذف حركة، والله ما حدش هيقول لك حرام، ما حدش يقول لك غلط، شعورك أنت حر، لكن هكذا ضبطوها.
فهمت، أن تحذف الساكن في الوتد المجموع وأن تسكن ما قبله، يعني كأنك حذفت الساكن ولم تهدر حركته فسكنت ما قبله، زي النحو ما بيحصل أو في الصرف، خلاص حذفت وتركت علامة على المحذوف بأن سكنت الذي قبله. المهم أن تفهم ما حصل، فصارت التفعيلة «ت ت تن تن»، «متفاعل» كانت «متفاعلن»، حذفت النون الساكنة ونقلت سكونها على اللام، فحذفت ساكن الوتد المجموع وسكنت المتحرك الذي قبله فصارت «متفاعل».
إلى الآن توجد مشكلة في العروض المقطوع أو الضرب المقطوع؟ هل توجد مشكلة في الضرب المقطوع مع العروض الصحيحة؟ توجد مشكلة يا إخوة. يقول لا، لكن هل تقطع العروض أيضا؟ لا تقطع العروض، أكبر غلط لما قلت لك عروض صحيحة في الكامل التام. عروض صحيحة وعروض حذاء، إذا جاءت عروض صحيحة وعروض حذاء لو جئت بعروض مقطوعة غلط، لم تأتِ بما أتى به العرب.
الكامل جعلوا له عروضا صحيحة ومعها أضرب، وعروضا حذاء ومعها ضربان، وعروضا صحيحة ومعها ثلاثة أضرب، وعروضا حذاء ومعها ضربان، خمسة. إذا صار عندي الآن عروض صحيحة وضرب مقطوع، الذي هو «متفاعل»، فنغمت كذلك نغمته: «متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل». نأتي بالنغمتين في البحرين: «متفاعل، متفاعل» و«مفاعل»، يعني مرة ضرب صحيح يساوي العروض، ومرة ضرب مقطوع ينقص على العروض.
ويأتي معها ضرب أحذ مضمر، أنت خلاص عرفت ما هو الحذ، ستصير ماذا؟ «متفا». الحدث أن تحذف الوتد المجموع، وتأتي معك الآن في العروض أو في الضرب «متفا»، تن تن، وحذفت تتن، عل طيب. مع العروض الصحيحة يوجد ضرب أحذ فقط، لا أحذ مضمر، أحذ مضمر. طيب، أحذ عرفنا أنه معلول غير صحيح.
وهل الإضمار هنا يلزم؟ الإضمار هنا يلزم، ويكون زحافا يجري مجرى العلة. يعني الضرب إذا أتيت به مرة في القصيدة، في أول بيت أتيت به أحذ مضمر، لزمك في كل القصيدة، إذا قلت «متفا»، هذا أحذ ثم أضمرت وسكنت التاء «متفا»، لزمك في كل القصيدة. فهنا تلاحظون أننا قلنا ماذا؟ أحذ مضمر، يعني استعملنا الحذ أو الحدث وهو علة لازمة، لا إشكال سواء وقع في العروض أو وقع في الضرب، علة تلزم خلاص.
ولكننا استعملنا كذلك الإضمار، وتعلمنا الآن أنه بالأصل زحاف يذهب ويجيء، فكيف اقترن بالعلة في لزوم الضرب؟ قلنا هناك ضرب أحذ مضمر، يعني معلول مزاحف، فنقول هنا زحاف له حكم العلة، أو زحاف جرى -كما في التعبير المشهور- زحاف جرى مجرى العلة، كما كان العصب زحافا جرى مجرى العلة في أحد ضربي الوافر المجزوع.
