دخولتسجيل الدخول

الدرس 7 - الكامل المجزوء، علة الترفيل والتذييل، طبيعة الكامل، شرح دائرة المؤتلف

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

انتهينا أيها الإخوة في المحاضرة الماضية، وهي المحاضرة السادسة، إذ نحن الآن في السابعة من دروس العروض. انتهينا من الكلام عن الكامل التام، وقلنا إن له عروضاً صحيحة، وله عروضاً حذاءً. وقلنا إن العروض الصحيحة يأتي معها ضرب صحيح، ويأتي معها ضرب مقطوع، ويأتي معها ضرب أحذ مضمر. وقلنا إن العروض الحذاء التي حذف منها الوتد المجموع كاملاً، هذه العروض يأتي معها الضرب الأحذ والضرب المذمر.

وهنا يأتي سؤال قد يقتضيه النظر، فيقال: لماذا تجاوزوا في العروض الصحيحة عن الضرب الأحذ إلى الضرب الأحذ المضمر؟ يعني قلنا عروض صحيحة يأتي معها ضرب صحيح، ويأتي معها ضرب مقطوع «متفاعلن»، ويأتي معها ضرب أحذ مضمر «متفا»؛ لماذا لم يأتِ معها «متفا»؟ لماذا تجاوزوا عروضاً صحيحة وضرباً أحذاً إلى عروض صحيحة وضرب أحذ مضمر؟

هذا يا إخوة هو فقه الإيقاع، وهذا يدرك، بمعنى أصح يدرك في مرحلة متقدمة من فهم الشعر، وليس هو من موضوع علم العروض. ليس هو من موضوع علم العروض؛ لأن علم العروض إنما يراد به رصد الأوزان الموجودة التي قالت عليها العرب، وليس يراد به أن تخترع أوزاناً جديدة أو أن توضع أوزان جديدة، وليس يراد به كذلك أن تعلل لماذا لم يأتوا بكذا، وإنما يراد به فقط رصد الإيقاع، فهذا لا يدرس في العروض كما قلت، هذه مرحلة متقدمة من دراسة الشعر وفقه الشعر.

نأتي الآن إلى النمط الثاني من الكامل، وهو الكامل المجزوء، أو كما يقولون مجزوء الكامل. وقد عرفنا أن المجزوء هو ما حذفت منه التفعيلة الثالثة الأخيرة، وهذه تعني أن الكامل بعد الاجتزاء سيتحول إلى أربع تفعيلات في كل بيت، بواقع تفعيلتين في كل شطر.

الكامل المجزوء أيها الإخوة عروضه صحيحة دائماً، ويأتي مع هذه العروض الصحيحة أربعة أنواع من الأضرب: النوع الأول هو الضرب المرفل، والنوع الثاني هو الضرب المذل، والنوع الثالث هو الضرب الصحيح مثلها مثل العروض، والضرب الرابع الأخير هو الضرب المقطوع الذي حذف منه الساكن الأخير وسكن ما قبله في الوتد المجموع، الذي تتحول فيه التفعيلة «متفاعلن» إلى ماذا؟ إلى «متفاعلن».

المرفل هو الذي زيد عليه سبب خفيف، والمذل هو الذي زيد عليه سكون على التفعيلة الأخيرة، أي على الضرب. قلنا له عروض، وله ضرب؛ إما مرفل وإما مذل وإما صحيح وإما مقطوع. الضرب المرفل هو الذي زيد فيه سبب خفيف على ما آخره وتد مجموع، والضرب المذل هو الذي زيد فيه سكون في الأخير، والصحيح لم يحصل فيه شيء يطابق العروض من حيث الصحة الأصل، والمقطوع هو الذي سكن آخره أو حذف ساكنه الأخير وسكن ما قبله كما عرفتموه في الكامل التام.

فصارت التفاعيل عندنا أو الأوزان هكذا: متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعلات؛ لأني لن أقول «متفاعلن» لأنها سخيفة، ولو قلت «متفاعلن» لا إشكال لكنها سخيفة وجروا على نقلها، وهذا نقل الحسن إلى «متفاعلات».

متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعلات؛ لأن «متفاعلاً» هي «متفاعلن». متفاعل، متفاعل، زاد سبباً خفيفاً فهذا المرفل. متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعلن؛ سيقولون لن نكرر النون الساكنة، لا، لا يأتي بساكن، يمكن أن يتجاور وأن يلتقي فيكون الألف ساكنة وتكون الألف والنون، ولهذا قالوا: متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعلن، زيد سبب خفيف هذا المذل. والثالث: متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل، والثالث الصحيح. والأخير المقطوع: متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل، أو كما نقله إلى «فعلات» خلاص، أو «فعلات»، الآخر سيكون الأحذ «فاعلات».

طيب، إذا قلت لكم من منهجنا سنورد النغمات متواترة متتالية حتى تعرفوا ما الذي حصل. ونحن في هذا الشرح الصوتي إنما نعتمد على تكرار النغم وليس على رسمه، على تكراره نخرج من هذه الدورة إن شاء الله، أو من هذه المجالس في شرح العروض نخرج منها إن شاء الله وقد حفرت هذه الأوزان وهذه التفاعيل في نفوسنا.

(تيتيت تن ت تن ت تي تن ت تن تيت تي تن ت تن ت تن ت تن تن) هذا الأول خلاص. (تي تي تن تيتن) أخونا قحطان يقول: درس في بحر الكامل ومقام النهاوند، لا أعلم لماذا بالمقامات حتى الآن على الأقل. ومحمد حسين أيضاً يقول: الله على مقام النهاوند، أنا لا أعرف المقامات، خلاص أسمع عنها فقط.

(تيتيت تن تيت تن تيت تن تيت تن تيت تن تيت تن تيت تن ت تن ت تن تن) مرفل. (تي تن ت تن ت تن ت تن ت تن ت تن ت تين) مذل. (ت تن ت تن ت تن تن ت تن تن ت تن تن) صحيح. (ت تن ت تن ت تي تن ت تن ت تي تن ت تن ت تي تن) مقطوع.

هذه نغمات الكامل، هذا الكامل المجزوء أو المجزوء الكامل: متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعلات. متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل. متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل. متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل.

تلاحظون شيئاً هنا يا إخوة؟ تلاحظون بعض الأمور، أنهم قد بدأوا بالإطلاق بما تطابق فيه العروض مع الضرب، بدأوا بالإطلاق وتدرجوا إلى الأنقص، وكأنهم راعوا البدء بالتام واضطروا في ذلك، يعني بدأوا بالتام الطويل، الكامل أو التام، وتدرج منه إلى الأنقص، ولهذا أتوا بالمرفل فيه زيادة طويلة، ثم بالمذل فيه زيادة أقل، ثم الصحيح مطابق، ثم بالمقطوع.

وتلاحظون أن الترفيل والتذييل من علل الزيادة، وأن القطع علة بالنقص؛ لأن العلل تنقسم إلى علل زيادة وعلل نقص. طيب، درستم في الوافر علة القطف، القطف زائد أم ناقص؟ علة زيادة أم علة نقص؟ القطف علة نقص، واضح من اسمه أصلاً، علة نقص. والقطع علة نقص، والترفيل علة زيادة، والتذييل علة زيادة، والحذف علة نقص، والقطع علة نقص، وكذلك القطف في الوافر علة نقص، والجميع علل لا زحافات، الجميع علل.

لاحظنا هنا أيها الإخوة اشتراك الكامل مع الوافر في أنه لما جُزئ صارت العروض صحيحة، مع أننا عندنا في الكامل التام عروض حذاء، ويأتي معها ضرب حذاء، وضرب حذاء مضمر كما عرفتم النوع الرابع والخامس.

لكن هنا في المجزوء لا تأتي العروض إلا صحيحة، وكذلك الوافر لما جُزئ جاءت العروض صحيحة، وإنما تنوع إلى نوعين من خلال زحاف لزم في الضرب وجرى مجرى العلة، وهو زحاف العصب الذي هو بالأصل عصب وجرى مجرى العلة.

إذن، حينما نقول له عروض صحيحة ونقول يأتي معها أربعة أضرب: مرفل، ومذل، ومثلها صحيح، ومقطوع؛ هذا يعني أننا نلتزم ذلك لو بدأناه في أول بيت. يعني لو جئت في مجزوء الكامل في أول ضرب في أول بيت جئت به مرفلاً لزمك الترفيل على طول القصيدة، جئت به مذلاً لزمك التذييل على طول القصيدة، جئت به صحيحاً لزمتك الصحة على طول القصيدة، جئت به مقطوعاً لزمك القطع على طول القصيدة.

نأتي الآن إلى التمثيل لكل نوع. النوع الأول: المرفل. متفاعلات، متفاعلات، متفاعلات، متفاعلات.

فيها قصيدة الحطيئة، القصيدة الخامسة من ديوانه، وهي القصيدة التي هجا فيها الزبرقان ومدح بغيضاً، وفيها يقول: وساعت الرواية التي ليس فيها الخزم.

الذي هو زيادة لا يعتد بها في التقطيع، لأن الرواية التي معي الآن التي أثبتوها في المتن أشاقك أضع لليلة، لكن سآتي برواية خالد بن كلثوم اللغوي النحوي الراوية الكوفي من طبقة أبي عمرو الشيباني. ركزوا معي الآن: شاقت كحيٍّ عدون أظعانِ ... بناظرهِ بواكيرُ

شاقت كحيٍّ: متفاعل، خلاص، فيها زحاف الإضمار لا إشكال. يدخل معنا: شاقت كحيٍّ عدون أظعانِ: متفاعل، بناظرهِ بواكيرُ: متفاعل. سيلتزم الترفيل في كل القصيدة. نقرؤها بسرعة: شاقت كحيٍّ عدون أظعانِ ... بناظرهِ بواكيرُ في الآل ترفعها الحداة كأنها ... سُحقٌ مواقرُ كظباءٍ وجرّ ساقُها إلى ظلال السدرِ ناجٍ وقدت بهِ ... الشعرَ فألفتِ الخدودَ بها الهوى جيرُ يا ليلةً قد بتّها بجدو نومٍ ... العينُ ساهرٌ ووردت عليّ همومُها ولكل واردةٍ مصادي، أما تشارِكك الهمومُ فإنها ... داءٌ مخامرُ ولقد تقضيها الصريمةُ عنك والقلقُ العذافرُ هلا غضبت لرحلِ جارك إذ تنبذه حضاجرُ أغرتني وزعمت أنك لابن بالصيف تأمرُ، فلقد صدقت فهل تخاف بأن تدور بك الدوائرُ؟ وأمرت مني كي ما أجامع أسرةً ... فيها مقادِرُ وحيتني في معشرٍ هم الحقوا ... بمن تغورُ فلقد سبقتهم إليّ فقد نزعتَ وأنت آخرُ شغلوا عليك نصيحتي فالآن فابتغِ من تؤازرُ ومن منعْتَ أو فرّ جمعتَ فيه مذمةً خناجرُ فكفاك سمح اليدين بصالح الأخلاق ماهر حتى إذا حصلت الأمور وصار للـ حَسْبِ المصارُ.

عندك هنا الرواية: وتبرز النجب الجياد... وبلد الكذب المحام، وغرقت في زبد تعوم خلال لجته القراقر. وضحت النغمة يا إخوة؟ هل وضحت لكم نغمة هذا البحر أم نزيد ونكمل القصيدة؟ وضحت؟ أنا لا إشكال عندي في إتمام القصائد، قلت لكم في الأول سنقرأ قطعة طويلة وقصائد، لا إشكال.

لاحظت يا إخوة لما كنت أعبر هذا البحر كثيراً عند الأعشى، وهذا قد يكون موضع دراسة لأحدكم، ولا أدري إذا كان نبه على ذلك أو لا، لكن لاحظت أن هذا البحر عند الأعشى وقع كثيراً جداً منه، مثلاً عندكم القصيدة في ديوانه صفحة 285، هذه القصيدة، وقال يمدح رجلاً من كندة يقال له ربيعة ابن حبوه: أصرمُ تحب لك من لميسٍ ... اليوم أم طال أجت بابه؟

أصرم تحب: متفاعل، لك لميس: متفاعل، اليوم أم: متفاعل، طال أجت: متفاعل، بابه: مرفل بالسبب الخفيف. ولقد ترقت الحي بعد النوم تنبحني كلابه ... بمشٍّ هذب كالجذع صا ك على تراء بهه خضابه سلس مقلدة أسيل خده ... مرع جناب أو مرع جنابة في عازب واسمي شهر لن يعز بنا مصابه ... حطت له ريح كما حطت إلى ملك عياب ولقد أطفأت بحاضر حتى إذا عسل ذئبه وصغا قمير كان يمنع بعضه وصغا قمير كان يمنع بعض بغيه ارتقاب أقبلت أمشي مشية الحشيان مزوراً جنابه ... وإذا غزال أحور العينين يعجبني لعابه حسن مقلد حلية والنحر طيبه ملابه ... غراء تبش زوله والكف زينها خضابه.

تمام، وضحت؟ إذن هي كما قلت عند الأعشى كثيرة، هذا الترفيل أو هذا الوزن المجزوء من الكامل عند الأعشى كثير، وترونه عند المتلمس الضبعي أيضاً، وجدت أذكر له قصيدة عنده، وهناك قصيدة أيضاً عند تأبط شراً.

التمثيل الثاني وهو المذل: متفاعل، متفاعل، متفاعل، متفاعل.

هناك قطعة صغيرة لأبي فراس الحمداني، شجية جداً يا إخوة، قالها لابنته في خروجه الأخير للقتال والموت، قالها يقول شيخه...

بلغني ابن خالويه أن أبا فراس أصبح يوم مقتله حزيناً كئيباً، وكان قد قلق تلك الليلة قلقاً عظيماً، شعر بقلق في هذه الليلة فرأته ابنته، وكذلك رأته امرأة أبي العشائر، فأحزن حزناً كئيباً ثم بكت وهو على تلك الحالة.

فأنشأ يقول ورجله في الركاب: ابنيتي لا تحزني كل الأنام إلى ذهاب ابنيتي صبراً جميلا للجليل من المصاب نوحي علي بحسرة من خلف سترك والحجاب قولي إذا ناديتني وعييت عن رد الجواب زين الشباب أبو فراس لم يمتع بالشباب

والخادم يضبط السير عليها، يضبط السير، يشده على قدمه، كان ذلك إشارة إلى أنه لن يستطيع بسهولة أن ينفك من فرسه، وإنما قال ذلك كأنه ينعي نفسه وإن لم يقصد ذلك.

ثم سار ابن خالويه إلى ملاقاة قرعوش، وهذا آخر ما قاله من الشعر فيما بلغني، فسبحان من لا يحول ولا يزول وهو الحي القيوم.

هذا أبو فراس، لكن هنا نقطة يا إخوة: هذه القصيدة مضبوطة في الديوان بكسر الباء الذي هو حرف الروي، فبكسر الروي يكون مَدًّا: ذهاب، مصاب، حجاب، جواب، شباب. بتسكين الروي يكون مَدلاً. ماذا لو كسرنا؟ «ابنيتي لا تحزني كل الأنام إلى ذهابي ابنيتي صبراً جميلا للجليل من المصاب نوحي علي بحسرة من خلف سترك والحجاب قولي إذا ناديتني وعييت عن رد الجواب زين الشباب أبو فراس لم يمتع بالشباب»

أحسنتم، سيكون مرفلاً، والاعراب أو اطّراد الإعراب هنا على الكسر يدل على أنه مرفل، ولكن لا بأس، هل سيضر لو مثلت له في أصل العروض بالمذل؟ هل سيضر أن أمثل به مذلاً بتسكين الباء؟ التمثيل فقط وليس تقرير القصيدة، هل يضر؟ كذلك لا يضر، لا يضر.

هنا قد يسأل بعضكم: ولماذا نختار مرفلاً أم مذلاً؟ هنا تنقلنا أنت إلى مرحلة، كما قلت، من فهم الشعر وفقه الإيقاع. هنا لن تفكر إلا في حزمة شديدة التعقيد، هي حزمة المعنى وحزمة الإيقاع، والحزمة التي شملت المعنى والقطعة وكونه مجزوءاً وكذا. أهو بدأ أخوكم محمد حسين يفكر؟ الحزن يوافقه المذل الوجداني، يقول لك لا، قد يوافقه المد، خلاص المد الأطول فيقول مرفلاً فيناسب الترفيل. نرجع ننظر في القصيدة لنرى الترفيل أم التذييل، المهم في الأخير أنك فهمت الفكرة وصح المثال.

نلاحظ الآن أن كلاً من الترفيل والتذييل هو علة بالزيادة كما عرفنا. وإنما سمي المرفل مرفلاً من قولهم فرس رفل إذا كان سابغ الذنب بزيادة فوق الاعتدال. لأن زيادة سبب خفيف كامل هي زيادة كبيرة؛ أنت زدت ماذا؟ زدت جزئين من مكونات الإيقاع، زدت حركة وسكون، أنت زدت واحدة كاملة، لم تزد فقط سكوناً كما في التذييل.

أما التذييل فهو أخف من الترفيل، ولا يخفى سبب التسمية حينئذ، وهو جعل ذيل للتفعيلة، لكن لا يبلغ هذا الذيل أن يرفل فيه السائر أو أن ترفل فيه التفعيلة فتكون مرفلة أو ضرباً مرفلاً.

النوع الرابع الصحيح: العروض صحيحة، متفاعل متفاعل متفاعل متفاعل. عندك قصيدة الأعشى، قلت لك سألتزم بالشعر الجاهلي القديم وبالشعر الإسلامي، عندك فيها قصيدة لا أذكر مطلعها لكن أذكر أنها على هذا البحر، الكامل المجزوء، صحيح الضرب طبعاً؛ أقول صحيح الضرب لا أقول العروض؛ لأننا عرفنا أن العروض دائماً صحيحة في مجزوء الكامل.

هناك قصيدة في الرباب لعمر بن أبي ربيعة لكن لا أذكر مطلعها، وهناك قصيدة بائية للأعشى تجدونها في ديوانه في صفحة 250، رقم القصيدة هي التاسعة بعد الثلاثين، يقول: أوصلت رم الحبل من سلم لطول جنابها متفاعل متفاعل متفاعل متفاعل

ورجع بعد الشيب تبغي ودها بطلاً بها أقصر، فإنك طالما أضعت في إعجابها أولى. أولم ترَ في الزبر بينة بحسن كتابها أن القرى يوماً ستهلك قبل حق عذابها وتصير بعد عمارة يوماً لأمر خرابها أولم ترَ حجراً وأنت حكيمة ولما بها أن الثرى لبب الضحى يلعبن في محرابها والجن تعزف حولها كالحب في محرابها فخلى لذلك ما خل من وقتها وحسابها

هو جاء في محرابها في البيتين المتتاليين يا إخوة: «فخلى لذلك ما خل من وقتها وحسابها». ولقد غبّت الكاعبات إلى آخر ما قال.

صار واضحاً، الأخير "متفاعل" الذي ينقل إلى "فعلات". محمد الحماري يقول: هل يقوم الإضمار هنا مقام العلة أم لا؟ سيأتي الكلام، اصبر. النوع الرابع الذي عروضه صحيحة كما عرفنا؛ المجزوء الكامل دائماً عروضه صحيحة، يأتي معه الآن في النوع الأخير الضرب المقطوع؛ جاء معه مرفل وجاء معه مذل وجاء معه صحيح، وجاء الآن مقطوع.

مثاله: متفاعل متفاعل متفاعل متفاعل، أو فعلات. متفاعل متفاعل متفاعل فعلات، أو متفاعل. أنا لا أحب النقل لكن أعلمك التفعيلة التي نُقل إليها حتى لا تستغرب إذا قرأتها في كتب العروض، وهم في العروض يقولون لك نقلت إلى كذا صارت كذا. مثاله في مصنفات العروض كما أورده ابن جني والخطيب التبريزي، والبيت لابن عبد ربه: وإذا هم ذكروا الأيسى أتكثر الحسنات حسنات

متفاعل، وإذا هم ذكروا الأسى: متفاعل، حسناتي، فعلاً متفاعل.

نأتي إلى سؤال أخيكم محمد الحميري، قال: هل يقوم الإضمار هنا مقام العلة أم لا؟ قبل هذا البيت، ربما أبيات في القصيدة؛ قصيدة ابن عبد ربه يقول: أين الذين تسابقوا في المجد للغايات؟ ماذا حصل؟ أين الذين تسابقوا في المجد للغايات؟ في البيت الأول: غاياتي متفاعل، حسناتي متفاعل. ماذا حصل؟ حصل إضمار، والإضمار هنا خلاص، الإضمار هنا لا يضر، مقبول.

لماذا هنا؟ سنلاحظ جواب أخي محمد؛ هنا سنلاحظ مفارقة بين مجزوء الكامل ومجزوء الوافر من حيث الزحاف الأساسي في تفعيلته كل منهما. قلنا تفعيلة الوافر «مفاعلتن» يدخلها زحاف العصب فتصير «مفاعلتن»، وتفعيلة الكامل «متفاعلن» يدخلها زحاف الإضمار الذي هو نظير العصب في الوافر كما درستم وعرفتم، فتصير «متفاعلن» بدلاً من «متفاعلن».

ولكن في مجزوء الكامل، في مجزوء الوافر لو دخل العصب في ضرب المجزوء كان زحافاً يجري مجرى العلة؛ يلزمك حكم العلة، أما هنا فلا يلزم؛ مرة جاءت «حسناتي» ومرة جاءت «غاياتي». من منكم يعرف السبب؟ أحسنت يا حميري، هو سيطر على الموضوع.

الأصل واضح أن الشعر أصله اليمن، وأنا أوافق ولا أعترض. الذي حصل أن العصب في «مفاعلتن» لما صار «مفاعلتن»، العصب اقترب من آخر التفعيلة، وكلما اقتربت من آخر التفعيلة اقتربت من الصوت الذي يحصل به اتفاق في إيقاع القصيدة ونغم القصيدة؛ ولهذا لا يتسامح بالتغيير فيه كما يتسامح فيما قبله، حتى في العروض أحياناً.

كما هنا العروض مقبول أن يحصل فيها هذا كما حصل في الوافر، وحتى هناك في عروض الوافر يتسامحون في العصب، لكن لا يتسامحون في ضربه؛ لماذا؟ لأن العصب قلنا هو تسكين الخامس، واقترب من آخر التفعيلة، أما هنا فالإضمار بعيد، سترى بعده أربعة أجزاء، فلن يؤثر في الصوت لو أنك جربت الأداء بزحام العصب في مجزوء الوافر، وأنك تركته أحياناً وأتيت به أحياناً، وجدت الصوت قد اختل، أما هنا فلن يختل، السبب هو بُعد التفعيلة.

ولكن ستقول: الإضمار هو نظير كذا، أقول لك: أيضاً الفاصلة الصغرى تأخرت هنا، وتأخرت في الوافر وتقدمت هنا؛ فلما تقدمت وأضمرت بتسكين الأوسط المتحرك من الفاصلة الصغرى ابتعدت ولم تؤثر. ففي الأخير يا إخوة الإيقاع هو الحاكم، ولا يطرد قياس زحاف على زحاف، الإيقاع هو الحاكم في كل هذا.

طبعاً في الأخير نلاحظ أنه لما جاء مجزوء الكامل صارت عروضه صحيحة لا تدخلها علة تلزمها، وبقي الزحاف، مع أنها دخلها زحاف الحذذ في التام، لكن هنا لا تدخلها علة تلزمها تماماً كما حصل معنا في الوافر، كانت العروض صحيحة في المجزوء وبقي الزحاف الذي لا يضر.

ونلاحظ شيئاً آخر، وهو عكس ما حصل في التام، وهو أن الضرب حصل في بعض صوره زيادات؛ في الكامل التام الضرب حصل فيه في بعض صوره زيادات وفي بعضه نقص، أما التام فلم يقبل إلا التساوي أو النقص. كما رأيتم: تساوى في ضرب صحيح وعروض صحيحة، وضرب صحيح وعروض حذاء وضرب أحذ، وزاد العروض ونقص الضرب؛ في عروض صحيحة وضرب مقطوع، وعروض صحيحة وضرب أحذ مضمر، وفي الأخير عروض حذاء وضرب أحذ مضمر، وتساوى فقط في العروض الحذاء والضرب الأحذ، وذلك لأن المجزوء له مساحة إيقاعية تقبل هذه الزيادة الموسيقية.

الآن والحمد لله نكون قد أتممنا الكلام على الكامل التام والكامل المجزوء. بقي أن نتمم الكلام في الزحافات؛ عرفنا زحافه المعتبر والمستطاع وهو الإضمار، ونجد زحافات أخرى قليلة الحصول في الشعر، حتى إن ربما بعض قراء الشعر لا يلاقونها في قراءتهم ونجدها غير مذكورة في بعض كتب العروض، لا سيما المختصرة أو التي للمبتدئين.

فمن ذلك مثلاً أن التفعيلة مضمرة «متفاعل متفاعل»، حذفوا ثانيها الساكن فصارت «مفاعل»، كانت في الأصل «متفاعل» كما غنينا بالكامل، سكنوها فصارت «متفاعل» ثم حذفوها فصارت «مفاعل»، وسموا ذلك الوقص. والوقص هو سقوط الثاني بعد تسكينه، والوقص في الأصل هو سقوط الرجل من فوق دابته.

لماذا لا نقول سقوط الثاني المتحرك؟ هذا ربما ستفهم إذا دققت وتأملت، ولا بد أن تكون لك هذه المساحة؛ ستفهم إن شاء الله في الملمح الذي سأختم به الكلام في الزحافات. هم قالوا: ما دخلها هذا الحذف إلا بعد التسكين، لأنهم يحذفون هذا الساكن لا يحذفون المتحرك، هكذا اضطرد. حتى عندك دائماً ترى هذه الجملة التي يقولون فيها "له نظير وليس له نظير"؛ هم يحذفون الساكن من «مستفعلن» عن طريق الخبن والطي؛ الخبن هو حذف الثاني الساكن، والطي هو حذف الرابع الساكن. لكن لما جاءوا مثلاً في «مفاعيلن»، ماذا فعلوا فيها؟ فعلوا فيها الكف، وهو حذف الأخير الساكن السابع، وأيضاً حذفوا منها الخامس الساكن فصارت «مفاعل»، لكن لا يجتمعان طبعاً الكف والخبن.

وربما حذفوا فيما يسمى بالكسب حذف المتحرك السابع الأخير في مفعولات كما سيأتي معنا. لكن هنا كما قلت سأعلق لك بتعليق تفهم به إن شاء الله تلك القضية.

قالوا طبعاً نحن عرفنا الوقص، لماذا سمي الوقص؟ الوقص في الأصل سقوط الرجل من فوق دابته فتندم عنقه، أي يسقط من فوق دابته فتندم عنقه، فهذا ما حصل في الحرف الثاني في التفعيلة؛ سكنوه أولاً ثم حذفوه ثانياً فدق عنقه، كانوا كأنما دقوا عنقه، يعني "متفاعل" صارت "مفاعل". أين الثاني؟ وقص سكن ثم حذف. نعم، هذا نظير ما ستجده في "مستفعل"؛ لأنك لو قلت "متفاعل" هي نفس وزن "مستفعل".

ومن ذلك أن التفعيلة أضمرها الساكن لتصير "متفعل"، وسموا ذلك الخزل، وهو سقوط الرابع بعد تسكين الثاني. الخزل هو القطع في الأصل، والبعض كابن جني يقول الخزل بالخاء؛ فأنت سترى في كتب العروض استعمال "الجزل" و"الخذلان" عند العروضيين في هذا النوع من الزحاف، وسموه مجزوماً ومخزوناً. الرابع لقطع الرابع بعد التدرج إليه بضعف الثاني بسكونه؛ تدرجوا إلى الرابع وقطعوه فقالوا الخزل أو الجزل.

ونبهوا على شيء علمنا حصوله في أثناء الشرح لزحام الإضمار وشرح البحور، وهو دخول الإضمار على "متفاعل" المقطوعة لتصير "فعلات"، ثم صارت بالإضمار "فعلات". هم قالوا "فعلات"، صح؟ "متفاعل" نقلوها إلى "فعلات"، ثم قالوا صارت بالإضمار "فعلات"، بالقطع صارت "فعلات" ثم بالإضمار "فعلاه"، وهذا قد عرفتموه ولا تحتاجون إلى معرفته هنا استقلالاً وإن كانوا نصوا عليه.

تكلموا كذلك بالإضمار؛ هل أنا لما تعرضنا للضرب في مجزوء الوافر هل تعرضت لمنع الإضمار؟ بل ذكرت في المثال الأخير في المقطوع، ذكرت وقوع الإضمار، والمقطوع أقصر من الصحيح ومن المذل ومن المرفل. فإذا كان يجوز أن يقع كما ذكرت لكم المثال الذي قال فيه في بيت ابن عبد ربه: «أين الذين تسابقوا في المجد»؛ إذا وقع في هذا المقطوع فهو من باب أولى يقع في المرفل ويقع في المذل ويقع في الصحيح، لأن المقطوع قصرت تفعيلته ومع ذلك كان موضع الإضمار بعيداً عن آخر التفعيلة، فيجوز في المرفل وفي المذل وفي المقطوع من باب أولى.

فتكلموا في الإضمار وأنه يقع في المرفل والمذل، يقع فيه "متفاعلات" لتصير "متفاعلات"، فنقلها إلى "مستفعلات". والمذل "متفاعل" أدخلوا عليه الإضمار فصار "متفاعل" فنقل إلى "مستفعل". هل تحتاج إلى هذا الآن بعد أن عرفت المذل والمرفل؟ هل تحتاج إلى حفظ هذا النقل؟ خلاص، إذا حصلت عندك بالتطبيق انتهى الأمر؛ إذا حصلت عندك بالتاء والنون، أو بالفات، أو بالدال، أو إن شاء الله بالسين، انتهى الأمر.

وأيضاً تكلموا في هذا الوقص بدخوله على المرفل والمذل ليصير "مفاعلات" و"مفاعل". لما أدخلوا الوقص على المرفل صار "مفاعلات"، وأدخلوه على المذل صار "مفاعلان". وتكلموا في المرفل والمذل كذلك بالخزل ليصير "متفاعلات"، لما حذف الرابع الذي يقابل الطي في "مستفعل" والوقص يقابل الخبن في "مستفعل" فصار "متفاعلات" فنقل إلى "مفتعلا". والمذل صار "متفعلن" "متفعل" "متفعل" فنقل إلى "مفتعل" ليكون أقرب إلى المألوف والمعروف.

وهذا كله إذا حصلته بملكك وذهنك والحس السمعي الموسيقي عندك، فلا تحتاج إلى كل هذا؛ إذا وجدته صعباً عليك، فهذه معارف نظرية ليست تظهر، أو لا يحتاج إليها في التطبيق، وربما هذا هو الذي نقم أو نقده الكثيرون؛ الإسهاب والإسراف في هذا النقل وهذا الاصطلاح الكثير وهذا التفريع الكثير في عمل العروضيين، والله تعالى أعلم، لأن الشاعرة المتمرسة لا تحتاج إلى كل هذا.

أذكركم أن المذل والمرفل لا يقعان في الكامل التام، حتى لا تنسى؛ المذل والمرفل ضربان في المجزوء ولا يقعان في الكامل التام. وهنا ملمح يا إخوة أسجله للنظر والتأمل، وهو أننا لو تأملنا أكثر الزحافات التي وجدناها غير سائرة ويشهد واقع الشعر بعدم استساغتها وعدم اضطرادها، وجدناها زحافات تداعت عن زحافات مقبولة؛ صارت بهذه الزحافات المقبولة التفعيلة تشبه تفعيلات أصلية أخرى، فانتقلت زحافات هذه الأخرى إلى هذه التي معنا مرة أخرى.

سنلاحظ أنها زحافات تداعت حصلت بعد وجود زحافات مستطابة مشهورة تجدونها كثيراً كالعصب والإضمار، ولكن بعد انتقال التفعيلة إلى هيئة جديدة بدخول الزحافات المقبولة، صارت في الصوت تطابق تفعيلات أخرى في بحور أخرى. فانتقلت إليها الزحافات التي هي مستطابة في التفعيلات الأخرى؛ مثلاً في الوافر، لما عصبوا التفعيلة صارت "مفاعلتن" فصارت تطابق "مفاعيلن".

يقول أخوكم محمد الحماري: تقصد أنه ما دام انتقلت تفعيلة أصلية أخرى يكون مستساغاً؟ لا أقول الدخول الأول هو المستساغ، الدخول الثاني كأنه انتقال بسبب جريان اللسان بزحام الأخرى، فلما شابهت أدخلوها عليها واستعملوها فيها دون مراعاة جملة البحر والنغم، ويكون هذا هو السبب في أنها جاءت قليلة.

سؤال: لماذا لم تأتِ هذه الزحافات كثيرة كالعصب والإضمار؟ لماذا كدنا أن نراها غير مقبولة، بل تستطيع أن تقول غير مقبولة من واقع الشعر؟ هم أجازوا، ولكن ما يقابل الجواز كثير؛ فإذا قلت أجازوا كذا لا يعني أنه مستحب، ولكن يقابل الجواز أيضاً أن يكون قبيحاً. فليس معنى أنهم أجازوا يعني أنه مستحب أو أنه مستطاب، فالجواز قد يعني قبوله على مضد أن يكون خلاف الأولى، كأن يكون غير حسن لكن ليس خطأ، فمما يقابل الجواز عدم الخطأ، وعدم الخطأ قد يكون في شيء غير مستحب.

فعندك الوافر لما عصب التفعيلة صارت "مفاعلتن"، فصارت تطابق "مفاعيلن"، فحذفوا الخامس الساكن وسموه العقل، وهو في "مفاعيلن" عين القبض.

الوافر العقل بسبب تعدد أو تداعي الزحافات، وسموه القبض في مفاعيل، وهو زحاف أولي مستطاب وهناك متداع، فهذه سبب قلته أو هذا سبب قلته. وكذلك حذفوا من مفاعله لما صارت مفاعله تشبه مفاعيل، ركز يا محمد حسين لأنني قلت لك ستنتبه إلى ما وراء سؤالك.

حذفوا كذلك السابع الساكن وسموه كما عرفتم النقص في مفاعله لما صارت مفاعله، سموه النقص، وصارت مفاعله هو عين الكف في مفاعيل لما صارت مفاعيله بالزحافات طاب، الذي هو الكف، رأيتم؟

تعال هنا في الكامل، لما أضمروا صارت التفعيلة متفاعل، صارت تقابل ماذا؟ مستفعل. خذ عندك، مستفعل يستطاب فيها الخبن في مواضع كثيرة، ويستطاب فيها الطي في مواضع كثيرة. الخبن هو حذف الثاني الساكن فتصير متفعل، والطي هو حذف الرابع الساكن فيصير مستعل، يعني يجوز فيه متفعل ومستعل؛ متفعل حذف الثاني خبن، ومستعل حذف الرابع الساكن.

فصارت مطوية، فال تفعيلة في الكامل لما صارت متفاعل بالإضمار صارت تطابق مستفعل، فحذفوا الرابع الساكن وسموه في الكامل الخزل، وهو في مستفعل عين الطي. وحذفوا الثاني الساكن وسموه الوقص في الكامل، وهو في مستفعل عين الخضم.

الخبن والطي زحافان شائعان مستطابان في كثير من تفاعيل مستفعل أو مواقع مستفعل في العروض العربي، وأما في صورة الوقص والخضم فنادر، نادر؛ لأنه جاء تداعيًا بعد التشابه بحصول تفعيلة مستطابة أولية. ولهذا ترى هذه المستطابة الأولية كثيرة، ولا ترى هذه المتداعية كثيرة، بل تراها كالمرفوضة التي يرفضها الذوق. أنا متأكد أن بعضكم الآن ممن مارسوا الشعر مدة يعلم أن هذا ليس مستحبًا.

لا يا محمد، هذا موجود في كلام العرب، ليس من فعل العرضيين، هذا موجود، أنا وجدته عند عمر في البحور المجزوء، وهكذا وجدت بعض هذا لكنه قليل، وبعضكم ربما وجده كأخيكم عقيل وجده ويشعر بنفور الذوق منه، ربما يكون هذا تفسيرًا لماذا ينفر الذوق منه؛ لأنه كأنه أجنبي ساقط من تفعيلات أخرى لما طابقت التفعيلات الأولى بوقوع الزحافات المستطابة، وكان ينبغي أن نقف عندها إذا كانت هذه الزحافات القليلة هي نوع من التداخل بين التفعيلات بعد حصول الزحاف المستطاب.

فنقل إلى زحافات أخرى تستطب في التفعيلة الأصلية على هذه الهيئة، ولكن دون مراعاة البحر نفسه ودون الوقوف على الهيئة الحاصلة من الزحاف المستطاب في حدود هذا البحر بعينه، والله تعالى أعلم. ربما تقول: وهل يمكن لتفعيلة أن يكون زحاف فيها مستطاب في موضع وغير مستطاب في موضع؟ أقول لك: بل تفعيلة أصلية، ولا أقول لا يستطاب بل يمتنع.

ولهذا في مرة رسموا لك مستفعل هكذا: «مستفع» ليمنعوا عنك الطي، «مستفع» حتى يمنعك من حذف الفاء كما عرفتم في الأول، كتبوها لك «مستفع»؛ هي نفس التفعيلة، ولكن لسلطان البحر الكامل، أو ليس الكامل هنا، معنى لسلطان البحر باجتماع نغمه. منعوا الطي من مستفعل، وهذا يقوي ويدعم ما نذهب إليه، أو ما نشير إليه، ربما هنا إلى أنها تداعيات، ولهذا لم تكن مستطابة، والله تعالى أعلم.

ننتقل الآن إلى الحديث عن طبيعة بحر الكامل. كم مكثنا حتى الآن؟ لابد أن نتم على كل حال. طبيعة بحر الكامل تكلم عن هذا البحر الدكتور عبد الله الطيب كلامًا طيبًا في صفحة ٢٤٦ من كتاب المرشد، وعرفتم النسخة التي نعمل معها. قال: «بحر الكامل التام ٣٠ مقطعًا، ولكنه لا يجيء تامًا في الغالب، وهو أكثر بحور الشعر جلجلة وحركات، وفيه لون خاص من الموسيقى يجعله إن أريد به الجد فخمًا جليلًا مع عنصر ترنمي ظاهر، ويجعله إن أريد به الغزل وبما بمجر من أبواب اللين الرقة حلواً مع صلصلة كسص الأجراس، ونوع من الإبهة يمنعه أن يكون نزقًا أو خفيفًا شهوانيًا، وهو بحر كأنما خلق للتغني المحض».

﴿عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا﴾ [المدنس: ١]، «هل غادر الشعراء من متردم؟». وهو بحر كأنما خلق للتغني المحض سواء أريد به جد أو هزل، ودندنة تفعيلاته من النوع الجهير الواضح الذي يهجم على السامع مع المعنى والعواطف والصور حتى لا يمكن فصله عنها بحال من الأحوال.

ولهذا السبب فإن الشعراء المتفلسفين أو المتعمقين في الحكمة وما إلى ذلك من ضروب التأمل، قل أن يصيبوا فيه أو ينجحوا؛ ذلك بأن الحكمة والتأمل مهما كانت مناسبتها يحتاجان إلى هدوء وتؤدة، وفي النظم بخاصة يحتاجان لأن يكون نغم الوزن شيئًا منزويا، يصل إلى الذهن من غير جلبة ولا تشويش. الحكمة لا يمكن أن يشاركها بقوة دندنة عالية، بل تحتاج إلى جلجلة المشاعر حتى تتفق مع جلجلة الصوت، وأن يكون نغم الوزن كأنه إطار للكلام الموضوع فيه، لا جزء هام من صورته ورسمه.

ينبغي أن يكون في أشعار الحكمة النغم هادئًا. خذ زينب صالح بن عبد القدوس المشهورة في الحكمة، تأمل هذه القصيدة تجد لفظها شريفًا ومعانيها كذلك، ولكنك تجدها مع كل هذا لا تهزك ولا تحركك كما ينبغي للشعر العظيم أن يفعل. وليس السر في ذلك جفاف حكمها ومواعظها، فهي كلها نصائح غالية، وإنما السبب الرئيسي أن جوها جاد.

جدا لا يسمح بالدندنة التي تنشأ عن تفعيلات الكامل: «صرمت حب لك بعد وصلك زينب .. والدهر فيه تصرف وتقلب».

وقد كان أبو الطيب المتنبي من رجال التأمل والحكم والوثبة العقلية العميقة، وقد أدرك بفطرته الصادقة أن البحر الكامل لم يُخلق له، فاتجاهه في الكثير غالبًا هو أن بحر الكامل قليل عند المتنبي؛ لأنه يتفلسف في شعره أحيانًا، ويأتي بالوثبات العقلية العميقة كما قال.

وقال شاعر آخر غير المتنبي امتاز بالتأمل والحكمة، أعني أبا العلاء المعري، تعاطى الكامل وأجاد فيه، وهذا لا ينقض حجتنا في أن الكامل ليس ببحر تأمل؛ ذلك بأن المعري كان حاذقًا في صناعة الشعر، متعدد المواهب، وكامل في "سقط الزند" وهي قليلة نحو كذا وكذا من الغناء المحض، وكامل في لزوم ما يلزم، إما أن يغلب عليها جانب الغناء وإما أن يغلب عليها جانب الوصف التصويري.

ثم له كلام طويل يا إخوة في كيف انسجم أبو تمام مع بحر الكامل رغم تعمقه في فلسفات المعاني، وقال في ذلك -طبعًا له كلام أطال به وشرح السر وذكر أمثلة وشرح-: «والسر في ذلك أن أبا تمام كان يتغنى بأفكاره أو كان يتغنى بأفكاره وتأملاته، فلا تفسدها دندنة الكامل بحال من الأحوال».

ثم يقول في صفحة 258: «ومن عجيب خصائص الكامل أنه من أصلح البحور لإبراز العواطف البسيطة غير المعقدة كالغضب والفرح والفخر المحض وما إلى ذلك». لو كانت هناك قصيدة فيها شرح وتوضيح وابتعد عن الكامل، فإن الدندنة فيه ينتظر معها المتلقي أن يراك منفعلاً لا متفكرًا. ويقصد بالبسيطة يعني مباشرة العواطف، وليس عدم العمق البلاغي، فشيء آخر نتكلم عن جذور المعنى وأصل المعنى ينبغي ألا يكون في الفلسفة وما إلى ذلك كما يذهب الدكتور عبد الله الطيب.

ثم يقول في صفحة 259: «وحقيقة بحر الكامل كما ذكرنا من قبل غنائية محضة»، أعني بغنائه ترنمًا موسيقيًا خالصًا، «وللشعر في الأداء بواسطته مذهبان: الفخامة والجزالة هذا مذهب، والرقة واللطف هذا مذهب آخر». هو يدخل في الشكلين الأساسيين المعروفين: الفخامة والرقة، وتعرفون هذا في باب مشاكاة الألفاظ للمعاني. ومن عبود الشعر الكامل يدخل في الاثنين، بشرطه أن يكون كما قال من قبل غنائيًا محضا، فإذا تفلسفت وكذا لن تستطيع كما فعل أبو تمام.

ثم ذكر مثالًا للفخامة والجزالة في معلقة لبيد، وذكر مثالًا للرقة واللطف في معلقة عنترة، وإن كنت قد أخالفه في ذلك. ثم يقول في صفحة 260: «الكامل ذو ثلاثين مقطعًا تغلب عليها الحركات، ولو التزم شاعر تفعيلاته التامة أوقعه ذلك في الرتابة». وسر الصناعة في الكامل كله -وهذا تأكيد للسر- يدور على تغليب السكنات على الحركات طورًا، ثم على تغليب الحركات على السكنات طورًا آخر، ثم على الموازنة بينهما أحيانًا.

ومعنى هذا أن يفتن الشاعر في استعمال الأحرف؛ انتبه، ظاهر هنا أنه لا يريد عدد الحركات والسكنات وإنما يريد طريقة إيرادها من خلال الحروف، فيقول: «ثم على الموازنة بينهما أحيانًا، ومعنى هذا أن يفتن الشاعر في استعمال الأحرف المتحركة، والأحرف المشددة، وأحرف المد والإشباع، وأنواع التنوين». ثم جاء بمعلقة لبيد وشرح لك شرحًا جميلاً يحصل أن تقف عليه، كيف لعب لبيد ليخرج من الرتابة في الكامل بالراء وبالياء وبعض الحروف المدغمة والتشديدات وما إلى ذلك.

ثم يقول في صفحة 263، وبعد أن شرح شرحًا طويلًا نوعًا، وقلت لكم هذا المقطع أو هذا الجزء من كتابه مفيد لكم بوصفكم شعراء: «ولعل فيما ذكرناه من معلقة لبيد قدرًا كافيًا يوضح منهجه في الكامل، من استعمال الرصانة والقوة والفخامة والشدة، والطريقة الأخرى وهي طريقة الرقة واللطافة والتغني العذب، تجدها من شعراء الجاهلية عند عنترة في معلقته».

وفي صفحة 268 يقول: «وحق الكامل ألا ينظم فيه فيما عدا التغني المحض، إلا نحو هذا الكلام الذي تكون فيه العاطفة ناصعة واضحة». ثم قال كلمة عن البحتري، أترى النتيجة يا عقيل؟ بالمناسبة هو حتى عرض أخوكم يقول المتنبي فلسف الكامل، فربما إذا قرأتم يجدونه أيضًا ذكر الذين تفلسفوا في الكامل كيف نزلوا، كما فعل صالح بن عبد القدوس، وربما عرض المتنبي -لا أذكر- اقرأوا هذا الجزء.

ثم قال، وانظروا ماذا قال في البحتري، هذه كلمة حلوة في البحتري، الحقيقة قال: «والبحتري شاعر اللطف والرقة غير مدافع، وإن صح أن يوصف عنتر بأنه رقيق، فأصحاب المعلقات -فالبحر رقيق- الشعراء المحدثون جميعًا أطباعهم، وأسال سهمًا من غير خروج عن مذهب المتانة في السبك واتباع المنهج الفصيح في تقعيد الكلام، ولكان كاملًا لكامل؛ لبحر الكامل عند البحتري، ولكلام رنين قل أن تجد نظيره عند غيره من الشعراء، نغم رنان تنساب معه الألفاظ انسيابًا». واستفاض في بيان ذلك عنده.

في صفحة 282 يقول: «ومن عجيب أمر الكامل أن الرثاء قل أن يصلح فيه إن لم يكن نوحًا وتفجعًا». ثم تكلم بكلام عن عينية أبي ذئب، وافقته في بعض وعارضته في بعض، واختلف شديدًا مع الدكتور عبد الله الطيب في تناوله لعينية أبي ذئب، إذ جعل المدخل إلى نقد أكثر القصيدة هو بحر الكامل، ولكن المقام هنا لا يسع في دروس العروض أن أتناول كلامه وأن أفنده؛ لأن هذا مقام هو أقرب إلى نقد الشعر وفهم المعنى وفهم أغراض الشاعر، ولو سلكت هذا النقاش هنا خرجت بالتمام عن العروض.

نحن حددنا موعدًا لهذا النقاش مع عبد الله الطيب في مجلس تطبيقي في يوم الأربعاء القادم إن شاء الله تعالى، لكن هذه المعلومة مهمة بقطع النظر عن التطبيق في قصيدة أبي ذئب؛ قال: «ومن عجيب أمر الكامل أن الرثاء قل أن يصلح فيه إن لم يكن نوحًا».

وتفجع، لا يصلح الرثاء في بحر الكامل إلا أن يكون نوحًا وتفجعًا. وأخيرًا في صفحة 289 يقول: «وخلاصة كلامنا عن بحر الكامل أنه ذو نغم مجلجل رنان يصلح لكل ما هو عنيف من الكلام، كما يصلح للترنم، ولا يسوغ فيه التأمل والتعمق بحال من الأحوال إلا على طريقة أبي تمام الذي كان يتغنى بأفكاره»، فارجعوا لتعلموا ما هي طريقة أبي تمام التي ذكرها.

وختامًا يا إخوة، كما قلنا نأتي الآن إلى قضية الدوائر. قلت لكم سندرس أول دائرة بعد الانتهاء من الكامل لنضم إليه أو لنضم إلى الوافر، فهذان البحران، وعلى ما سنقوله في هذه الدائرة قسوا الآتي، وسأكون معكم فيها إن شاء الله غالبًا، ربما أقف معكم على دائرة، لكن المهم أن أقف معكم هنا على الأقل على دائرة الكامل الآن.

بعد أن ننتهي، تخيلوا معي، ترسمون دائرة وتشدون فيها أقطارًا بحيث تحولونها إلى ستة أجزاء كهذه الصورة، لكن ربما سيستمع بعضكم إليها صوتيًا، لا أدري إذا كانت تظهر عندكم، لكن دعونا نوضحها بالكلام أفضل بالتخيل. الآن ما شاء الله ستخرج عضلات أسماعكم وعضلات أذهانكم بعد هذه المجالس وقد نشطت جدًا وتضخمت، لكننا نقعد نكتب على اللوح، وتظل كلما أردت أن تنظر في المكتوب لا أريد سماعًا فقط، بل أريد عقلًا وذهنًا وصدرًا حافظًا.

ما هي الدائرة؟ هذان البحران يا إخوة مؤتلفان في المقاطع، ويشتركان في دائرة سماها الخليل بدائرة المؤتلف. لماذا سميت بدائرة المؤتلف؟ لأن البحرين فيهما مركبان من أجزاء سباعية مكررة، فلما ائتلفت الأجزاء سميت بدائرة المؤتلف. وقدموا في الدراسة بحر الوافر على بحر الكامل؛ لأن الوافر أوله وتد مجموع، والوتد المجموع أقوى من السبب، سواء كان سببًا خفيفًا أو ثقيلًا. وهو سبب ثقيل في الكامل، متحركان في "مستفعلن" وتد وتد أو سبب خفيف. الوتد المجموع أقوى من الأسباب، ولهذا قدموا، حتى في دائرة تسمى بدائرة المختلف ستأتي معنا، قدموا الطويل على البسيط والمديد؛ لأن الطويل يبدأ بـ "فعولن" أو "فعولُ" وتتئن بالوتد المجموع، فكذلك في دائرة المؤتلف هنا قدموا الوافر لأنه يبدأ بـ "مفاعلتن" وتتئن.

الآن تعالوا نلعب لعبة الدوائر، ترسمون دائرة ولا أساعدكم. الزاوية القائمة 90، و90 هي 180، فوق وتحت كم؟ 360. اسحب ثلاثة أقطار لتكون زوايا أشباه المثلثات في الدائرة على زاوية 60 بالمنقلة الهندسية التي معك، يعني اجعل ستة أماكن في الدائرة. ثم تعال إلى النصف الأعلى من الدائرة، الخانات الفارغة، يعني الفراغ المثلث أو شبه المثلث لأن ضلعه الثالث منحني بحكم الدائرة، لكن سنقول المثلث تقريبًا. سترسم فيه الوتد المجموع (تتن تتن) وفي الثاني (تتتن) فاصلة صغرى، ثم وتد مجموع (تتن)، ثم تبدأ في النزول، لكن كيف تسير؟ تسير عكس عقارب الساعة. عقارب الساعة تسير باليمين، أنت سر باليسار. ابدأ باليمين من فوق "تتن" ثم ارسم "تتتن" ثم "تتن" ثم "تتتن"، انزل تحت، ثم في المنتصف أسفل "تتن"، ثم في اليمين أسفل "تتتن". ستكون: تتن، تتتن، تتن، تتتن.

أكررها خلاص. تعالى، إذا أردت أن تستخرج بحر الوافر، ابدأ بالوتد المجموع الذي رسمته أولًا وهو "تتن"، واصعد "تتتن" (مفاعلتن)، ثم "تتن" "تتتن" (مفاعلتن)، ثم "تتن" "تتتن" (مفاعلتن)، ها، شطر البيت معك: تتن تتن تتن تتن تتن تن، ولهذا قالوا لك الوافر ماذا؟ مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن. هل يوجد هكذا في الحقيقة أم قضت به الدائرة؟ الآن معكم قضت به الدائرة.

تخيل معي الآن في الهواء، ارسم دائرة خطوة بخطوة يا إخوة، حتى لو أطلنا معلش، لكن لا أريد أن ننتهي قبل انقطاع الكهرباء. ارسم دائرة في الهواء وارسم فيها ثلاثة أقطار، شد في داخلها بين أجزائها ثلاثة أقطار متساوية الزوايا في المنتصف، كل زاوية كم؟ لا يا عقيل، لا تستخرج البحور من بعضها، ونبه على ذلك حازم القرطاجني، المهم أن ترسم دائرة في الهواء هكذا معي الآن لمن يستمع أيضًا دون أن يرى، يرسم دائرة في الهواء وشد فيها ثلاثة أقطار، الزوايا في داخلها كل زاوية بين كل ضلعين 60 درجة، لتتم لك الدائرة: 60 60 60 60 60 60، خلاص 360.

سيكون معك ستة فراغات. أول فراغ فوق على اليمين، ارسم فيه أول جزء أو مقطع من تفعيلة الوافر (تتن)، وفي الثاني الجزء الثاني الفاصلة الصغرى (تتتن)، وفي الثالث ارجع وارسم مرة أخرى اكتب أو ارسم الوتد المجموع ثم الفاصلة الصغرى تحت في اليسار، ثم تحت في المنتصف ماذا؟ الوتد المجموع مرة أخرى، ثم تحت في اليمين الفاصلة الصغرى.

تعال نقرأ الآن من أول ما كتبنا: تتن تتتن تتن تتتن تتن تتتن، مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن، قالوا هذا شطر بحر الوافر. طيب الكامل، ابدأ من التفعيلة الثانية التي هي الفاصلة الصغرى التي هي الوسطى فوق: تتن تتتن تتن تتتن تتن تتتن، نصف شطر الكامل. شفت اللعبة حلوة إزاي؟ تتن تتتن تتن تتتن تتن تتتن، هل توجد مشكلة الآن معنا في بحر الكامل على ما درستم؟ هل توجد مشكلة في الكامل يا إخوة؟ تفضلوا الشاي. لا يا فاطمة، لا توجد مشكلة، أحسنت.

طيب، هل أحد منكم يرى مشكلة في الكامل؟ لا، تعال نرجع إلى الوافر الذي بدأنا به. هم لما نظروا وجدوا الدائرة التي رسمها الخليل تقتضي أن تكون التفعيلة الثالثة (تتتن)، فقالوا طيب ماذا نفعل؟ نحن في الواقع لا نعرفها إلا "تتن تن"، يعني مكان الفاصلة الصغرى الفراغ الذي في الأسفل "تن" واحدة فقط، ليس "تتتن" بل "تن" واحدة. فماذا نفعل في تحويل "تتتن" إلى "تتن تن"؟ قالوا نحتاج إلى "تن"، فماذا نفعل؟ لابد من فعل شيء له نظائر، العصب الوسطى تصير "تن تن" بدل "تتتن". وبعد أن عصبنا الوسطى صارت "تن تن" بدل "تتتن"، العصب الذي هو تسكين الخامس الساكن من مفاعلتن.

ما زلنا يرد تحويلها إلى «تن»، عندنا الحذف موجود، الحذف الذي هو ماذا؟ حذف سبب خفيف، احذف السبب الخفيف بقي عندنا «تن»، صارت «تن»، حولوها إلى «فعول».

كل هذا أغضب الدكتور عبد الله الطيب، وأغضب القرطاجني من قبل، وأغضب كثيرًا من العروضيين أو فقهاء الإيقاع. هذا الدكتور عبد الله الطيب في صفحة 800، وهذا في المجلد الثاني، وهو الجزء الثالث صفحة 812، انظر ماذا قال. يقول كلامًا عنيفًا، بالمناسبة يا إخوة عبد الله الطيب قال كلامًا عنيفًا جدًا.

في صفحة 810 أولًا يقول: «وإني بعد أكرر ما قلته، ثم أكرر ما قلته، ثم إني أعيب على قدماء العروضيين ما أسرفوا فيه من المصطلحات، وما جنحوا إليه من فساد القسمة في بعض الدوائر، وأثر على...» إلى آخره. المهم ثم يقول، طبعًا هو ينتقد مذهب طريقة الخليل، وهنا أمر في غاية الأهمية في النظام الخليلي ينبغي التنبيه عليه، وهو أنه يبرز جانب الموسيقى المحضة في أوزان الشعر، وهذا مرادنا من قولنا إن مذهب المقاطع مقصر عن حقيقة إدراك النسب الزمنية إلى آخره.

ثم يقول، طبعًا هذا كلام آخر ليس موضوع الآن: «وقد كان الخليل وأصحابه، على ما في نظامهم من عسر وتعقيد وهفوات، يدركون حقًا طبيعة النسب الموسيقية في الأصل». أنبهكم إلى أنني أعلمكم بما يقال وليس أقر، ولست أرفض. ثم هنا يصرح صراحة يقول: «ودليل من هذا على إدراك الخليل لموسيقى العروض توهمه أصلًا مثاليًا، وقد أخطأ في هذا التوهم من حيث المنهج التعليمي». هو يصرح هكذا عبد الله الطيب، وقد أخطأ الخليل في هذا التوهم من حيث المنهج التعليمي كما أخطأ من حيث حق الاستقراء، إذ لا معنى للنص على ما لا وجود له. هو يقول لا معنى لأن تنص على ما لا وجود له، ولكنه قد أصاب من حيث الإدراك النغمي المحض في الأصل.

انظر كيف يعلل قضية الدوائر، له فلسفة فيها عبد الله الطيب، يقول: «وقد كان الخليل يعلم بذوقه وبدا له أن الأوزان ما هي إلا أشكال موسيقية، فالتمس لها نموذج الكمال في الدائرة، وحين استعصى عليه أن يضع كل بحر موجود في دائرة، توهم أصلًا دائريًا ينبع منه ذلك البحر، فنسبه إليه وبنى أنظمة الزحاف والعلل على ما اقتضاه هذا التوهم».

يعني معنى في بحر الوافر الآن، قال أصله: «تتن تن تن تن تتن»، ماذا نفعل في «تتن تن» ولم نسمعها عن العرب؟ أدخل العصب والحذف وسمى الجميع بعلة القطف. خلاص، يعني إذا هو يرى أن الخليل توهم هذا ثم أدخل الزحافات والعلل. وقد يخالف عبد الله الطيب، يقال الخليل صنعه منهجًا تعليميًا فقط، سواء وافقت عليه أو لم توافق عليه، هو منهج تعليمي ولم يتخيل موسيقى، بل وصل البحر منها إلى الهيئة التي عليها العرب.

قال: «وأحسب أن الخليل ومن اتبعوه قد أوتوا من حيث إنهم كانوا نحاة، وقد جرت الخليل عادة النحو إلى أن يسلك بالعروض مذهبًا نحويًا، وقد كان رجلًا عظيم الذكاء، دقيق المداخل إلى العلل في أبواب النحو...» إلى آخره. يقول: «وقد اضطر الخليل في حمله العروض على طريقة النحو إلى أن يستكثر من الاصطلاحات»، كما نراه من عيبها، يعني هو يرى أنها كثرت المصطلحات شديدًا بحيث صارت مشكلة.

طبعًا بالنسبة لبحر الوافر هناك كلام خاص، في صفحة 330 يقول: «مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن»، هذه الصيغة خيالية لم يستعملها شاعر، والعروض مولعون بالصيغ الخيالية، وقد احتالوا على وزنهم هذا المفتعل فأدخلوا عليه علة اسمها القطف. فهو يقول هذا ما اقتضته الدائرة، والدائرة تعليمية ينبغي ألا تكون حاكمة. ونحن هنا لا نوافق ولا نخالف، أنا فقط أريدكم أن تعلموا هل فهمتم الآن قضية الدائرة وكيف جاءت؟ هل فهمتم الدائرة وكيف جاءت؟

في الأخير نتذكر، هذه الدوائر ليست لاختراع بحور باطراد الحساب والنظام فيها، إنما هذه الدوائر وسيلة حسابية لاستخراج البحور الموجودة، فإذا تعارض نظامها مع البحر الموجود فلا عزاء للدائرة، وإنما الذي تتقرر به البحور والإيقاعات الصحيحة هو الذوق العربي صرفًا ومحضًا وبحتًا. بعد ذلك، بعد ميلاد الإيقاع وبعد تمخض البحر عن الذوق العربي، تأتي الوسائل التعليمية والتقريب، سواء كانت الدائرة الخليلية أو كان غيرها، يأتي ذلك ليشرحها وليقربها لا ليصنعها.

وهذا آخر ما أردت في هذه المحاضرة، وشكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.