دخولتسجيل الدخول

الدرس 9 - بحر الرَّجَز، زحاف الخَبْن والطَّيّ والخَبْل، الرّجز والكامل المُضمَر، طبيعة الرّجز

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده. لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، هذا هو مجلسنا التاسع من مجالس علم العروض، وما زلنا في هذه الدائرة، دائرة المشتبه، وانتهينا من الكلام على بحر الهزج، وهنا تنبيهان أيها الإخوة لننتقل إلى البحر الذي يليه إن شاء الله تعالى.

التنبيه الأول: قلت إن تفعيلته الهزج يدخلها زحاف؛ تفعيلته الهزج هي «مفاعيل»، يدخلها زحاف. الزحاف الأول هو الكف، لك أن تكفه، أي أن تحذف السابع الساكن منها، ويكون ذلك مستحباً مقبولاً، وهو يقع كثيراً في تفعيلة الهزج فتصير التفعيلة «مفاعيلُ مفاعيل». وعرفنا أنها لا تقع بطبيعة الشعر العربي في الضرب، لأنه ينتهي بساكن، ولا بد لأن الكف يجعل آخر التفعيلة متحركاً.

وكذلك لها زحاف القبض، وهذا قبيح، هذا قبيح ينبغي أن يتجنب، لكنهم استعملوه في التفعيلة، وهو حذف الخامس الساكن، فتصير التفعيلة التي هي «مفاعيل» تصير «مفاعل».

التنبيه هو أنه لا يجتمع الزحاف في تفعيلة واحدة؛ لا يجتمع في التفعيلة أن تكون مقبوضة مكفوفة، فإما أن تكف ويكون حسناً فتصير «مفاعيل»، وإما أن تقبضها ويكون ذلك قبيحاً فتقول «مفاعل»، ولكن لا تكف وتقبضها فتقول «مفاعل تتن»، هذا غير موجود. فإما أن تتركها سالمة من الزحاف «مفاعيل»، أو أن تدخل عليها الزحاف المستحب وهو الكف «مفاعيل»، أو أن تدخل عليها الزحاف غير المستحب وهو القبض فتقول «مفاعل». أما أن تدخل عليها الزحاف فتقول «مفاعل» فهذا غير مقبول ولم يجيزوه.

التنبيه الثاني: هناك صورتان شاذتان ذكرهما البعض في بحر الهزج. الصورة الأولى أن تكون له عروض محذوفة مع الضرب المحذوف. قلنا الهزج له ضرب محذوف «مفاعيل»، تصير ماذا بعد الحذف؟ سنعتمد التفعيلة على حالها لن نعتمد النقل، تصير «مفاعيل»، ذهب البعض إلى وجود عروض محذوفة كذلك.

وكذلك هناك صورة أخرى في الضرب بإعلانه بالقصر، والقصر هو حذف ساكن السبب وتسكين ما قبله. والقصر علة لأنه يلزم الضرب، يعني إذا جئت به في أول بيت من القصيدة أو القطعة الشعرية لزم كذلك إلى آخرها. وهذا القصر يذكركم بماذا يذكركم؟ بالقطع الذي في الكامل لو كنتم مستحضرين، لأن القطع كما عرفتم هو حذف ساكن الوتد المجموع وتسكين ما قبله، وهو الذي جعل ضرب الكامل يتحول من «متفاعلن» إلى «متفاعل»، خلاص سكنت حذفت ساكن الوتد المجموع وسكنت ما قبله فصار «متفاعل»، نعم بعد أن كان «تتتن تتن» صار «تتتن تن» كما عرفتم.

وأما هنا في القصر، فقد حذفنا الساكن أيضاً وسكنّا ما قبله أيضاً، ولكن لما كان هذا حاصلاً في السبب الخفيف وليس في الوتد المجموع، التقى ساكنان في آخر القصيدة أو في آخر الأجزاء، فكان الضرب على هذه الهيئة الغريبة غير الشائعة. «مفاعيل» كيف سيصير؟ السؤال الآن: «مفاعيل» سيصير «مفاعيل»، هذا لأن آخر التفعيلة سببان خفيفان، ستحذف الساكن في الأخير وتسكن الذي قبله فيصير «مفاعيل»، ستحذف النون وتسكن ما قبلها، سيصير «مفاعيل».

ويذكرون له أبياتاً لابن سناء الملك من العهد الأيوبي: أقاموا بالمواخيرِ مساخرِ ... مسامحاً على الفقرِ إذا ظنَّ مياسيرِ مكسيراً وإن كانوا أكاسيرِ التعازيرِ

طبعاً هذا على هذه الطريقة، لا تقل لماذا لا نحرك الراء ويصير الضرب صحيحاً؟ أقول لا، سيختلف الإعراب؛ لأن «مطاب عن مساخر» إذا ظن مياسير أكاسير التعازير سيختلف الإعراب كما رأيتم. نعم، هذا تنبيه حول الهزج الذي انتهينا من الحديث عنه، لكن هذه الصور كما قلت ذكروها شاذة لم تعتبر ولا تجدونها تعتمد في كتب العروض المقررة المعتمدة.

ننتقل الآن إلى البحر الثاني من دائرة المشتبه. قلنا دائرة المشتبه أجزاؤها: سببان خفيفان ووتد مجموع؛ إما أن تبدأ بالوتد المجموع وتؤخر السببين الخفيفين «تتن تن تن مفاعيل»، فهذه أظهرت لنا تفعيلة الهزج، وإما أن تقدم السببين الخفيفين وتؤخر الوتد المجموع «تن تن تتن مستفعلن»، فهذه تنتج لنا الآن تفعيلة الرجز.

نأتي إلى الوزن التعليمي، حمار المشايخ والعلماء. هذه العلة تسمى القصر، وهي في الهزج: حذف ساكن السبب وتسكين ما قبله، بخلاف القطع وهو حذف ساكن الوتد المجموع وتسكين ما قبله.

أقول جئنا إلى هذا الوزن التعليمي أو الوزن الشعبي الذي يرتجل عليه، أصبر، نأتي إلى حمار المشايخ والعلماء، ولا أحب أن أقول نأتي إلى حمار الشعراء، وإن كان استعملوه على أنه حمار في وقت التلهي، أو كما قال عبد الله الطيب عبر عن ذلك بوقت الاستراحة. كما قال واضح أن الرمة كان يستريح من القريض إلى الرجز، ولهذا أحسن فيه، بخلاف الذين قصدوه وعاملوه معاملة القصيد فجاءت قصائدهم رديئة على حد تعبيره.

لكن أنا لا أحب أن أقول حمار الشعراء ابتداءً؛ لأنه سيظن أن الشعراء يحملون أي شيء على الحمير، لا أقول حمار الشعراء لأن الشعراء لا يركبون الحمير من حيث كونهم شعراء، وإنما يركبون الإبل والخيول. نأتي إلى الوزن الذي يرتجل ويرتجز عليه الكلام ارتجازاً وارتجالاً، وكان يأتي في صورة القطع لا في صورة القصائد حتى قصدوا عليه في الإسلام، وسوف نرجع إن شاء الله تعالى إلى تفصيل هذا كله بعد دراسته عروضياً.

تفعيلته الرجز هي «مستفعلن»، كما قلنا في الأول لما تحدثنا في المحاضرة الثالثة عن التفعيلات قلنا كأنها مقلوبة عن «مفاعيل»، «مستفعلن» مقلوبة من «مفاعيل». التفعيلة مكونة من ثلاثة أجزاء: سببان خفيفان ووتد مجموع؛ قدمت الوتد المجموع وأخرت السببين الخفيفين.

ظهرت معك تفعيلة «مفاعيل» التي للهزج؛ قدمت السببين الخفيفين جملة، وأخرت الوتد المجموع، فصارت «مستفعلن» كأنك قلبت التفعيلة ونظرت إليها في المرآة. خلاص، إذا فرقت بين السببين الخفيفين ووسط الوتد المجموع صارت التفعيلة «فاعلات»، وهي التي تأتي بعد الرجز أخيرًا في دائرة المشتبه، وهذه تفعيلة الرمل.

وأذكر هنا بعلة إيراده الرجز بعد الهزج؛ قالوا قدموا الهزج لأنه يبدأ بوتد مجموع، وهذا قوي وله اعتباراته التي استظهرها لكم في العروض وفي التقدم في دراسة الإيقاع، فقدموا الوتد المجموع كما قدموا الوافر على الكامل في دائرة المؤتلف لبدايتها بالوتد المجموع. وأثنوا بالرجز لأنهم وجدوه إذا فكوه من الهزج سيبدون من السبب الأول، «مفاعيل» سيقولون: مفا عيل، مفا عيل، مفا عيل، «مستفعلن»، «مستفعلن»، «مستفعلن». أما الرمل فيبدأ من السبب الثاني الذي هو «فاعلات»، «فاعلات»، «فاعلات»، كما قلت؛ ترتيب نظري ليس وراءه من ذلك إلا فقط التعليم والاستحضار.

بحر الرجز يا إخوة بحر كثرت صوره وكثر استعماله، فجاء على صورة التام السداسي، وجاء على صورة المجزوء الرباعي، وعرفتم أن المجزوء هو الذي تحذف التفعيلة الأخيرة فيه من كل بحر. ويدخل على البحور السداسية، وصورة المشطور الثلاثي الذي حذف شطره، ويأتي على صورة المنهوك الثنائي لأنه حذف ثلثاه، هو كان من ست تفعيلات حذف ثلثين يعني أربع تفعيلات بقي تفعيلتان. وهذا كله قديم، وأحدثوا فيه صورة الموحد بتفعيل واحدة، فعلوا فيه كل شيء، أحدثوا له صورة الموحد.

وهذه الصور كثيرة يا إخوة تدل على كثرة التصرف فيه وعلى نوع التساهل في نغمته، بخلاف البحور المعتدة بنفسها لا يدخلها الشطر ويقل فيها الاجتزاء؛ كما لو نظرتم بعد دراستكم للبحور كاملة في المجمل هكذا، سترون أن الشطر لا يدخل البحر الجليل ويقل فيه الاجتزاء.

تفعيلة الرجز «مستفعلن» نبدأ بالكلام في الزحافات حتى نستريح في التمثيل بعد ذلك؛ تفعيلة الرجز مكونة من سببين خفيفين في الأول ووتد مجموع في الأخير: «تن تن تتن»، يدخلها ثلاثة زحافات: الخبن، وهو حذف الثاني الساكن من «مستفعلن»، الثاني الساكن هو السين فيصير «متفعلن»، «تن تن تتن»، ونقلوه إلى «مفاعلن».

ويدخلها الطي، الزحاف الثاني، وهو حذف الرابع الساكن من «مستفعلن»، فيصير ماذا؟ سيصير «مستعل»، إذا لماذا كيف جاءت هكذا ثلاث حركات وراء بعضها؟ ما هو كانت «مستفعلن» حذفت الفاء صارت «مستعل»، نقلوها إلى «مفتعل». ويدخلها الخبل، وهو مجموع الخبن والطي، فيصير «متعل»، «متعل»، أربع حركات وسكون «متعل»، ونقلوه إلى «فعلة». وأنا تعجبني «متعل»، أخطأت، «فعلتُ جرمًا»، لا، «متعل» لأنها وقعت منها السين، وقعت منها الفاء.

وهي أصلاً «مستفعلن» تُكتب بالنون، هذا يكتبه الأميون؛ رأيت أحدهم يكتب في «يحتفل بمجيء أخيه من الحج» فكتب: «في على الحا في بيته ادخلوها بسلام آمنين»، وكتب بسلام ميم نون: «ادخلوها بسلام آمنين»، وهذا كان مهندسًا بالمناسبة، مهندس خريج هندسة. «ادخلوها بسلام» كتبها ميم نون، فـ«مستفعلن» هي بسلام آمن.

وأنا كما قلت في شرحي لا أنقل، وإنما أعلمكم بالنقل فقط لأكون قد عرفتكم كل شيء، لكن أنا شخصيًا لا أستعمل المنقول إليه وأحضر الأصل أكثر. ويقال خبل، ويقال في التفعيلة مخبول لما فيها من غرابة وجنون واضطراب، ليس من المألوف أن ترى أربع حركات متتالية في العروض، وحتى تلاحظ أنها لم تحصل إلا باجتماع زحافين في التفعيلة الواحدة.

أتوا من الرجز بالتام السداسي وبالمجزوء الرباعي كما عرفنا، وبالمشطور؛ مع العلم بأن القدماء من الجاهليين ومن بعدهم غلب عليهم أن يجعلوا القافية أو الروي في آخر كل شطر، ولهذا جرى اصطلاحهم أن الذي نعده نحن الآن بيتًا أو شطر بيت هو البيت الرجز في الحقيقة. جرى اصطلاح العلماء والقدماء وغلب عليهم أن الذي نعده الآن شطرًا هو عندهم البيت الرجز، ونبه إلى هذا الدكتور عبد الله الطيب في كتابه القيم «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها»، وهذا الكتاب في الحقيقة يا إخوة قيمته عروضية، هذه نقطة مهمة أقولها عرجًا عن الكتاب، قيمته الحقيقية عروضية، ولا تملك إلا أن تخالفه فيما ذكره من فلسفة القصيدة بعد ذلك في المجلد الثالث الأخير، لكن قاعدة الكتاب وأساسه قاعدة عروضية وقد أحسن فيها كثيرًا.

وقد عرفت من النسخة التي اعتمدها يقول: «والمقصد من الرجز نحو الأبيات التي استشهدنا بها من شعر المعري مما تلتزم القافية في عجزه دون صدره، ليست بكثير المقصرات من الرجز التي صنعت على طريقة القصائد ووضع حرف الروي فيها، أو التزمت القافية فيها - القافية من إطلاقها الروي كما سيتأتى - فجروه على طريقة القريض، هذا ليس بكثير».

ويقول: «والمقصد من الرجز نحو الأبيات التي استشهدنا بها من شعر المعري مما تلتزم القافية في عجزه دون صدره ليست بكثير، والغالب على الرجز...». وأنا لابد أن أنبهكم إلى هذا؛ لأن المستقر في كتب العروض أن التام هو السداسي، ولكن غالبًا لا ينبهون إلى هذه الحقيقة، وهو أن الأصل هو هذا المشطور، وهو الذي لم يعده الخليل شعرًا، ولهذا لما قالوا لا يعد الرجز شعرًا كان يطلقون على هذا المشطور ابتداءً.

قال: «والغالب على الرجز أن تلتزم القافية في كل شطر منه، ويسمى حينئذ مشطورًا، ورأي العلماء أن يعدوا كل شطر من الرجز في هذه الحال بيتًا». انظر إلى هذا التنبيه، قال: «ورأي العلماء أن يعدوا كل شطر من الرجز في هذه الحال بيتًا»، وهذا مجرد اصطلاح ليس إلا، إذ قل أن تجد شاعرًا جاء بشطر مفرد من الرجز ليس له أخ. ثم قال: «والتقصي في الرجز قبيح في الغالب»، وسنعود إلى هذه النصوص إن شاء الله حينما نعود إلى...

حينما نعود إلى الكلام على طبيعة الرجز، فله أيضًا في صفحة 244 يقول: «وقد حاول بعض المعاصرين أن يحيوا من موات الرجز ويعودوا به إلى حالته المشطورة القديمة قبل أن يعبث به التعليميون».

إذاً صورته القديمة الرئيسة هي المشطورة، وهو البيت في الحقيقة، وهذا هو البيت التعليمي. ماذا فعلوا؟ أتوا به واستعملوه في صورة المزدوج كما سنعرف إن شاء الله. لكن هنا يحسن إن فاتني أن نقف على علة تسميته بالرجز. تكلم الخطيب التبريزي في كتاب الكافي في العروض والقوافي في صفحة 77، يقول: «سمي رجزًا لأنه يقع فيه ما يكون على ثلاثة أجزاء، وأصله مأخوذ من البعير إذا شدت إحدى يديه فبقي على ثلاث قوائم، وأجود من ذلك أن يقال مأخوذ من قولهم ناقة رجزاء إذا ارتعشت عند قيامها لضعف يلحقها أو داء يلحقها، فلما كان هذا الوزن فيه اضطراب سمي رجزًا تشبيهًا بذلك».

فهذا هو الأصل في الرجز يا إخوة، الذي يشهد به كل الرجز الجاهلي. ولا بد أن نراعي أن أخانا الحميري يقول إن البحر التام هو المشطور عندهم، وقد استعملوه كذلك حتى في الوقت الذي يستعملون فيه الرجز وينقلونه على أنه بحر، ووجاء ذلك عن العرب كاسين، والرجز من الإسلاميين. لكن الأصل فيه الذي جرى فيه اصطلاحهم أن يقولوا في هذا الشطر هو البيت، أما إذا قلت التام فسيذهب الذهن إلى ست تفعيلات.

فأقول: هذا هو الأصل في الرجز الذي يشهد به كل رجز جاهلي نراه في المصنفات، وهو المناسب كذلك يا إخوة لطبيعة الرجز الارتجالية. وهو ابن مالك، وهذا بيت: «أحمد ربي الله خير مالك»، بيت ثاني على اصطلاح القدماء، والذي يفترض أن يظل الروي فيه في الكاف، ولكن غيروا القافية في كل شطرين، أي في كل بيتين.

قال: «محمد هو ابن مالك، أحمد ربي الله خير مالك، مصليًا على النبي المصطفى، وآله المستكملين الشرفة». ولهذا لو تذكرون، ذكروا في «العمدة» أن كل بيت -أو لا أذكر مرة هذا المعنى- أن كل شطرين قصيدة، يعني على بعض الاصطلاح أن القصيدة ما تجاوزت البيت الواحد. فقال: «محمد هو ابن مالك، أحمد ربي الله خير مالك»، قالوا هذه قصيدة أو قطعة شعرية، لماذا؟ لأنها تجاوزت بيتًا واحدًا، لأن الشطر في الحقيقة بيت، والبيت عندهم كما رأى العلماء وجرى الاصطلاح القديم هو هذا الذي نقول إنه المشطور.

ورأى عبد الله الطيب لم يعب كثيرًا وقال الأمر اصطلاحي في الأخير؛ لأنه لو جاء فقط بـ «محمد هو ابن مالك» أو قال فقط «أحمد ربي الله خير مالك»، هذا الشطر ستقول عنه بيت أم شطر؟ هذا هو، ستقول بيت أم شطر؟ ولا يقف الراجز على هذا المقدار سواء سميته بيتًا أو سميته شطرًا، هذا ما أراد أن يقوله عبد الله الطيب.

الرجز التام له صورتان، الرجز التام الذي هو من ست تفعيلات له صورتان: عروضه صحيحة ضربه مرة صحيح ومرة مقطوع. شاهده في كتب العروض: دار لسل ما اذ سلي ما جاره دار لسل مستفعل مستفعل مستفعل دار لسل ما اذ سلي ما جاره دار لسل مستفعل مستفعل مستفعل حتى سليمة من أي زحاف: دار لسل ما اذ سلي ما جاره قفر تراع مستفعل مستفعل مستفعل ذاتها مستفعل مثل الزبر مستفعل دار لسل مائ اذ سلي ما جاره قفر ترى مستفعل مستفعل مستفعل آياتها مثل الزبر وهنا نجد تفعيلات سالمة من الزحافات.

طيب، لو حصلت الزحافات يضر؟ لا يضر. عندك الرجز مقطوع الضرب، وانتبهوا نصوا على أنه قليل، كالنص في الكافي للخطيب التبريزي على أن هذا النوع قليل، وشاهده عندهم القلب: مستريح سالم والقلب مني جاهد مجهود مستفعل مستفعل مستفعل مستفعل مستفعل مستفعل مستفعل مستفعل مستفعل القلب منها مستريح سالم، والقلب مني جاهد مجهود.

خلاص عرفنا القطع في الكامل؛ حذف ساكن الوتد المجموع وتسكين ما قبله، وهذا النوع قليل. طيب، الكامل المجزوء أو المجزوء، أورد لنا الكامل على الذهن، الرجز المجزوء شاهده: قد هاج قلبي منزل من أم عمر مقفر مستفعل مستفعل مستفعل مستفعل قد هاج قلبي منزل مستفعل مستفعل من أم عمر من أم عمر مقفر مستفعل مستفعل.

وكنت أسجل ديوان عمر، أذكر قصيدة ربما أستطيع الاهتداء إليها بسرعة في شعر عمر. طبعًا عمر يعوم على الخفيف وعلى مجزوء الوافر وعلى الرمل، ومجزوء الرمل، عمر غارق في هذه البحور، عمر كان يغني رحمه الله.

لحظة آتي بالديوان، هذه سجلتها قريبًا في مشروع تسجيل الديوان إن شاء الله. أهتدي لمكانها بسرعة، من ديوانه ربما كانت على هذا أو على غيره، لكن أذكر لهذه النغمة وأنا أحضر للتسجيل أنها انطبعت في ذهنه، إن شاء الله يكون من مجزوء الرجز، كانت في هذا الموضع.

هذه هي، يقول: قد زاد قلبي حزنًا رسم وربع محول قد زاد قلبي حزنًا رسم وربع محول ربع كل هند مقفر قد كان حيناً يؤهل ماء به من أهله قد كان حيناً يؤهل ماء به من أهله إلا الظباء الخذل قد كنت فيهم ناعمًا.. قد هاج قلبي محضره.

أنت وقفت على شيء آخر؟ تقول هذه لعمر أيضًا؟ نعم، هنا.

منزل من أم عمر مقفر، أربع مقفرة هذه لعمر أيضًا. يقول عقيل: هذه أيضًا قصيدة لعمر، نعم، هذه استحضرت فقط لأنها كانت مطبوعة في ذهنه قريبًا، لأن ما قبلها كان بحر الخفيف والطويل مقبوض الضرب.

المهم، ماذا حصل في قوله: "قد زاد قلبي حزنًا"؟ ماذا حصل في التفعيلة؟ تسمى ماذا؟ تسمى مطوية؛ دخلها الطي، أو تسمى مخبونة؛ دخلها الخبن، أو تسمى مخبولة؛ دخلها الخبل.

يقول: «ربع لهند مقفر، قد كان حيناً يؤهل ماء به من أهله إلا الضباء الخذل، قد كنت فيهم ناعماً، ألهو بهم وأجزل». ما الذي حصل فيه؟ "ألهو بهم وأجزل"؛ أريد التفاعل يا إخوة؛ "ألهو بهم وأجزل"؛ ما الذي حصل؟ "متفعل"، أحسنت، اسمه ماذا؟ "متفعل" اسمها مخبون.

نعم، الخبر: "قد كنت فيهم ناعماً، ألهو بهم وأجزل، أيام هند والهوى من نال هند تبذلوا، فحل دهر دونها". "فحل دهر"؛ "متفعل". نعم، خلاص فهمنا؛ يدخل الخبن تصير "متفعل"، ويدخل الطي تصير "مستعل"، ويدخل الخبل تصير "متعل".

"فحل دهر دونها، دهر لعمري معض، ضل بتنا وقلبي مشفق من صرم هند، أوجل إذ أرسلت في خفيه أن المحب المرسل تقول هن، دن ائتنا". "دن ائتنا"؛ "متفعل"، أها، مخبون. تقول "هن دن ائتنا"؛ هل أخل بكونه رجزًا؟ لا، تقول "هن دن ائتنا". فقلت: لا، لا أفعل، والله لا آتيك حتى يزور الأول من حبكم يا هند، ما عمرت حياً. الحمد لله.

خلصت تمامًا. هذا المجزوء هو الذي حُذف تفعيله من آخر الشطر الأول ومن آخر الشطر الثاني؛ تفعيله العروض وتفعيله الضرب.

الآن نأتي إلى المشطور، وهو الأصل والأكثر، واصطلح العلماء على أنه بيت الرجز كما قلت. شاهده: «ما هاج أحزاناً وشجواً قد شجا». ويقال هنا العروض هو الضرب، خلاص، أو قل الضرب ولا عروض له. يقال العروض هي الضرب، أو تقول ضرب لا عروض له، وهذا الذي أميل إليه، وربما ذكرت لكم هذا قبله.

السبب هو أن الضرب هو ما يأتي في آخر الكلام، أما العروض فتعرض في أثناء الكلام؛ وهذا كما قلنا مأخوذ من البيت والخيمة وكذا، والعروض هي الخشبة التي تعرض في البيت، أو يُعرض عليها الشيء، إلى آخره. فالعروض تعرض في أثناء البيت، والضرب يُضرب به في آخر الكلام. وهذا المشطور الذي هو سطر واحد متصل ليس له عروض؛ لا شيء يعرض في خلاله، ليس له أقسام يُعرض في أثنائها، فهو سطر له ضرب ولا عروض له، وهذا هو الصواب إن شاء الله.

ومنه أبيات الحطيئة المشهورة، وأنا أتيت بها لسبب أنها فيها كل زحافات الرجز؛ لأن كل ما سبق كان خالياً من الزحاف. لماذا؟ لأنهم يا إخوة لما تقرؤون مثلاً كتاب "الكافي في العروض والقوافي" جروا على التمثيل للبحور الصحيحة السالمة، ثم يمثلون بأمثلة جديدة للبحور أو للتفعيلات فتعلم الزحاف. فترونهم يقولون: ومثال المخبون، ومثال المطوي، ومثال المخبول، وهكذا فهم جروا على التمثيل.

فلاحظ ما مر معنا كان سليماً، ولهذا قلت لكم: «دار لسل ما إذ سلي ما جاره قفر، ترى آياتها مثل الزبر». ستجدون هذه التفعيلات سالمة من الزحافات، ولو حصل فيها زحافات قلتم لا يضر. ولكن أنا أعتمد في التمثيل على ما قد ذكرت، لذلك أذكر لكم الزحافات في الأول.

أحياناً في هذه المجالس أعتمد على قراءة قصائد تامة، كما فعلنا الآن مثلاً، وفي الغالب أقرأ قصائد تامة وهذا من منهجي، وقراءة القصائد التامة ليست كالتمثيل؛ فستمر معك فيها الزحافات، فأنا أخبرك بالزحافات في الأول وستأتي في القصائد، وأقول لك إذا أتت لا إشكال فيها.

ولأنني أتيت في الرجز هنا بالأمثلة المذكورة، تلاحظون سلامة الأمثلة المذكورة والشواهد المذكورة من الزحافات، لكن أتيت لكم هنا بأبيات الحطيئة؛ لأنها حوت كل زحافات الرجز.

«الشعر صعب وطويل، سلّمه إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه، زلت به إلى الحضيض قدمه، والشعر لا يستطيعه من يظلمه».

تعالوا نكتشف معي، تدرسون معي الآن الزحافات. "الشعر صعب"؛ حصل شيء؟ لا، "الشعر صعب" لم يحصل شيء. "بن وطوي"؛ حصل شيء؟ نعم، حصل الطي، فيقال التفعيلة مطوية. "لن سلّمه"؛ حصل شيء؟ لا، فيقال فيها سالمة.

"إذا ارتقى"؛ أحسنت، "متفعل" خبن مخبون. "فيه الذي لا يعلمه"؛ حصل شيء في بقية البيت؟ "فيه الذي لا يعلمه"؛ في التفعيلة، "لا زلت به"؛ حصل شيء؟ "لا اختنا الكريمة"؛ لا يقال، الصحيح عكس المعلول هنا يقال سالم.

"زلت به إلى الحضيض"؛ "مخبون". "ض قدمه"؛ "مخبول" متعل. "زلت به إلى الحضيض ض قدمه"؛ هذه بهدلة بحر الرجز. "والشعر لا يستطيعه من يظلمه"؛ وقع شيء؟ لا.

هذا المشطور الذي هو الأصل، نقل العلماء القدماء عن الخليل أنه ليس بشعر. وأوثق لكم هذا، أأتي بكتاب "القسطاس" للزمخشري مثلاً؛ مما من الكتب التي أوردت ذلك. هذا كتاب "القسطاس في علم العروض" للزمخشري رحمه الله، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، يقول عند الرجز: «وهو عند الخليل ليس بشعر». هذا نص كلام الزمخشري.

وكما قلت، هذا أصل الرجز وهو كثير، وسياتي في الكلام على الرجز أن تقصي وتجعل شطرين بيتاً، يقع الروي في الثاني فقط.

إن ذلك التقصي قبيح، سيأتي أنه قبيح. نأتي إلى النوع الخامس، نحن وجدنا الرجز التام وعرفنا أنه صحيح الضرب ومقطوع الضرب، وإن مقطوع الضرب قليل. ووجدنا المجزوء من الرجز، خلاص. إذا عندنا الرجز التام سداسي، وهذا الرجز التام نوعان: صحيح الضرب ومقطوع الضرب، وعندنا المجزوء رباعي عرفناه، وعندنا المشطور خلاص. عندنا المشطور ثلاثي وقلنا هذا هو الأصل وانتهينا منه، ومنه أبيات الحطيئة.

نأتي إلى النوع الخامس الأخير، المنهوك الذي ذهب ثلثه، وإذا كان المشطور لا يعدونه شعراً فالمنهوك أولى. شاهده في كتب العروض أبيات دريد بن الصمة المشهورة: «يا ليتني فيها جذع سالمة»، هي خلاص تعلمتها عرفتها: «يا ليتني فيها جذع»، أخب في متفعل ها واضع ها واضع، الأولى مخبون الثانية مطوية، أخب في متفعل ها واضع ها واضع، مستعل أقود وط أقود وط، مخبون أقود وط، فأزمع سالمة سالمة.

ومنه قول النبي ﷺ: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، أنا النبي متفعل مخبون، أنا النبي لا كذب مخبون، أنا ابن عبد متفعل، أنا ابن عبد مخبون، أنا ابن عبد المطلب سالمة. ونحن لا نحتاج إلى تمحق وتعسف التأويل لما نرد على من قالوا إن النبي ﷺ كان يعرف الشعر بسبب «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»؛ يعني هو النبي ﷺ يعلم المخبون والسالم حتى يأتي بمخبر كما نصر.

وانتهينا، البعض يقول هذا بيت واحد ولا يعد شعراً، لا يا حبيبي، بيت الرجز يختلف عن بيت الطويل، يختلف عن بيت الكامل، يختلف عن بيت البسيط، يختلف عن الآخر. شعر، فقيل إنه بيت واحد وكذا، لا نحتاج إلى تعسف في ذلك، تقول هو بيت أو هو بيتان لم يقصد وحد القصيدة، وينبغي ألا أخرج من هذا كله. هذا ليس بشعر، هذا يا أخوه فن وزني، يعني أنت ترى كيف الوزن وليس بالشعر.

وهذه لفتة جميلة يا أخوه، أنا كنت أعلم أننا نجد تفريعاً من دراسة العروض إلى ماذا؟ إلى أجناس الأدب الأخرى التي قد تكون أجناساً نثرية أو تكون أجناساً وزنية. لا نحتاج أن نقول هذا ليس بشعر، إذاً ينبغي أن يوصف بالنثر، قد يكون لك وجه في ذلك، لكن لا ينفي أنه جنس وزني أدبي لكن ليس بشعر. وها نحن نرى الرجز نراه جنساً وزنياً وليس بشعراً، ففي الوزن الفني إذاً متسع لأصحاب الشعر ما يسمى بالشعر الحر أو شعر التفعيلة.

عندك رجز، يمكنك النبي ﷺ نفسه لما قال عليه، لم يقدح ذلك في كونه ليس بشاعر، فهذا يؤكد لك أنه ليس بشعراً، ويمكنك أن تقول عليه وكذا دون إشكال، وهو فن وزني وفي نفس الوقت ليس بشعراً. وتلاحظون هنا أنه يا أخوه قيل في هذا منهوك ولم يقل مجزوء، قيل منهوك فكانت كل قافية بيته، يعني لم يقل «يا ليتني فيها جذع أخب فيها واضع» فيكون بيتاً واحداً، لا، «يا ليتني فيها جذع» بيت واحد. ومن هنا نعلم إن شاء الله أنه لا يكاد يحفظ عن القدماء إلا بيت المشطور، والله تعالى أعلم.

أخيراً أقول، كما اشتبهت تفعيلة الهزج بتفعيلة الوافر المعصوب؛ تذكرون اشتبهت تفعيلة الهزج «مفاعيل» بتفعيلة الوافر المعصوبة في البحر الوافر المجزوء «مفاعله»، لأن «مفاعله» هي «مفاعيل» تتن تن تن، خلاص، أيضاً تتن تن تن. التقت كذلك هنا تفعيلة الرجز التي هي «تن تن ت تن» بتفعيلة الكامل المضمرة، لأن الكامل هو «ت ت تن ت تن»، لو سكنت بالإضمار سيكون «تن تن ت تن»، يعني نفس المشكلة التي وقعت في اشتباه الهزج بالوافر المجزوء، ستشتد هنا تفعيلة الرجز بالكامل أو بتفعيلة الكامل المضمرة؛ لأن كلاهما «تن تن ت تن».

فكيف نفرق بينهما؟ أولاً: لا تكاد تخلو تفعيلة الرجز من الخبن أو الطي أو الخبل، وهذا لا يحصل في الكامل لو تذكرون إلا بالوقص والجز الذي هو الجزل أو الخزل، اختلاف تعبير أو اختلاف ألفاظ وهما نادران قبيحان كما عرفتم. هذا أولاً. ثانياً: لا يطرد الإضمار في تفعيلة الكامل.

تعال نطبق مثال: قال أحمد شوقي: قم في فم الدنيا وحي الأزهرا ... وانثر على سمع الزمان الجوهرا «مستفعل» أو «متفعل»، كلاهما، لو قلت «متفعل» إذاً كامل مضمر خلاص، كامل تفعيلة مضمرة، لو قلت «مستفعل» رجز على الأصل. طيب: «قم في فم الدنيا وحي الأزهر وانثر على سمع الزمان للجوهرا»، هنا يلتقي الكامل المضمر والرجز لاقتراض التفعيلة أو اضطراد البيت على «تن تن تتن»، هي «متفعل» وهي «مستفعل».

لكنه لا يلبث أن يقول: «واجعل مكاني درَّ خرز السما ... فصلته في مدحه خرز السما»، «متفعل»، فهذا بحر الكامل؛ لأن هذه الصورة، دواعي الحركات الثلاث، لا تكون في «مستفعل»، إما تكون «مسستفعل» وإما تكون «مستعل» وإما تكون «متفعل»، أما «تتتتن تن» لا توجد، يعني لا يوجد من الزحافات أو التغيرات التي تدخل على تفعيلة الرجز تجعله يشبه تفعيلة الكامل السالمة، فهذا إذاً بحر الكامل. أما الرجز الموحد فهذا محدث، وكما ذكروا أنه في مسرحيات شوقي تجدونه في مسرحيات شوقي، ولا حاجة لنا بالوقوف عليه، سهل «مستفعل» ليس أكثر.

أما طبيعة هذا البحر، نختم الآن الكلام عليه. تكلم عبد الله الطيب رحمه الله في كتابه «المفيد المرشد» كلاماً طويلاً، والبحر رجز معروف ومفهوم ومعروفة طبيعته، لكن أنا اعتمدت لكم عبد الله الطيب لأنه الذي عني بهذا الباب، واعتمدته في المجالس من أولها. تكلم عبد الله الطيب كلاماً طويلاً عن هذا البحر يا أخوه، سأذكر لزاماً بشيء من التفصيل، يعني سأقف على مواضعه، لكنه لخصه في الأخير، ويحسن أن أبدأ بالكلمة الملخصة ثم نخوض شيئاً فشيئاً، أو أن نخوض شيئاً في التفصيل ونقف على مواضعه. لخصه هو في الأخير في صفحة 255، هذا بعد أن أنهى الكلام عليه، لكن لما درست طبيعته وجدت أنه يحسن أن نبدأ من هذا التلخيص.

قال: «وخلاصة القول إن الرجز من الأوزان العذبة، وقد كان وزناً شعبياً، ولا تزال تجده في الأوزان العامية، ولا يصلح للتطويل والاحتفال».

خلاصة القول إن الرجز من الأوزان العذبة، وقد كان وزناً شعبياً ولا تزال تجده في الأوزان العامية، ولا يصلح للتطويل والاحتفال، وإنما يصلح للقطع وما يراد به الترنم والهجاء ونحو ذلك، ولا يقصد به العمق والتأمل، ولا حتى في قضية المشاعر المستفيضة المنفجرة.

قال: «وكم يود الناقد أن يتنبه المعاصرون من الشعراء للرجز، فيجعلوا منه وزناً يرتاحون إليه من الجد والتقصي، كما يود الناقد أن لو رجع به الشعراء إلى عهده الأول من قصر النظم على القطع دون المطولات». أي من حصره على القطع دون المطولات كما كان يفعل الجاهليون؛ فطبع الرجز نفسه ينفر عن التطويل، هو قطع صغيرة سريعة لا يمكنك أن تطيل بها.

سياتي الكلام على الأغلب الآن على الرجاجين الذين أطالوا. قال: «ولامار ما كان المعري مغيضاً على رؤبة وأصحابه». رؤبة ابن العجاج، كان المعري مغيضاً عليه وعلى أصحابه، حتى إنه أسكنهم ناحية من جنته في رسالة الغفران، واحتج بأن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها، وأن الرجز من رديء الشعر وسفسافه.

وما أظن المعري هنا -وهذه نقطة مهمة- سينفع التفصيل الذي سنعود إليه الآن إن شاء الله، وما أظن المعري عانى بحر الرجز في ذاته، ولا الأراجيز القصار التي نجدها في أخبار أيام العرب وسير الخوارج وغيرهم من رجال الإسلام وأصحاب الملاحم، وإنما عانى فيما أرى ذلك الرجز المطول ذا الألفاظ الغريبة والنسج الجافي الذي كان ينظمه رؤبة ودكين وأضرابه.

ما نأتي الآن إلى الكلام عن طبيعته، تبدأ من الصفحة 203. طبعاً أولاً عبد الله الطيب رأى بالمناسبة -وهذا الكتاب لعبد الله الطيب المرشد سيكون من الكتب المقررة منهجياً عندنا في المدرسة نقرؤه كاملاً إن شاء الله كما فعلنا مع العمدة والصناع- هو رأى أن من الأساطير الشائعة أن يقال إن الرجز هو أقدم أوزان العرب، قال ذلك من الأساطير.

قال: «الرجز لا يمكن أن يكون أقدم أوزان العرب في صيغته التامة، ولا بد أن تكون الأوزان الأولى قد بدأت بصفة أقصر وأقل نظاماً». ثم قال: «الرجز من أوتاد وأسباب كغيره من أوزان العرب التي تدور كلها على كم المقاطع الطويلة والقصيره، وعلى هذا لا يكون حظه في شبه حركة الإبل أكثر من حظها».

هو يرد على هذه الدعوى، ونقول هذه الاختراعات، وإذا صح أن أتكلم بالعامية هذه الهبدة التي هبدها الرومانتيكي وقلدوا فيها بعض المستشرقين في أن الرجز مأخوذ من حركة الإبل وحداء الإبل، وما ذهب إليه العقاد في هذا، وأنا علقت عليه في شرحي لكتاب اللغة الشاعرة في الأردن. يقول: «ولعل ما يكون حظ الخبب -والخبب من أسماء المشيات التي تمشيها الإبل- أوفر منهم».

أنا علقت تعليقاً قديماً هنا على الكتاب قلت: بل أرى ربط البحور بأصوات الأشياء والكائنات في البيئة العربية من محاولات رومانتيكية سطحية ركيكة، والشواهد الأصولية تعمل ضدها؛ لأن الشواهد على أن العروض تطور ليس من سماع أشياء وأصوات خارجية، تطور مما سمحت به طبيعة العربية، طبيعة العربية نفسها.

يقول: «وإنما غر الناس من أمر الرجز أنه صار وزناً شعبياً وكثر نظم العرب له في شتى المناسبات، فحسبوه لذلك رأس الأوزان وأباها». ثم قال العبارة التي نقلتها لكم في الأول: «والمقصد من الرجز نحو الأبيات التي استشهدنا بها من شعر المعري مما تلتزم القافية في عجزه دون صدره ليست بكثير، والغالب على الرجز أن تلتزم القافية في كل شطر منه ويسمى حينئذ مشطوراً، ورأى العلماء أن يعد كل شطر من الرجز في هذه الحال بيته، وهذا مجرد اصطلاح ليس إلا، إذ قل أن تجد شاعراً جاء بشطر مفرد من الرجز ليس له آخر».

ثم قال: «والتقصي في الرجز قبيح في الغالب»، وبحسب منه أبيات المعري، ورؤبة، ومقصور ابن دريد، وبعض متكلفي مهيار. التقصي في الرجز قبيح في الغالب لأنه يخالف طبيعة التطويل. قال: «والقطع في الرجز أنسب من الطوال؛ لأنه كما قدمنا وزن شعبي». هي واحدة مرتبطة ببعضها، أنت ستكون على معنى سريع خفيف، والمعنى السريع الخفيف لا يطول موضوعه.

لماذا قالوا قديماً: «كان الشعر أبياتاً، يرتجز الرجل بين يديه عند حاجته»، أي يرتجل ويقدم بها موضوعات سريعة خفيفة لا تحتمل الطول، وكلما نظرت إلى المعنى الذي تتأمل فيه، كان الموضوع الذي تتأمله يميل إلى التطويل وكانت فيه مساحة قابلة للتطويل. أنت يمكنك أن تقف على الطلل في عشرين بيتاً وتجري حواراً مع خليلك في عشرين بيتاً في الطلل، وتصف الظعائن وهي تنصرف في عشرين بيتاً دون أن تمل ودون أن تسخف ودون أن تذهب بعيداً.

ثم يقول في الصفحة 233: «وقد كان دأب العرب فيه القطع القصار، حتى جاء الإسلام فجعلوا يسلكون به مسلك التطويل». والسبب في ذلك عندي -حتى لو أطلنا قليلاً- أنه احتاج إليه في القصص الشعبي وأخبار الفتوح. وقد استفحل أمر الرجز عندما استقر العهد الأموي، انتبهوا لأنه سيقص ويصير حرف الروي في آخر الشطرين، فلذلك قالوا التام، أما الذي هو عند القدماء البيت هو هذا الذي نعرفه بالمشطور.

لأخيكم الحميري لا تقل التام عندهم هو كذا؛ لأن التام مصطلح عروضي، فانتهى، فلو قلت التام ستربك، وإنما البيت عندهم هو هذه الصورة.

قال: «وقد استفحل أمر الرجز عندما استقر العهد الأموي وظهرت طبقة من الشعراء اشتهروا باسم الرجاج»، وكان أكثر هؤلاء كما يستدل من الأخبار وكتب الأدب بالعراق كانوا بالعراق، والحاجة كانت ماسة هنالك إلى أنواع الشعر التي تلقى على البديهة أو الارتجال في مقام الرد والمناورة والمفاخرة.

ثم يعلل: لماذا قصد الرجاج الرجز؟ يعني طبيعته لا تقبل، ولهذا ظل يا إخوة الرجز المقبول هو رجز القدماء، تخيلوا ورجز الإسلاميين المائلين إلى الجاهليين كذو الرمة، يقول على أن الذوق العام كان يفضل القصيدة على الرجز لاتساع مجال القول فيه ولابتدائه وجلاله، ولذلك كان الراجز دون منزلة الشاعر.

يعني أنت احتجت الرجز ورفعته، ولكن ظل الناس يقدرون القصيدة، كما قدروا الخطبة، لكن ظل الناس يقدرون الشاعر للخطبة. قال: «ولذلك كان الراجز دون منزلة الشاعر»، ولا ريب أن هذا قد أدى إلى شعور بالنقص بين الرجاج، جعلهم يحاولون أن يبزوا أصحاب القصيد بأن ينظموا الرجز في أغراض القصيد، هنا كان السقوط، بأن ينظموا الرجز في أغراض القصيد، ولجوا في ذلك أيما لجاج، فاتخذوا القصائد الجاهلية والمخضرمين كمنظمات لبيد والشماخ نموذجاً يحتذون به.

وأعانهم على هذا اللجاج سبب آخر، وهو ما نفق بين طوائف أهل الأدب لا سيما النحاة من حب الغريب، فكان الرجاج يمدون هؤلاء العلماء والنحويين بضالتهم من الألفاظ النادرة والتراكيب الغريبة، وربما تزيدوا واخترعوا، وقد سمى العجاج أو ابنه نفسه في بعض أراجيزه نحوياً، فهذا يقوي ما نزعم.

ثم يقول: «والذين ثبت لهم السبق في الرجز من الإسلاميين الأوائل أبو النجم العجلي وذو الرمة»، العجاج ورؤبة، وطب العجاج، ورؤبة، وابنه العجاج، وذو الرمة، وأبو النجم العجلي. الأغلب العجلي طبعاً قديم، وهو ذكر هنا ماذا قال؟ يقول ويخبرنا الرواة أن أول من طوّله الأغلب العجلي، وهو من المخضرمين، وهذا يعني عاشوا في الجاهلية والإسلام، وهذا خبر لا نستطيع أن نجزم بصحته، ولعل مصدره أن الأغلب العجلي اشتهر بالرجز دون القصيد، وأن أكثر أراجيزه كانت من الهجاء، المراد به السيرورة.

خلاص، المهم، ثم قال: «أما العجاج ورؤبة فعندي أنهما خرجا بالرجز عما أريد له من الخفة والترنم». أنا أقرأ لكم هذا يا إخوة لماذا؟ لأنه فيه تعلق، فيه دوران يدور حول طبيعة الرجز. هو غالباً هنا لم ينص لك مباشرة على طبيعته في أغلب الكلام، وإنما أدار لك الكلام حول طبيعته، قال لك: «العجاج ورؤبة فعندي أنهما خرجا بالرجز عما أريد له من الخفة والترنم؛ لأنهما التزما فيه الإطالة المملة مع تعمد القوافي الصعبة واستكثر من الأوابد اللفظية».

ثم قال: «وليس في نظمه الكثير ما يستحق الحفظ إلا من حيث الفائدة اللغوية»، إلا قافية رؤبة إلى آخره. قال: «ومذهب أبي النجم وذي الرمة أسلم من مذهب العجاج وابنه». أما ذو الرمة فكان رجلاً يعيش في الجاهلية بقلبه وعقله، وكان شديد المحاكاة للجاهلية ويتكلف التجويد، أما الرجز فكان يلقي الكلام فيه مترنماً بلا كلف، ولهذا فقد كان رجزه يتدفق سلساً حلواً يقل فيه الأغراب بالنسبة إلى غيره من نظم الرجاج، لأنه كان يستروح به، كان حلواً، لماذا؟ لأن طبيعة الرجز هكذا.

قال: «ومذهب جرير في الرجز قريب من مذهب ذي الرمة إلا أنه أبرع في القصيد، ورجزه في جملته دون قصيدته في الجودة». ثم جاء إلى بشار وتكلم على أرجوزته الدالية، قال: «وخير أراجيز بشار هي داليته التي أوردها صاحب الأغاني على تمامها، وذكر أن سبب نظمها هو أن عقبة بن رؤبة تحدى بشاراً بمجلس عقبة بن سلم، وهي من أحلى شعر بشار...» إلى آخره، مع سلاسة ودماثة. فقد كان الرجل جافاً، خشن الروح، مبغضاً للناس، ثم يقول: «وأبو نواس أبرع في الرجز من بشار؛ لأنه لم يسلك به مسلك القصيد من ذكر الأطلال إلى النسيب والمدح كما فعل بشار، وإنما سلك به في الغالب مسلك الحداء والطرد»، وكذلك فعل أبو تمام في أراجيزه المطيرية.

فقد كان الرجل من البصر بالشعر، انظروا، هذا من ميزة أن يكون الشاعر عالماً بالشعر، دارساً له يا إخوة، محيطاً بقضاياه ومسائله، وليس يستعمل قريحته كيفما اتفق وكما يظن المعاصرون والرومانتيكية بحيث يدرك بفطرته أن الرجز... انظروا، كل الكلام يدور حول طبيعة الرجز، فقد أدرك بفطرته أن الرجز لا يصلح إلا للوصف المستخف والترنم والأشياء التي تجري مجرى الحداء.

قال: «ومن حذق أبي تمام أنه لم يسرف في الإطالة» يعني في الرجز. ثم أتى لابن الرومي مع الاعتذار لأخي، قال: «والابن الرومي أراجيز كثيرة في المأكولات كالموز والعنب»، وما بم جراها، وأبيات «ورازقي مخطف الخصور» مشهورة ومعروفة. تعالوا نزن هذا الشطر: «ورازقي مخطف الخصور»، ورازقي: متفعل، مخطف: متفعل، الخصور: متفعل. صح، ورازقي مخطف الخصور، ولم يضبطها هنا مخطف أو مخطف، أنا لم أمر على القصيدة من قبل يعني لا أعرفها. طيب، اجعلوا هذا واجباً، هذه القصيدة، وفي أول المجلس القادم إن شاء الله نتكلم في شأنها إذا تراجعتم في ذلك ديوان ابن الرومي إن شاء الله.

طيب، قال: «وفيها لفتاة بارعة»، ثم قال: «ولعلك تلاحظ أن هذا التشبيه خارج من الذهن لا من القلب»، وكذلك أكثر شعر ابن الرومي كما أسلف، خارج من الذهن لا من القلب. ثم يقول تكلم عن الرجز التعليمي يا إخوة، وكيف أن الرجز التعليمي... أرصد يا إخوة هنا، الرجل رصد شيئاً جميلاً جداً، الدكتور عبد الله الطيب رصد واقعاً جميلاً، قال: «هذا ومما يناسب ذكره هنا أن...»

الأراجيز التعليمية قد جنى جناية عظيمة على بحر الرجز، فصار الشعراء الفحول يتحاماه، وقل منهم من يستريح إليه. الرجز التعليمي؛ ألفية ابن مالك، وألفية علم الحديث، وألفية النحو والصرف، وأصول الفقه، والفقه، والمنطق، والحساب، والرياضيات، وكل هذا يا إخوة.

هذا بحر الرجز وإن قل شأنه بين البحور، كان بحراً ينظم عليه النظم الأدبي على مرتبة، نظم عليه الجاهليون نظم القطع المرتجلة، لكنه كلام أدبي وكلام جميل ونظم، كان جنساً فنياً أدبياً، كانت له مشاركة أدبية. ونظم عليه الإسلاميون الكبار كالأعشى وجرير، فظل جملاً في دائرة الأدب، وظل مطلوباً، وكان ذو الرمة يستريح كما قال من القصيدة إلى الرجز.

لكن بعد الرجز التعليمي عافته النفوس حتى فيما كان يصلح فيه، يعني صار الشاعر يخاف أن يقول الرجز حتى لا يكون في سخافة التعليم، ويكون مرتكباً للحمار الذي يقول عليه العلماء والمشايخ. نعم، قال: «وبحسب أن تنظر في أشعار المتنبي، فإنك لا تجد الرجز بينها إلا كالغريب، والمعري على مقدرته في الصناعة لم يلم به إلا يسيرًا».

وكأنما رضي الشعراء بأن يتركوا هذا البحر الرشيق الخفيف الروح الحذائ المزاج لنظام الألفيات، وما بمجر يعبثون به ما شاؤوا. وفات الشعراء أن هؤلاء المعلمين ما اتخذوا الرجز مركباً ذلولاً إلا لما وجدوه من حلاوة نغمة وخفته في الإنشاد. ولأمر ما تجد التعليمي التي نظمت في غير الرجز ثقيلة جداً، كلامية الأفعال مثلاً.

ثم قال: «ومن عجيب الأمر أن التعليمي الرجز على كثرتها لم يتأتَّ فيها شعر جيد يستحق الاختيار». العجيب عندي هو تعجب الطيب رحمه الله، لأن التعليمي الرجز أو التعليمي عموماً لم ينصب في الأغراض أو الكيفيات الشعرية من الأساس.

ثم يقول: «ولا يسع المرء إلا أن يقول على وجه الإجمال إن الشعر التعليمي أصلاً عبارة عن خطأ، في نظري الشعر التعليمي خطأ، إن الشعر التعليمي تغلب عليه الرداءة والجفاف، إلا ما ندر؛ منظومات الشيخ البنا والصاب وشوقي»، وهذا لا حكم له.

ثم قال: «وهذا وقد حاول بعض المعاصرين أن يحيوا من موات الرجز ويعود به إلى حالته المشطورة القديمة قبل أن يعبث به التعليميون»، ومن هؤلاء المرحوم الرافعي في بعض هجائياته، والأستاذ العقاد في قطع من ديوانه الأول. ومن عجيب الأمر أن الدكتور طه حسين، وهو لا ينظم الشعر، قد جاء بشيء منه في أثناء كتابه على هامش السيرة.

ثم ذكر الخلاصة التي بدأنا بها، أختم بها: وخلاصة القول إن الرجز من الأوزان العذبة، وقد كان وزناً شعبياً، ولا تزال تجده في الأوزان العامية. ولا يصلح للتطويل والاحتفال، وإنما يصلح للقطع وما بمجر مما يراد به الترنم والهجاء ونحو ذلك، ولا يقصد به العمق والتأمل.

وكم يود الناقد أن يتنبه المعاصرون من الشعراء للرجز، فيجعلوا منه وزناً يرتاحون إليه من الجد والتقصي، كما يود الناقد أن لو رجع به الشعراء إلى عهده الأول من قصر النظم على القطع دون المطولات كما كان يفعل الجاهليون، فطبع الرجز نفسه ينفر عن التطويل.

شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.