بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه، ويكافئ مزيده. لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا العاشر من مجالسنا في دروس العروض، وننتقل فيه إلى ثالث بحور دائرة المشتبه، وهو بحر الرمل. وعرفنا أنه جاء على هذا الترتيب؛ إذ كانت تفعيلة الهزج "فاعلات" جاءت على هذا الترتيب؛ لأنه ينفك إذا فككته من تفعيلته، من السبب الخفيف الأخير.
لو أخذنا دائرة المشتبه على أول بحر فيها، وهي تفعيلة الهزج "مفاعيل"، وجعلتها موحدة في كل بحور هذه الدائرة، فأخذت منها تفعيلة الرمل، ستأخذ من السبب الخفيف الأخير؛ لأنه سيقابلك بعد ذلك مفا ثم عي؛ لأن تفعيلة الرمل "فاعلات" مركبة بحسب ما درسته من المقاطع أو الأجزاء من سبب خفيف ثم وتد مجموع ثم سبب خفيف.
فلو أخذتها من "مفاعيل" في الدائرة ودرت هذه الدورة، ستقول لن مفاعيل، مفا عيل، مفا عيل، مفا عيل، مستفعل، مستفعل، مستفعل، ولم فاعيل، لم فاعيل، لم فاعيل؛ هي فاعلات، فاعلات، فاعلات. وعرفتم لماذا بدأوا بالهزج؟ لأنه أوله وتد مجموع وله خاصة في العروض.
بحر الرمل أيها الإخوة بحر سداسي، وتفعيلته على الدائرة "فاعلات" ست مرات، لكن من واقع البحر عند العرب لم يأتوا بالعروض إلا محذوفة. ما هو الحذف؟ الحذف هو حذف السبب الخفيف هنا، فلم يأتوا بها إلا محذوفة، يعني بدون النون، فاعلا؛ حذفوا النون خلاص صارت فاعل، ونقلوها إلى فاعل، يعني صارت التفعيلة فاعل، صار البحر فاعلات، فاعلات، فاعل.
وقلت لكم سنعتمد عدم النقل؛ لماذا؟ لأنه لا حرمة لهذه الحروف، ولا حتى على طريقة الصرف، هي مادة لا نقول فيها حتى إنها أعظم الأفعال وكذا، هم قاربو ليس أكثر من ذلك، لكن لا حرمة لها، وإنما الغرض المقصود منها هو أن تعرف ماذا حصل في التفعيلات وفي النغمات وفي الإيقاع، فاستحسن أن يبقى كل شيء كما هو، على الأقل في التدريس. فإذا أردت أن تنقل انقل كما تشاء، فتصير التفعيلة في البحر: فاعلات، فاعلات، فاعلا، هكذا خلاص، لكن هذا في العروض.
وهذا بالتمام يقال فيه ما قلناه في عروض الوافر وضربه لما قالوا وقع فيه القطف؛ قلنا يقع أصلاً، إنما وقع على حساب الدائرة، فاعتبروا أنه تم وقد وقع. وذكرت لكم اعتراض بعض القدماء وبعض المحدثين أو المعاصرين على تخيل البحور التامة، وأنها ليست موجودة، أو كما عند الخليل؛ أن بحراً هو مقلوب بحر. قال: لا يوجد، بدليل وجود بحور لا مقلوب لها أصلاً، وإنما كل بحر أخذوه بنغمته وإيقاعه أخذاً مستقلاً، إلا أن تولد بحر من بحر عن طريق الاجتزاء أو ما إلى ذلك، أو بعض التغييرات؛ كما رأى البعض أن الهزج هو صورة من صور الوافر المجزوء، أو كأنه منحدر منه، والله تعالى أعلم.
طيب، فيقال هنا ما قيل هناك في الوافر في هذه القضية، لكن الكلام هناك في الوافر كان في العروض والضرب في القطف: فعول مفاعلتن، مفاعلتن، فعول مفاعلتن، مفاعلتن، فعول؛ هنا في العروض فقط، أما في الضرب فله أحوال تأتي مختلفة، ومنها تتشكل الأنماط، أو تتواتر الأنماط الثلاثة لبحر الوافر.
بحر الرمل يأتي تاماً ويأتي مجزوءاً؛ يعني يأتي تاماً في ست تفعيلات، ويأتي مجزوءاً في أربع تفعيلات. التام عروضه دائماً محذوفة، كما عرفنا، التام عروضه دائماً محذوفة، أي معلولة بالحذف، فتصير فاعلا دائماً. التام هكذا: فاعلات، فاعلات، فاعلا؛ خلاص، فاعل، أو قل فاعل إذا نقلت.
أما الضرب فمرة يأتي صحيحاً "فاعلات"، ومرة يأتي مقصوراً، كيف؟ فاعلات، وسيأتي الكلام على القصر الآن، فاعلات نقلوه إلى "فاعلان"، لكن لأبقي الشيء على ما هو عليه "فاعلات" خلاص، ومرة يأتي محذوفاً كالعروض "فاعلا". يعني يأتي مرة هكذا: فاعلات، فاعلات، فاعلا؛ ومرة: فاعلات، فاعلات، فاعلات، فاعلات، فاعلا؛ ومرة: فاعلات، فاعلات، فاعلا، فاعلات، فاعلات، فاعلات، ومرة: فاعلات، فاعلات، فاعلا، فاعلات، فاعلات، فاعلا. رأيتم؟ وتلاحظون يبدأون بالأطوال، وسيظهر هذا جداً لما نتكلم على الوافر المجزوء، ثم على الرمل المجزوء.
فالرمل يأتي هكذا؛ عروض الرمل التام الذي من ست تفعيلات عروضه محذوفة دائماً، فيأتي الشطر الأول دائماً هكذا: فاعلات، فاعلات، فاعلا، هكذا فقط، فاعلات، فاعلات، فاعلا، تن، تن، تن، تن، تن، تن، تن، تتن، طبعاً مع مراعاة ما يدخل من الزحافات التي سنذكرها ونعرفها إن شاء الله.
أما الضرب فمرة صحيح، ومرة مقصور، ومرة محذوف. الصحيح عرفتموه لم تدخله علة، يعني يأتي "فاعلات"، والمحذوف عرفتموه من قبل خلاص، حذفت السبب الخفيف. والقصر هو إسقاط ساكن السبب وتسكين الذي قبله؛ إسقاط ساكن السبب وتسكين المتحرك الذي قبله، هذا هو. فـ "فاعلات" ماذا ستفعل؟ ماذا تفعل؟ تسقط الساكن "النون"، تحذفها وتسكن كأنك أخذت حركتها ووضعتها على الذي قبلها. هذا هو، شبهوه في هذا بالاسم المقصور، شبهوه في هذا في العربية، في النحو والصرف بالاسم المقصور، نعم.
طيب، لما يحصل فيه من السقط والحذف عرفناه أنه حذف السبب الخفيف من آخر التفعيلة. وقد مر معنا في ماذا؟ ليس في الكامل، مر معنا أين؟ من يتذكر أين وقع الحذف معنا؟ ها، درسنا الوافر، هل وقع فيه حذف على العروض على الأساس العروضي؟ ها، أين وقع؟ معنى الحذف يا إخوة في الهزج.
طيب، وأين ذكرنا الحذف؟ من يذكر؟ تكلمنا عن الحذف مرة في الوافر لو تذكرون لما قلنا اجتمع الحذف مع العصب؛ عصبنا ثم حذفنا، صح؟ قلنا عصبنا ثم حذفنا، نعم، في القطف الذي هو مجموع العصب والحذف بالضبط. وتكلمنا عن الحذف في عرض الكلام، فيما أذكر أو في عرض الكلام في الأثناء، تكلمنا عن ماذا؟ تكلمنا عنه في ضرب الطويل، صح؟ لما قلنا يأتي ضرب الطويل مرة صحيحاً "مفاعلن" ومرة مقبوضاً "مفاعلن".
ومرة محذوفًا مفاعيل. وهل وقع الحذف في الهزج؟ هل وقع في الهزج في أي نوع؟ في الضرب؟ كيف صار إذاً أنت حتى تحذف؟ انتبهوا، حتى تحذف أنت تحذف مما قبله ساكن، تحذف مما قبله ساكن. ولهذا قلت لكم لما شرحت لكم القطف في الوافر، قلت لكم قالوا ماذا البعض؟ قال مجموع الحذف والعصب، والبعض قال عصبنا ثم حذفنا، حتى يصح الحذف لابد أن يكون العصب.
نعم، وما الذي وقع معنا في الكامل الذي آخره وتد مجموع؟ ما الذي حصل معنا فيه القطع؟ نعم، القطع. ماذا حذفنا؟ الساكن. ماذا فعلنا فيه في القطع؟ حذفنا الساكن وسكنا الذي قبله، صح؟ لكن هذا في ماذا؟ لما قلنا القطع حذفنا الساكن وسكنا الذي قبله، صار "متفاعل". وفي الوتد المجموع حذفنا الساكن وسكنا الذي قبله المتحرك الثاني فصار "متفاعل". أما هنا فالقصر وقع في ماذا؟ في السبب الخفيف، حتى نقول إسقاط ساكن السبب، لا نقول إسقاط الساكن الأخير وانتهى.
ما يجتمع مع القطع في هذا، لكن هناك إسقاط ساكن الوتد وتسكين الذي قبله، وهناك إسقاط ساكن السبب وتسكين الذي قبله. فلما فعلنا هذا في القصر في الضرب صارت التفعيلة "فاعلات" ونقلوها إلى "فاعلان"، وكما قلت شبهوه في هذا بالاسم المقصور في العربية.
والعروض في مجزوء الرمل، المجزوء الرمل عروضه دائماً صحيحة وليست محذوفة كالتا. وأما الضرب فيأتي مرة مسبغاً ومرة يأتِي صحيحًا ومرة يأتِي محذوفًا "فاعلا"؛ إذاً عندنا ست صور للرمل: ثلاث صور في التام، وثلاث صور في المجزوء. وسنصرح على هذه الأنواع إن شاء الله تعالى، دعونا لا نستعجل الكلام على صور البحور.
التسبيغ الذي وقع في الرمل المجزوء ما هو؟ هو زيادة ساكن على ما آخره سبب. انظروا هنا، ستكثر عليكم الزيادات: علل الزيادة عندك الترفيل، وعندك التذييل، وعندك التسبيغ. فالتسبيغ هو زيادة ساكن على ما آخره سبب، والسبب طبعاً هنا هو السبب الخفيف؛ لأن السبب الثقيل حركتان وحركتان، وآخر البيت لا ينتهي بحركة، فالكلام كله هنا في السبب الخفيف.
وهذا التسبيغ كما قلت يذكرنا بما وقع في مجزوء الكامل من الترفيل والتذييل والترفيـل؛ عرفناه أنه زيادة سبب خفيف على ما آخره وتد مجموع، زيادة سبب خفيف كامل، زيادة كبيرة. تذكرون لما فرقنا بينها وبين التذييل أنه زيادة كل منهما على ما آخره وتد مجموع، لكن التذييل زيادة ساكن، والترفيـل زيادة سبب خفيف كامل؛ هذا كبير خلاص. فالترفيـل زيادة سبب خفيف على ما آخره وتد مجموع، والتذييل الذي وقع معه في الكامل زيادة ساكن على ما آخره وتد مجموع.
فالاشتباه قد يقع بين التسبيغ والترفيـل، أم التسبيغ والتذييل؟ أحسنت يا فاطمة، أحسنت يا حميري، بين التسبيغ والتذييل؛ لأن كلاً منهما زيادة ساكن. الفرق بينهما هو أن التذييل يكون بزيادة ساكن على الوتد المجموع، لهذا كان في الكامل. أما التسبيغ فهو زيادة ساكن على ما آخره سبب خفيف، لهذا كان في الرمل. تذكروا هذا: التسبيغ زيادة ساكن على ما آخره سبب خفيف، ويقع في "فاعلات" لأن تَنّ سبب خفيف لأن قبلها ساكن، فهي سبب خفيف، فإذا زدت ساكناً على السبب الخفيف كان تسبيغاً. والتذييل زيادة سبب خفيف على ما آخره وتد مجموع، لهذا وقع في تفعيلة الكامل لأن آخرها وتد مجموع "متفاعل". والترفيـل زيادة السبب وليس ساكناً؛ زيادة السبب الخفيف على ما آخره وتد مجموع، ولهذا وقعت في تفعيلة الكامل.
نتكلم الآن عن مقدمات هذا، فمن الأفضل لأننا عرفنا هذه الزحافات وستقابل عن الزحافات التي تقع في هذه التفعيلة: الخبن. أول شيء الخبن، الذي هو حذف الساكن الثاني، حذف الساكن الثاني من "فاعلات" لتصير "فعلات"، وهذا كثير جداً ومستطاع في الرمل، فكثيراً ما تأتي "فعلات" مكان "فاعلات". حتى نبه ونقرأ إن شاء الله هذا الكلام، ربما من كلام الدكتور الطيب قال: «ولا ينتبه إلى ذلك»، قال: «لا يشعر باختلاف، لا يحصل اضطراب، لا ينتبه إليه لأن النغم لا يختل»، كثيراً ما تأتي "فعلات" مكان "فاعلات".
ويدخل الخبن كذلك على "فاعلن" أو "فاعل" كما عرفتم التي هي الضرب، يدخل الخبن عليها فتصير "فعل" أو "فعل" بعد النقل، يعني "فاعلن" بدون النقل تصير "فعلن" أو "فاعل". وكذلك يجوز الكف وهو سقوط السابع الساكن، فتصير "فاعلات" مكان "فاعلات" تحذف فقط السابع الساكن فتصير "فاعلات".
ويجوز هذا الآن مركب جديد، يجوز اجتماع الخبن والكف، وتصير التفعيلة "فعلات"؛ الخبن يجتمع مع الكف. وقد مر معنا عدم اجتماع القبض مع الكف في "مفاعيل"؛ تذكرون مر معنا عدم اجتماع القبض مع الكف في "مفاعيل" لما قلنا: "مفاعيل" قد تُكف فتكون "مفاعيل" أو تُقبض فتكون "مفاعلن" بحذف الخامس المتحرك، أو تكون "مفاعيل" تكون مكفوفة بحذف السابع الساكن. أما اجتماعهما بحيث تصير "مفاعلت" فهذا ممنوع.
لكن هنا جاز في "فاعلات" اجتماع الخبن مع الكف. هل هي قاعدة؟ يعني هل الأمر أنه لا تجمع الخبن مع الكف؟ لا، الذي يحكم بذلك هو طبيعة البحر وطول البحر والهيئة التي تؤثر بها الزحافات ودخول الزحافات في البحر. والعرب كانوا يشعرون بذلك كله في كلامهم.
وهنا يا إخوة سبحان الله لا ينقضي عجبي من هذا، تخيلوا أن كل ما ندرسه من هذه الدقائق التي دُونت في قواعد واستثناءات، واضطرت عند العرب مرة أخرى، كل هذه الدقائق التي دُونت في علم العروض في صورة قواعد واستثناءات وطرد القواعد مع الاستثناءات عند العرب، كله كان بالأذن فقط! يعني ما كانوا يعرفون كل هذا أصلاً ولا يهمهم، لكن كل هذا طبقوه ونحن استخرجنا من التطبيق. يعني هم هكذا: لم يخبنوا "فاعلات" وكفوا "فاعلات" ولم يجمعوا بينهما، لكن في القبض هناك جمعوا بينهما؛ في "مفاعيل" قبضوها وكفوا ولم يجمعوا بينهما، أما هنا في "فاعلات" جمعوا بين الخبن وبين الكف، وهذا يسمى بالشكل يا إخوة، الشكل، ويقال التفعيلة مشكولة أو يقال مشكول.
فالمشكلات مكفوف فيقال فيه مشكول، وهذا زحاف مركب من زحافين؛ وسمي مشكولًا تشبيهًا له بالفرس المشكول بالشك، لأن الصوت لا يمتد فيها بعد حذف الألف والنون، لأنها كانت «فاعلات»، هكذا كانت «فاعلات».
احذف «فعلات»، حذف الألف فعي، وحذفت النون التي نرتاح عندها من التفعيلة ونسكن التاء، فتصبح «فعلات» بعد «فاعلات».
وإذا وقع الكف هنا، نتكلم عن شيء آخر؛ عن علاقة بين التفعيلتين قلنا عندما يكون عندك تفعيلة «فاعلات» يدخلها الخبن الذي هو حذف الثاني الساكن، تذكر؟ قلنا الآن في الزحافات يدخل الخبن في «فاعلات»، ويدخل الكف في «فاعلات»، ويدخل الخبن في تفعيلة «فاعل» في الرمل. يدخل الخبن الذي هو حذف الثاني الساكن فتصير «فعلات» كما قلنا من غير نقل.
ولكن توجد علاقة أخرى تتعلق بالتفعيلتين المتجاورتين من حيث الكف والزحاف؛ إذا وقع الكف في «فاعلات» لم يقع الخبن في «فاعلات»، وإذا وقع الخبن في «فاعلات» لم يقع الكف في «فاعلات». يعني لك أن تقول: «فاعلات فاعلات فاعلا» بكف «فاعلات»، هكذا. ولك أن تقول: «فاعلات فاعلات فعلا» بخبن «فاعلات»، فيكون هناك خبن في «فاعلات» وعدم كف في «فاعلات». وليس لك أن تقول: «فاعلات فعلات فعلا»؛ رأيتم ما حصل؟ فاعلات فاعلات فاعلا، انظر الفرق: فاعلات فاعلات فاعلا، شوف لم تشعر بالنون التي وقعت في الكف، فاعلات فاعلات فاعلا أو فاعلات فاعلات فعلا، مريحة أيضًا، لا إشكال في هرولة خفيفة في الأخير مع المد الذي قبلها، إنما انظر في الهرولة التي وقعت هنا في الأخير، كأنك تشعر باضطراب النغم وفساده، وأنه هرول هرولة منك حتى أنك لا تدركه.
«فاعلات فاعلات فاعلا»، «فاعلات فاعلات فعلا»، وهذا الاجتماع أربع متحركات، رأيت: «تفاعلا تفاعلا»، هذا هو السبب، هذا ما يسمى بماذا يا إخوة؟ بالفصلة الكبرى، أربع متحركات وساكن، وهذا أفسد النغمة. هنا يبقى لك أن تقول بالكف: «فاعلات فاعلات فاعلا»، والله جميلة، الكف جميل هنا، تحس أنك في النص هكذا، سنة عدوت عدواً خفيفاً من البطء. أما «فاعلات فاعلات فعلا»، فكأنك خلاص تقول في الأخير: لا أريد راحة.
ما الذي يحكم بذلك هنا؟ يدخل العروض في بقية المزيج الشعري؛ أيهما أحسن: «فاعلات فاعلات فاعلا» أم «فاعلات فاعلات فعلا»؟ لا يوجد شيء اسمه أحسن من حيث النغم، كله جائز، لكن عندما تقول «فاعلات فاعلات فاعلا» أو «فاعلات فاعلات فعلا»، هنا الذي سيرجح صورة على صورة من الصورتين الجائزتين هو المعنى الذي تمزجه بالتركيب وتخلقه بالتركيب وتمزجه مع الإيقاع. نحن الآن نسير بمحك الإيقاع العروضي، بمحك مع تصور الشعر والتركيب؛ ما الذي يرجح هذا على ذاك أو ذاك على ذاك؟ هو فقط السياق والمعنى والتركيب النحوي الذي تأتي به، هذا فن الشعر. نحن الآن في فن العروض لسنا في فن الشعر.
لكن انظر: «فاعلات فاعلات فاعلا»، «فاعلات فاعلات فعلا»، ثم «فاعلات فاعلات فعلا»، «فاعلات فاعلات فعلا»، فسد الإيقاع والنغم بكل حال؛ لأنك كففت «فاعلات» وخبنت «فاعلات»، هذا يسمى يا إخوة «المعاقبة»؛ أنك إذا ارتكبت واحداً هنا لم ترتكبه في الثاني، وإذا ارتكبته في الثاني لا ترتكبه في الأول، وهكذا. وطبعًا يجوز لك ترك الجميع: «فاعلات فاعلات فاعلات» لا بكف ولا بخبن.
ومما قالوا في ذلك أيضًا أنه يجوز الخبن؛ تكلم عن «فاعل» عند قلنا في المجزوء، ماذا عندنا؟ «فاعلات» التسبيغ، أجازوا فيها كذلك الخبن فصارت «فعلات»، فـ «فعلات فاعلات» جاز فيها الخبن على الأصل. هذا المجزوء الرمل، وعندك «فاعلات» المقصورة جاز فيها الخبن، فـ «فاعلات» جاز فيها الخبن فتصير «فعلات»، و«فاعلات» المقصورة جاز فيها الخبن، هذا سواء في التام أو المجزوء كما عرفناه. عرفتم طبعًا أن المقصور يقع منا في التام، والمسبغ يقع معنا في المجزوء.
نأتي الآن إلى هذه البحور وتمثيلها واحدًا واحدًا. رتبنا التام والمجزوء، التام كله عروضه محذوفة، المجزوء عروضه صحيحة. نأتي الآن إلى الضرب؛ بدأوا بالضرب الصحيح في التام، ثم الضرب المقصور، ثم الضرب المحذوف؛ لماذا؟ لأنهم يبدؤون بالأكبر، بالأكثر اتساعًا؛ فالضرب الصحيح هو أكبرها، ثم الضرب المقصور أقل، ثم الضرب المحذوف أقل.
تذكروا أن الضرب الرمل التام عروضه دائمًا محذوفة. شاهده البيت من قصيدة عبيد بن الأبرص، وأنا أحْرص على الإتيان بالشواهد المعتمدة في كتب العروض، وأزيد على ذلك قراءة القصيدة أو الإتيان بشواهد أخرى من الشعر القديم. شاهده البيت من قصيدة عبيد بن الأبرص مثل: سحق البرد عفا بعدك قطر مغناه ... وتوي الشمال
هذا بيت مدور، مثل: «سحق البرد» فاعلات، «عفا بعدك» فاعلات، «قطر مغناه» فاعلات، «وتوي الشمال» فاعل أو فاعلا، فهي عروض محذوفة.
نطلع على القصيدة كاملة، هي في ديوان عبيد بن الأبرص صفحة 115، يقول هنا انظروا ماذا فعل: يا خليلي يقفا واستخبر ... ماذا فعل
أتى بالعروض صحيحة، لماذا؟ للتصريع، ولهذا المثال الذي يأتون به لا يكون من أول بيت إذا سرعت القصيدة؛ هذا البيت الذي كان شاهدًا في كتب العروض هو الثاني في القصيدة: يا خليلي يقفا واستخبر ... المنزل الدارس من أهل الحلال مثل سحق البرد عفا بعدك ... قطر مغناه وتوي الشمال
ولقد يغنى به جيرانك ... ولقد يغى... ماذا حصل؟ ولقد يغى...
حصل في القصيدة خبن، أريد من الجميع التفاعل يا إخوة.
يمكن أن نفعل سكتة هكذا كما يفعل البعض، بعض الأساتذة كالدكتور شعبان صلاح، يقول نعمل سكتة هكذا لنشير إلى وقوع الزحاف هنا بحذف هذا الساكن مثلا.
«ولقد يغنى به جيرانك ممسك من بأسباب الوصال»؛ ولقد يغنى به جيرانك ممسك من بأسباب الوصال: فاعلات، ممسك من بأسباب الوصال، فاعلات.
«ثم أكدى ودهم إذ أزمعوا بين والايام حال بعد حال، فانصرف عنهم بعنث كالو جاء بذي العانات، أو شت الرمال نحن قدنا من أهض بالملل، خيل في الأرسان أمثال السعال شزم يغشي من مجهوله، الأرض وعث من سهول ورمال، فانتج الحارث الأعرج في جحفل كالليل خطار العوالي، ثم غادرنا عديا بالقن ذب للسمر صريعا في المجال».
طيب، «ذب للسمر صريعا»؛ ماذا حصل؟ ذب للسمر فاعلات، صريعا ماذا حصل؟ صريعا خبن، أحسنتم، فعلات في المجال فاعلات. وضح هذا البحر، وضح هذا النمط يا إخوة؛ عروض محذوفة ضرب صحيح، وإذا جاءت العروض صحيحة فهذا تصريع، خلاص. مثل: «سحق البرد عفا بعدك قطر مغناه وتوي الشمال».
النوع الثاني هو الضرب المقصور، وقلنا القصر هو حذف ساكن السبب الخفيف وتسكين ما قبله. شاهده البيت من قصيدة عدي بن زيد: «أبلغ النعمان عني مالكا، أنه قد طال حبسي وانتظار».
أبلغ النعمان عني مالكا؛ فاعلات، مالكا فاعلا أو فاعلة، خلاص العروض دائما محذوفة. أنه قد طال حبسي وانتظار؛ فاعلات، وانتظار فاعلات، الذي نقلوه إلى فاعلان صارت فاعلات، فانتهى بساكن متتاليين، الراء ساكنة والألف ساكنة.
يمكن أن تحول الضرب الصحيح في قصيدة عبيد بن الأبرص إلى مقصور الضرب، أن تفعل ماذا؟ تسكن اللام فقط. تعالوا نجرب في القصيدة، سنقرأها بالمقصورة: «حال بعد حال فانصرف عنهم بعنث كالو جاء بذي العانات، أو شت الرمال نحن قدنا من أهض بالملل، خيل في الأرسان أمثال السعال شزم يغشي من مجهوله، الأرض وعث من سهول ورمال».
ماذا حصل في تفعيلة الضرب؟ «ورمال»؛ ماذا حصل؟ خبن، صح؟ لو قلت «ورمال» كانت سالمة، لكن «ورمال» يحصل فيها الخبن حتى في تفعيلة الضرب.
«أبلغ النعمان عني مالكا، أنه قد طال حبسي وانتظار»؛ القصيدة بكاملها في ديوانه صفحة 93. يقول: «أبصرت عيني عشاء ضوء نار من سناها، عرف هندي وغار».
أبصرت عيني عشاء؛ فاعلات، ضوء نار؛ ماذا حصل؟ تصريع، لماذا؟ لأن العروض تأتي محذوفة، وحصل التصريع لأن هذا الضرب مقصور فأتت العروض مقصورة. «أبصرت عيني عشاء ضوء نار من سناها، عرف هندي وغار»، عرف الأولى جعلتني أقرأ «عرف»، في الثانية «عرف موقدها»، ماذا وقع في التفعيلة الثانية؟ خبن، «عرف مو» فعلات، «قدها» ماذا حصل في «قدها»؟ الخبن، «فأضاء» فعلات، «لمع كف» فعلات، «بسوار» ماذا حصل؟ حصل خبن أيضا.
الخبن كثير جدا في الرمل: «أبصرت عيني عشاء ضوء نار من سناها، عرف هندي وغار، أرثت في عرف موقدها فأضاء لمع كف بسوار، من يؤوي بكم مرتهن». ماذا حصل في «بكمر»؟ «بكم مر» كيف جاءت؟ مخبون، أحسنت يا أختنا الكريمة زينب، «من يؤوي بكم مرتهن» فعل أو فعلا. غير ما أكذب نفسي وأمار. طبعا هنا لو كسرنا الراء ومددنا الحركة صار الضرب صحيحا.
وكذلك تجدون في ديوان عمر بن أبي ربيعة، عمر عنده الرمل ما شاء الله والمجزوء منه. يقول: «حي يا أثل ت أن جد رواح وسلا، هل لعين من سراح، هل ل متبول بها مستقبل دن، في القلب عميد غير صاح، كان والود الذي يشكو بها كمري الماء في الأرض الشحاح، أيها السائل لنا عن حبها».
«أيها السائل لنا عن حبها»؛ فاعلات، «السائل لنا» فعلات مخبون. «خلقت ذكرتها من شيمتي»؛ «خلقت ذك» فاعلات، أهي مخبون؟ «خلقت ذك رتها من شيمتي» فعلات، فاعل أو فاعلة.
كذلك عند عمر بن أبي ربيعة، إذا عرفنا الضرب الصحيح وعرفنا الضرب المقصور، فإن الضرب الثالث هو الضرب المحذوف كالعروض. شاهده في كتب العروض البيت الذي ينسب إلى امرئ القيس، ولا يصح، قالت الخنساء لما جئتها شاب بعدي رأس هذا واشتهب.
قالت الخنساء: «لما جئتها شاب بعدي» (فاعلات) «رأس هذا» (فاعلات) «واشتهب» (فاعلا). وهذا كثير في ديوان عمر بن أبي ربيعة.
من الأسباب يا إخوة التي تجعلني أقرأ لكم قصائد، سواء أتممت البيت أو أتي ببيت، أو أتممت القصيدة التي فيها البيت، أو أتيت بقصائد أخرى، أن كتب العروض جرت على سلامة البحور التي تستشهد بها وتجعل الزحافات تفهمون ما أقصد. تلاحظون في كل هذه الشواهد أنها سالمة حتى من الزحافات؛ لأنهم بعد ذلك، كما في الكافي للتبريزي، يبينون لك الزحافات ويأتون بشواهد على الزحافات، وأنا آتي لكم بالشاهد ثم ننتقل إلى القصيدة التي منها الشاهد أو إلى قصائد أخرى، فنقف على الزحافات في الطريق.
ولهذا عرفتكم الزحافات في الأول لتدخل الأمثلة في الجميع، ولي غرض علمي في هذا، وهو أن أعلمك أن الزحافات لا تؤثر في سلامة أو في صحة الأبيات. ولا أريد أن تأخذ شواهد الزحافات وحدها وكأنها أنماط مختلفة بعيدة، أريدك من الأول أن تكون مستعدًا للزحاف؛ لأن هذا يختلط عندك في القصيدة أصلاً. فلا أريد أن آتي بمثال، الذي هو الأصل على البحر، ويكون سالمًا من كل الزحافات، أريد أن أعلمك بالزحافات، فإذا وقعت الزحافات في التفعيلة لا إشكال.
ولهذا أقرأ، أنبهك إلى الزحافات في الغالب من الأول بعد أن تعرفنا إليها وتكررت معنا، أعلمك بها من الأول ثم ندخل في القراءة، فيمر معنا تفعيلة فيها زحاف، بعدها تفعيلة سالمة، بعدها في نفس البيت فيها زحاف ورابعة سالمة؛ لا إشكال لتعتاد من الأول على تداخل الزحافات مع التفعيلات السالمة.
عند عمر بن أبي ربيعة في هذا الضرب مثلاً القصيدة رقم 31، وهذا عند الأعشى أيضًا موجود، اقرأه في القصيدة السادسة بعد الستين والثامنة بعد السبعين. هذا مثال، الأعشى عنده كذلك الرمل محذوف العروض ومحذوف الضرب. وفي ديوان عمر بن أبي ربيعة مثلاً عندكم القصيدة الأولى بعد الثلاثين، لأن الديوان قريب منا الآن فنقرأ منها، بخلاف ديوان الأعشى فهو بعيد.
يقول: أذنت هند ببين مبتكر ... وحذرت البين منها
هنا يا إخوة، بما عرفتموه أو خارج ما لم نأتِ إليه في دروس العروض، يقال في القصيدة مصرعة أم يقال شيء آخر؟ أسأل عقيلاً الآن، يقال مقفاه؛ لأنه جعل العروض مثل الضرب تتبعها فقط في حرف الروي الذي يقال فيه القافية، فتسمى مقفاة. كما في الطويل: «مقبوض العروض ومقبوض الضرب» كما في «قفا نبك»، «قفا نبك» ليست مصرعة بل مقفاة.
قال عمر بن أبي ربيعة: أذنت هند ببين مبتكر ... وحذرت البين منها فأرسلت هند إلينا ناصحا ... بين نائت حبيبا قد حضر بين نائت حبيبا قد حضر ... قد حضر (فاعلا) زائر حين تخفى العين عنه والبصر ... قلت أهلاً بكم من زائر أورث القلب عناء وذكر ... أورث القلب عناء وذكر (فاعلات فعلات)
ألم نقل بينهما معاقبة؟ المعاقبة بين الكف والخبن، الكف في (فاعلات) والخبن في (فاعلة) أو (فاعل)، وليس بين الخبن لا إشكال فيهما؛ لأنك لما تجمع الكف إلى الخبن ستتوالى أربع حركات، فتأتي (فاعلات فعلات) خفية، وهكذا إلى آخر القصيدة. وهذا أيضًا موجود عند عمر بن أبي ربيعة، اقرأوا له مثلاً في الديوان القصيدة الخامسة بعد السبعين والقصيدة الثالثة بعد الأربعين وغير ذلك. هل لاحظتم يا إخوة أن الأمثلة كلها جاء فيها الروي مقيدًا في هذا النوع الأخير، الضرب المحذوف؟ جاء فيها الروي مقيدًا، ما علته ذلك؟ علته في العربية وفي التراكيب، وهنا سنخرج من علم العروض.
ننتقل الآن إلى الرمل المجزوء. عرفنا الرمل التام الذي يأتي بضرب صحيح وبضرب مقصور وبضرب محذوف كالعروض، والعروض كلها في هذا النوع التام تكون محذوفة. نأتي الآن إلى الرمل المجزوء وعروضه دائماً صحيحة عكس الرمل التام، وضربه يأتي مرة مسبغًا، يعني يأتي زائدًا بسبب خفيف على التفعيلة، شاهده في مصنفات العروض: يا خليلي أربعا وس ... يا خليلي أربعا وس يا خليلي أربعا وس (فاعلات) ... تخبر ربع (فاعلات) تخبر أربعا عن بعسفان (فاعلان)
هذا النوع من الضرب المجزوء المسبغ نص على أنه قليل، كما في صاحب الكافي التبريزي، وأنشدوا لبعض أهل المدينة: «إن حتى لو مشذّب يدميه ... كاد يدميه» (فاعلات).
لأن حتى لو مشذب فاعلات، هذا مدور لأننا فككنا الراء إلى ساكنة ومتحركة. وهذا المجزوء يعني الذي حُذف منه تفعيلة من أوله ومن وسطه؛ تفعيلة العروض وتفعيلة الضرب، فصار أربع تفعيلات. ولا تحضرني اللحظة قصائد على هذا النوع لنقرأها كعادتنا في سائر البحور، وهذا كما قلت نص على أنه قليل جداً، وهو واضح أنه إسلامي حتى يستشهدوا له بشخص من أهل المدينة ويقولون هو عتيق، فهذا واضح أنه إسلامي والله تعالى أعلم.
أنا لا أذكر الضرب الثاني من مجزوء الرمل، الضرب الصحيح كالعروض. نتذكر أن عروض المجزوء صحيحة وأن عروض التام محذوفة. وعروض الرمل المجزوء صحيحة شواهدها في كتب العروض كابن جني، مثل: «دارسات موحش مثل آيات الزبور»
نفس هذا الشاهد في الكافي بصيغة أخرى مختلفة في صدر البيت.
مقفرات، دارسات مثل آيات الزبور، وهذا النوع يمتلئ به ديوان عمر بن أبي ربيعة. أنا لم أقل يا محمد يقول مولانا هناك معاصرون لا يقيدون القافية في الضرب المحذوف، تقصد فيما تناولناه هنا. قالت الخنساء في التام: «لما جئتها شاب بعدي رأس هذا واشتهى». أنا أقول لكم هل لاحظتم أن الأمثلة التي جئنا بها هكذا، مع أننا لم نتتبع، لم أقل إنه لا يأتي إلا هكذا؟ انتبه، مثلا لو قلت يشتهي هنا، لم تكن كذلك.
أقول هذا النوع يا إخوة، هذا النوع الثالث، الرمل المجزوء الذي هو صحيح في ضربه كالعروض. هذا كثير جدا عند عمر بن أبي ربيعة، مثلا القصيدة الثانية بعد السبعين يقول: «علق القلب وزّ حب من لن يستطيعا». ماذا حصل في "وزّ"؟ علق القلب وزّ، ماذا حصل؟ ما شاء الله، فاطمة متيقظة جدا، ما شاء الله. «علق القلب وزّ حب من لن يستطيعا»، «أضحت سفًّا جميعًا»، "سفًّا" فعلات، أنت فعلت الضرب مخبونًا، «ودعاه حين فنقا د إلى الحي»، "فنقا د" إلى "الحي" فعلات، «ودعاه الفاعلات حين فنقا د إلى الحي». «ثم أبصرت التي زادت على الشمس بروع»، «وترنس وان قما مت وان قم خشوعا»، «كخضار رما الطلوع»، كله صحيح.
ومثلًا قصيدته الثانية بعد المئة: «هل عرفت اليوم من شم باء بالنعس رسوما غيرتها كل ريح تذر الرب مسيما»، «حرج ف تذري عليها أسحما»، «وجنا هزيمة»، «ولقد ذكرني الربع». ماذا حصل في التفعيلتين؟ «ولقد ذكرني الربع» خبن، أحسنتم. «ولقد ذكرني الربع شؤونا لن تريما»، «يوم أبدت بجنوب الخيف رفا وسيما»، «وشيتا باردا تحسبه دررا». ثم قالت وهي تذري دمع عينيها: «سجو للثريا قد أباها الذمع»، «أخبريه بالذي ألقى فإن كان مقيمًا فليعد موعدًا لنلتقي فيه نموا»، «وليكن ذاك إذا من تصف الليل بهيما». كانوا يغنون بالشعر، يأكل كل هذه القواعد والأصول في داخلهم هكذا طبيعيًا، سبحان الله، يغيب عنا الكثير.
الضرب الثالث والأخير من الرمل المجزوء شاهده في مصنفات العروض: ﴿ما قرت به العينان منها ذا ثمن﴾. هذا لا أستحضر له قصائد الآن، لكن هذا شاهده في مصنفات العروض من الشعر العتيق، من الكلام الذي استشهد به لما قرّت به العينان. سؤال بسرعة، هو جواب بسرعة: هل نقول هذا محذوف كالعروض؟ نقول محذوف كالعروض، صح؟ لا، أحسنت أختنا الأستاذة زينب، أحسنت. لماذا؟ لأننا في المجزوء، والمجزوء عروضه صحيحة، لكن هذا محذوف. كما أن المسبغ أكثر من التفعيل من العروض، وأما الوسط، عروضه أو ضربه جاء صحيحًا كالعروض: ﴿ما قرت به العينان منها ذا ثمن﴾، "ذا ثمن" فاعل كما قلت، لا أستحضر له قصائد الآن.
دعونا نرجع إلى طريقتنا في تلاوة نغمات الرمل أو البحر بكل صورة. الآن ركز يا عقيل، عشان النغمة تفضل في دماغك: فاعلات فاعلن، فاعلات فاعلن، فاعلات فاعلات. أنا أريد أن أقول النغمة وأرى الكتابة أمامي. اسم هذا البحر... فاعلات فاعلن، فاعلات فاعلن، فاعلات فاعلن، فاعلات فاعلن. فاعلات فاعلان مقصور، فاعلات فاعلن محذوف كالعروض، وليس فاعلات فاعلتين مسبغًا. صحيح وصحيح، طبعًا تلاحظون هناك ثقل في نغمة المسبغ، وقالوا هو قليل جدًا حتى احتاجوا إلى الاستشهاد له. قليل جدًا الذي هو: فاعلات فاعلات، فاعلات فاعلات، فاعلات فاعلا.
تلاحظون ليس للرمل مشطور كالرمل ولا منهوك. فاعلات فاعلات، فاعلات فاعلات، فاعلات فاعلا. نأتي بسرعة لحديث عن طبيعة هذا النغم الذي وصفه الدكتور عبد الله الطيب بأنه نغم شعبي أو بحر شعبي، في كتابه في الصفحة 116 يقول: «ونغمة الرمل خفيفة جدًا». يا سلام، شوف، أنا أحب أن نتكلم عليها بعدها حتى تهيئ نفسك، بل توافق بين أو توازن ما تقرأه من الكلام مع ما استقر في ذهنك من النغم. يقول: «ونغمة الرمل خفيفة جدًا وتفعيلاته مرنة جدًا إذ...»
كثيرًا ما تصير فاعلات فعلات ولا يكاد يلحظ ذلك، وفي رنته نشوة وطرب. والأوائل من الجاهليين يكثرون من هذا الوزن في أشعارهم، ويبدو لي أنه كان بمنزلة الأناشيد الشعبية.
ويترجح عندي أن هذا الوزن ظل نشيديًا ترنميًا، وبخاصة بين الصغار والعامة، إلى أوائل العهد العباسي. وكما كان الرمل مستحسنًا عند العامة والأطفال، كان أيضًا مستحسنًا عند أهل الشراب والغناء، وما أدراك ما عمر!
ويبدو أن الغنائي الرملي كان كثيرًا بالحجاز أيام الأحوص وعمر. وقد وقفتُ -كما تعلمون انشغالي بشعر عمر- ووجدت الرمل فيه كثيرًا، والرمل المجزوء كثيرًا، الذي هو صحيح العروض والضرب؛ لأن العروض دائمًا صحيحة.
يقول عبد الله الطيب: «ويبدو أن الغنائي الرملي كان كثيرًا بالحجاز أيام الأحوص وعمر، ومن ثم أخذه الوليد بن يزيد الخليفة الأموي، فقد استكثر من الرمل القصير في شعره وروده، ترويحًا فتح به بابه لمن بعده من المولدين، أكثروا منه في غزلياته وخمريات وما إلى ذلك».
هو يقول إن الوليد بن يزيد هو الذي فتح لمن بعده في هذا الباب في الخمريات والغزليات وما إلى ذلك، لكنه كان كثيرًا فقط في الحجاز في الذي يغنى أيام عمر والأحوص. ورأيت كيف كان حال عمر مع هذا البحر.
ثم يقول: «وطبقات أبي تمام والبحتري والمتنبي والشعراء المداحين الذين جاؤوا بعد الطبقة الأولى من المحدثين، لم يستكثروا من الرمل، إلا أن هذا لم يمت، فقد كان متظهرًا من ظرفاء الشعراء يتعاطونه كثيرًا، على أنهم لم يحسنوا فيه إحسان من قبلهم؛ وهو عمر بن أبي ربيعة والأحوص والوليد بن يزيد».
وربما كان الرمل القصير قد مات بين المتأخرين، وهو الرمل المجزوء الذي يأتي كما عرفنا ضربه مسبغًا وصحيحًا ومحذوفًا. وربما كان الرمل القصير قد مات بين المتأخرين كما مات كثير غيره من البحور، لو لم يأخذ بيده أن أخاه الرمل الطويل قد أكثر أوائل الموشحين من استعماله، فهذا مهد لاستعمال الرمل القصير في الموشح، ثم لغيره من البحور القصار.
وقد ذكرت في تمهيد هذا الكتاب أن كثيرًا من المعاصرين يستعملون الرمل في مسمطات، وليس تعاطيهم للقصير منه بأقل من تعاطيهم للطويل، إن لم يكن أكثر. والذي يرجع إليه الفضل الأكبر في تحبيب الرمل بنوعيه إلى شعراء العصر هو المرحوم شوقي؛ هو يرى أن أحمد شوقي هو الذي حبب الرمل إلى الشعراء المعاصرين.
ثم يتكلم عن الرمل المجزوء والرمل الطويل معًا، وكلامه هنا عن القصير في قسم القصير لكن يشمله أيضًا، فيقول: «والحقيقة أن الوزنين شديدا القرابة، لا لأن القصير مجزوء من الطويل فحسب، ولكن لأن الطويل مع كثرة تفعيلاته دان جدًا من القصير في روحه، وخفيف النغمة للغاية، والتدرج منه إلى أخيه المجزوء كالخطوة الطبيعية».
ومن أجل ذلك، لا أجد بداً من ذكره مع البحور القصار، فالعادي أن الرمل من البحور القصار حتى لو كان ست تفعيلات. ثم يقول: «وموسيقى الرمل خفيفة رشيقة منسابة، وفيه رنة يصحبها نوع من الميلنخوليا». لا أعني بالميلنخوليا الجنون، وإنما أعني بهذا الحرف، وقد كان مستعملًا عند القدماء هذا الضرب العاطفي الحزين في غير مكابة، ومن غير ما وجع ولا فجيعة. وأعتقد أن هذه الميلنخوليا المتأصلة في نغم الرمل تجعله صالحًا جدًا للأغراض الرقيقة، والتأمل الحزين، وتجعله ينبو عن الصلابة والجد وما إلى ذلك.
ثم يقول: «والموسيقى هنا...». أنا أرى كلامًا له استشهد به وأراه حسنًا. وبمناسبة ذلك، انظر ربما أتى بأبيات الحجاج، أظن هنا يأتي بابن الزبعرى، يقول:
«هَمَّ بي يوم مثله وأقمنا ... ميل بدر فاعتدل»
هذا من أي نوع يا إخوة؟ من الرمل التام. «ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل»؛ هذا محذوف، أحسنتم، محذوف الضرب، وطبعًا هو أساسًا محذوف العروض: «حين ألقى بقباء بركها ... واستحر القتل في عبد الأشل ... كم ترى بالجر من جمجمة ... وفي أبيض وضاح الرفل».
يقول: «ولعل القصة التي يذكرها الرواة من أن الحجاج كشف عن رأسه يوم رست قباذ، وأخذ بقدح وجعل يضرب به صلعته وينشد أبيات سويد...».
«كيف يرجو نسيق بعدما ... جلل الرأس بياض وصلع؟ ... ساء ما ظن وقد أبليت عند ... غاية المدا كيف أقع؟ ... ربما أنضجت غيضًا قلبه ... قد تمنى لي شرا لم يطع ... ويراني كالش في حلقه عسرًا ... مخرجه ما ينتزع مزبد»
يقول لعل هذه الأبيات ترونها عنه. والقصة الأخرى التي يروونها عن يزيد بن معاوية من أنه لما بلغه خبر الحرة، جعل ينكت الأرض ويتمثل ببعض أبيات ابن الزبعرى:
«هَمَّ بي يوم مثله وأقمنا ... ميل بدر فاعتدل ... ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل ... حين ألقى بقباء بركها ... واستحر القتل في عبد الأشل ... كم ترى بالجر من جمجمة ... وفي أبيض وضاح الرفل»
قال لعل هاتين القصتين...
يوضحان ما ذكرناه من ملن خي الرمل. الأميران هو الحجاج ويزيد بن معاوية، كلاهما في موقف ظفر، ولكنه ظفر نيل بتشقي الرحم ووتر ذوي الشرف والمروءة من رجالات العرب؛ ولذلك شابت الظفر عند كليهما شوائب من الشعور بالخطأ والرغبة في تبرير ما ارتكب من الجلائل. ألا تراهما ينكران الأرض وينكتونها ويضربون الصلع ويمسحونها ويتمثلون بهذا الشعر المفتخر المحتني؟
يقول: «والموسيقى الشعرية الرفيعة»، ثم يتكلم عن أن نغمة الرمل نغمة كما يقول بسيطة للغاية. يقول هي نغمة بسيطة للغاية، ويقول: «وجرس ه البين وتفعيلاته وتكرارها تزاحم المعنى في ذهن السامع». هذا كلام خطير، انتبهوا: «تزاحم المعنى في ذهن السامع». أعني أنك تسمع كلام الشاعر ووزنه كأنهما منفصلان، وكأن لوزنه استقلالاً عن كلماته، يعني الحس الموسيقي لوحده والكلمات مفصولة تغني غناءً مستقلاً.
ومثل هذا الوزن الذي يزاحم المعنى في سمع السامع له ميزاته وجماله، ولكنه لا يبلغ إلى الرفعة التي ينبغي أن تكون عليها موسيقى الشعر العالي بحال من الأحوال. انظر للعبارة التالية: «والموسيقى الشعرية الرفيعة بحق هي التي يكون الوزن فيها كالمُنزل وراء كلام الشاعر وكأنه منه بمنزلة الإطار الجميل من الصورة المتقنة». هذا كلام خطير وجميل، ودندنوا به معي كثيراً من قبل، لا سيما على بحر الطويل.
ثم يقول: «وفي الرمل رقة وعذوبة مع ما فيه من الأسى، ولذلك أكثر منه الغزل، أمثال ابن أبي ربيعة». وقد تعاطاه بعض العراقيين الذين كانوا ينظمون في الملاحم والأحداث، والشعر الغزلي يناسب الرمل أكثر من هذا النوع الآخر الملحمي؛ لأن ذكرى الملاحم -لا سيما في معرض المفاخرة والمناورة- تحتاج إلى رنة قاسية غليظة، وفحوى معاني الفخر وما إليه تتنافر مع رقة الرمل وملن خي الياهو. وما أظن الذين استعملوه من أصحاب الملاحم فعلوا ذلك إلا لخفة هذا الوزن وسهولته في الحفظ؛ يعني وزن خفيف يسهل الحفظ وله نغم ينفصل كما قلنا عن الكلام.
فهذا كله يطمع في هذا. قال: «وقد أدرك بعض المرقق من طبقات المولدين الأولين رقة الرمل وعذوبته فتعاطوه، واستغلوا ناحية الملن خيه والأسى فيه لتصوير مجونه وغرامياتهم». وكثر الرمل عند المتأخرين أو عند متأخري المولدين فاستعملوا فيه التوشيح وسلكوا به كل مسلك وخف على ألسنتهم، حتى إن ابن الوردي نظم فيه لاميته المشهورة، قال: «وهي تجري مجرى الرجز التعليمي»، على أنها تنظر من بعد إلى لاميات أعشى همدان والجعان الزبارة.
وقد كتب لها، يعني للبيت ابن الوردي، من السيرو ما لم يكتب للامي العربي، والعجب! وما لم يكتب لرز أبي العته ذ الأمثال، على سهولة لفظها. وما ذلك إلا لأن بحر الرمل قد لذته نفوس المتأخرين حتى صار عندهم بمنزلة الأوزان القصار. يا إخوة، شهرة القصائد بين العامة وسائر المثقفين العاديين -ليس المتخصصين- لا يدل على علو هذه القصائد وجودتها.
ثم يقول: «والرمل اليوم بنوعيه القصير والطويل، شكراً لشوقي بحر الشعر الركوب». الرمل اليوم بنوعيه، قلت لكم كثر، نلاحظه حتى قبل أن أدرس هذا الكتاب كنت أقرأ الشعر كثيراً لاحظت كثرته عند المتأخرين المعاصرين. قال: «والرمل اليوم بنوعيه القصير والطويل، شكراً لشوقي»، هكذا قال، «شكراً لشوقي بحر الشعر الركوب، وكان الناطقين بالضاد استحالوا كلهم مل نخولي باكين دامع».
ثم يقول: «والرمل اليوم من الطويل والقصير -يعني التام والمجزوء- في هذا العصر لا تحصى، والجيد فيها أندر من الكبريت الأحمر، ولعلك لا تجده في غير الشوقيات». باختصار نعم، وهذا آخر ما أردت أن أطعم أرصع به هذا الدرس العروضي. وشكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد