بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أما بعد؛ أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا الثامن من مجالس علم العروض. انتهينا بحمد الله تعالى من الدائرة المعروفة بدائرة المؤتلف، ودرسنا فيها بحري الوافر والكامل. ومر معنا فيها حتى الآن من الزحافات: زحاف العصب الذي يدخل تفعيلة الوافر، وزحاف الإضمار الذي يدخل تفعيلة الكامل.
ومر معنا من العلل القطف الذي يكون في الوافر، ومر معنا القطع الذي هو حذف ساكن الوتد المجموع وتسكين ما قبله، ومر معنا في الكامل كذلك عرفنا علة الحذ أو الحذذ، وهو حذف الوتد المجموع كله، ومر معنا كذلك في الكامل. وعرفنا كذلك أن الإضمار يقابل أو يناظر العصب؛ لأن هذه الدائرة، دائرة المؤتلف، تتكون تفعيلتها من مقطعين: من الفاصلة الصغرى والوتد المجموع.
في تفعيلة الكامل قدمت الفاصلة الصغرى، وفي تفعيلة الوافر أخرت الفاصلة الصغرى. ومر معنا كذلك علة الترفيل، وهي زيادة سبب خفيف على ما آخره وتد مجموع، ومرت معنا كذلك علة التذييل وهي زيادة ساكن على ما آخره وتد مجموع، وكان ذلك في الكامل كما عرفنا. وكما قلنا الدائرة تفعيلتها إما «مفاعلتن» أو «متفاعلن»، وكلاهما مكون من وتد مجموع وفاصلة صغرى. إذا قدمت الوتد المجموع سميت تفعيلة الوافر، وإذا قدمت الفاصلة الصغرى كانت تفعيلة الكامل.
ولهذا لما رسمنا الدائرة في الكامل والوافر، استغرقت منا أو احتاجت منا إلى ستة أجزاء؛ لأنك بالدائرة ترسم شطر البيت، وشطر البيت معنا في الوافر والكامل من ثلاث تفعيلات، وكل تفعيلة مكونة من جزأين. فلهذا احتجت إلى: تتن تتتتن، تتن تتتتن، تتن تتتتن. فإذا بدأت بالوتد المجموع واستغرقت الأجزاء الستة تم لك نصف الشطر من الوافر كما عرفنا: «تيتن تيتيتن تيتن تيتيتن تيتن تيتيتن»، وهذا مقتضى الدائرة وأدخل القطف كما عرفنا. وإذا بدأت من الفاصلة واستغرقت الأجزاء الستة كان معك نصف شطر الكامل: «تيتيتن تيتن تيتيتن تيتن تيتيتن تيتن». بعد ذلك تدخل ما تدخل في الزحافات والعلل.
عرفنا إذن دائرة المؤتلف التي انتظمت الوافر والكامل، وعرفنا أنها سميت بدائرة المؤتلف لائتلاف تفعيلاتها، فكلها سباعي مركب من فاصلة صغرى ووتد مجموع، والوتد المجموع يأتي مرة قبل الفاصلة ومرة بعد الفاصلة.
نبدأ اليوم في دائرة تسمى بدائرة المشتبه. دائرة المشتبه؛ والاشتباه والائتلاف قريبان، لكن الاشتباه أقل في هذا المعنى من الائتلاف. فالدائرة التي معنا، دائرة المشتبه، تتركب كل تفعيلاتها من سببين خفيفين ووتد مجموع. ركزوا معي يا إخوة، نحن لأننا انتهينا في آخر كلامنا من دائرة، نبدأ من دائرة جديدة حتى يترسخ في أذهانكم مفهوم الدائرة.
نحن الآن كان معنا في الماضي في الوافر والكامل دائرة المؤتلف، كانت معنا تفعيلة مكونة من وتد مجموع ومقطع آخر هو الفاصلة الصغرى. الآن التفعيلة مكونة معنا من ثلاثة أجزاء: من سببين خفيفين ووتد مجموع، لكن مرة يتقدم الوتد المجموع ويتأخر السببان الخفيفان، وهذه «مفاعيل» تفعيلة الهزج؛ يتقدم الوتد المجموع «تتن» ويتأخر السببان «تن تن»، فصارت «مفاعيل».
ومرة يتقدم السببان الخفيفان ويتأخر الوتد المجموع، فتصير «تن تن تتن»، فهذه «مستفعلن» تفعيلة الرجز. ومرة يأتي سبب خفيف في أول التفعيلة ويتوزعان؛ يعني مرة يجتمع السببان الخفيفان في الأخير، ومرة يجتمعان في الأول، ومرة يتوزعان يأتي سبب خفيف في الأول وسبب خفيف في الأخير ويتوسط الوتد المجموع، وهذه «فاعلاتن» تفعيلة الرمل: «تن تتن تن».
ولأجل هذا الذي حصل في «فاعلاتن» قالوا المشتبه ولم يقولوا المؤتلف. ما الفرق بين المؤتلف والمشتبه؟ أنت لو نظرت إلى تفعيلتي دائرة المؤتلف (الوافر والكامل): «تتن تتتتن» و«تتتتن تتن»، هذا اشتباه وائتلاف لكن فيه ائتلاف قدر زائد. لكن في «تتن تن تن» و«تن تن تتن» و«تن تتن تن» فيه ائتلاف لكن أخف، فقالوا المشتبه؛ فالائتلاف قدر زائد، والصورتان أو المعنيان قريبان.
تعالوا الآن نرسم دائرة المشتبه. إلى كم جزء نحتاج في أن نقسم الدائرة؟ نحن قلنا لما كانت معنا تفعيلة مكونة من جزأين، وكان الشطر الذي نرسم منه أو نأخذه من الدائرة من ثلاثة تفعيلات، فالتفعيلة مكونة من جزأين، 3 ضرب 2 فاحتجنا أن نفعل ستة أجزاء. أما هنا التفعيلة مكونة من ثلاثة أجزاء، والشطر فيه ثلاثة تفعيلات، ثلاثة ضرب ثلاثة يعني تسعة.
يعني مثلا في تفعيلة الهزج، سنحتاج إلى دائرة توعب الرجز؛ في الرجز مثلا «مستفعلن»، شطر الرجز «مستفعلن مستفعلن مستفعلن» على أصله: «تن تن تتن»، فيها سبب خفيف، سبب خفيف، وتد مجموع. فإذا أردنا دائرة توعب الرجز سنحتاج إلى دائرة فيها تسعة أجزاء. لك أن ترسم الدائرة بطريقة، حتى أتيت لك بالهيئة، أنا أرسمها هكذا على صورة قريبة من المثلثات كما ترى، لكن طبعا هنا سترسمها بالمنقلة، ترسمها هكذا بهذه الطريقة. لماذا؟ لأنك سترسمها عن طريق الزوايا؛ لأن هذه تسعة أجزاء، لن تكون أقطارا تشدها بين موضعين في الدائرة، لأن هذا سيقتضي أن تكون الأجزاء زوجية. فبالتالي سترسمها، ستقسم 360 على التسعة، إذا تحتاج إلى زاوية 40 لو استعملت الرسم الهندسي، ولك أن ترسمها هكذا، ترسم الدائرة وتوزع عليها بيدك هذه الأجزاء. المهم أن أعد هذه الأجزاء فتكون تسعة أجزاء.
إلى الآن واضح؟ هل هناك سؤال في هذه الطريقة وفي الرسم؟
نحن عندنا ثلاثة أجزاء: سبب خفيف، ووتد مجموع، في كل البحور التي معنا. سندرس البحور بالترتيب هكذا: بحر الهزج، ثم بحر الرجز، ثم بحر الرمل.
هناك شيء أريد أن أنبه إليه يا إخوة، نحن كما قلت درسنا هذه التفعيلات التي ذكرتها الآن، وما أذكره من الخرم -وما سيأتي مثل الخرم والأشطر- هو في الحقيقة ليس زحافًا في الأصل على الاصطلاح الذي هو تغيير يلحق ثواني الأسباب؛ بل هو علل قبيحة. هي علل قبيحة لكنها جرت مجرى الأسباب أو مجرى الزحافات في جواز أخذها وتركها، فهي علل قبيحة شبه مهجورة تجري مجرى الزحاف، ويذكرها المصنفون كابن جني والتبريزي تحت مصطلح الزحاف، وأنا لم أهتم لشأنها وبيانها تمامًا كونها عللًا، ولأنه واضح أنها تترك وتؤخذ. ومن الواضح أنهم أصلًا ينصون على أنها قبيحة، كابن عبد ربه في «العقد الفريد»، وينص كذلك بعض العروضيين على قبحها، وأهملها بعض العروضيين في مصنفاتهم، فذكرتها كذلك تحت الزحاف كما ذكروها ولم أقف عندها كثيرًا.
كذلك هناك نقطة، بعضكم ربما قال لي: لماذا لم أذكر القصص في الأول لما تكلمنا عن المقدمات وعن الواضع وكذا؟ لماذا لم أذكر القصص في وضع الخليل العروضي؟ لأنني أرى كل هذا أصلًا قصصًا سخيفة وتخريفًا وتقزيمًا للعروض. يقولون مثلاً إنه دخل وسمع الذين يدقون بالإناء أو يفعلون كذا، وكأنه كان ينتظر هذه النغمات ليستخرج العروض! هو عنده البحور التي فيها ذلك، ويتكلمون كأنه وضع البحور، وهذا قص للأطفال وتخريف وتقزيم لعلم العروض. هو عنده الشعر الذي فيه هذا الإيقاع، فهل عجز عقل هذا الرجل عن أن يضع علم العروض من الشعر وهو يسمع الحركات والسكنات؟ لا.
وهذا أنا أؤمن به من قديم في الحقيقة، ولا أؤمن بهذه القصص التي أراها تخريفًا وأساطير. حتى قرأت لأخي الأستاذ فخر محمود شاكر -ابن الشيخ الجليل الكبير محمود شاكر رحمه الله- في تقديماته لكتاب الشعر لوالده، في الصفحة التاسعة وجدته يقول: «لم أجد فيما قرأت ممن ترجم للخليل كلامًا شافيًا عن استخراجه لعلم ميزان شعر العرب. كلها أقوال مرسلة بين دعوته في البيت الحرام، يقولون إنه أصابته الغيرة من تلميذه سيبويه لما وضع علم النحو فتعلق بأستار الكعبة وألح على الله في الدعاء أن يرزقه علمًا لم يسبق إليه».
كل ما فعله الخليل لم يسبق إليه أصلًا، فهذا كله كلام بعضه لا يليق بالخليل وبعضه لا يليق بالعروض. ستأتي الآن الأسماء التي ذكرتها الآن مما يجري مجرى الزحاف إن شاء الله. يقول فخر شاكر: «لم أجد فيما قرأته ممن ترجم للخليل كلامًا شافيًا عن استخراجه لعلم ميزان شعر العرب. كلها أقوال مرسلة بين دعوته في البيت الحرام أن يرزقه الله علمًا لم يسبق إليه، وبين سماعه لصوت القصابين في السوق وضربهم الملابس فاستخرج من هذا علم العروض. وهذا كلام لا يستقيم عقلًا ولا سند له من الصحة. إنما هي أقوال وأخبار مرسلة». ولا أظن أن عملًا فذًا كعلم العروض وبنيانه الصارم الدقيق يتأتى من هذا الكلام المرسل، فهي أقوال لا يقبلها عقل عاقل يرى عظمة هذا العمل. وأنا مع هذا الكلام ومن قديم لم أؤمن بهذا ولم أصدق به.
كما قلت الآن معنا التفعيلة في هذه البحور الثلاثة مكونة من سببين خفيفين ووتد مجموع، ولكن تتكون هذه التفعيلات الثلاثة من خلال ترتيب وضع هذه الأجزاء. فمرة يتقدم الوتد المجموع ويتأخر السببان، فهذا يكون منه «مفاعيلن» للهزج. ومرة يتقدم السببان ويتأخر الوتد المجموع، فهذا منه «مستفعلن» للرجز. ومرة يأتي وتد في الأول، وسبب خفيف في الأول وسبب خفيف في الأخير ويأتي الوتد متوسطًا بينهما، فهذا «فاعلاتن» تفعيلة الرمل.
ولكم أن ترسموا الدائرة كما شئتم. انظروا هنا، إذا بدأتم وقلنا هي تسعة أجزاء؛ ابدأ بالوتد المجموع: وتد مجموع، سبب خفيف، سبب خفيف، وتد مجموع، سبب خفيف، سبب خفيف، وتد مجموع، سبب خفيف، سبب خفيف. ابدأ من الوتد من أي وتد مجموع واستكمل الدائرة، يخرج معك «مفاعيلن» ثلاثة مرات، وهنا يخرج معك الهزج.
ثم جزؤوه، وقالوا لك مجزوء، وظلت كتب العروض تقول مجزوء حتى دارت رؤوسنا ونأتي عند الهزج أن نتذكر أنه ليس مجزوءًا بالأصل. لما تقرأ المجزوء هو فين الكامل؟ ليس له كامل. وهذا بعض ما ضايق بعض المتقدمين كالقرطاجني، وبعض المتأخرين كعبد الله الطيب، وهو توهم الأعاريض؛ يعني البحور التي لا وجود لها، فتراهم يقولون الهزج مجزوء، وله عروض مجزوءة صحيحة وضرب مجزوء صحيح، وهي أصلًا لم تأتِ العروض إلا مجزوءة.
لكن لو أنك أردت أن تأخذ الهزج وحده ستصنع له دائرة وحده، ومن كم يا إخوة؟ مفاعيل مفاعيل. لتستخرج شطر الهزج ستكون دائرته من كم جزء؟ لو أنك أردت أن تصنع دائرة للهزج كما خُلق كما هو، الذي هو أربع تفعيلات «مفاعيل مفاعيل مفاعيل مفاعيل»، هذا هو الهزج، ستكون ستة أجزاء. وهنا لن تستطيع أن تستخرج الرجز لأنه «مستفعلن مستفعلن مستفعلن»، فالرجز التام الذي تخرج شطره تامًا لن تستخرجه من دائرة الهزج على صورته التي خُلق عليها وجاء عليها. فماذا فعلوا؟ جعلوا الجميع في دائرة واحدة، وقالوا بعد ذلك مجزوء، يعني حذفت منه تفعيلة كأن أصله «مفاعيل مفاعيل مفاعيل»، ثم حذفوا مفاعيل من العروض والضرب أو من المصرعين.
فكما فعلوا في بحر الوافر؛ لما قالوا أصله في الدائرة التام، أصله الصحيح يعني «مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن»، ثم أدخلوا العصب والحذف، يعني أدخلوا عليه أشياء لها نظير ليصير «مفاعلن» أو «فعولن». وهذا كما عرفتم أغضب شديدًا الدكتور عبد الله الطيب لما قال: هذا توهم لأشياء غير موجودة.
نرجع، إذًا عندنا الهزج؛ لو بدأت من الوتد المجموع في الدائرة وتمشي عكس عقارب الساعة وأنت ترسم وأنت تكتب.
من اليمين إلى اليسار، فتقول: مفا، عيلن، سيقابلك الوتد المجموع ثم سبب خفيف، ثم سبب خفيف، ثلاثة أهو، ثم الرابع: مفا، الخامس: عي، السادس: لن، ثم السابع: مفا، السادس، أو الثامن: عي، والأخير التاسع: لن.
هذا إذا بدأنا من الوتد المجموع. انتقل خطوة، وابدأ من السبب الخفيف الذي بعد الوتد المجموع مباشرة، الذي كان «عي» في تفعيلة الهزج. سترى: تن تن تتن، مستفعلن. أكمل الدائرة بأجزائها التسعة: مستفعلن، مستفعلن، مستفعلن، تن تن تتن، تن تن تتن، تن تن تتن، تسعة أجزاء.
ابدأ بالخفيف الثاني الذي هو «لن» في الهزج، والذي هو «تف» في الرجز. يعني أنت قلت «مفاعيلن»، ابدأ بالنون الأخيرة، سترى: تن تيتن تن، فاعلاتن، تن تيتن تن، فاعلاتن، تن تيتن تن، فاعلاتن. هذه دائرة المشتبه فيها الهزج، ثم الرجز، ثم الرمل.
ولكنهم وجدوا في عروض الرمل أنها تأتي «فاعلة»، يعني: تن تيتن تن، تن تيتن تن، تن تيتن. يبقى كم جزءاً هكذا؟ لم يأخذ التاء الأخيرة، كم جزءاً هكذا؟ ثمانية أجزاء، ولهذا قالوا كما قالوا: مجزوء. في الهزج قالوا مجزوء، يعني محذوف التفعيلة الأخيرة؛ قالوا هنا ليوافقوا الدائرة، أصله فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن، ولكن عروضه محذوفة دائماً، أي يدخلها الحذف. جعلوا الدائرة أصلاً، ومنها تصرفوا للوصول إلى الأصل في البحر الذي تستعمله العرب.
وهنا أذكركم بشيء يا إخوة: ادرسوا العروض وافهموا الدوائر وكذا، وافهموا كلام الناس من موافقين ومخالفين إلى آخره، لكن في كل الأحوال ينبغي أن تتذكروا هذا الأصل. الدائرة عملية تنظيمية لتسهيل استخراج البحور الموجودة، وليست لاختراع البحور التي هي معدومة، وليست للإثبات وإنما لاستخراج البحور لتيسير استخراج البحور الموجودة. الدائرة عملية تنظيمية لتسهيل استخراج البحور أو معرفة البحور وليست لاختراع البحور التي هي غير موجودة.
ما الذي تتولد عنه البحور غير الموجودة؟ أذواق العرب، تواطؤ الذوق، وليس ذوق شخص واحد أو أشخاص قليلين أو منطقة أو صقع معين، وإنما تواطؤ العربي على ذلك حتى لا يكون الشيء شاذاً. فما من مكان إلا وفيه شذوذ، لكن حتى لا يكون شاذاً ينبغي أن يتواطأ العربي على ذلك؛ لأن الشيء إذا لم يسر الإيقاع فقد نبذته الأذواق.
ولهذا لا توجد، كما نرى في بعض الدوائر، بحور مهملة؛ يقول لك بحور مهملة اقتضتها الدائرة، كان يمكن أن نكمل في الدائرة ونستخرج كذا. ما في شيء اسمه بحور مهملة؛ لأنه لا توجد بحور أصلاً من الدائرة. الدائرة صورة أو هيئة بصرية رياضية متخيلة لأجل تيسير استخراج هذه البحور، ليس أكثر من ذلك، فهذه افتراضات وهمية للدائرة، وليست كما قلت من قبل سلماً موسيقياً.
فعندنا إذا ثلاثة بحور ندرسها على الترتيب: الهزج، الرجز، الرمل. وقدموا الهزج لماذا؟ لأن أوله وتد مجموع، والوتد أقوى من السبب وله أحكام قوية تجعله شبه محصن كما عرفتم. ولكن السؤال الآن: لماذا جعلوا الرجز بعده؟ والرمل بعد الرجز؟ لماذا؟
انظروا يا إخوة إلى شيء نظري تعليمي بحت، لا علاقة له بالواقع ولا وجود له أصلاً، وهو فك تفعيلة الرجز والرمل من تفعيلة الهزج. يعني كأنك تستخرج الرجز والرمل، أو تفعيلة الرجز وتفعيلة الرمل، من تفعيلة الهزج. خلاص، تفعيلة الهزج كانت ماذا؟ «مفاعيلن»، صح؟ والرجز، إذن لأنه يبدأ بالسببين الخفيفين، سيبدأ من أي جزء من تفعيلة الهزج؟ من «عيلن»، من السببين الخفيفين. مستفعلن، مقلوب في الظاهر مقلوب في «مفاعيلن»، وتد مجموع وسببان خفيفان، تقلبها تصير سببان خفيفان ووتد مجموع.
فإذا أردت أن تبدأ من مكان صحيح في تفعيلة الهزج «مفاعيلن» التي أثبتوها أولاً لتقدم الوتد المجموع بها وهو قوي، فستبدأ من ماذا؟ من السببين الأخيرين، فمن «عيلن». فلو أنك جعلت تفعيلة الرجز أصلاً ستصير ماذا؟ «عيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعي»، رأيت؟ والرمل يبدأ بسبب خفيف فقط وليس بسببين خفيفين؛ سبب خفيف ثم وتد مجموع ثم ماذا؟ ثم سبب خفيف. فهو يبدأ من «لن» التي في تفعيلة الهزج «مفاعيلن». فكأنك إذا جعلت تفعيلة الهزج أصلاً ستأخذ «لن مفاعيلن مفاعيلن مفاعي»، يعني رتب هكذا: مفاعيلن، مفاعيلن، مفاعيلن. ابدأ الرجز: «عيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعي» ستمشي معك، وابدأ الرمل: «لن مفاعيلن مفاعيلن مفاعي». فعلى هذا الترتيب رتبوا دراسة البحور من دائرة المشتبه؛ قدموا الوتد، وبدأوا بعده بالرجز من «عيلن مفاعي»، وأخروا الرمل الذي يأتي من «لن مفاعي».
وهذا كما ترون، يعني كأن الهزج «مفاعيلن»، وكأن الرجز «عيلن مفاعي»، وكأن الرمل «لن مفاعي» الذي هو فاعلاتن. ولا قيمة لهذا يا إخوة غير التسهيل الذي أقسم ألا يفهم، فأقسم العروضيون أن يفهم. ولو أنك رتبت هذه البحور بترتيب مختلف ما ضرك ذلك شيئاً.
ونبدأ في بحر الهزج. الهزج من التهازج وهو تردد الصوت، فقيل سمي هزجاً لتردد الصوت فيه، وقيل هو بسبب أنه يتردد في كل جزء منه سببان. والقولان ربما ليس قولين على الحقيقة، يعني الثاني كأنه تفسير للأول والله أعلم؛ يعني هو هزج، تردد الصوت، وسبب تردد الصوت هو أنه يتردد في كل جزء منه سببان، «مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن»، أي هذا الهزج، هذا الصوت، هذا التهزج سببه وجود سببين في كل تفعيلة منه متتاليتين، وهذا ليس سبباً آخر وإنما هو كالتفسير للأول والله تعالى أعلم.
يرى الدكتور عبد الله الطيب -أنا لم أحضر كتابه ولكن لابد أن أحضره- يرى الدكتور عبد الله الطيب أنه نوع من الوافر المجزوء وليس بحراً مستقلاً. لحظة يا إخوة آتي بالكتاب. هذا هو، بسم الله، في صفحة 104، وقد عرفتم النسخة التي معي ليست هي النسخة التي في خمسة مجلدات المتوفرة الآن. يقول في صفحة 104: «والهزج فيما أرى ضرب من هذا الوافر المجزوء ليس ببحراً قائماً». ويقول: «ودليل ذلك أن العروضيين يجيزون العصب في مجزوء الوافر، وهو تسيير مفاعلتن إلى مفاعلتن بإسكان اللام، وهذه تساوي مفاعيلن»، مر معنا ذلك لما درسنا مجزوء الوافر والحمد لله. ثم يقول: «ومما يدلك على أن العرب لم تكن تميز بين ما يسميه العروضيون الوافر المجزوء وما يسمونه الهزج، قول الشاعر: لمَن نارٌ بأعلى الخيل في دون البئر ما تخبو».
إذا ما أخمدت ألقي عليها المندل الرطب أرقته لذكر موقعها فحن لذكرها القلب
فيقول هذا تقطيعه: مفاعيل أربع مرات، وفي الأخير: "أرقته لذكر موقعها" مفاعلة مفاعلة فحن لذكر مفاعلة رها القلب مفاعيل. أنا لا أرى هذا يظهر دليلاً على ما ذكره أنهم لا يفرقون، لا يظهر دليل في ذلك لأنه مجزوء الوافر. عصب الشاعر في تفعيلات البيتين الأولين وسلم في البيت الثالث، وعصب قد يكون ما يراه عبد الله الطيب صحيحاً في نفسه، ولكن هذا الدليل بعينه لا أراه يعتمد عليه، والله تعالى أعلم.
نعم، لكن عبد الله الطيب كما قلت يرى هذا ضرباً من الوافر، نوعاً من الوافر أو من مجزوء الوافر. وقالوا هو بحر مجزوء كما قلنا على مقتضى الدائرة؛ هو مجزوء لأن الدائرة تقتضي سداسياً، ولكن الواقع أنه ما جاء إلا رباعياً أصلاً، بصورته لم تسمعه ولم تستعمله العرب إلا كذلك: مفاعيل مفاعيل مفاعيل مفاعيل، كل شطر تفعيلتان: مفاعيل مفاعيل. ليس أنه مفاعيل مفاعيل مفاعيل مفاعيل مفاعيل مفاعيل استعملوه هكذا ثم جزؤوه في نوع آخر كما رأينا في الوافر والكامل؛ صورة تامة وصورة مجزوءة.
لا، ليس صحيحاً. ليس كما ترى، لا تدخل اللغط على نفسك الآن، دعك مما تقوله الآن، دعك من هذا الآن؛ هذا غلط أو تدخل في لخبطة. اصبر. مفاعيل، هو أصلاً لم يستعمل إلا على هذه الصورة، ليست له صورة تامة وصورة مجزوءة كما رأينا في الوافر والكامل. ثم بعد ذلك هذه الهيئة: مفاعيل مفاعيل مفاعيل مفاعيل، هذه الصورة عروضها صحيحة دائماً ولها ضربان.
أنا أفهم ما تقولون يا إخوة، ركزوا الآن، دعوكم مما وجدتموه هناك. هذه الصورة لها ضربان؛ الضرب الذي هو التفعيلة الأخيرة في البيت، مفاعيل الرابعة، لها ضرب صحيح: مفاعيل، ولها ضرب محذوف: مفاعي، وهذا قلبوه إلى أو نقلوه إلى فعول.
ركزوا معي يا إخوة الآن. إذاً عندنا هيئتان لضرب الهزج، عروضه صحيحة دائماً، ونتكلم في زحافها بعد قليل. أما ضربه فمرة يكون صحيحاً ومرة يكون محذوفاً. إذاً عندنا صورتان أساسيتان لبحر الهزج، ويدخله من الزحاف زحافان؛ واحد مقبول حتى أنه يكثر فيه جداً وهو زحاف الكف، وهو حذف السابع الساكن الأخير. ويدخله زحاف القبض، وهو مكروه غير مقبول أو قبيح في الهزج.
والكف لا يدخل تفعيلة الضرب بديهة، لماذا لا يدخل الكف تفعيلة الضرب الذي هو حذف السابع الساكن؟ أحسنت يا عقيل؛ لأن الكف يجعل آخر التفعيلة متحركاً، والبيت في الشعر العربي لا ينتهي إلا بسكون. ووقع الخلاف يا إخوة في القبض، هل يدخل العروض؟ المشهور عدم دخول القبض في الذي هو حذف الخامس الساكن، فتصير مفاعيلن مفاعلن. المشهور أنه لا يدخل، وقال البعض بجواز قبض العروض، نُقل عن الأخفش بل وعن الخليل كذلك.
تعالوا الآن إلى التمثيل لهذا البحر، ونبدأ بالضرب الصحيح؛ فالعروض صحيحة كما عرفنا. أشهر وأسهل ما تصل إليه في هذا، القطعة الثانية أو القصيدة الثانية من ديوان الحماسة، وهي قصيدة شحل بن شيبان الفند الزماني:
صفحنا عن بني ذهل وقلنا .. القوم إخوان عسى الأيام أن يرجعنا قوماً كالذي كانوا فلما .. صرح الشر فأمسى وعريان ولم يبقَ
"ولم يبقَ" مفاعيل مكفوفة، وليست تن.
ولم يبقَ سوى العدوان دناهم .. كما دانوا مشينا مشية الليث غدا والليث غضبان بضرب فيه توهين .. وتخضيع وإقران وطعن كه
"وطعن كه" مفاعيل مكفوفة، وهذا كثير، لا تكاد تجد القطعة منه إلا مكفوفة، ولا تكاد تجد البيت إلا فيه تفعيلة أو أكثر مكفوفة، أو ربما كل التفعيلة إلا طبعاً الضرب، كما عرفتم لا يدخله الكف.
مشينا مشية الليث غدا .. والليث غضبان بضرب فيه توهين وتخضيع وإقران وطعن كه فمزق غدا والزق ملآن .. وبعض الحلم عند الجهل للذلة إذعان وفي الشر نجاة حي وفي الشر .. مفاعيل وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان
رأيتم؟ وكذلك توجد قطعة أخرى أيضاً للفند الزماني يقول:
أيا طعنة تما شيخ كبير .. يا فمن بالي تقيم المأتم الأعلى على جهد وإعوالي ولولا .. نبل عود في خذماتي وأوصالي لطاعنت صدور الخيل طعناً .. ليس بالآلي ترى الخيل
"ترى الخيل" مفاعيل مكفوفة، لكي تضبط التفعيلة يقول:
ترى الخيل على آثار مهري .. بالسنة العالي ولا تبقي صروف الدهر إنساناً .. على حالي تفتيت بها إذ كـ...
حتى في العروض "إذ كـ" مكفوفة، هذا بيت مدور الكلمة منقسمة على الشطرين: "تفتيت بها إذ كـرها الشكة". وتوجد قطعة لطرفة، استأذنكم آتي بالديوان لحظة؛ هي هنا، قطعة لطرفة بن العبد وهي شاهده، أول بيت منها هو الشاهد لهذا البحر في كتب العروض المتقدمة، وهي القطعة الثانية بعد الأربعين في ديوان طرفة.
يقول:
عفا من آل ليلى السهب فالأملاح .. فالغمر فعرق فالرماح فالرماح يمشي بك أخوك أسامة ..
"فعرق فالرماح"؛ أحسنت يا حميري، قبض، هذا القبض الذي نصه على أنه قبيح. "فعرق فالرماح" مفاعلن، حذف الخامس.
الساكن الياء في مفاعيلن، مفاعلن. فعرق فر رماح فل، لوام أهله قفر، لوام أهله قفر. وأبلي إلى الغراء فالمأوى نفا الحجر، فأمواه الدنا فالنجد فالصحراء فالنسر فلا تنترتعيها، العين فضلان فالعفر.
هذه القطعة من خمسة أبيات لطرفة بن العبد، وأول بيت منها هو شاهد ذلك في كتب العروض المتقدمة، وفي الحقيقة هكذا أحب التمثيل بأشعار القدماء، وليس بأحمد عبد المعطي حجازي كما في بعض الشروح المعاصرة، ولا حتى بالمتأخرين ممن سبقهم قليلاً، أبو القاسم الشابي مع احترامي للجميع.
وعندنا مثال الضرب الثاني المحذوف، خلاص الضرب الثاني أي ضرب الهزج الثاني محذوف مفاعي، نقلوها إلى فعولن، وهي: مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعي، أو فعولن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن فعولن. مثالها في مصنفات العروض أو شاهدها في مصنفات العروض قول الشاعر الذي لم ينصوا عليه: وما ظهري لبغي الضي بالظهر الثلولي.
وما ظهري مفاعيلن، لبغي الضي مفاعيلن، بالظهر الـ بالظهر الـ مفاعيلن، ثلولي بالظهر الـ بالظهر الـ ثلولي، ثلولي فعولن أو مفاعي. فهنا العروض صحيحة كما رأيتم، والضرب سالمة أيضاً، والضرب محذوف، يعني محذوف السبب الخفيف.
فماذا لو صرعنا يا إخوة؟ ماذا لو صرعنا أول بيت من هذا النوع؟ الجواب سنحذف العروض أيضاً عند التصريع، سنأتي بها كالضرب، هذا قانون للتصريع كما سيأتي إن شاء الله في مكانه من هذه السلسلة، حتى لا يدور رأسك لما تقرأ بيتاً في أول بيت فترى العروض تراها محذوفة، هذا كل التصريع.
انظر إلى هذه الأبيات من عبد ربه: متى أشفي غليلي بنيل من بخيلي، غزال ليس لي منه سوى الحزن الطويل. نلاحظ كيف رجعت العروض صحيحة في البيت الثاني: متى أشفي غليلي مفاعي أو فعولن، بنيل من بخيلي غزال الليل مفاعيلن سليم، سوى الحزن الطويل رجع. تحس أن التصريع حلو لما يدخل في الكلام.
وهنا سؤال ينبغي أن يسأله النبيه منكم، وكلكم نبيه إن شاء الله: هل للشاعر أن يصرع في أثناء القصيدة؟ من يعرف منكم؟ أيوب يقول نعم، ما شاء الله العمدة حاضرة. الجواب نعم، ويفعلها كما نص ابن رشيق، امرؤ القيس كثيراً يفعلها، وأوضح شاهد يحضرني في هذا هو في: ألا عم صباحاً، لأنه يحضرني جداً وأعجبني كيف قصد إلى التصريع قصداً.
لأن «ألا عم صباحاً» ضربها صحيح على مفاعي، وكما تعرفون أو يعرف أكثركم بحر الطويل عروضه دائماً مقبوضة، يعني أصلاً أصل ضربه في الدائرة، أصل عروضه في الدائرة: مفاعيل فعول مفاعيل فعول مفاعيل فعول مفاعيل فعول مفاعيل. ولكنه لم يأتي في عروضه إلا بالقبض، حذف الخامس فمفاعيل تصير مفاعلن، الدائرة تقتضي السلامة: مفاعيل، لكن لم يأتي إلا مفاعلن، والمساحة بينه وبين مفاعلن واضحة جداً.
فصرع امرؤ القيس في أول بيت، ثم رجع إلى القبض، ثم صرع لما قال: ألا عم صباحاً أي يهضاً لِلَّبَالِ مفاعلن، وهل يعمن إلا سعيد مخلد مفاعلن، رجع: وهل يعمن إلا سعيد مخلد قليل الهموم ما يبيت بأو جالي، ضرب صحيح مفاعلن. وهل يعمن من كان أحدث عهده مفاعلن، ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوالي. بعد ذلك يقول: ديار لسلمى عافيات بذي خالي، رجع إلى مفاعلن في العروض، صرع في الأثناء.
قال ابن رشيق: امرؤ القيس يفعل ذلك اقتداراً منه، يأتي في أثناء المعاني يجدد وينبهك في الأثناء مقتدراً بذلك، كأنه يبدأ لك كلاماً جديداً. فأنا أنبه هنا لأخي وحبيبي الذي قال: أفاطم، لا ما في هذه القصيدة اسمه تقفية، ما في قفا نبك اسمه تقفية، وسيأتي التفريق بين التصريع والتقفية إن شاء الله، لأن التقفية تكون فيما ضربه وعروضه سواء.
امرؤ القيس في «قفا نبك» جعل الضرب ماذا؟ جعل ضربه مفاعلن مقبوض، فلم يظهر تصريع، لم يأخذ العروض لتكون كالضرب، لكن ماذا سيفعل؟ سيعمل مطابقة في حرف الروي في السجعة، كما سماها ابن رشيق السجعة. فإذا اتفق العروض والضرب على طول القصيدة، جعل الحرف الأخير في العروض كحرف الروي، يعني طابق بينهما، فهذه تسمى تقفية وليست تصريعاً هنا، لكن نحن نقول تصريعاً توسعاً في الكلام مع الناس والمثقفين، المثقفون لا يفرقون بين التصريع والتقفية، فيقول جعل هذا كهذا تصريع وتقفية، لكن هنا في درس العروض لا، التصريع شيء والتقفية شيء.
أما الدرس العام فهذا عادي، عنده كله قافية، ممكن تكون القافية هي حرف الروي، والتقفية هي الكلمة الأخيرة، هذه استعمالات واسعة حتى عند القدماء، لكن في درس العروض لابد أن نفرق. كما قلت امرؤ القيس يفعل هذا تنبيهاً على المعاني الجديدة، فصرع: ديار لسلمى عافيات بذي خالي، مع أنه أتى في الأول فقط بمفاعيل، وأتى هنا بمفاعيل، والباقي أتى فيه فيما لم يصرع فيه بمفاعلن على الأصل في عروض الطويل دائماً.
هنا ملاحظة يا إخوة، ليست للتقرير ولكن أحاول أن أتلمس الإنصاف، وكلمة حق فيما ذهب إليه الدكتور عبد الله الطيب رحمه الله، فأنا أقولها هكذا ارتجالاً، لعلها تنصفه فيما ذهب إليه من أن الهزج ضرب من مجزوء الوافر وليس مستقلاً. أقول أنا وجدت أمثلة الهزج قليلة جداً في مجاميع الشعر، حتى تعبت في البحث عن الهزج محذوف الضرب: مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعي أو فعولن، فهذا قد يشهد لما ذهب إليه الدكتور عبد الله الطيب من أنه في الحقيقة ضرب من مجزوء الوافر، ضرب حصل فيه الكف وتعميم العصب.
ويشهد لهذا شيء آخر وهو هذا الحذف في ضرب النوع الثاني. الحذف من «مفاعيلن» جعل التفعيلة «فعولن»، وهي ضرب الوافر التام. وكأنهم جعلوا ضرب الوافر تفعيلته مقطوفة، والله أعلم.
أنا أقول هذا فقط مبالغة في الإنصاف، وفي احتمال الدليل الذي ينصف، ولا أقوله تقريرًا، وانتبهوا إلى هذا، وأؤكد لا أقوله تقريرًا، أقوله مبالغة في الإنصاف للدكتور عبد الله الطيب؛ لأنه رجلٌ ذكي باحث، ولا يستحق أن يرد تفكيره وعمله هكذا كما نقول بسحبة قلم، وأنه خالف العروضيين فانتهى، خلاص هكذا.
فأقول يشهد لهذا هذا الشيء الآخر وهو الحذف في ضرب النوع الثاني الذي صارت به التفعيلة «فعول». وهي ضرب الوافر التام كما عرفتم، وكل الفرق أننا هنا قلنا عصب قبل الحذف، أو هناك في الوافر قلنا عصب قبل الحذف، فلما عصب وحذف قلنا قطف، وهنا قلنا حذف فقط؛ لأن التفعيلة جاهزة لأنها «مفاعيل» على صورة «مفاعلتن». ولو قلنا إنه ضرب من الوافر لكان ما حصل هنا هو القطف بعينه، لأن السكون الخامس سيكون بالعصب لا بأصل التفعيلة.
والأمر في الأخير متروك للعلماء الذين سيجمعون بين العلم بالشعر النظري وفلسفته والتعمق، وبين القريحة الشعرية وممارسة الشعر، وهو أنتم بتوفيق الله تعالى إن شاء الله، وليس للشعراء الممارسين الهوا غير العالمين، وليس للعلماء وليسوا شعراء.
بقيت هنا زحافات غير سائرة، قبيحة، كما تكلمنا في الوافر من قبل، أو عندما تكلمنا عن الزحافات التي دخلت كالخرم وكذا، وهي زحافات قبيحة تحدثنا عن بعضها في الوافر والكامل، وقلنا هي علل وجرت مجرى الزحاف، بل هي قبيحة مرفوضة أصلاً في الذوق العربي ونصوا على قبحها، لكن وقعت فذكروها، وكما قلت أهملتها بعض مصنفات العروض.
تكلموا عن الخرم في «مفاعيل» التي هي التفعيلة الأولى في البيت. الخرم هو حذف ساكن من الوتد المجموع كما عرفتم في الوافر في «مفاعلتن». فإذا خرمت «مفاعيل» صارت «فاعيل»، هذا أخرم. فإذا كانت التفعيلة الأولى مكفوفة «مفاعيل» وخرموها صارت «فاعيل»، فسموا ذلك بالأخرب؛ لأنه سقط من أوله بالخرم ومن آخره بالكف، فلحقه الخراب، فسموه بالأخرب.
وإذا كانت التفعيلة الأولى مقبوضة، أي «مفاعلن» الأولى مقبوضة، فالخرم يقع في الأول، فإذا كانت مقبوضة «مفاعلن» وخرموها صارت «فاعلن»، وسموا ذلك بالأشتر، وهذا يسمى الشطر؛ لأنه يشبه الشطر الذي هو في الإناء، وهو الشق من وسطه إلى أوله، من طرف الإناء ويمتد إلى منتصفه أو قرابة المنتصف، فيسمى الشطر، فهذا هنا معنى الاشتر لأنه حذف أوله وحذف خامسه، فامتد الشق فيه والعيب من أوله إلى وسطه.
والخرم قبيح، والقبض أصلاً في الهزج قبيح، فاجتماعهما في الشطر هو أقبح القبح. والخرم قبيح أصلاً، والقبض كما قلت قبيح في تفعيلة «مفاعيل» في الهزج، والكف مقبول وجميل ولا يكاد يخلو منه البيت، وربما يعم في القصيدة أو في الأبيات المتتالية، لا ترى فيها تفعيلة صحيحة إلا تفعيلة الضرب لزماً كما عرفتم، فالكف حسن مستطاب مقبول، والقبض في «مفاعيل» في الهزج قبيح.
وهنا سؤال أسألكم: هل ورد إلى ذهن بعضكم لماذا قبح القبض في «مفاعيل» في الهزج ولم يقبح في «مفاعيل» في الطويل؟ بل نرى القبض لزماً له في العروض. هذا يعود بكم إلى ما قلته من قبل حين شرحت أحكام العصب والإضمار في مجزوء الوافر والكامل، وحين تكلمت عن منع الطي في «مستفعلن» في بعض الأبحر حتى كتبوها على «مستفعي لن» ليمنعوا الطي فيها، وهو أن الحكم يكون لمجموع البحر.
وأنت في الطويل، وهو بحر ثماني يتركب من ثماني تفعيلات تتداخل فيها «فعولن» مع «مفاعيلن» أربع مرات، بخلاف الهزج، فهو بحر قصير رباعي كله «مفاعيلن»، فاختلفت أحكام القبض في كل بحر بناءً على طبيعة كل بحر. وتقول أختنا فاطمة: هل لأن الهزج أقصر من الطويل؟ هذا من الأسباب؛ قصر وتوحد في «مفاعيلن» ولم يحصل له التنوع الذي يسمح له بهذا الحذف.
انتهينا من بيان الهزج عروضياً، ونأتي الآن إلى طبيعة الهزج. الكلام في طبيعة الهزج كما لا يخفى قريب من الكلام في مجزوء الوافر، لكن بما أنه على أقل تقدير ضرب من المجزوء امتاز في شيء من السرعة بالكف مثلاً، ووقع فيه الحذف في تفعيلته ولم يقع ذلك في مجزوء الوافر الذي درسناه، سواء قلت بحراً مستقلاً أو ضرباً منه، فهذا يقتضي كذلك التنبيه إلى بعض أشياء حوله ذكرها الدكتور عبد الله الطيب.
يقول: «وقد عرف الأوائل من النقاد لهذا البحر حلاوته، فاختاروا منه كلمات لهذه الخاصية وحدها». من ذلك قول امرئ القيس بن عابس: أبا تملي كوي تملي ... ذريني وذر عذلي فقد استلصت طعنة تلا ... يدمى أو لا يدمي لها نصلي كجيب الدفنسل ورهائريعة ... وهي تستفلي
قال وهذا الكلام مسلوخ من قول الزماني: أيا طعنة تماشيخ كبير ... يا فننبالي تقيم المأتم الأعلى ... على جهد وإعوالي كجيب الدفنسل ورهائريعة.
وفي صفحة 107 يقول الدكتور: «وشعراء العصر يتعاطون هذا الوزن في كثير من موشحاتهم».
وقد سبق أن ذكرت ذلك في التمهيد، وعندي أنه أصلح الأوزان للقصص التعليمي المدرسي ذي الحوار، لا سيما إن وفق الناظم فجمع بين سهولة الألفاظ وسلاستها، ووضوح معناها وحلاوة جرسها.
مرة أخرى يقول: وعندي أنه أصلح الأوزان للقصص التعليمي المدرسي ذي الحوار، لا سيما إن وفق الناظم فجمع بين سهولة الألفاظ وسلاستها ووضوح معناها وحلاوة جرسها. ويقول يحكي عن نفسه: «وقد حاولت وأنا أتولى وضع منهج اللغة العربية للمدارس الوسطى بالسودان نظم قصص هزجية من هذا النوع التعليمي، وجعلها من ضمن كتب المطالعة بغرض تحبيب التلاميذ في الشعر وإعانتهم على تذوق موسيقاه ومجرى تفعيلاته». منها على سبيل المثال قصة عمرو بن يربوع والسعلاة، وقصة من قصص السندباد البحري.
وذكر كلامًا طويلًا في هذه الأهازيج. ثم قال: «وهذه المنظومة كما ترى طويلة ويغلب عليها الحوار، ومنظومة عمرو بن يربوع أطول منها بكثير. وكلا الطول والحوار عندي يعينان على اتباع الطريقة الجماعية لقراءة الشعر في فصولنا الكبيرة».
يقول: «وهي طريقة سبق إلى استعمالها النرويجيون». هذا آخر ما أتناوله من البحر الأول من بحر دائرة المشتبه، وهو بحر الهزج.
شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد