الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مرحبًا بكم أيها الإخوة المشاهدون في هذه الحلقة الجديدة من حوارات التناصح.
حين نقرأ تاريخ المسلمين فإننا لا نقرأ مجرد سجل للحروب والدول والخلفاء، بل نقرأ تراثًا علميًا واسعًا نشأ في بيئة جعلت من التثبت في الأخبار وضبط الروايات ومعرفة الرجال جزءًا أصيلًا من بنائها المعرفي. لكن هل كان المسلمون يكتبون التاريخ بالطريقة التي نعرفها اليوم؟ وهل كانت غايتهم تفسير الأحداث والكشف عن قوانين صعود الأمم وسقوطها؟ أم أن لهم تصورًا مختلفًا لوظيفة التاريخ ومنهج تدوينه؟
في كتابه خلاصة تاريخ الإسلام يذهب الكاتب الأستاذ محمد إلهامي إلى أن المدرسة التاريخية الإسلامية نشأت نشأة مستقلة وامتلكت خصائص تميزها عن مناهج التاريخ الحديثة، وأن كثيرًا من الانتقادات الموجهة إلى المؤرخين المسلمين تنشأ من محاكمة تراثهم بمقاييس لم تكن هي المقاييس التي تأسس عليها. فكيف نشأ هذا المنهج؟ وما الذي ميزه؟ وكيف تشكلت العلاقة بين الرواية التاريخية والقرآن والسنة وسائر العلوم الإسلامية؟
هذه الأسئلة نناقشها مع ضيفنا الباحث والمؤرخ الأستاذ محمد الإلهامي. السلام عليكم أستاذ محمد، أهلاً وسهلاً بك.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. حياكم الله يا شيخ عبد الله، يا أهلاً ومرحباً.
أهلاً وسهلاً بك يا أستاذ محمد، ونشكرك على قبول الاستضافة وقدومك للاستوديو أيضاً. دعنا نبدأ بما دونتموه في كتابكم خلاصة تاريخ الإسلام، يعني تذهبون في هذا الكتاب إلى أن علم التاريخ عند المسلمين نشأ نشأة أصيلة استجابة لحاجات المجتمع الإسلامي ولم يكن امتداداً لطرائق المؤرخين السابقين. ما الذي جعل هذه النشأة مختلفة عن التجارب التاريخية لدى الأمم الأخرى؟
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. مرحباً بكم، حياكم الله يا شيخ عبد الله ومرحباً بجمهوركم الكريم وأهل ليبيا الكرام، وأنا الذي أشكركم هذه الفرصة وهذه الاستضافة.
بالنسبة لنشأة التاريخ الإسلامي، حقيقة هو كما أحب أن أذكر في البداية أن هذا الكتاب كتاب خلاصة تاريخ الإسلام وهذا المجلد الأول منه، الذي هو مدخل في علم التاريخ، هو محاولة لتيسير وتبسيط التاريخ للعاملين لهذا الدين. يعني هو ليس كتاباً ندخل به إلى ساحة المنافسة مع المؤرخين والباحثين والمفكرين، وإنما هو محاولة لتقريب هذا العلم الكبير للعاملين، للدعاة، للمصلحين العاملين لهذا الدين.
فبالتالي كان من المشكلات التي يجب أن نناقشها في البداية هي مسألة أن كثيرًا ما يطرح علينا أن كتب التاريخ الإسلامي كتب صعبة وكتب غير مستقرة وكتب غير واضحة، ليست فيها القصة اللي هي البداية والنهاية، وفيها التحليل والتفسير. فهذه المسألة تكون صعبة، بل وجدت بعضًا من الدعاة المسلمين، بل وأهل العلم ممن لم يكونوا متمرسين بهذا الجانب التاريخي يطعن في مصادر تاريخنا الإسلامي وفي المؤرخين المسلمين الأوائل، ويرى أنهم يعني اهتموا بالتفه وتركوا الجليل وحقروا الكبير وصغروا المهم ونحو هذه الأمور. فكانت إحدى الإشكاليات يا مولانا التي كان لا بد أن نعالجها هي لماذا كانت كتب التاريخ الإسلامي على هذا النحو؟ لماذا لا تعد كتب التاريخ الإسلامي كتبًا سهلة وميسرة كالكتب مثلًا التي نقرأها مترجمة عن الغربيين؟ فبالتالي حل هذه الإشكالية يبدأ من فهم معنى التاريخ عند المسلمين.
الآن كلمة التاريخ لما توضع، لما يفهمها القارئ المعاصر أو المشاهد المعاصر، بيتخيل إنه هو هيمسك كتاب تاريخي يقرأ فيه القصة من أولها إلى آخرها محللة ومفسرة، ويجمع المؤرخ بعضها إلى بعض فيتكلم عن التمهيدات والنشأة والبذور، وبعدين يتكلم عن التطور وتطور الأحداث وتفاعل الأحداث ويحلل هذا كله ثم ينتهي مثلاً إلى العبر والعظات. فهذا المعنى حين لا يدخل القارئ المسلم إلى كتب التاريخ الإسلامي المبكرة فلا يجدها فيه، يتصور أنه التاريخ الإسلامي كتبه كانت صعبة ومعقدة بل ولا يفهم لماذا ألفت على هذا النحو. حل هذه الإشكالية يكمن في أن نفهم معنى التاريخ عند المسلمين، ولماذا افترق معنى التاريخ عند المسلمين عن معنى التاريخ عند الغربيين؟
كلمة التاريخ اللي احنا بنقولها دلوقتي دي التي تنشئ هذا التوقع عند القارئ المسلم ليست هي الكلمة ذات نفس المعنى عند المسلمين الأوائل. المسلمون الأوائل كلمة التاريخ بالنسبة لهم تساوي كلمة التسجيل، التدوين، التوثيق، أو بالمعنى المعاصر الأرشفة. فيقتصر عمل المؤرخ على أنه يكتب الأحداث والوقائع، ولا يرى أن من دوره أن يتدخل فيها لا بتعليل ولا بتفسير، ولا يرى أن من دوره حتى أن يستخرج منها العظات والعبر؛ هذا ليس من دور المؤرخ. فلذلك كتبنا في مصادرها التاريخية الأولى هي بمثابة أرشيف للوقائع والحوادث مكتوبة على نهج معين.
يعني من أراد أن يسجل الأحداث فتراه يدونها على الأزمان، يذكر لك في العام الفلاني وقعت كذا وكذا وكذا والعلاني وقعت كذا وكذا والتالي، ويأتي العام التالي فيوصل حدثاً انقطع في العام السابق. لا يهتم أصلاً بأن يكون القصة، هو يهتم بأن يسجل تاريخ الحدث كما وقع، لا يهتم بأن يواصل القصة. فلذلك تجد القصة مقطعة على السنين، ولا يرى المؤرخ المسلم حين سجل هذا أنه بهذا يقطع القصة أبداً؛ هو يرى نفسه قد سجل القصة، يعني هو يوفي معنى التاريخي عنده هو. أو ترى مثلاً كتاباً يكتب صاحبه ليس على نحو السنوات ولكن على نحو المدينة، كان يكتب مثلاً تاريخ نيسابور، تاريخ نيسابور هذا هو يريد أن يتكلم فيه عن العلماء الذين كانوا في نيسابور، فتاريخ نيسابور يساوي العلماء الذين عبروا أو مروا أو أقاموا في نيسابور، فيذكر أسماءهم، أسماء شيوخهم، أسماء تلاميذهم، ولا يزيد عن ذلك شيئاً، ربما ذكر جرحاً أو تعديلاً فيه وربما لم يذكر.
والقصد هاهنا أنه أرجع إلى القول أنه هذا ليس أمراً أكتشفه أنا، وإنما هو أمر أكتشفه من درسوا التاريخ الإسلامي من غير المسلمين، يعني مثلاً من أبرزهم فرانس روزنتال، هذا مؤرخ أمريكي ويهودي مشهور، له كتاب صدر في عام 1952، يعني أكثر من 70 سنة من الآن، اسمه علم التاريخ عند المسلمين، يقول فيه: يجب أن لا نتوقع أن علم التاريخ عند أي أمة من الأمم هو على النحو الذي وصل إليه معنى علم التاريخ عند الغربيين؛ لأنه كل أمة تفرز علم تاريخها على النحو الذي يحقق أغراضها، وتحقيق الأغراض الموافقة للغربيين ليست من مهمات العلوم في بقية الأمم. هذا وإن كان كتاب فرانس روزنتال نفسه فيه هذا المعنى وذاك المعنى، يعني اضطرب فيه في هذا المعنى، ولذلك تقديري أنه فرانس روزنتال اكتشف هذا الأمر وهو يؤلف الكتاب فنص على ذلك في المواضع، ونسي أن يصلح مطاعنه الأخرى في بعض المواضع. فالقصد ها هنا: إذا عرفنا معنى التاريخ عند المسلمين تنحل إشكالات كثيرة جداً في فهم كتبنا.
يا أستاذ محمد، هل هذا يفسر -ولعله من أهم أيضاً المطاعن في التاريخ الإسلامي- كون كتب التاريخ عند المسلمين كثير منها يشمل الصحيح والضعيف وأحياناً حتى الخرافات والخيالات، ليس هناك تمحيص وتدقيق في توثيق الرواية؟
نعم، هو حقيقةً نحن إذا فهمنا هذه الفكرة عن معنى التاريخ عند المسلمين ستنحل عندنا إشكالات، ولكن أهم ما سنجده في أيدينا خمسة أمور أشير إليها إشارة سريعة أو أربعة أمور أقصد نشير إليها إشارة سريعة.
الأمر الأول هو العناية الشديدة بالتوثيق، يعني أنت ترى في كتب المسلمين حرصاً على ذكر الإسناد. هذه في العصور الأولى، بعد ذلك لما انتشر التصنيف ستجد فيها حرصاً على ذكر المصادر التي استقي منها، ومثل هذا لا تجده في أمة أخرى. فالإسناد لدرجة أنه لم يروَ فقط الإسناد في الحديث، بل الشعر مروي بالإسناد، الأدب مروي بالإسناد، حتى الطرائف مروية بالإسناد، حتى إذا فتحت كتاب مثل الأغاني للأصفهاني الأصوات والموسيقى والألحان مروية بالإسناد، كلام الحكمة مروي بالإسناد؛ فالحالة الإسنادية هي معبرة عن حالة من التوثيق المعني به، وهذا أمر لا يوجد في غير هذه الأمة.
حيث وجد الإسناد فامتلأ الجمع، يعني الذي كان يكتب كتابًا في التاريخ ويرى أن مهمته هي الجمع هي الأرشفة، فهذا رجلٌ إذا أسند فقد أخلى مسؤوليته. وكما أظن أني ذكرت مثل هذا قبل ذلك، يعني الآن لو كلفنا أحد الناس أن يجمع أرشيف هذه السنة، سنة 2026 مثلاً من الصحف المصرية أو من المواقع الأمريكية، فهذا الرجل لن يرى أن من مهمته أن يفند الصحيح والضعيف، لا، سيأتي بمصادر الصحافة المصرية: الصحف الموالية للسلطة، والصحف الموالية للمعارضة، والصحف المعنية بالسياسة، والصحف المشهورة بالكذب، ويجعل كل هذا؛ فذلك هو معنى التوثيق والأرشفة عنده. هذا له فوائد ضخمة جداً لكل الأجيال التالية لأنها تطلعهم على حقيقة الروايات التي كانت منتشرة وسائدة.
الإشكال إنه بعض الناس يريد أن يحمل المؤرخين القدامى أو يحمل الجيل القديم ما يحتاجه هو في وقته وفي زمنه، أنه يريد أن يرى تاريخًا مصنفًا ومفصلًا ومفسرًا ومعللًا ومميزًا صحيحه من ضعيفه؛ لأنه هو الآن يريد أن يعرف الخلاصة. هذا ليس شأن العلم، شأن العلم إنه هذه كلها مهمات متعددة قد يقوم بها الواحد وقد لا يقوم بها، قد يقوم بأجزاء منها ويترك الأجزاء الأخرى. فبالتالي القصد هنا: طالما إن كلمة التاريخ عند المسلمين كان معناها الجمع، فبالتالي ظهرت في تراثنا الإسلامي فكرة العناية الشديدة بالتوثيق، وظهرت خاصية أخرى إنه أصلًا المسلمين لم يكونوا يؤلفون في التاريخ بغرض استكشاف سنن التاريخ.
هذا هو الذي يريده الإنسان المعاصر، الإنسان المعاصر الآن يريد أن يقرأ تاريخاً ليفهم منه السنن. طيب، لماذا تسرب هذا الأمر للمعاصرين؟ لأنه الغربيين مدرستهم على هذه الصفة. طيب، لماذا كان الغربيون قد أنتجوا تاريخاً على هذه الصفة؟ الأمر الأهم أنه علم التاريخ في المدرسة الغربية وفي الغرب نشأ في اللحظة التي دخلت فيها أوروبا إلى العلمانية، يعني تركت المسيحية، تركت الإله، افتقدت المعنى، افتقدت الدين، أرادت أن تنخلع منه؛ فصار المؤرخون حين يكتبون يحاولون أن يفهموا من خلال التاريخ معنى السنن، لأنه خلاص هو انقطع عن مصدر ومرجع فوقي يقول له أو يهديه السنن. هو الآن صار يكتشف العالم اكتشافاً مبدئياً، اكتشافاً أولياً، لا يعرف هذا العالم قائم على العدل ولا قائم على الظلم حتى، لا يعرف هذا العالم يسير كيفما اتفق أم يسير وفق قوانين مادية كما هي القوانين المسيطرة على الآلات. فلذلك المدرسة الغربية لما كتبت التاريخ كتبته بغير اهتداء بنور الوحي، فصارت من مهمة المؤرخ أن يحاول أن يفهم من التاريخ القوانين الناظمة للحياة البشرية.
المسلمون لم يكونوا أصلاً يعانون هذه الأزمة، المؤرخ المسلم لم يكن يكتب التاريخ بغرض أن يستكشف منه سنن التاريخ، بل استكشاف سنن التاريخ هذا -وهذه هي العلامة الثالثة- استكشاف سنن التاريخ كانت مهمة الجميع: مهمة المفسر، مهمة شارح الحديث، مهمة الرجل الذي يكتب في التصوف والزهد والرقائق، مهمة الرجل الذي يكتب في السياسة الشرعية وفي نصائح الملوك؛ هؤلاء هم الذين ترى في كتبهم الااهتمام بجمع سنن التاريخ. يعني مثلاً لما تقول: الظلم مؤذن بخراب العمران، أو عاقبة الظلم وخيمة، أو أن الدنيا لا تدوم لأحد، ونحو ذلك من سنن التاريخ -أنا الآن أتكلم في الأمور المشهورة طبعاً- هذه لن تجدها في كتب التاريخ الإسلامي؛ لأنه أصلاً المؤرخ المسلم لم يكن عنده الفراغ في المعنى، لم يكن عنده مجهولية هذه السنن التي يرى أنه يحتاج أن يحلها أو أن يتعرف عليها من خلال قراءة التاريخ أو كتابة التاريخ، هذه تجدها عند أهل هذه العلوم السالفة التي أسلفنا ذكرها.
وكذلك الملمح الرابع الذي يمكن أن نعود إلى التفصيل فيه، أنه معنى التاريخ هذا واقتصاره على مسألة التوثيق جعل قوة تأثير السلطة على المؤرخ المسلم أضعف ما يكون. لأن علم التاريخ أصلاً نشأ عند المسلمين لأغراض أخرى، ليس منها أغراض تثبيت السلطة ولا البحث عن شرعية السلطة ولا دعم السلطة. يعني ديننا الإسلامي أحد أشكال وخصائصه الفريدة أن الدين نشأ قبل الدولة، وأن الدولة نشأت فيه لخدمة الدين وحراسة الدين، بخلاف بقية الأمم التي كانت الدولة سابقة على الدين، والدين نشأ في هذه الدول لكي يخدم الدولة ويثبت شرعيتها.
يعني مثلاً الحالة الغربية هي حالة أن الإمبراطورية الرومانية وجدت ونشأت، ثم اعتنق إمبراطورها النصرانية؛ ولذلك حصل ما يقوله القاضي عبد الجبار: لم تتنصر الروم ولكن تروممت النصرانية، يعني التأثير الروماني الوثني في النصرانية كان أشد من تأثير النصرانية في الدولة الرومانية. طيب، وبالتالي في أفضل حالات المسيحية عبر كل القرون اقتسمت السلطة مع القيصر أو الإمبراطور، أما أنها سادت عليه وحذفتها وتحكمت فيه فهذا ما لم يكن تقريباً، يعني إن كان حصل مثلاً في حوادث شاذة فحصل مرة مرتين مع بابا قوي مع إمبراطور ضعيف. القصد هنا أنه تاريخنا الإسلامي كان تأثير السلطة في تسجيله وتدوينه وتوظيفه أضعف ما يكون، فهذه الملامح العامة التي ترتبت على معنى التاريخ عند المسلمين.
طيب يا أستاذ محمد، ربما الآن في حلقة سابقة ذكرتم أن العلوم الإسلامية نشأت أساساً لخدمة الدين وحفظه، وأن هذا المقصد أنتج منهجاً بالغ الصرامة في ضبط الأخبار ونقدها. كيف أسهم هذا الدفع الديني في بناء المنهج العلمي للتاريخ بدل أن يتحول إلى مجرد وسيلة للانتصار للمعتقد؟
نعم بارك الله فيكم، هذا كلام مهم للغاية. الآن كثير من الذين لا يتابعون مسيرة التاريخ الإسلامي
ولا يفهمون منهج التاريخ الإسلامي كيف كُتب؟ يتصورون أن المسلمين أرادوا أن ينتصروا لدينهم فقاموا بعمليات تلفيق وتزوير للتاريخ لكي ينتصروا لدينهم، كما تفعل أي فكرة أو أيديولوجية أخرى؛ يعني مثلاً كالمركزية، كالشيوعية، كالقوية، يعني أي فكرة أو أيديولوجية أخرى يقوم المؤرخ الذي اعتنقها بمحاولة توظيف وتجهير الأحداث التاريخية لكي ينتصر بها في فكرته، أو لكي ينصر بها معتقده.
فهم يتصورون أن هذا مثل ذلك، وهذا خاطئ تماماً تماماً، بل على العكس؛ لأن المسلمين كانت نشأة التاريخ عندهم جزءاً من الدين، فلذلك كانت خدمة الدين هي الغاية الأعلى والأجل من نشأة التاريخ، فبالتالي أنتج هذا قدراً هائلاً من النشاط العلمي الذي يحاول أن يجمع ويستقصي سائر الأخبار التاريخية المؤثرة في فهم الدين. ونحن المسلمون، بعض ديننا تاريخ، وبعض تاريخنا دين.
لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول برنارد لويس -المستشرق اليهودي الصهيوني المتعصب- إنه المسيحية واليهودية لم ينشئ زعماؤها دولة، مؤسسوها لم ينشئوا دولة؛ يعني سيدنا موسى عليه السلام مات في التيه قبل أن تنشأ دولة لبني إسرائيل، وس سيدنا عيسى عليه السلام وفقاً للرواية النصرانية صلب وقهرته الإمبراطورية الرومانية فلم ينشئ دولة. أما محمد -هذا كلامه هو- فقد أقام دولة وقاد الجيوش وحقق العدل ومارس السياسة، فبالتالي صار جزء من دين المسلمين تاريخاً موجوداً على الأرض.
وبالتالي فالمسلمون حين أرادوا أن يتعرفوا إلى دينهم، قاموا بأوسع وأعلى وأعظم نشاط تاريخي ممكن يحاولون به فهم دينهم، فإذا بذلوا جهداً عظيماً في الاستقصاء، ثم بذلوا جهداً عظيماً مرة أخرى في تنقية هذه الأخبار لكي يسلم لهم دينهم، لا لكي يؤيدوا دولة، ولا لكي يؤيدوا خليفة، ولا لكي ينصروا فكرة معينة، هم لكي يسلم لهم دينهم ولكي يفهموا دينهم على الوجه السليم قاموا بمثل هذا المجهود. هذه النشأة للتاريخ الإسلامي نشأة فريدة، لم يكن مثلها في غير الأمة الإسلامية من الأمم الأخرى. ولذلك سنجد مسألة الإسناد نفسها هي فرع من هذا؛ إنه كل واحد عنده معلومة تتعلق بالتاريخ، هاتوا لنا إسنادكم، حدثونا من حدثكم، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، إن هذا الإسناد من الدين فانظروا عمن تأخذون دينكم. فبالتالي ظهر أسلوب جديد ليس موجوداً عند غيرنا من الأمم، وهو أسلوب كل معلومة نحن نعرف مصدرها، من حدث عن من عن من عن من إلى منتهاها.
طيب، إذا جاءتنا معلومة والإسناد الذي فيها إسناد فيه ضعفاء، إسناد فيه انقطاع، إسناد فيه خلل، فنحن جاءتنا المعلومة وعرفنا وزن هذه المعلومة؛ يعني لا نحن حذفنا هذه المعلومات تماماً وهي في كل الأحوال معلومات مفيدة على الأقل من جهة أننا نكتشف بها الشعور العام الذي كان موجوداً في ذلك الوقت. يعني أضرب المثل بما أقرب به الآن: أنا إذا حدثتك في عصرنا هذا وقلت لك: ذكر الصحفي الفلاني عن العلاني عن الرئيس الفلاني؛ هذا إسناد مظلم، إسناد ساقط، إسناد من الكذابين. فائدة هذه المعلومة أن تسجل وتبقى للأجيال القادمة أن يعرف ماذا قيل في عصرنا هذا؛ لأنه ماذا قيل في هذا العصر يساوي معرفة بظروفه وأوضاعه، وأحياناً يشير ويلقي إضاءات على كثير من الأمور التي اندثرت أو طمست أو لم تعد مفهومة أو مذكورة.
فبالتالي تاريخنا الإسلامي يتميز بأنه أوسع عملية استقصاء، ثم أوسع عملية نقد وتفنيد وتحقيق لهذه المعلومات المستقصاة، فتقريباً كل معلومة عندنا نعرف وزنها. ربما نعود أيضاً إلى معنى التاريخ عند المسلمين، يلاحظ الآن، وقد ذكرت أمثلة أن تاريخ دمشق، تاريخ بغداد -وككما ذكرت للخطيب البغدادي وهو المؤرخ يؤرخ لعلماء من دخل هذه المدينة وبعض الأحداث التي وقعت- وهناك أيضاً حتى معنى آخر، وهو مثل تاريخ الثقات والتاريخ الكبير للبخاري يتعلق بالجرح والتعديل. يعني معنى التاريخ عند المسلمين والمؤرخين الأوائل ربما أوسع من معناه المعاصر.
نعم بارك الله فيكم، هذا ما كنا نعنيه بأنه المؤرخ القديم حينما كان يكتب تاريخاً لم يكن في ذهنه المعنى القائم الآن في ذهن الإنسان المعاصر، فلذلك أنت قد ترى مثلاً كتباً قديمة بعنوان التاريخ، وحين تقرأها لا تجد فيها تاريخاً بالمعنى المعاصر؛ مثلاً كما يقال التاريخ الكبير، يعني كتاب التاريخ الكبير للإمام البخاري. ما هو التاريخ الكبير؟ ليس إلا أسماء رجال عمن أخذوا ومن الذين أخذ عنهم، وأحياناً بعض أشياء رووها أو معلومة كاشفة. هذا الرجل البخاري حين كان يكتب التاريخ الكبير يجب أن نفهم أن معنى التاريخ الذي كان يكتبه هو المعنى الذي يتعلق بالتسجيل والتدوين والتوثيق وفهم وضع الرجال كما هم في تراثنا الإسلامي، فهو كان يكتب لغرض يتغياه هو، وليس هذا الغرض منسجماً مع ما يتصوره المعاصر.
فلذلك أنت ترى مثلاً تاريخ نيسابور، تاريخ بغداد، ما هو تاريخ بغداد؟ حين تقرأ تاريخ بغداد لا ترى مثلاً رجلاً يحكي تاريخ المدينة ومتى نشأت وما مر بها من الأحداث، لا، هو في البداية أعطى نبذة عن نشأتها، ثم طفق طوال الكتاب يعطي معلومات عن العلماء الذين مروا بها وأقاموا بها، من أخذ عنهم؟ من أخذوا عنه؟ ويتكلم في سيرتهم. هذا يعني عنوان تاريخ بغداد لو وضعه مؤرخ معاصر لا يمكن أن يدرج فيه المحتوى الذي وضعه الخطيب البغدادي. كذلك تاريخ دمشق، يعني كتاب تاريخ دمشق ده موسوعة هائلة، موسوعة مطبوعة في ثمانين مجلداً، ثمانين مجلداً. تنظر في تاريخ دمشق، المجلد الأول فقط هو الذي يحكي عن المدينة، لكن بقية المجلدات سائر من مر بدمشق أو أقام فيها من ذوي الحيثية والاعتبار، هؤلاء المشايخ، كل شيخ ماذا روى؟ من أخذ عنه؟ من أخذ عن من؟ فكان فهرساً للرجال الذين يستفاد منهم بالمقام الأول في علم الحديث، ما رووه في علم الحديث، وطبعاً ابن عساكر والخطيب البغدادي كانا من المحدثين المعروفين المشهورين ومن الحفاظ.
القصد هنا إنه لو فهمنا معنى التاريخ عند المسلمين سنفهم لماذا وجدت كتب تحمل اسم التاريخ وليس في محتواها التاريخ كما يفهمه المعاصرون. مثلاً من الأمور الأخرى التي يمكن أن نفهمها أنك ترى بعض العلماء قد ذموا التاريخ، يعني ممن يرد عليهم السخاوي في الشماريخ في علم التاريخ، واحد اسمه أبو عمرو بن المرابط قال: التاريخ هذا علم انقطعت فائدته منذ القرن الرابع أو الثالث. طيب إزاي يا عم التاريخ انقطعت فائدته؟ وهذه مثلاً عبارة لا يفهمها المعاصر، ولكن التاريخ الذي كان يعنيها أبو عمرو بن المرابط هو هذا التجريح والتعديل في الرجال؛ يقول إنه التجريح والتعديل في الرجال خلاص أمر انتهى، لأنه خلاص استقرت السنة، عرفت الأحاديث، عرف الجرح والتعديل للرجال، فما فيش داعي بقى لنا نتكلم ونخوض في أعراض الناس. فكلمة التاريخ الآن عند ابن المرابط هذا غير كلمة التاريخ الموجود الآن.
وكذلك من أهم النتائج المترتبة على مسألة العناية الشديدة بالتوثيق إنه تاريخنا فيه ضعيف، وقد تكون فيه بعض خرافات، بس أنا أرجع وأقول إن الخرافات دي مسندة، لكن مع ذلك عموم الرواية التاريخية الإسلامية منسجمة انسجاماً لا يوجد في غيرنا من الأمم، يعني أنت عند غيرنا من الأمم تجد حالة هائلة من الخرافة، وحالة هائلة من الحيوانات الغريبة ومن الأحداث الأسطورية ومن الأمور الخيالية، ومثل هذا لا يوجد عموماً في تاريخنا الإسلامي لأنه كل شيء جرى التأكد من توثيقه وجمعه، حتى الأمور المنسوبة إلى هؤلاء الخرافيين ومن يحبون المبالغات والتزيد فهي تعتبر منسوبة إليهم ويعرف وزنها وقدرها في مسيرة التراث الإسلامي. فحقيقة مسألة العناية بالتوثيق كما قلنا ينتج عنها عدد من الأمور التي تنفع كثيراً جداً في فهم تراثنا الإسلامي، وفي فهم كيف اختلف ذلك المنهج عن الواقع المعاصر.
أنتم تذكرون أيضاً أن المؤرخين المسلمين -وقد ذكرتموها الآن أشرتم إلى ذلك- لم يجعلوا اكتشاف السنن والقوانين الحاكمة للتاريخ غايتهم الأساسية، بخلاف اتجاهات بارزة الآن في التاريخ الحديث، وخاصة فيما يتعلق بفلسفة التاريخ. السؤال: لماذا لم تكن هذه المهمة في مقدمة اهتمامات المسلمين؟ عرفنا الآن سبب اهتمام الغربيين بهذه السنن ومحاولة اكتشافهم. السؤال: هل يعني ذلك أن المؤرخين المسلمين أهملوا تفسير الأحداث وأسبابها وعدم اهتمامهم بفلسفة التاريخ؟
لا، لا أقول هذا، ولكن الصحيح أن يقال: المؤرخ المسلم لم ير أن هذا ضمن منهجه أصلاً. منهج المؤرخ المسلم الذي يستهدف الجمع والاستقصاء على حسب منهجه بقى، إذا كان سيجمع تاريخ مدينة أو رجالاً مروا بها، أو سيجمع تاريخاً عاماً للأحداث والسنين، لم ير المؤرخ المسلم أنه بحاجة إلى أن يكتب في المعنى والغرض والعبرة أو ما قد يسمى الآن فلسفة التاريخ، بل ولم يكن يرى المؤرخ المسلم أنه حين يسرد الحدث أنه بالضرورة ملزم بالتعليق على خطئه. هذه عبارة مهمة، وبالتالي يعني هذا لأنه مطعن منتشر أريد أن أتكلم: العالم المسلم قبل ألف سنة وقبل ألف ومئتي سنة كان يعرف أن هذه المعلومة التي جمعها قد لا تقبلها العقول، فهو لا يهتم بأن يعلق عليها، وإنما يذكر في بداية الكتاب مثلاً أو في أثناء هذه الحكاية أنه: أنا هنا أكتب تاريخاً، وليس معنى ما أورده ينبغي لي أن أتعلق عليه، فبالتالي أنت ترى العالم المسلم المؤرخ منتبه من البداية إلى حقيقة دوره، بل وترى في مثل هذه الإشارات استدراكاً على ما سيطعن به بعد ألف سنة.
يعني مثلاً لو تسمح لي: الطبري في مقدمة تاريخه يقول: ليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره فيه مما شرطت أني راسمه فيه إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها فيه، اسمع بقى: دون ما أدرك بحجج العقول واستنبط بفكر النفوس. ما فيش تحليل، ما فيش تعليل، ما فيش تفسير، اللي هي: دون ما أدرك بحجج العقول واستنبط بفكر النفوس إلا اليسير القليل منه، إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين وما هو كائن من أنباء الحادثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم إلا بإخبار المخبرين ونقل الناقلين دون الاستخراج بالعقول والاستنباط بفكر النفوس.
يعني بيقول: ليس من مهمة المؤرخ إنه إيه؟ يحلل ويعلل ويتمثل بفكره ويستنبط ويسد الفراغات، وهذا أمر مطرد في كل المدارس التاريخية الأخرى؛ مسألة إن المؤرخ يتوقع أو يملأ الفراغات باجتهاده دي مسألة متعارف عليها ويعني مسلم فيها، لأنه أصلاً ما عندكش تاريخ يروي لك كل القصة كاملة من أولها إلى آخرها، فلذلك المدارس الأخرى أما أباحت للمؤرخ أن يسد الفراغات الموجودة في الرواية التاريخية بما يراه من عقله. مثلاً يعني المسعودي يقول بكل وضوح: وكتابنا هذا إنما هو كتاب نظر وخبر، والـ يعني إيه إنما هو كتاب خبر لا كتاب نظر، هذه الفكرة. يعني مثلاً الشافعي قبل الطبري يقول: لا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه.
والبيروني يقول: إن التاريخ لا سبيل إلى معرفته من جهة الاستدلال بالمعقولات والقياس بما يشاهد من المحسوسات. وذكر أنه لابد أن تتخذ المعلومات المنقولة بالكتب أصلاً، ثم توازن الروايات بعضها ببعض مع الانتباه للعوامل التي تؤثر على الراوي والمؤرخ، وهو هنا يسميها العوارض المردية لأكثر الخلق والأسباب المعمية لصاحبها عن الحق.
فبالتالي القصد هنا إن المؤرخ المسلم لم يكن يرى أن من مهمته التدخل بعقله في الاستنباط وملء الفراغات بما كان من عنده، فلم يكونوا غافلين عن هذا المعنى وإنما هو هذا المعنى الذي جاء عند المعاصرين. فأرجو أن تكون اتضحت هذه الفكرة لأنه في النهاية.
يبقى يا أستاذ محمد -حتى لا يساء الفهم- يعني أنت الآن تتحدث فقط عن مهمة المؤرخين المسلمين وعدم وتفسير عدم توسعهم أو اهتمامهم بتفسير الأحداث وتعليلها، لكن السؤال: هل هذا يدل على إهمال علماء المسلمين في كافة المجالات من العلوم الأخرى غير التاريخ لفهم أسباب سقوط الأمم وصعودها وتعليل الأحداث وفهمها؟
لا يا مولانا، شوف، كما قلنا إنه المؤرخ المسلم لم يكن يؤلف التاريخ بغرض استكشاف السنن الكونية، طيب، السنن الكونية واستكشافها هذه لم تكن مهمة المؤرخ وحده، ربما شارك فيها المؤرخ، لكن هي بالتأكيد عند المفسر، بالتأكيد عند شارح الحديث، بالتأكيد عند الكاتب في السياسة الشرعية، بالتأكيد عند من يربي الناس ويعظهم الذي يعمل على تهذيب أخلاقهم، المجال المعروف بكتب الأخلاق والرقائق والزهد؛ هؤلاء هم الذين تجد عندهم مسألة السنن الكونية واكتشافها وهؤلاء هم الذين يكونون معنيين بهذا.
مثلاً حين تقرأ قصيدة ابن عبدون التي رثى فيها المتوكل بن الأفطس من ملوك الطوائف في الأندلس، التي أولها: الدهر يفجع بعد العين بالأثر، فما البكاء على الأشلاء والصور؟ وبعدها قصيدة أبو البقاء الرندي: لكل شيء إذا ما تم نقصانه، فلا يغر بطيب العيش إنسان. في هاتين القصيدتين مقدمة تاريخية طويلة في معنى أن هذه الدنيا لا تبقى على أحد ولا يدوم على حال، لها شأن يمزق الدهر حتماً كل سابغة، أين القصور التي كانت؟ أين الملوك التي كانت مسلطنة؟ وأشياء كثيرة.
القصد هنا: هذه السنة حين يحتاجها العالم أو المثقف فهو يكتبها في كتاب في باب الرقائق والزهد، يكتبها عند شرح حديث، يكتبها عند شرح آية، يكتبها في.
قصيدة يرثي بها أحدا ولكنها لا من أراد أن يلتمسها لا ينبغي أن يلتمسها في كتب التاريخ الإسلامي، لأن كتب التاريخ الإسلامي هذه لم تكن ألفت أو كتبت بهذا المعنى. لكن فلسفة التاريخ وغايته وعبرته أمر مشترك ذهب فيه سائر الناس، بل أنت ترى كثير من مؤرخينا كانوا يجمعون بين عدد من العلوم المختلفة.
يعني الطبري شيخ المؤرخين هو نفسه شيخ المفسرين، ابن كثير مفسر وهو في نفس الوقت محدث وفقيه، ابن خلدون مؤرخ وفي نفس الوقت هو قاضي وفقيه مالكي، ابن عبد البر محدث ومؤرخ وفقيه على المذهب المالكي، ابن عساكر، ابن الخطيب البغدادي، كل هؤلاء مؤرخين ومحدثين في نفس الوقت. فأنت قد تراه يشير إلى هذه السنة حين يتكلم في حديث أو حين يتكلم في آية أو حين يتكلم في باب فقهي، ولا تراه يشير إليها في مؤلفه التاريخي هو نفسه، لأنه يرى أن هذا علم وأن هذا أمر خارج عن هذا المعنى الذي يتكلم فيه.
تحدثت في بداية هذه الحلقة عن ضعف تأثير السلطة في المؤرخين بسبب أن الدين قائم قبل السلطة، ولكن أيضًا خصصتم مساحة واسعة لمناقشة تأثر السلطة والمصالح الدنيوية في رواية التاريخ الإسلامي. ترون أن أثرها كان أضعف مما قد يتصور البعض بسبب هيمنة القيم الدينية على البيئة العلمية. السؤال: كيف أسهمت هذه البيئة في حماية الرواية التاريخية؟ وما حدود تأثير السلطة والانتماءات السياسية في أخبار المؤرخين؟ علمًا أننا نعلم أن هناك، خاصة في أخبار الفتنة بين علي رضي الله عنه وبين معاوية أيضًا رضي الله عنه، كانت هناك أيضًا نوع من نشر الفضائل لعلي رضي الله عنه، وكان هناك في الشام لهم روايات أخرى أو توجه وانتماء آخر معادي لعلي رضي الله عنه.
بارك الله فيكم. والله هذا الموضوع لو نحن فهمناه فسيوفر علينا كثيرًا من الشبهات التي تتسرب إلى المسلمين. الآن هناك طريقان أو هناك مفترق كبير بين المدرسة الإسلامية وبين المدرسة الغربية في مسألة المؤرخ المتدين، يرى أنه حين يكتب التاريخ فإنه يؤدي واجبه نحو الله تبارك وتعالى، وأنه سيحاسب على هذا الذي كتبه في اليوم الآخر يوم القيامة.
ومؤرخ آخر علماني يعيش في هذه الدنيا، لا يؤمن بالله ولا يؤمن باليوم الآخر. كلا هذين الرجلين إذا كتب تاريخًا، من منهما نتوقع منه أن يكون أمينًا في نقل هذا التاريخ؟ لا شك بالمنطق العقلي البحت أن نتوقع أن هذا الرجل المتدين الذي يرى أنه سيحاسب أمام الله على ما يكتب، هو الذي سيكون أكثر أمانةً وأخلاقًا واتزانًا وإنصافًا في كتابة التاريخ.
هذا المؤرخ الذي لا يحدوه أو لا يخيفه وازع من عذاب الآخرة، هذا الذي نتوقع أنه إنما سيكتبه للمصلحة، سيراعي شبكة المصالح، سيراعي القوى المهيمنة عليه، وبالتالي القوى المهيمنة عليه هذه رأسها السلطة القائمة. فبالتالي سنرى أن هذا الكاتب المؤرخ سيراعي السلطة القائمة، فبأبسط ميزان عقلي لابد أن المؤرخ المتدين سيكون أحرص على العدالة والإنصاف من المؤرخ غير المتدين، المسلم سيكون أحرص عليه من العلماني، المؤرخ المسلم سيكون أبعد عن التأثر بالسلطان من العلماني.
أضف فوق ذلك أمورًا أخرى، أضف فوق ذلك أن علم التاريخ نشأ عند المسلمين لخدمة الدين، وعلم التاريخ نشأ في الغرب مع نشأة الدولة القومية الحديثة التي أرادت أن تستخرج لنفسها هوية وانتماء، فأخرجت الأرشيف وسلطت المؤرخين على هذا الأرشيف لصناعة تاريخ قومي. أضف على هذا أمرًا آخر، أن هذا المؤرخ المسلم إنما كان ينشأ ويتربى وتعلم خارج هيمنة السلطة، ينشأ في الكتاب، ينشأ في المسجد، ينشأ في المدرسة التي تدرس الدين كما جاء وجرى تناقله عن النبي عن صحابته عن التابعين عن سلسلة من أهل العلم، بينما هذا المؤرخ قد نشأ وتربى وتعلم تحت هيمنة الدولة ووفق مناهجها وأفكارها.
لك أن تتخيل في البيئة الإسلامية هذا المؤرخ كان كثيرًا ما يكون جامعًا بين علوم أخرى كالتفسير والحديث والفقه وغيره، وبالتالي بيئته العلمية وكذلك الناس الذين يتلقون منه يتوقعون منه مستوى أخلاقيًا رفيعًا ولا يقبلون منه مستوى أخلاقيًا واطئًا، وإذا ضبط متلبسًا بالكذب فإن هذا يسقط مكانته، بينما المؤرخ العلماني قد يستبيح لنفسه أن يكذب وأن يشرعن الكذب لأن هذا في مصلحة الدولة وهذا ينفع السلطان.
الاقتراب العالم من السلطان في تراثنا الإسلامي كانت تحفه مشكلات، وبعض الناس كان يتورع أن يقترب من السلطان أصلًا، وبعض الناس كان يهجر ويترك حديثه لقربه من السلطان، بينما لا يوجد في المؤرخ في المدرسة الغربية المؤرخ إذا اقترب من السلطان أو كان وزيرًا أو كان مستشارًا أو كان رئيسًا لجامعة أو لا يوجد من يرى أن هذا عيبًا بل الجميع يرى أن هذا من المكانة الرفيعة والجدارة الثقافية التي يحتلها. وبالتالي فأي نظر عقلي بسيط لابد سيحكم على أن التاريخ الذي أنتجته بيئة دينية أخلاقية في الحالة الإسلامية سيكون أكثر إنصافًا واعتدالًا واتزانًا من التاريخ الذي أنتجته مؤرخ علماني في بيئة قومية في الدولة الحديثة، وهو أصلًا يعمل لمصلحة الدولة ويرى أن ربما الكذب مباح في سبيل مصلحة الدولة.
ولذلك سترى وهذا من الطريف العجيب حقيقة أن بعض المستشرقين اندهش من أن مؤرخي البلاط المسلمين، مؤرخي البلاط المسلمين، المؤرخين الرسميين، يقول: كان يعتبر حيادهم سمة مثيرة للدهشة. يعني مرجليوث في كتابه دراسات عن المؤرخين العرب يذكر ذلك حين يتناول المؤرخ الصابي الذي كتب تاريخًا للدولة البويهية، وكذلك بارتولد المؤرخ الروسي المشهور في كتابه تركستان يتكلم عن تاريخ بيهقي.
الفكرة كيف أن حتى المؤرخين الذين كانوا في بلاط السلطان اندهش الغربيون من أنهم لم ينتجوا تاريخًا فيه تجميل لهذه السلطة أو تاريخ لا يستنكف من الإشارة إلى مساوئ هذه السلطة. المثال الذي ذكره ذكرته أنت يا شيخ عبد الله، مسألة علي رضي الله عنه دي هذه مسألة عظيمة جدًا جدًا جدًا ومؤثرة جدًا. نحن المسلمين يعني كما ينقل الإمام ابن حجر في تاريخه أنه لم يروى بالأسانيد الجياد أحاديث في فضل أحد من الصحابة كما روي في فضل علي، يقول: وذلك أنه ربما لما تأخر يعني كان وقته متأخرًا واختلف الناس فيه وخرج من خرج عليه، احتيج إلى نقل الأحاديث في فضله أكثر مما كانت حاجة ذلك في أبي بكر وعمر.
هذا علي الذي هو رأس العلويين، العلويين كانوا مضطهدين في دولة الأمويين ومضطهدين في دولة العباسيين، فلو كان تاريخنا متأثرًا بالسلطة لوجدت الأحاديث في فضل معاوية وفي فضل العباس أكثر من الأحاديث في فضل علي، ولكن هذه حالة تثبت لك أن تاريخنا الإسلامي وتراثنا الإسلامي كان منتصرًا على رغبات السلطة وكان أبعد ما يكون عن هيمنة السلطة. وهذا الرجل الذي هو رأس الفئة المضطهدة في أيام الأمويين وفي أيام العباسيين روي فيه أكثر مما روي في فضل الرجلين اللذين أسسا إمبراطوريتين كبيرتين عظيمتين اللي هما الأموية والعباسية. فهذا مثال واضح على ما كان في تاريخنا الإسلامي من النزاهة.
ذكرتم في الكتاب تعليقًا على الحيادية والموضوعية والفرق بينها بين المسلمين وعند العلمانيين، ذكرتم بأن العلماني المخلص للعلمانية والذي يلتزم لوازمها هو حتمًا بلا أخلاق، فهذا الحكم على المؤرخين العلمانيين عمومًا أنهم ليست لهم حيادية ولا موضوعية.
لا هذا ليس حكمًا على المؤرخين العلمانيين عمومًا، ولكن هو أحد الثغرات الكبيرة في العلمانية والتي أشار إليها علي عزت بيجوفيتش وأشار إليها المسيري، أنه يمكن أن تجد علمانيًا ذا أخلاق، ولكن الأخلاق التي عنده هي حقيقة من بقايا التدين الذي لم يتخل منه؛ لأنه الأخلاق أصلًا ليست مادة علمانية، العلمانية ليست أساسًا يمكن أن يخرج منه شيء اسمه الأخلاق. الأخلاق هي معنى ديني معنى ما ورائي، يعني الإنسان حين يضحي بنفسه من أجل قيمة ما، ما الذي يدفعه إلى هذا في ميزان العلمانية؟ لا يمكن أن تجد أساسًا علمانيًا لهذه التضحية. الإنسان حين يصدق بينما مصلحته المادية في الكذب، لماذا يصدق؟ هذا لا يمكن إلا أن يكون معنى دينيًا. فأنت يمكن أن تجد علمانيًا صاحب أخلاق، ولكن أخلاقه هذه هي من تناقضاته مع العلمانية. ليس القصد هنا أن تفكر أن المؤرخ العلماني أقرب إلى أن يترك الأخلاق من المؤرخ الذي نشأ في بيئة متدينة وأخلاقية.
إذن أشرفنا على نهاية هذه الحلقة وأختم بهذه العبارة اقتباسًا من كتابكم خلاصة تاريخ الإسلام، تقول فيها: ونحن لن ننفي كل أثر للسلطة والعوامل الدنيوية على المؤرخ المسلم، بل على العكس فإنما نحن في الدنيا وإنما هم بشر، ولكننا ننفي أن تكون المدرسة التاريخية الإسلامية في عمومها قد خضعت للسلطة أو عملت في خدمتها.
نشكركم شكرًا جزيلًا الأستاذ الباحث في التاريخ والحضارة الإسلامية محمد إلهامي، نشكرك على ما تفضلت به في هذه الحلقة، كما نشكركم أيها الإخوة المشاهدون على حسن متابعتكم وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودعائعه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي