الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، كنا ذكرنا في الدرس الماضي بما أننا انتهينا من أربعة أحاديث كلها تتكلم عن التيمم، منها ثلاثة أحاديث مرفوعة وواحد أثر مرسل، أثر أبي الخليل صالح أبي الخليل وابن سيرين والبقية كانت أحاديث مرفوعة. واثنان منها في أحاديث عمار فيما أحسب؛ أليس كذلك؟ أحدها فيها خطأ وهو ابن أبي أوفى بدل ابن عبسة، وهي حديث عمار، وهكذا الأول كان حديث عمار أيضاً، والذي قبله الحديث الأول ابن بسدان عن أبي ذر. هذه ثلاثة أحاديث ومردها إلى حديثين: عبد الرحمن بن نابزة عن عمار، وحديث عمرو بن بوجدان عن أبي ذر. أما الآثار فغير هذا كثيرة، وإنما كان الأثر الكلام فيه في تسمية محمد بن الجعد وحماد.
قلنا إننا نريد أن نمر على الأحاديث المتعلقة بالتيمم، وربما بشيء من أحكام التيمم أيضاً. والحقيقة أني بعد البحث اليسير العجل وجدت أن هذا يحتاج إلى بحث مطول، وربما يحسن أن يكتب فيه بحث، يكتب واحد منكم أو أحد من الناس بحثاً في التيمم من حيث الروايات ومن حيث اختلاف الفقهاء. فالروايات في ذلك كثيرة يحررها، وهناك بعض الخلافات بين الأئمة.
أول رواية عندنا هي رواية عائشة في نزول آية التيمم. حديث عائشة رواه الجماعة إلا الترمذي، الجماعة من هم؟ أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. فرووا من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، يعني ضاعت، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم. فقال أسيد بن حضير: جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجاً، وجعل للمسلمين فيه بركة. رضي الله عنه، هذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ما نزل بها أمر إلا أصبح للمسلمين في ذلك الأمر خير وبركة.
هذا الحديث له روايتان مشهورتان، روي حديث نزول آية التيمم من طريقين؛ الطريق الأول طريق القاسم بن محمد عن عمته عائشة، ويرويه من طريق القاسم ولده عبد الرحمن بن القاسم، والحديث في الصحيحين، وفيه طول، لكن ليس فيه أنهم كانوا نزلوا على غير ماء وشكوا إلى أبي بكر الصديق وجاء إلى عائشة، الحديث مشهور. وهناك رواية أخرى وهي رواية هشام بن عروة بن الزبير عن عروة بن الزبير عن خالته عائشة، القاسم بن محمد يرويه عن عمته هذا ابن أخيها وهذا ابن أختها، وكلا الحديثين في الصحيحين بل في دواوين الإسلام. حديث هشام بن عروة عن عروة بن الزبير فيه فائدة جليلة جداً، وهي أنه قال في بعض من ذهبوا يبحثون عن القلادة: فصلوا بغير وضوء، ثم أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكوا إليه ذلك. ولذلك يقول ابن عبد البر في حديث هشام بن عروة مسألة كبيرة اختلف فيها الفقهاء، وهي: فصلوا بغير وضوء.
ما هي المسألة التي نستنبطها من هذا الحديث أو من هذه الرواية؟ هي المسألة المشهورة وهي فاقد الطهورين؛ شخص ليس عنده ماء وليس عنده تراب أو لا يقدر على الماء ولا يقدر على التراب، فما حكمه؟ اختلف الفقهاء فيه على مذهبين: المذهب الأول: لا يصلي. ما الدليل؟ قالوا: لا صلاة إلا بطهور، هذا حديث صحيح ويمنع أن تكون الصلاة بغير طهور، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة. القول الثاني: يصلي، وهو مذهب الشافعي وأحمد. استدلوا بماذا هؤلاء؟ بهذا الحديث، طبعاً يردون على ما استدل به الأولون بأن قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا صلاة بغير طهور» أن هذا الكلام صحيح عند من يجد الطهور، وأما فاقد الطهورين فهو لا يجد الطهور أصلاً. وضحت المسألة؟ وحديث الصحيحين حديث هشام بن عروة حجة لأهل هذا القول.
وهؤلاء اختلفوا أيضاً من قالوا يصلي ومن قالوا لا يصلي أيضاً اختلفوا على قولين؛ فمالك قال: لا يصلي ولا يقضي، لأنه سقطت عنه الصلاة مطلقاً كالحائض، لا تصلي ولا تقضي. وأبو حنيفة شبهه بالحائض، فقال: لا يصلي ولكن يقضي. والشافعي ذهب مع أبي حنيفة في القضاء فقال: يصلي ويقضي. وأحمد قال: لا يصلي ولا يقضي. فصارت الأقوال أربعة أقوال: القول الأول: لا يصلي ولا يقضي، هذا قول مالك المشهور. القول الثاني: يصلي ويقضي، هذا قول الشافعي. الثالث: لا يصلي ويقضي، هذا قول أبي حنيفة. الرابع: يصلي ولا يقضي، وهو قول أحمد. وضحت المسألة؟ هذه أول المسائل وهذه أول الأحاديث في هذه المسألة وهي حديث هشام بن عروة، والعمدة عندنا هنا حديث هشام بن عروة، ما الدليل فيه؟ قال: فصلوا بغير وضوء.
ننتقل إلى المسألة التي بعدها والحديث الذي بعدها، نحاول أن نأتي على مجموعة من الأحاديث التي في التيمم وتكون مهمة، هذا من أهم الأحاديث وأكثر الأحاديث أهمية أحاديث عمار. الحديث الثاني حديث أبي الجهيم، هذا الحديث أيضاً مشهور، عمير مولى ابن عباس وابن يسار عطاء بن يسار وهنا ابن هرمز عبد الرحمن بن هرمز الذي هو الأعرج، ويروي عنه جماعة وهم ثلاثة: ابن لهيعة ومحمد بن إسحاق والليث بن سعد. هذا الحديث نقرأ فيه ما رواه الجماعة إلا الترمذي والنسائي، ورواية مسلم معلقة، قال ورواية مسلم معلقة من طرق عن عبد الرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم على أبي الجهيم الحارث بن الصمة الأنصاري. قال أبو الجهيم: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه السلام حتى أتى على الجدار أو على جدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه السلام.
هذا الحديث ما هي المعاني التي فيه من حيث التيمم؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم على الجدار، هذا يدلنا على أن التيمم على ما في الجدار أو ما فيه غبار ولو لم يكن على الأرض أنه جائز، أليس كذلك؟ النبي تيمم على الجدار لأن الجدار فيه غبار. هذه مسألة وطبعاً هناك خلاف بين الفقهاء حتى في الصعيد، منهم من وسع الأمر كالإمام مالك وأبي حنيفة أنه يجوز له التيمم حتى على الصخور، والشافعية والحنابلة يشددون في ذلك ويقولون التراب لابد أن يكون تراباً. المسألة الثانية أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم ورد عليه السلام، في بعض الروايات أنه لم يرد أن يذكر الله إلا على طهارة، طبعاً هذا من باب الاستحباب.
هذا الحديث استدل به البخاري استدلالاً معيناً، وهكذا أبو داود في رواية أخرى تشبه هذه الرواية نعرض لها، استدل به على جواز التيمم في الحضر، وبوب عليها: التيمم في الحضر إذا خشي فوت الصلاة أو نحوه. لأن في هذا الحديث في بعض الأحاديث أنه خشي أن يذهب الرجل فتيمم ورد عليه السلام. ومنهم من يحتج بهذا الحديث على أن صلاة الجنازة تجوز إذا خشي أن تفوت وهو غير متطهر أنه يتيمم ويصلي، استدل بذلك أبو حنيفة، وهكذا صلاة العيد. طبعاً الجمهور على أن صلاة الجنازة وصلاة العيد مما يشترط له الطهارة، وهكذا جميع الصلوات أو كل ما يشترط له الطهارة، الجمهور يردون فيها على هذا الحديث ويقولون هذا الحديث هو فيما يستحب له الطهارة ويخشى فوته كرد السلام، فالطهارة هنا غير مشترطة في رد السلام.
وضحت المسألة فيردون بذلك على البخاري ويقولون ليس في هذا الحديث دلالة على ما تذكر، طبعاً البخاري استدل به على التيمم في الحضر، قالوا هذا تيمم لما تستحب له الطهارة، هل التيمم لما تشترط له الطهارة في الحضر؟ لا يوجد. واضحة؟ مع ذلك يقول الجمهور بأن التيمم في الحضر جائز إذا فقد الماء لأنه داخل في الآية، وإنما ذكر كلمة المسافر في الآية ﴿إِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾ من باب ما خرج مخرج الغالب أن هذا هو العادة أن الماء يكون مفقوداً في السفر. فهذا الحديث ما فيه من المسائل إلا هذه المسائل التي ذكرتها وهي مسائل بسيطة والحديث متفق عليه في الصحيحين.
نأتي إلى ما بعده حديث عمار، من يرويه عن عمار؟ أبو موسى، وأيضاً صدقه ابن مسعود. من يروي عن أبي موسى؟ أبو وائل شقيق بن سلمة وهو تابعي مخضرم جليل، وعن أبي وائل الأعمش، وقد رواه عن الأعمش أناس لا يحصون وهو في الصحيحين، الحديث متفق عليه. في لفظ هذا الحديث قال الأعمش عن أبي وائل بن سلمة قال: كنت جالساً مع عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، أرأيت لو أن رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهراً كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله يعني ابن مسعود: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهراً. فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6]، فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد. فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمار: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا»، ثم ضرب النبي أو ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه. فقال عبد الله: أو لم ترَ عمر لم يقنع بقول عمار؟
هذا هو حديث الباب، الآن هذا الحديث فيه مسألتان مشهورتان، المسألة الأولى: تيمم الجنب هل يجوز أو لا يجوز؟ أولاً عمار ماذا صنع؟ لما أجنب تمرغ كما تتمرغ الدابة، تعرفون تمرغ الدابة، للناس اللي يعرفون الإبل يعرفون تمرغ الدابة، الدابة تكون باركة ثم تنسدح على يمينها وتحرك يديها ورجليها ثم تنسدح عليه بحيث أن التراب يغطي الجسد، قال تمرغت، لأنه طبعاً حضر نزول آية التيمم، ورأى النبي أعلمهم كيف يتيممون أو تيمم هو ذلك الوقت وأخبرهم النبي بعد ذلك في آية التيمم في غزوة بني المصطلق في السنة الخامسة للهجرة، نزلت آية التيمم وأخبرهم أن النبي كبّر يتيممون ومع ذلك تمرغ كما تتمرغ الدابة لأنه ظن أن الجنب يختلف عن المحدث حدثاً أصغر، المحدث حدثاً أصغر تيممه سهل، أما الجنب كيف يصنع؟ فتمرغ كما تتمرغ الدابة.
من باب القياس عندنا المسألة الأولى: تيمم الجنب، هذا حديث عمار نص على أن الجنب يتيمم كما يتيمم المحدث حدثاً أصغر، وكان عمر يظن أن الجنب لا يتيمم، إنما التيمم خاص بالمحدث حدثاً أصغر، وهكذا ابن مسعود، وصار نقاش بين عمر وبين عمار لأنه جاءه رجل، قال عمر: لا يتيمم يبقى لا يصلي، فقال عمار: أما تذكر كذا وكذا؟ وذكره بهذا الحديث، فقال: اتق الله يا عمار، وفي بعض الروايات قال: إن شئت ألا أحدث به لم أحدث به، قال: نوليك ما توليت. فيقول ابن مسعود: ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟ يعني ما زال ابن مسعود على رأي عمر. طبعاً هذا الرأي أن الجنب لا يتيمم إنما قاله عمر رضي الله تعالى عنه وابن مسعود اجتهاداً منهما، ولم يبقَ على هذا الرأي أحد من أهل العلم، بل أجمع العلماء بعد ذلك على أن الجنب يتيمم؛ لماذا؟ لأجل حديث عمار، ولأجل حديث عمران بن حصين المشهور في الصحيحين أيضاً أنه أعطى الجنب وقال: «إنما يكفيك أن تتيمم أو الصعيد الطيب يكفيك»، لما كان معتزلاً في حديث المزاد المشهور عن النبي أخذ مزادة المرأة وسقى الناس، فلما صلى فإذا رجل معتزل الناس، قال: «لما لم تصلِ معنا؟ وقد ذكرته لكم؟» قال: إني أجنبت يا رسول الله على جنابة، فقال: «الصعيد الطيب يكفيك». فدل هذا الحديث وكذلك الحديث الأول عمرو بن بوجدان الذي ذكرناه عن أبي ذر، هذا احتج به كثير من أهل العلم على أن الجنب يتيمم لأن فيه: الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشرة سنين، فلابد في عشر سنين هذه أن يجنب، أليس كذلك؟ احتج كثير من أهل العلم بحديث أبي ذر على أن الجنب أيضاً يتيمم، هناك أحاديث كثيرة في الجنب ثم القرآن يدل على ذلك، ولذلك جاء بالآية.
فاعتذر ابن مسعود بأنهم لو قلنا بهذا لكان الواحد إذا برد تيمم، والآية الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]. وهذا يحتج بها ابن مسعود، يمكن أن يحتج بهذه الآية، ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6]. فكأن التيمم عائد على ما بعدها.
هذا الذي لا يرى تيمم الجنب يفسر ملامسة النساء بالملامسة العادية وليس الجماع. إذا قال العلماء إنه لم يبق على هذا المذهب أحد، وإنما أجمع الناس على أن الجنب يتيمم. إذا هذه المسألة انتهينا منها، والناس مجمعون عليها، والأحاديث فيها كثيرة.
المسألة الثانية: قال ضربة واحدة، مسح بها وجهه وكفيه، ضربة واحدة للكفين والوجه. ما الدليل على هذا؟ دليل عليه هذا الحديث المتفق عليه، ويؤيده أحاديث متعددة؛ منها حديث شعبة أيضًا في الصحيحين عن الحكم وذكرناها عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار، وفيه ذكر اليدين، وفي بعض الروايات ذكره للكفين.
لكن أصلح من هذا أيضًا الذي في السنن من رواية قتادة عن سعيد عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: ضربة واحدة للوجه والكفين. وهو حديث صحيح، وأكثر ما يحتجون به حديث عزرة عن قتادة عن أزرق، واضح؟
هذا من يقول بهذا القول؟ يقول به مالك بن أنس، والإمام أحمد. أحمد يقول ضربة واحدة للوجه والكفين، ومالك يقول ضربة واحدة للوجه والكفين إلا أن مالكًا يستحب الضربة الثانية ويستحب إلى المرفقين، وأحمد يجوزه أيضًا.
وأما أبو حنيفة والشافعي فيقولون ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين. عرفنا الخلاف بين الفقهاء، هؤلاء معهم لكن هؤلاء من باب الاستحباب، مالك من باب الاستحباب وأحمد من باب الجواز. معناها أن السنة عند أحمد فقط ضربة للوجه والكفين، وأحاديث الضربة الواحدة للوجه والكفين أصح وأكثر.
عند الآخرين ثلاثة أحاديث تقريبًا أو أكثر من ذلك، لكن أهم الأحاديث ثلاثة أحاديث عندهم، وقد ذكرها ابن المنذر في الأوسط وغيره، يحتج بثلاثة وضعف هذه الأحاديث الثلاثة. وهكذا أصحاب هذا القول يقولون إنها ليست بثابتة لكن لكثرتها قالوا بها احتياطًا، وأيضًا أنها أقرب للكتاب. كيف أقرب للكتاب؟ أنها قياسًا على الوضوء، لأن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ إلى أين؟ إلى المرافق، فينبغي أن يكون التيمم أيضًا إلى المرافق.
طبعًا الآخرون ماذا يقولون؟ يقولون اللغة تقتضي هذا المذهب، قال: لأن الله لم يذكر في التيمم إلى المرافق، وإنما ذكر ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾، كما قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وإنما يقطع، وهكذا يقول ابن رشد وهو مالكي، يقول بأنه يشنع الكلام على من يحتج بالقياس، ويقول إن اليد تطلق لغة على الكف، وتطلق على ما زاد على ذلك مجازًا، على الكف حقيقة وعلى غيرها مجازًا. فالمتبادر في القرآن ﴿امْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾ أنها الكفين، ويزيد ذلك الأحاديث الصريحة؛ فكيف نعدل عن كتاب وسنة وعقل؟ يقول إن هذا أيضًا مقتضى العقل. وضحت المسألة؟
لكن هؤلاء أيضًا عندهم حجة ابن عمر، ثبت عنه وعن جابر بن عبد الله وهم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يضربون ضربتين في التيمم للوجه والمرفقين. فكأن أهل هذا المذهب أيضًا عندهم بعض الأحاديث وعندهم آثار متعددة، وأيضًا هنا آثار، كما أن هنا أحاديث هنا آثار.
انتهينا من هذه المسألة وأردنا أن نتكلم عن الأحاديث التي ذكرت المرفقين. هناك حديث ذكره أبو داوود، وهو موجود عندنا في كتاب العلم، محمد بن ثابت العبدي، عن ابن عمر، محمد بن ثابت العبدي، جماعة رووا عنه، والحديث في سنن أبي داوود. هذا الحديث يشبه حديث أبي الجهيم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم مر به رجل في سكة من السكك وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد فرغ من بول أو غائط فسلم الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يسلم عليه، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما خشي أن يذهب الرجل أو كاد الرجل أن يذهب، تيمم النبي صلى الله عليه وسلم على حائط، فضرب ضربتين، ضربة لوجهه وضربة أخرى ليديه إلى المرفقين. هكذا يقول محمد بن ثابت.
طبعًا الأئمة شنعوا على محمد بن ثابت، وأحصيت منهم عشرة من الأئمة ممن تكلموا في محمد بن ثابت لأجل هذا الحديث. أحمد بن حنبل رضي الله عنه قال: روى محمد بن ثابت عن نافع عن ابن عمر حديثًا منكرًا في التيمم. وقال ابن معين أيضًا ينكر عليه، مرة قال لا شيء ومرة قال لا بأس به، المهم أنه قال أنكروا عليه حديث التيمم. وقاله أيضًا أبو زرعة الرازي، قال هذا خطأ والصواب موقوف. وقاله أبو حاتم الرازي في الجرح والتعديل، وعدد من الأئمة؛ ابن المنذر نفسه، ومنهم الخطابي، ومنهم جماعة كثيرون. قال ابن عبد البر: رواه محمد بن ثابت عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا فأنكروه عليه وضعفوه من أجله. وأيضًا الخطابي قال: وحديث ابن عمر لا يصح لأن محمد بن ثابت ضعيف جدًا لا يحتج بحديثه. طبعًا هو ليس ضعيفًا جدًا عند الكل، فيه من يقول لا بأس به وفيه من يقويه.
وقال أيضًا ابن رجب في فتح الباري: ورفعه منكر عند أئمة الحفاظ وإنما هو موقوف عندهم، كذا قال الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داوود والبخاري والعقيلي والأثرم. هؤلاء ثمانية عدهم ابن رجب الحنبلي، وأقوالهم هذه حاولت أني أجمع أقوالهم وجدتها كلها إلا قول الأثرم. أما أحمد فقال عنه أبو داوود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن ثابت حديثًا منكرًا في التيمم. ونقل نحوه ابن هانئ. والعقيلي يقول عن ابن معين قوله: ليس به بأس ينقل عنه، ينكر عليه حديث ابن عمر في التيمم لا غير. وفي رواية الدوري قال: يحدث محمد بن ثابت عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في التيمم بصري وهو ضعيف، أيضًا هو بصري ونافع تعرفونه مدني. قلت ليحيى: ألست قلت مرة ليس به بأس؟ قال: ما قلت هذا قط. وقد نقل ذلك عنه عثمان الدارمي. ونقل الخليلي أيضًا قوله: ليس بشيء، أنكروا عليه حديث نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به رجل فسلم عليه فتيمم ثم رد عليه السلام، وهذا منكر لا يتابع عليه.
البخاري ماذا قال؟ محمد بن ثابت العبدي أبو عبد الله البصري عن نافع وعمرو بن دينار يخالفه في بعض حديثه، يعني معناه ليس ضعيفين جدًا كما قيل، وخالفوا في بعض حديثه. روى عنه ابن المبارك ووكيع وسمع منه قتيبة، وروى محمد عن نافع عن ابن عمر مرفوع وفي الأوسط له قال: مرفوعًا في التيمم وخالفه أيوب وعبيد الله والناس فقالوا عن نافع عن ابن عمر فعله. وقال أبو داوود: لم يتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورووه فعل ابن عمر. ونقل عنه العقيلي نحو هذا الكلام عن ابن أبي داوود.
إذا هؤلاء أربعة: أبو داوود، أبو زرعة قال هذا خطأ إنما هو موقوف، أبو حاتم قال روى حديثًا منكرًا، طبعًا نحن ظننا أنه هذا الحديث، هذا ستة أبو حاتم سبعة، قال ابن المنذر بعد ذكر هذا الحديث ذكر حديثين آخرين حديث أشلع وحديث الصمة ذاك أبو الجهيم الصمة، فيه أنه تيمم بيديه أو ضرب بيديه، في رواية لإبراهيم أبي يحيى عند الشافعي المشهور وهو رجل ضعيف أنه قال: وذراعيه. وهكذا أيضًا روى شخص آخر خالف أبو صالح كاتب الليث عن الليث كما رواية الليث، روى كاتب الليث فيما يخالف الصحيحين وقال ذراعيه. في حديث ابن الصمار بأبي الجهيم وهو أيضًا أنكره عليه العلماء، والثابت كما في الصحيحين يديه بدون كلمة ذراعيه.
فابن المنذر ذكر هذه الأحاديث الثلاثة من أحاديث محمد بن ثابت العبدي هذا، وقال ابن المنذر: فأما الأخبار الثلاثة التي احتج بها من رأى أن التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، فمعلولة كلها، لا يجوز أن يحتج بشيء منها. هذا السابع، الثامن ابن حبان ونقل أنه موقوف، التاسع العقيلي أيضًا رده وقال إنه موقوف، العاشر الخلال قال: الأحاديث في ذلك ضعاف جدًا ولم يرو منها أصحاب السنن إلا حديث ابن عمر. هذه مسألة مهمة.
أنتم معي يا مشايخ؟ قال لم يرو أصحاب السنن منها إلا حديث ابن عمر، يعني أصح حديث في المرفقين وفي الضربتين هو حديث ثابت هذا محمد بن ثابت الذي في السنن؛ لأن أبا داوود لم يرو في السنن في هذا الباب إلا هذا الحديث، وأبو داوود يختار أصح الأحاديث، وكان أبو داوود أيضًا يميل إلى هذا الحديث حقيقة لأنه أورد له شيئًا من المتابعات، وهي حجج البيهقي. فهؤلاء عشرة بالإضافة إلى الخطابي وإلى ابن عبد البر ما ذكرناهم، إنما ذكرنا أنهم يقولون أقوال العلماء.
البيهقي احتج بأشياء سأذكرها لكم. طبعًا هناك رواية أخرى موقوفة ابن عمر نافع وأيضًا سالم، هنا جماعة كثيرون جدًا منهم مالك وكفى به وعبيد الله العمري وأيوب وجماعة من الثقات أصحاب نافع، كلهم يقولون عن ابن عمر أنه قال: التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، من قول ابن عمر. وهذا الحديث مرفوع، وهناك عن سالم الزوري عن سالم عن ابن عمر أيضًا موقوف.
طيب ما حجتك يا بيهقي في أي تقوية هذا الحديث؟ طبعًا البيهقي علم وقال أنكره الحفاظ عليه، ولكنه له شاهد وأتى بحجج، وحجج قوية جدًا جدًا. الحجة الأولى أنه يقول: حديث الرد السلام والتيمم على الجدار مشهور، وهو صحيح مروي من رواية أبي الجهيم وغيره، فأصل الحديث موجود. طيب هذا نحن نرد عليه بشيء، وهو أولًا كلمة غيره هذه زيادة، ويقصد بها هذا الحديث يبدو لأنه لا يوجد غيره، وهو لم يرو إلا بأبي الجهيم. فالحديث مشهور بأبي الجهيم، لكن هل ابن عمر رواه كما رواه أبو الجهيم أو لا؟ الله أعلم، هذه الإشكالية، فهذا لا يثبت أن هذا موجود، لأن هذه رواية أخرى لأبي الجهيم في الجدار هذه هي محل مربط الفرس ومحل النزاع، أنه تيمم على الجدار وأنه لم يرد السلام كما في أبي الجهيم، هل هذا صحيح أو لا؟ لعل محمد بن ثابت أراد هذا الحديث، أليس كذلك؟ فأخطأ، ويعلم أن ابن عمر عنده حديث آخر أو أثر موقوف.
الحجة الثانية للبيهقي: قال هذا يختلف عن هذا، هذا مرفوع وفيه قصة، حديث محمد بن ثابت الذي يرويه مرفوع بقصة، وذاك موقوف لا علاقة لهذا الموقوف بهذه القصة. ليس من السهولة أن يخطئ شخص في ذكره قصة في حديث، ونقول إن الصواب الموقوف والموقوف ليست قصة أصلًا. وضحت المسألة؟ هذا أيضًا مما احتج به البيهقي. هل يمكن الرد على هذا؟ سهل جدًا، نقول إن هذا الرجل يعلم قول ابن عمر بدليل أنه يروي عن نافع، لكنه يعلم بحديث أبي الجهيم، فلضعفه ركب هذا على هذا، يمكن هذا؟ وهذه من أقوى الحجج التي ستأتي.
يقول البيهقي إن القصة هذه ثابتة عن نافع عن ابن عمر من رواية رجلين غير هذا، من هما؟ الضحاك بن عثمان والثاني يزيد بن... كلاهما رويا هذه القصة عن نافع، لكنهما لم يقولا هذا لم يذكر التيمم، وهذا قال يديه ولم يقل مرفقيه. هذه حجة قوية ولا ما هي قوية؟ قوية جدًا؛ لأنه يقول القصة ثابتة، فقط هذا قصر به فلم يذكر التيمم، وهذا قال شيئًا لا يخالف هذا، وهذا الرجل فيه لا بأس به. هذا قال يديه وهذا قال مرفقيه ولا إشكال في هذا. والله هذه المسألة، ثم يقول إن فعل ابن عمر هذا الذي يروى عنه دليل وشاهد على صحة القصة عنه؛ لأنه من أين جاء تيمم ضربتين وإلى المرفقين إلا بقصة؟ والله هذه المسألة هذه حجج ليست سهلة من إمام بوزن البيهقي رحمة الله عليه.
ما الرد على هذا؟ عندنا إشكالية كبيرة جدًا وهي لو كان نافع عنده خبر مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ابن عمر هل سيكتمه؟ أم سيحدث به كثيرًا؟ معنا شيخنا عنده موقوف وعنده مرفوع أيهما الأولى بالتحديث؟ المرفوع. والحقيقة أن نافعًا حدث بالموقوف كثيرًا بدليل أن الأئمة إنما يروون عنه. ومن أصحاب نافع المقدمين فيه؟ مالك وعبيد الله وأيوب هؤلاء متقنون، وهذا الرجل ما حاله في نافع؟ بصري ليس في نافع بذاك القول، فمن البعيد جدًا أن يكون عند نافع حديث مرفوع ولا يحدث به إلا لأناس ضعفاء. طيب قد يقول قائل: سها نافع ولم يحدث به، إنما حدث بالموقوف بدليل أن هناك متابعات. نقول يا أخي هذه المتابعة ليست هي متابعة حقيقية، لماذا؟ لأن المتن مختلف. الضحاك بن عثمان في صحيح مسلم يروي عنه الثوري عن نافع.
مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه السلام، وهو في سكك المدينة وغير متطهر. إن جاء من مكان قد بال فيه، فهذا في حالة البول، وفرق بين أنه سلم عليه في حالة البول أو سلم عليه في السكك؛ فكأن هذا الرجل سمع هذا الحديث وارتبط بهذا، ودمجها مع هذا وجمع الجميع.
أما ابن الهاد فقد روى القصة، ورواها بلفظ محمد بن ثابت، لكنه لم يذكر الذراعين. ما الجواب عن يزيد بن الهاد؟ يزيد بن الهاد ثقة، لكن نقول إن رواية يزيد بن الهاد رواية غريبة جداً جداً؛ تفرد بها عنه رجل، حيوة بن شريح، وعن حيوة بن شريح أيضاً رجل آخر اسمه عبد الله بن يحيى، وعنه رجل آخر. فهذا التفرد الكثير يدل على أن هذه الرواية فيها خلل كبير. لأنه لو كان يزيد بن الهاد يروي عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً، فهل معناه أن نافعاً عنده شيء مرفوع؟ فكيف لا يروي نافع هذا المرفوع لجماعته الثقات؟
إذاً أكبر مشكلة عندنا أن الثقات يروون عن نافع حديثاً موقوفاً في الباب، ولو كان عنده حديث مرفوع لكان أولى بالاشتهار من الحديث الموقوف. وهذه العلة التي ذكرتها في كتابي "إعلال الحديث الغريب بالحديث المشهور": إذا كان الغريب أولى بالاشتهار من المشهور ولم يشتهر، واشتهر الأقل منه منزلة، فإن المشتهر هذا القليل المنزلة يكون علة في الغريب الأعلى منزلة. وضحت المسألة؟ ومن هنا ندرك أنه تواطأ على إنكاره على محمد بن ثابت هؤلاء الأئمة كلهم، وهم أساطين العلم والرواية: البخاري، وأحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، ومن بقي؟ هؤلاء الناس.
إذاً نتوقف هنا إن شاء الله، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون في هذا القدر كفاية. الحقيقة التيمم فيه كلام طويل، هناك التيمم لأجل البرد في حديث عمرو بن العاص، وهو حديث فيه اختلاف بين الرواة؛ منهم من يصححه ومنهم من يضعفه، فهو مجال للأخذ والرد، أنه تيمم وهو جنب بأصحابه في ليلة باردة وصلى بهم، فقال: صليت بهم وأنت جنب؟ قال: يا رسول الله، قد تذكرت قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم. فمعناه أن الإنسان إذا جاءه برد ولا يستطيع أن يسخن الماء، يجوز إذا كان البرد شديداً أن يتيمم، وهذا قال به بعض الفقهاء وخالف فيه بعض الفقهاء.
وهكذا من جُرح؛ نعلم أن المريض يجوز له التيمم بنص القرآن، لكن من جرح جرحاً وهذا الجرح قد يؤثر عليه، كالجرح في رأسه مثلاً كما وقع لذلك الرجل الذي شُج. بعض الرواة يقول عن عطاء عن ابن عباس، وبعضهم يقول عن عطاء بن رباح عن جابر، اختلفوا في الرواية. ومن العلماء ممن قال إن من روى عن الأوزاعي عن مسلم بن إسماعيل، أو إسماعيل بن مسلم، قد أفسد الحديث علينا؛ فالحديث محل للأخذ والرد، وقد ذكر هذين الحديثين أبو داود في سننه. فالتيمم للبرد والتيمم للجرح محل احتمال أن يكون مقبولاً وأن يكون مردوداً، ولذلك اختلف الفقهاء في هذا؛ هذا مجمل ما في التيمم. ولعله يأتينا أيضاً في كتابنا هذا الحديث وغيره من الأحاديث ونتكلم فيه، وهو كتاب علل الحديث لابن أبي حاتم. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
د. سعيد المري