الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. حياكم الله أيها الإخوة في المجلس الرابع لهذا اليوم، وهذا المجلس بإذن الله سنفتتح فيه موضوعًا جديدًا من مواضيع الرباط العلمي، ألا وهو التعليق على سنن الإمام الدارمي رحمه الله تعالى عليه.
الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عليه رحمه الله أيها الكرام عالم من علماء سمرقند، رحل في طلب العلم ورحل في طلب الحديث، وتفنن وأحسن ونقل عن جهابذة المحدثين، وتعلم على يديه وروى عنه جهابذة المحدثين كمسلم وأبي داوود والترمذي، فهو من شيوخهم. فالإمام الدارمي كعبه عالٍ في الحديث النبوي وفي تنقيحه واختياره وتنقيبه، وصنف للأمة كتابًا عظيمًا من كتب الحديث. البعض يسميه المسند، وهذه من تسميات ابن الصلاح، وإن كان انتقد فيها ابن الصلاح؛ لأن الكتاب أولًا المسانيد عند علماء الحديث في العادة هي أقل رتبة من السنن، وثانيًا كلمة المسند المصطلح عليها أنها تكون للكتب التي رتبت بناءً على الصحابي أو الراوي، والكتاب لم يرتب على الصحابة أو الرواة، وإنما رتب على السنن مثله مثل سنن أبي داوود والترمذي وغيرها.
رتبته أيضًا من حيث القوة لا تقل عن سنن ابن ماجه، لذلك حتى ابن حجر العسقلاني يقول: لو عُدَّ من الكتب الخمسة لكان أولى من سنن ابن ماجه من حيث قوة الأحاديث ونوعيتها واصطفائه واختياره لها، ولذلك سنن الدارمي أعتقد أنه كتاب مهضوم حقيقة في الأروقة العلمية، وقل من يهتم ويحتفي به مع أنه جمع مادة غزيرة ومادة قوية تعلو على مادة ابن ماجه رحمه الله تعالى عليهم جميعًا.
الفائدة أيضًا التي نريد أن نذكرها في البداية أن الإمام الدارمي صاحب السنن هو غير عثمان الدارمي صاحب العقائد، هناك عالمان مشهوران باسم الدارمي، وإن كانا متقاربان؛ أظن صاحب العقائد توفي 277 أو 276 هجري، والإمام الدارمي صاحبنا صاحب السنن توفي 255 هجري، رحمه الله عليهم. فهذا أيضًا مهم، التمييز بين الإمام الدارمي الذي يرد على بشر المريسي وعلى غيرهم من أهل البدع، وبين الإمام الدارمي المحدث، فهذا شخص وهذا شخص آخر حتى لا تختلط عليك الأسماء.
كما قلنا هذا الكتاب يعتبر من مفاخر كتب الحديث حقيقة، ومن أمتعها، خاصة أنه تضمن مقدمة نفيسة في ذكر دلائل معجزات النبي عليه الصلاة والسلام؛ دلائل النبوة. ذكر طيفًا من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صدقه، ثم ذكر أحاديث في العقائد، ثم ذكر أحاديث في فضل العلم والتعلم وفيها جانب تزكوي وتربوي، واختيارات نفيسة في تراجم الأبواب تدل على علو كعبه وعلى ذهنه. ودائمًا إذا أردت أن تعرف عقل العالم فانظر إلى تصانيفه وانظر إلى ترتيبه وانظر إلى تبويباته وانتقاءاته، فإنك تعرف مدى اطلاعه ومدى نبله في العلوم الشرعية، وهذه حال الإمام الدارمي عليه رحمه الله محدث نحرير، وانتقاء عالٍ، وفهم واقتناص فوائد من الأحاديث النبوية بتبويبات نفيسة تدل على دقة الفهم والتحرير.
هذا الكتاب أيها الكرام ليس من كتب الأحاديث الطويلة، تتكلم أنت عن 3500 حديث أو 3456، يعني اختلاف بين المحققين في تعداد الأرقام، لكنه لا يتجاوز الـ 3500 وهنيئة. ولذلك هو كتاب سهل في متناول اليد كما يقولون مع وجود التبويبات التراجم التي قل أن تجدها عند غيره رحمه الله تعالى عليه. وللأسف أن هذا الكتاب غير مخدوم بالشروح، يعني قد تستغرب أن هذا الكتاب لا أعلم أن له شرحًا أصلًا من كتب التراث، يعني من علماء الأقدمين، وإنما شروحاته معاصرة فقط، تعليقات معاصرة، لكن لا يوجد كتاب معين تقول والله شرح سنن الإمام الدارمي. ما تجد أحيانًا سبحان الله بعض الكتب يكتب لها الشروحات والاهتمام والاحتفاء، وبعض الكتب لا يكتب الاهتمام بالشرح الكتابي لها، لكن هذا لا ينزل حقيقة من مستوى الكتاب ولا يهضم هذا الإمام حقه، فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على الاستفادة من هذا السفر وعلى التعليق عليه وفهمه واقتباس ما فيه من الفوائد، إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه. حتى لا نطيل إن شاء الله نبدأ المجلس بالتعليق على سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف والحاضرين والسامعين ونجل المستضعفين من المؤمنين.
قال الإمام الدارمي رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده، وصلوات على رسوله سيدنا محمد النبي الأمي سيد ولد آدم، وسلامه على آل محمد عليهم السلام. كتاب علامات النبوة، باب ما كان عليه الناس قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم.
علامات النبوة أي دلائلها، دلائل النبوة، والبعض يسميها المعجزات أيضًا. هي تسمى دلائل النبوة، معجزات النبي عليه الصلاة والسلام، أيضًا الإرهاصات، ويدخل فيها الإرهاصات والدلائل التي كانت قبل قدومه ومبعثه وأعقبت أيضًا مبعثه عليه الصلاة والسلام. لاحظ الباب الأول الذي بناه: باب ما كان عليه الناس من الجاهلية والأفكار والانحرافات وقبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، كأنه يروي قصة من بدايتها، يعطيك القصة من البداية.
قال: أخبرنا محمد بن يوسف عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: يا رسول الله، أيؤاخذ الرجل بما عمل في الجاهلية؟ قال: «من أحسن في الإسلام لم يؤخذ بما كان عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر». وهذا من سعة الإسلام سبحان الله، أن الرجل أسلم فيقول يا رسول الله إن في الجاهلية كان ربما يعاقر الخمر ويعاشر النساء بالحرام وما شابه ذلك، فهل سنؤاخذ بما فعلناه في أيام جاهليتنا؟ فلاحظ المناط، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما كان عمل في الجاهلية»؛ الإسلام يجبُّ ما قبله. وأما من أساء في الإسلام، واختلفوا ما معنى إساءة، فبعض الشراح يقول معنى الإساءة هنا الردة، تمام؛ فإن الله سبحانه وتعالى يؤاخذه بالأول والآخر، يعني ستؤاخذ بما فعلت في الجاهلية وفي الإسلام. البعض قال لا، الإساءة في الإسلام هي لا تصل لمستوى الردة، ولكنها تحمل معنى أذية المسلمين والاعتداء عليهم وعدم الاستقامة على شرع الله والفسوق المستمر، فإن هذا ولو لم يكن ردة فإن إساءته هذه تجعله مؤاخذًا عند الله حتى بمعاصيه التي فعلها في جاهليته.
قال: أخبرنا وليد بن النضر الرملي عن مسرة بن معبد من بني الحارث بن أبي حرام من لخم عن الوضين أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن كنا أهل جاهلية نعبد أوثانًا، فكنا نقتل الأولاد، وكانت عندي بنت لي، فلما أجابت وكانت مسرورة بدعائي إذا دعوتها...، دعوتها يومًا فاتبعتني. فلما أجابت يعني لما أصبحت مميزة، تستطيع أن تفهم الحوار والنقاش وتأخذ وتعطي. أنا أتيت بئرًا من أهلي غير بعيد، فأخذتها بيدها فرديت بها في البئر، وكان آخر عهدي بها أن تقول... لاحظ يعني كان الوضع في الجاهلية والعياذ بالله مؤسف. قال: وكانت مسرورة بدعائي إذا دعوتها، يعني كان إذا بنت تحب والدها وكانت مسرورة به ومغتبطة به، وكانت مسرورة بدعائي إذا دعوتها لما يناديها والدها تكون مبسوطة وفرحة به وفخورة به. قال: دعوتها يومًا، شوف المأساة، دعاها يومًا قال الحقيني، فهي مبسوطة تذكر والدها يأخذها رحلة ولا يبسطها، فماذا فعل للأسف؟ قال: فاتبعتني فمررت حتى أتيت بئرًا من أهلي غير بعيد، فأخذت بيدها فرديت بها في البئر، اللي هي عادة وأد البنات، أخذها وهي طفلة صغيرة ووأدها. فالرجل واضح أنه متألم، يعني يعرف أنها جريمة نكراء فعلها بحق ابنته. ولو كان آخر عهدي بها أن تقول: يا أبتاه، يا أبتاه! فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم. النبي عليه الصلاة والسلام يعني وهو يدفن ابنته، يدفن ابنته ويلقيها والبنت تقول يا أبتاه يا أبتاه لا تقتلني، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام، يعني معقول في إنسان ابنتك تناديك تقول لك لا تقتلني ويصل بك قسوة القلب لهذه الدرجة؟ أسأل الله العافية.
فقال له رجل من جلساء النبي صلى الله عليه وسلم: أحزنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له: «كُفَّ، فإنه يسأل عما أهمه»، ثم قال له: «أعد عليَّ حديثك»، فأعاده، فبكى حتى وكف الدمع من عينيه على لحيته، ثم قال له: «أو كفى؟»، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد وضع عن الجاهلية ما عملوا، فاستأنف عملك». في النهاية إذا الإسلام يجبُّ ما قبله، فاستأنف عملك يعني خلص بعد الإسلام كأنك تعمل من جديد، الماضي انتهى عفا الله عما سلف، وإن كانت القصة تبقى مؤلمة في النهاية.
قال: أخبرنا هارون بن معاوية عن إبراهيم بن سليمان المؤدب عن الأعمش عن مجاهد قال: حدثني مولاي أن أهله بعثوا معه بقدح فيه زبد ولبن إلى آلهتهم، قال فمنعني أن آكل الزبدة لمخافتها، قال فجاء كلب فأكل الزبدة وشرب اللبن ثم بال على الصنم وهو إساف ونائلة. قال هارون: إذا... عن مجاهد قال حدثني مولاي، طبعًا هنا يقول في الحاشية مولاه هو السائب بن أبي السائب، السائب بن أبي السائب رجل قديم يعني من الصحابة، أن أهله بعثوا معه بقدح، أعطوه قدحًا فيه زبدة وفيه لبن حتى يقربه إلى إساف ونائلة، مر معنا إساف ونائلة الصنمين. قال: وأنا هالطفل أو الشاب الصغير نفسي آكل هالزبدة وهاللبن نفس، لكن ما الذي منعني أن آكل منها؟ مخافة الأصنام، أنها تغضب الأصنام علينا. قال: فإذا وضعت القدح أمام الصنم جاء الكلب فأكل الزبد وشرب اللبن وبال وخلص، هذا وأنا بطله، تمام، وهو إساف ونائلة.
قال هارون: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر حمل معه أربعة أحجار، ثلاثة لقدره والرابعة يعبده، ويربي كلبه ويقتل ولده. سبحان الله هكذا كان حالهم، هارون بن معاوية وهو شيخ الدارمي يقول كان الرجل في الجاهلية إذا سافر يأخذ معه أربعة أحجار، ثلاثة اللي هي الأثافي، ثلاثة أثافي يوضع ثلاثة أحجار كان حتى يحط عليها القدر ويطبخ عليه، والرابع إيش هو؟ يعبده، شوف تفاهة العقل! أنه أي أربعة أحجار يعني معقول الإله لهالدرجة رخيص؟ تخيل يعني أي أربعة أحجار، والله ناويني إياها بدي أسافر فيها خلص. هذا يدل على كم الإله عندهم فكرة لا يعتنى بها، وقال ويربي كلبه ويقتل ولده، اللي هي هذه من أحوال الجاهلية، أن الرجل تجده مهتم بكلبه ويصلح شأنه وأما بابنته كما مر معنا يقتل ويئد البنات، فيهتم برعاية الكلب ولا يهتم برعاية ابنته بل يقتلها ويذبحها. هذه هكذا القيم عندما يذهب الوحي من حياة الناس تختلط القيم، كيف اليوم الحياة الغربية المعاصرة الشذوذ العلاقات المحرمة كل الأشكال الخاطئة والانحرافات، بل حتى أصبح الرجال يعملون أنفسهم كحيوانات من أجل أن يقادوا، والنساء تعمل نفسها كحيوان تتربى في بيت، كل القيم وانتكاسات الفطرية تحدث عند غياب الوحي من حياة الناس.
قال حدثنا مجاهد بن موسى قال حدثنا ريحان هو ابن سعيد السامي قال حدثنا عباد هو ابن منصور عن أبي رجاء قال: كنا في الجاهلية إذا أصبنا حجرًا حسنًا عبدناه، وإن لم نصب حجرًا جمعنا كثبة من رمل، ثم جئنا بالناقة الصفي فتفاج عليه، فنحلبها على الكثبة حتى نرويها ثم نعبد تلك... تفاج يعني إيش؟ توسع بين رجليها، يعني نأتي نعمل كثيبًا، نأتي إلى الكثيب ونأتي بناقة ونوسع بين رجليها حتى نحلبها فوق هذا الكثيب فوق هذه التلة من الرمل. قال حتى نرويها ثم نعبد تلك الكثبة ما أقمنا بذلك المكان. قال أبو محمد: يعني هذه طريقة اتخاذ الإله، شوف يعني كثيب من الرمل يجمعونه، ويأتون بناقة يحلبون فوق الكثيب ويصير هذا الكثيب تم ترويته بلبن الناقة، خلص بيقول لك صار إله، ويعبدون هذا الكثيب. الإسلام شوف غير الصحابة سبحان الله، كيف الإسلام يغير النفوس ويغير العقول. قال أبو محمد: الصفي الكثيرة الألبان.
قال باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب قبل مبعثه. قال أخبرنا الحسن بن الربيع قال حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن أبي صالح قال: كعب: نجد مكتوبًا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق. هذا كلام كعب الأحبار نجد في الإنجيل نعم تمام. قال ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، وأمته الحمادون، يكبرون الله على كل نجد ويحمدونه في كل منزلة، يأتزرون على أنصافهم ويتوضؤون على أطرافهم، وناديهم ينادي في جو السماء، صفهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دوي كدوي النحل، مولده بمكة ومهاجره...
قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني الليث، قال حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن ابن سلام أنه كان يقول: إنا لنجد صفة رسول الله ﷺ: «أنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب»، يعني حافظا لهم حاميا لهم حصنا لهم. الأميون العرب عموما.
قال: ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويتجاوز، حتى يقيم الملة المعوجة، بأن يشهد أن لا إله إلا الله، تفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا. قال عطاء بن يسار: وأخبرني أبو واقد الليثي أنه سمع كعبا يقول مثل ما قال ابن سلام.
كعب وكعب الأحبار كلاهما عبد الله بن سلام وكعب الأحبار من علماء اليهود الذين أسلموا، لكن الفرق أن عبد الله بن سلام صحابي؛ لأنه أسلم في زمن النبي ﷺ، أما كعب الأحبار فتأخر إسلامه إلى زمن عمر.
قال حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن ذكوان أبي صالح، عن كعب: في السطر الأول محمد رسول الله عبده المختار، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، قال: يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو يغفر، بمولده مكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام. وفي السطر الثاني محمد رسول الله، أمته حمادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل شرف. يصلون على كل شرف، يعني على كل تلة، وهذه السنة أن الإنسان يكبر الله سبحانه عندما يصعد الجبال والتلال. هل يصلون الصلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة؟ ويتزرون على أوساطهم، ويوضئون أطرافهم. ما معنى أنهم رعاة للشمس؟ يعني أنهم يحافظون على أوقات صلواتهم. وأصواتهم بالليل في جو السماء كصوت النحل.
هذا يدل على أنهم في الليل، الأصل طبعا الأصل أنهم أهل قيام وقراءة للقرآن في ساعات الليل.
قال أخبرنا مجاهد بن موسى، قال حدثنا معن -هو ابن عيسى- قال حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي فروة، عن ابن عباس أنه سأل كعب الأحبار: كيف تجد نعت رسول الله ﷺ في التوراة؟ فقال كعب: نجده محمد بن عبد الله، يولد بمكة ويهاجر إلى طابة، ويكون ملكه بالشام، وليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يكافئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، أمته الحمادون، يحمدون الله في كل سراء، ويكبرون الله على كل نجد، يوضئون أطرافهم، ويتزرون في أوساطهم، ويصفون في صلواتهم كما يصفون في قتالهم، دويّهم في مساجدهم كدوي النحل، يسمع مناديهم في جو السماء.
قال أخبرنا حيوة بن شريح، قال حدثنا بقية بن الوليد، قال حدثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير الحضرمي، أن رسول الله ﷺ قال: «لقد جاءكم رسول إليكم ليس بوهن ولا كسل، ليختن قلوبا غلفا، ويفتح أعينا عميا، ويسمع آذانا صما، ويقيم السنة العوجاء، حتى يقال لا إله إلا الله وحده».
ليختن قلوبا غلفا، وهذه من التعابير الجميلة، يعني الختان الأصل يكون معروف مكانه الختان، شبه القلوب التي عليها الحجب فتزال، شبه إزالة الحجب عن القلوب كإزالة قطعة الجلد عن الذكر، مش كل إنسان يولد يكون قطعة جلد على ذكره تزال، فشبه القلوب التي عليها ران الذنوب والجاهلية، ويأتي الإسلام ليزيل هذه الحجب، كأنه ختان، كما أنك تختن الإنسان في ذكره.
قال أخبرنا محمد بن يزيد الحزامي، قال حدثنا إسحاق بن سليمان، عن عمر بن أبي قيس، عن عطاء، عن عامر قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ له إليه حاجة، فمشى معه حتى دخل، قال: فإحدى رجليه في البيت والأخرى خارجة، كأنه يناجي، فالتفت، فقال: أتدري من كنت أكلم؟ إن هذا ملك لم أره قط قبل يوم هذا، استأذن ربه ليسلم عليه، قال: «أنا أتيناك أو أنزلنا القرآن فصلا، والسكينة صبرا، والفرقان وصلا».
أنزلنا القرآن فصلا يعني حكما، أنه لقول فصل، فصل يعني حازم فاصل يفصل بين الحق والباطل، ما فيه أي تهاون أو تمييع، والسكينة صبرا، والفرقان وصلا. ما معنى وصلا؟ يعني قالوا موصول بعضه ببعض، لا انقطاع فيه.
قال أخبرنا مجاهد بن موسى، قال حدثنا ريحانة بن سعيد، قال حدثنا عباد بن منصور، عن أيوب، عن ابن قلابة، عن عطية أنه سمع ربيعة الجرشي يقول: أتي نبي الله ﷺ فقيل له: لتنم عينك ولتسمع أذنك وليعقل قلبك، قال: فنامت عيني وسمعت أذناي وعقل قلبي، قال: فقيل لي: سيد بنى دارا، وصنع مأدبة، وأرسل داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المأدبة، ورضي عنه السيد، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يطعم من المأدبة، وسخط عليه السيد. قال: فالله السيد، ومحمد الداعي، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة.
هكذا يا محمد ﷺ هكذا أنت حالك مع هذه الأمة، الله سبحانه وتعالى بنى دارا وهو السيد لها، وهي هذه الجنة، ووضع فيها من أطايب الطعام، والداعي لهذه الدار، والله يدعو إلى دار السلام، أرسل النبي ﷺ ليدعو إلى هذه الدار، فمن أجاب النبي ﷺ دخلها.
قال أخبرنا حسن بن علي، قال حدثنا أبو أسامة، عن جعفر بن ميمون التميمي، عن أبي عثمان النهدي، أن رسول الله ﷺ خرج إلى البطحاء ومعه ابن مسعود، فقعده، وخط عليه خطا، ثم قال: «لا تبرحن، فإنه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم، فإنهم لن يكلموك»، فمضى رسول الله ﷺ، قال لعبد الله بن مسعود اجلس هنا أو وقف هنا، ووضع له خطا، قال: لا تتجاوز هذا الخط، لا تتجاوز هذا الخط؛ لأنه سيأتيك رجال فلا تكلمهم.
فمضى رسول الله ﷺ حيث أراد، ما جعلوا ينتهون إلى الخط يجاوزونه، ثم يصدرون إلى النبي ﷺ، حتى إذا كان من آخر الليل جاء إليه، فتوسد فخذي، وكان إذا نام نفخ في النوم نفخا، فبين رسول الله ﷺ متوسد، إذا رجال كأنهم الجمال وعليهم ثياب بيض، الله أعلم ما بهم من الجمال، حتى قعد طائفة منهم عند رأسه وطائفة منهم عند رجليه، فقالوا بينهم: ما رأينا عبدا أوتي مثل ما أوتي هذا النبي ﷺ، إن عينيه لتنامان وإن قلبه يقظان، يضرب له مثلا: سيد بنى قصرا ثم جعل مأدبة، فدعى الناس إلى طعامه وشرابه، ثم ارتفع واستيقظ رسول الله ﷺ عند ذلك، فقال لي: «أتدري من هؤلاء؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «هم الملائكة، وهل تدري ما المثل الذي ضربوه؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «الرحمن بنى الجنة، فدعا إليه عباده، فمن أجابه دخل الجنة، ومن لم يجبه عاقبه وعذبه».
قال باب كيف كان أول شأن النبي ﷺ. قال أخبرنا نعيم بن حماد، قال حدثنا بقية، عن بحير، عن خالد بن معدان قال حدثنا عبد الرحمن بن عمر السلمي، عن عتبة بن عبد السلمي، أنه حدثه ما كان من أصحاب رسول الله ﷺ، أن رسول الله ﷺ قال له رجل: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا، ولم نأخذ معنا زادا، فقلت يا أخي اذهب فآتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل طائران، زي نوع من العنز والشياه كان يرعاهم، فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه أهو هو؟ قال الآخر: نعم، فأقبلا يبتدراني فأخذاني، فبطحاني للقف، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي، فشقا فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء ثلج، فغسل به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد، فغسل به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة، فذرها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: حصّه، فحاصه، وختم عليه بخاتم النبوة، ثم قال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفة، وجعل ألفا من أمتي في كفة، قال رسول الله ﷺ: فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخر علي بعضهم، فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم، ثم انطلق وتركاني.
يدل على رجحان منزلته عند الله ﷺ. قال رسول الله ﷺ: وفرقت فرقا شديدا، ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذي لقيت، فأشفقت أن يكون قد التبس بي، فقالت: أعيذك بالله، فرحلت بعيرا لها، فجعلتني على الرحل، وركبت خلفي، حتى بلغنا إلى أمي، فقالت: أديت أمانتي وذمتي، وحدثتها بالذي لقيت، فلم يرعها ذلك آمنة، قالت لحليمة السعدية: لا تقلقي، يعني أنا أعرف أن ابني له شأن، ولن يصيبه إلا كل خير، وقالت: إني رأيت حين خرج مني تعني نورا أضاءت منه قصور الشام.
قال أخبرنا عبد الله بن عمران، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا جعفر بن عثمان القرشي، عن عثمان بن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن أبي ذر الغفاري قال: قلت يا رسول الله، كيف علمت أنك نبي حتى استيقنت؟ فقال: «يا أبا ذر، أتاني ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة، فوقع أحدهما الأرض، وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه أهو هو؟ قال: نعم، قال: فزنه برجل، فوزنت به فرجحت، ثم قال: زنه بعشرة، فوزنت بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بمئة، فوزنت بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف، فوزنت بهم فرجحتهم، كأني أنظر إليهم ينتثرون علي من خفة الميزان». قال: فقال أحدهما لصاحبه: لو وزنته بأمته لرجحها.
قال أخبرنا إسماعيل بن خليل، قال حدثنا علي بن مسهر، قال حدثنا الأعمش، عن أبي صالح قال: كان النبي ﷺ يناديهم: «يا أيها الناس، إنما أنا رحمة مهداة».
هذا الباب كان يتكلم فيه عن الإرهاصات الأولية قبل مبعثه، وهذه كانت منذ خروجه من بطن أمه إلى ما بعد ذلك، كانت هناك كل مرة تأتي علامات وإرهاصات أن هذا النبي أو هذا الرجل له شأن، وأنه نبي هذه الأمة، صلوات ربي وسلامه عليه.
قال رحمه الله باب ما أكرم الله تعالى به نبيه من إيمان الشجر به والبهائم والجن. قال أخبرنا محمد بن طريف، قال حدثنا محمد بن فضيل، قال حدثنا أبو حيان، عن عطاء، عن ابن عمر قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأقبل أعرابي، فلما دنا منه قال له رسول الله ﷺ: «أين تريد؟» قال: إلى أهله، قال: «هل لك في خير؟» قال: وما هو؟ قال: «تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله»، قال: ومن أشهد على ما تقول؟ قال: «هذه السلمة»، فدعاها رسول الله ﷺ وهي بشاطئ الواد، كانت شجرة من شجر البادية، فأقبلت تخد الأرض خدا حتى أقامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا، فشهدت ثلاثا، قال لها: «اشهدي أني رسول الله»، فشهدت ثم استشهد ثم شهدت، ثم رجعت إلى منبتها، ورجع الأعرابي إلى قومه، وقال: إن اتبعوني أتيتك بهم، وإلا رجعت فكنت معك.
قال أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: خرجت مع النبي ﷺ في سفر، وكان لا يأتي البراز حتى يتغيب فلا يُرى، فنزلنا بفلاة من الأرض ليس فيها شجر ولا علم، فقال: «يا جابر، اجعل في إداوتك ماء»، ثم انطلق بنا، فانطلقنا حتى لا نرى، فإذا هو بشجرتين بينهما أربع أذرع، فقال: «يا جابر، انطلق إلى هذه الشجرة فقل: يقول لك رسول الله ﷺ: الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما»، فرجعت، وهذه من معجزاته، قال: «يا جابر روح على هذه الشجرة وقل لها: يقول لك رسول الله ﷺ: التصقي بهذه الشجرة حتى يقضي حاجته»، لتكون ساترة على بدنه، وهذا من معجزاته أن الشجر كان يتحرك وينتقل.
سمعاً لكلامه. فرجعت إليها فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفهما، ثم رجعتا إلى مكانهما، فركبنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله بيننا كأنما على رؤوسنا الطير تظلنا. فعرضت امرأة معها صبي، فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرات. قال: فتناول الصبي فجعله بينه وبين مقدم الرحل، ثم قال: «اخسأ عدو الله، إن رسول الله»، «اخسأ عدو الله، إن رسول الله» ثلاثاً، ثم دفعه إليها.
فلما قضينا سفرنا مررنا بذلك المكان، فعرضت لنا المرأة معها صبيها ومعها كبشان تسوقهما، فقالت: يا رسول الله، اقبل مني هديتي؛ فهو الذي بعثك بالحق ما عاد إليه بعد. فقال: «خذوا منها واحداً، وردوا عليها الآخر».
ثم سرنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا كأنما على رؤوسنا الطير تظلنا، فإذا جمل ناد. كان هذا حقيقة يمكن أن يستدل به على مشروعية الرقية؛ قضية أن الشيطان يمكن أن يعبث بالإنسان، سواء على وجه القرين أو التابعة أو شيء من ذلك. والحديث فيه صحة، وهو حديث صحيح. وهذا الحديث عموماً يستدل به على مشروعية الرقية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرقي الصبيان ويفعل ذلك.
فإذا جمل ناد، حتى إذا كان بين السمطين خر ساجداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. جمل ناد يعني جمل هارب. قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «عليكم الناس، من صاحب الجمل؟» فإذا فتية من الأنصار قالوا: هو لنا يا رسول الله. قال: «فما شأنه؟» قالوا: استنينا عليه منذ عشرين سنة، وكانت به شحيمة، فأردنا أن ننحره فنقسمه بين غلماننا، فانفلت منا. استنينا عليه يعني عشرين سنة ونحن نحمل عليه، وينقل لهم المياه ومستفيدين منه، وكانت به شحيمة يعني في شوية دهن، تصغير شحم، يعني مدهن شوي، فقلنا خلينا نأكله ونستفيد منه بعد عشرين سنة خدمة. فانفلت منهم، شافهم بده يقتلوا هرب الجمل.
قال: «بيعونيه». قالوا: لا، بل هو لك يا رسول الله. قال: «أما لا، فأحسنوا إليه حتى يأتيه أجله». أما لا هذا أسلوب عربي، أما إذا أبيتم أن تبيعوه لي وأصررتم أن آخذ مجاناً أنا لن آخذ مجاناً، لكن أحسنوا إليه؛ لا تذبحوه، المسكين عشرين سنة وهو يخدم فيكم.
قال المسلمون عند ذلك: يا رسول الله، نحن أحق بالسجود لك من البهائم. قال: «لا ينبغي لشيء أن يسجد لشيء، ولو كان ذلك كان النساء لأزواجهن». الجمل سجد بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام؛ فالناس لما رأت هذا المشهد قالوا: يا رسول الله، نحن أحق أن نسجد لك من سجود البهائم. فماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ «لا ينبغي لشيء أن يسجد لشيء، ولو كان ذلك كان النساء لأزواجهن»، يعني لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. وهذا يدل، هل الصحابة طلبوا شركاً؟ هذه إحدى المسائل التي تطرح دوماً في نقاش العذر بالجهل؛ يعني من كان يطلب مثل هذا الطلب، هل مجرد طلب السجود لغير الله شرك؟ لا، حتى يستبان من مقصد صاحبه، لأنه إذا كان المقصد سجود تحية وإكرام فهذا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية حرام في الإسلام، لكن فاعله لا يكفر بخلاف سجود الخضوع والعبادة، هذا الذي يعتبر سجود كفر، ومن لا يفرق بين هذه الأمور يجني على الشريعة. ليس من دفاعك عن التوحيد وشدتك في التوحيد أن تعتقد أن كل هذه الأمور بنفس المرتبة، هذا جهل وأنت تظن نفسك تفهم وأنت لا تفهم الفرق بين صور المسائل ومراتبها.
حدثنا يعلى، قال حدثنا الأجلح، عن الذيال بن حرملة، عن جابر بن عبد الله قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دفعنا إلى حائط في بني النجار، فإذا فيه جمل لا يدخل الحائط أحد إلا شد عليه. فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه فدعاه، فجاء واضعاً مشفره على الأرض حتى برك بين يديه، فقال: «هاتوا خطاماً»، فخطمه ودفعه إلى صاحبه، ثم التفت فقال: «ما بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله، إلا عاصي الجن والإنس».
أخبرنا الحجاج بن منهال، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن فرقد السبخي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابني به جنون، إنه يأخذه عند غدائنا وعشائنا فيخبث علينا. كأنه نوع صرع يصيبه في الغداء والعشاء فبيخرب عليهم غداءهم وعشاءهم. قال: فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا، فثع وخرج من جوفه مثل الجرو الأسود فسعى. النبي صلى الله عليه وسلم رقاه، فلما رقاه خرج من بطن الصبي مثل القيء كان فيه سواد، وهذا يدل على صحة هذه الأمور، يعني أنه فعلاً قد يكون الشيطان أو شيء من الحسد أو شيء من السحر أو شيء من كذا يستقر في الإنسان ومع القيء يخرج.
حدثنا محمد بن سعيد، أخبرنا يحيى بن أبي كثير، مثل الجرو الأسود. عن إبراهيم بن طهمان، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن».
حدثنا فروة، قال حدثنا الوليد بن أبي ثور الهمداني، عن إسماعيل السدي، عن عباد أبي يزيد، عن علي بن أبي طالب قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فأخرجنا معه في بعض نواحيها، فمررنا بين الجبال بالشجر، فلم نمر بشجرة ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله.
أخبرنا محمد بن يوسف، قال حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن الشمر بن عطية، عن رجل من مزينة أو جهينة قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، فإذا هو بقريب من مئة ذئب قد أقعين. وفود الذئاب؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ترضخوا لهم شيئاً من طعامكم، وتأمنون على ما سوى ذلك». فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحاجة. قال: فإذا هو بقريب من مئة ذئب قد أقعين، يعني جلسوا جلوس الكلاب، الإقعاء هي جلسة الكلب المشهورة المعروفة، حيث يقف الكلب على أليتيه ناصباً قدميه، فهذه الذئاب ووفود الذئاب كانت مقعية، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ترضخوا لهم شيئاً من طعامكم وتأمنون على ما سوى ذلك»، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحاجة. قال: «فأذنوهم»، فخرجنا ولهن عواء.
أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال أخبرنا أبو معاوية، قال حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك قال: جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، موطن الشاهد في الحديث هي المعجزة، يعني كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى النبي صلى الله عليه وسلم الفجر فإذا هو بقريب من مئة ذئب جالسين وكأنهم ينتظرون الطعام، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول للصحابة: «ترضخوا لهم شيئاً من طعامكم، وتأمنون على ما سوى ذلك»، يعني أعطوهم شيئاً من الطعام وتأمنون أنتم على باقي الأمور، يعني لا يعتدون عليكم. فشكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الحاجة، فقال: «أذنوهم»، يعني أعلموا هذه الذئاب أن وضعكم المالي ليس جيداً، وأنتم محتاجون ولا توجد كمية من الطعام والشراب تكفيه. فالصحابة ذهبوا وأخبروا هذه الذئاب أن يا جماعة نحن وضعنا المالي ليس مساعداً، وما عندنا كمية كافية من الطعام، فعلاً الذئاب لفت وظلت راحلة. هذه هي معجزات النبي عليه الصلاة والسلام كيف أن الذئاب فهمت على الصحابة أنه لا توجد كمية كافية من الطعام والشراب، فالصحابة أخبروا الذئاب أننا ليس معنا طعام، فالذئاب ذهبت وغادرت سبحان الله.
أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال أخبرنا أبو معاوية، قال حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك قال: جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس حزين، وقد تخضب بالدم من فعل أهل مكة من قريش، فقال جبريل: يا رسول الله، هل تحب أن أريك آية؟ قال: نعم. فنظر إلى شجرة من ورائه فقال: «ادع بها»، فدعا بها فجاءت فقامت بين يديه، فقال: «مرها فلترجع»، فمرها فرجعت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسبي، حسبي». حسبي حسبي يعني ازداد يقيناً وازداد ثباتاً، عرف أن الله يؤيده من فوق سبع سماوات.
أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال أخبرنا جرير وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أتى رجل من بني عامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أريك آية؟» فقال: بلى. قال: «فاذهب فادع تلك النخلة»، فدعاها فجاءت تنقز بين يديه، فقال: «قل لها ترجع»، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارجعي»، فرجعت حتى عادت إلى مكانها. فقال: يا بني عامر، ما رأيت رجلاً كاليوم أسحر منه.
باب ما أكرم الله النبي صلى الله عليه وسلم من تفجير الماء من أصابعه، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، قال حدثنا شعيب بن صفوان، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً، فطلب بلال الماء ثم جاء فقال: لا والله ما وجدت الماء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فهل من شن؟» فأتاه بشن، والشن هي القربة البالية. قال: فبسط كفيه فيه، فنبعت من تحت يديه عين، فكان ابن مسعود يشرب وغيره يتوضأ.
أخبرنا أبو النعمان، قال حدثنا أبو عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح، عن جابر بن عبد الله قال: غزونا أو سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن يومئذ بضعة عشر ومئتين، فحضرت الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل في القوم من طهور؟» فجاء رجل يسعى بإداوة فيها شيء من ماء، ليس في القوم ماء غيره، فصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدح ثم توضأ في أحسن الوضوء، ثم انصرف وترك القدح، فركب الناس ذلك القدح وقالوا: تمسحوا، تمسحوا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على رسلكم»، حين سمعهم يقولون ذاك، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم كفه في الماء والقدح وقال: «بسم الله»، ثم قال: «أسبغوا الطهور». فركب الناس ذلك القدح يعني استلموه، وأصبح الكل يريد أن يتوضأ، تمسحوا تمسحوا يعني توضؤوا.
قال جابر: فهو الذي أبلاني ببصري، لقد رأيت العيون، عيون الماء تخرج من بين أصابعه، فلم يرفعوها حتى توضأ أجمعون. هذا كثير حقيقة قضية تكثير الطعام والمياه، هذا ليس مرة ولا مرتين، بل هو كثير من أحواله صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا أبو الوليد الطيالسي وسعيد بن الربيع قالا: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة وحصين، سمعا سالماً بن أبي الجعد يقول: سمعت جابر بن عبد الله قال: أصابنا عطش فجهشنا، فانتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع يده في تور، فجاء يفور كأنه عيون من خلال أصابعه، وقال: «اذكروا اسم الله»، فشربنا حتى وسعنا وكفانا. وفي حديث عمرو بن مرة، فقلنا لجابر: كم كنتم؟ قال: كنا ألفاً وخمسمئة، ولو كنا مئة ألف لكفانا.
أخبرنا محمد بن عبد الله الرقاشي، قال حدثنا جعفر بن سليمان، قال حدثنا الجعد أبو عثمان، قال حدثنا أنس بن مالك، قال حدثنا جابر بن عبد الله قال: شكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله العطش، فدعا بصب فيه ماء ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعليه وسلم. يده أيضاً مثل القدح، لكنه قدح كبير.
قالوا: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فيه، فنظرت إلى الماء يتنبع عيوناً ما بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس يستقون حتى استقى الناس كلهم.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: سمع عبد الله بخسف، فقال: كنا أصحاب محمد نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفاً. إننا بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اطلب من معه فضل ماء، فأتي بماء فصبّه في الإناء، ثم وضع كفه فيه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه، ثم قال: حي على الطهور المبارك، والبركة من الله تعالى، فشربنا. قال عبد الله: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا أبو الجواب، عن عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: زلزلت الأرض على عهد عبد الله -عبد الله بن مسعود، لأن علقمة هو تلميذ عبد الله بن مسعود- فأخبر بذلك فقال: كنا أصحاب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم نرى الآية بركة، وأنتم ترونها تخويفاً. بيننا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، إذ حضرت الصلاة وليس معنا إلا ماء يسير، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء في صحفة، ووضع كفه فيه، فجعل الماء ينبجس من بين أصابعه، ثم نادى: حي لأهل الوضوء، والبركة من الله. قال: فأقبل الناس فتوضؤوا، وجعلت لا هم لي إلا ما أدخله بطني لقوله: والبركة من الله. فحدثت به سالم بن أبي الجعد، فقال: كانوا 1500، 1500 يعني 1500.
باب مكرمة النبي صلى الله عليه وسلم بحنين المنبر. قال: أخبرنا عثمان بن عمر قال: أخبرنا معاذ بن العلاء، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر حنّ الجذع حتى أتاه فمسحه.
قال: أخبرنا محمد بن حميد قال: حدثنا تميم عبد المؤمن، قال: حدثنا صالح بن حيان، قال: حدثني ابن بريدة، عن أبيه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب قام، فأطال القيام، فكان يشق عليه قيامه، فأتي بجذع نخلة، فحفر له وأقيم إلى جنبه قائماً للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب فطال القيام عليه استند إليه فاتكأ عليه. فبصر به رجل كان ورد المدينة، فرآه قائماً إلى جنب ذلك الجذع، فقال لمن يليه من الناس: لو أعلم أن محمداً يحملني في شيء يرفق به لصنعت له مجلساً يقوم عليه، فإن شاء جلس ما شاء، وإن شاء قام. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ائتوني به. فأتوه به، فأمره أن يصنع له هذه المراقي الثلاث أو الأربع، هي الآن في منبر المدينة، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك راحة. فلما فارق النبي صلى الله عليه وسلم الجذع، وعمد إلى هذه التي صنع له، جزع الجذع وحنّ للنبي صلى الله عليه وسلم.
قال: فحنّ كما تحن الناقة حين فارقه النبي صلى الله عليه وسلم، فزعم ابن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع حنين الجذع رجع إليه، فوضع يده عليه، وقال: اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت، وإن شئت أن أغرسك في الجنة فتشرب من أنهارها وعيونها، فيحسن نبتك وتثمر، فيأكل أولياء الله من ثمرتك ونخلك. فعلت، فزعم أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: نعم قد فعلت، مرتين، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اختار أن أغرسه في الجنة.
قال: أخبرنا محمد بن كثير، عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم إلى جذع قبل أن يجعل المنبر، فلما جعل المنبر حنّ ذلك الجذع حتى سمعنا حنينه، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده عليه فسكن.
قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: حدثنا سليمان بن كثير، عن يحيى بن سعيد، عن حفص بن عبيد الله، عن جابر بن عبد الله قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى خشبة، فلما صنع المنبر فجلس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حنت حنين العشار -العشار هي النوق التي عشرها حامل- حتى وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده عليها فسكنت.
قال: أخبرنا فضروه، وقال حدثنا يحيى بن زكريا، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كريم، عن جابر بن عبد الله قال: حنت الخشبة حنين الناقة الخلوج. قال: أخبرنا زكريا بن عدي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن طفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع ويخطب إليه إذ كان المسجد عريشاً، فقال له رجل من أصحابه: ألا نجعل لك عريشاً تقوم عليه، يراك الناس يوم الجمعة ونسمع من خطبتك؟ قال: نعم. فصنع له الثلاث درجات، هن اللواتي على المنبر، هو المنبر هذا هو المنبر. قال: فلما صنع المنبر ووضع في موضعه الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد المنبر مر عليه، فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدع وانشق، فرجع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر، فكان إذا صلى إليه، فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب، فلم يزل عنده حتى بلي وأكلته الأرضة وعفت رفاته.
قال: حدثنا عبد الله بن سعيد قال: حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى لزق جذع، فأتاه رجل رومي فقال: أصنع لك منبراً تخطب عليه، فصنع له منبراً هذا الذي ترون. قال: فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب حنّ الجذع حنين الناقة إلى ولدها، فنزل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضمه إليه فسكن، فأمر به أن يحفر ويدفن.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا الصعق قال: سمعت الحسن يقول: فلما أن قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، جعل يسند ظهره إلى خشبة ويحدث الناس، فكثروا حوله، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يسمعهم، فقال: ابن لي شيئاً أرتفع عليه. فقالوا: كيف يا نبي الله؟ قال: عريش كعريش موسى. فلما أن بنوا له، قال الحسن: حنت والله الخشبة، قال الحسن: سبحان الله، هل تشتاق قلوب قوم سمعوا؟
قال أبو محمد: أخبرنا الحجاج بن منهال قال: حدثنا حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع قبل أن يتخذ المنبر، فلما اتخذ المنبر وتحول إليه حنّ الجذع، فاحتضنه فسكنه، وقال: لولا ما احتضنه لحنّ إلى يوم القيامة.
قال: أخبرنا حجاج قال: حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بمثله. قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد قال: حدثنا المسعودي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: حنت الخشبة التي كان يقوم عندها، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها فوضع يده عليها فسكنت.
قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي خلف قال: حدثنا عمر بن يونس قال: حدثنا عكرمة بن عمار قال: حدثنا إسحاق بن أبي طلحة قال: حدثنا أنس بن مالك، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة فيسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد فيخطب الناس، فجاء رومي فقال: ألا أصنع لك شيئاً تقعد عليه وكأنك كقائم؟ فصنع له منبراً له درجتان ويقعد على الثالثة. فلما قعد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك المنبر خار الجذع كخوار الثور حتى ارتج المسجد حزناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر والتزمه وهو يخور، فلما التزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت، ثم قال: أما والذي نفس محمد بيده، لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى يوم القيامة حزناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن.
باب ما أكرم النبي صلى الله عليه وسلم في بركة طعامه.
قال: أخبرنا عبد الله بن عمر بن أبان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عبد الواحد بن أيمن المكي، عن أبيه قال: قلت لجابر بن عبد الله: حدثني بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته منه أرويه عنك. فقال جابر: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق نحفره، فلبثنا ثلاثة أيام لا نطعم طعاماً ولا نقدر عليه، فعرضت في الخندق كدية، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، هذه كدية قد عرضت في الخندق، فرششت عليها الماء، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وبطنه معصوب بحجر، فأخذ المعول أو المسحاة، ثم سمى ثلاثاً ثم ضرب، فعادت كثيباً أهيل. فلما رأيت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله، أذن لي، فأذن لي، فجئت امرأتي فقلت: ثكلتك أمك، قد رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لا صبر لي عليه، فهل عندك من شيء؟ فقالت: عندي صاع من شعير وعناق. قال: فطحنت الشعير وذبحنا العناق، وسلختها وجعلتها في البرمة، وعجنت الشعير، قال: ثم رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلبثت ساعة ثم استأذنته الثانية فأذن لي، فجئت فإذا العجين قد أمكن، فأمرتها بالخبز، وجعلت القدر على الأثافي، قال أبو عبد الرحمن: إنما هي الأثافي ولكن كذا قال.
ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إن عندنا طعيماً لنا، فإن رأيت أن تقوم معي أنت ورجل أو رجلان معك. فقال: وكم هو؟ قلت: صاع من شعير وعناق. فقال: ارجع إلى أهلك وقل لها: لا تنزع القدر من الأثافي ولا تخرج الخبز من التنور حتى آتي، ثم قال للناس: قوموا إلى بيت جابر. قال: فاستحييت حياء لا يعلمه إلا الله، فقلت لامرأتي: ثكلتك أمك، قد جاءك رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه أجمعين! فقالت: أكان النبي صلى الله عليه وسلم سألك كم الطعام؟ فقلت: نعم. فقالت: الله ورسوله أعلم، قد أخبرته بما كان عندنا. قال: فذهب عني بعض ما كنت أجد، وقلت: لقد صدقت.
قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل، ثم قال لأصحابه: لا تضاغطوا، ثم برك على التنور، وبرك على البرمة، فقال: فجعلنا نأخذ من التنور الخبز، ونأخذ اللحم من البرمة فتثرد ونغرف لهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليجلس على الصحفة -يعني إذا كانت ثريداً- سبعة أو ثمانية، فإذا أكلوا كشفنا عن التنور وكشفنا عن البرمة فإذا هما أملأ مما كان، فلم نزل نفعل ذلك، كلما فتحنا التنور وكشفنا عن البرمة وجدناها أملأ مما كان حتى شبع المسلمون كلهم وبقي طائفة من الطعام، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الناس قد أصابتهم مخمصة، فكلوه وأطعموه. فلم نزل يومنا نأكل ونطعم، قال: وأخبرني أنهم كانوا 800 أو قال 300، قال أيمن: لا أدري أيهما.
قال: أخبرنا زكريا بن عدي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أنس بن مالك قال: أمر أبو طلحة أم سليم أن تجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً يأكل منه، قال: ثم بعثني أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته فقلت: بعثني إليك أبو طلحة. فقال للقوم: قوموا، فانطلق وانطلق القوم معه، قال: فقال أبو طلحة: يا رسول الله، إنما صنعت طعاماً لنفسك خاصة، فقال: لا عليك، انطلق. قال: فانطلق وانطلق القوم، قال: فجيء بالطعام، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وسمى عليه، ثم قال: إيذن لعشرة، فأذن لهم، فقال: كلوا بسم الله، فأكلوا حتى شبعوا ثم قاموا، ثم وضع يده كما صنع في المرة الأولى وسمى عليه، ثم قال: إيذن لعشرة، فأذن لهم، فقال: كلوا بسم الله، فأكلوا حتى شبعوا ثم قاموا، حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً، قال: وأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل البيت، وتركوا سؤراً، سؤراً يعني بقية الأكل، السؤر هو البقية من الأكل، يقال سؤر وسور.
أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا أبان هو العطار قال: حدثنا قتادة عن شار بن حوشب عن أبي عبيد أنه طبخ للنبي صلى الله عليه وسلم قدراً، فقال له: ناولني ذراعها. وكان يعجبه الذراع، فناوله الذراع، ثم قال: ناولني ذراعاً، فناوله ذراعاً، ثم قال: ناولني ذراعاً، فقلت: يا نبي الله وكم للشاة من ذراع؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لو سكتَّ لأعطيتُك ما دعوتُ به». يعني مدة كلما قلت لك أعطني ذراعاً ستأخذ ذراعاً، لو كان عشر مرات قلت لك سيخرج ذراع. هذا كله من دلائل المعجزات.
أخبرنا أبو النعمان قال: حدثنا أبو عوانة عن الأسود عن نبيح العنزي عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين ليقاتلهم، قال أبي عبد الله: يا جابر لا عليك أن تكون في نظار أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فإني والله لولا أني أترك بنات بعدي لأحببت أن تقتل بين يدي. قال: فبينما أنا في النظار إذ جاءت عمتي بأبي وخالي لتدفنهما في مقابرنا، فلحق رجل ينادي: إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تردوا القتلى فتدفنوها في مضاجعها حيث قتلت، فرددناهما فدفناهما في مضجعهما حيث قتلا.
يعني عمته أتت بجثة والده إلى المدينة ليدفن في المدينة، فالنبي صلى الله عليه وسلم طلب إرجاع جثث أهل أحد إلى المعركة حتى يدفنوا في مكان المعركة.
قال: فبينما أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذ جاءني رجل، فقال: يا جابر بن عبد الله لقد أثار أباك عمال معاوية، فانطلقت إليه فوجدته على النحو الذي دفنته لم يتغير إلا ما لم يدعِ القتيل، فوريته.
في زمن معاوية حصل سيل في المدينة أصاب منطقة الشهداء في أحد فظهرت الجثث، فعرفوا أنهم أخرجوا جثة والد جابر بالخطأ في زمن معاوية، وهذا بعد خمسين سنة تقريباً.
وترك أبي عليه ديناً من التمر فاشتد عليه بعض غرمائه في التقاضي، وكان دينه على اليهود. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله إن أبي أصيب يوم كذا وكذا، وإنه ترك عليه ديناً من التمر، وإنه قد اشتد علي بعض غرمائه في الطلب، فأحب أن تعينني عليه لعله أن ينظرني طائفة من تمره إلى هذا الصرام المقبل. قال: «نعم آتيك إن شاء الله قريباً».
فجاء معه حواريوه، فجلسوا في الظل، وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذن ثم دخل علينا. وقد قلت لامرأتي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جائي اليوم وسط النهار فلا يرينك، ولا تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، ولا تكلميه. ففرشت فراشاً ووسادة ووضع رأسه فنام، فقلت لمولى لي: اذبح هذه العناق -وهي داجن سمينة- وأفرغ منها قبل أن يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معك. فلم نزل فيها حتى فرغنا منها وهو نائم.
قلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يستيقظ يدعو بطهور، وأنا أخاف إذا فرغ أن يقوم فلا يفرغ من طهوره حتى يوضع العناق بين يديه. فلما استيقظ قال: «يا جابر ائتني بطهور». فلم يفرغ من وضوئه حتى وضعت العناق بين يديه، فنظر إليَّ فقال: «كأنك قد علمت حبنا للحم؟ ادعُ أبا بكر». ثم دعا حوارييه، فجيء بالطعام فوضع، وقال: «بسم الله، كلوا». فأكلوا حتى شبعوا، وفضل منها لحم كثير. وقال: والله إن مجلس بني سلمة لينظرون إليهم، هو أحب إليهم من أعينهم ما يقربونه مخافة أن يؤذوه، ثم قام وقام أصحابه فخرجوا.
فاتبعتهم حتى بلغت أسكفة الباب، فخرجت وأخرجت امرأته صدرها -وكانت ستيرة- فقالت: يا رسول الله صلي عليَّ وعلى زوجي. قال: «صلى الله عليكِ وعلى زوجك». ثم قال: «ادعُ لي فلاناً» للغريم. فقال: يا جابر، ناضِ طائفة من دينك الذي على أبيه إلى هذا الصرام المقبل. قال: ما أنا بفاعل، واعتلَّ وقال: إنما هو مال يتامى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين جابر؟» قلت: أنا ذا يا رسول الله. قال: «كُله فإن الله تعالى سوف يفيه». فرفع رأسه إلى السماء فإذا الشمس قد دلكت، قال: «الصلاة يا أبا بكر». فاندفعوا إلى المسجد.
قال: فقلت لغريمي: قرب أوعيتك. فكلت له من العجوة فوفاه الله، وفضل لنا من التمر كذا وكذا، وكلت له من أصناف التمر فوفاه الله وفضل لنا من التمر كذا وكذا. قال: فجئت أسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده كأني شرارة، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى. فقلت: يا رسول الله إن قُضيت غريمي وتمره فوفاه الله وفضل لنا من التمر كذا وكذا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين عمر بن الخطاب؟» فجاء يهرول، قال: «سل جابر بن عبد الله عن غريمه وتمره». قال: ما أنا بسائله، قد علمت أن الله سوف يوفيه إذا أخبرت أن الله سوف يوفيه. فردد عليه هذه الكلمات ثلاث مرات، كل ذلك يقول: ما أنا بسائله. وكان لا يراجع بعد المرة الثالثة، فقال: «ما فعل غريمك وتمرك؟» قلت: وفاه الله وفضل لنا من التمر كذا وكذا.
فرجعت إلى امرأتي، فقلت: ألم أكن نهيتك أن تكلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي؟ فقالت: أتظن أن الله تعالى يورِد نبيه بيتي ثم يخرج ولا أسأله الصلاة عليَّ وعلى زوجي؟
بينما لو كان أمراً، النبي صلى الله عليه وسلم يسمع ذلك. هي ليست ممازحة، أنا في اعتقادي أكثر من كون النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يصل عمر إلى درجة عين اليقين. كيف؟ ليطمئن قلبي الذي سارت عليه قصة سيدنا إبراهيم، عمر رضي الله عنه قد يكون في تلك المرحلة يحتاج هذا الموقف أن يسمعه عيناً ويراه أمامه ليزداد يقيناً على يقينه.
وهو لما يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: لا يا رسول الله، ما في داعي أسأله، هذا من باب التوقير للنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قد يكون شعر أن سؤاله لجابر قد يخدش في مقام الأدب مع النبي عليه الصلاة والسلام، أنه كأنني لما أسأل جابراً كأنني يا رسول الله أشك في كلامك، وأنا حاشى أن أشك في كلامك. فمناقشته وعدم قبوله ابتداءً من باب الأدب وليس من باب سوء الأدب.
فهمتم؟ أنت كيف لك واحد من الناس تحترمه، أو شيخك، أو والدك، إذا قلت له: اذهب واسأل فلاناً حتى تتأكد، يقول: يا أبا، أنا مستحيل لا لا، أنا خلص واثق فيك. فهنا مناقشة أدبية أصلاً وليست مناقشة في خلاف ذلك. بعض مواقف النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر أو غيره، يقرر له ما حصل، نعم هذا كله من طلب زيادة اليقين، ولكن كان تسري للصحابة.
في مواقف كثيرة وقعت في السيرة، ويكون فيها معجزات أو أشياء ما كانت تُعهد، فيأمر الرجل أن يتكلم أمام الصحابة حتى يسمعوا منه مباشرة؛ ليروا العجب، في مثل هذا يحصل هذا وهذا. وأنا أعتقد أن محصله أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يزيد المؤمنين إيماناً؛ لأنه أحياناً في بعض المشاهد أنت مؤمن وما شاء الله عليك، ومن طلاب العلم ومن الناس الأخيار، لكن فرق بين عين اليقين، وفي مواقف فعلاً أنت تحتاج تسمعها من صاحبها، لأن سيكون لها أثر وبصمة في قلبك تختلف عما لو سمعتها أو قيل وقال، وما شابه ذلك، والله أعلم.
قال رحمه الله: باب ما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم من الفضل. قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا يزيد بن أبي حكيم، قال: حدثنا الحكم أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: إن الله تعالى فضل محمداً على الأنبياء وعلى أهل السماء. فقالوا: يا أبا عباس، لِمَ فضله على أهل السماء؟ قال: إن الله قال لأهل السماء: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ﴾ [الأنبياء: 29]. أبو العباس هو نفسه ابن عباس؛ لأنه هو كنيته أبو العباس، نعم.
قال الآية، وقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 1-2]. قال: فما فضله على الأنبياء؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4] الآية، وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ [سبأ: 28]، فأرسله إلى الجن والإنس.
قال أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد، قال حدثنا زمعة عن سلمة عن عكرمة عن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فتسمع حديثهم، فإذا بعضهم يقول: عجباً إن الله اتخذ من خلقه خليلاً، فإبراهيم خليله، وقال آخر: وما بأعجب من ذلك، وكلم الله موسى تكليماً، وقال آخر: فعيسى كلمه الله وروحه، وقال آخر: وآدم اصطفاه الله. فخرج عليهم فسلم وقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم، أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجي الله وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك غلق الجنة ولا فخر، أنا أول من يفتح باب الجنة.
فيفتح الله فيدخلنيها ومن معي، ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر. قال حدثنا سعيد بن سليمان عن منصور بن أبي الأسود عن ليث عن شهر بن حوشب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أولهم خروجاً، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا مستشفعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا يئسوا، الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي، يطوف علي ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور». كان أولهم خروجاً، أي أول من ينشق عنه القبر عليه الصلاة والسلام.
قال أخبرنا عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال حدثنا بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن صالح هو ابن عطاء بن خباب مولى بنديل عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر». قال حدثنا محمد بن عباد، قال حدثنا سفيان وهو ابن عيينة عن ابن جدعان. الشافع هو الذي يقوم بالشفاعة، والمشفع هو الذي يؤذن له بالشفاعة، هو يقول: «أنا أول شافع وأول مشفع»، يعني يؤذن له.
قال عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا أول من يقرع حلقة باب الجنة، فأوقع قعقعتها». قال أنس: كأني أنظر إلى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه يضرب بها حتى يفتح الملك الباب. وصف لنا سفيان كذا وجمع أبو عبد الله أصابعه وحركها. قال وقال له ثابت: مسست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدك؟ قال: نعم، قال: فأعطنيها أقبلها. جميل هذا الحديث.
قال أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن المختار بن فلفل عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أول شفيع في الجنة». قال أخبرنا عبد الله بن صالح، قال حدثني ليث، قال حدثني يزيد بن عبد الله بن الهاد عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
«أنا أول شفيع في الجنة» ممكن يحمل هذا على عدة معاني، ومن أشهرها: أنا أول شفيع في فتح باب الجنة، تمام، وإن كان يمكن أن يحمل أيضاً: أنا أول شفيع في إدخال الناس الجنة؛ لأن كلمة أول إذا كان معناها أن هناك ثاني، الجنة إذا فتحت خلص فُتحت. فالآن يقول: «أنا أول شفيع في الجنة»، هل المراد أول شفيع بمعنى أول من يفتح باب الجنة؟ معناتها إذا قلنا الأول قد يُفهم أنه في ثاني، وهذا غير ظاهر؛ لأنه إذا فتح باب الجنة فُتح، أو يكون المراد: أنا أول شفيع في الجنة، أي أنا أول من يشفع في إدخال الناس الجنة، وهذا لا إشكال أن يكون من يأتي بعده من الصالحين والأنبياء فيشفعون في إدخال الناس الجنة، هذا لا إشكال فيه، وهذا قد يكون المعنى الثاني أظهر.
قال أخبرنا عبد الله بن صالح، قال حدثني ليث، قال حدثنا يزيد بن عبد الله بن الهاد عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أول الناس تنشق الأرض عن جمجمته يوم القيامة ولا فخر، وأعطى لواء الحمد ولا فخر، وأنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يدخل الجنة يوم القيامة ولا فخر، وآتي باب الجنة فآخذ بحلقتها فيقولون: من هذا؟ فأقول: أنا محمد، فيفتحون لي فأدخل، فأجد الجبار مستقبلي فأسجد له، فيقول: ارفع رأسك يا محمد، تكلم يُسمع منك، وقل يُقبل منك، واشفع تُشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي أمتي يا رب، فيقول: فاذهب إلى أمتك، فمن وجدت في قلبه مثقال حبة من شعير من الإيمان فأدخله الجنة، فأذهب فما وجدت في قلبه مثقال ذلك أدخلتهم الجنة، فأجد الجبار مستقبلي فأسجد له، فيقول: ارفع رأسك يا محمد، وتكلم يُسمع منك، وقل يُقبل منك، واشفع تُشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي أمتي يا رب، فيقول: اذهب إلى أمتك، فمن وجدت في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان فأدخله الجنة، فأذهب فمن وجدت في قلبه مثقال ذلك أدخلتهم الجنة، وفُرغ من حساب الناس، وأُدخل من بقي من أمتي في النار مع أهل النار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله ولا تشركون به شيئاً! فيقول الجبار: فبعزتي لأعتقنهم من النار، فيرسل إليهم فيخرجون من النار». قدمت وقد المشركون بجاكروا المؤمنين الذين دخلوا النار أنه: ها هيكم شايفين أنتم عبدتم الله وهيكم دخلتم معنا النار، فالله سبحانه وتعالى أبى أن يسوي بين هؤلاء حتى لو كانوا زناة وفجاراً.
فيدخلون الجنة، فيقول لهم أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون، فيقول الجبار: بل هؤلاء عتقاء الجبار.
قال أخبرنا عبد الله بن صالح، قال حدثني معاوية عن يونس بن ميسرة عن أبي إدريس الخولاني عن ابن غنم قال: نزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق بطنه، ثم قال جبريل: قلب وكيع، فيه أذنان سميعتان وعينان بصيرتان، محمد رسول الله المقفي الحاشر، خلقك قيم ولسانك صادق ونفسك مطمئنة. ومعنى وكيع يعني كما قال الدارمي: شديد، قلب وكيع يعني قلب قوي شديد.
قال أخبرنا عبد الله بن صالح، قال حدثني معاوية عن عروة بن رويم عن عمر بن قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أدرك بي الأجل المرحوم واختصرني اختصاراً، فنحن الآخرون ونحن سابقون يوم القيامة، وإني قائل قولاً غير فخر: إبراهيم خليل الله، وموسى صفي الله، وأنا حبيب الله». إن الله أدرك بي الأجل المرحوم، يعني أعطاه ما لم يعطِ غيره في أمته، وجعل عمر هذه الأمة مع أنه قصير لكن فيه من البركة ما لا يوجد في أعمار الأمم السابقة.
واختصرني اختصاراً، الظاهر أنه وجعل وقت أمته مختصراً مقارنة بأوقات الأمم السابقة.
قال صلى الله عليه وسلم: «ومعي لواء الحمد يوم القيامة، وإن الله وعدني في أمتي وأجارهم من ثلاث: لا يعمهم بسنة، ولا يستأصلهم عدو، ولا يجمعهم على ضلالة».
باب ما أكرم النبي صلى الله عليه وسلم بنزول الطعام من السماء. قال حدثنا محمد بن مبارك، قال حدثنا معن بن يحيى، قال حدثنا أرطاة بن منذر عن ضمرة بن حبيب، قال سمعت مسلمة السكوني، وقال غير محمد: مسلمة السكوني، قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال قائل: يا رسول الله، هل أُتيت بطعام من السماء؟ قال: نعم أوتيت بطعام، قال: يا نبي الله هل كان فيه من فضل؟ قال: نعم، قال: فما فعل به؟ قال: رفع إلى السماء، وقد أُوحِي إلي أني غير لابث فيكم إلا قليلاً، ثم تلبثون حتى تقولوا: متى متى؟ ثم تأتوني أفناداً، يفني بعضكم بعضاً بين يدي الساعة، موتان شديد، موتان شديد. موتان شديد أي الهرج والمرج الذي يكون قبيل الساعة.
وبعده سنوات الزلازل. قال أخبرنا عثمان بن محمد، قال حدثنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا سليمان التيمي عن أبي العلاء عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتي بقصعة من ثريد فوضعت بين يدي القوم، فتعاقبوها إلى الظهر من غدوة، فيقوم قوم ويجلس آخرون، فقال رجل لسمرة بن جندب: أما كانت تمد؟ فقال سمرة: ومن أي شيء تعجب؟ ما كانت تمد إلا من هنا، وأشار بيده إلى السماء. يعني ما كان إلا من الله سبحانه وتعالى.
باب في حسن النبي صلى الله عليه وسلم. قال حدثنا محمد بن سعيد، قال أخبرنا عبد الرحمن بن محمد عن الأشعث بن سوار عن أبي إسحاق عن جابر بن سمرة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة ضحيان، وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو كان أحسن في عيني من القمر. قال أخبرنا إبراهيم المنذر، قال حدثنا عبد العزيز بن أبي فديك، قال حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن أخي موسى عن عمه موسى عن كريب عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلج الثنيتين، إذا تكلم رُؤي كالنور يخرج من بينهما. أفلج الثنيتين أي بين الثنيتين هناك فراغ، وهذا كان مستحسناً عند العرب، التباعد بين الأسنان.
قال أخبرنا حجاج بن عفان، قال أخبرنا محمد بن محمود بن غيلان، قال حدثنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا مسعر عن الملك بن عمير قال: قال ابن عمر: ما رأيت أحداً أنجد ولا أجود ولا أشجع ولا أوضأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأنجد هو الذي الفزعة، تعرف يقول لك فلان يعني عنده فزعة.
قال أخبرنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال حدثنا عبد الله بن موسى، قال حدثنا أسامة بن زيد عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: قلت للربيع بنت معوذ بن عفراء.
عفراء، صفي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا بني، لو رأيته رأيت الشمس طالعة.
قال: أخبرنا حجاج بن منهال قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا ثابت عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون، لونه أبيض مشرب بحمرة. قالت: كان عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ، وما مسست حريرة ولا ديباجة ألين من كفه، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحته، مسكاً ولا غيرها.
تكفأ مرت معنا، وكثيراً ما شرحتها لكم، وهي المشية التي تكون يمين وشمال بقوة الرجل.
قال: أخبرنا أبو النعمان قال: حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس بن مالك قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما قال لي أف قط، ولا قال لشيء صنعته: لم صنعت كذا وكذا؟ وهلا صنعت كذا وكذا؟ وقال: لا والله، ما مسست بيدي ديباجاً ولا حريراً ألين من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا وجدت ريحاً قط أو عرفاً كان أطيب من عرف أو ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: أخبرنا محمد بن يزيد الرفاعي قال: حدثنا أبو بكر عن حبيب بن خدرة قال: حدثني رجل من بني حريش قال: كنت مع أبي حين رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك، فلما أخذته الحجارة أرعبت، فضمني إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسال عليه من عرق إبطه مثل ريح المسك.
قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا زهير عن أبي إسحاق عن البراء قال: سأله رجل قال: أرأيت، كان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا، مثل القمر. المراد مثل السيف في بريقه، وليس في حدته، فقال: لا، هو في بريقه أشد بريقاً من السيف، هو مثل القمر.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا شريك عن الأعمش عن إبراهيم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف بالليل بطيب الريح.
قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل قال: حدثنا إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي قال: أخبرنا المغيرة بن عطية عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلك طريقاً، أو لا يسلك طريقاً فيتبعه أحد، إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرقه، أو قال: من ريح عرفه. من طيب عرقه، وفي نسخة أو رواية أخرى بالشك: من ريح عرفه، أي من رائحته الطيبة التي يضعها، وكلاهما طيب عرقه ورائحته التي يضعها.
باب ما أكرم الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم من كلام الموتى. قال: أخبرنا جعفر بن عون قال: أخبرنا محمد بن عمر الليثي عن أبي سلمة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الهدية ولا يقبل الصدقة، فأهدت له امرأة من يهود خيبر شاة مصلية، فتناول منها وتناول منها بشر بن البراء، ثم رفع النبي صلى الله عليه وسلم يده ثم قال: إن هذه تخبرني أنها مسمومة. فمات بشر بن البراء، فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ما صنعت؟ فقالت: إن كنت نبياً لم يضرك شيء، وإن كنت ملكاً أرحت الناس منك. فقال في مرضه: ما زلت من الأكلة التي أكلت بخيبر، هذا أوان انقطاع أبهري.
نعم، في مرضه الذي مات فيه قال: هذا أوان انقطاع أبهري. والأبهر هو شريان في الجسد، يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان كثير من العلماء يقول إنه مات شهيداً لأنه مات مسموماً عليه الصلاة والسلام.
قال: أخبرنا الحكم بن نافع قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ذراعاً فأكل منها، وأكل الرهط من أصحابه معه، ثم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ارفعوا أيديكم. وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليهودية فدعاها، فقال لها: أسممت هذه الشاة؟ فقالت: نعم، ومن أخبرك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخبرتني هذه في يدي الذراع. قالت: نعم. قال: فماذا أردت إلى ذلك؟ فقالت: قلت إن كان نبياً لم يضره، وإن لم يكن نبياً استرحنا منه. قال: فأعفى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة. واحتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أبو هند مولى بني بياضة بالقرن والشفرة، وهو من بني ثمامة وهم حي من الأنصار.
قال: أخبرنا عبد الله بن صالح قال: حدثني ليث قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود. فجمعوا له، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أبوكم؟ قالوا: أبونا فلان. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتم، بل أبوكم فلان. قالوا: صدقت وبررت. فقال لهم: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم؟ فقالوا: نعم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفت في آبائنا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن أهل النار؟ فقالوا: نكون فيها يسيراً، ثم تخلفون فيها. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبداً. ثم قال لهم: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم. قال: هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟ فقالوا: نعم. قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذباً نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك.
باب في سخاء النبي صلى الله عليه وسلم. قال: أخبرنا محمد بن يوسف عن سفيان عن ابن المنكدر عن جابر قال: ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال: لا. قال أبو محمد: قال ابن عيينة: إذا لم يكن عنده وعد. قال عبد الله بن عمران: وعد، إذا لم يكن عنده شيء فيعد الرجل خيراً، يعني إذا كان عنده شيء ما يقول لا، طيب إذا لم يكن عنده شيء يقول سفيان كان يعد خيراً.
عن زمعة عن أبي حازم قال: أخبرنا أحمد بن أبي خالد قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد قال عن محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن رجل من العرب قال: زحمت رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حنين، وفي رجلي نعل كثيفة، فوطئت بها على رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنفحني نفحة بسوط في يده، وقال: بسم الله، أوجعتني! قال: فبدت لنفسي لائماً، أقول: أوجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال: فبت بليلة كما يعلم الله، فلما أصبحنا إذا رجل يقول: أين فلان؟ قال: قلت: هذا والله الذي كان مني بالأمس. قال: فانطلقت وأنا متخوف، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك وطئت بنعلك على رجلي بالأمس فأوجعتني، فنفحتك نفحة بالسوط، فهذه ثمانون نعجة فخذها بها.
قال: أخبرني يعقوب بن محمد، قال النبي عليه الصلاة والسلام جاء يحاسبه، طبعاً كان الحديث فيه ضعف لكنها القصة روية في كتب الزهد.
قال: أخبرنا يعقوب بن حميد قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن ابن أخي الزهري عن الزهري قال: إن جبريل قال: ما في الأرض أهل عشرة أبيات إلا فليتهم، فما وجدت أحداً أشد إنفاقاً لهذا المال من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
باب في تواضع النبي صلى الله عليه وسلم. قال: أخبرنا محمد بن حميد قال: حدثنا الفضل بن موسى، فليتهم يعني فتشت في حالهم وعرفت صفاتهم، فما وجدت أحداً أقرب من النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: حدثنا حسين بن واقد عن يحيى بن عقيل عن عبد الله بن أبي أوفى فقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف ولا يستنكف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي لهما حاجتهما.
باب في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال العباس رضي الله عنه: لأعلمن ما بقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، فقال: يا رسول الله، إني أراهم قد آذوك وآذاك غبارهم، فلو اتخذت عريشاً تكلمهم منه؟ قال: فقال: لا أزال بين أظهرهم يطؤون عقبي ونازعوني ردائي، حتى يكون الله هو الذي يريحني منهم. قال: فعلمت أن بقاءه فينا قليل.
قال: أخبرنا الحكم بن موسى قال: حدثنا يحيى بن حمزة عن الأوزاعي عن داود بن علي قال: قيل يا رسول الله، ألا نحجبك؟ فقال: لا، دعوهم يطئون عقبي وأطأ أعقابهم، حتى يريحني الله منهم. قال: أطأ عقبي وأطأ أعقابهم دلالة المناكفة، يعني نبقى في نزاعنا وإياهم حتى يريحني الله، وراحة الله له تكون بوفاته عليه الصلاة والسلام.
قال: أخبرنا زكريا بن عدي قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل عن أنيس بن أبي يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه ونحن في المسجد، عاصباً رأسه بخرقة، حتى أهوى نحو المنبر فاستوى عليه، واتبعناه، قال: والذي نفسي بيده إني لأنظر إلى الحوض من مقامي هذا. ثم قال: إن عبداً عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة. قال: فلم يفطن لها أحد غير أبي بكر، فذرفت عيناه فبكى، ثم قال: عرف من هو هذا العبد؟ أبو بكر هو الذي عرف من المقصود.
قال: ثم قال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا يا رسول الله. قال: ثم هبط، فما قام عليه حتى الساعة. قال: أخبرنا، ما قام عليه يعني هبط من المنبر، فكان هذا آخر صعود له على المنبر عليه الصلاة والسلام.
قال: أخبرنا خليفة بن خياط قال: حدثنا بكر بن سليمان قال: حدثنا ابن إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن عمر عن علي بن عدي عن عبيد مولى الحكم بن أبي العاص عن عبد الله بن عمر عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي. فانطلقت معه في جوف الليل، قال: فلما وقف عليهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى. ثم أقبل علي فقال: يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي. قلت: بأبي أنت وأمي، خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة. قال: لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي. ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف، فبدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي مات فيه.
قال: أخبرنا سعيد بن سليمان عن عباد بن العوام عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة، فقال: لقد نعيت إلي نفسي. فبكت، فقال: لا تبكي، فإنك أول أهلي لحاقاً بي. فضحكت، فرآها بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا فاطمة، رأيناك بكيت ثم ضحكت؟ قالت: إنه أخبرني أنه قد نعيت إليه نفسه فبكيت، فقال: لا تبكي فإنك أول أهلي بي، فضحكت.
قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن، وهم أرق أفئدة، الإيمان يمان والحكمة يمانية.
قال: أخبرنا الحكم بن المبارك قال: أخبرنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن ابن شايع عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة قالت: رجع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم من جنازة من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعاً وأنا أقول: وراساه! قال: بل أنا يا عائشة وراساه! قال: وما ضرك لو مت قبلي، فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك؟ فقلت: لكأني بك والله لو فعلت ذلك لرجعت إلى بيتي، فعرست فيه ببعض نسائك! قالت: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بدئ في وجعه الذي مات فيه.
قال: أخبرنا فروة بن أبي المغراء قال: حدثنا إبراهيم بن مختار عن محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب عن عروة عن عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه: صبوا علي سبع قرب من سبع آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم. قالت: فأقعدناه في مخضب لحفصة، فصببنا عليه الماء صباً أو شننا عليه بالطست الكبير، نعم، أو شننا عليه شناً، الشك من قبل محمد بن إسحاق، فوجد راحة فخرج، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، واستغفر لشهداء من أصحابه.
ثم قال: «أما بعد، فإن الأنصار عيبتي التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم». عيبتي؛ أي فزعتي كما يقولون.
قال: «فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم، إلا في حد، إلا أن عبداً من عباد الله قد خير بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله». فبكى أبو بكر وظن أنه يعني نفسه، فقال النبي ﷺ: «على رسلك يا أبا بكر، سدوا هذه الأبواب الشوارع إلى المسجد إلا باب أبي بكر، فإني لا أعلم أمراً أفضل عندي يداً في الصحبة من أبي بكر».
قال: أخبرنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا فليح بن سليمان عن سليمان بن عبد الرحمن عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: أوذن رسول الله ﷺ بالصلاة في مرضه فقال: «مروا أبا بكر يصلي بالناس». ثم أغمي عليه، فلما سري عنه قال: «هل أمرتم أبا بكر يصلي بالناس؟». فقلت: يا أبتاه، إن أبا بكر رجل رقيق، فلو أمرت عمر؟ فقال: «أنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر يصلي بالناس».
كان هناك نوع من المكر، عائشة ماذا كانت تريد في الحقيقة؟ عائشة كانت تتوقع أنه إذا أبو بكر أمّ الناس في هذه المرحلة سيتشاءم الناس به، ويربط بين إمامته وبين وفاة النبي ﷺ، فكانت تريد يا رسول الله أن أبا بكر رجل أسيف ويبكي. هي ليست هكذا قصدها، هي لا تريد أن يتشاءم الناس بأبيها، فقالت: مر عمر فليصل بالناس، فقال: «إنكن صواحب يوسف»، يعني اللي هم النسوة اللاتي كدن ليوسف، قال: «هذا كيد منكن، ولا أنتن تعرفون أن أبا بكر هو الأحق بهذا المقام».
قال فرب قائل متمن، ويأبى الله والمؤمنون. أخبرنا سليمان بن حرب، قال: رب قائل يعني متمن، يعني كان النبي ﷺ يشير أن بعض الناس سيتمنون هذا المنصب، منصب الإمامة والزعامة، قال: «ويأبى الله ورسوله إلا أبا بكر».
قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال: توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين، فحبس بقية يومه وليلته والغد حتى دفن ليلة الأربعاء. وقالوا؛ أي هو توفي يوم الاثنين، لكن ترك حتى يوم الأربعاء لحتى يجتمع الناس ويصل الخبر وتتجمع الأمور، وكانت لسه سقيفة بني ساعدة أصلاً يوم الثلاثاء قبل الدفن بيوم، لأن الصحابة عرفوا أن هذا الأمر إذا فلت الآن لن يكون له قائمة.
وقالوا إن رسول الله ﷺ لم يمت ولكنه عرج بروحه كما عرج بروح موسى، فقام عمر فقال: إن رسول الله ﷺ لم يمت ولكنه عرج بروحه كما عرج بروح موسى، والله لا يموت رسول الله ﷺ حتى يقطع أيدي أقوام وألسنتهم. فلم يزل عمر يتكلم حتى أزبد شقاه مما يعد ويقول؛ صار يخرج البساق من هنا وهنا، بتعرف الإنسان لما يتكلم بشدة.
قال فقام العباس فقال: إن رسول الله ﷺ قد مات، وإنه لبشر، وإنه يأسى كما يأسى البشر، أي قومي فادفنوا صاحبكم، فإنه أكرم على الله من أن يميته أماتتين، أيميت أحدكم أماتةً ويميتُه؟
معنى يأسى، أي يأتي عليه ما يأتي على البشر، التغير، غير متغير، لأنه يعتريه ما يعتري البشر من المرض والموت وما شابه ذلك. أيميت أحدكم أماتتين؟ هو أكرم على الله من ذلك، أي قوم فادفنوا صاحبكم، فإن يكُ كما تقولون فليس بعزيز على الله أن يبحث عنه التراب، إن رسول الله ﷺ والله ما مات حتى ترك السبيل نهجاً واضحاً، فأحل الحلال وحرم الحرام ونكح وطلق وحارب وسالم، ما كان راعي غنم يتبع بها صاحبها رؤوس الجبال، يخبط عليها بمخبطة ويمدر حوضها بيده، بأنصب ولا أذب من رسول الله ﷺ ما كان فيكم، أي قوم فادفنوا صاحبكم.
الآن كيف الراعي بيكون حريصاً على غنمه وحريصاً على بئره ويهتم بها؟ لم يكن هذا الراعي أحرص على راعيته من حرص النبي ﷺ على أمة الإسلام، شوف المثل الجميل، يعني ليلاً ونهاراً يفكر النبي ﷺ بهذه الأمة ومشروعها ودعوتها وإصلاح أمرها.
وجعلت أم أيمن تبكي، فقيل لها: يا أم أيمن تبكي على رسول الله ﷺ؟ قالت: إني والله ما أبكي على رسول الله ﷺ إلا كوني أعلم أنه قد ذهب إلى ما هو خير له من الدنيا، ولكني أبكي على خبر السماء انقطع. قال حماد: خانقت العبرة أيوب حين بلغها هنا انقطاع جبريل عن الأرض.
قال أخبرنا عبد الوهاب بن سعيد الدمشقي قال حدثنا شعيب هو ابن إسحاق قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني يعيش بن الوليد قال حدثني مكحول أن النبي ﷺ قال: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي». سبحان الله، قال حدثنا أبو نعيم قال: «فليذكر مصابه بي، فإنها من أعظم المصائب»، يعني تذكرت مصيبتك بفقد النبي ﷺ هانت مصائبك الأخرى.
قال حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف قال حدثنا سفيان عن عمر بن محمد عن أبيه قال: ما سمعت ابن عمر يذكر النبي قط إلا بكى. قال أخبرنا أبو النعمان قال حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس بن مالك أن فاطمة قالت لأنس: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب؟ وقالت: يا أبتاه من ربه ما أدناه، وابتاه جنة الفردوس مأواه، وابتاه إلى جبريل ننعاه، وابتاه أجاب رباً دعاه. قال حماد: حين حدث ثابت بكى، وقال ثابت: حين حدث أنس بكى.
قال حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، وذكر النبي ﷺ قال: شهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوماً قط أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله ﷺ، وشهدت يوم موته فما رأيت يوماً كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله ﷺ.
قال حدثنا عبد الله بن مطيع قال حدثنا هشيم عن أبي عبد الجليل عن أبي حريز الأزدي قال: قال عبد الله بن سلام للنبي ﷺ: يا رسول الله، إنا نجدك يوم القيامة قائماً عند ربك وأنت محمارّ وجنتاك، مستحيٍ من ربك مما أحدثت أمتك من بعدك. قال أخبرنا القاسم بن كثير قال سمعت عبد الرحمن ابن شريح يحدث عن أبي الأسود القرشي، إنا نجدك يعني أي في التوراة، أي أننا نجدك في التوراة من نعتك أنك يوم القيامة تكون واقفاً عند ربك وجنتاك محمرتان لما ترى مما أحدثته أمتك من بعدك، هذا من علاماته المذكورة في التوراة.
قال أخبرنا قاسم بن كثير قال سمعت عبد الرحمن بن شريح يحدث عن أبي الأسود القرشي عن أبي قرة مولى أبي جهل عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أن هذه السورة لما أنزلت على رسول الله ﷺ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: 1-2]. قال رسول الله ﷺ: «ليخرجن منه أفواجاً كما دخلوه أفواجاً». قال أخبرني أبو بكر المصري عن سليمان أبي أيوب يخرجن منه أي من الإسلام، لذلك أول ما مات ﷺ ارتدت العرب.
عن يحيى بن سعيد الأموي عن معروف بن خربوذ المكي عن خالد بن معدان قال: دخل عبد الله بن الأهتم على عمر بن عبد العزيز مع العامة، فلم يفجع عمر إلا وهو بين يديه يتكلم، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الله خلق الخلق غنياً عن طاعتهم، آمناً لمعصيتهم، والناس يومئذ في المنازل والرأي مختلفون، فالعرب بشر تلك المنازل، أهل الحجر وأهل الوبر وأهل المدر، تجتاز دونهم طيبات الدنيا ورخاء عيشها، لا يسألون الله جماعة ولا يتلون له كتاباً، ميتهم في النار وحيهم أعمى، إذا تجتاز دونهم طيبات الدنيا ورخاء عيشها يعني دلالة أنهم في حالة صعبة، ايش كانت العرب في حالة صعبة وما عندهم شيء.
ولا يتلون له كتاباً، لا يسألون الله جماعة ما عندهم دولة ولا عندهم حكم، ولا يتلون له كتاباً ما عندهم كتب سماوية العرب. وحيهم أعمى مع ما لا يحصى من المرغوب عنه والمزهود فيه، فلما أراد الله أن ينشر عليهم رحمته بعث إليهم رسولاً من أنفسهم.
كانت العرب تعتبر في تلك الحقبة قبل الإسلام لا قيمة لها عند الأمم، حيهم أعمى يعني مبتعد عنه، يعني الأمم الروم والفرس ما حدا شايفهم، العرب باختصار أنقذهم الله وجعل لهم قيمة وتاريخ بالإسلام العظيم.
قال فلما أراد الله أن ينشر إليهم رحمته بعث إليهم رسولاً من أنفسهم، عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم صلى الله عليه وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، فلم يمنعهم ذلك أن جرحوه في جسمه ولقبوه في اسمه، ومعه كتاب من الله ناطق، لا يقدم إلا بأمره ولا يرحل إلا بإذنه، فلما أمر بالعزمة وحمل إلى الجهاد، قد انبسط لأمر الله لوثه، فأفلج الله حجته وأجاز كلمته وأظهر دعوته، فأفلج الله حجته يعني أظهرها، وأظهر دعوته، فارق الدنيا تقياً نقياً.
ثم قام بعده أبو بكر فسلك سنته وأخذ سبيله، وارتدت العرب أو من فعل ذلك منهم، فأبى أن يقبل منهم بعد رسول الله ﷺ إلا الذي كان قابلاً، فانتزع السيوف من أغمادها، وأوقد النيران في شعلها، ثم ركب بأهل الحق أهل الباطل، فلم يبرح يقطع أوصالهم ويسقي الأرض دماءهم حتى أدخلهم في الذي خرجوا منه، وأقررهم بالذي نفروا عنه.
وقد كان أصاب من مال الله بكراً يرتوي عليه وحبشية أرضت، ورأى ذلك عند موته غصة في حلقه، فأدى ذلك إلى الخليفة من بعده، وفارق الدنيا تقياً نقياً على منهاج صاحبه. ثم قام بعده عمر بن الخطاب، فمصر الأمصار، وخلط الشدة باللين، وحسر عن ذراعيه وشمر عن ساقيه، وأعد للأمور أقرانها وللحرب آلتها، فلما أصابه قين المغيرة بن شعبة، أمر ابن عباس يسأل الناس هل يثبتون قاتله؟ فلما قيل له: قين المغيرة بن شعبة، استهل بحمد يحمد ربه ألا يكون أصابه ذو حق في الفيء، فيحتج عليه بأنه إنما استحل دمه بما استحل من حقه، وقد كان أصاب من مال الله، أي يوم القيامة أنا قتلت عمر لأنه أخذ حقي لذلك قتلني رجل كافر.
وكره بها كفالة أولاده فأداها إلى الخليفة من بعده، وفارق الدنيا تقياً نقياً على منهاج صاحبيه. ثم إنك يا عمر بنيت الدنيا، ولدتك ملوكها وألقمتك ثدييها، ونبت فيها تلتمسها مضانها، فلما وليتها ألقيتها حيث ألقاها الله، هجرتها وجفوتها وقدرتها إلا ما تزودت منها، فالحمد لله الذي جلى بك كربتنا وكشف بك كربتنا، فامضِ ولا تلتفت، فإنه لا يعز على الحق شيء ولا يذل على الباطل شيء، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات. قال أبو أيوب: فكان عمر بن عبد العزيز يقول في الشيء قال لي ابن الأهتم: امضِ ولا تلتفت.
امضِ ولا تلتفت يعني امشِ في مشروعك، امضِ في هذه الأمة، يعني كان عمر بن عبد العزيز أعجب بهذه النصيحة من ابن الأهتم، لما قال له امضِ ولا تلتفت، وهذه قاعدة الشاب المسلم الذي يريد الإصلاح، الذي يريد أن يرتقي بالناس، الذي يريد أن يكون له أثر وبصمة حقيقة، بده يمشي على قاعدة ابن الأهتم التي قالها لعمر بن عبد العزيز: امضِ ولا تلتفت. إذا بدك تحسب كلام الناس وتخوفات الناس وتعليقات الناس وتتابع الجمهور ما بتمشي لحياة، ما لا يمكن، لا يكون هناك إصلاح، لذلك عادة المتميزون الناجحون القادة الدعاة المصلحون يمضي في هذه الحياة، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
باب ما أكرم الله تعالى نبيه ﷺ بعد موته، قال حدثنا أبو النعمان قال حدثني سعيد بن زيد قال حدثنا عمرو بن مالك النكري قال حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال: قحط أهل المدينة قحطاً شديداً، فشكوا إلى عائشة، فقالت: انظروا قبر النبي ﷺ فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف. قال: ففعلوا، فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق. قال أخبرني مروان بن محمد عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما كان أيام الحرة لم يؤذن في.
مسجد النبي ﷺ ثلاثًا ولم يقم، ولم يبرح سعيد بن المسيب المسجد، وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي ﷺ.
معناه: قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثنا الليث، قال حدثني خالد -هو ابن يزيد- عن سعيد -هو ابن أبي هلال- عن نبيه عن وهب: أن كعبًا دخل على عائشة فذكروا رسول الله ﷺ، فقال كعب: ما من يوم يطلع إلا نزل سبعمائة من الملائكة حتى يحفوا بقبر النبي ﷺ، يضربون بأجنحتهم ويصلون على رسول الله ﷺ، حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط مثلهم، فصنعوا مثل ذلك؛ حتى إذا شقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفًا من الملائكة يزفونه.
باب اتباع السنة: وهذا طبعًا لا يوجد، لاحظ في شيء من ذلك التصريح بالتوسل بقبر النبي ﷺ، حتى حديث عائشة على ما فيه من الضعف، إنما فيه أنه فُتح قبر النبي ﷺ على السماء، فببركة هذا القبر نزل المطر؛ بدون ما أن يثبت أن عائشة ذهبت فتوسلت بالقبر، أو قالت لأحد من الصحابة: اذهب فتوسل بالقبر، أو لأحد التابعين. ونحن لا نشك ببركة قبر النبي ﷺ وموطنه وتربته، لكننا إنما نمنع أن يُتخذ عيدًا، وأن يُدعى، وأن يُتوسل به بعد موته أو يُستغاث به؛ فإنه لم يأمرنا بذلك، ولم يكن هذا من فعل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بعد وفاته.
كتاب السنة، باب اتباع السنة: كتاب السنة أي العقيدة، الآن العقيدة تسمى السنة.
باب اتباع السنة: قال أخبرنا أبو عاصم، قال أخبرنا ثور بن يزيد، قال حدثني خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو عن العرباض بن سارية قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الفجر، ثم وعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون وأوجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا. فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والمحدثات، فإن كل محدثة بدعة». وقال أبو عاصم مرة: «وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة».
قال أخبرنا أبو المغيرة، قال حدثنا الأوزاعي عن يونس بن يزيد عن الزهري قال: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض قبضًا سريعًا، فنعش العلم ثبات الدين والدنيا، وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله. قال أخبرنا أبو المغيرة، قال حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: إحياء العلم هو إنعاشه. تمام، إذا أُنْعِش العلم في أي بلد، في أي بيئة، في أي مجتمع، هذا فيه ثبات الدين والدنيا، وإذا ذهب العلم من القرية أو المدينة أو المصر، فهذا فيه هلاك الدين والدنيا، ولذلك دومًا ومن أهم مشاريع الإصلاح هي إحياء الحالة العلمية، وإقامة مجالس العلم، وتعليم الناس، وأن تُقرأ السنن والتفاسير والكتب والمصنفات؛ إنه بمقدار معرفة الناس بأمر دينهم بمقدار ما يكون الأمان والانضباط، وبمقدار ما تُهجر مجالس العلم التي يُذكر فيها قال الله، قال رسول الله ﷺ، بقدر ما يكون من الفساد والهلاك.
قال عبد الله بن الديلمي: بلغني أن أول الدين ترك السنة، يذهب الدين سنة كما يذهب الحبل قوة قوة. قال أخبرنا أبو المغيرة، قال حدثنا الأوزاعي عن حسان قال: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة. قال أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا وهيب، قال حدثنا أيوب عن أبي قلابة قال: ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف.
لأن الذي يبتدع بدعة يقاتل من عليها، ولذلك أظن الشاطبي مرت معنا في الاعتصام أن طبيعة أهل البدع -وهذا ليس مختصًا بالخوارج فقط- طبيعة أهل البدع أنهم يدافعون، أولًا يتعصبون لبدعتهم، ويكفرون مخالفهم، ويستحلون دمه؛ هذه من علامات أهل البدع، وهذه كما قال ليست خاصة بالخوارج، عموم أهل البدع يضيق عطنهم بالمخالفين لهم، بخلاف أهل السنة؛ فإنهم أرحم الناس بالناس وأرحم الناس بمخالفهم، فلا يستعجلون بتكفيره ولا سفك دمه، ويفتحون باب الأعذار. وأما «ما ابتدع قوم بدعة إلا استحلوا السيف»، بمعنى يستسهلون تكفير المخالف وسفك دمه.
قال أخبرنا سليمان بن حرب، قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة قال: إن أهل الأهواء أهل الضلالة، ولا أرى مصيرهم إلا إلى النار، فجربهم، فليس أحد منهم ينتحل قولًا أو قال حديثًا فيتناهى به الأمر دون السيف، وإن النفاق كان ضروبًا، ثم تلا: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾. «فيتناهى به الأمر دون السيف» أي أن أي واحد ينتحل قولًا خلاف السنة يتعصب له ويكفر عليه ثم يسفك الدماء بناءً على هذا.
قال: وإن النفاق كان ضروبًا، ثم تلا: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾، ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾، ومنهم ومنهم الذين يؤذون النبي؛ فاختلفت أقوالهم واجتمعوا في الشك والتكذيب، وإن هؤلاء اختلف قولهم واجتمعوا في السيف، ولا أرى مصيرهم إلا إلى النار. إن هؤلاء -أي أهل الأهواء- اختلف قولهم، هذا تلاقيه مثلًا في عقيدة معينة، وهذا في عقيدة أخرى، هذا في نفي الأسماء والصفات، وهذا في القضاء والقدر، وهذا... لكن أهل الأهواء يختلفون في الأقوال ويتفقون على ماذا؟ على استحلال الدماء، يختلفون في معتقداتهم ولكنهم يشتركون في أن بعضهم يستحل دماء بعض والعياذ بالله.
قال حماد: ثم قال أيوب عند ذا الحديث أو عند الأول -وكان والله من الفقهاء ذوي الألباب- يعني أبا قلابة.
كتاب العلم، باب التورع من الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة: قال أخبرنا عمرو بن عون، قال عن خالد بن عبد الله عن عطاء عن عامر عن ابن مسعود وحذيفة أنهما كانا جالسين، فجاء رجل فسألهما عن شيء، فقال ابن مسعود لحذيفة: أي شيء ترى يسألونني عن هذا؟ قال: يعلمونه ثم يتركونه. فأقبل إليه ابن مسعود، فقال: ما سألتمونا عن شيء من كتاب الله تعالى نعلمه أخبرناكم به، أو سنة من نبي الله ﷺ أخبرناكم به، ولا طاقة لنا بما أحدثتم.
«ولا طاقة لنا بما أحدثتم» يعني الشيء الذي لا نجد له شاهدًا من الكتاب والسنة يصعب علينا أن نتحدث فيه؛ شوف ورع الصحابة.
قال أخبرنا أبو نعيم، قال حدثنا المسعودي عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال: ما خطب عبد الله خطبة بالكوفة إلا شهدتها، فسمعته يومًا وسئل عن رجل يطلق امرأته ثمانية وأشباه ذلك، قال: هو كما قال. ثم قال: إن الله أنزل كتابه وبين بيانه، فمن أتى الأمر من قبل وجهه فقد بين له، ومن خالف؛ والله ما نطيق خلافكم.
قال أخبرنا أبو الوليد الطيالسي، قال حدثنا شعبة، قال أخبرني عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت النزال بن سبرة قال: شهدت عبد الله وأتاه رجل وامرأة في تحريم، فقال: إن الله قد بين، فمن أتى الأمر من قبل الوجه فقد بين، ومن خالفه فوالله ما نطيق خلافكم.
قال أخبرنا عبد الله بن سعيد، قال حدثنا حفص عن أشعث عن ابن سيرين أنه كان لا يقول برأيه إلا شيئًا سمعه. قال أخبرنا عبد الله بن سعيد، قال حدثنا عثام عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم يقول برأيه في شيء قط. قال أخبرنا أبو النعمان، قال حدثنا أبو عوانة عن قتادة قال: ما قلت برأيي منذ ثلاثين سنة. قال أبو هلال: منذ أربعين سنة.
قال حدثنا مخلد بن مالك، قال حدثنا حكام بن مسلم عن أبي خيثمة عن عبد العزيز بن رفيع قال: سئل عطاء عن شيء فقال: لا أدري. فقيل له: ألا تقول فيها برأيك؟ قال: إني لأستحي من الله أن يُدان في الأرض برأيي، أن يتعبد الناس برأيي؛ هكذا كان ورع السلف رضوان الله عليهم عن الفتيا.
قال أخبرنا إسماعيل بن أبان، قال أخبرنا حاتم -هو ابن إسماعيل- عن عيسى عن الشعبي قال: جاء رجل يسأله عن شيء، فقال: كان ابن مسعود يقول فيه كذا وكذا. قال: أخبرني أنت برأيك. فقال: ألا تعجبون من هذا؟ أخبرت عن ابن مسعود ويسألونني عن رأيي! وديني عندي آثر من ذلك، والله لا أتعنى.
«وديني عندي آثر من ذلك» يعني أنا لست مستعدًا أضيع ديني وإيمانياتي من أجله، لا، أنا أحافظ على ديني وما بدي أفتي.
والله لا أتعنى -بعينيه- أحب إلي من أن أخبرك برأيي. قال أخبرنا إسماعيل بن أبان، قال حدثنا حاتم عن عيسى عن الشعبي قال: إياكم والمقايسة، والذي نفسي بيده لأن أخذتم بالمقايسة لا تحلن الحرام ولا تحرمن الحلال، ولكن ما بلغكم عمن حُفظ من أصحاب محمد ﷺ فاعملوا به.
قال أخبرنا سعيد بن عامر عن ابن عون عن محمد بن سيرين عن علقمة قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: إنه طلق امرأته البارحة ثمانية. قال: بكلام واحد؟ قال: نعم. قال: فيريدون أن تبين منك امرأتك؟ قال: نعم. وجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته مئة. قال: بكلام واحد؟ قال: نعم. قال: فيريدون أن تبين منك امرأتك؟ قال: نعم. فقال عبد الله: من طلق كما أمره الله فقد بين الله الطلاق، ومن لبس على نفسه وكلنا به لبسه، والله ما تلبسون على أنفسكم ونتحمله نحن، هو كما تقولون.
قال أخبرنا سليمان بن حرب، قال حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن القاسم قال لي: يعيش الرجل جاهلًا بعد أن يعلم حق الله عليه خير له من أن يقول ما لا يعلم.
يعني أن بعد ما تتعلم، ما لا يسع المسلم أن يجهله، ثم تعيش جاهلًا أفضل أنك تتكلم على الله بدون علم.
قال أخبرنا سليمان بن حرب، قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال: سمعت القاسم يُسأل، فقال: والله إنا والله ما نعلم كل ما تسألون عنه، ولو علمنا ما كتمناكم ولا حل لنا أن نكتمكم. قال أخبرنا سعيد بن عامر عن ابن عون قال: سُئل القاسم عن شيء قد سماه، فقال: ما اضطررت إلى مشورة، وما أنا من ذا في شيء.
قال أخبرنا محمد بن كثير عن سفيان بن عيينة عن يحيى قال: قلت للقاسم: ما أشد علي أن تُسأل عن شيء لا يكون عندك وقد كان أبوك إمامًا! قال: إن أشد من ذلك عند الله وعند من عقل عن الله: أن أفتي عن غير علم أو أروي عن غير ثقة.
قال أخبرنا عمرو بن عون، قال أخبرنا هشيم عن العوام عن المسيب بن رافع قال: نعم. يعني يريدون أن يحكموا أنها بائن منك، هو طلق زوجته ثماني طلقات، فابن مسعود بيحكي له: أنت رحت سألته، حكوا لك إنه مراتك ستبين منك؟ فقال: نعم. فقال: هو كما قالوا، يعني في النهاية قال له: أنت لو طلقت بالطريقة الشرعية، طلقة وطلقتين، هذا هو الحد الشرعي، لما وقعت في لبس وفي إشكال، ولما احتجت إلى السؤال والتفاهم، القضية واضحة، لكن لما حضرتك عملت شيء مش في الكتاب والسنة؛ شيء طبيعي إنك تروح على أهل العلم ويجتهدوا، وقالوا لك إنها راح تبين منك، هو كما قالوا؛ فهمت علي؟ يعني هو يقول لو أنت مشيت على الكتاب والسنة، ربنا قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229]، كانت الأمور بالنسبة لك واضحة، لن تحتاج أن تسأل، تعرف متى العدة ومدى الحكم والقضية لا تحتاج إلى سؤال واستفصال، لكن لما أنت أحدثت، أحدثوا لك فتوى فقالوا لك إنها تبين، وأنت ما عندك مساحة؛ يلا بدك تتبعهم، ولو تمسكت بمنهج الكتاب والسنة لما أوقعت نفسك في هذا الحرج.
قال أخبرنا عمرو بن عون، قال أخبرنا هشيم عن العوام عن المسيب بن رافع قال: كانوا إذا نزلت قضية ليس فيها من رسول الله ﷺ أثر، اجتمعوا لها وأجمعوا، فالحق فيما رأوا.
قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا يزيد، سؤال القاسم، قال: سُئل القاسم عن شيء قد سماه، فقال: ما اضطررت إلى مشورة، وما أنا من ذا في شيء. يعني هو إيش يريد أن يقول القاسم؟ أحسنت، يعني أنا مش مضطر إني أروح أشاور حتى أجيك بالفتوى، أنت سألتني وأنا ما عندي جواب، ولست مضطرًا أن أستشير وأجمع أهل العلم حتى أشاورهم في أمري، اذهب إلى غيري، ربما غيري يجيبك؛ يعني هي البساطة وعدم تحميل النفس فوق طاقتها عند السلف رضوان الله عليهم.
قال أخبرنا يحيى بن حسان ومحمد بن مبارك قال حدثنا يحيى بن حمزة، قال حدثنا أبو سلمة الحمصي أن وهب بن عمرو الجمحي، حتى يحيى يقول: قلت للقاسم: ما أشد علي أن تُسأل عن الشيء ولا يكون عندك جواب.
وقد كان أبوك إمامًا، فقال: إن أشد من ذلك عند الله وعند من عقل عن الله أن أفتي بغير علم. يعني مش مشكلة لو قالوا إني جاهل، أفضل من أن أسأل أمام الله عز وجل عن فتوى قلتها بغير علم. نعم.
قال: أخبرنا يحيى بن حسان بن محمد بن مبارك، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا أبو سلمة الحمصي، عن وهب بن عمر الجمحي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها، فإنكم إن لا تعجلوها قبل نزولها لا ينفك المسلمون وفيهم إذا هي نزلت من إذا قال وفق وسدد، وإنكم إن تجعلوها تختلف بكم الأهواء، فتأخذوا هكذا وهكذا» -وأشار بين يديه وعن يمينه وعن شماله-.
قال: أخبرنا محمد بن، سبحان الله من فقه إذا المسألة والنازلة، بلية هي النازلة، إذا النازلة لم تقع ما في داعي أن تشتغلوا بحالها، لأنكم إذا اشتغلتم بها قبل وقوعها بصير كل واحد يحل القضية على ما يرى، لا أنت شو رأيك وهذا إيش رأيي، فتختلفون وتختصمون مع أنه لم يقع شيء، تمام؟ وأما إذا وقعت ونزلت واضطر العلماء جميعا للإجابة عنها، فإن الله يوفق من العلماء من يجد لها حلا ويخرجكم بها من الإشكال، وهذا إذا من منهج الإسلام تمام.
ذكرتموني في شخص أراد يشتري سيارة، فعم بكلم ولاده، بقول لهم رح أشتري سيارة، وقبل ما يشتري والده من السيارة، الابن يقول له: يابا أنا بدي أقعد في الكرسي الأمامي، بقول له لا، هذاك أنا بدي أقعد في الكرسي الأمامي، قال لهم اثنين نزلوا من السيارة، شوف مش شاري السيارة بعد، يعني هيك الحال بصير الناس تختلف وكذا وبحللوا الأوضاع. طيب إذا صار كذا كيف بدنا نحل يا أخوي؟ يصير بعدين بنتفاهم، أما أنا أقعد أنا وإياك نختصم ونختلف وأبطل أحكي معك ولا أنت بتحكي معي ولسه ما في شيء صار، هذا حال الناس. فهذا إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم: لا تستعجل في نقاش قضية لم تقع بعد في حياة الأمة، نعم.
قال: أخبرنا محمد بن مبارك، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، قال: حدثني أبو سلمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمر يحدث ليس في كتاب ولا سنة، قال: ينظر فيه العابدون من المؤمنين.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا معاذ بن معاذ، علي بن عون، قال: قال القاسم: إنكم لتسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها، وتنقرون عن أشياء ما كنا ننقر عنها، تنقرون يعني تنقبون عن أمور ما لم تطالبوا، نعم. قال: وتسألون أشياء ما أدري ما هي، ولو علمناها ما حل لنا أن نكتمكموها.
قال: أخبرنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عمر بن الأشج، أن عمر بن الخطاب قال: إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن. شبهات القرآن يعني هي الآيات المتشابهات، يجادلونكم بالآيات المتشابهات ويقول لك لا هي الآية لها احتمال، هي لها احتمال، فلذلك جادلوهم بالسنن، فإن السنن تفصيلية تلجم المناقش لأن خلص تعطيك التفاصيل، طيب. فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن هم أعلم بكتاب الله وأعلم في إسقاط الآيات ومواقعها.
أه أبو الحسن، هذا الشديد عن موضوع، نعم. أتصور في بالي، هل هو صحيح؟ الأصل المسائل إذا اختلف علماء وعليها، لذلك ينهى عن، هو ليس لازما أنه كل مسألة تطرح للنقاش يجب أن يختلف العلماء فيها قبل وقوعها، لكن عادة سبحان الله الفراغ والسعة تولد طول كلام، بخلاف لما تحصل النازلة أمامك بتلاقي ما فيش وقت أنه أنا وإياك نختلف، خلص احكي فيها وامشي، لأنه الآن الواقع يستحق أن نجتمع ما في مجال للأخذ والرد، لكن لما يكون الموضوع مش صاير والناس في سعة ورخاء، يكون التحليل التفصيلي والنقاش والردود تأخذ مساحة أكبر من المساحة التي يجب أن تأخذها طباعنا، سبحان الله. هذا والله أعلم، نعم. يلا خليه بياخذ عنك، يلا خذ عنه خذ عنه خليه، يعطيك العافية يا شيخ. مايك يا شيخ وبعدين معك يا شباب، يا رب.
قال: أخبرنا محمد بن عيينة، قال: حدثنا علي هو بن مسهر، عن هشام هو ابن عروة، عن محمد عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن زبير، قال: ما زال أمر بني إسرائيل معتدلا ليس فيه شيء، حتى نشأ فيه مولدون أبناء سبايا الأمم، أبناء النساء التي سبت بنو إسرائيل من غيرهم، فقالوا فيهم بالرأي فأضلوهم. باب كراهية الفتيا.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا حماد بن يزيد المنقري، قال: حدثني أبي، قال: جاء رجل يوما إلى ابن عمر فسأل عن شيء لا أدري ما هو، فقال له ابن عمر: لا تسأل عما لم يكن، فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن.
قال: أخبرنا الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر كان هذا؟ فإن قالوا نعم، قد كان حدث فيه بالذي يعلم والذي يرى، وإن قالوا لم يكن، قال: فذروه حتى يكون.
قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا أبو هشام المخزومي، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا داود عن عامر، قال: سئل عمر بن ياسر عن مسألة، فقال: هل كان هذا بعده؟ قالوا لا، قال: دعونا حتى يكون، فإذا كان تجشمناها لكم، يعني تعبنا أنفسنا في محاولة معرفة الحكم، نعم.
قال: أخبرنا محمد بن أحمد، قال: حدث سفيان، عن عمر، عن طاووس قال: قال عمر على المنبر: أحرج بالله على رجل يسأل عما لم يكن، فإن الله قد بين ما هو كائن. أحرج بالله يعني أستحلف بالله ما حدا يسأل عن شيء لم يكن، خلص الله عز وجل بين ما هو كائن واقع، نعم.
قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن فضيل، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس قال: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن؛ منهن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ﴾ [البقرة: 217] و﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]. قال: ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. ولذلك كان الصحابة يحبون أن يأتي الأعرابي ليسأل؛ لأنه هم بالنسبة لهم كانوا ملتزمين بكامل مقام الأدب مع النبي عليه الصلاة والسلام، 13 14 مسألة، أما الأعراب هم اللي أبدعوا في الأسئلة الكثيرة، نعم.
قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: أنبأنا ابن عون، عن ابن إسحاق قال: لمن أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ممن سبقني منهم، فما رأيت قوما أيسر سيرة ولا أقل تشديدا منهم. فعلا إخواني، من يقرأ سيرة الصحابة في التعامل مع قضايا التدين يجد السهولة واليسر والحياة العفوية المليئة بالصدق، وبعيدة عن التكلفات اللي ربما كثير من المتدينين وحتى بعض المتصدرين يتحدث فيها اليوم. إخواني فعلا بعض الشباب يعني يعطي نمطا للتدين فيه من الشدة والتعب والإرهاق والتعمق الزائد الذي لم يكن حتى في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، حياتهم كانت يسيرة، نعم.
يعني تحتاج ربما إلى تعمق أكثر، لكن ربما يتكلم عن المسائل مثلا الآن لا يدخل في هذا، مثلا يا رسول دلني على عمل كذا أو انصحني بكذا، قد يكون المراد المسائل الفقهية التي تحتاج إلى حكم واضح، أما المسائل السلوكية الأخلاقية التربوية، أظن هذا باب آخر، يعني فيه النصائح والزهد والرقائق باب يختلف والله أعلم، نعم.
قال: أخبرني العباس بن سفيان، عن زيد بن حباب، قال: أخبرني رجاء بن أبي سلمه، قال: سمعت عبادة بن نسي الكندي وسئل عن امرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي، فقال: أدركت أقواما ما كانوا يشددون تشديدكم ولا يسألون مسائلكم. قال: أخبرنا العباس بن سفيان، قال: أخبرنا زيد بن حباب، قال: أخبرني رجاء بن أبي سلمه، قال: حدثنا خالد بن حازم، عن هشام بن مسلم القرشي قال: كنت مع ابن محيريز بمرج الديباج، فرأيت منه خلوة في هذه القضية، وسئل عن امرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي، يعني إما أن تكون ماتت معهم في سفر وما كان معها مثلا محرم وطبق مات عنها وليها، أو أنها تعيش مثلا في قرية ولا يوجد لها محرم، أو الولي هو المسؤول عنها ومات، فأصبحوا يسألون عن أمرها، طبعا قد يكونوا سألوا عن هذه القصة قبل أن تقع، لأنه قال: وسئل عن امرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي، فقال: أدركت أقواما ما كانوا يشددون تشديدكم ولا يسألون مسائلكم. قد تكون هي مسألة افترضوها افتراض، تمام؟ يعني إذا ماتت امرأة في قوم وليس في من يزوجها، فيقول وقعت؟ قال: لا ما وقعتش، بالتالي خلص لا تسألوا عنها، نعم.
قال: كنت مع ابن محيريز بمرج الديباج، فرأيت منه خلوة، فسألته عن مسألة فقال لي: ما تصنع بالمسائل؟ قلت: لولا المسائل ذهب العلم. قال: لا تقل ذهب العلم، إنه لا يذهب العلم ما قرئ القرآن، ولكن لو قلت يذهب الفقه.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدث حماد بن سلمة، عن داود، عن شبيعة، أن عمر قال: يا أيها الناس، إنا لا ندري لعلنا نأمركم بأشياء لا تحل، ولعلنا نحرم عليكم أشياء هي لكم حلال، إن آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبينها لنا حتى مات، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم.
قال: باب من هاب الفتيا وكره التنطع والتبدع. قال: أخبرنا سلم بن جنادة، قال: حدثنا ابن إدريس، عن عمه قال: خرجت من عند إبراهيم فاستقبلني حماد فحملني ثمانية أبواب مسائل، فسألته فأجابني عن أربع وترك أربع.
قال: أخبرنا قبيصة، قال: أخبرنا سفيان، عن عبد الملك بن أبجر، عن زبيد قال: ما سألت إبراهيم عن شيء إلا عرفت الكراهية في وجهه.
قال: أخبرنا محمد بن أحمد، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، عن عمر بن أبي زائدة قال: ما رأيت أحدا أكثر أن يقول إذا سئل عن شيء لا علم لي به من الشعبي.
قال: أخبرنا أبو عاصم، قال: عن ابن عون قال: سمعت يذكر أن قال: كان الشعبي إذا جاءه شيء اتقى، وكان إبراهيم يقول ويقول ويقول. قال أبو عاصم: اتق الفتيا يعني نعم. قال أبو عاصم: كان الشعبي في هذا أحسن حال ابن عون من إبراهيم.
قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد، قال: أخبرنا أحمد بن بشير، قال: حدث عن شعبة، عن جعفر بن إياس قال: قلت لسعيد بن جبير: ما لك لا تقول في الطلاق شيئا؟ قال: ما منه شيء إلا قد سألت عنه، ولكني أكره أن أحل حراما أو أحرم حلالا.
قال: أخبرنا ابن عيينة، قال: حدث سفيان، عن طاووس قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: لقد أدركت في هذا المسجد عشرين أو مئة من الأنصار، ما منهم أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن الفتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.
قال: حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار، قال: حدثنا أبو بكر، عن داود قال: سألت الشعبي كيف كنتم تصنعون إذا سئلتم؟ قال: على الخبير وقعت، إذا سئل الرجل قال لصاحبه أفتهم، فلا يزال حتى يرجع إلى الأول. قال: أخبرنا أحمد بن حجاج، قال: سمعت سفيان حتى يرجع إلى الأول يعني بتلف اللفة وبترجع على أول واحد، نعم.
قال: عن ابن المنكدر قال: إن العالم يدخل فيما بين الله وبين عباده، فليطلب لنفسه المخرج. قال: أخبرنا محمد بن قدامة، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: يطلب لنفسه المخرج يعني دبر حالك، يعني أقول لك أنت أيها العالم جعلت نفسك بين الناس وبين الله، وضعت نفسك في المنتصف، انج بنفسك اطلب المخرج.
قال: عن مسأل، قال: أخرج الآية معلن بن عبد الرحمن كتابا فحلف لي بالله أنه خط يده، فإذا فيه قال عبد الله: والذي لا إله إلا هو ما رأيت أحدا كان أشد على المتنطعين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رأيت أحدا كان أشد عليهم من أبي بكر، وإني أرى عمر كان أشد خوفا عليهم أو لهم.
قال: أخبرنا أبو نعيم، قال: حدثنا زمعة بن صالح، عن عثمان بن عبد العزيز قال: دخلت على ابن عباس فقال: أوصني، قال: نعم، قال: عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع.
قال: أخبرنا مخرد بن مالك، قال: أخبرنا النضر بن شميل، عن ابن عون، عن المسيرين قال: كانوا يرون أنه على طريق ما كان على الأثر. قال: أخبرنا يوسف بن موسى.
أن يكون على طريق السلف ما دام متمسكاً بالأثر، متمسكاً بالسنة. أخبرنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا الأزهر، عن ابن عون، عن ابن سيرين، قال: ما دام على الأثر فهو على الطريق.
سبحان الله، كيف لما تكون أنت ماشياً خلف الآثار التي مشت قبلك توصل صحيح! لو كنت في صحراء وفي واحد ماشٍ قبلك، إذا اتبعت الآثار تصل إلى حيث وصل، لكن بدون اتباع الآثار لن تصل.
أخبرنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، عن ابن أبي كثير، عن أبي قلابة، قال عبد الله بن مسعود: تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه هو أن يذهب أهله، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدعة، وعليكم بالعتيق. عليكم بالعتيق؛ اللي هو الأثر، علم الأثر القديم، علم السلف.
عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: قال ابن مسعود: عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يثب أصحابه، عليكم بالعلم؛ فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه، أو يفتقر إلى ما عنده، إنكم ستجدون أقواماً يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطع، وإياكم والتعمق، وعليكم بالعتيق.
أخبرنا أبو النعمان، قال: حدثنا أحمد بن زيد، قال: حدثنا يزيد بن حازم، عن مسلم بن يسار: أن رجلاً يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فسمع عمر وقد أعد له، صبيغ جاء المدينة يسأل عن الآيات المتشابهات ويثير زوبعة، فعمر ما أعجبه طريق هذا الرجل، ظهر له من القرائن أنه ليس طالباً للمعرفة وإنما هو مثير للشغب، فعمر داواه.
قال: وأعد له عرجون النخل، قال: من أنت؟ قال: عبد الله. فأخذ عمر عرجوناً من تلك العراجين فضربه وقال: أنا عبد الله عمر، فجعل له ضرباً حتى دمي رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين، حسبك، قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي. كل الشبهات طارت من رأسي مع أول عرجون.
أخبرنا أبو الوليد الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة ويزيد بن إبراهيم، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة، قالت: تلا رسول الله ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7] الآية. فقال رسول الله ﷺ: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم».
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا حفص، عن الأعمش، عن شقيق، قال: سئل عبد الله عن شيء فقال: إني لأكره أن أحل شيئاً حرمه الله عليك، أو أحرم ما أحل الله لك. أخبرنا محمد بن عيينة، عن أبي إسحاق الفزاري، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن حميد بن عبد الرحمن، قال: أن أرده بعلم أحب إلي من أن أتكلف ما لا أعلم.
يعني لأن أرد السائل بجهله، الآن أنا لما ما جاوبته عاد جاهلاً، لأن أرد السائل بجهله أفضل من أن أعطيه جواباً غير دقيق أو أخشى منه الخطأ والزلل.
أخبرنا ابن عجلان، عن نافع مولى عبد الله، أن صبيغاً العراقي جعل يسأل عن القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه، فقال: ابصر أيكون ذهب فتصيبك مني العقوبة الموجعة. فعمر بيحكي للرسول بتاعه: روح جيب لي إياه واحذر يكون هرب، لأنه إذا هرب راح أداويك.
قال: فأتاه به، فقال عمر: تسأل محدثة؟ فأرسل عمر إلى رطاب، فضربه بها حتى ترك ظهره دبراً، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد له، ثم تركه حتى برأ، فدعا به ليعود له. كل شوي يكون بيجلده بعدين بيخليه يومين حتى يبرأ، يرجع عمر يجلده على ظهره وهكذا.
فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت. خلص الحمد لله، ربنا شفى عقلي وكل الشبهات طارت. قال: فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجلس. كان في البصرة، فقال أبو موسى الأشعري: لا تخليه يجلس عند أحد. فاشتد ذلك على الرجل، فكتب أبو موسى إلى عمر أن قد حسنت هيئته، فكتب عمر: أن يأذن للناس بمجالسته.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا زهد، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعت عامراً يقول: استفتى رجل أبي بن كعب فقال: يا ابن المنذر ما تقول في كذا وكذا؟ فقال: يا بني، أكان الذي سألتني عنه؟ قال: لا. قال: أما لا، فأجلني حتى يكون، فنعالج أنفسنا حتى نخبرك.
نعالج أنفسنا يعني نجتهد، لاحظ عبارات الصحابة، عبارات قبل قليل تجشمنا، عمار بن ياسر يقول هنا: فنعالج لك، هذا يدل على أن الصحابة كانوا يعرفون الفتيا، هي مش شيء ببادي الرأي، مش مسألة هيك واحد يسألك آه والله كذا، فيها نوع من المعالجة من التجشم من التعب والتخوف من الخطأ فيها.
أخبرنا عن فراس، عن عامر، عن مسروق، قال: كنت أمشي مع أبي بن كعب، فقال: فتن يا عماه كذا وكذا، قال: يا ابن أخي، أكان هذا؟ قال: لا. قال: فأعفنا حتى يكون. أخبرنا عبد الله بن سعيد، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، قال: كان إبراهيم إذا سئل عن شيء لم يجب فيه إلا جواب الذي سئل عنه.
أخبرنا حسين بن منصور، قال: حدثنا حسين بن الوليد، عن وهيب، عن هشام، عن محمد بن سيرين، أنه كان لا يفتي في الفرج بشيء فيه خلاف. أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا الصلت بن راشد، قال: سألت طاوساً عن مسألة، فقال لي: أكان هذا؟ قلت: نعم. قال: آه، الله، قلت: الله، ثم قال: إن أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل أنه قال: أيها الناس، لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، فيذهب بكم هاهنا وهاهنا، فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدد، ومن إذا قال وفق.
حدثنا بشر بن الحكم، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: سألته عن رجل أدركه رمضانان؟ فقال: أكان أو لم يكن؟ قال: لم يكن بعد. قال: اترك بليته حتى تنزل، قال: فدلنا له رجلاً، فقال: قد كان، فقال: يطعم عن الأول منهما ثلاثين مسكيناً، لكل يوم مسكين. فدلنا له رجل، إيش يعني عملنا أنه في واحد فعلاً صارت معه هذه الواقعة ودخلناه، قلنا له: أنا والله صار معي كذا وكذا، عاد هو ما صار، فقال: قد كان. فقال: خلص، آه والله شكله فعلاً خدعوه باختصار فأجاب فيها.
أخبرنا عبد الله بن عمران، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان، قال: حدثني عمري عن عبيد بن جريج، قال: كنت أجلس مكة إلى ابن عمر يوماً، وابن عباس يوماً، فما يقول ابن عمر فيما يسأل: لا علم لي، أكثر ما يفتي.
أخبرنا محمد بن يوسف، قال عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال عبد الله: تعلموا؛ فإن أحدكم لا يدري متى يختلج إليه. باب الفتية، دائماً هذه من نصائح السلف العظيمة، تعلم، ما تقول والله في مشايخ موجودين بسدهم، ما في شيء إخواني اسمه بسد، هذا أي إنسان وأي داعية يموت في لحظة ويذهب في لحظة، وهكذا تضيع الأمة لما ذهب علماؤها أو سجنوا أو شيء. اليوم ما في فقر، اليوم الناس تتصفح، وبحثوا عن عالم أو طالب علم تسأله، تعلم أنك لا تعرف متى يختلج إلي يعني يحتاج لك.
باب الفتية وما فيه من الشدة. أخبرنا إبراهيم بن موسى، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا ابن المبارك، عن سعيد بن أبي أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر، قال: قال رسول الله ﷺ: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار».
أخبرنا ابن المغيرة، قال: حدثنا الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، عن ابن عباس، قال: من أحدث رأياً ليس في كتاب الله، ولم تمض به سنة من رسول الله ﷺ، لم يدري على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل.
أخبرنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني بكر بن عمر المعافري، عن أبي عثمان بن مسلم بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «من أفتي بفتيا من غير ثبت، فإنما إثمه على من أفتاه».
من أفتي بفتيا من شخص غير متخصص؛ شو يعني غير ثبت؟ من شخص غير متخصص لا يعرف، فالإنسان العامي فعلاً ممكن اليوم يفتح تليفون على شيخ في الإذاعة أو ممكن يسأل دكتور في الجامعة ويكون الرجل مش متخصص فعلياً، بس العامة معذور، بس مين اللي يتحمل وزرها؟ على المفتي؛ إنه أنت كيف تصدر نفسك وتغرر العامة.
أخبرنا محمد بن أحمد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي سنان، عن سعيد بن جبير، قال ابن عباس: من أفتى بفتيا يعمى عنها، فإثمه عليه. يعمى عنها؛ لا يعرف جوابها، لكنه مع ذلك تجاسر عليها.
أخبرنا محمد بن الصلت، حدثنا زهير، عن جعفر برقان، قال: حدثنا ميمون بن مهران، قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه خصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من سنة رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى به، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، وقال: أتاني كذا وكذا، فهل سمعتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر وكلهم يذكر رسول الله ﷺ في قضائه، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سنة من النبي ﷺ، جمع رؤوس الناس وخيارهم، فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به.
أخبرنا إبراهيم بن موسى وعمرو بن زرارة، عن عبد العزيز بن محمد، قال عن أبي سهيل، قال: كان على امرأتي اعتكاف ثلاث أيام في المسجد الحرام، فسألت عمر بن عبد العزيز وعنده ابن شهاب، قال: قلت عليها صيام؟ قال ابن شهاب: لا يكون اعتكاف إلا بالصيام، فقال له عمر بن عبد العزيز: عن النبي ﷺ؟ قال: لا. قال: فعن أبي بكر؟ قال: لا. قال: فعن عمر؟ قال: لا. قال: فعن عثمان؟ قال: لا. قال عمر: ما أرى عليها صياماً. فخرجت فوجدت طاووس.
وعطاء بن أبي رباح، فسألتهما. قال طاووس: كان ابن عباس لا يرى عليها صياماً إلا أن تجعله على نفسها. قال عطاء: ذلك رأي. والجمهور أن الاعتكاف ليس من شرطه الصيام.
قال حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا أبو عقيل، قال حدثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة قال: لما قدم بسلامة البصرة أتيته أنا والحسن، فقال للحسن: أنت الحسن؟ ما كان أحد بالبصرة أحب إلي لقاء منك، وذلك أنه بلغني أنك تفتي برأيك، فلا تفت برأيك إلا أن تكون سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كتاب ما نزل.
قال أخبرنا عصمة بن الفضل، قال حدثنا زيد بن حباب، عن يزيد بن عقبة، قال حدثنا الضحاك، عن جابر بن زيد، أن ابن عمر لقيه في الطواف، فقال له: يا أبا الشعثاء، إنك من فقهاء البصرة، فلا تفت إلا بقرآن ناطق، أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك أهلكت وأهلكت.
قال أخبرنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن حريث بن ظهير، عن عبد الله بن مسعود قال: أتى علينا زمان لسنا نقضي ولسنا هنالك، وإن الله قد قدر من أمرنا قد بلغنا ما ترون، فمن عرض له قضاء بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن جاء ما ليس في كتاب الله ولم يقض به رسول الله صلى الله عليه وسلم فليقض بما قضى به الصالحون، ولا يقل إني أخاف وإني أرى، فإن الحرام بين والحلال بين، وبين ذلك أمور مشتبهة، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
ومعنى قوله: «أتى علينا زمان لسنا نقضي ولسنا هنالك»، أي لم ننصب لهذه الأمور، ولم يأت أن ما كانوا يسألوننا، لكن ابتلينا بذلك فيما بعد وأصبحنا مسؤولين عن القضاء، فبالتالي ذكر القواعد التي ينبغي مراعاتها في الفتيا والقضاء رضي الله عنه.
قال أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس إذا سئل عن الأمر وكان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه برأيه.
قال أخبرنا محمد بن عيينة، عن علي بن مسهر، عن أبي إسحاق، عن الشعبي، عن شريح، أن عمر بن الخطاب كتب إليه: إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يلفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظر إلى ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فاختر أي أمر شئت، إن شئت أن تجتهد رأيك فتقدم وإن شئت فتأخر، ولا تحجم عن الفتيا.
قال حدثني يحيى بن حماد، عن شعبة، عن محمد بن عبد الله الثقفي، عن حارث بن عمرو، ابن أخي المغيرة بن شعبة، عن ناس من أهل حمص من أصحاب معاذ، عن معاذ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه قال: أرايت إن عرض لك قضاء كيف تقضي؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال فضرب صدره ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله. ولا يعني لا أقصر في الاجتهاد.
قال أخبرنا يحيى بن حماد، قال حدثنا شعبة، عن سليمان، عن عمار بن عمير، عن حريث بن ظهير قال: أحسب أن عبد الله قال: قد أتى علينا زمان وما نسأل ما نحن هنالك، وإن الله قدر أن بلغنا ما ترون. ما ترون يعني صار عبد الله هو رأس أهل البصرة في الفتيا ورأس أهل الكوفة في الفتيا. قال: فإذا سئلت عن شيء فانظروا في كتاب الله، فلم تجدوه في كتاب الله ففي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم تجدوه في سنة رسول الله فما أجمع عليه المسلمون، فإن لم يكن فيما أجمع عليه المسلمون فاجتهد رأيك، ولا تقل إني أخاف وإني أخشى، فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهة، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
قال حدثني أحمد بن محمد، عن أبي عوانة، عن سليمان، عن عمار بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي يزيد، عن عبد الله ونحوه. قال أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا جرير، عن الأعمش، عن قاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بنحوه. قال حدثنا هارون بن معاوية، قال عن حفص بن غياث، قال حدثنا الأعمش، قال عبد الله: يا أيها الناس، إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول. قال حفص: كنت أسند عن حبيب، عن أبي عبد الرحمن، ثم دخلني منه شك.
قال أخبرنا محمد بن الصلت، قال حدثنا ابن المبارك، عن ابن عون، عن محمد قال: قال عمر لأبي مسعود: ألم أنبأ أو أنبئت أنك تفتي ولست بأمير؟ ولي حارها من تولى قارها، أي أحمل ثقله على من ولي أمره.
قال أخبرنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتى لمجنون. قال أخبرنا سعيد بن عامر، عن هشام، عن محمد، عن حذيفة قال: إنما يفتي الناس ثلاثة: رجل إمام أو وال، ورجل يعلم الناس ما نسخ من القرآن وما منسوخ. قال حذيفة: من ذاك؟ قال: عمر بن الخطاب، أو أحمق ومتكلف. قال أخبرنا عبد الله بن سعيد، قال أخبرنا أبو أسامة، عن هشام بن حسان، عن محمد، عن أبي عبيدة بن حذيفة قال: قال حذيفة: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: رجل علم ناسخ القرآن من منسوخه، وقالوا من ذاك؟ قال: عمر بن الخطاب، وأمير لا يجد بداً، أو أحمق متكلف. ثم قال محمد: فلست بواحد من هذين، وأرجو أن لا أكون الثالث.
قال أخبرنا جعفر بن عون، عن الأعمش، عن المسلم، عن المتكلف، قال عبد الله: من علم منكم علماً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل لما لا يعلم الله أعلم، فإن العالم إذا سئل عما لا يعلم قال الله أعلم، قد قال الله لرسوله: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: 86].
إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾، يعني لا أجيب عن مسألة متكلفاً فيها دون علم لي، فمن أنا وإياك حتى نتكلف إجابة مسائل لا علم لنا بها.
قال أخبرنا يزيد بن هارون، قال حدثنا حميد، عن أبي رجاء، عن أبي المهلب، أن أبا موسى قال في خطبته: من علم علماً فليعلمه الناس، وإياه أن يقول ما لا علم له به، فيمرق من الدين، ويكون من المتكلفين.
أخبرنا عبد العزيز بن عون، عن خالد بن عبد الله، عن طاووس والسائب، عن أبي البختري وزاذان قال: قال علي: وبردها على الكبد إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول الله أعلم. أخبرنا أبو نعيم، قال حدثنا شريك، عن طاووس، عن أبي البختري قال: عن علي قال: يا بردها على الكبد أن يقول لما لا يعلم الله أعلم.
قال أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا عمير بن عرفجة، قال حدثنا رزين أبو نعمان، عن علي بن أبي طالب قال: إذا سئلتم عما لا تعلمون فاهربوا. قالوا: وكيف نهرب يا أمير المؤمنين؟ قال: تقولون الله أعلم.
قال أخبرنا محمد بن حميد، قال حدثنا جرير، عن منصور، عن مسلم البطين، عن عذرة التميمي، قال علي: وبردها على الكبد ثلاث مرات. قالوا: وما ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول الله أعلم.
قال أخبرنا فهد بن أبي المغراء، قال أخبرنا علي بن مسهر، عن هشام، عن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر، أن رجلاً سأله عن مسألة فقال: لا علم لي بها، فلما أدبر الرجل قال ابن عمر: نعم ما قال ابن عمر، سئل عما لا يعلم فقال لا علم لي به.
قال حدثني ابن حماد، قال حدثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن الشعبي قال: لا أدري نصف العلم. أخبرنا عبد الله بن مسلمة، قال حدثنا عبد الله العمري، عن نافع، أن رجلاً جاء إلى ابن عمر يسأل عن شيء، فقال: لا علم لي به، لا علم لي، ثم التفت بعد أن قفى الرجل فقال: نعم ما قال ابن عمر، سئل ما لا يعلم فقال لا علم لي به، يعني ابن عمر نفسه.
قال أخبرنا محمد بن حميد، قال حدثنا جرير، عن مغيرة قال: كان عامر إذا سئل عن شيء يقول لا أدري، فإن رد عليه قال: أحلف لك بالله إن كان لي به علم، إن كان لي به علم، يعني نافيه، أي أحلف لك بالله ليس لي بها علم.
قال أخبرنا هارون بن معاوية، عن حفص، عن أشعث، عن ابن سيرين قال: ما أبالي سئلت عما لا أعلم أو ما أعلم، لأني إذا سئلت عما أعلم قلت ما أعلم، وإذا سئلت عما لا أعلم قلت لا أعلم. حدثنا هارون، عن حفص، عن أشعث قال: ما سمعت إبراهيم يقول قط حلال ولا حرام، إذا سئلت عما أعلم قلت ما أعلم، يعني الذي أعلمه، وإن سئلت عما لا أعلم قلت لا أعلم.
ما سمعت إبراهيم يقول قط حلال ولا حرام، إنما كان يقول، كانوا يكرمون، كانوا يستحبون. باب تغير عبارة السلف عموماً، يستعملون الكراهة والاستحباب ولا يجرؤون على التحليل والتحريم الصريح.
باب تغير الزمان وما يحدث فيه. قال أخبرنا يعلى، قال حدثنا الأعمش، عن شقيق قال عبد الله: كيف أنتم إذا لَبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سنة، فإذا غيرت قالوا غيرت السنة! قالوا: متى ذاك؟ إذا غيرت البدعة يصبح الناس يقولون غيرت السنة، هم لا يعرفون أنها بدعة. قالوا: ومتى ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثرت قراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة. أصبح العلماء أو طلاب العلم يتاجرون بعلمهم وبدينهم، يطلبون به الدنيا بدل الفخر والجاه والعشيرة والسوشيال ميديا والجهرة، هنا عندئذ يحدث ما يحدث.
أخبرنا أبو عمرو، قال أخبرنا عمر بن عون، عن خالد بن عبد الله، عن يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: كيف أنتم إذا لَبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، إذا ترك شيء قيل تركت السنة. قالوا: متى ذاك؟ قال: إذا ذهبت علماؤكم، وكثرت جهلاؤكم، وكثرت قراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقهوا لغير الدين. تفقهوا لغير الدين للشهادة والمنصب. معنى كثرة قراؤكم الاهتمام بقراءة القرآن وتجميل الصوت ومخارج الحروف وكذا، وتضييع العلم الحقيقي.
أخبرنا أبو المغيرة، قال أخبرنا الأوزاعي قال: أنبئت أنه كان يقال: ويل للمتفقهين لغير العبادة، والمستحلين الحرمات بالشبهات.
قال حدثنا صالح بن سهيل، مولى يحيى بن أبي زائدة، قال حدثنا يحيى، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق قال عبد الله: لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي كان قبله، أما إني لست أعني عاماً أقسى من عام، ولا أميراً خيراً من أمير، ولكن علماؤكم وخياركم وفقهاءكم يذهبون، ثم لا تجدون منهم خلفاً، ويجيء قوم يقيسون برأيهم.
ليس المراد أن العام القادم يكون أقل خصباً من العام الماضي، يعني الدنيا ممكن تتوسع علينا ويكون العام القادم أفضل مادياً، لكن مش هذا هو معيار التفاضل، المراد أنه ما من عام إلا ويموت عالم، وتقل السنة، ويقل الاهتمام بالدين، هذا هو المراد بالقلة.
قال أخبرنا أحمد بن أبي خلف، قال حدثني أحمد بن سليم، قال سمعت داود بن أبي...
عن ابن سيرين قال: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. ولكن طبعًا المراد هنا ذم القياس الذي يكون بالهوى، أما القياس الشرعي فهذا من الدين.
قال: أخبرنا محمد بن كثير عن الحديث، كيف قاس؟ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12]، أراد أن يبين الفرق بين هذا، وأن النار جنس أعلى من جنس الطين.
قال مطر عن الحسن أنه تلا هذه الآية: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، قال: قاس إبليس وهو أول من قاس. قال: قد حدثنا عمرو بن عون، حدثنا أبو عوانة عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق أنه قال: إني أخاف أو أخشى أن أقيس فتزل قدمي.
قال: أخبرنا صدقة بن الفضل، القياس هو بالضبط أن إبليس قاس نفسه على الأمور الشريفة. ما قال إنه خلق من مادة شريفة النار وأنها أعلى من المادة الطينية، وقياس الأمور الشريفة أن تكون أعلى من الأمور الوضيعة، يعني دائماً الأمور الشريفة يجب أن تكون أعلى من الأمور الوضيعة، هكذا فهمها إبليس. فقال: إنه خلق من نار وآدم خلق من طين، إذاً ما هو القياس؟ أن يكون إبليس أعلى من آدم، فكيف أنا أسجد لآدم وهو أقل مني مرتبة؟ فالقياس أن الأمور الشريفة تخضع لها الأمور الدنيئة، فكيف أمرت أنا أن أسجد لآدم وأنا أشرف منه؟ فهو قاس على قاعدة عامة في الذهن ولكن الأمور ليست هكذا دومًا.
قال حدثنا أبو خالد الأحمر عن إسماعيل عن الشعبي قال: والله لئن أخذتم بالمقاييس لتحرمن حلالًا ولتحلن حرامًا. قال: أخبرنا حسن بشر، قال: عن أبيه عن إسماعيل عن عامر أنه قال: يقول: ما أبغض إليَّ أرأيت أرأيت، يسأل رجل صاحبه يقول: أرأيت كان وكان، لا يقايس، أرأيت يعني أرأيت إن حصل كذا؟ وافتراض المسائل، المراد بأرأيت كلمة كانت تستعمل لفرض المسائل.
قال أخبرنا صدقة بن الفضل، قال حدث يحيى بن سعيد عن الزبرقاني قال: نهاني أبو وائل أن أجالس أصحاب أرأيت. قال: أخبرنا صدقة بن الفضل، قال حدثنا ابن عيينة عن إسماعيل عن الشعبي قال: لو أن هؤلاء كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لنزلت عامة القرآن يسألونك يسألونك، قال: لو جماعة أرأيت كانوا موجودين كان كل القرآن يسألونك.
قال أخبرنا إسماعيل بن أبان، قال أخبرني محمد بن طلحة عن ميمون بن أبي حمزة قال لإبراهيم: يا أبا حمزة، والله لقد تكلمت، ولو وجدت بدًا ما تكلمت، وإن زمانًا أكون فيه فقيه أهل الكوفة زمان سوء. كيف هضم العلماء لأنفسهم ولا يرى أنه مستحق أن يكون هو المترأس للفتيا.
قال أخبرنا ابن نعيم قال: حدث سفيان عن ليث عن مجاهد قال: قال عمر: يا أيها المكيلة في الكلام. أخبرنا حجاج بن البصري، قال حدثنا أبو بكر الهذلي عن الشعبي قال: شهدت شريحًا وجاءه رجل، أراد أن يحذر المقايسة. قال عن الشعبي قال: شهدت شريحًا وجاءه رجل قال: يا أبا أمية، ما دية الأصابع؟ قال: عشر عشر. قال: يا سبحان الله، أسواء هاتان؟ جمع بين الخنصر والإبهام، فقال: هذه وهذه عشر عشر؟ معقول هذا صغير وهذا كبير تمام! فقال شريح: يا سبحان الله، أسواء أذنك ويدك؟ فإن الأذن يواريها الشعر والكمة والعمامة فيها نصف الدية، وفي اليد نصف الدية، وأحق أن السنة سبقت قياسكم. الآن اليد كلها إذا قطعت نصف الدية خمسون من الإبل، والأذن وهي عضو صغير برضه إذا قطعت نصف الدية، لو كان الدين بالرأي ما وصلنا إلى هذا الحلول.
قال: فاتبع ولا تبتدع، فإنك إنما أخذت بالأثر. قال وبكر، فقال للشعبي: يا هذلي لو أن أحنفكم قتل وهذا الصبي في مهده أكان ديتهما سواء؟ قلت: نعم. قال: فإن القياس.
قال أخبر مروان بن محمد قال حدثنا سعيد عن ربيعة بن زيد قال: معاذ بن جبل: يفتح القرآن على الناس حتى تقرأه المرأة والصبي والرجل، الرجل قد قرأ القرآن فلم أتبع، فوالله لأقومن به فيهم لعلي أتبع، فيقوم به فيهم فلا يتبع، فيقول: قد قرأ القرآن فلم أتبع وقد قمت به فيهم فلم أتبع، لأختصرن في بيتي مسجدًا لعلي أتبع، فيختصر في مسجد بيته فلا يتبع، فيقول: قد قرأ القرآن فلم أتبع، قمت فيهم فلم أتبع، وقد اختصرت في بيتي مسجدًا فلم أتبع، والله لآتينهم بحديث لا يجدونه في كتاب الله ولم يسمعوه عن رسول الله لعلي أتبع. قال معاذ: فإياكم. هذا بحث عن الجمهور إخواني، هذا سبحان الله هذا الذي يبحث عن الجمهور بيدرس كتاب وسنة، شوف والله الجمهور مش عاجبه الكتاب والسنة، يروح بصير كل مرة يطور نفسه لأنه بده جمهور، بده الناس تتبعه، بده يصبح يعني له قطيع يتبعه، فلما يرى أنه الناس ما عاد المود تبعها كتاب وسنة وقراءه كتب السلف بيقول لك: خليني إذاً أخترع لهم قصة جديدة، فبلاقي جمهور لأن الناس بتحب الجديد، وأقل منهم من يثبت على العتيق، فسبحان الله النبي كأنهم يصفون السلف حالنا ماذا سيحصل، أن الناس إنما تخترع بحثًا عن الجماهير وطلبًا للترأس.
قال معاذ: فإياكم ما جاء به، فإنه ما جاء به ضلالة.
باب في كراهية أخذ الرأي، قال أخبرنا محمد بن يوسف قال حدث مالك قال الشعبي: ما حدثك هؤلاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فخذ به، وما قالوا برأيهم فألقه في الحش. قال: الحش كان في دورة المياه يعني.
قال عن زياد بن حباب قال أخبرنا رجاء بن سلمة قال: سمعت عبدة بن أبي الوبت يقول: قد رضيت من أهل زمان هؤلاء أن لا يسألوني، هؤلاء أسألهم، إنما يقول أحدهم أرأيت أرأيت. قال: أخبرنا عفان قال حدثنا حماد بن زيد، قال حدثنا عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، خط يومًا خطًا ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وشماله ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153].
أخبر محمد بن يوسف قال حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ قال: بدع وشبهات. قال أخبرنا الحكم بن مبارك قال أخبرنا عمرو بن يحيى قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرًا، فقال: ما هو؟ قال: إن عشت فستراه، رأيت في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، ويقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة. قال: فماذا قلت لهم؟ قلت: ما قلت لهم شيئًا انتظار رأيك أو انتظار أمرك. قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم؟ ثم انطلقنا معه حتى أتينا حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء. ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنية لم تكسر، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحي باب ضلالة؟ قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ويم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم. ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك في الحلق يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج. الخوارج أغلبهم صاروا خوارج، هؤلاء تنطع في الدين.
قال أخبرنا يعلى، قال حدثنا الأعمش عن حبيب عن أبي عبد الرحمن قال عبد الله: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم. قال أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي خلف قال حدثني يحيى بن سليم قال حدثني جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: خطبنا رسول الله فحمد الله ثم قال: إن أفضل الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
قال أخبرنا محمد بن عيينة عن أبي إسحاق الفزاري عن أسلم المنقري عن بلال بن عصمة قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول، وكان إذا كان عشية الخميس ليلة الجمعة قام فقال: إن أصدق القول قول الله، وإن أحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، والشقي من شقي في بطن أمه، وإن شر الروايا روايا الكذب، وشر الأمور محدثاتها، وكل ما هو آت قريب.
قال أخبرنا محمد بن عيينة عن أبي إسحاق الوزني عن ليث عن أيوب عن ابن سيرين قال: ما أحدث رجل بدعة فراجع سنة. قال أخبرنا: من أحدث بدعة سلب الله منه سنة، هي القاعدة هكذا.
قال أخبرنا حسان الحرب قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما أخاف على أمتي أئمة مضلين.
قال أخبرنا أحمد بن عبد الله أبو الوليد الهروي قال حدثنا معاذ بن معاذ عن ابن عون عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال عن حية بنت أبي حية قالت: دخل رجل بالظهيرة، فقلت: يا عبد الله من أين أقبلت؟ قال: أقبلت أنا وصاحب لي في بغاء لنا، فانطلق صاحبي يبتغي ودخلت أنا أستظل بالظل وأشرب من شرب، يعني في حاجة. قال: فقمت إلى لبينة حامضة، وربما قال: قمت إلى ضيحة حامضة فسقيته منها فشرب وشرب، قالت: وتوسمته فقلت: يا عبد الله من أنت؟ قال: أنا أبو بكر. قلت: أنت أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الذي سمت به حامضة، يعني كأنه كيف اللبن لما يحمض، يعني قمت أنا وإياه إلى لبن فيه شوية حموضة. قال: نعم، قال: فذكرت غزونا خثعم وغزوه بعضنا بعضًا في الجاهلية وما جاء الله به من الألفة وأطناب قصص قص الفساطيط. وشبك ابن عون أصابعه، وصفه لنا معاذ وشبك أحمد. فقلت: يا عبد الله حتى متى ترى أمر الناس هذا؟ قال: ما استقامت الأئمة. قلت: ما الأئمة؟ قال: أما رأيت سيدًا يكون في الحواء فيتبعونه ويطيعونه؟ فما استقام أولئك.
قال أخبرنا محمد بن الصلت قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أخ لعدي بن أرطأة عن أبيه، قال: إن الإمام إذا كان له السمع والطاعة، وكان في الحواء يعني في البلد أو المكان الذي هو فيه، يسمع منه رجل على الخير، فهذا به تستقيم أمور الناس، إذا فسد الأئمة فسدت الرعايا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أخوف ما أخاف عليكم أئمة مضلين.
قال أخبرنا أبو النعمان قال حدثنا أبو عوانة عن بيان أبي بشر قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، قال: فرآها لا تتكلم، قريش هم الحمس، فقال: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: نوت حجة مصمتة، قال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية. قال: فتكلمت فقالت: من أنت؟ قال: أنا امرؤ من المهاجرين. قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش. قالت: فمن أي قريش أنت؟ قال: إنك لسؤول، أنا أبو بكر. قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه.
ما استقامت به بكم أئمتكم، قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤساء أشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى. قال: فهم مثل أولئك على الناس. أخبر عبد الله بن محمد قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن واصل عن امرأة يقال لها عائذة، قالت: رأيت ابن مسعود يوطئ الرجال والنساء، ويقول: من أدرك منكن من امرأة أو رجل، فالسمت الأول؛ فإنا على الفطرة. أخبرنا محمد بن عين قال: أخبرنا علي وهو ابن مسهر عن أبي إسحاق عن شبيع عن زياد بن حدير قال: عمر هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا. قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين.
يقول: رأيت ابن مسعود يوطئ الرجال والنساء؛ يعني يتجاوزهم ربما في المسير. ويقول: من أدرك منكن من امرأة أو رجل فالسمت الأول، فإنا على الفطرة؛ يعني من أدرك منكم تغيرا في أحوال الناس وفي أديانهم، فتمسكوا بالسمت الأول؛ وهي طريقة الصحابة. يقول: فإنا على الفطرة؛ نحن جيل الصحابة على الدين الصحيح، فإذا رأيتم أي شيء اختلف فتمسكوا بهدينا.
أخبرنا هارون عن حفص بن غياث عن ليث عن الحكم عن محمد بن علي قال: لا تجالسوا أصحاب الخصومات، فإنهم يخوضون في آيات الله. وأصحاب الخصومات هم الذين يثيرون الشبهات في الدين وفي القرآن والسنة، كالتساؤل عن سبب صلاة الظهر أربع ركعات، وغيرها من القصص.
أخبرنا أبو أسامة عن مبارك عن الحسن قال: سنتكم والتي لا إله إلا هو بينهما بين الغالي والجافي، فاصبروا عليهما رحمكم الله؛ فالسنة بين الغلو والتميع، وبين الغالي والجافي. قال: فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي؛ الذين لم يذهبوا مع أهل الدنيا في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكونوا كذاكم إن شاء الله.
قال حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن عمارة ومالك بن الحارث وعبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال: قصد في السنة خير من اجتهاد في البدعة. باب الاقتداء بالعلماء: أخبرنا منصور بن الخزاعي عن شريك عن أبي حمزة عن إبراهيم قال: لقد أدركت أقواماً لو لم يجاوز أحدهم ظفراً لما جاوزته، كفى ازدراءً على قوم تخالف أفعالهم. أي أنا لا أتجاوزهم في أقل القليل، لأنه قال: كفى ازدراءً على قوم تخالف أفعالهم، فأنت حينما لا تقتدي بفعل الصحابة وتترك منهجهم، أنت في الحقيقة تزري بهم، وأكبر ازدراء للسلف هو ألا تفعل كما يفعلون، ولا تنظر أنهم كانوا هم على الاستقامة.
قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]. قال: أولوا العلم بفقه، وطاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة. أخبرنا يوسف قال: حدثنا إبراهيم بن أدهم قال: سألت ابن شبرمة عن شيء، وكانت عندي مسألة شديدة، فقلت: رحمك الله انظر فيها، قال: إذا وضح لي الطريق ووجدت الأثر لم أحبس.
أخبرنا عثمان بن الهيثم قال: حدثنا عوف عن رجل يقال له سليمان بن جابر من أهل مصر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعلموا العلم وعلموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموها الناس، وتعلموا القرآن وعلموه الناس؛ فإني امرؤ مقبوض، والعلم سينتقص وتظهر الفتن، حتى يختلف في فريضة لا يجدان أحدا يفصل بينهما».
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا عمر بن أبي خليفة قال: سمعت زياد بن أبي خراق يذكر عن عبد الله بن عمر، قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً وأبا موسى إلى اليمن، قال: «تيسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا». فلما قدمنا اليمن، فخطب معاذ الناس، فحرضهم على الإسلام، وأمرهم بالتفقه في القرآن، وقال: إذا فعلتم ذلك فسالوني أخبركم عن أهل الجنة ومن أهل النار. فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا، فقال معاذ: قد كنت أمرتكم إذا تفقهنا وقرأنا أن نسألك فتخبرنا بأهل الجنة وأهل النار، فقال له معاذ: إذا ذكر الرجل بخير فهو من أهل الجنة، وإذا ذكر بشر فهو من أهل النار.
كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنتم شهداء الله في الأرض»؛ فإذا أثني على الرجل بخير من أهل الخير والصلاح، فهذا إن شاء الله علامة أنه من أهل الجنة، وإذا أثني عليه من أهل الخير والصلاح بشر، فهذا علامة ومؤشر أنه ليس على سوية.
حدثني يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله قال: سمعت سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله، أي الناس أكرم؟ قال: «أتقاهم». قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «فيوسف بن يعقوب نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله». قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «فعن معادن العرب تسألونني؟ خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا». أي حين سألوه عن معادن الرجال من أكرم الناس من حيث السجايا والطبائع، فقال: خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا؛ فهم خير الناس معادن، وهم من اعتمد عليهم، فالناس الذين أعطاهم الله سجايا وطبائع شريفة في الجاهلية، لما دخلوا في الإسلام زادوها تفقها وتبصرا.
أخبرنا عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن عبد الوهاب عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». أخبرنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن جبلة بن عطية عن ابن محيريز عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».
أخبرنا سليمان بن داود الزهراني قال: أخبرنا إسماعيل بن جعفر قال: حدثنا عمرو بن أبي عمرو عن عبد الرحمن بن حويرث عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، أنه شهد خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة في حجة الوداع: «أيها الناس، إني والله لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد يومي هذا بمكاني هذا، فرحم الله من سمع مقالتي اليوم فوعاها، فرب حامل فقه لا فقه له، ولرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. واعلموا أن أموالكم ودماءكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. واعلموا أن القلوب لا تغل على ثلاث: إخلاص العمل لله، ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم».
المراد أن القلوب يتم استصلاحها بالالتزام بهذه الخصال؛ هذا معنى «واعلموا أن القلوب لا تغل على ثلاث»؛ يعني إذا امتثلت هذه الخصال تصلح القلوب؛ الإخلاص والمناصحة ولزوم الجماعة.
حدثنا محمد قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيف من منى فقال: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن: إخلاص العمل لله، وطاعة ذوي الأمر، ولزوم الجماعة؛ فإن دعوتهم تكون من ورائهم».
أخبرنا عصمة بن الفضل قال: حدثنا حرمي بن عمارة عن شعبة عن عمرو بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان عن أبيه قال: خرج زيد بن ثابت من عند مروان بن الحكم بنصف النهار، فقلت: ما خرج هذه الساعة من عند مروان إلا وقد سأل عن شيء، فأتيته فسألته، قال: نعم، سألني عن حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «نضر الله امرأ سمع مني حديثاً فحفظه، فأداه إلى من هو أحفظ منه، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. لا يغل قلب مسلم على ثلاث خصال إلا دخل الجنة». قال: قلت ما هن؟ قال: «إخلاص العمل لله، والنصيحة لولاة الأمر، ولزوم الجماعة؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم. ومن كانت الآخرة نيته، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا نيته، فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر الله». قال: وسألته عن الصلاة الوسطى، قال: «هي الظهر».
أخبرنا موسى قال: حدثنا عمرو بن محمد القرشي قال: أخبرنا إسرائيل عن عبد الرحمن بن زبير اليامي عن أبي عجلان عن أبي الدرداء قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه، فربما مبلغ أوعى من سامع. ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، ونصيحة لكل مسلم، ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعائهم يحيط من ورائهم».
باب تلقي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وما ثبت فيه: أخبرنا محمد بن عيسى قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا أبو الزبير عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». أخبرنا محمد بن عيسى قال: حدثنا أبو عوانة عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار».
أخبرنا عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث قال: حدثني يزيد بن عبد الله عن عمرو بن عبد الله بن عروة عن عبد الله بن الزبير أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من حدث عني كذبا فليتبوأ مقعده من النار». قال: حدثنا محمد بن حميد قال: حدثني صباح بن محارب عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كذب متعمدا فليتبوأ مقعده».
أخبرنا أسد بن موسى قال: حدثنا شعبة عن عتاب قال: سمعت أنس بن مالك يقول: لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».
أخبرنا محمد بن عبد الله قال: أخبرنا أبو داود عن شعبة عن عبد العزيز عن حماد بن أبي سليمان وعن التيمي وعن عتاب مولى بني هرمز سمعوا أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».
أخبرنا أحمد بن خالد قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب عن أبي قتادة قال: سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: «أيها الناس، إياكم وكثرة الحديث عني، فمن قال علي فلا يقولن إلا حقاً أو صدقاً، ومن قال علي ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار». أخبرنا هارون بن معاوية عن إبراهيم بن سليمان عن عاصم الأحول عن محمد بن بشر عن أنس قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».
باب في ذهاب العلم: أخبرنا جعفر بن عون قال: أخبرنا هشام عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».
أخبرنا موسى بن خالد قال: أخبرنا معتمر بن سليمان عن الحجاج عن عوف بن مالك عن القاسم أبي عبد الرحمن مولى عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خذوا العلم قبل أن يذهب». قال: وكيف يذهب العلم يا نبي الله وفينا كتاب الله؟ فغضب لا يغضبه الله، ثم قال: «ثكلتكم أمهاتكم، أولم تكن التوراة والإنجيل في بني إسرائيل فلم تغن عنهم شيئاً؟ إن ذهاب العلم أن يذهب حملته».
قوله "ثكلتكم أمهاتكم" هو دعاء وجملة معترضة؛ وليس هو ذهاب الكتب، فالكتب موجودة لكن ذهاب من يفقه الكتب ويتفهمها، الكتب تبقى موجودة.
صلى الله عليه وسلم.
قال حدثنا أبو نعمان، قال حدثنا ثابت بن يزيد، قال حدثنا هلال -وهو ابن خباب- قال: سألت سعيد بن جبير، فقلت: يا أبا عبد الله، ما علامة هلاك الناس؟ قال: إذا هلك علماؤهم.
قال أخبرنا مالك بن إسماعيل، قال حدثنا مسعود بن سعد الجعفي، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ربيعة، عن سلمان قال: لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخر، فإذا هلك الأول قبل أن يتعلم الآخر هلك الناس. إذا مات العالم قبل أن يتعلم الجيل، فهذه هلاك، أما إذا مات العالم بعد أن خلّف طلاباً وأصبح له من يحمل الراية بعده، فهذا فيه خير عموماً إن شاء الله.
قال أخبرنا محمد الصادق، قال حدثنا أبو كدين، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: هل تدرون ما ذهاب العلم؟ قلنا: لا، قال: ذهاب العلماء.
قال أخبرنا محمد بن أسعد، قال حدثنا أبو بكر، عن عاصم، عن أبي وائل قال: قال حذيفة: أتدري كيف ينقص العلم؟ قال قلت: كما ينقص الثوب، وكما ينقص الدرهم؟ قال: لا، وإنما ذلك منه قبض العلم بقبض العلماء.
قال أخبرنا محمد بن الصالح، عن منصور بن أبي الأسود، عن الحسين، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي الدرداء قال: مالي أرى علماءكم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون؟ تعلموا قبل أن يُرفع العلم، فإن رفع العلم يذهب العلماء.
قال أخبرنا أحمد بن أسد أبو عاصم، قال حدثنا عبثر، عن برد، عن سليمان بن موسى، عن أبي الدرداء قال: الناس عالم ومتعلم، ولا خير فيما بعد ذلك. قال: معلم الخير والمتعلم في الأجر سواء، وليس لسائر الناس بعد خير من همج الرعاع ما بعد ذلك.
قال أخبرنا قبيصة، قال أخبرنا سفيان عن عطاء بن السائب، عن الحسن، عن عبد الله بن مسعود قال: اغدُ عالماً أو متعلماً أو مستمعاً، ولا تكن الرابعة فتهلك.
الرابع هو المعرض عن العلم.
قال أخبرنا عمرو بن عون، قال أخبرنا خالد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ربيعة قال سلمان: لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخر، فإذا هلك الأول قبل أن يتعلم الآخر هلك الناس.
قال أخبرنا وهب بن جرير وعثمان بن عمر قالا: حدثنا ابن عون، عن محمد، عن الأحنف قال: قال عمر: تفقهوا قبل أن تسودوا.
قال أخبرنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا بقية، قال حدثني صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن ميسرة، عن أبي الدرداء قال: تطاول الناس في البناء في زمن عمر، فقال عمر: يا معشر العرب، الأرض الأرض، إنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة؛ فمن سوده قومه على الفقه كان حياة له ولهم، ومن سوده قومه على غير فقه كان هلاكاً له ولهم.
باب العمل بالعلم وحسن النية فيه. قال أخبرنا محمد بن مبارك، قال أخبرنا بقية، قال حدثنا صدقة بن عبد الله بن صيب، أن المهاصر بن حبيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: «إني لست كل كلام الحكيم أتقبل، ولكني أتقبل همه وهواه، فإن كان همه وهواه في طاعتي جعلت صمته حمداً لي ووقاراً».
قال الله تعالى الحديث فيه ضعف جداً، لكن معناه قال صلى الله عليه وسلم: قال الله: «إني لست كل كلام الحكيم أتقبل»، أنت ممكن تكون شخصاً تتكلم بحكمة ورزين وتظهر أمام الناس أنك خطيب مصقع، ولكنني أتقبل ماذا؟ همه وهواه؛ الله لا ينظر إلى ألسنتنا كدعاة أو كمصلحين، وإنما ينظر إلى ما في نفوسنا من الهم والهوى والإرادة والمقصد، وهل فعلاً نحن صادقون فيما نتكلم به؟ قال: «فإن كان هواه وهمه في طاعتي ونصرتي جعلت صمته حمداً لي ووقاراً».
قال ثابت بن سعد، عن عمرو بن صالح، عن الزاهرية يرفع الحديث: أن الله قال: «أبُث العلم في آخر الزمان حتى يعلمه الرجل والمرأة، والحر والعبد، والصغير والكبير، فإذا فعلت ذلك بهم أخذتهم بحق عليهم»، عاقبتهم على عدم العمل بالعلم. العلم ربما ينتشر، حديث معضل لكن العلم قد ينتشر لكن يضعف العمل به.
قال حدثنا مخلد بن حسين، عن هشام الحسني قال: من طلب شيئاً من هذا العلم فأراد به ما عند الله أدرك إن شاء الله، ومن أراد به الدنيا فذاك حظه منه.
قال أخبرنا يعلى، قال حدثنا محمد بن عون، عن إبراهيم بن عيسى قال: ابن مسعود: لا تعلموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، وتجادلوا به العلماء، ولتصرفوا وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم ما عند الله؛ فإنه يدوم ويبقى وينفد ما سواه.
كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سُرج الليل. أحلاس البيوت يعني ملازمين لبيوتكم في التعلم والصلاة والعمل الصالح، جدد القلوب، خِلقان الثياب، تُعرفون في أهل السماء وتخفون على أهل الأرض. خِلقان الثياب يعني البالي من الثياب ما تهتم، طبعاً ليس المراد ترك الدنيا، وإنما المراد أن لا تجعل الدنيا أكبر همك، واجعل همك أن تُعرف في السماء حتى ولو خفيت على أهل الأرض.
قال أخبرنا أبو عاصم، حدثنا محمد بن عمارة بن حزم قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يطلب هذا العلم أحد لا يريد به إلا الدنيا، إلا حرّم الله عليه عرف الجنة يوم القيامة». عرف الجنة يعني رائحتها.
قال أخبرنا جبلة بن موسى، قال حدثنا عبد الله بن نمير، عن مالك بن مغول قال: قال الرجل للشعبي: أفتني أيها العالم، فقال: العالم من يخاف الله، إنما يخشى الله من عباده العلماء.
قال أخبرنا عثمان بن عمر، قال حدثنا عمران بن مزيد، عن عوف بن دلهم، أنه بلغه عن نبيه قال: تعلموا العلم تُعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، إنه سيأتي بعد هذا زمان لا يُعرف فيه تسعة أعشارهم المعروف، ولا ينجو منه إلا كل نَومة، فأولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم، ليسوا بالمشايخ ولا مشهورين. ما معنى نَومة؟ قول فلان نائم بمعنى أنه غير مشهور، هؤلاء اللي ينجون، وأما المشهورين بيضيعوا أصلاً.
نَومة فسرها أبو محمد بأنه غافل عن الشر، المذايع البُذر كثير الكلام، وهذا تفسير آخر أن النومة اللي هو الأبله في الشر، يعني اللي بده يعمل حرام بيعرف كيف يعمله، هذا اللي بينجو.
عن يزيد بن يزيد بن جابر قال: قال معاذ بن جبل: تعلموا ما شئتم أن تعلموه، فلن يأجركم الله بالعلم حتى تعملوا، العبرة ليست بكثرة العلم.
قال أخبرنا عبد الله بن خالد بن حازم، قال حدثنا وليد بن مزيد، قال سمعت عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سعد أنه أتى ابن المنبه فسأله عن الحسن وقال له: كيف عقله؟ فأخبره ثم قال: إنا نتحدث أو نجده في الكتب أنه ما آتى الله عبداً علماً فعمل به على سبيل الهدى فيسلبه عقله حتى يقبضه الله إليه. أن تعلم العلم سبب أن يحفظ الله عقلك من الخرف ومن الزهايمر ومن هذه الأمور، وهذا رأيناه ببعض المشايخ بلغ الثمانين وما شاء الله علمه وعقله وذاكرته ممتازة، هذا بركة العلم.
عن قاسم بن قيس، قال حدثني يوسف بن سيف الحمصي، قال حدثني أبو كبشة السلولي قال: سمعت أبا الدرداء يقول: إن من شر الناس عند الله منزلة عالم لا يُنتفع بعلمه.
قال أبو الدرداء: من يزدد علماً يزدد وجعاً، وقال أبو الدرداء: ما أخاف على نفسي أن يقال ما علمت، ولكن أخاف أن يقال لي: ماذا عملت؟ لماذا يزداد وجعاً؟ أنه يصبح يؤنب نفسه على التقصير في العمل، فمن يزداد علماً يجب أن يزداد وجعاً، تألمه أنه أنا عندي علم كثير وأنا مش قادر أعمل فيه، فمن يزداد علماً هكذا ينبغي أن يزداد وجعاً وتألماً لعدم قدرته على أن يعمل بعلومه كلها.
قال أخبرنا هارون بن معاوية، عن حفص بن غياث قال: سمعت ابن جريج يذكر عن من حدثه عن ابن عباس قال: تدارس العلم ساعة من الليل خير من إحيائها. وقال أبو هريرة: وإني لأجزئ الليل ثلاث أجزاء، ثلث أنام، وثلث أقوم، وثلث أتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أخبرنا حسن بن عرفة، قال حدثنا جرير، عن حسن بن عمرو، عن إبراهيم قال: من ابتغى شيئاً من العلم يبتغي به وجه الله سبحانه، أتاه الله منه ما يكفيه.
باب من هاب الفتيا مخافة السقط. قال أخبرنا أبو نعمان، قال حدثنا ثابت بن يزيد، قال حدثنا عاصم، عن الشعبي، سقط يعني أن يسقط كلمة أو يزيد كلمة في غير موضعها، يهاب الفتيا حتى لا يزيد كلمة أو يسقط كلمة تؤثر على الفتيا.
قال حدثنا عاصم، قال سألت الشعبي عن حديث فحدثني، فقلت: إنه يُرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا، على من دون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلينا، فإن كان فيه ذات نقصان كان على من دون النبي صلى الله عليه وسلم. الصحابة ما كانوا يحبون أن يرفعوا الحديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ينقلونه عن بعضهم البعض خشية أنه صار يكون فيه كلمة زيادة أو كلمة ناقصة، فبقول: تُحمل على صحابي ولا تحمل على النبي عليه الصلاة والسلام.
قال أخبرنا إسحاق بن عيسى، قال حدث حماد بن زيد، عن أبي هاشم، عن أبي إبراهيم قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة، فقيل له: ألا تحفظ رسول الله من حديث غير هذا؟ قال: بلى، ولكني أقول: قال عبد الله؛ فعلقمة أحب إليّ من أن أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنني أخشى ألا أكون دقيقاً في النقل عنه.
قال أخبرنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله قال: كان الدرداء إذا حدث بحديث عن رسول الله قال: هذا أو نحوه أو شكله أو بمعناه، محافظة على أنه إذا أنا أخطأت الخطأ مني.
قال أخبرنا أسلم بن موسى، قال حدثنا معاوية، عن ربيعة بن يزيد قال: كان أبو الدرداء إذا حدث حديثاً قال: اللهم إلا هكذا أو شكله، اللهم إلا هكذا، يعني إن لم يكن هكذا فكشكله، يعني قريب منه كلام النبي عليه الصلاة والسلام.
قال حدثنا عثمان بن عمر، قال أخبرنا ابن عون، عن مسلم أبي عبد الله، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن عمر بن ميمون قال: كنت لا تفوتني عشية خميس لا آتي فيها عبد الله بن مسعود، فما سمعته يقول شيئاً قط: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كانت ذات عشية فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغرورقت عيناه وانتفخت أوداجه، وأنا رأيته محلولة أزراره، قال: أو مثله، أو نحوه، أو شبيه به.
قال أخبرنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا ابن مسعود أو مثله أو نحوه أو شبيهاً منه. شبيب بن أسراره يقصد أزرار قميصه، قد يكون هو رآه بهذه الهيئة.
قال إن ابن مسعود كان إذا حدث عن رسول الله في الأيام تربد وجهه وقال: هكذا أو نحو أو هكذا أو نحو. لماذا يتغير وجهه وهيئته من الخوف؟ يخشى أن يخطئ ابن مسعود فينسب كلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم يقلها، فلذلك تتغير هيئته بمجرد أن يروي الحديث.
قال أخبرنا زيد بن حماد، قال حدثنا شعبة، قال حدثنا توبة العنبري قال: قال الشعبي: أرأيت فلاناً الذي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قعدت مع ابن عمر سنتين أو سنة ونصف فما سمعته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا هذا الحديث.
قال أخبرنا أنس بن موسى، قال حدثنا شعبة، قال حدثنا عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي قال: جلست إلى ابن عمر سنتين فلم أسمع يذكر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بن يوسف، قال: حدثنا أبو بكر عن أبي حصين، عن الشعبي، عن ثابت بن قطبة الأنصاري قال: كان عبد الله يحدثنا في الشهر بالحديثين والثلاثة.
قال: أخبرنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا يونس عن عبد الملك بن عبيد قال: مر بنا أنس بن مالك فقلنا: حدثنا ببعض ما سمعت من الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: أتحلل؟
فحدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد عن ابن عون عن محمد قال: كان أنس قليل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا عثمان بن محمد، قال: حدثنا إسماعيل بن أيوب عن محمد قال: كان أنس إذا حدث عن رسول الله حديثاً قال: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: حدثنا عثمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال: حدثني السائب بن يزيد قال: خرجت مع سعد إلى مكة فما سمعته يحدث بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رجعنا إلى المدينة.
قال: أخبرنا سريج بن حماد، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا بيان عن وبرة عن قرظة بن كعب أن عمر شيع الأنصار حين خرجوا من المدينة، فقال: أتدرون لِمَ شيعتكم؟ قال: قلنا: لحق الأنصار. قال: إنكم تأتون قوماً من تهتز ألسنتهم بالقرآن اهتزاز النخل، فلا تصدوهم بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم. قال: فما حدثت بشيء وقد سمعت كما سمع أصحابه.
قال: أخبرنا زيد وهارون، قال: أخبرنا أشعث بن سوار عن الشعبي عن قرظة بن كعب قال: بعث عمر بن الخطاب من الأنصار إلى الكوفة، قال: بعثني معه، فجعل يمشي معنا حتى أتى صراراً، وصرار: ماء في طريق مكة في طريق المدينة، فجعل ينفض الغبار عن لحيته ثم قال: إنكم تأتون الكوفة، فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن فيقولون: قدم أصحاب محمد، قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فاعلموا أن أسبغوا الوضوء ثلاثاً واثنتين تجزيان. ثم قال: إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن فيقولون: قدم أصحاب محمد، قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم فيه. قال قرظة: إن كنت لأجلس في القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني لمن أحفظهم له، فإذا ذكرت وصية عمر سكت.
كان أخذ وتمسك بوصية عمر أنه لا تكثر النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يكثر الكذب في الحديث عنه.
قال أبو محمد: مع أنه عندي الحديث عن أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بسنة ولا فرائض.
قال: أخبرنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا ابن علية عن مالك بن مغول عن الشعبي عن علقمة قال: عبد الله.
قال أبو محمد الدارمي: هو صاحب يقول ومعناه عندي: الحديث عن أيام النبي صلى الله عليه وسلم، أيامه إيش يعني، أي غزواته وسيره، وهذا الذي أمرهم بالتخفف منه، أما السنن والفرائض فلا يجب أن يعلموها للناس، فالأصل أنها تروى.
قال: أخبرنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا ابن علية عن مالك بن مغول عن الشعبي عن علقمة قال: قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ارتعد ثم قال: نحو ذلك أو فوق ذاك.
قال: أخبرنا بشر بن الحكم، قال: حدثنا سفيان عن ابن أبي... نحو ذلك أو فوق ذلك. قصرت، أي من باب أن يخلي المسؤولية عن نفسه.
قال ميسرة: صحبت ابن عمر بالمدينة فلم أسمع حديثاً عن رسول الله إلا أنه قال: كنت معه فأتي بجمار، فقال: إن من الشجر شجرة مثل الرجل المسلم، فأردت أن أقول هي النخلة، فنظرت فإذا أنا أصغرهم فسكت. قال عمر: وددت أنك قلت وعلي كذا.
قال: أخبرنا بشر بن الحكم، قال: حدثنا خالد بن يزيد. هو الذي يكون داخل جذع النخل هذا الأبيض الذي يستفاد منه، وله فوائد غذائية يسمى جمار النخل.
قال: حدثنا خالد بن يزيد الهددي، قال: حدثنا صالح الدهان قال: ما سمعت جابر بن زيد يقول: قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إعظاماً واتقاءً أن يكذب عليه.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله، قال: أخبرنا روح عن كهمس بن الحسن عن عبد الله بن شقيق قال: جاء أبو هريرة إلى كعب يسأل عنه وكعب في القوم، فقال كعب: ما تريد منه؟ فقال: أما إني لا أعرف لأحد من أصحاب الرسول أن يكون أحفظ لحديثه مني، فقال كعب: أما أنك لن تجد طالب شيء إلا سيشبع منه يوماً من الدهر إلا طالب علم أو طالب دنيا. فقال: أنت كعب؟ قال: نعم. قال: لمثل هذا جئت.
قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا شبل عن عمر بن دينار عن طاوس قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أعلم؟ قال: من جمع علم الناس إلى علمه، وكل طالب علم غرثان إلى علم، الغرثان هو الذي يغرف.
قال: أخبرنا سعيد بن عامر عن الخليل بن مرة عن... جائع، كيف الإنسان الجائع النهم منهم، لا يشبعان: طالب علم وطالب مال.
قال: عن معاوية بن قرط قال: كنت في حلقة فيها مشيخة وهم يتراجعون فيهم عائذ بن عمر، فقال شاب في ناحية القوم: أفيضوا في ذكر الله بارك الله فيكم، فنظر القوم بعضهم إلى بعض: في أي شيء رآنا؟ ثم قال بعضهم: من أمرك بهذا؟ قم، لئن عدت لنفعلن ولنفعلن.
قال: أخبرنا يوسف بن موسى، قال: أخبرنا أبو عامر، حدثنا قرة بن خالد عن عون بن عبد الله قال: عبد الله نعم المجلس، ومجلس تنشر فيه الحكمة وترجى فيه الرحمة، نسأل الله أن نكون من أصحاب هذه المدارس.
باب من قال: العلم الخشية وتقوى.
قال: أخبرنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال: كنا مع رسول الله فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: هذا أوان يختلس من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء. فقال زياد بن لبيد الأنصاري: يا رسول الله، وكيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأن العلم ونحن قد قرأنا وتعلمنا، فوالله لنقرأن ولنقرأن نساءنا وأبناءنا. فقال: ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فما تغني عنهم؟
العبرة ليست بوجود الكتب، العبرة كما قلت بوجود فقهاء يفهمون مقاصد هذه الكتب، اليوم كثير ناس تطلع تتكلم، صحيح كم واحد يحمل دكتوراة في الشريعة، كم شخص في أماكن كثيرة على السوشيال ميديا يتحدث، هذا كله لا قيمة له لأن العبرة بماذا؟ بالفقيه حقاً الذي يعرف مقاصد الكتاب والسنة، ويعرف تحقيقات المناط في واقع حياة الأمة.
قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال، صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً.
قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا الوليد بن جميل الكناني، قال: حدثنا مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، إن الله وملائكته وأهل سماواته وأرضيه والنون في البحر يصلون على الذين يعلمون الناس الخير.
قال: أخبرنا أحمد بن أسد أبو عاصم، قال: حدثني يحيى بن يمان عن سفيان عن ليث عن رجل عن ابن عمر قال: لا يكون الرجل عالماً حتى لا يحسد من فوقه، ولا يحقر من دونه، ولا يبغي بعلمه ثمناً.
قال: أخبرنا سعيد بن سليمان عن أبي أسامة عن مسعر، قال: سمعت عبد الأعلى التيمي يقول: من أوتي من العلم ما لا يبكيه خليق ألا يكون أوتي علماً ينفعه، لأن الله تعالى نعت العلماء، ثم قرأ إلى قوله: ﴿يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: 109].
قال: أخبرنا عصمة بن الفضل، قال: حدثنا زيد بن الحباب عن مبارك بن فضالة عن عبيد الله بن عمر العمري، يعني العلم الذي لا يبكيك ولا يرق منه قلبك ما في فائدة منه، ليه؟ لأن الله لما وصف العلماء ذكر أنهم يخرون للأذقان يبكون.
قال: عن أبي حازم قال: لا تكون عالماً حتى يكون فيك ثلاث خصال: لا تبغي على ما فوقك، ولا تحقر من دونك، ولا تأخذ على علمك الدنيا.
قال: أخبرنا محمد، أخبرنا أحمد بن أسد، قال: حدثنا عبثر عن برد بن سنان عن سليمان بن موسى الدمشقي عن أبي الدرداء قال: لا تكون عالماً حتى تكون متعلماً، ولا تكون بالعلم عالماً حتى تكون به عاملاً، وكفى بك إثماً ألا تزال مخاصماً.
وكفى بك مخاصماً يعني مجادلاً، شغلتك الجدل والنقاش، وكفى بك إثماً ألا تزال ممارياً، وكفى بك كاذباً ألا تزال محدثاً في غير ذات الله، أي في غير مرضاة الله وفي غير الإخلاص لله سبحانه وتعالى.
قال: حدثنا المبارك بن سعيد عن أخي سفيان الثوري عن عمران بن المنقري قال: قلت للحسن يوماً في شيء قاله: يا أبا سعيد، ليس هكذا يقول الفقهاء! قال: فقال: ويحك، ورأيت أنت فقيهاً قط؟ أنت من وين شفت الفقهاء؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه.
قال: أخبرنا الحسن بن عرفة، قال: حدثنا نضر بن إسماعيل البجلي عن مسعر عن سعد بن إبراهيم قال: قيل له: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أتقاهم لربه.
قال: أخبرنا الحسن بن عرفة، قال: حدثنا الحسين بن علي عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: إن الفقيه من يخاف الله.
قال: أخبرنا إسماعيل بن أبان يعقوب عن يعقوب القمي قال: حدثني ليث بن أبي سليم عن يحيى بن عباد قال: علي بن أبي طالب قال: إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، دائماً القرآن يكون حاضراً في خطابه في إصلاحه للناس، مش يذهب يقول: قال أفلاطون، وقال نيتشه، وقال كانط، قال: قال الله وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام، إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فهم فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها.
وحدثنا حسن بن عرفة، حدثنا سعود بن إبراهيم عن ليث عن يحيى بن عباد قال: قال علي: الفقيه حق الفقيه الذي لا يقنط الناس من رحمة الله، ولكن في نفس الوقت لا يؤمنهم من عذاب الله، ولا يرخص لهم في معاصي الله، إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا خير في علم لا فهم فيه، ولا خير في قراءة لا تدبر فيها.
أخبرنا أبو النعمان عن محمد بن زيد عن يزيد بن حازم قال: حدثني عمي جرير بن زيد أنه سمع تبعاً يحدث عن كعب قال: إني أجد نعتاً لقوم يتعلمون لغير العمل، ويتفقهون لغير العبادة، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون جلود الضأن، وقلوبهم أمر من الصبر، فبي يغترون أو إياي يخادعون.
أمر من الصبر، الصبر هو نبتة طعمها مر تسمى الصبر.
قال: فحلفت به لأتيحن لهم فتنة تترك الحليم فيها حيران.
أخبرنا بشر بن الحكم، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد... كعب الأحبار ينقله عن الكتب السابقة.
قال: حدثنا أبو عمران الجوني عن هرم بن حيان أنه قال: إياكم والعالم الفاسق، فبلغ عمر بن الخطاب فكتب إليه وأشفق منها من العالم الفاسق، قال: فكتب إليه هرم: يا أمير المؤمنين والله ما أردت به إلا الخير، يكون إمام يتكلم بالعلم ويعمل بفسق فيشبه على الناس فيضلون.
قال: مر سعيد بن جبير قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن مطرف عن عبد العزيز بن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر عن عبد الله بن مسعود قال: من أراد أن يكرم دينه فلا يدخل على السلطان، ولا يخلون بالنسوان، ولا يخاصم من أصحاب الأهواء.
قال: سعيد بن عامر عن إسماعيل بن إبراهيم عن يونس قال: كتب إليه محمد بن مهران: إياك الخصومة والجدال في الدين، ولا تجادلن عالماً ولا جاهلاً، أما العالم فإنه يخزن عنك علمه ولا يبالي بما صنعت، وأما الجاهل فإنه يخشن بصدرك ولا يطيعك.
أخبرنا غير... العالم إذا أنت جادلته يترك، ما عاد يعطيك العلم لأنه خلص يقسو قلبه عليك ويراك أنك مجادل فتفقد العلم الذي عنده، وأما الجاهل...
فيستلمك ويسبك ويخشن صدره ويصرخ عليك، ولا ينتفع في النهاية أصلاً. فالمراء والجدال التخفيف منه دائماً هو المطلوب.
أخبرنا المغيرة، قال: حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: قال سليمان بن داود لابنه: دع المراء، فإنه قليل المنفعة، وهو يهيج العداوة بين الإخوان. هذه قاعدة، يهيج العداوة بين الإخوان دائماً المراء والجدال، بخليك تفقد صاحبك، خلاص بظل بينك وبينه خصومة، سبحان الله.
قال يحيى بن حسان، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي حكيم، قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل. أحسنت، ليجعل دينه غرضاً للخصومات، أنه بتابع مناظرات وبتابع مين اللي بيغلب أنا معه؛ هذا معنى غرضاً للخصومات، مع الغالب. اليوم في مناظرة في العقيدة بين فلان وفلان، الغالب أنا معه، طيب اليوم الثاني في مناظرة ثانية، الغالب أنا مع هذا؛ ليس دين. الدين ليس أنت لا تتبع فيه من أكثر وأشطر في الفهلوة في الكلام، وإنما يؤخذ عن العلماء بعيداً عن أماكن إثارة الجدل.
أخبرنا مروان بن محمد، قال: حدثنا ابن عبد العزيز، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل مدينته: أنه من تعبد بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه، ومن جعل دينه غرضاً للخصومات كثر تنقله. كثر تنقله؛ كل يوم في عقيدة، وكل يوم مع الشيخ.
قال يوسف، عن سفيان، عن جعفر بن برقان، عن عمر بن عبد العزيز، قال: وسأله رجل عن شيء من الأهواء، فقال: عليك بدين الأعرابي والغلام في الكتاب، واهج عما سوى ذلك. يعني خليك على عقيدة المرأة العجوز وعقيدة الطفل الصغير اللي بيعلمها في الكتاب؛ فهي عقيدة نقية، وسيبك من النزاعات والخصومات التي تدور في السوشيال ميديا وغيرها من عوالم الناس.
قال أبو محمد: كثر تنقله، أن يتنقل من رأي لرأي، ومن عقيدة لعقيدة. وهذا ختام مجلس اليوم، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل