دخولتسجيل الدخول

لماذا كان المسلمون أنشط الأمم في باب التاريخ؟ وكيف كان تراثهم التاريخي أغزر من غيره؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مرحباً بكم أيها الإخوة المشاهدون في هذه الحلقة الجديدة من حوارات التناصح.

لم يكن التاريخ في التصور الإسلامي مجرد سرد للأحداث وأخبار الأمم، بل كان وسيلة للاعتبار وفهم سنن الله في المجتمعات وأسباب نهوضها وسقوطها. وقدم القرآن الكريم منهجاً في رواية التاريخ يقوم على صدق الخبر واستخلاص العبرة. وجاءت السنة النبوية لتؤكد التثبت من الروايات والتحري في نقلها. فكيف أثر منهج القرآن والسنة في كتابة التاريخ عند المسلمين؟ وما الذي ميز المؤرخين المسلمين في تدوين الأخبار ونقدها وتفسير أحداثها؟ وإلى أي مدى التزموا بهذا المنهج؟ هذه الأسئلة وغيرها نناقشها في حلقتنا اليوم من حوارات التناصح مع ضيفنا الباحث والمؤرخ الأستاذ محمد الهامي. فباسمكم جميعاً نرحب بالأستاذ محمد. السلام عليكم أستاذ محمد. أهلاً وسهلاً بك.

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. حياكم الله يا شيخ عبد الله، بارك الله فيكم. أستاذ محمد، لا زلنا معكم في خلاصة من كتابكم خلاصة تاريخ الإسلام، ووصلنا في هذه الحلقة إلى منهج القرآن والسنة في رواية التاريخ. أنتم تحددون في كتابكم ثلاثة معالم أساسية لمنهج القرآن في رواية التاريخ، أنه تاريخ إنساني وعالمي، وتاريخ للعظة والعبرة، وتاريخ حقيقي. لنبدأ بالمعلم الأول، ماذا يعني أن يكون التاريخ في القرآن تاريخًا إنسانيًا، عالميًا، يتجاوز حدود الأقوام والأجناس والجغرافيا؟

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. حياكم الله يا شيخ عبد الله، ومرحبًا بمشاهديكم الكرام وبأهل ليبيا جميعًا. ذكرنا في الحلقات الماضية أن علم التاريخ الإسلامي نشأ نشأة فريدة أصيلة، فهو نشأ منبثقًا من الدين، وهو كان فرعًا من فروع السنة النبوية. والمؤرخون بشكل عام، أقصد حتى غير المسلمين، يلاحظون أن المؤرخين المسلمين يكادون أن لم يتأثروا بالمؤرخين من قبلهم. يعني منهج المسلمين في كتابة تاريخهم ثمة انقطاع بينهم وبين مناهج المؤرخين السابقين من الأقوام والحضارات والأمم الأخرى.

وبالتالي، حين نحاول أن نفهم ما هو الأساس الذي اننيت عليه وانبثقت منه حركة علم التاريخ الإسلامي، فلن نجد أفضل من القرآن والسنة باعتبارهما المرجعين الكبيرين الأساسيين اللذين حركا كل الحركة العلمية في الأمة الإسلامية ومن بينها حركة علم التاريخ الإسلامي. فإذا ذهبنا نتأمل في القرآن والسنة لكي نفهم كيف روى القرآن الكريم وكيف روى السنة النبوية الأخبار التاريخية، فسنجد أن السنة كانت صورة من صور القرآن وهذا هو الطبيعي أن تكون السنة هي التطبيق العملي لما جاء في القرآن الكريم، فإنما محمد نبي الله وهو المنفذ الأول لما نزل عليه من كتاب الله.

طيب ما هو منهج القرآن في رواية التاريخ؟ حقيقة بعد التأمل نجد أن هذا المنهج يكاد أن يكون مجموعا في قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ﴾ [يوسف: 111]. هذه الآية حقيقة جمعت الملامح الثلاثة المهمة الكبيرة لحركة التاريخ الإسلامي. لقد كان في قصصهم، قصصهم يعني الأنبياء والمرسلين الأنبياء السابقين، هذه الآية جاءت في آخر سورة سيدنا يوسف عليه السلام. هذا قصص الأنبياء، الآن كلمة قصص الأنبياء تفهمنا أن قصص الأنبياء كانت هي العبرة لأولي الألباب: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.

طيب هؤلاء الأنبياء ليسوا فقط أنبياء من العرب، ليسوا فقط أنبياء في الجزيرة العربية، ليسوا فقط مختصين بقوم أو بعرق أو بجنس أو بلون، هؤلاء الأنبياء الذين هم قدوة للبشرية، فلذلك أول خصائص حركة التاريخ الإسلامي أنها كانت حركة التاريخ الإنساني العالمي. يعرف المهتمون بالبحث التاريخي أن من أشد العيوب التي أثرت على الرواية التاريخية في المدرسة الغربية هو انطلاقتها من ما يسمى المركزية الغربية، يعني الغربيون وهم يكتبون في تاريخ العالم حقيقة كانوا يتحركون باعتبار أن الغرب هو مركز الكون، هو المبتدأ وهو المنتهى وما حوله من أحداث أخرى إنما هي بمثابة الأحداث الهامشية.

يعني قبل عقود، ربما خمسة عقود أو ستة عقود فقط بدأت محاولات المدرسة التاريخية الغربية لكي تتخلص من هيمنة المركزية الغربية وتروي تاريخ بقية الأمم باعتبارهم قد ساهموا مساهمة حقيقية وفعالة في تاريخ العالم وأن تاريخ العالم لا يساوي التاريخ الغربي. القصد هنا أن المسلمين كانوا منفلتين أو كانوا معصومين من هذا العيب لأن أصل القرآن الذي نزل إليهم كان ينزع هذه الصفة عنهم، صفة أن الأمر متعلق بالعرب أو بالجزيرة العربية، لا، من البداية وهم يعرفون أنهم أمة هي خاتم الأمم التي كلفها الله تبارك وتعالى بحمل الرسالة وأن نبيهم صلى الله عليه وسلم وإن كان عربيا إلا أنه خاتم الأنبياء والمرسلين.

يعني في الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كرجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة، فكان الناس يمرون ويقولون: لولا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا تلكم اللبنة وأنا خاتم النبيين». فها هنا المسلمون من بداية انبعاثهم في هذه الدنيا ومن بداية الحركة العلمية التاريخية كانوا يعرفون أن المسألة ليست مركزية متعلقة لا بالعرب ولا بالجزيرة العربية وإنما الأنبياء هم القدوات وهم الشخصيات المهمة في التاريخ وهم أهم الشخصيات الموجودة في التاريخ التي ينبغي أن يقتدى بها، وما نبيهم صلى الله عليه وسلم إلا حلقة خاتمة في هذا الموكب الطويل.

فبالتالي المسلمون منذ أن كتبوا، كتبوا تاريخا عالميا، تاريخا منفلتا من أي مركزية عنصرية أو عرقية. فمثلا تجد بداية من المسعودي والطبري، الدينوري في الأخبار الطوال، مسكويه في تجارب الأمم، ابن الجوزي في المنتظم، ابن كثير في البداية والنهاية، ابن الأثير في الكامل في التاريخ، ابن قتيبة في المعارف. المصادر التاريخية الأساسية كانت تبدأ من آدم عليه السلام وتتناول تاريخ الأنبياء باعتبارهم الشخصيات المهمة في البشرية، ثم تقترب كلما اقتربت من عصر الإسلام بدأت المعلومات تكون أكثر وأوضح، فيتكلمون عن ملوك الفرس وملوك الروم ومن كان منهم أقرب إلى مناطق الهند والصين، فتكلم عن ذلك أيضا.

الخلاصة ها هنا أن التاريخ الإسلامي من البداية كان تاريخا عالميا، وهذا ما انعكس وانطبع في مؤلفات العلماء المسلمين. وأقصد أيضا انعكس وانطبع في السنة، يعني يجب أن نقول إن منهج القرآن كان موجودا في السنة وكان موجودا كذلك في الحركة العلمية للتاريخ الإسلامي. طيب، الملمح الثاني، قلنا الملمح الأول أنه كان تاريخا إنسانيا عالميا، الملمح الثاني أنه كان تاريخا حقيقيا، يعني ما كان حديثا يفترى. وهذا هو الأمر الذي جعل المسلمين، يعني جعل أولا القرآن الكريم يؤكد على أن هذه القصص قصص حقيقية: ما كان حديثا يفترى، ويشتد في النكير على من يقول أساطير الأولين، ويشتد في النكير على من لم يصدقها.

لا، القرآن الكريم يؤكد من البداية على أنه هذا تاريخ حقيقي، وأنه القدوة لا تكون إلا بأمور حقيقية، وأنه المعنى والعظة والعبرة لا تتعلق إلا بأمور حقيقية. وهذا من شأنه أنه جعل المسلمين يهتمون بتصفية الحقائق وتخليتها عن الأساطير، يعني مثلا أنت يمكن أن ترى في قصص إسرائيليات تقرأ قصة جميلة وتقرأ موعظة جميلة، ويتمنى ربما أحيانا الداعية أن لو كانت هذه القصة صحيحة، لأنه المعنى فيها جميل، مسبوكة سبكا جميلا، ومع ذلك لا يتهاون المؤرخون والمحدثون في تصديقها ولا يسمحون لجمالها أنه يكون مبررا ومسوغا لقبولها، حتى لو كان المعنى الذي فيها صحيحا.

يعني تذكر كان أحد الملحدين أو أحد الضلال المعاصرين له عبارة مشهورة، كتب حديثا فواحد علق عليه قال له هذا الحديث ضعيف، قال له الأحاديث الرائعة لا تحتاج إلى إسناد. تمام، فالفكرة هاهنا أن المسلمون لم يسمحوا بتسرب أمور غير حقيقية في أبواب الوعظ وفي أبواب الاقتداء والعبرة إلا مع الإشارة إلى ضعفها إن كانت حديثا. لذلك كل هذا العمل التمحيصي الذي صدر عن المؤرخين المسلمين كان محاولة لفصل الخرافة والأساطير والكلام الضعيف والمنحول عن الحقائق التي ينبغي أن يقتدى بها ويتعلق بها وتستنبط منها الأحكام.

أما الملمح الثالث فهو العبرة، العبرة والعظة، أن مسألة التاريخ حقيقة ليست مسألة للتسلية، ليست مسألة للاستئناس، ليست مسألة لملء المجالس وللسمر، وإنما هي يقبع فيها سنن هذا الكون وسنن هذه الحياة، وبالتالي فلا بد لمن يقرأ هذه القصص أن يتأمل فيها وأن يتعظ منها وأن يقتدي بأهل الخير من أهلها وأن يتجنب سلوك الشر من أهل الشر فيها. وها هنا ترى أن القرآن الكريم عادته في أن يأتي بالقصص التاريخية أنه إما أن يسبق بمعنى العظة والعبرة المستنبط منها، وإما أن يجعل العظة والعبرة في ثناياها، وإما أن يجعل العظة والعبرة في آخرها، وأحيانا يجعل العظة والعبرة أولها وآخرها أيضا في نفس الوقت.

يعني مثلا كما في سورة القصص في قول الله تعالى: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: 3-6]. الآن شوف السنة في البداية أهي، ثم بدأت قصة سيدنا موسى منذ أن كان في بطن أمه أو منذ أن ولدته أمه. أحيانا ترى ما بعد ذلك، كما مثلا في آخر سورة هود بعد جملة من قصص الأنبياء يذكر ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123] إلى آخر الآيات. أحيانا في وسط هذه الآيات، أحيانا قبل وبعد، مما يعرفه الذين يداومون على قراءة القرآن الكريم.

الخلاصة أن القصص المذكورة في القرآن الكريم في عرضه للتاريخ كان المعنى منها هو العظة والعبرة، وكذلك ظهر هذا في السنة النبوية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يحدث أصحابه حديثاً إلا ويسبق أو يتلوه أو يطعمه بالعظة والعبرة المأخوذة منه، وهذا أيضاً منثور ومذكور في السنة النبوية. فالخلاصة ها هنا أن علم التاريخ أو التاريخ كما جاء في القرآن والسنة وكما تلقفه المسلمون بعد ذلك وتأثروا به كان يحتوي هذه العلامات الثلاث أنه ليس فيه عنصرية ولا مركزية عربية، بل كان تاريخاً إنسانياً عالمياً، كان تاريخاً من أجل العظة والعبرة ولم يكن لأجل التسلية، وهذا مضطرد تماماً تقرأه في بدايات كتب المؤرخين وفي خواتيمها مسألة الإشارة إلى ما في التاريخ من عظة وعبرة واعتبار واقتداء وأنه كان حقيقياً وتبذل الجهود لكي تخلى بين الحقائق الواردة وبين الأمور الضعيفة والمنحولة.

طيب أستاذ محمد، الآن التاريخ كما ذكرت، التاريخ الذي يرويه القرآن تاريخ حقيقي وليس مجرد أمثال رمزية، والسنة النبوية تؤكد هذا المنهج وتفصل جوانب منه. السؤال: ما أهمية حقيقة الوقائع التاريخية في الاستدلال والعبرة؟ وكيف وسعت السنة النبوية المادة التاريخية التي عرضها القرآن؟

هو العلماء يذكرون أصلاً في العلاقة بين القرآن والسنة يذكرون أن السنة جاءت على أربعة أوجه، أو العلاقة بين القرآن والسنة على أربعة أوجه. الوجه الأول أن تكون مقررة ومؤكدة لما جاء في القرآن الكريم. الوجه الثاني أن تأتي بما يخصص عام القرآن أو يقيد مطلق القرآن. الأمر الثالث أن تزيد في تفصيل ما جاء في القرآن الكريم وفي تفسيره. والأمر الرابع أن تأتي بما لم يأتي في القرآن الكريم.

فإذاً ثمة أربعة أوجه في هذا الباب، التقرير والتأكيد، التفصيل والبسط والتخصيص والتقييد وأن تأتي بما لم يرد في القرآن الكريم. هذه هي الأربعة أوجه. الآن نحن لو أخذنا كل وجه من هذه الوجوه فسنجدها حاضرة في السنة النبوية، يعني نجد في السنة النبوية مثلاً تفصيل ما أجمله القرآن، يعني قصة أصحاب الأخدود، الحديث الطويل المشهور فيها. هذه القصة جاءت في القرآن الكريم مجملة في سورة البروج بينما جاءت في السنة مفصلة. وجاء مثلاً في تخصيص أو في تقييد ما أطلق في القرآن الكريم هذا أيضاً حاضر وواضح. يعني الأمثلة ها هنا أمثلة أخشى أن يطول بها المقام. لكن القصد أن السنة النبوية كانت أول تطبيق لمنهج القرآن الكريم، ثم كان المسلمون بعد ذلك منطبعة فيهم هذه السمات التي جاءت في القرآن وفي السنة من التعامل مع المادة التاريخية.

طيب، هنا لم تبق العناية بالتاريخ محصورة في كتب الأخبار والحوادث، بل امتدت إلى فروع عديدة من العلوم الإسلامية. كيف نفهم حجم هذا النشاط التاريخي وتنوعه عند المسلمين؟

شوف يا مولانا، طبعًا هذا باب يصعب أصلاً استقصاؤه، باب كيف كان نشاط المسلمين في علم التاريخ. فأذكر أن هذا باب يصعب استقصاؤه من عدد من الجهات، ولكن أنا اكتفيت في هذا الكتاب بذكر عشرة من العلوم الأخرى التي نشطت البحث في المجال التاريخي. يعني مثلاً أولاً القرآن الكريم، القرآن الكريم إذا قلنا إن ثلث القرآن الكريم تاريخ وقصص الأنبياء، فبالتالي المتعرض للقرآن الكريم من التفسير ومن علوم القرآن هو مضطر إلى أن يكون صاحب علم بالمادة التاريخية. يعني القصد هنا أن كل المندفعين إلى فهم كتاب الله تبارك وتعالى وفهم تفسيره هؤلاء لابد أن تكون عندهم معلومات تاريخية لأن القرآن ثلثه تاريخ.

فالآن دعك من النشاط الذي فجره القرآن الكريم في المسلمين في البحث عن التفاصيل المجملة، يعني القرآن الكريم ذكر قصص الأنبياء وذكر بعض القصص ليست المتعلقة بالأنبياء وإنما متعلقة بأمور أخرى، مثلاً كأصحاب الكهف كالرجل الذي آتيناه آياتنا فانطلق منها ونحو هذه الأمور. كل هذه

طفق المسلمون يجمعون أنباءها، سواء من أهل الكتاب من قبلهم أو باستقصاء الآثار التي كانت موجودة ومتاحة؛ مثلًا ديار ثمود ديار عاد. كل ما جاء في القرآن الكريم أطلق حالة من البحث العلمي لمحاولة فهم آيات القرآن الكريم على أفضل وجه ممكن. فهذه حركة تاريخية فجرها القرآن الكريم.

ولكن فوق ذلك، فإن الذي يتعامل مع القرآن الكريم أيضًا لا بد له من علم بالتاريخ لكي يفهم القرآن نفسه، بغض النظر عن الأخبار التاريخية. الآن لا يمكن أن تفهم الناسخ والمنسوخ إلا إذا كنت فاهمًا لتاريخ جرى في السنة النبوية، فتعرف ما الآية المتقدمة وما الآية المتأخرة، ما الذي كان ناسخًا وما الذي كان منسوخًا. وهذا الناسخ متى نزل؟ وهذا المنسوخ متى كان؟ آيات الخمر مثلًا، الخمر كما نعرف جميعًا كان هناك تدرج في تحريمها. متى حرمت الخمر؟ في أي وقت؟ فلا بد ها هنا من علم متى حرمت، وحرم زواج المتعة مثلًا، أو أبيحت الحمر الأهلية.

فها هنا أمور الناظر فيها في القرآن الكريم مضطر ليفهمها من أن يكون عنده حصيلة من علم التاريخ. آيات لا يمكن أن تفهمها على وجهها إلا إذا فهمت أسباب النزول، وأسباب النزول يساوي فهم وقائع تاريخية. فبالتالي الذين اندفعوا لفهم القرآن الكريم وحرصوا على ذلك اضطروا أن يكون عندهم علم بالتاريخ الذي نزل فيه القرآن الكريم.

فإذًا القرآن الكريم فتح لنا عدة جبهات، أوسعها وأكبرها ما جاء من قصص الأنبياء. وأضيق منها قليلًا ما جاء في أسباب النزول والناسخ والمنسوخ والأمور التي يفهم بها. ثم بعد ذلك باب آخر سيظل مفتوحًا وهو قول ربنا تبارك وتعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا﴾ [العنكبوت: 20]. هذه تبنى عليها بحوث أثرية وتاريخية كبيرة، وهناك بعض الكتب بالفعل التي فيها مجهود متميز في محاولة تتبع القرآن الكريم وتنزيله على الأحداث التاريخية، مما أذكره منها الآن كتاب للدكتور سامي عمري الوجود التاريخي للأنبياء، وكتاب شبهات تاريخية حول القرآن الكريم، وقبله كتاب من أربعة مجلدات للدكتور محمد بيومي مهران عن قصص الأنبياء كما جاءت في القرآن الكريم، وكذلك كتاب من ستة مجلدات عما جاء في القرآن الكريم. القصد أنه هناك حالة من الباحثين في التاريخ والآثار إنما كانت غايتهم فهم ما كان في القرآن الكريم في ضوء ما بقي موجودًا من تراث الأمم وأطلالها. هذا رقم واحد، اللي هو القرآن الكريم وعلومه.

رقم اثنين: السنة النبوية. أيضًا الحاجة إلى فهم القرآن اضطرت المسلمين أيضًا إلى فهم أحوال العرب وتاريخهم وعاداتهم وتقاليدهم لفهم لغة القرآن. صحيح، وهذا فاتني فعلًا، أن فهم أحوال العرب الذين نزل القرآن بلغتهم إنما كان جزءًا أيضًا من فهم القرآن، ولكن أتصور أن هذا سيأتي حين نتكلم عن لغة القرآن الكريم.

أظن أنني وضعتها هنا أنه بالفعل مسألة لغة القرآن الكريم التي نزلت على العرب، لغة القرآن الكريم التي هي اللغة العربية التي نزلت بلغة العرب، هذا جعل كثيرًا من الناس يحاول فهم هذه اللغة من خلال تقصي أحوال العرب وأخبارهم، وأحوال العرب وأخبارهم موجودة في أشعارهم، لدرجة أن الجاحظ مثلاً ينقل عن قول أحد علماء اللغة أنه لولا شعر الفرزدق لذهبت نصف أخبار العرب، لأن العرب كانوا يحفظون الأحداث بالأشعار. وبالمناسبة ظل هذا موجودًا إلى وقت قريب جدًا، يعني أنا أتذكر من الكتب التي يمكن أن نسميها كتب حديثة، يعني مثل كتاب نعوم شقير، وهو تاريخ سيناء، كتاب جميل كان يقول إنه لما ذهب إلى سيناء هو نعوم شقير هذا كان رجلًا طبعًا نصرانيًا لبنانيًا، وكان يعمل في جهاز المخابرات المصري زمن الاحتلال الإنجليزي، وله كتابان مهمان: كتاب في تاريخ سيناء وكتاب في تاريخ السودان.

القصد الآن في تاريخ سيناء يقول إنه من الأمور التي كانت تعثر عليّ جدًا أن أجد تاريخًا لسيناء؛ لأنه ما فيش حاجة مكتوبة، وهؤلاء القوم أصلًا يتخوفون من الحكومة ولا يعطون المعلومات بسهولة لمبعوث الحكومة فيرون فيه حذرًا، ولكني وجدت أنهم يحفظون أشعارهم، وأشعارهم هذه تخلد ما كان بينهم من الأخبار وما كان بينهم من المعارك، وفيها معالم لما كان معالم جغرافية في سيناء. القصد أنه ظل العرب إلى وقت قريب جدًا تخلد أخبارهم بأشعارهم، فمن أراد فهم القرآن الكريم كان عليه أن يفهم ألفاظ العرب، وكان عليه بعد ذلك أن يعرف أشعار العرب، فكل هذا مما نشط حركة التاريخ والمعرفة بأحوال العرب قبل الإسلام وفي زمن الإسلام. فنعم، هذا القرآن الكريم فتح لنا هذه الأبواب وفي كل منها انطلقت جهود تاريخية.

أنتم الآن تستعرضون عشرة مجالات علمية ومعرفية أسهمت في نشأة الدراسات التاريخية وتوسعها، من علوم القرآن وسنأتي أيضًا الكلام حول السيرة والحديث إلى الطبقات والتراجم والأنساب والفقه والجغرافيا والسياسة. وتبينون الآن كيف أصبح التاريخ مادة مشتركة عند المسلمين في هذه العلوم، وما الذي تكشفه عن مكانته في الحضارة الإسلامية؟

نعم، بارك الله فيكم على هذا الربط. وهذا يعني يجعلني أذكر بأنه الأمة الإسلامية في باب التاريخ كانت من أنشط الأمم في التاريخ. وما تركته الأمة الإسلامية من تراث تاريخي هو أوسع من أي تراث تركته أمة أخرى في باب التاريخ. وهذا كلام يستوي في القول به المؤرخون العرب والمسلمون وكذلك المؤرخون غير العرب وغير المسلمين؛ مسألة إنتاج الأمة الإسلامية التاريخي إنتاج كبير.

لما جاءوا يحاولون فهم لماذا كانت هذه الأمة أنشط الأمم في باب التاريخ؟ فوجدوا أن هناك دوافع دينية. دوافع دينية نشطت مجالات البحث التاريخي. يعني المسلمين عندهم كتاب اسمه القرآن الكريم، هذا القرآن الكريم حافل بمادة تاريخية، وخدمة علوم هذا الكتاب تضطر الباحثين فيها إلى خدمة مادة تاريخية، فبالتالي إذن القرآن الكريم أعطى دفقة هائلة لمجالات البحث التاريخي.

فعدد من العلوم التي هي في أصلها ديني أو يمثل حاجة دينية، اضطرت المسلمين إلى أن يكونوا أصحاب حصيلة تاريخية قوية لكي يخدموا هذه العلوم. هذا الذي نتحرك فيه الآن، وذكرت أن هذه العلوم كثيرة والأبواب كثيرة ولكن اكتفيت منها في هذا الكتاب بعشرة فقط، منها القرآن الكريم كما ذكرنا. العلم الثاني وهو علم السيرة وعلوم السنة؛ لأنه النبي صلى الله عليه وسلم تتبع أخباره وأحواله وتدوين هذه الأمور كان طبعًا عملًا في صميم البحث التاريخي. وطبعًا نبينا صلى الله عليه وسلم لأنه قدوة: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، «خذوا عني مناسككم»، «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي»، يعني كان هناك دافع ديني يدفع المسلمين إلى تتبع أمر النبي صلى الله عليه وسلم.

وبالتالي انطلقت حركة تاريخية كبيرة لتوثيق كل ما يمكن توثيقه من شأن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني مثلاً أنت لن تجد أبداً في تاريخ زعيم من الزعماء ولا حتى مؤسس دين من الأديان ككتب كالتي كتبت في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، يعني مثلاً أنت عندك كتاب إمتاع الأسماع للمقريزي، إمتاع الأسماع بما للنبي صلى الله عليه وسلم من الأولاد والحفدة والمتاع، هذا كتاب مطبوع في 15 مجلدًا. كتاب زي سبل الهدى والرشاد للصالح الشامي مطبوع في اثني عشر مجلدًا.

فهذا وتفتح هذه الكتب ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم تاريخه وأيامه ودوابه وأبنائه وزوجاته وحتى من كان يقف حارساً على بابه ومن كان يخدمه. سبل الهدى والرشاد للصالح الشامي، هذا قديم يا مولانا، الصادق العرزون له كتاب محمد رسول الله في أربعة مجلدات، نعم، ولم يتمه لأنه الجزء المتعلق باليهود مات قبل أن يتمه.

فالخلاصة يا مولانا أنه لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم اندفعت هذه العقول والمجهودات لتتبع تراثه صلى الله عليه وسلم وسيرته، كان سيكون مثل أي شخصية في صحراء المشرق والمغرب التي سرعان ما ينقرض أمرها. لكن الخلاصة ها هنا أنه حتى السنة النبوية، فضلاً عن تتبع ما عند النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار والتاريخ، حتى السنة النبوية فيها أيضاً الناسخ والمنسوخ، وفيها أيضاً الأسباب التي ورد فيها الحديث أو قيل فيها هذا الحديث. ولذلك سترى هذه الخاصية الموجودة عند المسلمين من أن أكثر المؤرخين في صدر الإسلام لم يكونوا مجرد مؤرخين، وإنما جمعوا مع ذلك أنهم كانوا علماء.

كـ عندك الخطيب البغدادي وابن عساكر وابن كثير والذهبي وابن حجر العسقلاني، كل هؤلاء كانوا مميزين في الحديث وهم كذلك كانوا مؤرخين. فهذا الجمع بين الوظيفتين، طبعاً قبل ذلك ابن الجوزي وإن كان ابن الجوزي أهل الحديث يتكلمون في دنو مرتبته في مسألة الحديث. الخلاصة ها هنا أن المؤرخين في تراثنا الإسلامي لم يكونوا مؤرخين فحسب، وإنما نمت حاسّتهم التاريخية والتحقيقية والاستقصائية من خلال خدمتهم لتراث النبي صلى الله عليه وسلم.

وأيضاً استمر هذا حتى الاهتمام بسيرة الخلفاء الراشدين، لأنه مما هو مشهور ويروى عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص أنه كان يذكر أنهم كانوا يعلمون هذه مغازي النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون لهم هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوها. علي بن زين العابدين قال: كنا نعلم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن.

طيب، هذه السنة النبوية. كذلك ندخل إلى ما بعدها من العلوم التي اهتم المسلمون بها، وهي ما جاء عن الخلفاء الراشدين؛ لأن الخلفاء الراشدين لهم خصوصية أخرى في مسألة أن فترة حكمهم فترة تشريعية. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». فكان المسلمون محتاجين إلى تتبع كل ما يمكن أن يتتبعوه من سنة الخلفاء الراشدين لكي ينفذوه، فهو جزء من التشريع؛ يعني مش بس في مسائل الإدارة الداخلية، بل حتى في مسائل التعامل مع الأقوام المفتوحة.

لأنه في عهد الخلفاء الراشدين حصلت الأحداث التي لم تحصل عند النبي صلى الله عليه وسلم، كحرب المرتدين التي قام بها أبو بكر، وكفتح البلاد. وفتح البلاد هذه كان فيها فتح لبلاد يحكمها أهل كتاب، وهناك فتح لبلاد يحكمها وثنيون كالفرس، كان فيها مجوس لم يكونوا أهل كتاب. فكانت السيرة فيهم سيرة عمر، ثم زمان عثمان وعلي رضي الله عنهما، وما كان فيهما من أحاديث الفتن ووجود حركات معارضة، سواء معارضة سلمية أو معارضة مسلحة خرجت على الإمام الشرعي بتأويل سائغ أو بتأويل غير سائغ.

كل هذه الأخبار كان يحتاج إليها المسلمون في فهم كيف تكون السيرة في التعامل مع البغاة وفي التعامل مع البلاد المفتوحة وفي أخذ الجزية وفي تقسيم الخراج وفي تدوين الدواوين، فاحتاج المسلمون إلى أن يعرفوا تفاصيل هذا التاريخ لكي يدونوه لكي يطبقوه وينفذوه.

العلم الرابع مثلاً: ما جاء في الطبقات والتراجم. وأهم هذه الطبقات هي طبقة صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه أيضاً الصحابة لهم مقام مخصوص باعتبارهم أصحاب فضل وقد رضي الله عنهم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم وأمر بحبهم. والصحابة هم قدوات المسلمين الذين ظل كلامهم وظلت أفعالهم تمثل النموذج الأعلى للمسلمين لكي يستشهدوا به في حياتهم. فلذلك بدأت حالة ضخمة من الحديث عن كتب الطبقات والتراجم التي تؤرخ للشخصيات الإسلامية المرموقة. بدأت بطبقة الصحابة ثم التابعين وتابعي التابعين، ثم انسدلت من هذا العلم طبقات كل شيء.

يعني طبقات الفقهاء، طبقات الشعراء، طبقات النحاة، طبقات الأدباء، طبقات اللغويين. كل وحتى داخل المذاهب: طبقات الأحناف، طبقات الشافعية، طبقات الحنابلة، طبقات الممالكية. أبواب التأليف في التاريخ الإسلامي قاطبة، هذه أوسع أبواب التاريخ الإسلامي قاطبة، مسألة التراجم. بل بلغ فيها المسلمون حد أنهم ترجموا للبنائين والمزخرفين والفلكيين والمنجمين ويعني أشياء دقيقة ولطيفة جداً ألفت فيها كتب. وهذا الباب يشهد حتى المؤرخون من غير المسلمين بأن هذا الباب هو أوسع ما أنتجه المسلمين في الأبواب.

طيب، ندخل إلى أمر آخر وهو العناية بالأنساب. يعني علم الأنساب هذا كان من العلوم التي نشطت البحث التاريخي، ليس فقط لأن المسلمين نشأوا في البيئة العربية التي تعتني بأنسابها، بل لأن تكون الحياة الإسلامية وطريقة تنظيم الإسلام للمجتمع استفاد الإسلام من العصبية القبلية. فبالتالي النبي صلى الله عليه وسلم حينما أقطع أرض المدينة، فإنما أقطعها للصحابة على هيئة القبائل والأنساب. الجيوش الإسلامية التي كانت تتحرك كانت تتحرك وكتائبها من القبائل. الجيوش التي فتحت البلاد الإسلامية فيما بعد تحركت على هيئة القبائل. عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما أنشأ الدواوين لتوزيع الأموال، أنشأ الديوان على هيئة القبائل.

الإسلام أراد أن يستفيد بالعصبة القبلية لكي لا يسهل استبداد الحكام بالناس. فكانت مسألة الأنساب مسألة واقعة والإسلام استفاد منها واستثمرها، وكان من الضروري لمن يحكم هذه الأمة الإسلامية المترامية أن يكون على معرفة بخريطة أنسابها. ثم بعد ذلك حين فتح المسلمون البلاد وبدأ يدخل الأقوام في دين الله، كان دخول هؤلاء الأقوام نوعاً من الدخول أيضاً في ظل أو ولاية.

بعض القبائل، فهنا نشأت طبقة الموالي. لأنه هذا التقسيم نفسه جعل نوعا من حماية البلاد المفتوحة ومن إدارة شأنها ومن منع وقوع التظالم فيها، أن تكون القبائل الأصيلة قد أدخلت إلى ولايتها أو انتمى إليها بالولاء بعض من كان من هذه الديار المفتوحة. فكان الحاكم، وكان الوزير، وكانت إدارة الدولة مهتمة بأن يكون صاحب هذا الأمر على علم بالأنساب؛ لأنه هذه الأنساب كانت طبيعة اجتماعية وحقيقة تختلط فيها السياسة بالاجتماع بالأمور الحربية. وكان هذا طوال تاريخ صدر الإسلام حتى فيما بعد، يعني نستطيع أن نقول بقى في زمان المعتصم أو ما قبله بقليل حين بدأت تنشأ الجيوش المحترفة ويخرج العرب من الديوان.

الفقه، علم الفقه الذي هو بممثابة القانون الإسلامي وبمثابة التشريع الإسلامي، كان الفقيه مضطرا إلى أن تكون عنده حصيلة تاريخية وإلا لم يستقم له أمر الفقه. وإذا تأملنا في هذا الباب يمكن أن نتكلم في ثلاث مستويات كان الفقيه فيها بحاجة إلى خبرة بالتاريخ. المستوى الأول، وهو أدنى المستويات، أن يكون الفقيه عارفا بتاريخ التشريع؛ لأنه لا بد له من معرفة الناسخ والمنسوخ، ولا بد له من معرفة المطلق والمقيد. فبالتالي الفقيه محتاج إلى أن يعرف الأحداث التاريخية وما رافقها من الأمور الفقهية لكي يستقيم له عمله الفقهي؛ أسباب النزول، أسباب ورود أحاديث الأحكام، الناسخ والمنسوخ، ما هو المتقدم وما هو المتأخر، متى ظهرت الانحرافات والبدع، يعني هذا كله يحتاجه، كيف عامل المسلمون الشعوب المفتوحة، كيف أخذوا منهم الجزية، وكيف أخذ الخراج، وكيف جمعت الزكاة. كل هذا الفقيه كان مضطرا أن يكون عنده علم بالتاريخ في زمن النبي وفي زمن الصحابة.

المستوى الثاني، الذي يلزم منه الفقيه أن يعرف تاريخ الفقه نفسه، وأن يكون له، أغلب الذين كتبوا في طبقات الفقهاء كانوا فقهاء أكثر من كونهم مؤرخين. لكن هو يحتاج لكي يفهم مذهبه أن يعرف إمام المذهب، وأن يعرف أصحاب إمام المذهب ومن نقلوا عنهم، وكيف تطورت الأقوال داخل هذا المذهب، وكيف جرى تحرير هذه الأقوال والجمع بينها، ولذلك كيف وصلنا إلى الوجوه المعتمدة من الأقوال. فكل هذا احتاج من الفقيه أن يكون صاحب علم بتاريخ علم الفقه على مذهبه هو، ولذلك هنا ترى أحيانا لمحات بديعة جدا من التاريخ لا تراها في كتب التاريخ، تراها عند الفقهاء. من أبرزها حقيقة ما أحب أن أقوله، مثل التاج السبكي في كتابه ترشيح التوشيح وتوضيح الترجيح، يتكلم في مسألة متى ظهر الترجيح بين الأقوال، فيلفت النظر إلى هذا، وهذا كلام لا تجده في كتب التاريخ، تجده في كتاب فقهي كترشيح التوشيح هذا. يقول: اعلم أن المتقدمين لم يكن شوقهم إلى الترجيح من الخلاف، وسبب ذلك أن العلم كان كثيرا، وكان كل عند الفقيه يفتي بما يؤدي إليه نظره، وقد يؤدي نظره اليوم إلى خلاف ما أدى إليه أمس. فمن ثم كان المصنفون يكلونهم إلى تصحيحاتهم، بل يستغلون عن الترجيح بذكر المآخذ وفتح أبواب الاستنباط.

فلما قل العلم وأشرف على التبدد، احتيج إلى ضرب من التقليد اعتني بالراجح. وبدأ يتكلم على الأمثلة. طيب، هذا المستوى الثاني وهو معرفة الفقيه بما كان من التطور الفقهي في مذهبه. المستوى الثالث، هذا المستوى الاستراتيجي، المستوى الكبير، وهو أن الفقيه يحتاج إلى التاريخ لكي يفهم طبائع الناس، لكي يفهم أعرافهم ولكي يفتي على وفقها. وهذا الذي يندرج فيه ما قيل عن الإمام الشافعي أنه قضى عشرين سنة يدرس الأشعار وأخبار الناس ليستعين بذلك على الفقه، يريد أن يفهم طبائع الناس. هذا الذي تجده عند الجويني في كتابه الغياثي، وهو مستشرف أن الحضارة الإسلامية والخلافة الإسلامية حصل فيها انحلال وضعف، طبعا الجويني عاش في فترة ضعف الدولة العباسية، كان هناك السلطنة السلجوقية والمدارس النظامية، وكان قبل ذلك هناك تسلط للبويهيين في ذلك الزمن على الخلافة العباسية. فكتابه الغياثي كتاب: ماذا ينبغي أن يقول الفقيه في حالة ما لو تدهورت أحوال الأمة وزاد انحرافها وانقطع عنها السلطة الشرعية القوية القائمة بوظائفها الأساسية. فهذا مستوى استراتيجي، وهو أن الفقيه يحتاج أن يفهم التاريخ ليفهم طبائع الناس وطبائع الاجتماع، فبالتالي يستطيع أن يفتي في النوازل الكبرى. فلذلك ترى أن الفقه نفسه اضطر أهله أن يضربوا بسهم في باب التاريخ، فهذا هو مما نشط الحركة التاريخية أيضا.

العلم السابع هو الوعظ والتربية والدعوة. طبعا أي واعظ، أي داعية، أي مربي لابد أن تكون له حصيلة كبيرة من التاريخ؛ لأنه التاريخ مجموعة من الأمثلة، مجموعة من القصص، مجموعة من الدلائل التي تدل على الفكرة التي يتكلم عنها، حين يتكلم مثلا في عاقبة الظلم، حين يتكلم في ضرورة الزهد، حين يتكلم في رحيل هذه الحياة الدنيا، فإنه محتاج إلى ثروة هائلة من ذلك. وهذا أيضا من العلوم ربما الداخلة مرتبطة بالعبرة والعظة، وكما ذكرتم من فوائد التاريخ، يبقى أيضا من العلوم التي يحتاجها المؤرخ وهي تتلاقح في الاستفادة في المنهج التاريخي عند المسلمين منها الجغرافيا.

بقي عندنا من العلوم، الجغرافيا، والملل والفرق، وكذلك الحكم والسياسة. ربما هذا ذروة سنام التاريخ. باختصار سريع باختصار، إنه حتى الذين انطلقوا لكي يبحثوا في الجغرافيا، سواء في البلاد المفتوحة أو في غيرها، اضطروا أن تكون لهم حصيلة تاريخية، سواء في فتح المسلمين لهذه البلاد وأخبار ذلك، أو في الأعلام والمشاهير الذين كانوا في هذه البلد، أو في تاريخ هذه البلد قبل أن يفتحها الإسلام. ولذلك كان الجغرافيون ممن أسهموا في التاريخ.

علم الملل والفرق هذا الذي احتاج أيضا الباحثون فيه إلى البحث في التاريخ، لأنه متى نشأت الملة أو الفرقة؟ من أنشأها؟ ما الذي دعاه إلى ذلك؟ كيف كان تأثيرها فيه؟ والذين يردون عليه يستعملون في ذلك التاريخ أيضا. يعني هناك عبارة بديعة للإمام ابن القيم من أن بدعة الخوارج نشأت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فثبت ضلالها بحديث النبي، وبعد ذلك من البدع بدعة القدر أدركت آخر عصر الصحابة فأنكرها من كان حيًا من الصحابة ومن بعده.

ثم علم الحكم والسياسة، وهو أوسع الأمور التي احتاج فيها الحاكم إلى التاريخ. فذكرت في ذلك كيف انهمر كثير من ملوك المسلمين ووزرائهم على مسائل التاريخ لأنها فيها علم السياسة نفسه، وكيف أن بعض الملوك كانوا مؤرخين وكانوا نسابة وبعضهم كان لهم في ذلك كتب وبعضهم اتخذ من ذلك وزراء وبعضهم حرص على أن يكون ولده من المستوعبين لعلوم الأنساب والتاريخ، وكيف كان الوزير كلما كان صاحب علم بالتاريخ كان مقربا من الملك أو السلطان، وكيف أن كثيرا ممن كتبوا مذكراتهم أو كتبوا تاريخا لهذه الفترة كانوا من الوزراتء. الخلاصة، ملاحظة أن التاريخ عند المسلمين حتى في الحكم والسياسة هو ليس الغرض الأساسي، إنما هو كذلك تاريخ الأنبياء ثم تاريخ العلماء وتاريخ السلاطين يأخذون في المقام الأخير في اهتمام المؤرخين.

هذا كان ينبغي أن نقوله في باب الوعظ والتربية، لأن المسلمين كانوا يرون، وهذا قول الكفياجي، أن الناس ثلاثة مستويات: الأنبياء مستوى أول، وهو أولياء الله والصالحون مستوى ثاني، ومن سواهم من الناس هم المستوى الثالث. فينبغي أن تعرف أخبار الأنبياء ثم أخبار الأولياء والصالحين، هذا الذي كان يعتمد عليه لاسيما أهل العلم والوعظ والتربية والدعوة. الخلاصة أود أن أختم ببعض هذه الأمور، ثلاث اقتباسات فقط.

فرانس روزنتال، هذا الرجل صاحب كتاب علم التاريخ عند المسلمين، كما قلنا، يقول: إن أفكار الرسول التاريخية نشطت دراسة تاريخ التاريخ نشاطا لا مزيد عليه، فقد أصبحت أعمال الأفراد وأحداث الماضي وحوادث كافة شعوب الأرض أمورا ذات أهمية دينية، كما أن شخصية الرسول كانت خطا فاصلا واضحا في كل مجرى التاريخ، ومن الدوافع العملية لدراسة التاريخ توفر المادة التاريخية في القرآن، مما دفع مفسريه إلى البحث عن معلومات تاريخية إلى آخر كلامه. ويقول: التاريخ الإسلامي مستودع هائل للأخبار والحقائق والبصائر التاريخية التي لم يفد إلا من بعضها حتى اليوم.

وويل ديورانت، مؤرخ الحضارة، يقول: خير ما يقال عن هؤلاء المؤرخين المسلمين، يعني أنهم يفوقون غيرهم في اتساع دائرة جهودهم ونواحي نشاطهم واهتمامهم، وأنهم ربطون الجغرافيا بالتاريخ ربطا موفقا صحيحا، وأنهم لا يفوتهم شيء مما يتصل ببني الإنسان.

طيب، في كتاب مصادر دراسة التاريخ الإسلامي، الذي كتبه المستشرقان الفرنسيان جان سوفاجيه وكلود كاهن، يقولان: المؤرخ الإسلامي في وضع لا يحسد عليه من ناحية الوثائق، مع أن لديه قدرا من المصادر الأدبية أكبر مما أنتجته أية حضارة أخرى حتى العصر الحديث، وحتى عندما بدأت الحياة العقلية للعالم الإسلامي تذبل، وعندما أصبحت الأعمال الأصيلة نادرة، استمرت كتابة التاريخ نشيطة في كل الأقاليم حتى القرن الخامس عشر الميلادي، يعني حتى القرن التاسع الهجري، بل إنها استمرت إلى ما بعد ذلك التاريخ في بعض المناطق؛ لأن التاريخ ظل موضع اهتمام العظماء من ناحية، ولأن الكشف عن أحداث جديدة جعل منه مجالا لتجدد المعلومات والمفاهيم.

الكلام طبعا في مسألة نشاط المسلمين في مجال التاريخ كبير، ولكن أظن أن هذه الإشارات تكفي. وبارك الله فيكم. وهذه الشهادات التي أوردتها من كبار المؤلفين الغربيين في التاريخ تفسر اهتمام المسلمين وفي بنيتهم في اهتمامهم بالتاريخ ومنهجهم في التاريخ، ما ذكرتموه في هذا الكتاب من بنية العلوم وتلاقح علم التاريخ وفي بنية العلوم الإسلامية في هذه المجالات الشاسعة التي ذكرتموها في عشرة مجالات معرفية وعلمية، فربما حاولنا في هذه الحلقة تفسير هذا الاهتمام عند المسلمين بالتاريخ ومعناه الواسع عند المسلمين. نشكرك شكرا جزيلا الأستاذ محمد الهامي الباحث في التاريخ والحضارة الإسلامية، كما نشكركم أيها الإخوة المشاهدون على طيب متابعتكم، وإلى لقاء آخر أستودعكم الله الذي لا تضيع ودعائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.