طيب، فائدة، ما السبب في لزوم هذا الزحاف؟ لماذا في التفعيلة -أنا أسألكم أنتم الآن- لماذا في تفعيلة الضرب التي جاءت حذاء، أو لما جاء الضرب أحذ، لماذا جاء الضرب أحذ فأمرت بتسكين الثاني المتحرك لزم وصار زحفا له حكم العلة أو يجري مجرى العلة؟ لماذا لزم في هذه التفعيلة ولم يلزم في سائر التفعيلات وبقي على أصله في الزحاف يذهب ويجيء؟ لماذا؟ يلا حسكم أنتم، ها ستعرف الآن يا محمد، من يجيب يا إخوة؟
في الشطر الثاني قلت «متفاعل»، لك أن تقول «متفاعل» ولك أن تقول «متفاعل»، لكن «متفا» لما أضمرت لازمك الإضمار. أختنا فاطمة عبرت تعبيرا حسنا، قالت وهي تفهم ما تقول لكن ينبغي أن نأخذ خطوة في التعبير العلمي، قالت: لتتفق القافية في النغم. أيوه، لماذا تتفق في النغم؟ ما السبب في ضوضائه؟ ما السبب في شدة اختلافها؟ ما الذي حصل؟ لماذا السؤال بتحديد لماذا الإضمار؟
هنا صار فيه مشكلة، والإضمار في «متفاعل» ليست فيه مشكلة، والإضمار في «مدفعل» فيه مشكلة. تلاحظون يا إخوة أنه قد قصرت وصغرت التفعيلة، تفعيلة الضرب التي هي آخر صوت في القصيدة أو في البيت، التي هي حزام القصيدة كما يقول عبد الله الطيب: «إطار القصيدة».
لما صغرت هذه التفعيلة وقصرت، اقترب بالحذ؛ يعني بعد الحذ. الحميري يقول لأن التفعيلة ليست مقطوعة، قل أحذ. إياك هنا أن تقول مقطوعة، لأن عندك تفعيلة مقطوعة الثانية، وعندك ضرب مقطوع في التام الثاني، انتبه إياك أن تقول هنا مقطوع؛ الآن المصطلحات لابد أن نقول: ضرب أحذ. لأنه لما وقع الحذ أو الحذذ كسرت التفعيلة، فصار ذهاب الإضمار ومجيئه يصنع اضطراباً وضوضاء ويخل بالإيقاع، بخلاف لما كانت التفعيلة «متفاعل»؛ ابتعد موضع الإضمار عن آخر الصوت في البيت. وضحت؟ رأيت؟ حس العرب هم لم يدرسوا كل هذا، كله عندهم بالحس وبالأذن. تخيل عند «متفاعل» لم يضمر، وعند «متفاعل» أضمروا.
رأيت؟ إذا التفعيلة هكذا: «متفاعل»، «متفاعل»، «متفاعل»، «متفاعل»، «متفاعل» (ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت ت)، وانتهينا الآن من العروض الصحيحة؛ العروض الصحيحة معها ضرب صحيح، وضرب مقطوع، وضرب أحذ مضمر، وضرب أحذ مضمر يعني (تت ت ت). عروض (تت ت ت تن) ضرب (تت ت ت تن)، عروض (تت ت ت تن تن) ضرب (تت ت ت تن)، عروض (تت ت ت تن تن) ضرب (تت ت ت تن)، عروض (تت ت ت تن تن) ضرب (تت ت ت تن).
نأتي الآن إلى الضرب أو العروض الأحذ التي هي (تت ت ت)، ماذا يأتي معها؟ يأتي معها ضرب أحذ مثلها، ويأتي معها ضرب آخر أحذ مضمر. مرة أخرى؛ كما قلنا، ضرب أحذ مضمر مع التفعيلة الكاملة أو الصحيحة، يأتي كذلك أحذ مضمر مع الأحذ. فتقول: (ت ت ت ت ت ت ت ت) عروض (ت ت ت ت ت ت ت) ضرب أحذ، و(ت ت ت ت ت ت ت ت) عروض (ت ت ت ت ت ت ت) ضرب أحذ مضمر. هذا إذا كان الكامل الرابع، نأتي للكامل الخامس الأخير التام: عروض صحيحة ضرب صحيح، عروض صحيحة ضرب مقطوع، عروض صحيحة ضرب أحذ مضمر، عروض أحذ ضرب أحذ، عروض أحذ ضرب أحذ مضمر.
نأتي الآن بسرعة لنتلو النغمات كاملة: «متفاعل»، «متفاعل»، «متفاعل»... (دندنة النغمات). قلنا ميزة هذا الشرح أننا سنعتمد شديداً على التنغيم وحفر الإيقاع في النفس.
نأتي الآن إلى التمثيل لكل نوع. النوع الأول: عروض صحيحة ضرب صحيح. اقرأ معلقة عنترة، واقرأ "طال الثواء له"؛ اقرأ معلقة لبيد، تعالوا نجرب معلقة عنترة، يقول: ﴿هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ﴾ [العلق: 14 - تشبيه]. «هل غادر الشعراء من متردم»؛ «هل غادر» (متفاعل)، وقع ماذا؟ الإضمار. الآن عندكم مشكلة مع الإضمار؟ «هل غادر»؛ طب لو قلت بالغلط «هل غادر» (بكسر الدال) غير خطأ، لكن في اللغة «هل غادر الشعراء»؛ أهو جاءت سالمة من زحاف الإضمار؟ التفعيلة الأولى مضمرة والثانية سليمة، خلاص الإضمار ليس مشكلة معنا الآن. «هل غادر»؛ ليس مشكلة معنا.
«أم هل عرفت الدار بعد وهمي... أعيا كرسم الدار لم يتكلم... حتى تكلم كالصم الأعجم». انظروا، وقع الزحاف في تفعيلة الضرب عادي، أهو «حتى تكلم» (عصب)؛ «حتى تكلم كالصم الأعجم»؛ «لمك الأصم» (متفاعل) سالمة من زحاف الإضمار، لا؛ «حتى تكلم» (عصب)، «كالأصم الأعجم» (متفاعل) وقع الزحاف في تفعيلة الضرب عادي دون إشكال؛ لأنه ضرب ماذا؟ صحيح وليس أحذ، لو جاء أحذ وأضمر لابد أن تضمر ويلزم يكون زحاف له حكم العلة كما عرفت.
«ولقد حبست بها طوي ناقتي... أشكو إلى سفع الروى...». جاءت هذه، جاء هذا الضرب سالماً من الزحاف: «أشكو إلى سفع الروى» (متفاعل) وليس «متفعل» كالأعجمي التي قبلها. «يا دار عبلة بالجواء تكلمي... وعمي صباحاً دار عبلة تسلمي».
سؤال وجيه؛ أخونا محمد عبد الله الحميري يقول: هل يمكن أن تكون العروض صحيحة والضرب أحذ غير مضمر؟ لا، لم يرد هذا، وهذا يدلك على أن التقسيم ليس شكلياً ومنطقياً، حتى نتدرج في النزول. الموضوع بالأذن، هم لم يأتوا بعروض صحيحة وضرب أحذ، جاءوا بعروض أحذ وضرب أحذ، لم يقبلوا عروض صحيحة وضرب أحذ بل أحذ مضمر. لماذا؟ هذا فقه الإيقاع؛ لذلك التقسيم ودوائر الخليل كل هذا جاء لإثبات موجود وشرحه، لا لإيجاده من العدم، جاء لشرح موجود وبيان موجود.
«دار لا نسه غضيض طرفها... طوع العناق لذيذ المتبسم». وأذهب إلى قصيدته الأخرى: «طال الثواء على رسوم المنزل»، أنا أحب هذه القصيدة؛ «طال الثواء على رسم المنزل... بين اللكا وبين ذات الحرمل... فوقفت في عرصاتها متحيراً... أسأل الديار كفعل من لم يذهل» (متفاعل)؛ أهو خلاص، الزحاف الإضمار رايح جاي لا إشكال عنده. «لعبت بها أنواء بعد أنيسة... والرام سات وكل جون مسبل» (متفاعل) عادي خلاص. «أفمن بكاء حمامة في إيكة... ذرف دموعك فوق ظه المحمل... ناديت عبساً فاستجابوا بالقناه».
فاستجابوا بالقناة وبكل أبيٍّ صارمٍ لم ينجلِ، حتى استباحوا آل عوفٍ عنوةً بالمشفي وبوشي ج، الذبل. هكذا إلى آخر القصيدة.
وعندك قصيدة أيضًا في المعلقات، معلقة لبيد بن ربيعة، عف الدّي، محلها: فمقامها متفاعل متفاعل متفاعل، بمن أنت تـــاب بد غولها، فرجامها متفاعل متفاعل متفاعل، فم دافع ريان عر رس اسمها، خلقًا كما ضمن الوحي ي سلامها، متفاعل.
الصورة الثانية: صورة الكامل التام، ذي العروض الصحيحة والضرب المقطوع الذي هو متفاعل. متفاعل نقلوه إلى فعلات، قالوا متفاعل فعلات. أنا مش هنقل شيء هو كده، واللي يغلطني يغلطني، لن أنقل شيئًا هو متفاعل، وانتهى. لماذا؟ لأني لا أعرف ما الذي حصل، القطع. طب مش هقول فاعلات خلاص. متفاعل تن تن، وانتهى. غلط حرام، لا أخل بالفهم، وانتهى. متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل.
﴿وَإِذَا دَعَوْنَكَ عَمَّهَنَّ فَإِنَّ نَسَبَ يَزِيدُكَ عِندَهُنَّ﴾ نخب، نخب متفاعل، نخب نخب، لا متفاعل. والسبب خفيف؛ هذا الضرب المقطوع الذي هو حذف، القطع هو حذف ساكن الوتد المجموع، وإن تسكن ما قبله "تن تن" تصير "تن"، السبب الوتد المجموع يصير سببًا خفيفًا. خلاص، نحن إن شاء الله في هذه الحصة ننتهي بسرعة من التمثيل. بحور الوافر التام حتى تتم المحاضرة بذلك إن شاء الله، الكامل التام لتتم المحاضرة إن شاء الله.
﴿وَإِذَا دَعَوْنَكَ عَمَّهَنَّ فَإِنَّ نَسَبَ يَزِيدُكَ عِندَهُنَّ﴾ نخب، نخب، نخب متفاعل. من هذه القصائد القصيدة المشهورة لأبي نواس التي فيها: «فإذا المطايا بنا بلغن محمدًا، فظهور هن على الرحال حرام». يقول: «فإذا المطايا بنا بلغن محمدًا، فظهور هن على الرحال حرام»، متفاعل. ولكن هنا ملاحظة، لو نظرتم في أول هذه القصيدة يقول: «يا دار ما فعلت بك أيام»، أيام، أيام، أيام، خلاص أنا قلت أشرح لكم تصريعًا هنا على قصيدة أبي نواس، ونعود إلى قصيدة الأعشى، صحيح؟ لحظة، نعم نعود إلى الأعشى إن شاء الله.
الآن بعد هذا التوضيح يقول: «يا دار ما فعلت بك أيام»، أيام، ما الذي حصل هنا؟ أيام، أيام، حصل إضمار، خلاص، لا يؤثر معنا. «لم تبق منك بشاشة تستمر، الزمان على الذين عهدتهم بك قاطني»، عرام، عرام، أيام لا أغشى لأهلك منزلا. العروض صحيحة، ثم إلا مراقبة علي ظلام، تلاحظون العروض صحيحة من أول البيت الثاني. ما الذي جرى في البيت الأول؟ شيء يسمى التصريع. سنلاحظ أن العروض قطعت كالضرب، ونحن ليس عندنا عروض مقطوعة في الكامل؛ عرفنا فقط أن العروض صحيحة أو حذاء، ليس أكثر. العروض صحيحة أو حذاء، فليس عندنا عروض مقطوعة في الكامل، لكن هذا النوع الثاني الذي هو الصحيح، العروض وقع فيه ما يسمى التصريع. حصل في البيت الأول هنا فقط لأجل ما يعرف في الفن بالتصريع، وهو أن تجعل العروض موافقة للضرب، يحصل هذا فقط في مواطن التصريع، وسندرس التصريع إن شاء الله تعالى مع القافية في القسم الثاني من هذه الدراسة، وهو القسم المتعلق بالقوافي. ولهذا وله باب أصلاً مع القافية في كتاب "العمدة" لابن رشيق بعد باب الأوزان والقوافي. ولهذا لا ترى الأمثلة التي في كتب العروض من الأول عادة، مع كون القصيدة مشهورة، فربما تستغرب تقول لماذا القصيدة مشهورة ولم يأتِ بالبيت الأول الذي هو أشهرها على الإطلاق لكونه مطلع القصيدة؟ لأنه أحياناً لا يعبر عن المطلوب إذا كان صاحبه قد صرّع، إذا صرّع ستكون العروض كالضرب، لن تكون عروضًا صحيحة، فيتجاوز موضع التصريع وينتقلون إلى الأصل الذي هو غير المصرّع، فهمتم قصيدة الأعشى؟
يقول: «أجيب هل لأسير من فادي، من فادي، متفاعل، لا إشكال، أمه لطا ل بشقه من زاد». طيب، ننتظر رجوع العروض إلى مكانها. «أم هل تنه نه عبرة عن جاركم»، متفاعل، رجعت إلى صحتها. «أمه هل تنه نه عبرة عن جاركم، جاد الشؤون بها تبلن جادي»، متفاعل. «من نظرة الضحى فرأيت»، متفاعل. «ولمن يحين على المنيت هادي»، متفاعل. هذه عروض صحيحة وضرب مقطوع.
النوع الثالث: عروض صحيحة وضرب أحذ مضمر. شاهده في مصنفات العروض: «لمن الديار برامتين، فعاقل»، متفاعل، متفاعل، متفاعل. «درست وغير أيها القطر»، متف، ونقل متف إلى فعل، يعني متفاعل، متفاعل. لا هو مدف فقط ليس فعل، يقولون متفاعل متفاعل فعل، تنتن، لا متف تنتن. النقل: متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل. «لمن الديار برامتين، فعاقل درست وغير أيها القطر». شوف لما كل باب ومعنى فيه إيقاع يناديك. «لمن الديار برامتين، فعاقل درست وغير أيها القطر، رأيت».
طيب، هنا نقطة مهمة، أنبه إلى سهو للخطيب التبريزي رحمه الله، وجل من لا يسهو، ورضي الله عن أئمتنا وجزاهم الله خيرًا. هناك سهو وقع أنبهكم إليه حتى من قرأ بعد ذلك كتاب الخطيب لا يدخل عليه هذا السهو. في صفحة 60 من كتاب "الكافي في العروض والقوافي"، الخطيب التبريزي رحمه الله يذكر هذا البحر الثالث الذي هو عروض صحيحة وضرب أحذ مضمر، يقول أو ذكر مثاله: «لمن الديار بقنة الحجر». خلاص، يقول لمن الديار بقنة الحجر، «أقوينيك». هذه القصيدة أنا أحفظها، هذه قصيدة زهير بن أبي سلمى. هي حذاء العروض، حذاء العروض وضربها أحذ مضمر، يعني هي من الخامس الأخير، خلاص نأتي بها من ديوان زهير حتى تطمئنوا. لحظة واحدة، انظر القصيدة، هي العاشرة في ديوان زهير، يقول: «لمن الديار بقنة الحجر، أقوي من حجج ومن شهري»، البيت الثاني يقول: «لعب الزمان بها وغيرها»، متفاعل، عروض حذاء، أحسنت يا حميري، العروض حذاء. ونحن الآن في ماذا؟ نحن في عروض صحيحة، لا في الحذاء، نحن في عروض صحيحة وضرب أحذ مضمر. طيب من أين وقع هذا السهو؟ بسبب التصريع في البيت الأول؛ لأن الضربة في النوعين أحذ مضمر، فهنا العروض حذاء ولكنه أتى بها حذاءً مضمرة اتباعًا واستثناءً في البيت الأول، لماذا اتباعًا للضرب؟ فالخطيب التبريزي رحمه الله ورضي عنه وجزاه عنا خيرًا حسب أن ذلك من هذا النوع.
وقال هو من مصرعه، هو ليس من مصرعه، هو من مصرعه الأخير، نعم. يدل على ذلك أن الضربة من بعد البيت الأول متفاعل، وليس متفاعل. هو لما رأى التصريع حسب أنه اتبع متفاعل، لا، هو اتبع العروض التي هي متف، فهمتم من أين وقع السهو يا إخوة؟
وضح في النوعين، في الكاملين، في البحرين العروض مدف، وفي النوعين سيتبع الضرب متف، وفي النوعين سيتبع العروض. الضرب سيتبع العروض، يجعل العروض تتبع الضرب، خلاص سيقول مدف في الاثنين، ولكن متى يبين نوع البحر؟ لما يرجع إلى العروض الأصلية التي لم يدخلها التصريع استثناء. فلما راجعنا العروض الأصلية في ديوان زهير وجدناها ماذا؟ متفا وليس متفاعل، متفا وليس متفاعل. فهذا في صفحة 60 من كتاب الكافي، هو جاء بها في هذا النوع في العروض الصحيحة، والصواب أنه في العروض الحذاء؛ هذا البيت لمن: لِمَنِ الدِّيَارُ بِقَنَةِ الْحِجْرِ ... أَقْوَى مِنْ حِجَجٍ وَمِنْ دَهْرِ
هذا في النوع الأخير في الكامل الخامس الذي يأتي معنا الآن إن شاء الله تعالى. وكما قلت نقلوها إلى فعل ونحن نبقيها مدف على حالها.
بعد ذلك ننتقل إلى الرابع: العروض الحذاء مع الضرب الأحذ الذي نقلوه إلى فعل: متفاعل، متفاعل، متفا، أو فعل؛ متفاعل، متفاعل، متفا، أو فعل. هنا ترون قصيدة المتلمس الضبعي، وهي القصيدة الثانية. أنا قلت لكم لن آتي بأمثلة الشعراء المعاصرين والمتأخرين كما يفعل شراح العروض في عصرنا الآن للأسف، وهذا شيء يكاد أن يكون سيئًا؛ يأتون بأبيات تافهة بحجة السهولة، لا أرى ذلك صحيحًا، ينبغي أن نرجع بذلك إلى أشعار القدماء كذلك.
القصيدة في الصفحة الثانية بعد الأربعين من ديوانه، يقول: اطْرُدْنِي حَذَرَ الْهَجَا وَلَا ... وَالْلَاتِ وَالْأَنْصَابِ لَا تَئِ اطْرُدْنِي حَذَرَ الْهَجَا وَلَا ... وَالْلَاتِ وَالْأَنْصَابِ لَا تَئِ مُتَفَا، وَرَهَنْتَنِي هِنْدًا وَعِرْضُكَ ... فِي صُحُفٍ تَلُوحُ كَأَنَّهَا خَلَلُ رَأَيْتُمُ مُتَفَا، عَرُوضٌ وَضَرْبٌ الْأَحْذِ وَالْحِذَاءِ.
شَرُّ الْمُلُوكِ وَشَرُّهَا حَسَبًا ... فِي النَّاسِ مَنْ عَلِمُوا وَمَنْ جَهِلُوا مُتَفَا، تَتَتِ الْغَدْرِ وَالْآفَاتِ شِيمَتُهُ فَافْهَمْ.
فَبِئْسَ الْفَحْوُ لِتَحَيُّهِمْ عَرَكَ الرَّهَانِ، وبئس ما يخلأ... رأيت أعن الخولة والعموم فهم... كأنه الطين ليس لبيته حول. وهكذا، قال فبلغت عمرًا فكتمها في نفسه، أي كتمها، فقرنه إلى طرف بن العبد، وكتب لهما بسبب هذه القصيدة هذه الأبيات على الأحذ والحذاء.
العروض الحذاء، العروض حذاء متفا، مع ضرب أحذ مضمر متفا الذي نقلوه إلى فعل. نعم، نقلوه إلى فعل، وتذكر هنا أن الإضمار زحاف جرى مجرى العلة، لا تنسَ هذا. متفاعل، متفاعل، متفا.
عندك سينية البحتري في المفضليات: لِمَنِ الدِّيَارُ عَفَوْنَ بِالْحِبْسِ ... لِمَنِ الدِّيَارُ عَفَوْنَ بِالْحِبْسِ مُتَفَاعِلُنْ، لِمَنِ الدِّيَارُ عَفَوْنَ بِالْحِبْسِ مُتَفَا، مَدْفٌ.
لماذا في أول بيت هذه عروض حذاء؟ لا، حذاء مضمرة. التصريع في موضع يسمى التصريع، سندرسـه تفصيلاً إن شاء الله، استثناء يجعلون العروض -كانت ما كانت- تابعة للضرب، يفعلونه احتفالاً بالقصائد الطويلة، ينبهك إلى الجرس في الكلام.
لِمَنِ الدِّيَارُ عَفَوْنَ بِالْحِبْسِ ... أَيَّاتُهَا كَمْ هَارَقَ الْفُرْسُ لَا شَيْءَ فِيهَا غَيْرُ صُورَةٍ ... سَفْعِ الْخُدُودِ يَلْحَنُ كَشَمْسٍ تَنَتْ مُتَفَا، أَوْ غَيْرِ ثَارِ الْجِيَادِ بَاعَ رَاضِ الْجِمَادِ.
وَإِيهِ الدَّعْسُ بَيْتٌ مُدَوَّرٌ ... فَحُبِسَتْ فِي هِالرُّكَبِ أَحْدَسُ فِي... هل حصل شيء هنا يا إخوة؟ فحبست في هركب أحدس في... حصل هنا ماذا يا إخوة؟ ديس في حصل شيء... حصل شيء؟ لا، أنتم لازم تصصحصحوا، أفيقوا. ديس في، أعيد: فحبست في هركب أحدس في... لم يحصل شيء، التفعيلة متفا، تذكر هذه متفا. رجعت من بعد البيت الأول صورة التصريع؛ الحذ مع الإضمار جاء في عروض البيت الأول فقط للتصريع تمامًا.
حَتَّى إِذَا التَّقَى الظِّبَا ... أَطْرَا فِي الظِّلالِ وَقَلْنَ فِي الْكَنَسِ بَيْتٌ مُدَوَّرٌ، وَيَاسَتْ مَـ... مَا قَدْ شُغِفَتْ بِهِ مُتَفَا، مِنْهَا وَلَا يَسْلِيكَ كَالْيَاسِ حَذٌ مُضْمَرٌ.
خلاص، انما إلى حرف مذكرة، حذاء تهس الحصاء بمواقع خنسي، أحذ مضمر. خذ من قائلها يطر نكق، حذاء، حذاء. نعم، طاع الفراء كق طاع الفراء بصحح شاسي حذ مضمر.
رأيتم هذه الأنواع الخمسة أو البحور الخمسة، ويبدو عندي أن هذا النمط كثير في شعر عمر بن أبي ربيعة. لكن خلاص، أظنكم حفظتم النغمة ودندنا وغنينا. هذا هو الكامل التام في ست تفعيلات، ونلاحظ هنا ملاحظة أخيرة: أن العروض إما أن يساويها الضرب، وإما أن ينقص عنها بالحذف أو بالتسكين. نعم، هذه ملاحظة على التام، لأننا سنلاحظ شيئًا في بعض المجزوء عكسها.
والمحاضرة القادمة إن شاء الله نلج إلى النمط الثاني من الكامل وهو الكامل المجزوء، وقد عرفنا أن المجزوء هو ما حذفت التفعيلة الثالثة الأخيرة من كل شطر منه، وهذا يعني أن الكامل بعد الاجتزاء سيتحول إلى أربع تفعيلات في كل بيت، في كل شطر تفعيلتان، أربع تفعيلات في كل بيت. ففي كل شطر تفعيلتان، نعم، وهذا تمام الكامل، التام وشكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد