الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مرحباً بكم أيها الإخوة المشاهدون في هذه الحلقة الجديدة من حوارات التناصح.
في الجزء الأول من كيف نقرأ تاريخنا، تناولنا معنى التاريخ وفلسفته، ولماذا لا تكون قراءة الماضي مجرد جمع للأخبار، بل محاولة لفهم الوقائع واستخراج العبر والسنن منها. وفي هذا الجزء ننتقل إلى سؤال أكثر خصوصية، كيف تعامل المسلمون مع التاريخ؟ وما الذي ميز منهجهم في توثيق الأخبار ونقد الروايات؟
لكن هذا التراث بلغ منعطفاً مختلفاً مع ابن خلدون، إذ لم يكتف بالسؤال عن صحة الخبر، بل انتقل إلى السؤال عن إمكان وقوعه وأسباب قيام الدول وسقوطها وقوانين العمران والاجتماع البشري. ولذلك يطرح الكتاب، كتاب خلاصة تاريخ الإسلام، أسئلة حول ما إذا كانت المقدمة امتداداً لعلم التاريخ أم تأسيساً لعلم جديد، ولماذا تأخر ظهور هذا المشروع؟ ولماذا ازداد الاحتفاء بابن خلدون في العصر الحديث؟
فما الذي أضافه المسلمون إلى علم التاريخ؟ وما حدود سبقهم في نقد الرواية. وهل كان ابن خلدون استثناءً في التراث الإسلامي أم ثمرةً لمسارٍ معرفيٍ سبقه؟ هذه الأسئلة نناقشها في الجزء الثاني من كيف نقرأ تاريخنا مع الباحث والمؤرخ محمد الهامي.
أهلاً وسهلاً بك أستاذ.
يا مرحباً بكم، حياكم الله شيخ عبد الله، الله يبارك فيكم.
أستاذ محمد لا زلنا معك في محاور هذا الموضوع وكيف نقرأ تاريخنا عبر كتابكم الموسوعة التاريخ المسماة خلاصة تاريخ الإسلام. والحقيقة هي ليست خلاصة هي عدة مجلدات، الآن صدر منها ثلاث مجلدات ولا زلنا في التاريخ المبكر من الإسلام. يعني لو نعود إلى ما انتهينا إليه في الحلقة الماضية وهي وظائف وفوائد التاريخ عند المسلمين.
نعم، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
نحن كنا انتهينا في المرة الماضية إلى أنه فائدة التاريخ عامةً تدور حول معنيين، معنى فهم السنن ومعنى الاقتداء والاعتبار، يعني كيف يمكن الاستفادة من هذا الفهم في العمل. لكن ذكرنا أن المسلمين أضافوا إلى هاتين الفائدتين فائدتين أخريين. وذلك لأن السبب في ذلك هو أن نشأة التاريخ في التراث الإسلامي نشأة فريدة لأنها مرتبطة بالدين، مرتبطة بالدين نفسه.
فذكرنا أن هاتين الفائدتين الأخريين هما حفظ الدين، يعني ضبط الدين، يعني صيانة الدين. والانتصار للدين أيضاً، هذه فائدة أخرى من فوائد التاريخ. فالآن صار عندنا إذا بنتكلم عن المسلمين أربع فوائد، حفظ الدين وفهم السنن والاعتبار والاقتداء ثم الانتصار للدين.
تكلمنا في المرة الماضية أن مسألة حفظ الدين هذه كانت مسألة حيوية ومركزية عند المسلمين، لأنه هم حين طلبوا علم التاريخ طلبوه لكي يصونوا الدين ويفهموه. ولم يكونوا عادةً علم التاريخ في أي دولة من الدول في أي أمة من الأمم إنما نشأ لتمجيد السلطان، هذه هي العادة.
الغالب الأعم أنه نشأ لتمجيد السلطان، تمجيد الدولة وهكذا. أما عندنا في الإسلام فقد نشأ لحفظ الدين، ولذلك ستجد التاريخ داخلاً في أبواب كثيرة دينية. هذا ربما نأتي له لاحقاً لكن الآن أذكره على سبيل الاختصار.
على ذكر التمجيد، الغربيين، يعني أشهر كتب التاريخ القديمة اللي هي الأوديسة والإلياذة وهي لتمجيد.
صحيح، وحتى بالمناسبة في التاريخ المعاصر، يعني أنت الحين تقرأ في تاريخ التاريخ وتاريخ علم التاريخ عند الغرب، هو إنما نشأ كانعكاس لنشوء الدولة القومية الحديثة. يعني الدولة القومية حين نشأت أرادت أن تجعل لنفسها شخصية مستقلة، فلذلك فتحت الأرشيفات فبدأ يكتب تاريخ لهذه الدول، كل دولة عايزة تعمل شخصية لنفسها مستقلة ترسخ لنفسها فكتبت تاريخاً لها.
فالآن حين نرجع للمسلمين، المسلمين مثلاً تجد هذه، يعني بذور أو شذرات أو أقسام من معنى التاريخ موجودة في كل العلوم الإسلامية. يعني حين تفتح القرآن الكريم مثلاً تقرأ في علوم القرآن تجد علم اسمه الناسخ والمنسوخ، الناسخ والمنسوخ ده يعني في آيات متقدمة ومتأخرة فهذا نوع من التاريخ.
طيب نروح للحديث، برضه علم الحديث فيه ناسخ ومنسوخ لأنه برضه فيه متقدم وفي متأخر. لكن عند الحديث ظهر شيء آخر وهو ضبط الرواة، بالضبط، الناس الذين رووا هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، كل واحد فيهم سمع من مين؟ ولما سمع منه سمع منه إزاي؟ تواريخ المواليد، هذا تفرد به المسلمون.
هذا تفرد به المسلمون، الإسناد لا يوجد في الأمم الأخرى.
صحيح، هذا تفرد به المسلمون. وإذا رجعنا للقرآن الكريم اللغة نفسها، ما هي اللغة العربية هكذا أدت إلى مزيد اهتمام بالشعر وأدت إلى مزيد اهتمام بدلالة اللفظ، فكل هذا احتاج إلى تاريخ. هذه أمور قد نأتي إليها لكن القصد هنا أن عناية المسلمين بتاريخهم بدينهم أثمرت نشاطاً هائلاً في علم التاريخ.
ومنها هنا استطاع المسلمون منذ وقت مبكر أن يتصدوا لأي تزوير في التاريخ. لذلك الكلمة المشهورة بتاعة سفيان الثوري يقول: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ.
تاريخ نعم.
بقى التاريخ أداة من أدوات العالم المسلم في حفظ الدين.
نعم.
ومثلها برضه كلمة حماد بن زيد قال: لم يستعن على الكذابين بمثل التاريخ.
نعم.
تمام، فلذلك مثلاً من وهذا لمعرفة أحوال الرجال وكيف كانوا من ناحية الصدق في الرواية وغير ذلك.
وأعم من ذلك يا مولانا، يعني مثلاً الإمام المشهور أبو نعيم. أبو نعيم كان رجل في مجلسه يريد أن يروي رواية عن موقعة صفين. تمام، فتكلم فقال: فلما كنا خرج علينا عبد الله بن مسعود.
تمام.
فأبو نعيم قال له: أتراه بعث بعد الموت؟ الراجل اللي بألف ده مش واخد باله إن ابن مسعود مات قبل معركة صفين، لكن علشان التاريخ حاضر عند أبي نعيم قال له: أتراه بعث بعد الموت؟ فانكشف كذب الكاذب بهذا المعنى.
من الأحداث المشهورة جداً إنه في أيام الخطيب البغدادي، يعني في القرن الرابع الهجري، جاء وفد من يهود خيبر، نسل يهود خيبر، جاؤوا بوثيقة إلى الوزير أبي القاسم بن مسلمة، كان الوزير العباسي في ذلك الوقت، وثيقة من النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي قد وضع عنهم الجزية، تمام؟ ومعهم وثيقة.
فاستدعى أبو القاسم بن مسلمة الخطيب البغدادي، الخطيب البغدادي طبعاً إيه؟ رجل محدث ومؤرخ، صاحب تاريخ بغداد المشهور، وصاحب الكفاية، وصاحب الجامع لأخلاق الراوي والسامع، الراجل الموسوعي بتاعنا ده يعني. الخطيب البغدادي أول ما نظر فيها قال: هذا تزوير، هذا كذب.
قال له: كيف عرفت أنه كذب؟ قال: عليه ختم، دلوقتي هو جايب وثيقة وعليها ختم النبي، وعليها شهادة شهود. فمن هؤلاء الشهود؟ معاوية بن أبي سفيان. قال: عليها شهادة معاوية، ومعاوية أسلم زمن الففتح، لكن خيبر كان قبل ذلك، يعني لما خيبر كانت في المحرم سنة سبعة.
طيب، وعليها شهادة سعد بن معاذ، وسعد بن معاذ مات في الخندق في شوال سنة خمسة، يعني مات بعد غزوة بني قريظة.
فقال: فهذا كذب، فكيف ها هنا التاريخ كان أداة من أدوات العلماء لإسقاط الكذابين، وهذه المزية مستمرة حتى عصرنا الحاضر. يعني من أشهر ما رد به العلماء المسلمون المتأخرون على المستشرقين مثل هذا، يعني مثلاً جولدزيهر المستشرق المعروف.
كان إحنا قلنا إن المستشرقين أحد مشاكلهم مع التاريخ الإسلامي إنه هو بيقرأه من وجهة نظر المؤامرة السياسية. فجولدزيهر كان عنده نظرية تقول إنه الإمام الزهري وضع حديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» خدمة لعبد الملك بن مروان.
تفسير سياسي.
أيوه تفسير سياسي، قال لك عبد الملك بن مروان قاعد في الشام.
نعم.
ويقاتل عبد الله بن الزبير اللي قاعد في مكة.
نعم.
فعبد الملك بن مروان مش عايز الناس تروح تبايع عبد الله بن الزبير لأنهم بيروحوا يحجوا ويعتمروا.
نعم.
فعايز الناس تيجي عنده في الشام وإلى جواره المسجد الأقصى، لقى واحد اسمه الزهري.
نعم.
أو الزهري عايز يتقرب إلى عبد الملك راح وضع حديث لا تشد الرحال إلى ثلاث مساجد عشان يجيب الناس من مكة والمدينة التي في الحجاز إلى الشام.
فها هنا تصدى له بقى العلماء المسلمين، ده كلام جولدزيهر.
نعم.
تصدى له منهم طبعاً أشهرهم الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه السنة ومكانتها في التشريع، ومنهم الشيخ محمد الأعظمي في كتابه منهج النقد عند المحدثين وغيرهم. ذكروا له إن الإمام الزهري لم يلتق أصلاً بعبد الملك إلا سنة اثنين وثمانين هجرية بعد أن كانت المعركة قد انتهت بينه وبين عبد الله بن الزبير.
السبب أصلاً غير موجود.
السبب غير موجود، ولكن هذه من ترهات المستشرقين وتؤخذ عند بعض الباحثين بأنها مسلمات.
بالظبط وطبعاً، هذا هو معنى التفسير السياسي. ومشهور جداً كلمة الإمام الزهري.
نعم.
لما سار في وجه عبد الملك، يعني عبد الملك مرة قال له كذبت أو نحو هذا مما لا أستحضر الآن عبارته بشكل دقيق، فقال له الإمام كلمته المشهورة: أنا يقال لي كذبت! والله لو نزل منادٍ من السماء أن الله قد أحل الكذب ما كذبت، لأن هذا كانوا يرونه خارقاً لمروءتهم أصلاً.
وعلى كل حال، لكن هنا يأتي سؤال، الآن هل أنت تنفي وجود التزوير في التاريخ الإسلامي؟ نحن نعلم هناك الفتنة التي حدثت بين الصحابة ثم بعد ذلك الدولة الأموية وكيف أن الحرص في الدولة الأموية كما نعلم أن التاريخ يكتبه الغالب وهي شوهت ربما بعض الأحداث بغرض الانتقاص من علي رضي الله عنه.
صحيح.
وظهور الشيعة والصراع الذي حدث. ألا يوجد تزوير في هذه الأحداث؟
ما هو شوف يا مولانا، هذا كلام يا طبعاً سؤالك سؤال في محله. لكن أنا أزعم أو الذي أقوله أن المسلمين وضعوا منهجاً علمياً لضبط التاريخ هم بالأساس لم يقصدوا منه ضبط التاريخ وإنما ضبط الدين بالمقام الأول. هذا المنهج العلمي يمكننا الآن بعد ألف وأربع مئة سنة أن نفحص الروايات، هذا هو المفقود في تاريخ كل الأمم.
يعني مثلاً نحن إلى يوم الناس هذا قادرين نحكم على سلسلة السند التي روت رواية حصلت قبل ألف وأربع مئة سنة. لا تجد في أمة أخرى أي معيار علمي منهجي يفرق بين رواية ورواية، يعني دلوقتي عندنا روايتان متضاربتان في تاريخنا، لدينا المنهج العلمي اللي خلينا نقول هذه أقوى من تلك. أي أمة من الأمم الأخرى عندها روايتين متضاربتين؟ ما عندهاش أي معيار يقول إنه هذه أقوى من هذه.
صحيح.
وزيادة على نقد المتن ليس فقط، وزيادة على نقد المتن، ثم نحن الأمة الوحيدة التي أقول انتصرت فيها المعرفة العلمية على السلطة. يعني الآن مثلاً أهو إحنا قاعدين بعد ألف وأربع مئة سنة، المسلمون يعظمون علياً أكثر أم معاوية؟ يعظمون علياً. طيب من المنتصر؟ من الغالب؟ من الذي كتب التاريخ؟
معاوية.
يعني لو أنه المنتصر في تاريخنا كتب التاريخ لكان تعظيم الناس لمعاوية أعظم من تعظيمهم لعلي. طيب بل حتى يطمس كل ما يتعلق بمعاوية.
صحيح.
بعلي رضي الله عنه.
والعباسيون أيضاً، العباسيون دخلوا في صراع مع العلويين، كانوا شركاء في ثورتهم على الأمويين وبعدين انفرك العباسيون بالحكم. طيب الآن أيهما أعظم عند المسلمين علي ولا العباس؟ برضه علي.
علي رضي الله عنه.
يبقى قامت دولتان، الأموية والعباسية، وكلاهما الوارد في فضل معاوية، الوارد في فضل العباس أقل بكثير من الوارد في فضل علي.
نعم.
بل إن علياً يعني كما يحفظ عن الإمام ابن حجر وعن الإمام أحمد لم يرو بالأسانيد الجياد في فضل أحد من الصحابة ما روي في فضل علي.
نعم.
وابن حجر يقول لأنه لما كان زمنه زمن فتن احتج إلى رواية الأحاديث في فضله.
نعم.
فهذا دليل على أن تاريخنا كان ناجياً من هيمنة السلطة وصناعة السلطة. طيب هل معنى كده إنه ما فيش تزوير أبداً؟ ما فيش تأثر بالسلطة أبداً؟ لا طبعاً ما نقدرش نقول كده، لأنه إحنا في الآخر بنتكلم عن تاريخ بشر، وبعض الناس تأثر بالسلطة وبعض الناس كان فيه الرغبة وفيه الرهبة. لكن نحن الآن بعد ألف وأربع مئة سنة قادرين على فهم تاريخنا بأكثر مما تستطيع أي أمة أخرى أن تقدر على فهم تاريخها.
بيأتي السؤال أيضاً حول التاريخ الإسلامي، تاريخ مليء بالصراعات، مليء بالدماء، مليء بالانقلابات، باغتيال السلاطين والملوك، يعني هناك كثير من كما يقال البشاعات التي حدثت في التاريخ الإسلامي حول الصراع حول السلطة. هنا كيف نصف التاريخ الإسلامي؟ هل هو تاريخ فتوحات؟ تاريخ انتصارات؟ تاريخ علم؟ أم تاريخ انقلاب وصراع على السلطة؟
هو كل التواريخ، كل الأمم مليئة بالصراعات. يعني أتذكر قبل فترة قريبة كان في لا أدري إذا كان أحد الشباب في عالمنا العربي أم أحد المؤرخين وضع خريطة عن الحروب المحفوظة في التاريخ، يعني كل مكان حصل فيه حرب وضع نقطة على الخريطة، نقطة نقطة نقطة نقطة.
دي الحروب المحفوظة، فإذا بأوروبا هي المكان الحافل المليء بالنقاط التي تعبر عن الحروب. وأصلاً إحنا حروبنا حتى في تاريخنا الإسلامي تلاقي الحرب استمرت يوم، استمرت يومين، استمرت سبعة أيام مثلاً.
إنما الحروب في أوروبا، تسمع عن حرب المئة سنة، حرب الثلاثين سنة، حرب السبع سنين، وتسمع عن مذابح. فأحس أنه في قدر من الانهزام أمام الحالة الغربية المعاصرة. يعني هو يأخذ لقطة من التاريخ حين استقر الأوروبيون، ويحاول أن يعممها على تاريخهم. بينما تاريخهم كله -ولما استقروا- زاد إجرامهم في بقية العالم، وفي بقية العالم. وحتى حروبهم؛ الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية ملايين قتلوا.
ولما ارتاحوا من القتال مع بعضهم، ما الذي حصل؟ يعني تولوا أمر بقية العالم. في تفسير التاريخ هنا، تفسير وفهم التاريخ؛ البعض يقول أنا لا أهتم من المؤرخين، لا أهتم بالنقاط السوداء، ولا أعرضها ولا أسردها، وأهتم فقط بالفضائل وبالنقاط البيضاء وإظهار التاريخ ناصع البياض.
لا أنكر أن هذا التوجه موجود عند بعض المسلمين، ولكنه غلو رداً على غلو العلمانيين في الإساءة للتاريخ الإسلامي. يعني هو ردة فعل غالية في اتجاه مقابل لاتجاه الغلو العلماني المعاصر. لأن الغلو العلماني المعاصر ذاهب إلى الطعن في كل شيء، في كل شيء حقيقة. يعني يحدث عندنا، أنا أتكلم الآن مثلاً عن مصر وما أراه في بلاد المغرب، وما أراه في بلاد المغرب أقصد تونس والجزائر والمغرب؛ يعني أسمع فضاعات، فضاعات تتكلم في التاريخ الإسلامي فيها الإساءة إلى النبي نفسه، فيها الإساءة إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فيها الإساءة إلى مجمل الإسلام. وطبعاً ويحدث عندنا في مصر وإن كان أقل من ذلك، ويحدث كذلك بدأت تخرج الأصوات الآن في الخليج مع هذا الانفتاح الموجود حالياً.
القصد إنه هناك ردة فعل غالية تحاول أن تظهر ما في التاريخ الإسلامي من فضائل، ولكنه ليس طريقاً سديداً ولا حميداً. لأني حتى أنا رأيت هذا وشهدته؛ كثير من الشباب حين يقرؤون التاريخ المناقبي الفضائلي هذا، ثم تتوسع قراءاتهم فيقرؤون لآخرين، يصدمون ويشعرون بعدم الثقة في المشايخ أو في الكتاب الإسلاميين الذين قدموا لهم تاريخاً ناصعاً.
نحن لسنا في حاجة إلى أن نجمل تاريخنا أصلاً، لأنه مجرد مقارنة تاريخنا كما هو عليه بتواريخ الآخرين كافٍ في الدلالة على فضلنا، وكافٍ في تفسير قول الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]. لكن القصد يا مولانا، أنا كنت أتكلم في مسألة إنه المسلمون أخذوا هذا التاريخ، ويعني ضبطوه كوسيلة لحفظ الدين وضبطه؛ فصار الكاذب يستعان عليه بالتاريخ. يعني في مسألة جولدتسيهر، في مسألة يهود خيبر لما قدموا الوثيقة، لما وجدوا مؤرخاً حافظاً استطاع أن يفت أو ينسف خرافاتهم هذه. وأنت تعرف على فكرة؛ من الأمثلة الموجودة في مصر قبل حوالي 30 سنة من الآن، كان عندنا في مصر مشكلة كبيرة، مشكلة نصر حامد أبو زيد. نصر حامد أبو زيد رجل مفكر مصري كتب كتابه الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية العربية. والله مسكين الشافعي هذا.
الشافعي أكثر العلماء المسلمين تعرض له العلماني، وكان بينهم ثأر؛ لسبب لأنه الإمام الشافعي لما وضع أسس علم الأصول، منع عليهم الطريق إلى تأويل المعنى. يعني هون تلاقي إيه؟ هتلاقي شخصيتين عليهما ضغط كبير؛ البخاري والشافعي. البخاري قفل باب التلاعب بالنص، والشافعي قفل باب التلاعب بالمعنى. علشان كده العلمانيين والحداثيين وأي حد عايز يقول لك تجديد الخطاب الديني واقف أمام صخرتين كبيرتين؛ البخاري في اللفظ، والشافعي في المعنى، لابد أن يسقط الشافعي.
فدلوقتي نصر حامد أبو زيد كتب هذا الكتاب بيقول إيه؟ بيقول إن الشافعي كان متعصباً للعربية. هو طبعاً نصر حامد أبو زيد عايز ينصر أبو حنيفة باعتباره إمام أهل الرأي، وعنده مشكلة مع الشافعي باعتباره إمام أهل الحديث والأثر. بيقول لك ده راجل بيقول لك المشروع أصلاً -شوف إحنا لما نتكلم عن فلسفة التاريخ- بيقول لك المشروع أصلاً مشروع سياسي وسلطوي وعنصري ضد الموالي. طبعاً الشافعي مطلبي، أبو حنيفة من الموالي، إحنا عندنا في الأئمة الأربعة اثنين موالي؛ أبو حنيفة ومالك، واثنين عرب؛ الشافعي وأحمد بن حنبل.
وليس لها أي أثر، ده بالنسبة للمسلمين، أغلب المسلمين لا يعرفون هذه القسمة. ما حدش من المسلمين دلوقتي يعرف إنه أبو حنيفة ومالك موالي، والشافعي وأحمد بن حنبل عرب. لا يعرفون الأربعة، ويسمون أبا حنيفة الإمام الأعظم. طيب، فهو بقى عمل إيه بقى؟ قال لك مين مين يا عم المتعصب للجماعة العرب دول؟ نشأ في عصر الدولة الأموية، والدولة الأموية كانت متعصبة للعرب، فإيه؟ يبقى الشافعي عمل في خدمة الدولة الأموية. أول ما الناس ردت عليه قالت له: الشافعي ولد بعد انهيار الدولة الأموية بـ20 سنة، أو بـ18 ولا حاجة. أيوة، لأنه هو ولد 132، والدولة الأموية انهارت 132 هجرية، والشافعي ولد 150 هجرية، فكيف يمكن أن يعمل رجل لمشروع رجل؟
طبعاً هو لما أحرج إحراجاً هائلاً، طلع بتفسير تافه كده وقال إيه؟ قال: حصل خطأ مطبعي، فكل كلمة الأمويين استبدلت بكل كلمة العلويين. يعني كان قصده يقول إنه هو متعصباً للعلويين. لكن أنت تعال شيل كلمة الأمويين وحط العلويين لا تستقيم، لأن العلويين ما كان لهمش سلطة في ذلك الوقت. مو أي كلام وخلاص.
فعلى نحو هذا الكلام، مما أذكره أيضاً في مسألة التاريخ وأعجبني جداً، الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض، هذا أستاذ في الأدب في مصر، أستاذ مشهور في عين شمس، وكتاباته كبيرة، وإن كان الرجل مطموراً لأنه لم يشتهر إعلامياً. مصر حقيقة مليئة بالكنوز، لكن الإعلام عندنا بيركز على التافهين. الدكتور إبراهيم عوض؛ أنت عارف لما طه حسين كتب كتابه في الشعر الجاهلي، مباشرة عمل ضجة وأزمة، وساعتها محمود شاكر دخل في الأزمة العنيفة كما رواها في طريقنا إلى ثقافتنا في مقدمة المتنبي. لأنه كان واضح إن طه حسين سرق الفكرة من مرجليوث. تدري مرجليوث كان من الزهد والتجرد في فكرته، إنه هو كتب مقال إن طه حسين ما سرقهاش مني ولا حاجة، ده حاجة أصيلة وأنا معجب به. متخيل؟ خلاص هو يشجع على هذا الانتصار الفكري.
الدكتور إبراهيم عوض كتب كتاباً اسمه نظرية طه حسين في الشعر الجاهلي؛ سرقة أم ملكية حقيقية؟ ماذا فعل فيها؟ تتبع كلام طه حسين عن الشعر الجاهلي قبل أن يصدر مرجليوث دراسته، فإذا بطه حسين واثق في الشعر الجاهلي، ومعتمد عليه، ما عندوش مشكلة، لا يراه منحولاً ولا يراه مختلقاً للشعراء الجاهليين. أول ما ظهر هذا الكتاب وبدأ طه حسين، فهذا التاريخ -هذا الذي أعنيه- التاريخ كان أداة عند العلماء المسلمين في ضبط المزورين.
طبعاً في موقف كوميدي لطيف جداً ممكن أحكيه لك؛ عندنا في مصر كان واحد اسمه محمد الغيطي، لغاية دلوقتي إعلامي وله قناة، في 2013 قال لك: الإخوان المسلمين هم اللي أسقطوا الأندلس، وروحوا راجعوا ورايا الكلام ده! شوف أنت الثقة، شوف الثقة، اللي هو: روحوا راجعوا ورايا الكلام ده. فمتخيل واحد بيكذب في أربع قرون، يعني قبل البنا رحمه الله 1928، والأندلس سقطت سنة 1492، يعني أنت بتتكلم في أربع قرون، أكثر من أربعة قرون! وهكذا. لذلك إذاً التاريخ هذا جزء من فوائد التاريخ في كشف التزييف، والسرقات أيضاً، والسرقات يعني الآن ضربت أمثلة كثيرة ممكن توضح الفكرة.
لكن لو أخذنا من جانب آخر أيضاً؛ من ناحية فهم السنن. فهم السنن، نعم، هذه الفائدة الثانية في فهم السنن، وذكرنا أن أصلها هو أنه تكرر في كلام الله تبارك وتعالى، وفي كلام نبينا صلى الله عليه وسلم معنى السنن. يعني مثلًا ستجد الله تبارك وتعالى يقول: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: 62]، ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: 23]. وفي كلام النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم». وفي قوله لخباب، إنه كان يؤتى بمن كان قبلكم، ويعني الاستدلال بالتاريخ؛ مثلاً يؤذى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: «رحم الله أخي موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر». يأتي ذكر النبي إبراهيم فيقول: «نحن أولى بالشك من إبراهيم».
القصد هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مثلاً قيل له: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فراح قال: «سبحان الله». فالْمُسْلِمُ مَتَكَرِّرٌ عِنْدَهُ، ثَابِتٌ عِنْدَهُ، أَنَّ التَّارِيخَ فِيهِ سُنَنٌ تَمَاثَلُ وَأَنَّهَا تَتَكَرَّرُ. وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مَعْنًى لِأَنْ يَكُونَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ تَارِيخٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ التَّارِيخُ لَا يَهْدِي وَلَيْسَ فِيهِ سُنَنٌ، فَلَا مَعْنَى لِأَنْ يَكُونَ فِيهِ تَارِيخٌ.
لكن الحقيقة الذي يجب أن أقوله الآن، والذي يمكن أن يعتبر إضافة، أستطيع أن أقول أنها أربعة أشياء في مسألة فهم السنن من خلال التاريخ. أولاً، من السنن ما هو واضح وظاهر وساطع، يتفق فيه المسلم والكافر والمسلم وغير المسلم. يعني أمور ساطعة زي مثلاً إنه إذا وسد الأمر لغير أهله، يعني لما يتولى البلد حاكم ليس أهلاً وليس كفؤاً، نتوقع أنه يأتي يذهب بها إلى الخراب. لما مثلاً الأموال تنفق على غير طائل، نتوقع أنه، فهذه سنن. لما يتم إهمال القوة العسكرية، كذلك، فهناك سنن واضحة يتفق عليها الجميع، وهذه يمكن أن يستفيد فيها المسلمون من غيرهم.
المسألة الثانية، أن هناك سنن ممكن تكون واضحة أو غير واضحة بالنسبة لغير المسلم، لكنها بالنسبة للمسلم شديدة الوضوح. زي مثلاً دور الظلم في السقوط، وذكرنا الظلم مؤذن بخراب العمران، ﴿وَإِنْمَا أَهْلَكَ مَن كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِمُ الْحَدَّ﴾. قد لا يكون هذا الأمر، هذه السنة لا تكون واضحة لغير المسلم.
دور الترف؛ يعني قد لا يتوقع كثير من الناس المؤرخين غير المسلمين حين ينظرون في أسباب سقوط الدول، أنه من أسبابها الترف. لكن المؤرخ المسلم حين يمر على أسباب السقوط، لابد سينتبه لعامل كهذا العامل؛ ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: 16]. وكذلك، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: 34]. ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [المؤمنون: 33]. الآية في سورة المؤمنون. القصد هنا أن المؤرخ المسلم في ذهنه من أدوات تفسير الصعود والهبوط ما ليس على الأقل واضحاً وثابتاً عند غيره من المؤرخين غير المسلمين. وهذا من فوائد أنه تكون فلسفتك وقراءتك للتاريخ قراءة إسلامية.
وهناك أمور مثلاً من العجيب حقيقةً، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم». فكأن -شوف سبحان الله- قادة البشرية، صفوة الله في خلقه، الله تبارك وتعالى قرر لهم جميعاً كورساً لرعاية الغنم! أنا في ظني أن هذا أمر ينبغي أن ينتبه له القادة أو معاهد إعداد القادة، في مسألة لابد أن في رعاية الغنم في رعي الغنم، لابد لابد أن فيها سراً شبيهاً برعي البشر. طبعاً تكلم فيها العلماء في شروح الحديث، وذكروا عدداً من الشواهد، لكن قصدت القول أن هذا المثال من الأمثلة التي لا يمكن أن تخطر ببال غير المسلم، بينما يمكن أن تخطر ببال المسلم فقط لأنه رأى أنه قادة البشرية صفوة الله في قيادات القيادات التي أهلها الله لتدعو خلقه كلهم رعوا الغنم، فهذا أمر لابد أن يكون فيه سر من الأسرار.
هناك بعض هذا الأمر الثالث؛ هناك بعض السنن التي لا يمكن أن يفهمها في تقديري إلا المسلم وحده. والمثال مثل ما جاء في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]. المؤرخ غير المسلم قد يتوهم أنه يمكن أن نصل إلى مرحلة من السلام والوئام والصفاء والتعايش؛ يعني وهذا منتشر عند كل الجماعة الإنسانويين وتوع السلام الذين هم شايفين إنه الإنسان ممكن يتعايش، لكن في مشكلة تعصب أديان، في مشكلة تعصب على الموارد، أو لكن هنا تسمع قول الله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾. فتبقى عارف: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: 217].
يعني مثلاً تجد كثيراً من الجماعة بتوع السلام والصفاء والوئام دول، مهما قرأوا إنه التاريخ مليان حروب، بيبقى عنده أمل إن إحنا نوصل لمرحلة ما فيهاش صراع ولا حروب. لكن المسلم وهو يعرف إنه هو موجود في هذه الأرض، وقد ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]، ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّو شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216].
فقط على المقاطعة، لكن هذه كما ذكرت ربما يفطن لها بعض المؤرخين الغربيين مثل غوستاف لوبون في تغير الحالة الذهنية للشعوب. ذكر في الحرب العالمية الأولى -قبل الحرب العالمية الأولى- حالة النخب، كيف أن وهم السلام -نعم سماه وهم السلام- وأن هذا خلا فرنسا لا تستعد للحرب، الحرب العالمية الثانية لا للحرب العالمية الأولى في هزيمة الحرب العالمية الأولى. في الحرب العالمية الأولى ممكن، يعني الذي أتذكره الآن هو الرغبة في السلام بعد الحرب العالمية الأولى والتي أفضت به من الحرب العالمية الثانية.
هذا جزء منها، لكن كان جزء من تحليل غوستاف لوبون على حالة فرنسا في عند دخول الحرب العالمية الأولى عندما دخلت الحرب العالمية الأولى يفسر الأحداث، كان يظن أن القوانين الدولية أو أن وأن.
بعد الانتهاء من قيام الدولة القومية وصلح وستفاليا، فهمت خلاص استقرت الأمور وبدأ هناك قانون دولي فبالتالي لن تقوم حرب.
صحيح بس أنا بتكلم في معنى أخص يا مولانا. نعم. في طبعا أنا أؤيد ما قلت وأؤيد أن من غير المسلمين من قد ييأسوا من مسألة الوصول إلى مرحلة سلام دائم، لكن أنا أتكلم في معنى أخص من هذا أزعم أنه لا يفهمه إلا المسلم، وهو معنى اليهود والنصارى على وجه التحديد. اه نعم. معنى اليهود والنصارى على وجه التحديد. المنطق يقول أن اليهود مثلا كجماعة، هؤلاء لم يروا ولم يعيشوا بأمان إلا في ظل الحكم الإسلامي. طيب. المنطق ماذا يقول؟ أن اليهود إذا أرادوا أن ينتقموا أو أن تكون لهم قوة، فينتقموا من المسلمين ولا ينتقموا من الذين اضطهدوهم؟ هذا المنطق، لكن ما الذي حصل؟ بالعكس، صبوا جام غضبهم على المسلمين. وفعلوا ما فعل بالمسلمين. يعني هذا معنى يفهمه المسلم حين يقرأ قول الله تعالى: ﴿لَا تَجَدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: 82] بينما يمكن يستغرب المؤرخ غير المسلم الذي لا يستمع إلى هذه النصوص أن الجماعة دول الذين عاشوا حياتهم مضطهدين في أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية، إذا تمكنوا من قوة فإنهم ينتقمون من المسلمين. هذا أمر مستغرب، فلذلك النصوص قد تهدي المسلمين إلى أمور لا تتضح لغيرهم.
طيب، أنت تحدثت أن في فهم السنن عن ثلاثة أمور يمكن أن نضيفها. الأمر الأول، أنه هناك سنن واضحة للمسلم وغير المسلم. نعم. وهناك سنن واضحة للمسلم ولكنها غامضة أو مختلف فيها أو غير ثابتة لدى غير المسلم. نعم. وهناك سنن لا تتضح إلا للمسلم. نعم. كالذي قلت. نعم. والأمر الرابع الذي أريد الكلام عنه، وهو أمر مهم جدا في مسألة السنن: إنه سنن التاريخ أحد وسائل فهم القرآن والسنة. امم. وهذه أستنبطها وأستنتجها من كلمة للإمام يحيى بن أبي كثير. نعم. وقد أوردها الشاطبي في الموافقات، وهو يقول: «السنة قاضية على القرآن وليس القرآن بقاض على السنة». ما معنى هذا الكلام؟ معناه القرآن نص مجمل قد يحتمل وجوها، فيأتي الحديث أو الأحاديث فتشير إلى الفهم الصحيح للآية. فالناس يفهمون من الآية عدة أفهام ثم تأتي السنة فتشير إلى الفهم الصحيح. فالسنة تقضي على أفهام الناس في القرآن الكريم. نعم.
القرآن والسنة وجهوا المسلمين إلى الاعتبار والنظر في التاريخ. يعني مثلا ستجد أنه من الحركات الإسلامية، طبعا كل الحركات الإسلامية تزعم لنفسها أنها تنطلق من القرآن والسنة. نعم. ما فيش كلام في كده يعني. طيب. أقول أحد أهم أسباب إخفاق الحركات الإسلامية المعاصرة هو قلة بضاعتها في التاريخ، لأنه الفهم الذي فهموه من القرآن والسنة ده لابد أن يعرض على معمل التاريخ، على التجارب التاريخية. يعني أنت مثلا لما يبقى عندك حركة ما ترى أنه كيف يمكن النهوض؟ يأتيك الفرد المسلم ثم البيت المسلم ثم المجتمع المسلم، ثم هذا المجتمع يفرز حكومة إسلامية. نعم. ويرى أنه استنبط هذه المعادلة من القرآن والسنة. طيب دعنا لا نتكلم الآن في صحة أو خطأ استدلاله. نعم. لكن نسأله سؤالا، هذا التسلسل متى وقع في التاريخ؟ لم يقع. نعم. فلذلك تجد أزمة شديدة هنا.
طيب مثلا حركة أخرى وهذا أنت هذه الفكرة ضبطت أو صرت عليها في أحد كتبك في إثبات أن النهج والمسار الذي ينبغي على العاملين أن... نعم في سبيل الرشاد. لكنها هنا أنا في مقام آخر فأعمم. يعني مثلا الذين يقولون إن نهضة الأمة تأتي بتعلم العلم الشرعي وتصحيح العقيدة، وتروح تجد مسارهم العملي أنه تصحيح العقيدة وتععلم العلم الشرعي دخل بهم في دراسة الأحاديث ودراسة الأسانيد والرد على المعتزلة والجهمية والامساك في مسائل الصفات. أنت رايح فين؟ يعني أنت عايز تقول له أنت هو رايح يقاتل الأموات والمعارك التي انتهت ولا يجري شيئا في واقعه. فهو يقول لك إيه؟ إحنا أنت حين تصحح العقيدة ويبقى عندك علم شرعي فتكون بهذا مؤهلا للنصر الذي ينزل من السماء. نعم. مثلا. فلذلك السؤال الذي يطرح، الفكرة تحاكم التاريخ لها فلا... السؤال الذي يطرح، متى صح هذا؟ نعم. يعني إمتى كان فيه كده نوع من الناس أو مجموعة من الناس لما صححوا عقيدتهم نزل عليهم النصر من السماء؟ برضه لا تجد تجربة مثل هذه. فبالتالي حديث السنن، فهم السنن يوضح فهم القرآن والسنة. نعم. يعني سنن التاريخ هذه لأنه كلاهما صادر عن إله واحد، يعني الله تبارك وتعالى الذي أنزل هذا الكتاب والذي بعث هذا الرسول هو نفسه الذي وضع هذه السنن، فلا يمكن أن تختلف السنن الكونية مع الكلام الذي جاء في القرآن والسنة. نعم. زي كده لما تقول درء تعارض العقل والنقل، لا يمكن العقل الصريح ينافي النقل الصحيح، لا يمكن. نعم. وكما يقول ابن تيمية في موسوعته: إنما الفساد في الفهم لأحدهما أو كليهما. أنت عندك مشكلة في فهم النص أو في فهم العقل. العقل غير صحيح. نعم.
طيب هذا بالنسبة لفهم السنن، لكن أيضا فائدة الاعتبار والاقتداء. الاعتبار والاقتداء، هذه هي الفائدة التي كما نقول في تاريخنا وفي تراثنا: العلم يطلب للعمل. نعم. فبالتالي الرجل الذي فهم مطلوب منه واجب عليه أن يتحرك. وليس إيه إنه يقعد بقى منظر، يتكلم في الاعتبار، يتكلم في الفهم فقط. ففي مسألة الاعتبار والاقتداء هذه أيضا أنا أتكلم الآن عن تاريخنا الإسلامي. نعم. بشوف في أي تواريخ أخرى يمكن أن تتخذ لك نابليون قدوة، أو بسمارك قدوة، أو جورج واشنطن قدوة، أو حتى جنكيز خان، أو الإسكندر الأكبر قدوة. لأنه المعنى الذي تراه، المعنى الذي تحب أن تصل إليه هو معنى النجاح والقوة والتمكن، البطولة، التوسع. لكن الإسلام حدد لك من هم القدوات. فالقدوات هم الأنبياء وأتباع الأنبياء. هذا بحد ذاته فارق خطير جدا يحدد توجه العقل المسلم من الذي ينبغي أن يكون القدوة. وبالمناسبة هذا من عوامل تماسك الأمة الإسلامية. يعني أن تجد المسلم في إندونيسيا يسمي محمد ويسمي أبو بكر ويسمي عمر ويسمي إبراهيم وعيسى، ومثله المسلم في المغرب وهو يسمي نفس هذه الأسماء. تدري لو أن هذه الأمة لم يكن يجمعها هذا الجامع أو يربطها هذا الرباط، لا يمكن تجد واحد في إندونيسيا اسمه يشبه اسم واحد في المغرب، مستحيل. فإسلام حين تكلم عن الاعتبار والاقتداء تكلم عن الاعتبار والاقتداء بالأنبياء وبأتباع الأنبياء. فهذا يوجه المسلم حتى نفسيا وشعوريا من هم الأبطال؟ وما هي البطولة؟ ما معنى البطولة؟ يعني المسلم يقتدي ويعظم عيسى عليه السلام مع أنه سيدنا عيسى عليه السلام بالمقياس المادي لا يعتبر إيه؟ لا يمكن في المقياس المادي أن يكون قدوة، ده واحد صاحب دعوة ثم انتهى به الأمر على الصليب بالنسبة دنيويا يعني دنيويا نعم.
طيب. نفس الكلام مع سيدنا موسى، شوف سيدنا موسى بعد التعب ده كله مع فرعون ومع بني إسرائيل، ما نتيجته؟ ولم يستطع أن يحقق شيئا. المسلم يعظم عيسى ويعظم موسى ويزدري واحد زي جنكيز خان، واحد زي قورش، واحد زي الإسكندر الأكبر، واحد زي بسمارك، واحد زي نابليون. مع أنهم أسسوا دولا. يعني فالتمكين مرتبط في العقل الإسلامي بالتمكين الأخلاقي والتمكين الجاري على سنن الأنبياء صلوات الله عليهم.
طيب هذا يفتح باب أيضا لمعنى البطولة عند المسلم. نعم. يعني البطولة التي عند المسلم ليس فقط في قضية الفتوحات ولا قيام مجرد قيام الدول بدون رسالة سامية أخلاقية في الحياة. صحيح. ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى هذه الآية التي تمر على أسماع المسلمين: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]. نعم. فهو التمكين مقصود منه عبادة الله تبارك وتعالى، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا. فأنت تتخيل إنه من فوائد الجهاد والتدافع أن يحفظ على العباد أماكن عباداتهم وفرصة عباداتهم. وهذا أمر لا يفهمه الجماعة الماديون، لا يستوعبونه. ولذلك في أمريكا لا ليس لها تاريخ فتخلق أبطال خياليين حتى تجمع عليهم حب الناشئة عندهم، يعني سوبرمان، سبايدرمان، باتمان، حتى يأخذ. فالتاريخ الإسلامي مليء مليء مليء.
وفي التاريخ الإسلامي في مسألة الاعتبار والاقتداء مزية أيضا لا توجد في غيره، وهي مزية الاقتداء والاعتبار في الآخرة. يعني المؤرخ غير المسلم غالبا ما هو إذا تكلم عن بطل أو تكلم عن نشأة دولة، فهو يبثك ويزرع فيك كيف يمكن أن تصل للمجد والقوة في الدنيا. لكن المؤرخ المسلم كان قاعد وعنده إشعار، عنده حالة كده تنبهه للآخرة. ولذلك لو تسمح لي من الأمور اللطيفة جدا التي أحب أن أذكرها هنا، المسعودي مثلا المؤرخ يقول في مروج الذهب إنه من فضائل علم الأخبار أن أمثال الحكماء فيها توجد ومكارم الأخلاق ومعاليها منها تقتبس، وفي الآخر قال: وآداب سياسة الملك والحزم منها تلتمس. شوف قدم إيه؟ الآخرة الحكمة أولا ومكارم الأخلاق وبعدين سياسة الملك. مثلا ابن أبي الربيع اللي هو صاحب سلوك المالك في تدبير الممالك يقول، قسم الأخبار إلى ثلاثة أقسام، فذكر أخبار الأنبياء والأولياء رقم واحد، واثنين أخبار الملوك وسياساتهم وذكر الدول والحوادث، وثلاثة أخبار الحكماء والكرماء من الناس، فقدم الأنبياء على الحكام مثلا. ابن الجوزي العالم المشهور يقول: التواريخ وذكر السير راحة للقلب وجلاء للهم وتنبيه للعقل، فإنه إن ذكرت عجائب المخلوقات دلت على عظمة الصانع. هذا أمر لا يقوله المؤرخ غير المسلم. وإن شرحت سيرة حازم علمت حسن التدبير، وإن قصت قصة مفرط خوفت من إهمال الحزم. فيعني ابتدأ الفوائد والنفع بذكر عظمة الله تبارك وتعالى.
طيب حتى ابن خلدون فوائد التاريخ يقول لك إيه: يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياساتهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا. مش أحوال حتى الدنيا والدين، أقصد هذا... طبعا هناك اقتباسات أخرى يعني لا أطيل بها، لكن القصد هنا إنه المسلم وهو يقتدي كان منتبها لمسألة الآخرة ومسألة الأنبياء والأولياء والحكماء قبل انتباهه لمسألة الدنيا. وربما هنا يأتي أيضا فرق ملموس في كتب التاريخ بين المؤرخين المسلمين والمؤرخين غير المسلمين. هناك في كتب التاريخ الغربية يعني يكثر من الاهتمام بالدول وبالجانب السياسي، بالتاريخ السياسي، ويغلب عليها... صحيح. في عند المؤرخين المسلمين يسعون ويهتمون اهتماما خاصا... صحيح. بالعلماء وتراجمهم ومتى وحتى الأدباء وغيرهم.
خليني أولا أنقل لك عبارة في هذا المعنى الذي ذكرت من ابن الأثير. ابن الأثير يقول في فائدة الاعتبار بالتاريخ: وأما الفوائد الأخروية فمنها أن العاقل اللبيب إذا تفكر فيها ورأى تقلب الدنيا بأهلها وتتابع نكباتها إلى أعيان قاطنيها، وأنها سلبت نفوسهم وذخائرهم وأعدمت أصاغرهم وأكابرهم، فلم تبق على جليل ولا حقير ولم يسلم من نكدها غني ولا فقير، زهد فيها وأعرض عنها وأقبل على التزود للآخرة منها، ورغب في دار تنزهت عن هذه الخصائص -يقصد الجنة- وسلم أهلها من هذه النقائص. ومنها -يعني من الفوائد- التخلق بالصبر والتأسي وهما من محاسن الأخلاق، فإن العاقل إذا رأى أن مصاب الدنيا لم يسلم منه نبي مكرم ولا ملك معظم بل ولا أحد من البشر، علم أنه يصيبه ما أصابهم وينوبه ما نابهم. نعم. فأنت تقرأ تاريخا مشبعا بهذا الأفق الروحي والخلقي السامي، ويعني الأمر كثير حقيقة ما أحب أن... هذه ربما إشارات واضحة في فهم أو فوائد فهم التاريخ عند المسلمين، منها كما ذكرتم حفظ الدين وفهم السنن وذكرتم عدة اعتبارات في هذا، وكذلك انتهينا إلى قضية الاعتبار والاقتداء، وهذا يجعل المواضيع التي يهتم بها المؤرخ المسلم تختلف اختلافاً كلياً عن غيره.
دهمنا الوقت. دمنا الوقت الحقيقة. بقي حتى ولو دقيقة. دقيقة بحيث نختم هذا. نعم. قلت إنه من فائدة التاريخ أيضا الانتصار للدين وكيف أن المسلمين استخدموا التاريخ في الانتصار للدين، فمنه بعض الأمور التي يعني آتي بها سريعاً أن التاريخ استدل به المسلمون على صدق القرآن الكريم وصدق النبي لأنه ذكر أحداثا ماضية لا يعرفها أحد بمجرد العقل، وذكر أحداثا مستقبلية. نعم. يعني ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم وهي أمور لا تقع أيضا بمجرد العقل، يعني مثلا انتصار الروم على الفرس، فتح القسطنطينية، زوال كسرى ودولة الفرس، بقاء دولة الروم. كل هذه أمور لا يمكن أن تأتي بها العبقرية، بل هناك من الأمور مستقبلات. نعم. يعني المستقبلات اللي هي إيه؟ لن تقوم الساعة حتى تعود جزيرة العرب مروجا وأنهارا. نعم. فشوف تعود جزيرة العرب لم يثبت إلا حديثا أن جزيرة العرب كان فيها نهرين وكانت مروجا وأنهارا، وأنه التغير المناخي الحالي سيعود بها مروجا وأنهارا. فعلم التاريخ استثمره المسلمون أيضا في الانتصار للدين، في إثبات صدق القرآن.
الكريم في إثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم، حتى في أحداث في ترتيب أحداث، لما الصحابة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تفتح أولاً، قال لهم: «تفتحون أولاً القسطنطينية ورومية»، قالوا: أيهما تفتح أولاً؟ قال: «مدينة هرقل القسطنطينية». وأمور وأخبار لا يتسع لها الوقت.
وهذه كل هذه الإشارات تجعلنا نشغف ونهتم بقراءة هذا الكتاب والاطلاع على تفاصيله الحقيقة، وأيضا تشوق إلى مزيد من هذه الأجزاء من كتاب خلاصة تاريخ الإسلام. ووصلتم فيه إلى كما ذكرتم إلى القرن الرابع، ولا زلتم في استكمال بقية هذه الموسوعة. وبالمناسبة الكتاب متاح للتحميل مجانا، من أراد أن يحمله فعليه به.
لا زلنا معكم أستاذ محمد في استكمال محاور هذا اللقاء واستعراض ما ورد في الكتاب، على الأقل خلاصات، نحن نتحدث الآن خلاصة الخلاصة وليست حتى ما جاء في هذا الكتاب ولا الكتاب نفسه، ليس خلاصة حقيقة هو في ثلاثة مجلدات ولا زال هناك أجزاء أخرى.
في نهاية هذا اللقاء نشكرك شكرا جزيلا الأستاذ محمد الهامي الباحث في التاريخ والحضارة الإسلامية على ما تفضلتم به في هذا اللقاء، ونأمل منكم أيضا الاستمرار معنا في استكمال بقية محاور هذا الكتاب بعون الله عز وجل في لقاءات أخرى. كما نشكركم أيها الإخوة المشاهدون على طيب متابعتكم، وإلى لقاء آخر أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي