قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. هذا وعد من الله للمتقين.
ننتقل الآن إلى الحديث الثاني، وهو عن الصدق: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق».
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم أيها الاخوه المشاهدون في هذه الحلقة الجديدة من حوارات التناصح.
نقرا التاريخ عادة لنعرف ماذا حدث ومن انتصر ومن انهزم وكيف قامت الدول وسقطت، لكن السؤال الاعمق هو كيف نفهم ما حدث، فالتاريخ ليس مجرد تراكم للوقائع بل هو ايضا تفسير وتعليل وربط بين الاحداث، وهنا تبدا فلسفة التاريخ، لماذا تتحرك الامم وما الذي يصنع النهوض والانهيار وما دور الدين والانسان والاقتصاد والسلطة في ذلك. وقد طور المسلمون منذ وقت مبكر مناهج دقيقة في التوثيق ونقد الاخبار والرواد، ثم جاءت محاولات اوسع لفهم حركة الاجتماع والتاريخ كان ابرزها مشروع ابن خلدون، فما الذي ميز منهج المسلمين في كتابة التاريخ وهل سبقوا المناهج الحديثة في نقد الرواية وهل كان ابن خلدون امتدادا لهذا التراث ام مؤسسا لعلم جديد. نناقش هذه الاسئلة مع الباحث والمؤرخ الاستاذ محمد الهامي مؤلف كتاب خلاصة تاريخ الاسلام مدخل الى التاريخ الاسلامي، فباسمكم جميعا نرحب بالاستاذ محمد، اهلا وسهلا بك استاذ.
حياكم الله، اهلا وسهلا شيخ عبد الله الله يبارك فيك.
استاذ محمد في هذه الموسوعة التي ألفتموها وهي خلاصة تاريخ الاسلام، دعني ابدا بكيف بدأت ونشأت فكرة الكتاب.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أولا منور إسطنبول شيخ عبد الله، أهلا وسهلا، الله يكرمك يبارك فيك تشرفنا بوجودك. أعزك الله يا سيدي، هو أولا هذا الكتاب خلاصة تاريخ الإسلام لم يكتمل بعد، هو صدر منه ثلاث مجلدات. المجلد الأول بمثابة المدخل إلى علم التاريخ وإلقاء الضوء على منهج المسلمين في علم التاريخ، حاجة الدعاة والمصلحين إلى علم التاريخ وإشارة إلى المنهج الغربي والمدارس الغربية في تناول التاريخ. والمجلد الثاني تناول السيرة النبوية والخلافة الراشدة وفترة الفتنة بين الصحابة. والمجلد الثالث بدأ من الدولة الأموية وانتهى إلى نهاية القرن الرابع الهجري وختم بالدولة العبيدية التي هي الدولة الفاطمية. فهذا الذي صدر وما يزال المشروع قيد الاستمرار، نسأل الله أن يوفق لإتمامه.
كيف كان وكيف بدأ هذا الموضوع؟ أنا لاحظت فراغ المكتبة الإسلامية من كتاب في علم التاريخ موجه إلى العاملين لهذا الدين، يعني موجه إلى الدعاة، إلى المصلحين، إلى المربين، إلى المتحركين والعاملين لهذا الدين. أغلب الموجود متوجه إلى طلاب العلم والمتخصصين، يعني كل ما وقعت عليه من كتب في مداخل علم التاريخ أو في اختصار التاريخ موجه إلى الذين يدرسون التاريخ، أما الدعاة المصلحون المجاهدون العاملون لهذا الدين فلاحظت هذا الفراغ، فكان العزم على إخراج شيء فيه خلاصة تاريخ الإسلام.
بينما أنا أكتب في هذا إذ اندلع الطوفان المبارك في 2023، فسارعت بإخراج خلاصة قصة فلسطين، كان المفترض أن قصة فلسطين هذا يبقى متأخرا ويكون جزءا من هذا المشروع، لكن حيث وقعت الحاجة فأخرجته منه خلصت قصة فلسطين وبعدين استأنفنا العمل في هذا الكتاب، فالحاجة إذا هي فراغ المكتبة الإسلامية من كتاب يقرب علم التاريخ إلى عموم الدعاة والمصلحين والعاملين لهذا الدين.
إذا ننتظر بقية أجزاء هذه الموسوعة ونصل إلى التاريخ المعاصر، لكن لو ندخل في مضامين الكتاب، يعني بدايه ربما نحن نحاول أن نطرح كل ما هو مفيد للمشاهد في هذا الكتاب بقدر الامكان، ولا هذا كله لا يغني عن قراءة الكتاب نفسه. بداية ما التاريخ، هل هو مجرد تسجيل للأحداث أم أن التفسير والتحليل جزء من عمل مؤرخ؟
هنا بقى أول اختلاف يا شيخ عبد الله بين المسلمين وبين غيرهم، وده السؤال اللي هو بيجي لنا أحيانا كثيرة من بعض أصدقائنا يقول لك أنا بيبقى سهل علي أقرا كتاب اللي كتبه مؤرخ معاصر أو أقرا كتاب حتى كتبه كاتب أجنبي، كاتب أجنبي بيتكلم في التاريخ الإسلامي، بيبقى سهل عليه يقرا هذا الكتاب، إنما أمسك تاريخ الطبري، أمسك تاريخ خليفة بن خياط، أمسك ابن كثير أصفر نفسي دخلت في دوامة من الأسانيد والروايات وأحيانا روايات تختلف مع روايات، المهم يعني أطلع متصدع بدون أن أحصل شيئا.
بالتالي ها هنا يا مولانا ده الفارق حتى الذي مع الأسف الشديد لم يفطنه بعض المتخصصين العرب في مسألة التاريخ الإسلامي، التاريخ كما فهمه المسلمون، التاريخ عند المسلمين هو اللي احنا نعرفه دلوقتي بمعنى الأرشيف، يعني المؤرخ بتاعهم زمان هو المؤرشف دلوقتي، المؤرشف ده واحد مهمته إيه؟ مهمته يجمع الروايات فقط لا يتدخل فيها، أو لو حب يتدخل فيها بترتيب حب يبقى له وجهة نظر فيبقى هذا في عملية قليل، لكن الأصل أن هو حافظ للمادة التاريخية، وهذا مهم أيضا هذا هو الخطوة الأولى أصلا في علم التاريخ، المادة الخام.
فأحب أن أشبها وأقربها للناس بحيث أنت راجل إعلامي بمسألة القناة الفضائية التي عندها مراسل وعندها محلل في الاستوديو، المراسل مهمته الأساسية أن هو يأتي بالمعلومات من مكان الحدث، سواء تدخل فيها بالتحليل أو التفسير أو لم يتدخل هو مهمته الأساسية أن يصف ما حدث، المحل هو الذي مهمته التحليل. فالمسلمون كانوا يفصلون عادة بين هاتين المهمتين، فمهمه المراسل اللي هي مهمة جمع المادة جمع الروايات هو دي اسمه تاريخ عندهم، الراجل بقى الذي يحلل ويفسر ممكن يبقى مؤرخ وممكن يبقى حاجة ثانية، ممكن يبقى مؤرخ، ممكن يبقى مفسر يفسر القرآن، ممكن يبقى محدث، ممكن يبقى مربي، ممكن يبقى عالم سياسة شرعية.
عندنا في التراث الإسلامي كل هؤلاء ساهموا في تحليل وتفسير وتعليل التاريخ، لكن مادة المؤرخ أو مهمة المؤرخ كانت جمع المادة التاريخية، فلذلك ستجد في تراثنا الإسلامي إيه هو التاريخ، يقول لك التاريخ هو ضبط الوقت، الرسالة المؤرخة يعني الرسالة اللي احنا عارفين وقتها متى كتبت، وحتى ابن خلدون مثلا هو بيقول لك إيه، التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الأخبار، الظاهر ده هو الأخبار تمام بأحداث الأول وما سبق في أنباء الدول، لكن في باطنه تكلم ابن خلدون نظر وتحقيق ولذلك فهو في الحكمه عريق وجدير بأن يعد في علومها وخليق.
بالتالي القصد هنا أن المسلمين حين كتبوا التاريخ، مهمة المؤرخ عندهم كانت مهمة جمع المادة التاريخية. طيب احنا بقى ليه مثلا في عصرنا ده بقينا شايفين أن المؤرخ ينبغي أن يضم إلى مهمة الجمع مهمة التحليل، ليه بقى عاجبنا الكتاب اللي كتبه مؤرخ معاصر أو كتبه واحد أجنبي ومش عاجبنا الكتاب اللي كتبه طبقات ابن سعد ولا مغازي الواقدي ولا الطبري ولا مسكويه؟ هذه يا مولانا هي المدرسة الغربية في التاريخ بقى، المدرسة الغربية في التاريخ جعلت دور المؤرخ أنه يجمع ويحلل ويفسر.
هناك من يفرق ربما أيضا بين التاريخ بالهمز والتاريخ؟ هناك من يفرق، ولكن عمليا عمليا هذه التفرقة لا محل لها، نظريا طيب، لكن يبقى هل التاريخ هو علم أم فن؟ وهل أيضا هذا خلاف نظري ولا له واقع؟
والله برضه هذا كلام إيه فيه تفصيل، أولا كلمة علم بشكل عام غالبا يعني بتنصرف إلى الأمور اللي هي الأقرب إلى العلوم البحتة، اللي هو علم الفيزياء علم الكيمياء علم الفلك اللي هي قوانين مططردة، قوانين دقيقة قوانين صارمة، أمور يمكن اختبارها في المعمل، تقدر تطلع منها خلاصات ونتائج أمر لا يتاثر بالعالم، يعني مثلا قوانين الحركة اكتشفها نيوتن اكتشفها واحد مسلم اكتشفها واحد هندوسي مش هتتاثر القوانين بمن اكتشفها، فلذلك غالب من يتكلم عن العلم بيبقى قصده القوانين الصارمة المططردة.
طيب إيه بقى الفنون؟ الفنون هي الأمور المتاثرة بصاحبها أو متاثرة ببيئتها أو بزمانها، زي الأدب، زي الشعر، زي الفن، زي الرسم، زي الموسيقى، تمام، فدي أمور لا يمكن انك تقول إيه قواعد، هتلاقي مثلا شعر العرب غير شعر اليونان غير شعر الغربيين المعاصرين غير شعر الهنود، يعني هتلاقي خيالهم وتصويراتهم وتشبهاتهم مختلفة حتى مقاييسهم وأذواقهم، ممكن يعجبك المتنبي ما يعجبكش مثلا الغربي أو الغربي ما يعجبوش المتنبي.
هذه تسمى فنون، الأمور التي يبقى فيها قدر من الخصوصية والذاتية ومتاثرة بصاحبها، يعني احنا قلنا القوانين الحركة مش هتتاثر بنيوتن أو غيره، لكن الشعر جزء من صاحبه، الموسيقى جزء من صاحبها، الرسم جزء من صاحبه، الأدب وهكذا، فبالتالي دي علوم ودي فنون، ده الاصطلاح العام الذي يفهمه الناس، هنا بنقع في مشكلة العلوم الإنسانية.
العلوم الإنسانية اللي هي التاريخ، الاقتصاد، التربية، علم النفس، السياسة، مجال العلوم الإنسانية ده ينفع نسميه أصلا علوم انسانية ولا ما ينفعش؟ لأن كل دي أمور بتختلف باختلاف البيئة والثقافة وصاحب والقائم عليها يعني بتتاثر بميوله ونازعاته، فما تزال المعركة لم تحسن، وإن كان يعني يجري الاعتراف بشكل عام بأن العلوم الإنسانية تقدر تقول أنها علوم ذات طبيعة خاصة.
لكن قديما يبقى المسلمين ما ربما كانوا يسمون العلم فن، يقولون فنون، فحتى في علم الفقه ولا في علم التفسير وكذا هو ليس بالمعنى الاصطلاحي. فعلا فالمسلمون لم يفرقوا في الاستعمال بين العلم والفن، ولذلك يعني نفسه هو ابن خلدون وهو بيقول التاريخ علم، وهو نفسه قال بعد كده إيه فن عزيز المذهب، يعني مثلا حاجي خليفة وهو بيكتب كتابه اللي هو بيعتبر زي كده إيه كشاف للعلوم الإسلامية يقول لك إيه في اصطلاحات الأسامي والفنون كشف الظنون، في اصطلاحات إيه الفنون ما قالش العلوم، تمام، فهو يستعمل كلمة الفن بكلمة العلم.
طيب الآن فيما يتعلق بالتحليل، وذكرت بأن تحليل الأحداث هو جزء من عمل المؤرخ، وهنا يأتي مصطلح فلسفة التاريخ لمعرفة ما المنهج الذي يمكن أن نفهم به صحيح سير الأحداث وقراءة التاريخ.
ما المقصود أصلا وماذا نعني بفلسفة التاريخ؟
شوف يا سيدي، هذه أول الأمور التي تقدر تقول يقع فيها الخلاف في باب التاريخ بشكل عام، هي مسألة التي سميت فيما بعد فلسفة التاريخ أو فلسفة العلوم بشكل عام. خليني أقول لك إيه مثلا ببساطة شديدة، احنا دلوقتي عندكم في ليبيا لو حصلت معركة بين طرفين، هتلاقي بعض الناس تفسر هذه المعركة تفسيرا عقائديا أيديولوجيا، يعني يقول لك مثلا دول إسلاميين ودول علمانيين، ناس ثانية تقول لا المعركة دي على فكرة في حقيقتها مش معركة إسلامية علمانية دي معركة مناطقية، الجماعة بتوع طرابلس الغرب ضد الجماعة بتوع الشرق بنغازي مثلا، أو واحد يقول لك لا دي مش ده مش موضوع مناطققي، ده ممكن يبقى موضوع قبلي، دي القبيلة الفلانية هي وكل واحد فيهم حشد أنصاره وأتباعه، يبقى إذن هذا هو المعنى فلسفة التاريخ، أن الحدث الواحد يمكن أن تتنوع تفسيراته.
فبالتالي المؤرخين مثلا في مؤرخ عنده عقيدة اسمها القومية شايف أن التاريخ ده هو حركة الصراع بين القوميات بين الاقوام، فأي معركة تقع أمامه في التاريخ يذهب ليفتش عن مين الاقوام الذين يتقاتلون، هو الحدث لمعتقداته هو سواء حقا أو بحق أو بباطل، بس القصد هنا أن لما واحد يبقى مقتنع أن التاريخ ده هو صراع بين القوميات وأن القوميات دي فيها أجناس عليا وأجناس دنيا، فبالتالي سيبحث في بواطن الحدث عن التفسير القومي.
طيب واحد مثلا يساري أو ماركسي متأثر بالمدرسة الماركسية، فأي صراع سيوظفه أو سيرى فيه سيفسره باعتباره صراع طبقات، والماركسيون أكثر من يتكلم عن التاريخ صراع طبقات، فلسفة التاريخ من جهة صراع من هذه الجهة والحراك الاجتماعي والمطالب الاقتصادية، هتلاقي مثلا الجماعة اللي هم العقائديين هيتكلموا عن صراع العقائد، فبالتالي إذن فالتاريخ هو مجموعة غزيره من المعلومات، والمجموعة الغزيرة من المعلومات دي يمكن تفسيرها بأكثر من طريق.
فاكر أنت لو حبينا نقرب الصورة، فاكر الأطفال الصغيرين كده لما كان يجيبوا لهم أكثر من نقطة ويقول لك إيه وصل بين هذه النقاط علشان تكون الشكل، فيجي مثلا طالب ذكي يروح يوصل بطريقه أخرى يوصل لشكل ثاني أو طالب ثالث يوصل بشكل ثالث، فبالتالي اعتبر المعلومات التاريخية بمثابة النقاط غير الموصولة، النظرية والرؤية هي التي تضفي على هذه المعلومات معنى.
فبالتالي هنا منها هنا كان كل علم في حاجة إلى فلسفة، بما في ذلك بالمناسبة العلوم البحتة، لكن هي أظهر وأوضح في العلوم الإنسانية، أحب أن أضرب دائما المثل بعلم الاقتصاد باعتباره أمر قريب من معايش الناس، الاقتصاد زي ما درسناه في المدارس إيه هو الاقتصاد، هو العلم الذي يعمل على إدارة الموارد المحدودة لإشباع الحاجات غير المحدودة. القاعدة الأولى في علم الاقتصاد أن العالم ده فيه ندرة، أن الموارد اللي فيه ما تكفيش الناس، دي القاعدة الأولى التي بني عليها علم الاقتصاد كما هو في الغرب، كما في الغرب نعم كما هو في الغرب، أن في حاجات محدودة.
وفي في حاجات غير محدودة وفي موارد محدودة. يعني احنا مثلا عندنا نهر النيل في مصر. نهر النيل ده لما كان المصريين اثنين مليون هو نهر النيل لما بقى المصريين مئة مليون. مئة مليون. يبقى علم الاقتصاد ينبغي أن يستثمر هذا النهر لكي يدير بالمورد المحدود الحاجات غير المحدودة.
ده مبدأ الندرة اللي هو قام عليها علم الاقتصاد الغربي. طيب، هذا المبدأ باعتباره رؤية لعلم الاقتصاد بيعمل إيه؟ بيخلينا ندخل دائماً في صراع؛ لأنه لابد لاداره المورد المحدود لإشباع حاجات غير محدودة من أننا ممكن ندور على حلول قاسية. زي حلول مثلا ممكن هذا المبدأ يقبل حل الإبادة. نعم. أو حل نقلل بدل السكان نقل، أو يعني حل تقلل السكان ده ممكن يبقى بالحرب، ممكن يبقى بتعقيم النساء، ممكن يبقى بأن احنا ما ندفعش اعانات مالية للفقراء، مش مهم الفقراء يموتوا عادي. نعم. حتى الحروب، حتى الزلازل، حتى البراكين، حتى الكوارث الطبيعية يرى فيها الاقتصاد الغربي جزء من تصحيح الطبيعة لأخطائها؛ لأن الطبيعة جابت لنا موارد محدودة وحاجات غير محدودة.
إذا الفكرة فكرة الغربي عن الحياة والخلق وكذا تؤثر في تفسيره. وأنا بقول لك كل علم الاقتصاد مبني على قاعدة مبدأ الندرة كلهم.
هنا بقى لما تيجي مثلاً في علم الاقتصاد تقول لا، الاقتصاد الإسلامي قائم على مبدأ آخر تماماً، اللي هو مبدأ إيه؟ أن الله الذي خلق هذه الأرض وخلق هذه الموارد هو نفسه الله الذي خلق البشر وهو حكيم خبير لطيف. فبالتالي كل من سيولد على الأرض وضع الله له رزقه في هذه الأرض، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ وأن الموارد دي ممكن تزيد: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْلَ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. عادي، مش نكتشف كل يوم موارد جديدة؟
طيب، إذا ما تفسير المسلمين أن في فقراء وفي محرومين وفي معوزين؟ تفسير المسلمين مش ندرة الموارد، تفسير المسلمين هو الفساد وعصيان الله تبارك وتعالى الذي يقع في التصرف في هذه الموارد. نعم. هنا بقى يأتي قول الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41].
طيب، إذا رجعوا يا رب إيه؟ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض. يبقى بالتالي الرؤية الأساسية الفلسفة الأولى تسير علم الاقتصاد في ناحية إدارة الموارد المحدودة لإشباع الحاجات غير المحدودة بما قد يؤدي إلى حلول إبادية، وهي نفسها هذا المبدأ لو تغير يؤدي إلى التفتيش في الظلم وفي الإسراف وفي الترف الذي وقع فيه الأغنياء فحرم بذلك الفقراء.
طيب كيف نسقط هذا على التاريخ؟ طب ممكن قبل ما نسقط على التاريخ أضرب لك مثلاً آخر في العلوم البحتة؛ لأن هي يعني أشد وضوحاً. أنت دلوقتي العلوم البحتة نفسها، اللي هو الكيمياء والفيزياء، برضه على فكرة تحتاج إلى فلسفة للعلم. نعم. ليه تحتاج؟ لأنه إذا أنت ما عندكش رؤية كبرى لهذا العلم فيما تستخدمه، فانت ممكن تستخدم الطاقة النووية كما تستخدمها في إنارة المدن المظلمة، تستخدمها في إبادة المدن المضيئة. نعم. هي نفس زي ما بتستخدم الكيمياء مثلاً في إنتاج أمصال، تستخدم الكيمياء في إنتاج أسلحة كيميائية تسبب عذاب رهيب. إيه اللي ممكن يضبط العلم حتى العلم البحث إنه يمشي في المسار ده ما يمشيش في المسار ده؟ هو هذه الفلسفة والرؤية؛ الفلسفة والرؤية لأنها بتحمل معنى الغاية والأخلاق؛ أنا بعمل ده ليه وإيه الضوابط اللي أنا بحتاجها علشان أعمله؟ نعم.
هذا هو، فبالتالي بدون الضوابط وبدون الغاية لو في واحد علماني، واحد مادي لا يؤمن بالله، لا يؤمن باليوم الآخر، ما فيش حاجة اسمها الغاية بالنسبة له إلا الهيمنة والتمكن والسيطرة، وما فيش حاجة اسمها أخلاق؛ لأنه الأخلاق أساساً هو معنى ديني. نعم. يعني الإنسان بدون إيمان لا يفهم ليه يبقى في أخلاق أصلاً؟ ليه الإنسان يبقى مكرم عن الجمادات؟ ما هو تكريم الإنسان ده هو معنى ديني أصلاً. نعم. والإنسان عندها هو مجرد شيء، شيء من الأشياء، خلايا تفاعلات كيميائية، سلعة من السلع؛ يعني زي ما هو بيقطع الخشب عشان يعمل ترابيزة، شيء مادي فقط. أيوه يعني قصدي زي ما هو بيقطع الخشب عشان يعمل ترابيزة يقعد عليها أو كرسي يقعد عليه، برضه شايف أن مصلحته هو في تقطيع هؤلاء البشر أو استعبادهم أو إفنائهم.
فبالتالي كيف نسقط هذا على التاريخ؟ التاريخ زي ما قلنا كده مجموعة غزيرة من المعلومات، لو احنا عايزين نحصل ما الذي يمكن أن نستفيده من التاريخ لابد أن تكون هناك فلسفة رؤية لكي تفسر هذه المعلومة بدل ما هتلاقي ناس بتقول المعركة دي معركة قبلية، ومعركة دي معركة طبقية، المعركة دي معركة دينية، المعركة دي معركة أي شيء. هذه الفلسفة هي التي تحسن من فهم الناس للتاريخ، وبالتالي تهديهم ماذا ينبغي أن يفعلوا.
يعني إذا احنا آمنا بأنه التاريخ هو مجموعة من الصراع الطبقي تماماً، فالراجل اللي هو عايز ينتهي من الصراع الطبقي ده هيروح واصل للشيوعية علشان ما يبقاش فيه طبقات أصلاً، يبقى كل الناس في طبقة واحدة. فهو الفلسفة بتاعة التاريخ أدت بك إلى حل مستقبلي.
الراجل اللي هو شايف التاريخ صراع قومي، هيبقى عايز يوصل إلى حاجة من اثنين: يا أما إبادة الأجناس الدنيا اللي عاملين مشاكل في التاريخ عشان يفضلوا الأجناس العليا، أو أن أنت تحضر ويعني تجهز وتعلم وترقي الأجناس الدنيا عشان ينفع يبقوا أجناس عليا وينفع إيه؟ ولذلك هو يفسر نهاية التاريخ بما يفسر به التاريخ. بالضبط، بالضبط، فلذلك نحن المسلمين من فضل الله علينا أنه الفلسفة أو الرؤية التي عندنا هي محكومة بالقرآن والسنة، وبالتالي تجد أشياء كثيرة جداً يختلف فيها الناس هي بالنسبة لنا واضحة لأنها قد نص عليها القرآن أو السنة، وستجد مسارنا في التاريخ مسار واضح؛ لأنه في أصول وثوابت وفي أخلاق حاكمة وضابطة. كيف ينص القرآن والسنة على نحن نتحدث عن وقائع، والوقائع التاريخية وفيرة وكثيرة وخاصة مع وفره المعلومات؟ صحيح. كيف وهنا القرآن والسنة أيضاً محصورة وليست ومحدودة؟ نعم. أيوه، نعم، يعني ممكن بالمثال يتضح المقال.
يعني مثلاً المؤرخ المسلم تجد عنده وضوح جداً في مسألة أن الظلم مؤذن بخراب العمران. نعم. تمام؟ بينما ليس هذا واضحاً عند غير المسلم، ممكن الظلم ده يبقى علامة من علامات التمكن. نعم. وعلامة من علامات الهيمنة. يعني مثلاً كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد». فالمسلمين اللي مؤمنين بهذا النص وشايفين أنه هذا نص نبوي مأخوذ من الوحي، تلاقيهم يقولون كده بوضوح: الظلم مؤذن بخراب العمران. أو تلاقي واحد زي ابن تيمية يقول: فلذلك قيل بأن الدنيا تدوم مع العدل وإن كانت كافرة، والدولة تدوم مع العدل وإن كانت كافرة، ولا تدوم مع الظلم وإن كانت مسلمة. مسلمة، نعم.
هذا الأمر الذي يقوله المؤرخ المسلم بوضوح ولا يتشكك فيه، لا يؤمن به غير المسلم. نعم. ممكن يرى أن الظلم ده من ضرورات الحياة. نعم. تمام، أنت عارف كده كما قال الجاهلي: والظلم من شيم النفوس، فإن تجد ذا عِفّةٍ فلعله لا يظلم. عنده مشكلة يعني في سبب يمنعه من الظلم، ويبدو أن هذا هو المبدأ السائد الآن. لا يجد. نعم، ده طبعا ده مثال يعني. نعم، لكن واضح وجليل يعني موضوع كيف نفهم هذه الأحداث من خلال نص نبوي أو آية، وتعطينا قاعدة إذا تفسر؛ لأن كما يسمى تسمى في المصطلح القراني بالسنن. نعم، هذا هو بالضبط، بالمبأسبة حتى مسألة السنن نفسها، نعم، نفسها فيها خلاف عند المدارس الأخرى.
يعني مثلاً احنا عندنا المسلمين مسألة السنن دي مسألة واضحة؛ أن التاريخ أصلاً فعلاً يتكرر، والتاريخ فيه سنن، والتاريخ ينبغي الاستفادة منه؛ ليه؟ لأنه واضح جداً في كلام ربنا: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 62]. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: 23]. الآيات القرآنية كثير، اه، الآيات القرآنية كثيرة جداً في مسألة السنن.
طيب، الغربيين على فكرة عندهم مثلاً زي كارل بوبر، نعم، له كتاب اسمه عقم المذهب التاريخي، اللي هو التاريخ أساساً مش مفيد، نعم، التاريخ مش مفيد ولا يمكن الاستشفاف أو الاستفادة أو الاستدلال من التاريخ على شيء تماماً. حتى هيجل له كلمة لطيفة يقول فيها: القاعدة الدرس الأكبر من التاريخ أنه لا أحد يستفيد من التاريخ. هذه نوع من الفلسفة أيضاً حتى بالنسبة لكارل بوبر، ربما في جانب فلسفة العلم ومن ناحية المناهج المنهج التاريخي، نعم، فبالتالي ربما في هذه الجزئية. أنا قصدي أقول لو احنا افتقدنا هداية القرآن والسنة، حتى مسألة أن التاريخ فيه سنن، نعم، مسألة مشكوك فيها أكيد، طيب، ولكن وهذا يأتي السؤال هنا: هل يمكن للمؤرخ أن يقرأ الماضي من دون تصور سابق للإنسان والمجتمع والعالم؟
لا يمكن، حقيقة لا يمكن؛ لأنه الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا هوية. طبعا أنا برضه لما بقول أن التاريخ هو معلومات غزيرة تحتاج إلى رؤية لتنظيمها، وكي تستوي بها على هيئة مفهومة ومحدودة، ليس معنى هذا أن التاريخ سائل ويقبل كل التفسيرات. لا، يعني التاريخ أطلب من أنه يقبل كل التفسيرات، وكثير جداً من الفلسفات تسقط حين وظيفة فلسفة التاريخ أن توضح أو تحاول أن تضبط فهم حركة التاريخ، لكن كما كان قيل كما كان يقال قديماً بأن لا تاريخ إلا بتوثيق ووجود الوثائق، لكن وفرة المعلومات في العصور الحديثة جعلت أن هذا عائق من فهم هذه المسار هذا التاريخ. أي نعم، عائق إذا غصت في التفاصيل حتى نسيت المسار. نعم.
وطبعا هذا موجود في كل تصور، يعني كلما غصت في التفاصيل دون أن تنتبه للمسار ربما استشكلت عليك الأمور، لكن فلسفة التاريخ قصدي من وجهة نظر إسلامية أن هذه الحياة هي بمعنى الأصلي هي صراع بين الإنسان والشيطان، وأن الإنسان موجود في الدنيا على قدر وموجود لمدة محدودة، وأنه يحاسب على أعماله. وضمن هذه الرؤية الشاملة يتم تجري تفسير الصراعات الأرضية، ويمكن أن يقع صراع بين باطل وباط أيضاً، كما يمكن أن يقع صراع بين حق وباطل، لكن إيمان المسلم بأنه في نصوص مقدسة نزلت من خالق هذا الكون وخالق هذا الإنسان وخالق هذه الحياة تجعله أقرب إلى الاهتداء وفهم مسارات التاريخ ضمن هذه الرؤية. نعم. تمام. هذا هو خلاصه المعنى.
طيب هذا بالنسبة للمسلمين، لكن في الغربيين أيضاً ربما عندهم نوع من كما يقال أنهم خطة الله أن هناك حركة التاريخ تسير حول إلى هذه مدرسه من مدارسهم. لكن هم الغربيين، طبعا هم الغربيين لم ينتبهوا للتاريخ وعلم التاريخ بمعنى كونه علماً إلا في عصور العلمانية، يعني يؤرخونها في أواسط القرن التاسع عشر. نعم.
هنا يا مولانا كان الغربيين في حالة فوضى فكرية هائلة، في كثير منهم علمانيين، وكثير منهم غير مؤمنين بالله، وكثير منهم يجحدون أنه أن هذا الكون يبقى فيه أصلاً نظام ويبقى له خطة. نعم. فهؤلاء تشعبت بهم مسالك التفسير؛ لأن أنت خلاص أنت ليه أصلاً فاكر في أول الحلقة لماذا جعلت المدرسة الغربية من مهمة المؤرخ أن هو يجمع ويعلل معاً؟ لأنه هو فاقد التعليل الأساسي. نعم. يعني أحد أهم الأمور التي جعلت المؤرخ المسلم مش مهتم بالتحليل والتفسير في كتابة أنه الأمر مستقر عنده، وأن مسألة التحليل والتفسير هو سايبها لأنها تعالج في مجالات أخرى، تعالج عند مفسر القرآن، تعالج عند شارح الحديث، تعالج عند الفقيه، تعالج عند عالم السياسة الشرعية، تعالج عند صاحب التزكيه والتربية الروحية. كل هؤلاء كانت لهم نظرات في تفسير وتعديل التاريخ، هو مش شايف نفسه كمؤرخ ملزم بأن يكون عنده تفسير. لكن المدرسة الغربية حيث افتقدت المعنى فصار المؤرخ غالباً ملزم بأن يفسر هذا الذي يقوله. نعم.
يعني في بداية نشأة التاريخ على هذا الشكل في الغرب المحاورة المشهورة بين فولتير وبين السيدة دي اللي أنا دايماً بنسى اسمها دي؛ لأن أنا الجماعة الفرنسيين أسمائهم مش بتستقر معايا. هي بتقول له: أنا يعني أنا إيه أنا يهمني إيه أعرف أن مثلاً عثمان كان ابن أرطغرل؟ نعم. ولا يهمني إيه أعرف أن المعركة الفلانية حصلت في المكان الفلاني؟ فهذه هي بداية كتابة تاريخ مفلسف، هو فولتير أخذ هذه الحاجة وبدا يعرض معنى لكتابة التاريخ؛ أن التاريخ يبقى مسرود كقصة مفلسف، يعني مفسر. نعم. تمام؛ لأنه مفتقد المعنى، ضوابط لفهم التاريخ.
أيوه، يعني أنا دلوقتي لما بتقرا تاريخ، يعني مثلاً لما بتقرا تاريخنا الإسلامي كأنك بتقرا سجل التليفونات مثلاً، عارف أنت دليل التليفونات؟ سرد كل سنة، كل سنة ماذا حدث في هذه السنة، ماذا حدث في هذه السنة؟ طيب، التاريخ عند المسلمين كان له غرض مختلف عن الغرض الذي أراده الغربي حين ظل يكتب التاريخ أو حين بدأ يكتب التاريخ على هذا المعنى. الغربي بكتب قصة يسعى أن تكون متكاملة.
فيقوم بدور الجمع ويقوم بدور التحليل، وفي تقديري طبعاً أنه يعني المدرسة الإسلامية متفوقة في عن المدرسة الغربية في هذا، لأنه كثير من ممن وهبوا موهبة الجمع والصبر والذب لم يوهبوا موهبة التحليل والتفسير. وخاصة قضية أن يوجد قصة متكاملة بحذافيرها، هذا يصعب يعني هي نقل الأحداث في الأخير صعب، يصعب لأن المؤرخ يضطر يستخدم خياله.
لذلك، لو نظرنا أيضاً للواقعة، كما ضربت أنت مثال في بداية الحلقة حول الحرب مثلاً في بين الشرق والغرب في ليبيا، وكل طرف يريد أن يفسرها، هنا إلى أي مدى تؤثر العقيدة والهوية والانتماء السياسي في تفسير الوقائع؟ هو أولاً ما من إنسان يستطيع أن ينفك من هويته، يعني ما في إنسان عايش بلا هوية. وهناك كلمة جميلة للإمام ابن القيم يقول: الفرق أمر ضروري للإنسان، يعني الإنسان يبقى عنده ميزان يميز به، أو يعني أمور ينحاز بها، معايير ينحاز بوفقها، الفرق ضروري للإنسان، فمن لم يكن فرقه قرآنياً محمدياً، ففرقه من جهة أخرى؛ أما من سياسة سائس من فوقه، يعني في دولة وفي نظام وفي حكم بيقول ده الصح وده الغلط، دي مصلحة البلد ودي مش مصلحة البلد، دول أنصار البلد وحلفاؤنا دول أعداء البلد والخونه والكلام ده، أما سياسة سائس من فوقه، أو رأي من عنده، أو من عند غيره نشأ في قبيلة، نشأ في صحبة شايفه هي اللي بتحدد له الصح والغلط، أو شهوة من عنده، يعني خلاص بقى بلذة بهيمية هو اللي هو عايزه يبقى صح واللي مش عايزه يبقى غلط.
فما في إنسان عايش في الحياة بلا هوية ولا انتماء، وبالتالي فحيث كان هذا -يعني حيث أن كل إنسان عنده تصور ما للحياة، سواء التصور ده صنعه لنفسه هو برأيه، أو صنع له ببيئته وبالسياسة التي كانت فوقه- فلا بد من أنه له رأي في كل بقى يعني له انحيازات. وبالتالي فالإنسان المسلم حين يكون متخذاً هذا الفرق القراني المحمدي، يعني تكون مسألة فهمه للتاريخ ووقائعه مسألة دينية، فبطبيعة الحال سيرى أموراً مختلفة عن غيره.
مثلاً، أحكي لك حكاية لطيفة جداً؛ فاكر لما في مذكرات عبد الوهاب النجار، إحنا تناولناها في برنامج ويبقى الأثر في الموسم الاخير؟ في مذكرات عبد الوهاب النجار مثلاً هو بيحكي عن ثورة 19، بيقول إن في بعض من أهالي الشرقية محافظة الشرقية دخلوا عايزين يقتحموا معسكر إنجليزي. ليه عايزين يقتحموا معسكر إنجليزي؟ عايزين يحرروا الأسرى الأتراك المأسورين من الحرب العالمية الأولى. تمام. طيب، هذه الحادثة طبعا الضباط تصدوا لهم، المهم قتل 200 مصري في هذا الموضوع، 200 مصري هم عايزين يحرروا.
طيب، دول إنت مصري ووطني والدين لله والوطن للجميع، ودول كانوا أتراك ومحتلين، في المعنى الوطني المصري إيه اللي مخليك رايح تحاول تحرر الأسرى الأتراك؟ هذا هو نموذج من نماذج الهوية، هو الراجل المصري ده شايف نفسه مسلم. كل واحد فهم بطريقة، واحد يراه من نوع من التحرر والجهاد لفك أسير مسلم، وآخر يعتبره خراب.
بالضبط، مش بس خراب وخروج عن الوطنية وخروج عن القانون وعن النظام. فقصد أقول، شوف أنت أهو حدث تاريخي لا يمكن فهمه إلا حين تفهم أن هؤلاء هويتهم مسلمة، فتحركوا لنصرة مسلم. زي ما بنقول مثلاً المثال الشهير سليمان الحلبي، إيه اللي جابه من حلب علشان يغتال كليبر في مصر؟ مع أن الفرنسيين ما راحوش حلب، إنما هو رأى أنه هذا جسد إسلامي واحد. وإلى وقتنا هذا، الناس اللي عندها دين بتلاقيه يروح يجاهد في أفغانستان وفي الشيشان وفي سوريا وفي غيرها، ولا شيء يدفعه إلى ذلك، بل إن الأمور كلها ضده. يعني أصلاً اللي بيروح مثل هذه المناطق لكي يجاهد ما بيعرفش يرجع تاني، بيبقى لذلك حتى هنا أحد الفروقات المهمة بين التفسير الغربي بعمومه وبين التفسير الإسلامي هو الدافع الأخلاقي، لا يعتبر الدافع الأخلاقي عند الغرب أن لابد يفسر ذلك بمصلحة أو دافع سياسي.
صحيح، أحد أبرز المشكلات في القراءة الاستشراقية مثلاً للتاريخ الإسلامي هو حضور المعنى السياسي، دائماً يشعر أنه الفقه كتب تحت ضغط السياسة، الحديث كتب تحت ضغط السياسة، التفسير كتب تحت ضغط، حتى بعضهم بيتكلم على اللغة والنحو والصرف اتعملوا برضه تحت السياسة، لأنه لا يستطيع أن ينخلع ولا ينفلت من إرثه هو الغربي، اللي هو فعلاً كانت السياسة متغولة وكان في تحالف بين الكنيسة وبين الإمبراطورية.
فالقصد يا سيدنا أن التاريخ مرتبط بالهوية، وهو يحمل معنى تفسير هذه الأحداث التاريخية، فلا يمكن أن تقرا التاريخ دون أن يكون لديك ميزان، ما هو الصواب، ما هو الخطا، ما الذي ينبغي فعله، ما الذي لا ينبغي فعله، ماذا كان ينبغي أن يفعل، ماذا كان ينبغي أن يفعل. يعني إلى الآن تجد المسلمين متأثرين مع أبو عبد الله الأحمر الصغير، آخر ملوك غرناطة، ويدينونه! شوف الراجل ميت من حوالي 500 سنة دلوقتي وإلى الآن لعنته ما تزال قائمة، طب ليه؟ مع أن الراجل اللي قاعد في مصر ولا في اليمن ولا في العراق ده يعني بيبكي على الأندلس ليه مؤتم أن أبو عبد الله الصغير كان المفروض يعمل كذا أو يعمل كذا؟
طيب، هنا يا استاذ محمد ألا ترى بأنه هو يجعل أيضاً أن التاريخ هو نوع من السيولة أيضاً إذا كان يترك، إذا كان الهوية لها تأثير والانتماء، انتماء المؤرخ له تأثير، ألا يطعن ذلك في مصداقية المؤرخين وقراءة التاريخ عموماً؟
هو هنا يا مولانا أنا برضه بيتفتح موضوع بيهتم له المؤرخون، اللي هي إيه؟ ما يسمونه القراءة الإيديولوجية للتاريخ، أو القراءة المنحازه للتاريخ بدافع من العقيدة والمذهب. شوف، هنا خلينا نثبت أولاً أن التاريخ ليس مادة سائلة يمكن تشكيلها على كل وجه، لا، التاريخ أصلب من أن كل الفلسفات تصدق فيه. ولذلك خليني أفتح قوس صغير كده قبل ما أجي أكمل سؤالك؛ دائماً في معركة مشتعله بين المؤرخين والفلاسفة في هذا الموضوع، معركة مشهورة كده، يعني لو حبينا نشبهها نشبهها بمعركة المحدثين والفقهاء في تاريخنا الإسلامي، تلاقي المحدث راجل ضابط الأسانيد ضابط الألفاظ، والفقيه أقل تقللاً في هذا، وأقل اهتماماً وأكثر اهتماماً بالمعاني. فلذلك حتى الجماعة الفقهاء يقول لك حديث الشيوخ يعني حديث فقهاء، المهم قصدي اللي عارف الفكرة دي.
والمؤرخ المؤرخ، لا الصيدلي والطبيب أيضاً ممكن، ممكن بس المؤرخ هو الفيلسوف شوية أعقد، إزاي؟ الفيلسوف بيبقى عنده فكرة معينة، فالفكرة المعينة دي علشان يثبت أنها صحيحة، لابد أن يثبت تحققها في التاريخ، فهيبحث عن شواهد. كويس، فهو يبحث عن شواهد طلع كتابه اللي فيه. يجي بقى المؤرخ يروح يلاقي إيه؟ التاريخ ده مش مظبوط، أو الحاجة دي مثلاً حصلت قبل دي أو حصلت بعد دي، يعني المهم الراجل الفيلسوف ده بنى على بناء هش من وجهة نظر المؤرخ، أنت بتقول الموقع الحاجة الفلانية حصل كذا فادت إلى كذا وده يثبت النظرية، فآنا بقول لك أصلاً اللي أنت بتقول حصل بعدين ده حصل أولاً، فبالتالي بناؤك بناء هش.
فالمؤرخين شايفين أن الجماعة الفلاسفة دول يعني بيحاولوا ياخدوا من التاريخ ما يدعم شواهدهم، فهو كحاطب ليل؛ جمع اللي ينفع واللي ما ينفعش. الفيلسوف بيبقى شايف المؤرخ ده راجل حرفي ونصوصي وظاهري ومتشدد وتافه، ماسك في الحاجات الصغيرة اللي ما تفرقش في الجزئيات، يهتم بالتفاصيل ولا يأخذ القراءة العامة.
طيب، لو ننتقل بك أيضاً إلى، ما أنا كنت رايح أجبلك إيه حكاية إزاي يؤثر التاريخ على الفلسفة أو الانحياز؟ فقصدي أقول بداية التاريخ مش سائس السيولة التي تقبل كل تفسير، لا، في حدود وفي وقائع وفي أحداث في قدر من الدقة والتماسك يمنع كل واحد عايز يألف نظرية أنه يخليها صحيحة.
طيب ده بينعكس على إيه؟ ما الذي يعصمنا نحن كقراء التاريخ من التاثر بانحيازات المؤرخ؟ هنا كل علم التاريخ تقريباً تعتبر أن هو قام على هذا الأمر، كيف يمكن أن نحفظ التاريخ من المؤرخ، أو نحرر التاريخ من المؤرخ من انحيازاته؟ فبالتالي تقدر تقول في اتجاهين في هذا الموضوع؛ الاتجاه الأولاني هو اللي شايف أن المؤرخ يجب أن يكون محايداً يعرض التاريخ كما وقع دون تدخل منه.
عملياً هذا المطلب مستحيل، لأنه لا يوجد مؤرخ إنسان يمكن أن يتحلل دائماً من إنسانيته، ويصير مثل الآلة أو الصورة الفوتوغرافية التي تصف مشهداً دون أن يتدخل فيها بتعليل أو تفسير مهما قل. وبالتالي فعملياً جرى التخلص من هذه الأمنية المستحيلة إلى أمنية أخرى تقول الآتي: المؤرخ ده اللي هو انسان لن يمكنه التحلل من ذاتي، أنا عايزه يقول بوضوح كده: أنا أعتقد واحد واثنين وثلاثة، ولكن سأسير في إثبات الواحد والاثنين والثلاثة الذين هم عقيدتي على المنهج العلمي الصارم، يعني مش هيبقى في تعميم، مش هيبقى في اختزال، مش هيبقى في اقتطاع، مش هيبقى في كتم.
فساعة إذ لم تعد هذه الحياد لم تعد هذا الانحياز لم يعد عيباً، بقينا نقيم الشغل بتاع التاريخ على أساس التزام بالمنهج العلمي الصارم والدقيق. فلذلك حتى ما بقاش دلوقتي في حتى في الدراسات الغربية بقى معتاد أنك تلاقي الفصل الأول وهو بيحكي عن المدرسة الفلسفية أو المدرسة التاريخية التي هو يقتنع بها، ويقول لك الكتاب ده هو كتاب بيستفيد من المدرسة الفلانية في التاريخ، وساعتها يبقى يجري التقييم على أي مدى هو أجاد في جمع مادته، إلى أي مدى لم يختزل لم يعمم لم يتعسف في الاستنتاج ونحو هذه الأمور.
طيب، بالنسبة للتصور الإسلامي، يعني ما أهم وظائف التاريخ في التصور الإسلامي؟ هل هو مجرد تسلية ومعرفة فقط أم موعظة؟
جميل جداً، بشكل عام التاريخ عند كل الأمم تقدر تقول يعني له فائدتان كبيرتان، أو يعني في أمرين؛ هناك أمران كبيران يجتمع تحتهما فوائد التاريخ كما شرحها المؤرخون. الأمر الأول يتعلق بالفهم، والامر الثاني يتعلق بالعمل. يعني الأمر الأول كيف نفهم السنن؟ كيف نفهم قوانين التاريخ؟ الحاجة الثانية، طب إزاي نستفيد؟ يعني كيف نفهم ثم كيف نقتدي أو كيف نعتبر؟ دول هذان الأمران هما ما يدور حولهما كلام المؤرخين في فائدة التاريخ، أنك تفهم وأنك تستفيد منه في المستقبل.
المسلمين حقيقة نقدر نقول أخرجوا أمرين فائدتين أخريين لهذا التاريخ، لأن نشأة التاريخ عند المسلمين كانت نشأة فريدة عن غيرها من الأمم. الفائدة التي أضافها المسلمون هي فائدة حفظ الدين. حفظ الدين هذا، كيف هو؟ في ظاهرة غريبة، وهذه الظاهرة في التاريخ الإسلامي، وهذه الظاهرة أثارت امتعاض كثير من المستشرقين وكثير من المؤرخين المعاصرين، وهي فكرة أن المؤرخين بيكتبوا التاريخ، المؤرخين المسلمين بيكتبوا التاريخ وكأنه مجال ديني. يعني تفتح مثلاً كتاب خليفة بن خياط يقول لك هذا كتاب التاريخ، وبالتاريخ عرف الناس أحوال مددهم وعدد نسائهم وأيام حجهم وعمراتهم وصيامهم وزكاتهم، حاجة لا يفهمها ولا يقتنع بها المؤرخ المعاصر أو المدرسة الغربيه في التاريخ. بقى إنت عامل كتاب تاريخ علشان تقول التاريخ المسلمين عرفوا يحجوا أمتى ويصوموا أمتى وعدد نسائهم تنقضي أمتى؟ تمام.
نفس الكلام عند الطبري، نفس الكلام مثلاً عند السخاوي، والسخاوي ده يعني مات في أوائل القرن العاشر الهجري، ويقول لك إيه: التاريخ هو معرفه أحوال الرواة الرواة، اللي هو الناس اللي بتروي الحديث، معرفة أحوال الرواة ومواليدهم ووفياتهم وما طرأ عليهم من الأمور، يعني اختلط ولا ما اختلطش. وفي الآخر يقول لك إيه: ويلحق بهذا ما جرى من الحوادث الجليلة. يبقى الحوادث الجليلة بالنسبة للسخاوي ملحقة بأحوال الرواة موالدهم ووفياتهم.
لذلك كيف يمكن تفسير هذا؟ أن المسلمين كان يهمهم من التاريخ هو حفظ الدين وضبط الدين ومعرفه الدين، لأنه نحن أمة بعض ديننا تاريخ، وبعض تاريخنا دين، في كده جزء مشترك في الحياة عايز تسميه دين ممكن وعايز تسميه تاريخ ممكن، يعني سيرة النبي، سيرة الخلفاء الراشدين، هذه منطقة مشتركة بين الدين وبين التاريخ. فلذلك حرص المسلمون حرصاً شديداً على ضبطها وفهمها وحفظها أعظم ما يكون الحفظ، ها هنا نشأ علم التاريخ عند المسلمين.
التاريخ أصلاً عند المسلمين -ده الأمر اللي انفرّدوا به من الأمم- نشأ لحفظ الدين، نشأ لحفظ الدين لضبط ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وما ورد عن الخلفاء الراشدين وعن الصحابة، لأنه بالنسبة للمسلمين دين مش تاريخ بينما هو تاريخ. هذه الخاصية انتبه لها بعض المستشرقين، منهم برنارد لويس مع أنه صهيوني متعصب، بيقول إنه الإسلام دين تاريخي، وعلشان كده اهتمام المسلمين بالتاريخ أعظم من اهتمام أي أمة أخرى بالتاريخ، لأن الإسلام ده يعني مش حالة كحالة المسيح بالنسبة للنصارى، أو حالة كحالة موسى بالنسبة لليهود، التي هي حالة من مات قبل أن يمكن وتصير فكرته واقعاً في الحياة.
يعني المسيحيدية كما جاء بها المسيح لم تتحقق في واقع الحياة، لأنه المسيح في معتقدهم صلب ولم يؤسس دولة. لكن محمد صلى الله عليه وسلم أسس دولة، والدولة استمرت من بعده على سنته في أيام الخلافة الراشدة، فبالتالي المسلمين بقوا مهتمين بالتاريخ، ممكن المسيحيين ما يهتموش بالتاريخ.
لأن أصلاً ما عندهمش الفترة الذهبية التي يمكن أن يقتدوا بها، وبالتالي فها هنا نشأ بقى إيه، نشأت معالم التاريخ الإسلامي في كل العلوم.
هذه هذه وظيفة، هذه وظيفة حفظ الدين. من هذا المنطلق، هذا المنطلق هل هل هو فقط يعني ارتباطها بالدين وحفظ الدين، كانت هذه الوظيفة الوحيدة للمؤرخين المسلمين؟ لا، ليست هذه الوظيفة الوحيدة، أنا كنت أقول بأنه بقية الأمم كان عندها فائدتان كبيرتان: الفهم والاقتداء.
ويضيف إليهم المسلمون فائدتين أخريين، وهما حفظ الدين ثم الانتصار للدين أيضاً. الانتصار للدين، ولكن الانتصار للدين بتاع المسلمين لا يختلط بالانحياز للمذهب اللي احنا قلناه في القراءة المذمومة للتاريخ؛ لأنه المسلمين وهم بيحفظوا الدين أنشأوا ضوابط منهجية صارمة تمنع أن حد يعني ينتصر بالباطل للدين.
وهذا من صلب الدين، هو الدين يمنع أن تكذب على خصمك أو مخالفك، ويمنع أن تظلمه، ويمنع كثير من الأخلاقيات تفرض، يفرضها، تفرض على المؤرخ المسلم.
لكن حقيقة يا استاذ محمد، استرسلنا معك وداهمنا الوقت حتى وصلنا إلى نهايته الحقيقة، لكن نبقى نريد أن نستكمل الحوار معك حول كثير من المحاور في لماذا كان التاريخ مهمًا في التصور الإسلامي، وما الذي يميزه عن الكتابات التاريخية الغربية، وكيف نقرأ تاريخنا.
نشكرك شكرًا جزيلاً الأستاذ محمد الهامي الباحث في التاريخ والحضارة الإسلامية، بارك الله فيك، كنت ضيفًا كريمًا معنا في هذه الحلقة، كما نشكركم أيها الإخوة المشاهدون على طيب متابعتكم، وإلى لقاء آخر استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، وإلى الجزء الثاني من هذه القراءة للتاريخ مع ضيفنا الكريم، استودعكم الله الذي لا تضيع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي