السلام عليكم ورحمة الله.
هل صادف أن سمعت أناساً ليس لهم قيمة في ميزان العلم ينتشرون في المواقع انتشار الذباب في الأسواق، يطعنون في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويشككون في الأحاديث وفيمن رووها من الصحابة والتابعين؟ يزعم فريق منهم أنه يتمسك فقط بالقرآن، ولو كانوا يعقلون أو يفقهون لاستمعوا لأمر الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. حديثنا اليوم في الشريعة والحياة حول وجوب اتباع السنة النبوية ومسؤولية حمايتها من قبل العلماء وعامة المسلمين على حد سواء. ضيفنا هو فضيلة الدكتور سعيد المري، أستاذ الحديث بكلية الشريعة جامعة قطر. مرحباً بكم فضيلة الدكتور.
أهلاً ومرحباً بك، حياك الله.
لو تحدثنا فضيلة الدكتور في البداية عن مكانة السنة النبوية بين مصادر التشريع الإسلامي؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد. مكانة السنة في الحقيقة لا يمكن أن يوفي بها عبارات أو كلمات مهما كان المتكلم فصيحاً أو بليغاً، لأن سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي الشارحة لكتاب الله، وهي التطبيق العملي للقرآن الكريم، وهي رسالة النبي صلى الله عليه وسلم. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، هي القسم الثاني من الشهادتين في الحقيقة، هذه هي السنة النبوية.
والله سبحانه وتعالى ذكرها في كتابه في عدد من الآيات وحض عليها ونوه بها، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ في غير آية في آيات كثيرة. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. من يطع الرسول فقد أطاع. آيات كثيرة جداً، لا يمكن أن يجهل مكانة السنة مسلم يؤمن بالله سبحانه وتعالى.
الذين ذكرت قبل قليل أنهم يشككون في السنة هم في الحقيقة بين فريقين؛ إما فريق لا يؤمن بالله أصلاً فهو لا يؤمن بالقرآن لأن القرآن أصلاً يدل على السنة، ولو آمن بالقرآن لآمن بالسنة بلا شك، وهذا ضرورة أن يؤمن بالسنة. وبين فريق آخر هو في الحقيقة يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم لكنه يجهل كيف جاءت السنة ويظن أن السنة لم تثبت ولم تحفظ. والحقيقة أن حفظ القرآن مستلزم لحفظ السنة، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
الذكر ليس فقط القرآن، صحيح أن ألفاظ القرآن داخلة في الذكر بلا شك، الله سبحانه وتعالى لم يقل إنا نحن نزلنا القرآن وإنا له لحافظون، وإنما قال إنا نحن نزلنا الذكر، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾. معناها القرآن فيه ذكر، والذكر أوسع وأعم من القرآن، فتدخل فيه السنة. فإذا كان الذكر فيه الألفاظ وفيه المعاني، هناك ما يبين القرآن، فالحفظ لا بد أن يكون لألفاظه وهذا بلا شك محفوظ، ولمعانيه وبيانه وهذا هو السنة، فلا بد أن تكون السنة محفوظة.
منذ متى بدأ الهجوم على السنة النبوية فضيلة الدكتور؟ الرسول صلى الله عليه وسلم لعله تنبأ بهذا في حديث مشهور؛ قال: «ألا هل عسى رجل من أمتي متكئ على أريكته شبعان ريان أو كما قال صلى الله عليه وسلم، يأتيه الحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حلال أحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا إنما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في القرآن». هل بدأ مبكراً هذا الأمر حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم استشرفه بهذه الصورة؟
نعم كما ذكرت في الحديث كان عمران بن حصين سمع أناساً يقولون ذلك، يقولون: لا تحدثونا إلا بكتاب الله، وعمران بن حصين صحابي جليل فأورد لهم مثل هذا الحديث. وقال: يا هذا، لو وكلتك إلى كتاب الله إلى القرآن، والقرآن يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، كم ركعة ستصلي في الظهر؟ وكم ركعة ستصلي في العصر؟ وكم ركعة ستصلي في المغرب؟ وكيف ستعرف أن في الركعتين الأوليين تجهر بالقراءة وفي الأخرى تخفت بها؟ إنكم إلا تأخذوا عنا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تضلوا وتضلوا.
الإشكالية الآن ليست في متى طعن في السنة وما أنواع الطاعنين فيها، الإشكالية في جهل المسلمين بثبوت السنة، وبحفظ السنة، وبآلية حفظها، كيف جاءتنا السنة؟ هناك نظام عبقري للمحدثين الله سبحانه وتعالى دلهم عليه لحفظ كتابه ودينه؛ لأن الدين منه ما هو سنة ومنه ما هو قرآن. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾، فإتمام النور لنور الدين لا يمكن أن يتصور بلا سنة، لا يمكن أن يفهم القرآن بلا سنة، ولا يتصور إسلام بدون سنة.
فلا بد أن تكون السنة محفوظة لأن الله أحال إليها في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وقوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. كيف سنعود إليه؟ نحن الذين في هذا العصر هل نستطيع أن نعود إلى شخص النبي صلى الله عليه وسلم؟ قطعاً لا. إذن المقصود وقد أجمع العلماء عليه أن العود إنما هو العود إلى السنة، كما أن العودة في قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ليس إلى رب العالمين بكبريائه وذاته وإنما إلى كتابه، فهكذا العود إلى السنة. فكون القرآن يحيل إلى السنة لا بد أنه يحيل إلى معلوم، لا يحيل إلى مجهول، لو أحال إلى مجهول لكان ذلك نقصاً في القرآن، لكان القرآن غير بين.
كيف جاءتنا هذه السنة؟ كيف حفظت؟ الله سبحانه وتعالى هيأ لها أصحابها، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهيأ لها التابعين وأتباع التابعين والأئمة، فجاءت متكاملة بشكل عجيب جداً. الصحابة في البداية كانوا يسمعون النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن بعضهم عنده أشغال في الأسواق أو رعي أو غيره فما كانوا يحضرون كل المجالس، فابتكروا ابتكاراً عجيباً وهو التناوب على العلم، وقد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه باب التناوب في العلم.
وأورد أشياء من ضمنها أن عمر كان يتناوب هو وأنصاري على الذهاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يخبر هذا بما فاته، ومع ذلك قد يفوت عمر رضي الله عنه شيء. مرة من المرات جاء أبو موسى الأشعري فطرق الباب على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وهو خليفة ثلاث مرات، ثم ذهب، فعندما فتح عمر الباب وجده مدبراً فناداه. فقال له: لمَ؟ قال: الاستئذان ثلاثاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا استأذن أحدكم فليستأذن ثلاثاً، فإن أذن له وإلا فلينصرف».
قال عمر: والله لتأتين علي ببينة، عمر ما سمع هذا، طبعاً هذا ليس تشكيكاً في أبي موسى وإنما صيانة لحفظ السنة. وكان الصحابة مستغربين، كيف هذا الموضوع عن النبي وأنا لا أعلمه؟ ذهب أبو موسى إلى مجلس فيه أبي بن كعب وجماعة من الصحابة، سألهم: هل أحد منكم سمع هذا؟ قالوا: كلنا سمعناه، إلا عمر. فأرسلوا معه أبا سعيد الخدري، هو بالنسبة لهم صغير ولكنه كان مفتي المدينة في زمن من الأزمان، فذهب أبو سعيد إلى عمر وقال: نعم سمعت، فقال: ويحك يا عمر، شغلك الصفق بالأسواق.
كان الصحابة يتورعون في أنفسهم، وكانوا يخافون في زمن عمر أن يحدثوا عن رسول الله وإن كانوا سمعوا، يعني بعضهم لما سئلوا زيد بن أرقم وأنس بن مالك والزبير بن العوام لماذا لا تحدثون عن رسول الله؟ فقالوا: والله لقد سمعنا ووعينا ولكننا نخاف؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». ابن مسعود كان أحد التابعين يحضر مجلسه، وكان يحدث يوم الخميس والناس متعجبون من حديثه، وما كان يقول قال رسول الله، وفي يوم من الأيام قال: قال رسول الله، ثم أطرق فرفع رأسه وإذا عيناه مغرورقتان بالدموع، ويقول: أو كما قال رسول الله أو نحو هذا.
أبو موسى الأشعري نفسه حين حدث عن غزوة ذات الرقاع وما كابده المسلمون من مشاق هائلة في الحقيقة عقب بقوله: وما كان علي أن أحدث بهذا. كانوا يخافون، لكن الحديث جاء منهم بأسباب؛ احتاجوا لأن يحدثوا في بعض المواقف عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء التابعون وأخذوا عن الصحابة بنفس القدر من الاهتمام والتثبت. صحيح أنه في عهد التابعين بدأت الفتن تبرز، ولذلك بدأ هنا النظام العجيب، النظام العبقري، نظام المحدثين وهو الإسناد.
ولذلك قال ابن عباس لما حدثه بشير بن كعب وكان يقول: قال رسول الله، وابن عباس لا يلتفت إليه، وهذا في صحيح مسلم. فقال: عجباً لك يا ابن عباس، أقول: قال رسول الله، ولا تأذن لي؟ فقال كلمة عجيبة: إنا كنا إذا قال الرجل: قال رسول الله، ابتدرته أبصارنا، فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ إلا ما نعرف. الناس الآن كل يقول كما هو حاصل الآن في التواصل الاجتماعي، معلومات هائلة وفوضى، كل يقول كلاماً ولا يسند، ولذلك قال الأئمة: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
هذا الإسناد برز الآن، وصاروا يقولون: لابد لأي خبر أن يأتي مسنداً. طبعاً الإسناد ليس رجل عن رجل فقط كما يتخيله الناس، كان الاهتمام بالإسناد في بداية الأمر قليلاً، ثم مع بروز الفتن صار الناس يقولون: من قال لكم ذلك؟ صار يقول ابن سيرين: كنا لا نسأل عن الإسناد، فلما وقعت الفتن قلنا: سموا لنا رجالكم، فلم نأخذ إلا ما نعرفه، ولم نأخذ عن أهل البدع. والزهري رحمة الله عليه وهو أحد التابعين الأجلاء، لما سمع رجلاً اسمه إسحاق بن أبي فروة يقول: قال رسول الله، قال: قاتلك الله يا بن أبي فروة، تحدث بأحاديث لا أزمة لها ولا خطام، يعني أسند، أين النقل الصحيح؟ من حدثك بهذا؟
فصارت هناك سلطة للبحث والتثبت عن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاروا يقارنون ونشأت علوم الحديث حقيقة. ولأهمية السنة عند الناس وكونها المصدر بعد القرآن، صار الناس يبحثون عن من يروي حديثاً، فيذهبون إليه، ويقارنون حديث هذا بحديث هذا. في عهد الصحابة كان يمكن أن يتفرد الصحابي بحديث لأنه سمعه مع رسول الله وحده، وهذا عمر فاته أحاديث، وكلهم عدول ثقات، وقد يخطئ بعضهم، فإذا أخطأ رد عليه أصحابه الآخرون، فكان هناك وسط علمي حديثي لا يجعل الكذب موجوداً، ولا يجعل الخطأ يمر. هذا في عهد الصحابة لم يكن هناك أي وضع والكذب مستبعد، الخطأ وارد ولذلك كان هناك مجهر على الخطأ، أول ما يخطئ واحد منهم يرد عليه الآخر.
فلما جاء عهد التابعين تبلور شيء اسمه إسناد، صار الناس يسندون: فلان عن فلان عن فلان، وصارت المجالس تعقد واتسعت، وصارت بيئة مرغوبة عند المجتمع، حتى إن البقال يتمنى أنه يسمع فلان، وصار هناك مكانة في المجتمع للمحدث. قد يتوهم البعض أن هذا أنه كانت هناك فوضى في مسألة التحديث، وأنه ليس علماً منضبطاً، وقوع الخطأ والكذب في العصور لا يمكن أن نقول أنه لم يقع، لكن هل يمر؟ لا يمر على المحدثين، ولذلك يكشفونها مباشرة، ولذلك جاءت العلوم الكثيرة في الحديث، جاء الجرح والتعديل، وجاءت التواريخ وكتب الرجال، وصاروا يعاملون الناس ويحاسبونهم بالسنين.
وتوفي سنة 182 تقريبًا. فأهل العراق جاءوا إليه، وقالوا: عندنا رجل شيخ كبير خالد بن معدان، وخالد بن معدان من تابعي الشام. فجاءوا إلى إسماعيل بن عياش لأنه شامي، يسألون في واحد يحدث عن خالد بن معدان أدركه، وهذا شيخ كبير جدًا، والناس يبحثون عن علو الإسناد، فذهب إليه؛ لأن إسماعيل بن عياش يعرف أهل بلده، متى ولد، متى توفي، متى حصل له كذا، وحاسبوا الناس في هذه الأوقات.
فقال للشيخ: متى سمعت خالد بن معدان؟ قال: في سنة أظنه 113. قال: يا شيخ، إنك تزعم أنك سمعته بعد وفاته بسبع سنين! ولذلك كان يقول لحفص بن غياث: «حاسبوا المتهمين» أو «حاسبوا الشيوخ الذين تتهمونهم بالسنين»، وهكذا يقول سفيان الثوري.
عليه كذبة لا يترك حديثه، ومن خلط في آخر حياته صار معروفًا أنه كان ربما حافظًا في بداية حياته، فيُعرف عمن روى عنه قبل الاختلاط دون من روى عنه بعد الاختلاط. والكذاب أو الذي يتهم ويُشك في أمره بشكل قوي، ربما يترك حديثه ولو كان محدثًا ولو كان مكثرًا.
عمرو بن حكام، هذا من تلاميذ شعبة، عنده عن شعبة 4000 حديث، تركت أحاديثه كلها لحديث واحد كذب فيه. اكتشفوه، هو محدث وحافظ، لما روى ذلك الحديث كشف النقاد الكبار أنه اختلق هذا الحديث، اختلق إسناده على فكرة ولم يخلق الحديث نفسه، حتى صار الإمام أحمد يسميه الزنجبيلي؛ لأنه حديثه فيه شيء عن الزنجبيل، فكلما ذكر قال: «دعوا ذلك المسكين الزنجبيلي»، فصار معروفًا بذلك الحديث، فتركت أحاديثه كلها.
طبعًا أحاديثه هذه التي تركت ليست معناها أنه ذهب شيء من السنة، فهي عند غيره، قد تكون موجودة عند غيره؛ تلاميذ شعبة كثيرون، لكن هذا الرجل خلاص لم يعد مرغوبًا فيه، قد يروي له بعض الكتب غير المشهورة، لكنه عند النقاد معروف، حديثه خلاص يقفون عنده ويقولون: ضعيف مثلًا أو فيه فلان.
يا فضيلة الدكتور، يتوهم بعض من كثرة الكلام عن البخاري رحمه الله، أنه هو الذي بدأ تدوين السنة بالكتابة، بينما هذا الأمر بدأ في عهد النبي ﷺ، مسألة التدوين هذه. شوف سلمك الله، السنة محفوظة قبل التدوين، فإذا السنة محفوظة في صدور الرجال، التدوين ليس بداية الوجود، التدوين توثيق، أما بداية الوجود فأصل السنة موجودة من عصر أصحاب النبي ﷺ حفظوها، كم من الصحابة يروون الأحاديث وكم لهم من التلاميذ، أبو هريرة تلاميذه يقولون 800 تلميذ، ما شاء الله، تخيل صحابي تلاميذه 800! ولذلك لم ينفرد واحد عن أبي هريرة، يستغرب العلماء ويقولون لا يتوقفون فيه؛ 800 هذا عدد كبير.
وهناك تلاميذ كبار، الحديث كان... ماذا نقول؟ شفت الآن كيف الدول تحاول إنعاش السياحة عندها، كانت الدول في ذلك الزمان يحاولون إنعاش السياحة عندها بالمحدثين، يأتي بعض أمراء البلدان إلى محدث ويقول: انتقل إلي، لماذا؟ حتى يأتي الطلاب يقصدونه وبذلك تنتعش الأمور، لأن بضاعة الحديث رائجة. تخيل أن في مجالس الحديث تبلغ المجالس آلافًا مؤلفة، يمكن أن أهل هذا العصر لا يتصورون ذلك، يزيد بن هارون بلغ مجلسه 70 ألف شخص، يعني كأننا في مباراة نهائية في كأس العالم. الآن الدول ترغب في استضافة كأس العالم حتى تأتي السياحة حتى تزدهر الدولة، في ذلك الزمان كانوا يجلبون أهل الحديث.
وأهل الحديث منهم عالي الإسناد، وعلو الإسناد هذه مسألة مهمة جدًا، شوف الوسط الاجتماعي كيف اهتموا بعلو الإسناد لأنه يقربهم من النبي ﷺ. علو الإسناد اللي هو مثلا في حالة البخاري ثلاثة رجال فقط بينه وبين النبي ﷺ، هذا الإسناد العالي ثلاثي؛ يعني بينه وبين النبي الصحابي والتابعي وتابع التابعي، وهذا حصل للبخاري في عدد من الأحاديث أظنها ثلاثة أحاديث.
ونظيره أبو مسلم الكشِي، هذا توفي سنة 292، والبخاري توفي سنة 256، يعني بعد البخاري توفي بما يقرب من 40 سنة، وهو ولد مع ولادة البخاري، لكن أحاديثه الثلاثية أكثر من أحاديث البخاري. لماذا؟ البخاري كان مبكرًا، لم يكن في عصره أتباع تابعين كبار، بل كان معظم أتباع التابعين كانوا في البلدان العلمية مثل العراق والشام والمدينة والحجاز ومصر، فأبو مسلم الكشِي كان من العراق فحصل له ثلاثيات كثيرة، وتأخر عن البخاري 40 سنة، فصار التلاميذ يذهبون إليه لكي يساوي سندهم سند البخاري بل ويساوي أحمد.
الإمام أحمد عنده ثلاثيات وليس عنده ثنائيات مثل أبي مسلم الكشِي، الإمام أحمد عنده ثلاثيات كثيرة لكن توفي سنة 241، وأبو مسلم الكشِي توفي 292، يعني بعده بـ 50 سنة، هذا سيلحق الأحفاد بالأجداد، تلاميذ أحمد يصبحون كأنهم رأوا أحمد ورواوا عنه لأن الكشِي عمر طويلاً، ومجلسه حضر مجلسه يقولون في سنة من السنين 40 ألف محبرة، حزرت 40 ألف غير النظارة، النظارة الناس الذين واقفين جايين يشوفون إيش الموضوع.
ولذلك كان الخلفاء عندما راجت هذه البضاعة، وطبعًا أبو مسلم الكشِي لما يروي عن شخص قد روى عنه أحمد والبخاري هو موجود، لم يتفرد، لكنه صار عاليًا صار مثلهم، فقرب التلاميذ من هؤلاء الأئمة الذين ماتوا قبل سنين طويلة. صار الخلفاء يرغبون في مجالس الحديث، مثل هارون الرشيد والمأمون، وقبلها جدهم أبو جعفر المنصور لما قال: «أترون أنه بقي شيء من ملذات الدنيا لم أحصل عليها؟» قالوا: «لا»، قال: «بلى، مجلس أجلس فيه ويأتيني أهل المحابر وأقول: حدثنا حماد بن... حدثنا حماد عن ثابت عن أنس حدثنا كذا وكذا»، يقول: «هذه اللذة».
إلى أي مدى بلغت البيئة الحديثية وكيف أن الحديث راج والحرص على العلم وغير ذلك. يا فضيلة الدكتور، أيضًا قد لا يعلم كثير من المسلمين أن الحديث النبوي الشريف له أسانيد تماثل أسانيد القرآن الكريم، الإسناد هذا ليس بدعة في الحديث جرت، ولكن القرآن الكريم روي متواترًا بهذه الصورة.
شوف سلمك الله، الحفظ للقرآن والحفظ للسنة لا شك فيه، عامة المسلمين يقولون القرآن محفوظ ويعرفون أن القرآن محفوظ، لكن يجهلون أن السنة أيضًا محفوظة، هناك أسانيد في القرآن متواتر وهناك أسانيد في نفس الناس الذين جاؤوا بأسانيد.
القرآن هم الذين جاؤوا بأسانيد السنة، ولكن لأن أسانيد القرآن كانت تؤخذ بالتلقي، وكان هناك المكثرون من الرواة أو القراء كثيرون جداً، وصار ينقل القرآن جيلاً بعد جيل، وأيضاً دون في زمن عثمان رضي الله عنه وضبط كل ما فيه، ويتعبدون به في الصلوات ويتكرر على مسامع المسلمين؛ فهم يشعرون ويعلمون ويتيقنون حفظ القرآن، لكن لا يعلمون أن السنة مثل القرآن أيضاً في الحفظ لكن الآلية مختلفة.
آلية السنة هناك نظام، هناك نظام اختبار للرواة؛ لا يمكن أن يقبل راوٍ بدون فحص، بدون اختبار. الأصل في قبول السنة ليس الثقة وحسن الظن، لا، الأصل الفحص. فيذهبون ويمتحنون الشيوخ.
أبو نعيم الفضل بن دكين، وهو أحد شيوخ الإمام أحمد وأحد شيوخ البخاري أيضاً، هو من الأئمة المتقنين. لما ذهب الإمام أحمد ويحيى بن معين إلى عبد الرزاق في اليمن ليأخذوا حديثه، ومعهم أحمد بن منصور الرمادي تلميذهم وكان يخدمهم في الطريق، وحصلت لهم عجائب وقصص، لما رجعوا قال يحيى بن معين: دعنا نمر على الفضل بن دكين، هم من بغداد والفضل بن دكين من أهل الكوفة، دعنا نمر على الفضل بن دكين نختبره. هم أخذوا عنه العلم لكن يريدون أن يختبروا ضبطه، هم يعرفون أنه ضابط لكن كانوا يريدون الزيادة. فقال الإمام أحمد: دعه فإن الرجل ثقة.
وأيضاً الاختبار، الإمام أحمد لم يكن يجوز له الاختبار على الشيوخ، لكنهم يعلمون ثقة الشيوخ بالمقارنة، يعني هناك وسائل غير الاختبار، لكن هناك من أجاز الاختبار؛ يحيى القطان لم يكن يستحله، وهو شيخ ليحيى بن معين وشيخ لأحمد بن حنبل، لكن في نهاية المطاف هذا علم الرسول ﷺ يستحق. هم يعرفون ثقة الرجل بالمعهدشة، أنت لما تعايش شخص تعرف أنه متثبت ومتيقن، وأيضاً بالمقارنة برواية الآخرين. الرواية لا تأتي فرداً، يعني لو جاء شخص، لو الإمام أحمد تفرد بشيء لم يقبل، تخيل لو تفرد البخاري بحديث لم يقبل! لابد أن يكون لأن معه أحد، لأن طلب الحديث أصبح بالألوف، أصبح التلاميذ كثيرون، لا يمكن أن يأتي أحد ويتفرد، ولذلك ألفت الأفراد، وهذه كانت من طرف العلم.
لما رجعوا، قال: دعنا نمر على الفضل بن دكين نختبره، قال: دعه، قال: لابد من اختباره. فأخذ جزءاً فيه أحاديث أبي نعيم، ثلاثين حديثاً. وكان يأخذ الحديث رقم عشرة من الأولى ويضع حديثاً آخر يشبه حديثه من رواية شيخ آخر، لكنه قريب من حديثه، كان اختباراً دقيقاً جداً، والـ عشرين الأخرى يأخذ الرقم عشرين ويضع مكانه آخر، ورقم ثلاثين ويضع مكانه آخر. فمروا عليه وقالوا: نريد أن نعرض عليك، طبعاً العرض هو وسيلة من وسائل التثبت، يعني لما تأخذ عن الشيخ حديثاً عليك أن تعرضه مرة أخرى حتى لو كان هناك خطأ في الكلمات ما كتبته، هذا يسمونه العرض، وهذا معروف عند البيئة الحديثية. طبعاً الناس ما يعرفون في هذا العصر، يظنون بس فلان فلان وأن هذا هو الحديث، لا ليس هذا، يمر بمراحل من التوثق كثيرة جداً، هناك الإملاء وهناك... المهم مروا عليه وطرقوا عليه الباب، خرج وجلس على دكة نسميها دكة، ونسميها في اللغة دكان، وهي جلسة مرتفعة.
فجلس أبو نعيم على الدكان وجلس عن يمينه أحمد، وجلس عن شماله يحيى بن معين، وأذن لهم في القراءة. يقول الراوي وهو أحمد بن منصور الرمادي: وجلست أنا تحت الدكان، يعني في الأسفل. فقرأ يحيى بن معين العشر الأولى، فلما قرأ العاشر قال: اضرب عليه فليس من حديثي، كان الرجل منتبهاً واعياً. قرأ العشرين الأخرى، وقرأ رقم عشرين فقال: اضرب عليه فليس من حديثي. لما قرأ الثلاثين وقرأ رقم ثلاثين، تلون وجه أبي نعيم وعرف أنه يختبر، مستحيل هذا الخطأ يأتي من ابن معين بهذه الطريقة. فأخذ يد أحمد ورفعها وقال: أما هذا فأورع من أن يفعل هذا، وأشار إليّ، يقول أحمد بن منصور: وهذا أدنى من أن يفعل هذا، يعني هذه المسألة كبيرة على مثله، ولا أراه إلا من فعلك يا فاعل! وأخرج رجله ورفسه وأسقطه من الدكان ودخل مغضباً. قال أحمد: ألم أقل لك أن الرجل ثقة؟ قال: والله لرفسته عندي أحب إليّ من ذهابي إلى اليمن إلى عبد الرزاق، هذه الرفسة جعلتني أطمئن لهذا الرجل.
والاختبارات كثيرة، محمد بن سلمة يقول: قلبت الأحاديث على ثابت فلم تنقلب.
- فضيلة الدكتور، أنت صنفت الذين يهاجمون سنة النبي ﷺ بين كافر جاحد وبين جاهل لا يعرف، ما أدواتهم في الطعن على سنة النبي ﷺ وما دور العلماء في الرد عليهم؟
والله أدواتهم في الحقيقة كثيرة، أحياناً يأتون إلى روايات ويختزلون منها المعنى ويأتون بها بطريقة فجة ويجعلون عليها، السوشيال ميديا يكون فيها طريقة من الإخراج جذابة للشبهة، فيعتقد الشخص العامي أن هذا فعلاً أمر عظيم. أعطيك مثالاً: البخاري رحمه الله، وهذا من عجب العجاب حقيقة، البخاري رحمه الله أخرج حديثاً من عدة طرق، في بعض الأماكن كان اللفظ ربما يفهم على غير معناه المراد؛ أن النبي ﷺ كان معه بعض أصحابه وكان الناس يأتون إليه دائماً يقولون: متى الساعة؟ متى الساعة؟ فكانوا يكثرون عليه، فسأله سائل: متى الساعة يا رسول الله؟ فنظر إلى غلام كان في المجلس فقال: «إذا عمر هذا قامت الساعة». طبعاً هذا اللفظ "قامت الساعة" هو يقصد ساعته هو، ساعة الحاضرين، يعني أنهم خلاص سيموتون قبل أن يعمر هذا، وهذا من الوحي الذي يعلمه النبي ﷺ، لكنه لا يتكلم عن الساعة التي هي يوم القيامة.
البخاري أخرج هذا الحديث في صحيحه، هل البخاري لو كان المراد الساعة القيامة هل البخاري بهذه السذاجة أن يخرج مثل هذا الحديث؟ فيأتينا واحد يقول: شوف البخاري يروي حديثاً مكذوباً وكذا وكذا. طيب يا أخي الكريم، تأنَّ واعلم أن البخاري رجل حفظ ما كتب الله وهو في السابعة، وكان يرد على شيوخه وهو في الحادية عشرة في الأحاديث والأسانيد والحفظ والعقل. لما دخل إلى بغداد واختبروه، كما تعلم اختبار بغداد لهم بـمئة حديث، عشرة أشخاص كل واحد منهم حفظ عشرة أحاديث مقلوبة الأسانيد، فساروا يسألونهم: أتعرف حديث كذا؟ وهو يقول: لا أعرف، لا أعرف، لا أعرف، إلى أن تم المئة، والناس تعجبوا كيف إمام حافظ.
لا يعرف هذه الأحاديث؛ العادة أن الإمام لو أغرب عليه شخص -أغرب بمعنى جاء بشيء ليس عنده بحديث واحد- يكون هذا كبيراً على هذا الإمام، فكيف بمائة؟ فلما علم أنهم انتهوا رد الأسانيد إلى صوابها؛ أما أنت يا هذا فقلت كذا وكذا وصوابه كذا وكذا.
يقول العراقي: ليس العجب من حفظه للصحيح، لكن حفظه للخطأ، حفظ الخطأ في جلسة. فلما يأتينا واحد ويقول البخاري أخرج مثل هذا، طيب البخاري هل هو بهذه السذاجة أن يخرج شيئاً؟ كان يقول بأن الساعة ستقوم سنة ١٠٠ وهو في سنة ٢٥٦.
افتح الصفحتين التي بعدها ستجد أنه يقول: ﴿سَتَقُومُ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ﴾.
مرة من المرات جاءني شخص في المسجد وكان قد أثرت فيه هذه الموجات التشكيكية، فصار هو يقرأ البخاري ويبحث عن الأخطاء في البخاري، وهو نفسه شخص عامي جداً، لا حول ولا قوة إلا بالله، قد لا يحسن القراءة أصلاً، ولا عنده لغة ولا عنده أصول الفقه ولا فروع فقه، ولا يعرف كتب السنة، ويأتينا إلى البخاري ويقول: شوف يا شيخ سعيد، مرة واحدة قدر البخاري في أوائل الأحاديث. يا حبيبي يا أخي الكريم، أول شيء تعال تعلم عندي وتعلم عند فلان وتعلم عند العلماء، وبعدين اذهب إلى البخاري. لا يدخل الأولمبياد والماراثون والحاجات دي، نبدأ بالمشي أولاً وبعدين نروح الماراثون على قولتك.
الشاهد أن أهل السوشيال ميديا يخرجون الشبهة في صورة جذابة قد تنطلي على عامة الناس، لكن ينبغي على المسلم ألا يكون مشاركًا في هذه الفوضى، وينبغي عليه أن يسأل أهل الاختصاص، يرجع على أهل الاختصاص ويسألهم حتى يبين لهم أن هذا غير صحيح، وأن هذه فكرة أو شبهة ساذجة جداً.
ماذا عن العلماء في عصرنا هذا؟ العلماء حقيقةً عليهم مهمة كبيرة، والإعلام عليهم مهمة كبيرة. العلماء عليهم مهمة كبيرة أنهم لا ينبغي أن يتركوا هذه الساحة هكذا فارغة لهؤلاء الذين يركبون كل صعب وذلول. العلماء في السابق وقفوا للكذب والخطأ بنظام نقدي عميق، ففحصوا الخطأ وناقشوه بالمنقاش، كأنهم تشبههم بالطبيب المختص لما ينظر إلى الأشعة، كيف يدرك الخلل في تلك الأشعة ولا يدركها العامي. فكان هؤلاء الأئمة الحفاظ قد أقاموا ذلك الحصن المنيع ضد الكذب وضد الخطأ.
في هذا العصر أيضًا لا ينبغي لأهل العلم أن يتركوا الساحة خالية؛ لأن الآن انتقال المعلومة سريعة جداً، ويمكن أن تنتشر، وإن كانت شهرتها وانتقالها بسرعة ليس علامة على صحتها إذا لم تختبر. أولًا علينا أن نختبر، والعلماء عليهم أن يتصدوا لهذه الحملات، وليس فقط الرد على الشبهة؛ فالرد على الشبهة هذا جيد، لكن عليهم تجديد الدين وإكمال جهد القدماء للأمة بهذا النظام الذي أرسخته الشريعة.
الأمة كثير منها لا يعرفون هذا النظام العظيم الذي عند أهل الحديث؛ هناك شروط للأحاديث، الحديث الصحيح، هناك عدم الشذوذ وعدم العلة، وهذا لفحص الخطأ. نقد المتن كما هو نقد للإسناد، نقد المتن والإسناد كلاهما مرتبط ببعض. بعضهم يقول إن المسلمين أبدعوا في نقد السند في العلوم المختلفة التي صنفوها، لكنهم لم يفعلوا ذلك في المتن، وهذه أيضًا من الشبه الساذجة؛ لأنه لا نقد للسند بدون متن، لابد أن يكون مرتبطًا.
متى العالم ينتبه للسند؟ وهو سند صحيح طبعًا، النقد للسند المكذوب أو السند الضعيف هذا كاشف لنفسه بنفسه، لكن السند الصحيح الذي رواته ثقات، متى العالم ينتبه؟ عندما يرى أنه تفرد بكلمة هنا أو خالف الطرق الفلانية، هناك شبكة عنكبوتية من الطرق.
أعطيك مثالاً على سبيل المثال، دخل مسلم على البخاري -والعلماء الكبار بعضهم أدق من بعض- فدخل مسلم على البخاري وقال: يا أبا عبد الله، هل رأيت أحسن من هذا الحديث؟ حجاج بن محمد شيخ الإمام أحمد، عالم كبير، حجاج بن محمد عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ما جلس رجل مجلسًا فكثر فيه لغطه ثم قال كذا» وذكر كفارة المجلس. فقال البخاري: «لا أعلم إسنادًا أحسن من هذا لكنه معلول».
فانتفض مسلم: «معلول؟ ما علته؟». قال: «استر ما ستر الله»، لأنه حديث له نظائر أخرى وهو في فضل، وقاله جماعة من الكبار، فأصر مسلم على أن البخاري يكشف له العلة، فقال: «إن كان ولا بد فاكتب: حدثنا موسى بن إسماعيل عن وهيب بن خالد عن سهيل بن أبي صالح عن عون بن عبد الله». قوله يعني هذا قول لعون بن عبد الله وليس حديثًا إلى النبي ﷺ. ذاك هو مسلم لما قال له البخاري هذه الكلمة -والكلمة تحتاج إلى شرح- قال: «لا إله إلا الله، أشهد بالله أنه ليس في الدنيا مثلك وأنه لا يبغضك إلا حاسد». يعني قنع بالعلة، وهذه النكتة التي أخرجها البخاري طبعًا مرتبطة بالمتن. فالذين يقولون بأن المحدثين يكتفون بالإسناد ويبحثون عن علة الإسناد، هذا غير صحيح البتة.
ما واجب الإعلام ما دمت قد أتيت على ذكر الإعلام فضيلة الدكتور؟ واجب الإعلام أن لا يخلطوا بين المتخصص وغير المتخصص في هذا المجال، عليهم أن لا يأتوا إلا بالمتخصصين. أحيانًا يكون هناك إعلام محترم يحترم نفسه فلا يأتي إلا بأهل الاختصاص، وهناك إعلام آخر لأن السوشيال ميديا هذا إعلام الناس يأتون بأناس بعضهم بسيطين جدًا ليسوا من أهل البضاعة ويتكلمون في السنة.
أنا رأيت شخصًا للأسف -لن أسمي اسمه- يقول: هذا الموضوع يعرفه صف خامس، أهل الإسلام أئمة الإسلام أخطأوا في هذا الموضوع وهو يعرفه أهل صف خامس. قل بالله عليك ما هذا الفكر؟ ما دام يعرفه أهل صف خامس ينبغي أن تعرف أن هذا لا يفوت عليهم.
الغزالي رحمه الله عنده عبارة عجيبة جدًا، يقول: «إذا بلغك عن إمام عالي القدر، إمام من أئمة الإسلام مذهبًا أو عبارة أو حديثًا واستشنعته، فلا تبادر إلى الاستنكار، وتأن، فقد يكون ظهر لذلك الإمام سر خفي غاب عنك ذلك السر». يقول إذا ظهر لك شناعة مذهب ذلك الإمام بدليل جلي واضح فتأن، فلعله هناك سر خفي لم تعلمه، ثم قال عبارة جميلة: «فذهاب الخفيات عليك أقرب إلى الإمكان من...»
ذهاب الجليات عليه؛ فإنه إمام، فلا يكون عقلك أقل من عقل الثعلب؛ فإنه لما كان في برية وجد إلية مطروحة، فقيل له: التقم فقد ظفرت بمغنم فاغتنم، فشيء ما أحد أخذه، فقال الثعلب: إلية في برية ما تركت إلا لبلية. هو قدر أن هذه لا يمكن أن تترك هكذا، فإذا كان صف خامس يفهمونها، اعلم أن الأئمة فهموا شيئًا خلاف ذلك.
يبقى واجب الإعلام ألا يفرد لهؤلاء مساحة، ألا يفرد لغير المتخصص مساحة على حساب المتخصص.
ماذا عن عوام المسلمين فضيلة الشيخ؟
عوام المسلمين ينبغي عليهم ألا يشاركوا في هذه الفوضى، ألا يشاركوا في نقل دون تثبت؛ أولًا لابد من التثبت من المعلومة، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، هذه العبارة تحكي الفوضى المعلوماتية التي نحن الآن نعيشها في هذا الزمن، جاءت من زمن مبكر، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
فعلى العامي ألا ينجر وراء الصور البراقة، عليه أن يسأل أهل الاختصاص، عليه أن يتوثق من المعلومة حتى لو كان حسن النية، أحيانًا العامي يكون حسن النية وينشر أشياء بحسن نية، حسن النية لا يعفيك عن التثبت، لا يعفيك عن معرفة الحقيقة، فعلى العامي أن يتعرف الحقيقة ويبحث عنها في مظانها، ويسأل أهل الاختصاص ثم بعد ذلك يرجو الأجر وينشرها.
نعم، بارك الله فيكم فضيلة الدكتور سعيد المري أستاذ الحديث بكلية الشريعة جامعة قطر، شكرًا جزيلًا لك.
حياك الله يا محمد.
وبعد، فصلاة وسلامًا عليك يا رسول الله إذ قلت قبل أكثر من 1400 عام: «يوشك رجل متكئ على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله».
ولأمثال هذا ممن عميت قلوبهم وبان حقدهم، يقول ربنا في محكم كتابه: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]. سمعنا ربنا وأطعنا، فأعنا على حب نبيك والدفاع عن سنته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري