غراس العلم ترحب بضيوفها الكرام في الدورة العلمية المكثفة «همم» في عامها الثالث، ونسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولكم القبول.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى. الحمد لله الذي أعان ووفق ويسر لحصول هذا المجمع العلمي المهيب وهذا اللقاء الطيب الذي يتكرر في موسمه الثالث لعام ١٤٤٦هـ من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، حيث تجمعنا «همم» لتحلق حول كتاب من مدونات السنة الكبرى. وموعدنا في هذا العام بحمد الله ومنته مع سنن الإمام النسائي، مع سنن الإمام أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله تعالى، الإمام الحافظ الناقد المحقق المحرر.
في «همم» أيها الكرام نتحلق لنسمع أحاديث محمد صلى الله عليه وسلم، نتحلق لنرى أيامه وأحواله، لنرى تفاصيل التفاصيل وأدق الأمور في حياة القائد الأول والمعلم الأعلى صلوات ربي وسلامه عليه. نعم أيها الكرام، إنها نعمة عظيمة في بلاد مباركة، في أرض الحشد والرباط، في أردننا الحبيب، هذا البلد الطيب المبارك الذي نعمره بحمد الله بحضور مجالس العلم وبإقبال أمتنا وبتشييدها وبهذا التزاحم، حيث المنكب بالمنكب والقدم بالقدم، نجتمع لنعلن انتماء لديننا وتمسكا بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم. هذا الاجتماع الذي يسر أهل الإيمان ويغيظ أهل الإلحاد والنفاق والكفران، هذا الاجتماع حيث نجدد الانتماء وحيث نجدد الحب للنبي صلى الله عليه وسلم.
نعم أيها الكرام، إنها «همم» حيث تتجلى الهمم العلية لتتحلى بالسنة النبوية، حيث يزدحم الشباب عاما بعد عام أكثر فأكثر حول سنة النبي صلى الله عليه وسلم، يعشقون سماعها ويشتاقون إليها، فلذلك يتزاحمون مع ضيق المكان ومع كثرة الأعداد ومع بعد المسافات، لكن بحمد الله ما دمنا نجتمع على طاعة الله عز وجل، فليحتسب الإنسان الخطوات وليحتسب الإنسان تعب الساعات. ولتعلم أن كل دقيقة تمر عليك في هذا المجلس المبارك هي محسوبة عند الله سبحانه وتعالى ولن يضيع الله الثواب؛ فاحتسب الثبات واحتسب الصبر واحتسب الخطوات واحتسب هذه الأيام العشر، حيث نختلس من حياتك بعيدا عن ضجيجها وصخبها، بعيدا عن الجلسات الفارغة وبعيدا عن مشتتات الحياة، نقتنص هذه الأيام العشر قبيل رمضان؛ لعلها تجدد الإيمان، لعلها تجدد اليقين، لعلها تجدد الانتماء وتجدد حبنا لربنا سبحانه وتعالى وللنبي صلى الله عليه وسلم.
نعم بحمد الله، في هذا البلد المبارك هناك ثلة من الشباب الطيبين المباركين الذين يتحلقون في مجالس العلم ويعشقونها، وما هذا اللقاء وما هذا الازدحام إلا نموذج من هذه النماذج الطيبة التي نفرح بها والله وتقر بها العين، ويفرح بكم محمد صلى الله عليه وسلم، يفرح بكم محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال لأصحابه: «إنني أشتاق لإخواني»، قالوا: ألسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «بل أنتم أصحابي، وإنما إخواني قوم يأتون بعدي ويستنون بسنتي» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. بهذه المجالس يفتخر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما تردون إلى حوضه يوم القيامة، وعندما يراكم متمسكين بسنته حريصين على تعلمها متشبثين بمعانيها، هنا نفتخر وهنا نعتز بهذه الثلة الطيبة المباركة.
أيها الكرام، موعدنا هذا العام مع سنن الإمام النسائي، وهذه السنن المشهورة بالمجتبى. اقتنصها الإمام النسائي رحمه الله تعالى من سننه الكبير «السنن الكبرى»، وكان الإمام النسائي قد قدم كتابه السنن الكبرى هدية لوالي مدينة الرملة في فلسطين، فوالي مدينة الرملة في فلسطين قال للنسائي: هل كل ما في السنن الكبرى من الصحيح؟ قال: لا، ولكن أنتقي لك. فطلب منه أن ينتقي من سننه الكبرى السنن الصغرى المشهورة بالمجتبى، فجاء هذا الكتاب اختصارا من كتابه الضخم «السنن الكبرى»، والسنن الكبرى عشر مجلدات، وإنما هذا كتاب مختصر حرص فيه الإمام النسائي على أن يجمع ما رآه صحيحا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أو يقرب من الصحيح، وقد يذكر بعض الأحاديث المعلولة الضعيفة ليبين ما فيها من الضعف.
ولأجل أن الإمام النسائي تقصد أن يكون في هذا الكتاب أصح ما ظهر له، يعتبر عند أهل السنن وعند أهل الحديث كتاب الإمام النسائي رحمه الله عليه أصح الكتب بعد البخاري ومسلم؛ من حيث صحة الأحاديث وقوة الرجال والابتعاد عن النكارة والشذوذ، ولأن الرجل تقصد تحريره على مستوى عال. الإمام أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله عليه من مدينة نسا وهي من نواحي خراسان حول أذربيجان وباكستان وما حولها، ولد عام ٢١٥ من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتنقلت به الركاب إلى أن كانت وفاته في مدينة الرملة في فلسطين في عام ٣٠٣ من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهو آخر أصحاب السنن وفاة، لكن كعبه عال جدا جدا، حتى قال الإمام الذهبي إن الإمام النسائي أعلى كعبا في الحديث من الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري، قال بل هو في مصاف الإمام البخاري وفي مصاف أبي زرعة الرازي.
كثير من الناس لا يعرفون من هو النسائي ويظنونه في مرتبة لاحقة، ولكنه إمام محرر كبير وناقد في الحديث النبوي وإنسان جهبذ حتى في مسائل الفقهيات. هذا الكتاب إذا هو مختصر من السنن الكبرى وهو المشهور والمتداول بين أيدي طلبة العلم، وهو الذي يدرج عادة ضمن السنن، لما نقول كتب السنن الأربعة: سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، يقصد بسنن النسائي هذا الكتاب، وهو مختصر لكنه طويل؛ نحن نتكلم عن ٥٧٠٠ حديث تقريبا فهو ليس كتابا قصيرا، ولكنه اختصره من سننه الكبير.
ستجدون أن الإمام النسائي رحمه الله عليه دقيق في الفقهيات، دقيق فيما يستنبطه من فوائد الحديث الفقهية والعلمية، ولذلك عليك أن تكون مركزا منتبها حتى لا تضيع عليك الفائدة. حاول دوما في هذه المجالس، مجالس السماع التي هي مفخرة من مفاخر الأمة، حاول دوما أن تفهم تراجم الأبواب؛ يعني كل مجموعة أحاديث يوضع لها ترجمة باب، تكون هذه الترجمة مستنبطة من الأحاديث المندرجة تحتها، فعليك دائما أن تفهم الترجمة وما رابطها أو ما الذي يربط بينها وبين الأحاديث التي اندرجت تحتها. حاول في هذه المجالس أن تعرف معاني الكلمات الغريبة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، حاول أن تعرف المعنى الإجمالي من الحديث، ثم ما بعد ذلك المجلس.
لمن حضره في السنوات الماضية يعلم أنه مجلس نعتمد فيه القراءة السريعة، فبقدر تركيزك بقدر ما تجني من الفوائد، وبقدر سهوك وغفلتك ومللك بقدر ما تضيع من الفوائد، فاستعن بالله ولا تعجز، واعلم أنك في مجلس سماع عظيم في عشرة أيام متواصلة بحول الله. تستعين بالله تقول لا حول ولا قوة إلا بالله، واعلم أن هذا مضمار بينك وبين الله سبحانه وتعالى؛ احذر أن تكون من فرسان الأيام الأول ثم يراك الله غائبا في الأيام الأواخر، أثبت، انوِ عزيمة صادقة جادة على الثبات إلى آخر هذه الأيام.
فمن كانت همته ضعيفة إلى عشرة أيام، متى تخدم أمتك فيما هو أكثر من ذلك؟ مثل هذه الدورات ربما هي كفيلة أن تختبر عزيمتك، تختبر همتك، تختبر صبرك وجلدك في هذه الحياة، وقدرتك على أن تقدم ولو شيئا يسيرا من معاني الحب للنبي صلى الله عليه وسلم. لا أريد أن أطيل في المقدمات فوراءنا مشوار طويل كما يقولون، نبدأ مستعينين بالله دورة «همم» في موسمها الثالث.
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين. قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ الإمام العالم الرباني الرحلة الحافظ الحجة الصمداني أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر النسائي، قال رحمه الله: كتاب الطهارة، باب تأويل قوله عز وجل: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]. قال أخبرنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده».
نعم، هذا الحديث الأول، حديث قتيبه بن سعيد حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن شهاب الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه». الوضوء بفتح الواو هو الماء الذي يتوضأ به؛ فرق بين وضوء ووضوء، الوضوء بالفتح هو الماء الذي يتوضأ به. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لكل من استيقظ من نومه، خاصة إذا كان من نوم ليل، عليك ألا تغمس يدك في إناء الوضوء حتى تغسل يديك ثلاثا. لماذا يا رسول الله؟ قال: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»؛ عندما كان نائما قد تجول اليد على العورات وقد تلامس المستقذرات، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نحرز الماء وأن نقيه النجاسات ولو على وجه الاحتياط.
فلذلك كل مستيقظ من النوم عند الحنابلة يجب عليه أن يغسل يديه ثلاثا قبل أن يدخلها في الإناء، وعند أكثر أهل العلم يستحب أن يغسل يديه قبل أن يدخلها في الإناء. ووجه ارتباط هذا الحديث بترجمة الباب أنه أول شيء تفعله إذا أردت الصلاة أن تتوضأ لها، وأول شيء تفعله للوضوء هو أن تتحرى الماء، فهذا الحديث يدل على ضرورة أن يتحرى الإنسان الماء الطهور الطيب ولا يفسده إذا أراد أن يتوضأ به.
قال رحمه الله تعالى: باب السواك إذا قام من الليل، قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم وقتيبة بن سعيد عن جرير عن منصور عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان وأبي وائل هو شقيق بن سلمة، نعم، قال عن حذيفة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك. يشوص فاه بالسواك يعني يدلك فاه بالسواك، وهذا من المواضع التي يستن فيها سواك، وهو إذا قام أحدنا من نوم الليل يسن أن يستاك. لماذا؟ لأن الإنسان إذا نام تخرج له رائحة في الفم، فيأتي السواك لينظف هذه الرائحة.
باب كيف يستاك، قال أخبرنا أحمد بن عبدة قال أخبرنا حماد بن زيد قال أخبرنا غيلان بن جرير عن أبي بردة عن أبي موسى قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستاك، وطرف السواك على لسانه وهو يقول: ع ع.
هذا يدل على أن السواك يكون على اللسان. الآن السواك أيها الكرام يستاك على الأسنان وعلى اللثة وعلى اللسان، إذا أردت أن تستاك على لسانك فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يستاك طولا، كان يدخل السواك على لسانه طولا حتى يصل السواك إلى حلقه فيخرج هذا الصوت «ع ع»، تعرف أنت لما تدخل الخشبة إلى الحلق تشعر أنه سيخرج منك صوت، فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يوصل السواك إلى اللهاة حتى يصدر منه هذا الصوت حرصا منه على تنظيف لسانه. السواك إذاً يكون في اللسان طولا، ويصح أيضا أن يكون عرضا، ويكون أيضا في الأسنان واللثة عرضا.
باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته، قال أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا قرة بن خالد قال حدثنا حميد بن هلال قال حدثني أبو بردة عن أبي موسى قال: أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يمينه. المراد بالأشعريين هم جماعة أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وهم قبيلة من اليمن، قبيلة من اليمن منها الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري.
قال رحمه الله: أحدهما عن يميني والآخر عن يساري ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك. فيك هذا موطن الشاهد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك. وهذا يدل على ماذا؟ على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى هيئة الاستياك منافية للوقار، وهذا هو موضوع الترجمة، هل يستاك إمام المسلمين أمام الرعية؟ هل هيئة السواك تخالف الوقار؟ بعض الناس قد يستحي أن يستاك أمام الناس وكأنه عيب، استاك في خلواتك، النبي صلى الله عليه وسلم وهو إمام المسلمين كان يستاك أمام الناس مما يدل على أن هيئة السواك ليست هيئة منافية للمروءة.
النبي صلى الله عليه وسلم، يريدان منه أن يوظفهما أمراء على مناطق في اليمن، فالنبي صلى الله عليه وسلم رفض أن يولي الإمارة شخصا طلبها؛ نحن لا نولي الإمارة من طلبها. نعم، قلت: والذي بعثك نبيا بالحق ما اطلع على ما في أنفسهما، طبعا أبو موسى الأشعري انحرج، أبو موسى الأشعري ما كان يعرف أن صاحبيه جاءا يسألان الإمارة، وقال: والذي بعثك بالحق ما كنت أعرف أنهما جاءا يطلبان الإمارة، يعني ماليش دخل، هم اللذان يريدان الإمارة أما أنا فلا أطلبها.
قال: وما شعرت أنهما يطلبان العمل. فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته، قال: تحت شفته قلصت؛ لأن الإنسان إذا وضع السواك على اللثة، الشفة ستقلص يعني سترتفع إلى أعلى، فهو رأى أبو موسى الأشعري النبي صلى الله عليه وسلم وقد وضع سواكه تحت شفته، تمام يستاك هكذا الطريقة، فماذا سيحصل؟ الشفة ستقلص، أي ستذهب باتجاه الأعلى فتنكشف.
فقال: أنا لن نستعين على العمل من أراده؛ ولكن اذهب أنت. فبعثه على اليمن، ثم أردفه معاذ بن جبل. نعم، فبالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا لن نستعين على العمل» أي لن نجعل أميرا طلب الإمارة، لا نضع أميرا طلب الإمارة، فقال لأبي موسى: اذهب أنت أميرا على اليمن، أما صاحباک اللذان سألا الإمارة فلا أوظفهما. نعم، قال فبعثه على اليمن، ثم أردفه معاذ بن جبل، نعم، بعد أن أرسل أبا موسى أميرا على اليمن أردفه بمعاذ بن جبل ليعلم الناس الحلال والحرام.
نعم، قال باب الترغيب في السواك. قال أخبرنا حميد بن مسعدة ومحمد بن عبد الأعلى عن يزيد وهو ابن زريع، قال حدثني عبد الرحمن بن أبي عتيق، قال حدثني أبي، قال سمعت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب». نعم، يجوز أن تقول مطهرة ومطهرة، وهذا وزن من أوزان أسماء الآلات، يعني السواك آلة لتطهير الفم ووسيلة لرضى الرب سبحانه وتعالى، فأنت عندما تستاك عليك أن تعرف أن الله يرضى هذه الحالة، ويرضى هذه الحالة ويحبها.
قال باب الإكثار في السواك. قال أخبرنا حميد بن مسعدة وعمران بن موسى، قال حدثنا عبد الوارث، قال حدثنا شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وقد أكثرت عليكم في السواك، قد أكثرت عليكم في السواك» أي أكثرت في طلبه منكم وتكرار الأمر به، أكثرت عليكم في السواك يعني أكثرت في الحث عليه وطلبه منكم، مما يدل على أنه من السنن المؤكدة في شريعة الإسلام، وهذا هو موطن الترجمة: باب الإكثار في السواك، أي الإكثار في طلبه، وذهب بعض الشراح إلى أن المراد الإكثار في السواك، الإكثار في المواطن التي يطلب فيها السواك، فأنت تستاك إذا دخلت البيت، وإذا خرجت، وإذا دخلت المسجد، وإذا صليت، وإذا توضأت، فالمواطن التي يستحب فيها السواك كثيرة أيضا، فهناك إكثار في مواطن السواك، وإكثار في حث النبي صلى الله عليه وسلم على استعمال السواك.
نعم، باب الرخصة في السواك بالعشي للصائم. قال أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج، المراد هنا التسهيل، والعشي هو ما بعد الظهر، ما بعد الظهر إلى المغرب يسمى ماذا عشيا؟ نحن أكثر الفقهاء على أن السواك للصائم بعد الظهر ما حكمه؟ مكروه، لكن هنا النسائي يخالف في ذلك ويرى أن الأدلة تدل على أن السواك للصائم حتى بعد الظهر مباح، ما الدليل الذي استدل به؟ نعم قال عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بسواك عند كل صلاة». من هنا طالب ذكي يعرف ما موطن الشاهد في الحديث، يعني كيف يدل هذا الحديث «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» كيف يدل على مشروعية السواك للصائم بعد الظهر؟ أحسنت، لما قال عند كل صلاة، ألا يدخل فيها صلاة الظهر والعصر للصائم؟ فإذا قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» يدخل في هذا العموم صلاة الظهر والعصر للصائم، إذا ما حكم السواك للصائم بعد الزوال؟ مشروع، وهذا ما يسمى بدلالة الإشارة، حيث النسائي ذكي في استنباطاته الفقهية، النسائي ذكي جدا باستنباطاته الفقهية، فقد يأتي بفائدة ليست مباشرة من الحديث، لكنها مفهومة ضمنا لمن أعمل عقله.
نعم، قال رحمه الله تعالى: باب السواك في كل حين. قال أخبرنا علي بن حجر، قال حدثنا عيسى وهو ابن يونس عن مسعر عن المقدام وهو ابن شريح عن أبيه قال: قلت لعائشة: بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك. طيب، كيف يدل هذا الحديث على ترجمة الباب؟ هو باب السواك في كل حين، باب أن السواك ليس له وقت محدد بل لك أن تفعله في كل وقت، كيف يدل الحديث على هذا المعنى؟ أحسنت، أن عودة الإنسان إلى منزله تكون في أوقات مختلفة ليلا ونهارا، فإذا كان كلما عاد إلى منزله استاك، إذا هذا يدل على أن السواك ليس له وقت محدد بل هو في أي وقت من أوقات الليل أو النهار، فهمتم وجه الاستنباط؟
نعم، قال باب ذكر الفطرة: الاختتان. قال أخبرنا الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الفطرة خمس: الاختتان، والاستحداد، وقص الشارب...». الفطرة يعني الأمور، أمور النظافة التي فطر الله عليها الإنسان خمسة، أمور النظافة التي فطر الله عليها الإنسان خمسة، وهذا لا يعني أنه لا يوجد غيرها لكن هذه من أبرزها، من أبرزها، ما هي الأمور الفطرية في النظافة التي فطرنا عليها؟ أولا الختان، وهذا موضع الترجمة، الختان يكون للرجال وأيضا عند كثير من الفقهاء يكون للنساء، وهو قطع الجلدة التي تكون على مخرج القبل أو على القبل، قص الشارب وتقليم الأظفار والاستحداد وحلق العانة، وأما قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط فهذا معلوم، طبعا حلق العانة وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط هذه كلها سنة، أما الختان فواجب، أما الختان فواجب، أما على النساء هل هو واجب كما هو على الرجال؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة والمسألة تحرر في غير هذا الموضع.
نعم، قال باب تقليم الأظفار. قال أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال حدثنا المعتمر، قال سمعت معمرا عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس من الفطرة: قص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، والاستحداد، والختان». نعم، ستلاحظون هنا أن النسائي كرر هذا الحديث قرابة خمس مرات، لكن كل مرة يعطيه فائدة مختلفة، هذا الحديث "الفطرة خمس" ستجدون أن النسائي كرره كثيرا، وحقيقة لما نقول أن النسائي 5700 حديث تقريبا نصها مكرر، يعني حتى تستريح لن تتغلب في هذا الكتاب لأن نصف الأحاديث مكرر، لكن كل مرة يضع لها ترجمة مختلفة وفائدة حديثية أخرى.
نعم، قال باب نتف الإبط. قال أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد، قال حدثنا سفيان عن سفيان بن عيينة، نعم عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خمس من الفطرة: الختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وأخذ الشارب»، ولاحظ هنا أتى بهذا الحديث مرة أخرى للاستدلال على نتف الإبط.
نعم، قال باب حلق العانة. قال أخبرنا الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن وهب عن حنظلة بن أبي سفيان عن...، لكن لاحظ هنا أيضا أنه كلما كرر الحديث يأتي بسند مختلف، وهذه من مقاصده، يعني الكتاب جميل ولا يكرر تكرارا اعتباطيا، لا، هو يكرر لفوائد فقهية وليعطيك أسانيد أخرى لنفس الحديث وزيادات أو اختلافات في بعض ألفاظ الحديث، نعم قال عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الفطرة قص الأظفار، وأخذ الشارب، وحلق العانة»، لاحظ هنا مثلا هي رواية أخرى ما قال الفطرة خمس، قال الفطرة واقتصر على ثلاثة: قص الأظفار، وأخذ الشارب، وحلق العانة.
نعم، قال باب قص الشارب. قال أخبرنا علي بن حجر، قال أخبرنا عبيدة بن حميد عن يوسف بن صهيب عن حبيب اليسار عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يأخذ شاربه فليس منا». من لم يأخذ، والمشهور أن أخذ الشارب يكون بالإحفاء، يعني المبالغة في القص قدر المستطاع، المبالغة في القص، لكن لا يصل إلى الجز التام، هذا هو المشهور عند أهل العلم في أخذ الشارب، وهي مسألة فيها خلاف، من لم يأخذ شاربه فليس منا، ما معنى فليس منا؟ أي ليس على طرائق أهل الإسلام، لا يعني أنه كافر، لا، وإنما المراد ليس على هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
نعم، قال باب التوقيت في ذلك. قال أخبرنا قتيبة، قال حدثنا جعفر وهو ابن س...، المراد بالتوقيت في ذلك هل هناك وقت محدد لا ينبغي تجاوزه في قص الشارب وتقليم الأظفار وحلق العانة بحيث إذا تجاوزته تكون خالفت أمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ نعم قال عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك قال: وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قص الشارب، وتقليم الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط ألا نترك أكثر من 40 يوما. نعم، إذا هذا هو السنة، السنة ألا تتجاوز الأربعين يوما إلا وقد حلقت هذه الأمور وأزلت، كل 40 يوما هذا الحد الأعلى، قالوا فإذا تجاوز 40 يوما وهو لم يحلق عانته، ولم ينتف إبطه، ولم يقص شاربه، فقد وقع في المكروه، فقد وقع في المكروه، نعم، وقال مرة أربعين ليلة.
قال رحمه الله تعالى باب إحفاء الشارب وإعفاء اللحى، وإعفاء هو المبالغة في القص، نعم قال أخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله، قال أخبرني نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى».
قال باب الإبعاد عند إرادة الحاجة، قال أخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا يحيى بن سعيد، بعد أن انتهى من سنن الفطرة انتقل لآداب قضاء الحاجة، انتقل لآداب قضاء الحاجة، فقال الإبعاد عند إرادة الحاجة، قديما ما كان عندهم حمامات مثل الحمامات التي عندكم اليوم، فكان السنة إذا أراد أحدهم أن يقضي حاجته أن يبتعد كثيرا حتى لا يرى الناس شخصه، ويقضي حاجته بعيدا عن الناس.
نعم، قال أخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا يحيى بن سعيد، قال حدثنا أبو جعفر الخطمي وعمير بن يزيد، قال حدثني الحارث بن فضيل وعمارة بن خزيمة بن ثابت، قال عن عبد الرحمن بن أبي قراد قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخلاء، وكان إذا أراد الحاجة أبعد، أبعد يعني مشى في الصحراء أو ذهب في الغابة بعيدا.
نعم، قال أخبرنا علي بن حجر، قال أخبرنا إسماعيل عن محمد بن عمر عن أبي سلمة عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد، المراد بالمذهب قضاء الحاجة، يعني إذا ذهب المذهب أي ذهب لقضاء حاجته أبعد عن الناس، نعم قال: فذهب لحاجته وهو في بعض أسفاره فقال: «ائتني بوضوء»، فأتيته بوضوء فتوضأ، ائتني إذا ابتدأت بها تقول ائتني بوضوء، بوضوء بفتح الواو نعم، ائتني بوضوء، فأتيته بوضوء فتوضأ ومسح على الخفين، قال الشيخ إسماعيل هو ابن جعفر بن أبي كثير القاري، قال الشيخ اللي هو النسائي نفسه يعني قال النسائي: إسماعيل هو ابن جعفر بن أبي كثير القارئ.
نعم، قال باب الرخصة في ترك ذلك. قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال أخبرنا عيسى بن يونس، قال أخبرنا الأعمش عن شقيق عن حذيفة قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائما، فتنحى عنه، فدعاني وكنت عند عقبيه حتى فرغ ثم توضأ ومسح على خفيه.
قال باب الرخصة في ترك ذلك، هل إذا أردت أن أبول في الخلاء هل يجب دائما أن أبتعد في الصحراء كثيرا أم يكفي أن أستر عورتي ولو كنت بين الناس؟ السنة هو الذهاب إلى المكان البعيد، لكن المجزئ يجزئك أن تبول بين الناس بشرط أن تكون ساترا لعورتك، وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم هنا، أنه بال عند سباطة قوم، والسباطة هي مكان إلقاء الزبالة أو القمامة، سباطة قوم هو مكان إلقاء النفايات، النبي صلى الله عليه وسلم وهو في شوارع المدينة احتاج أن يبول، فرأى منطقة بجانب الشارع فيها سباطة قوم فبال قائما وخلفه صاحب من الصحابة الكرام، استدل النسائي بهذا الحديث على أن من أراد قضاء الحاجة لا يشترط دائما أن يبتعد وإن كان هذا هو الكمال، بل له أن يبول حتى في جوانب الطرقات التي تكون مستورا فيها العورات.
نعم باب القول عند دخول الخلاء، قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال أخبرنا إسماعيل عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال، هو لماذا قال فتنحى عنه فدعاني؟ دعا حذيفه ليقف خلفه ليكون أستر له، قال لحذيفة يعني وقف خلفي حتى تسترني عن أعين الناس، نعم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، الخبث هم ذكران الشياطين، والخبائث هم إناث الشياطين.
نعم باب النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة، قال أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن القاسم، قال حدثني مالك، ابن القاسم هو عبد الرحمن بن القاسم تلميذ الإمام مالك، نعم قال حدثني مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن رافع بن إسحاق أنه سمع أبا أيوب الأنصاري وهو بمصر يقول: والله ما أدري كيف أصنع بهذه الكنيف، الكنيف هي بيوت معدة لقضاء الحاجة مثل الحمامات المعاصرة، أبو أيوب الأنصاري حتى داخل الحمامات المعدة لقضاء الحاجة كان لا يحب أن يستقبل القبلة ولا أن يستدبرها، ويرى أن هذا مشمول في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة واستدبارها، لكن جمهور أهل العلم يرون أن النهي عن استقبال القبلة واستدبارها أثناء قضاء الحاجة.
الحاجة إنما هو في الأماكن المفتوحة وليس داخل الحمامات المخصصة. الحمامات المخصصة لو استقبلت القبلة أو استدبرت عند الجمهور لا حرج، لكن أبا أيوب كان يرى في ذلك حرجاً. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط أو البول فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها».
قال باب النهي عن استدبار القبلة عند الحاجة: أخبرنا محمد بن منصور قال حدثنا سفيان عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها لغائط أو بول، ولكن شرقوا أو غربوا». لاحظ نفس الحديث أعاده مرة أخرى لكن للفائدة الثانية؛ يعني أولاً باب النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة ثم قال باب النهي عن استدبار القبلة، يعني تجعل القبلة في دبرك وأنت تقضي حاجتك، فكرر الحديث مرتين للدلالة على الفائدتين. وقوله «شرقوا أو غربوا» هذا بالنسبة لأهل المدينة؛ أهل المدينة القبلة عندهم هي الجنوب لأن مكة جنوبهم، فبالتالي حتى لا يستقبلوا القبلة ولا يستدبروها يحتاجون إلى أن يبولوا باتجاه الشرق أو باتجاه الغرب. أما من كانت القبلة بالنسبة إليه باتجاه الشرق أو الغرب ماذا ستقول له؟ شملوا أو جنبوا صحيح. فقول «شرقوا أو غربوا» هذه لأهل المدينة ولكل من كان كحالهم ممن القبلة تكون بالنسبة إليهم جنوب. واحنا أهل الأردن زي أهل المدينة، لكن بالنسبة مثلاً للناس اللي مكة تكون شرق تماماً أنت لا تقول له شرقوا، ايش تقول له؟ شملوا أو جنبوا حتى لا تكون مكة لا في قبلتك ولا في استدبارها.
قال باب الأمر باستقبال المشرق والمغرب عند الحاجة: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا غندر، قال حدثنا مع غندر هو محمد بن جعفر وهذا لقبه غندر، وغندر بمعنى المشاغب لأنه كان مشاغباً؛ كان طالباً مشاغباً، فعندما جاء ابن جريج إلى البصرة أو إلى الكوفة كان محمد بن جعفر يكثر سؤالات والاعتراض عليه فقال ابن جريج: اقعد يا مشاغب، فأصبح لقبه في التاريخ محمد بن جعفر يلقب بغندر يعني المشاغب. قال حدثنا معمر قال أخبرنا ابن شهاب عن عطاء بن يزيد وهو أحد أئمة الحديث الكبار، هو أحد الرجالات الكبار، لكن هذا عندما يكون الإنسان في حماسة طلب العلم في الشباب تصدر منه مثل هذه المشاغبات. قال عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولكن ليشرق أو ليغرب».
أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن عبد الله بن عمر قال: لقد ارتقيت على ظهر بيتنا فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته. وهذا هو الصحيح، وهذا ما قاله النسائي، أنه يرخص أي يجوز استقبال القبلة واستدبارها إذا كنت في مكان معد لقضاء الحاجة. فالنهي عن استقبال القبلة واستدبارها هذا يكون في الصحراء والأماكن المفتوحة، وأما في البيوت فيجوز استقبال القبلة واستدبارها داخل دورات المياه المعاصرة.
قال باب النهي عن مس الذكر باليمين عند الحاجة: أخبرنا يحيى بن درست قال أخبرنا أبو إسماعيل وهو القناد قال حدثني يحيى بن أبي كثير أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه». أخبرنا هناد بن سري قال عن وكيع عن هشام عن يحيى وهو ابن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه». هذه السنة أن الإنسان وهو يبول لا يمسك ذكره بيده اليمين لأنها مكرمة، وإنما إذا احتاج أن يمسك ذكره فيمسكه بيده الشمال.
قال باب رخصة في البول في الصحراء قائماً: أخبرنا مؤمل بن هشام قال حدثنا إسماعيل قال حدثنا شعبة عن سليمان عن أبي وائل، سليمان هو الأعمش، عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً. وهذا يستدل به على جواز البول قائماً وأن البول قائماً لا كراهة فيه وهو مباح، وإن كان الأولى أن تبول جالساً لكن البول قائماً مباح. أخبرنا محمد بن بشار قال حدثنا محمد قال حدثنا شعبة، محمد بن جعفر وهو غندر، قال حدثنا شعبة قال عن منصور قال سمعت أبا وائل أن حذيفة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً، هو نفس الحديث السابق بإسناد آخر. أخبرنا سليمان بن عبيد الله قال حدثنا بهز قال حدثنا شعبة عن سليمان ومنصور قال عن أبي وائل عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم مشى إلى سباطة قوم فبال قائماً. قال سليمان في حديثه ومسح على خفيه، ولم يذكر منصور المسح. هو نفس الحديث السابق لكن الأعمش في إسناده وقع زيادة: ومسح على خفيه، وأما منصور بن المعتمر لما روى هذا الحديث لم يذكر المسح على الخفين، لأنه لاحظ شعبة في هذا الإسناد روى الحديث عن رجلين عن سليمان وهو الأعمش وعن منصور بن المعتمر، ففي إسناد سليمان الأعمش ذكر فائدة المسح على الخفين وأما في رواية شعبة عن منصور بن المعتمر لم يذكر المسح.
باب البول في البيت جالساً: أخبرنا علي بن حجر قال أخبرنا شريك عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة قالت: من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا جالساً. هنا النسائي لاحظ أنه ذهب إلى مذهب معين في البول قائماً بناءً على الترجمتين؛ قال إذا كنت في الصحراء والمكان المفتوح لك أن تبول قائماً، وأما إذا كنت في البيت فإنك تبول جالساً. فكان النسائي هذا فهمه وهذا استنباطه أن حديث عائشة "من كان يحدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائماً فلا تصدقوه"، عائشة أين كانت ترى النبي صلى الله عليه وسلم؟ في البيت فهي كانت تراه في البيت يبول جالساً، والصحابة رأوه في الصحراء أو الأماكن المفتوحة يبول قائماً، ففهم النسائي من ذلك أنك إذا كنت في مكان مفتوح تبول قائماً وإذا كنت في البيت تبول جالساً. ولكن أكثر أهل العلم يقولون يجوز أن تبول قائماً سواء في البيت أو خارج البيت الأمر في سعة.
باب البول إلى سترة يستتر بها: أخبرنا هناد بن سري عن أبي معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن حسنة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كهيئة الدرقة فوضعها ثم جلس خلفها فبال إليها. الدرقة مثل وعاء جلدي، وعاء من الجلد كانوا يضعون فيه المياه أو يضعون فيه الطعام وما شابه ذلك، قال ثم جلس خلفها فبال إليها. فقال بعض القوم: انظروا يبول كما تبول المرأة، فسمعه فقال: «أوما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم شيء من البول...». تمام، المرأة في أيام الجاهلية وإلى وقتنا المعاصر أنها تبول جالسة، فلما رأى بعضهم النبي صلى الله عليه وسلم يبول جالساً قالوا: انظروا يبول كما تبول المرأة، أي يبول جالساً. فالنبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال؟ فقال: «أوما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم شيء من البول قرضوه بالمقاريض، فنهاهم صاحبهم فعذب في قبره».
قال: «أوما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟» في بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم البول على ثيابهم، وذكر بعض أهل العلم حتى على أبدانهم، كان المطلوب منهم أن يقصوا هذا الموضع. بنو إسرائيل تخيل كيف شددوا فشدد الله عليهم، كانوا إذا أصابهم البول على ثيابهم ما في غسيل، بدك تقص هذه المنطقة من الثوب اللي أصابها البول، وذكر بعضهم وكذلك على أبدانهم، يعني إذا قطعت جلدة جاء عليها بول تقص هذه الجلدة، طبعاً هذا ذكره البعض لكن ما يظهر لي هو ما ذهب إليه بعض أهل العلم أن الظاهر كان التشديد عليهم فقط في الثياب وليس في الأبدان. لماذا أتى بهذا الحديث؟ ولماذا النبي صلى الله عليه وسلم علق هذا التعليق؟ ليدل على ضرورة التنزه من البول وألا يصيب ثوبك وبدنك، ولذلك كان يبول جالساً حرصاً على أن لا يصل رشاش البول إلى بدنه، فأخبرهم كيف أن بني إسرائيل شدد الله عليهم في البول حيث كان يصيب أبدانهم، مما يدل على أن الإنسان يجب أن يتوقى قدر المستطاع أن يصل رشاش البول إلى ثوبه أو أن يصل رشاش البول إلى بدنه، فلذلك كان يبول جالساً صلى الله عليه وسلم لأن الذي يبول قائماً كثيراً ما يأتي رشاش البول عليه، لكن الذي يبول جالساً لأنه يكون قريباً من الأرض يستطيع أن يتقي من رشاش البول أن يصل إليه.
باب التنزه عن البول: أخبرنا هناد بن سري عن وكيع عن الأعمش قال سمعت مجاهداً يحدث عن طاوس عن ابن عباس قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما هذا فكان لا يستنزه من بوله، وأما هذا فإنه كان يمشي بالنميمة». ما معنى «وما يعذبان في كبير»؟ يعني وما يعذبان في شيء كبير يشق عليهم التحرز منه، بل كان يقدران التحرز منه سهل لكنهما لم يتحرزا منه. إذاً «وما يعذبان في كبير» أي في شيء شاق بل في شيء هين قصر فيه فعاقبهما الله عليه. ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين، العسيب هو ورقة النخل، فشقه باثنين فغرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً، ورقة نخل شقها قسمين وغرس في كل قبر واحدة. ثم قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا». قال: لعل ورقة النخل الرطبة تخفف عنهما من عذاب القبر حتى تجف، فإذا جفت ورقة النخل عاد عذاب القبر كما كان عليه. وهذا حقيقة ذكره الحنابلة أنه يجوز أن يفعله الإنسان، ليس هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم بل يجوز أن تأتي إلى قبر فتضع عليه ورقة نخل رطبة رجاء إذا كان يعذب في قبره أن يخفف عنه حتى تيبس ورقة النخل. قال: خالفه منصور رواه عن مجاهد عن ابن عباس ولم يثبت، يعني أن منصور بن المعتمر في هذا الحديث خالف رواية الأعمش فرواه عن مجاهد عن ابن عباس ولم يذكر في السند طاوساً، أما في رواية الأعمش سمعت مجاهداً يحدث عن طاوس عن ابن عباس.
باب البول في الإناء: أخبرنا أيوب بن محمد الوزان قال حدثنا حجاج قال قال ابن جريج: أخبرتني حكيمة بنت أميمة عن أمها أميمة بنت رقيقة قالت: كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت سريره. العيدان هو نوع من الخشب، كان النبي صلى الله عليه وسلم عنده قدح من عيدان، من نوع من الخشب، يضعه تحت سريره، فإذا احتاج أن يبول في الليل بدل أن يخرج إلى الصحراء أو الأماكن البعيدة، فكان يبول في هذا الإناء ثم في الصباح يلقيه خارج المنزل.
باب البول في الطست: أخبرنا عمرو بن علي قال أخبرنا أزهر قال أخبرنا ابن عون عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، قال إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد عن عائشة: يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أوصى إلى علي لقد دعا بالطست. عائشة تقول يقول أنصار علي إن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى لعلي بالخلافة، بتعرفوا الشيعة ماذا يقولون؟ أن النبي عليه الصلاة والسلام أوصى قبل أن يموت إلى علي بالخلافة. عائشة تنكر ذلك وتقول لم يوصِ إلى علي بالخلافة كما تقول الرافضة. قالت: لقد دعا بطست ليبول فيها فأنحنت نفسه وما أشعر، فإلى من أوصى؟ فأنحنت نفسه كان دلالة على ماذا؟ على أنه مات وهو بين حاقن وذاق نته، أليس كذلك؟ يعني هي تقول اللحظات الأخيرة في حياة النبي عليه الصلاة والسلام كان عندي وأتى بطست ليبول فيه ومات وهو في حجري ولم أسمعه أوصى لعلي بن أبي طالب بشيء، فمن أين تقولون إنه أوصى؟
لعلي بن أبي طالب المراد أنها كانت معه في اللحظات الأخيرة، فهي تبين هراء هذه الدعوى، وموطن الشاهد أنه جاء بطست ليبول فيه. هذا موطن الشاهد. نعم، قال الشيخ وأزهر هو ابن سعد السمان، قال باب كراهية البول في الجحر. الأزهري الوارد في الحديث هو أزهر بن سعد السمان، وهذه فوائد يضيفها الإمام النسائي في آخر الحديث، يعلق على بعض رجال الحديث حتى تعرف من هم.
نعم، قال باب كراهية البول في الجحر، قال أخبرنا عبيد الله بن سعد بن سعيد. جحر الأفاعي وجحر الفئران يكره أن تبول فيها؛ لأنه قد تبول فيه فيخرج الثعبان فيأكلك أو يؤذيك، فيقول لا تبل في جحور الدواب حتى لا يخرج شيء. نعم، قال حدثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة عن عبد الله بن سرجس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبولن أحدكم في جحر». قالوا لقتادة: وما يكره من البول في الجحر؟ فقال يقال: إنها مساكن الجن. هذا تعليل آخر قدمه قتادة، يقال إن هذه الجحور، خاصة لما تكون في رحلة أو شيء في غابة، هي مساكن الجن، فإذا بلت فيها قد يخرج الجن فيؤذيك. وقد روي أن رجلاً من أهل المدينة بال في جحر فخرج الجن فقتله. فالإنسان يتحرى من ذلك.
نعم، قال باب النهي عن البول في الماء الراكد، قال أخبرنا قتيبة قال حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن البول في الماء الراكد. باب كراهية البول في الماء الراكد، والماء الذي لا يجري؛ وإنما نهي عن البول فيه لأنه إذا كان قليلاً أقل من قلتين سيتنجس بمجرد ملاقاته للنجاسة، وإذا كان قلتين فأكثر فإنه إذا تغير أيضاً تنجس، وإذا لم يتغير فقد تقذر. تخيل مسبحاً ضخماً، مسبحاً أكثر من قلتين لكن شخصاً بال فيه، عمرك ما راح تسبح فيه، صح ولا لا؟ فبالتالي هذا تحرٍ أن الإنسان لا ينجس المياه ولا يقذرها على إخوانه، فلا تبل في الماء الراكد، أما بحر كبير جارٍ الأمر فيه أسهل، أو نهر جارٍ واسع ضخم الأمر فيه أسهل؛ لأن الماء متغير ومتجدد.
نعم، قال باب كراهية البول في المستحم، قال أخبرنا علي بن حجر قال حدثنا ابن المبارك عن الأشعث بن عبد الله عن الحسن عن عبد الله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبولن أحدكم في مستحمه فإن عامة الوسواس منه». المستحم هو المكان المعد للاستحمام، ويكون في العادة مصنوعاً من البلاط. النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في مكان الاستحمام ثم تغتسل فيه؛ خشية أن يأتي مثلاً رشاش من هذا البول الذي على أرض الاستحمام على ثيابك فتبقى متوسخاً. تخيل أنك بلت في مكان الاستحمام ثم تحممت فيه، ستبقى متوسخاً؛ هل وصلت النجاسة على بدني أم لم تصل؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبول في المستحم إذا كان المستحم عبارة عن بلاط أو سيراميك أو شيء من ذلك خشية من الوسواس. في ناس، إخواني، تعاني من مرض الوسواس، أليس كذلك؟ يظل متوسوساً: جاءت النجاسة عليّ ولا ما جاءت؟ لا، في قطرة بول، وجدتها على بدني، والله هي قطرة ماء ولا قطرة بول؟ يبقى يفكر. فأنت في النهاية ماذا تفعل يا أخي؟ لا تبل في مكان استحمامك، بل في المكان المعد لقضاء الحاجة حتى لا يصبح عندك وسواس في أي رشة ماء تأتي على بدنك: هي بول ولا ماء؟ هي بول ولا ماء؟ اقطع الباب من بدايته.
نعم، قال باب السلام على من يبول. قال أخبرنا محمود بن غيلان قال حدثنا زيد بن الحباب وقبيصة قالا: حدثنا سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر قال: مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه السلام. يكره السلام على من يبول ويقضي حاجته، يكره السلام على من يبول ولا يستحق رداً، لكن إذا رددت عليه بعد قضاء الحاجة فجزاك الله خيراً.
نعم، قال باب رد السلام بعد الوضوء، قال أخبرنا محمد بن بشر قال حدثنا معاذ بن معاذ قال حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حضين أبي ساسان قال عن المهاجر بن قنفذ أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فلم يرد عليه السلام حتى توضأ، فلما توضأ رد عليه. لاحظ أنه متى رد عليه السلام بعد أن أنهى وضوءه صلى الله عليه وسلم.
نعم، قال باب النهي عن الاستطابة. الاستطابة، يقول واحد تستنجي بالعظم يا شيخ! إحنا عندنا اليوم مناديل. الزمن القديم، زمن الصحابة، ليس كزمن الناس الأقدمين، حالهم ليس كحالك اليوم، ما شاء الله أنت فاين وأفخم أنواع الفاين وأمورك طيبة، لكن الزمن القديم كانت هذه المسائل تهمهم، وقد تهمك أيضاً أحياناً في بعض ظروف حياتك. قال باب النهي عن الاستطابة: «نهى صلى الله عليه وسلم أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث». باب النهي حتى عن الروث، الروث ولو كان طاهراً لا يجوز الاستطابة به. محمد بن عجلان قال أخبرني القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء». انظر رقي النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم؛ لأن تعليم الناس نظافتهم أمر يشق عليهم، صحيح، خاصة لما تأتي رجل عمره 45 سنة تقول له تعال أعلمك كيف تستنجي، قد يصعب عليه. النبي صلى الله عليه وسلم حتى يهيئ قلوب الصحابة لتعليمهم هذه الأحكام ماذا قال: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد».
يعني اعتبرني بمقام والدك وأعلمك، حتى لا يستحوا، خاصة أن كثيراً من الصحابة لما أسلم كان كبيراً، بعضهم كان في الـ 50 والـ 60، مش من السهل أنك تقول له تعال أعلمك الطريقة الصحيحة في الاستنجاء، حتى تلطف له الأجواء. وهذا ما نستفيد من قراءة كتب السنن إخواني، أن تنظر طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في الحوار، طريقته في معالجة المواقف، طريقته في التعامل مع الناس. هذا أخلاق وهدي وسمت، يجب على طالب العلم أن يتعلم على مائدة محمد صلى الله عليه وسلم. وهذه الفوائد لا تجدها في كتب السيرة النبوية، هذه لن تجدها إلا في كتب السنة التي تدقق في تفاصيل الحوارات؛ كتب السيرة تتكلم عن الأحداث العامة، غزوة بدر، أحد، الخندق، صار فيها مواقف عامة، لكن هنا هذه كلمات قالها النبي صلى الله عليه وسلم في دروسه في المسجد أو في السوق أو مع زوجاته، هذه دروس الحياة التفصيلية، ولذلك هي مهمة جداً لمن يريد أن يعرف بالتفصيل هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
نعم، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستنجي بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة». قال باب: الرمة هو العظم البالي. نعم، وينهى عن الروث والعظام كما عرفنا؛ لأنها طعام الجن وطعام دوابهم.
نعم، قال باب النهي عن الاكتفاء في الاستطابة. عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان قال قال له رجل، سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال له رجل: إن صاحبكم ليعلمكم حتى الخراءة؟ قال: أجل، نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول. رجل من المشركين يقول لسلمان: إن صاحبكم، يعني نبيكم، يعلمكم أدق التفاصيل في حياتكم حتى موضوع قضاء الحاجة يعلمكم كيف تقضوا حاجتكم، وهذا يدل على عظمة الإسلام الذي لم يترك كبيرة ولا صغيرة إلا تحدث عنها. نعم، قال: أجل، نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي بأيماننا، أو نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار. وهذا إذا أراد الإنسان أن يقتصر إخواني على المناديل في عملية الاستنجاء يجوز، صحيح أنت في عملية الاستنجاء يجوز أن تستعمل الماء وحده، ويجوز أن تستعمل الماء مع المناديل، ويجوز أن تستعمل المناديل وحدها بدون ماء. إذا قررت أن تستعمل المناديل وحدها بدون ماء لا يجوز أن تقتصر على أقل من ثلاث مسحات؛ ثلاث مسحات فأكثر وتكون منقية، يعني مزيلة لعين النجاسة عن موضعها قبلاً أو دبراً.
نعم، قال باب الرخصة في الاستطابة. الركس هو ماذا؟ طعام الجن، ولكن المشهور حقيقة، ليس تفسير النسائي، المشهور أن الركس النجس، قال هذه ركس، أي هذه نجاسة. موطن الشاهد في الحديث أن عبد الله بن مسعود أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحجرين وروثة، وكانت روثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: «إنها ركس». هل استبدلها بحجر ثالث؟ ظاهر الحديث أنه لم يطلب حجراً ثالثاً مكانها، فاستدل النسائي بهذا على أنه يجوز أن يكتفي بالاستنجاء بحجرين. قال باب الرخصة في الاستطابة، قال أخبرنا الجرير عن منصور عن هلال بن يساف عن سلمة بن قيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استجمرت فأوتر». باب الاجتزاء في الاستطابة. صح، لا مش هيك معنا! ها بعض الناس هذا فهمه، بعضهم أصبح يعني يلعب به عند أهل الحديث، فهم الحديث إذا استجمرت فأوتر أنه كل ما استجمرت عليك تروح تصلي الوتر، لا، إذا استجمرت فأوتر، ما معناها؟ أيوه أبا محمد، أحسنت، أن الوتر يبدأ من أي رقم؟ واحد، فلما قال إذا استجمرت فأوتر ظاهره على إطلاقه يحمل الواحد والثلاثة والخمسة والسبعة، وهذا استدلاله لكنه لا يصح؛ لماذا؟ لأن هنا يجب حمل المطلق على المقيد، ونعم قال إذا استجمرت فأوتر، لكن حديث سلمان السابق قال وأمرنا ألا نكتفي بأقل من ثلاثة، مما يدل على أن الإيتار هنا يبدأ من الثلاثة وليس من الواحد.
نعم، قال باب الاجتزاء في الاستطابة. عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فليستطب بها، فإنها تجزئ عنه». المراد دون غيرها، أي لا تحتاج إلى ماء، فإنها تجزئ عنه، هذا حكم يجهله ترى كثير من الناس اليوم، يجوز أن تقتصر على المناديل ولا يجب استعمال الماء، وإن كان استعمال الماء أنقى وأطيب، لكن استعمال المناديل وحدها بثلاث فأكثر جائز صحيح.
نعم، قال باب الاستنجاء بالماء. قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أخبرنا نضر قال أخبرنا شعبة عن عطاء بن أبي ميمونة قال سمعت أنس بن مالك يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج قال: أحمل أنا وغلام معي نحوي إداوة من ماء، فيستنجي بالماء. نحوي أي عمره كعمري، أحمل أنا وغلام معي نحوي، ما معنى نحوي؟ يعني أنا وإياه متقاربين في السن، فقيل هذا الغلام هو عبد الله بن مسعود، نعم قال إداوة من ماء فيستنجي بالماء، يعني كانوا يحملوا للنبي صلى الله عليه وسلم مثل الوعاء، الإداوة وعاء، يستنجي بالماء. هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً كان يستنجي بالماء، وأحياناً كان يستنجي بالحجارة، وكل هذا يدل على السعة في هذا الباب.
نعم، قال أخبرنا قتيبة قال حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن معاذة عن عائشة أنها قالت: مرن أزواجكن أن يستطبن بالماء فإني أستحيي منه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله. نعم، عائشة كانت تأمر طالباتها، ومعاذة بنت عبد الله إحدى الطالبات النجيبات لعائشة، قالت لعائشة: مروا أزواجكن أن يستنجوا بالماء، فإني أستحيي أن أكلم الرجال في هذا، وانظر حياء المرأة، هذه فائدة حياء المرأة، بعض الناس يقول لك لا حياء في العلم، حقيقة إطلاق هذه العبارة مش دقيق كثيراً، يعني هناك جزء من الحياء أيضاً مطلوب، خاصة في المواضيع التي تخدش الحياء، ويمكن أن تصل بدون خدش الحياء، أليس كذلك؟ فقولك لا حياء في العلم بإطلاقها، بإطلاقها مش صحيح، هي عائشة كانت تستحي أن تبلغ الرجال هذه المعلومة وتقول لطالباتها: مرن أزواجكن أن يخبروا الرجال، هذه عبارة تحتاج إلى تحرير أكثر.
قال رحمه الله باب النهي عن الاستنجاء باليمين، قال أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال حدثنا خالد قال حدثنا هشام عن يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في إنائه، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسح بيمينه». نعم لا يتمسح، لا يجوز الاستنجاء باليمين. نعم قال أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن قال حدثنا عبد الوهاب عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير عن ابن أبي قتادة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في.
المراد بالتنفس في الإناء أنك وأنت تشرب تنفخ في الإناء، إذا شعرت أنك محتاج أكسجين بعد الإناء عن فمك حتى لا يأتي نفسك داخل الإناء فيتكرر وتصبح رائحته رائحة الفم. قال: وأن يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بيمينه.
أخبرنا عمرو بن علي وشعيب بن يوسف واللفظ له، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور والأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان قال: قال المشركون: إنا لنرى صاحبكم يعلمكم الخراءة. قال: أجل، نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، وأن يستقبل القبلة، وقال: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار. وهذا هو حديث سلمان السابق، وإنما كرره للفائدة الأخرى في الحديث، وهي النهي عن الاستنجاء باليد اليمنى.
باب دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء. أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي قال: حدثنا وكيع، عن شريك، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فلما استنجى دلك يده بالأرض. دلك يده بالأرض هذا يدل على أن الإنسان أثناء إدارة الماء على القبل أو الدبر للاستنجاء يجوز أن يستعين بيده في التنظيف. فإذا أدرت الماء على القبل أو الدبر أثناء الاستنجاء يجوز أن تستعين بيدك في التنظيف، فلذلك دلك النبي صلى الله عليه وسلم يده بالأرض بعد أن استنجى، مما يدل على أنه استعان بها في تنظيف قبله أو دبره، ولذلك مسحها بالأرض بالتراب؛ فالتراب عندهم قديماً زي الصابون عندنا؛ منظف.
أخبرنا أحمد بن الصباح قال: حدثنا شعيب -يعني ابن حرب- قال: حدثنا أبان بن عبد الله البجلي قال: حدثنا إبراهيم بن جرير، عن أبيه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى الخلاء فقضى الحاجة ثم قال: يا جرير هاتي طهوراً، فأتيته بالماء فاستنجى بالماء، وقال بيده فدلك بها الأرض. وقوله «وقال بيده» هنا قال بمعنى فعل، وقال في اللغة العربية تأتي بمعنى فعل، فقال بيده هكذا، يعني فعل بيده هكذا دلكها بالأرض بعد أن استعان بها في الاستنجاء. قال أبو عبد الرحمن: هذا أشبه بالصواب من حديث شريك، والله أعلم.
باب التوقيت في الماء. حدثنا هناد بن السري والحسين بن حريث، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر، عن عبيد الله. طبعاً قول النسائي: هذا أشبه بالصواب، يعني أن يكون الحديث من حديث جرير البجلي أصوب من أن يكون من حديث أبي هريرة، وذكر حديثين، واحداً بإسناد أبي هريرة والثاني بإسناد جرير، فيقول: وهذا أشبه أن يكون الحديث من إسناد جرير البجلي أظهر من كونه من حديث أبي هريرة.
قال رحمه الله تعالى عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث». القلتين 191 لتراً، إذا كانت البقعة المائية أو البركة 191 فصاعداً لا يضرها بول الدواب فيها إذا لم يتغير طعمها أو لونها أو ريحها، ومفهوم المخالفة أنها إذا كانت أقل من 191 تنجس هذه البقعة بمجرد ملاقاة النجاسة لها.
باب ترك التوقيت في الماء. أخبرنا قتيبة قال: حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس، أن أعرابياً بال في المسجد، فقام إليه بعض القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوه ولا تزرموه»، فلما فرغ دعا بدلو فصبّه عليه. من يخبرني ما موطن الرابط بين الحديث والترجمة حتى تعرفوا أن النسائي عقلية جبارة في الاستنباط؟ هذا رجل بال في المسجد، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزرموه»، تعرفون قصة الأعرابي، خلوه يبول، فلما بال وانتهى النبي صلى الله عليه وسلم دعا بدلو من ماء فصبه على بوله وانتهت القضية.
ما الدليل؟ هو المراد بالتوقيت، توقيت الكمية التي عندها ينجس الماء. مرّ معنا في الباب السابق باب التوقيت في الماء، أن الكمية التي ينجس عندها الماء بمجرد ملاقاة النجاسة كم هي؟ أقل من 191 لتراً، وأن الـ 191 فصاعداً لا تنجس بملاقاة النجاسة إلا إذا تغيرت. هنا في هذا الحديث: هذا رجل بال في المسجد، والنبي صلى الله عليه وسلم دعا بطست من ماء فصبه عليه وخلصنا. النسائي ماذا استنبط من هذا الحديث؟ استنبط أنه الماء ولو كان قليلاً، أقل من 191 ولاقى النجاسة فإنه لا ينجس إذا لم يتغير.
نحن راح نخالفه طبعاً، بس هو كيف استفاد هذا؟ أنه النبي صلى الله عليه وسلم أدار دلواً من ماء على نجاسة، دلو الماء أكيد 100% أقل من 191 لتراً، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حكم على البقعة أنها طهرت، مما يدل على أن هذا الماء في هذا الطست لما نزل على البول لاقى النجاسة ولم ينجس بمجرد الملاقاة. لكن ماذا يقول الجمهور الفقهاء للنسائي؟ أن الماء هنا وارد وليس موروداً، والماء الذي يرد على النجاسة حتى ولو كان قليلاً لتطهيرها لا ينجس بملاقاة النجاسة، بخلاف لو كان الماء هو الذي في إناء وأنا بلت فيه أو أي شخص بال فيه، فهنا ينجس بمجرد الملاقاة. النسائي لم يفرق بين الماء الوارد والمورود، ورأى أن هذا الحديث "فلما فرغ دعا بدلو فصبّه عليه" يدل على أن الماء القليل إذا جاء على نجاسة فإنه لا ينجس بالملاقاة، بل أيضاً يحتاج إلى أن تتغير أحد أوصافه؛ هذا فهم النسائي والمسألة فيها خلاف.
قال أبو عبد الرحمن -يعني لا تقطعوا عليه-: أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا عبيدة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك قال: بال أعرابي في المسجد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدلو بماء فصب عليه. أخبرنا سويد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت أنساً يقول: جاء أعرابي إلى المسجد فبال، فصاح به الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتركوه»، فتركته حتى بال، ثم أمر بدلو فصب عليه. أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم، عن عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي، عن محمد بن الوليد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوه وأهريقوا على بوله دلواً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين». شوف الرقي، "فإنما بعثتم ميسرين"، هم الناس هبت في الأعرابي بدها تضربه، قال: خلوه، خلص، هذا رجل جاهل وإذا تعاملت معه بالعنف بالعكس ممكن رشاش البول من الهرب يعبئ المسجد كامل، خلاص خلوه على الأقل في مكان واحد يبول، ولا من يهرب من الخوف ويبول في كل المسجد.
باب الماء الدائم. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا عوف، عن محمد، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه». قال عوف: وقال خلاس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا إسماعيل، عن يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه». نعم، نهى عن البول في الماء الدائم، ومرّ معنا قبل قليل أيضاً النهي عن البول في الماء الراكد، فالماء الراكد والدائم هو نفس الموضوع، هو الماء الذي لا يجري المستقر في بقعة معينة كمسبح أو بركة، وإنما نهى عن البول فيه كما ذكرنا قبل قليل لئلا يتنجس أو يستقذر، فإذا تنجس للأسف ستحرم إخوانك من الوضوء فيه أو الاغتسال فيه إذا أصبح نجساً، فلا ينبغي للمؤمن أن يبول في بقعة ماء أو بركة أو مسبح أو ما شابه حتى لا يفسد الماء على إخوانه. قال أبو عبد الرحمن: كان يعقوب لا يحدث بهذا الحديث إلا بدينار. هذا جميل، كان يعقوب بن إبراهيم شيخ النسائي لا يحدث بهذا الحديث لطلابه حتى يعطوه ديناراً، أي واحد بده يسمع هذا الحديث من شيخ النسائي يعقوب بن إبراهيم لازم يدفع له ديناراً.
باب في ماء البحر. أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن أبي سلمة، أن المغيرة بن أبي بردة من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو الطهور ماؤه، والحل ميتته». نعم هذا يدل على جواز الوضوء بماء البحر.
باب الوضوء بالثلج. أخبرنا علي بن حجر، قال: أخبرنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، قال عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، قال عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة سكت هنيهة. فقلت: باب سكت هنيهة، يعني ثواني معدودة. فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة؟ قال: «أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الذنوب من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد». جميل، هذا الاستدلال جميل جداً من النسائي، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد»، استفاد النسائي من هذا الحديث ماذا؟ أن الثلج يصلح للطهارة في الطهارة البدنية، لأنه إذا كان يصلح في الطهارة الإيمانية من الذنوب والخطايا، إذاً هذا فيه إشارة منه صلى الله عليه وسلم إلى أن الثلج يصلح أيضاً أن يستعمل في الطهارة البدنية، شوف الفائدة كيف التقطها، بشرط أن يكون الثلج يسيل منه على بدنك إذا استعملته.
باب الوضوء بماء الثلج. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس». نعم، هنا عقد كلمة "ماء الثلج" ليؤكد على أن الوضوء ليس بالثلج وهو صلب، وإنما يجوز أن تتوضأ بالثلج بشرط أن يسيل منه ماء على البدن، واستدل بالرواية الأخرى «اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس».
باب الوضوء بماء البرد. أخبرنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا معن، قال حدثنا مالك بن صالح، عن حبيب بن عبيد، قال عن جبير بن نفير قال: شهد عوف بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على ميت، فسمعت من دعائه وهو يقول: «اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس».
باب سؤر الكلب. سؤر الكلب ما يتبقى في الإناء بعد شرب الكلب منه، إذا جاء كلب شرب من كأس ثم بقي بعده فضلة، ما حكم هذه الفضلة التي تركها الكلب؟ أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات». هذا يدل على أن هذا الإناء بعد أن يشرب منه الكلب يصبح نجاسة مغلظة تحتاج إلى سبع غسلات، إحداها بالتراب كما سيأتي. أخبرني إبراهيم بن الحسن قال: حدثنا حجاج قال: قال ابن جريج، قال أخبرني زياد بن سعد، أن ثابتاً مولى عبد الرحمن بن زيد أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسل سبع مرات». أخبرني إبراهيم بن الحسن قال: حدثنا حجاج قال: قال ابن جريج، قال أخبرني زياد بن سعد أنه أخبره هلال بن أسامة، أنه سمع أبا سلمة يخبر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
باب الأمر بإراقة ما في الإناء إذا ولغ فيه الكلب. أخبرنا علي بن حجر قال: أنبأنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ولغ في إناء أحدكم».
«أحدكم فليَرْقُ»، مما يدل على أن هذا اللبن أو الماء الذي بقي بعد شرب الكلب ينبغي إراقة ولا يجوز الانتفاع به. قال: ثم ليغسله سبع مرات. قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحداً تابَع علي بن مسهر على قوله «فليَرْقُ»، هذه الزيادة ضعيفة؛ فالنسائي يرى أنها زيادة ضعيفة.
باب تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب: قال أخبرنا محمد بن الأعلى بن عبد الأعلى الصنعاني، قال حدثنا خالد، قال حدثنا شعبة، عن أبي التياح، قال سمعت مطرفاً عن عبد الله بن المغفل، أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، ورَقَّ في كلب الصيد والغنم، وقال: «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب».
قال: وعفروه الثامنة بالتراب، بعض أهل العلم قال: يدل هذا على أن غسل نجاسة الكلب تكون ثمان مرات وليس سبعاً؛ لأنه قال: «وعفروه الثامنة». لكن أكثر أهل العلم حقيقة حملوا الثامنة على أنها إحدى الغسلات السبع، وإنما عدها ثامنة باعتبار أنها جُمِعت بالتراب، فهناك غسلة من الغسلات السبع تعتبر في حكم غسلتين؛ لأنها جُمِع فيها الماء والتراب، وليس المراد أن هناك مرة ثامنة تكون بالتراب، ليس على هذا أكثر أهل علم.
باب سؤر الهرات: قال أخبرنا قتيبة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن كبشة بنت كعب بن مالك، أن قتادة دخل عليها -ثم ذكرت كلمة معناها فسكبت له وضوءاً- فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت. فقالت كبشة: فران! انظر إليه، فقال: «أتعجبين يا ابنة أخي؟»، فقلت: نعم، قال: «إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم، والطوافات».
هي تعجبت لما رأت أبا قتادة يصغي الإناء للهرة حتى تشرب، وظنت أن سؤر الهرة كسؤر الكلب، فقال: لا، الهرة من الطوافين والطوافات، فهي وما دونها في الخلقة -الهرة والفأر وما شابه ذلك- إذا شرب من إناء أو من لبن لا ينجسه، بخلاف ما فوق الهرة من غير مأكول اللحم من السباع فإنه ينجس الإناء.
باب سؤر الحمار: قال أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد، قال: لو جاء حمار فشرب من وعاء، هل سؤره كسؤر الكلب، ولا سؤره طاهر كسؤر الهرة؟ هذا هو النقاش. قال: حدثنا سفيان عن أيوب عن محمد عن أنس، قال: أتانا منادي رسول الله ﷺ فقال: «إن الله ورسوله ينهيان عن لحوم الحمر، فإنها رجس». استنبط النسائي من هذا الحديث ما دام الحمار أهليّ، إذاً سؤره -يعني ما يبقيه في الإناء بعد شربه- يكون نجساً.
باب سؤر الحائط: قال أخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا عبد الرحمن عن سفيان، عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة، قالت: كنتُ أتعرَّق العرق، فيضع رسول الله ﷺ فاه حيث وضعت. والعرق هو العظم الذي عليه قليل من اللحم. وانظروا إلى رفق النبي ﷺ كيف كان يتعامل مع زوجته وهي حائض، كيف كان يتعامل مع عائشة ومع زوجاته وهي حائض.
فهو طبعاً أراد أن يستنبط من هذا الحديث أن الحائض ليست نجسة، النجاسة في دم الحيض فقط، وليست النجاسة في ريقها ولا في شيء من ذلك، فإذا أكلت من طعام أو شربت من شراب لا يجعله نجساً. قالت: وكنت أشرب من الإناء، فيضع فاه حيث وضعت. وانظروا إلى رفق النبي ﷺ؛ عائشة تأخذ قطعة لحم، فيقول لها: «تعالي أعطيني»، أين وضعتِ فمك على قطعة اللحم؟ ليضع فمه في نفس المكان الذي نهشت منه عائشة اللحم، إذا شربت من كأس يقول لها: أين وضعتِ فمك على الكاس؟ فيشرب من نفس المكان الذي وضعت فيه عائشة فمها، ليتودد إليها ويتحبب إليها، خاصة أن المرأة في فترة عذرها الشرعي تكون متعبة ومنهكة.
باب وضوء الرجال والنساء جميعاً: قال أخبرني هارون بن عبد الله، قال حدثنا معن، قال حدثنا مالك، عن ابن القاسم، قال حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: «كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ جميعاً». ليس المقصود الاختلاط -الله يكرمكم-، ما معنى يتوضؤون جميعاً؟ أي من نفس المكان؛ يأتي الرجال يتوضؤون منه، ثم يغادر الرجال فيأتي النساء يتوضأن منه، أو يأتي النساء ابتداءً يتوضأن، ثم يأتي بعد ذلك الرجال ليتوضؤوا. وهذا إنما يدل على أن توضؤ المرأة بالماء لا يفسده على الرجل، كما أن توضؤ الرجل بالماء لا يفسد الماء على المرأة.
باب فضل الجنب: قال أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا ليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، أنها أخبرته أنها كانت تغتسل مع رسول الله ﷺ في الإناء الواحد. وهذا أيضاً من أخلاقه الرفيعة، كان إذا أراد أن يستحم استحَم مع زوجته ومن نفس الإناء، هو يأخذ وهي تأخذ. وهذا يؤكد أيضاً على أن المرأة الجنب إذا اغتسلت مع زوجها في إناء واحد، وكانت تغترف من الماء، فإنها لا تؤثر على الماء، ويجوز للزوج أن يستعمل ويأخذ منها من نفس الإناء.
باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء: قال أخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا يحيى، قال حدثنا شعبة، قال حدثني عبد الله بن محمد بن جبر، قال سمعت أنس بن مالك يقول: «كان رسول الله ﷺ يتوضأ بمُدٍّ ويغتسل بخمسة أمداد». والمُدُّ هو إناء يسع خمس مئة غرام تقريباً، ويغتسل بما عادل الصاع. وهذا سيتضح أنه كان يتوضأ بالمد فقط، أي بخمس مئة غرام تكفيه لوضوئه، ويغتسل بالصاع، والصاع تقريباً كيلوان.
الكميات المحدودة كانت تكفيه لوضوء ولغسل.
قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن بشر، قال: حدثنا محمد -ثم ذكر كلمة معناها- قال: حدثنا شعبة، عن حبيب، قال: سمعت عبادة بن تميم يحدث عن جدته، وهي أم عمارة بنت كعب، وأن النبي ﷺ توضأ بماء في إناء قدر ثلثي المد، قال شعبة: فاحفظ أنه غسل ذراعيه وجعل يدلكهما ويمسح أذنيه باطنهما، ولا أحفظ أنه مسح ظاهرهما.
قال: باب النية في الوضوء. هذا يدل على أنه في إحدى المرات توضأ بما هو أقل من مد، قال: ثلثي مد، أتى بإناء فيه ثلثي مد. إذا قلنا المد 500 غرام، فثلثي المد كم تقريبًا؟ يعني 300 وشوي، توضأ تقريبًا بـ 350 غرامًا، وما تتجاوز هذا الكأس أو تزيد عليها قليلًا.
قال: باب النية في الوضوء. قال: أخبرنا، ويحيى على أن من الأخطاء الشائعة الإسراف في الوضوء، تجد أحدهم فاتح الحنفية، جزاه الله خيرًا، والماء تصب صبًا، ليس هكذا؛ الإنسان يقتصد ولا يتوسوس، لا، إنه تستطيع أن تسبغ بدون إسراف.
قال رحمه الله: أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي، قال: عن حماد والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، عن ابن القاسم، قال: حدثني مالك. وأخبرنا سليمان بن منصور، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك واللفظ له، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
لاحظ أن النسائي أتى بحديث «إنما الأعمال بالنيات» ضمن كتاب الطهارة، البخاري بدأ بهذا الحديث، كتابه صحيح، أول حديث في صحيح البخاري «إنما الأعمال بالنيات»، أما النسائي فأتى بهذا الحديث لكنه في ضمن كتاب الطهارة؛ ليخبر أن أي عمل شرعي يحتاج إلى نية، والطهارة عمل شرعي فتحتاج إلى نية.
قال ﷺ: «فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله، فهجرته إلى الله وإلى رسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه».
قال: باب الوضوء من الإناء. قال: أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، قال: رأيت رسول الله ﷺ وحان صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوا، فالتمس الناس ماء ليتوضؤوا به.
قال: فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فتوضأ رسول الله ﷺ بوضوء، فوضع يده في ذلك الإناء وأمر الناس أن يتوضؤوا، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه حتى توضؤوا من عند آخرهم. وهذه من معجزاته ﷺ أنه وضع يده في الإناء ففار الماء، واستطاع كل هذه الغزوة، كل الصحابة في هذه الغزوة أن يتوضؤوا من إناء واحد، هذا من معجزاته أنه كان إذا وضع يده في الماء القليل يكثره.
قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنا مع النبي ﷺ -عبد الله بن مسعود- فلم يجدوا ماء، فتوضأ بطست، فأدخل يده في الطست، فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه ويقول: «حي على الطهور، والبركة من الله عز وجل».
قال الأعمش، فحدثني سالم بن أبي الجعد، قال: قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: 1500، ما شاء الله، 1500 صحابي توضؤوا من طست واحد، هذه كلها معجزات.
قال: باب التسمية عند الوضوء. قال: أخبرنا إسحاق، يجب على الإنسان المتوضئ أن يسمي بعد النية التسمية. قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن ثابت، عن أنس، قال: طلب بعض أصحاب النبي ﷺ الوضوء، فقال رسول الله ﷺ: «هل مع أحد منكم ماء؟»، فوضع يده في الماء وهو يقول: «توضؤوا بسم الله»، فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه حتى توضؤوا من عند آخرهم.
فدل هذا على مشروعية التسمية. قال: توضؤوا من عند آخرهم، يعني توضؤوا لآخر واحد فيهم حتى آخر واحد فيهم. قلت لثابت: قلت لأنس، كم تراهم؟ قال: نحو السبعين، وهذا يدل على أن هذه واقعة أخرى غير الواقعة السابقة، الواقعة السابقة كانوا 1500، هذه واقعة أخرى، لذلك هو حديث آخر عن أنس بن مالك.
قال: باب صب الخادم الماء على الرجل للوضوء. قال: أخبرنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع اللفظ له، عن ابن وهب، عن مالك ويونس وعمر بن الحارث، أن ابن شهاب أخبرهم عن عباد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، أنه سمع أباه يقول: سُكبت على رسول الله ﷺ حين توضأ في غزوة تبوك فمسح على الخفين. قال: وعبد الرحمن لم يذكر مالك عروة بن المغيره.
قال: باب الوضوء مرة مرة. قال: أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عن سفيان -تضعيف لهذه الرواية، يعني دلالة ضعف رواية مالك-. قال: أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، قال: حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، قال: ألا أخبركم بوضوء رسول الله ﷺ؟ فتوضأ مرة مرة.
باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا. قال: أخبرنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني طلحة، عن عبد الله بن عمر، أن عبد الله بن عمر توضأ ثلاثًا ثلاثًا، يسند ذلك إلى النبي ﷺ.
هذا يدل على أن الإنسان له أن يغسل أعضاءه مرة مرة، وله أن يغسلها أيضًا مرتين كما ستأتي بعض الروايات، ولك أن تغسل وجهك ويديك ثلاثًا، كل هذا جائز، وإن كان المستحب هو الثلاث، لكن لو غسلت وجهك ويديك ورأسك وقدميك مرة بتكفي.
قال: باب صفة الوضوء غسل الكفين. قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم البصري، قال: عن بشر بن المفضل، عن ابن عون، عن عامر الشعبي، عن عروة بن المغيره، وعن محمد بن سيرين، عن رجل حتى رده إلى المغيره. قال ابن عون: لا أحفظ حديث ذا من حديث، وعن هذا دلالة عطف، يعني وهذا الحديث روي أيضًا، هذا عطف على الشعبي، يعني روي هذا الحديث أيضًا كما روي عن طريق الشعبي عن عروة بن المغيره، روي عن محمد بن سيرين عن رجل حتى المغيره بن شعبة، فهذا يدل على أن هناك.
إسناد وطريق، نعم. قال ابن عون: «ولا أحفظ حديث ذا من حديث ذا»، يعني ابن عون الذي روى عن عامر الشعبي وروى أيضًا عن محمد بن سيرين، يقول تداخل علي حديثهما؛ إنه ابن عون روى هذا عن عامر ورواه عن محمد بن سيرين وتداخل عليه الحديث، قال: أنا مش متذكر هذه الألفاظ للشعبي وهذه الألفاظ لابن سيرين، تداخل لكن خلاصة حديثهما وهو أن المغيره قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فقرع ظهري بعصا كانت معه، فعدل وعدلت معه حتى ضربني بالعصا حتى يجيء معي.
قال: فعدل وعدلت معه حتى أتى كذا وكذا من الأرض، فانطلق، قال: هو أراد أن يأخذ المغيره بن شعبة معه في قضاء حاجته، قال: الحقني بدي أقضي حاجتي وحتى تساعدني، ثم انطلق، فذهب حتى توارى عني، ثم جاء فقال: «أعك ماء»، فذهب حتى توارى عني، يعني ذهب ليقضي حاجته ﷺ، ثم جاء فقال: «أعك ماء يا مغيره»، ومعي صطحة لي، فأتيت بها فأفرغ عليه، فغسل يديه ووجهه، وذهب ليغسل ذراعيه، وعليه جبه شامية ضيقة الكمين، فأخرج يده من تحت الجبه، يعني كان لابس مثل الجبه زي العباءة، وكانت ضيقة الكمين ما استطاع يرفع الكم، فاضطر أنه يسحب يديه من الكم خارج العباءة حتى يستطيع أن يغسل يده إلى المرفق.
قال: فأخرج يده من تحت الجبة فغسل وجهه وذراعيه، وذكر من ناصيته شيئًا وعمامته شيئًا. قال ابن عون: لا أحفظ كما يريد، يعني كان على رأس النبي ﷺ عمامة، فمسح على مقدم رأسه وعلى العمامة، مسح ولم يرفع العمامة. قال ابن عون: لا أحفظ كما يريد، ثم مسح على خفيه، ثم قال: «حاجتك؟»، قلت: يا رسول الله ليس لي حاجة. فحاجتك، يعني النبي ﷺ من أدبه ورقيّه بعد أن يستعمل واحد من الصحابة، إيش يقول له؟ يلا بدك حاجة أقضيها لك، دعوة أعطيك إياها، شيء هدية، قال: يا رسول الله ليس لي حاجة.
فجئنا وقد أمّ الناس عبد الرحمن بن عوف، وقد صلى بهم ركعة من صلاة الصبح، فذهبت لأذنه فنهاني، فصلينا ما أدركنا وقضينا ما سبقنا. هم أتوا فوجدوا أن عبد الرحمن بن عوف أمّ الناس، فالمغيره كان بده يضرب على الإمام، أرجع جاء النبي ﷺ فنهاني، قال خلاص خليه يصلي ونحن نصلي وراءه.
باب كم يغسلان؟ قال: أخبرنا حميد بن مسعدة، عن سفيان وهو ابن حبيب، عن شعبة، عن النعمان، كم يغسلان؟ أي الكفين في بداية الوضوء. قال: عن النعمان بن سالم، عن ابن أبي أوس، عن جده، قال: رأيت رسول الله ﷺ استوفى ثلاثًا. باب: استوفى ثلاثًا، يعني غسل كفيه ثلاثًا، والسنة في بداية الوضوء أنها تغسل الكفين ثلاثًا.
باب المضمضة والاستنشاق. قال: أخبرنا سويد بن نصر، قال أخبرنا عبد الله، عن معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، قال عن حمران بن أبان، قال: رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه توضأ، ففرق على يديه ثلاثًا فغسلهما، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثًا، ثم اليسرى مثل ذلك. ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوء هذا، ثم قال: «من توضأ نحو وضوء هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء، غفر له ما تقدم من ذنبه».
شوف عمل قليل لكن ثوابه عظيم؛ وضوء صحيح مع ركعتين بكامل الخشوع، يغفر الله لك ما تقدم من كل ذنبك، وللأسف نحن نقصر في مثل هذه الفضائل.
قال رحمه الله: باب بأي اليدين يتمضمض؟ قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيره، قال حدثنا عثمان وهو ابن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، قال عن شعيب وهو ابن أبي حمزة، قال عن الزهري، قال أخبرني عطاء بن يزيد، عن حمران أنه رأى عثمان دعا بوضوء، فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات، ثم اتخلل يمينه في الوضوء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل كل رجل من رجليه ثلاث مرات. ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو توضأ وضوء هذا، ثم قال: «من توضأ مثل وضوء هذا، ثم مثل وضوء هذا، ثم قام فصلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء، غفر له ما تقدم من ذنبه».
باب اتخاذ الاستنثار. قال: أخبرنا محمد، قال حدثنا سفيان، قال حدثنا أبو زناد، وأخبرنا الحسين بن عيسى، عن معن، عن مالك، عن أبي زناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم يستنثر». فتالي هذا يدل على أن الاستنثار من الوضوء، أن الإنسان بعد أن يستنشق عليه أن يستنثر، والاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد إدخاله.
باب المبالغة في الاستنشاق. قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا يحيى بن سليمان، عن إسماعيل بن كثير، وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال أخبرنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن عاص بن صابرة، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء؟ قال: «أسبغ الوضوء، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا». باب: الأمر بالاستنشاق؛ صائم لا يبالغ في الاستنشاق حتى لا يصل الماء إلى جوفه.
قال: أخبرنا قتيبة، عن مالك، وأخبرنا إسحاق بن مصر، قال حدثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر». قال: أخبرنا قتيبة، وحدثنا حماد، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سلامة بن قيس، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا توضأت فاستنثر، وإذا...»
قال: إن الاستنثار أنت مأمور به، لذا قال: باب الأمر بالاستنثار، إنه أمر به. قال: باب الأمر بالاستنثار عند الاستيقاظ من النوم. قال: أخبرنا محمد بن زنبور المكي، قال حدثنا ابن أبي حازم، عن يزيد بن عبد الله، أن محمد بن إبراهيم حدثه، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيت على خيشومه».
قال: باب؛ هذا يدل على أن الاستنثار عند الاستيقاظ من النوم أشد تأكيدًا. وقال بعض العلماء: حتى ولو لم يرد الوضوء، فالسنة أن تستنثر عند الاستيقاظ من النوم؛ لأنه الشيطان يبيت على خيشومه. ومثل هذا نصدقه ولا نكيف، لا نعرف كيف ذلك، لكننا نصدق النبي ﷺ فيما قال.
قال: باب؛ بأي اليدين يستنثر؟ قال: أخبرنا موسى بن عبد الرحمن، قال حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، قال حدثنا خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي رضي الله عنه أنه دعا بوضوء، فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى، ففعل هذا ثلاث مرات، ثم قال: «هذا طهور النبي ﷺ».
فالمضمضة والاستنشاق تكون باليد اليمنى، وأما الاستنثار فالسنة أن يكون بأي يد، باليد اليسرى؛ فقوله: «ونثر بيده اليسرى»، هذا فقط للنثر وليس للمضمضة. فأفرغ من الإناء على يده، يعني هو صلى الصلاة، لماذا يريد أن يتوضأ؟ عرفوا أنه لا يريد الوضوء حقيقة للصلاة، وإنما يريد أن يعلمهم كيفية الوضوء.
قال: فتيء بإناء فيه ماء وطس، فأفرغ من الإناء على يده فغسلها ثلاثًا، ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا من الكف الذي يأخذ به الماء، ثم غسل وجهه ثلاثًا، وغسل يده اليمنى ثلاثًا ويده الشمال ثلاثًا، ومسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثًا ورجله الشمال ثلاثًا، ثم قال: «من سره أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا».
قال: باب؛ الإنسان الصلاة على النبي ﷺ في هذا المجلس، يعني هذه فرصة لعبادة الصلاة على النبي ﷺ، حتى لو أنت راح شوي صلي، أشغل لسانك، احذر أن يفوتك هذا الخير. تخيل بعض الطلاب يخرج من همة وهو قليل الصلاة على النبي ﷺ، فما الفائدة من هذه المجالس؟ لابد وأن تعمر لسانك بكثرة الصلاة والسلام على النبي ﷺ، هذه إحدى أعظم العبوديات في مجال اللسان.
قال رحمه الله: باب عدد غسل الوجه. قال: أخبرنا سعيد بن نصر، قال أخبرنا عبد الله، وهو ابن المبارك، عن شعبة، عن مالك بن عرفطة، عن عبد خير، عن علي رضي الله عنه -والآن سيكرر حديث علي خمس مرات لكن كل مرة سيأخذ منه فائدة- قال: عن علي رضي الله عنه أنه أتي بكرسٍ فقعد عليه، ثم دعا بتور فيه ماء، فتمضمض واستنشق بكف واحد ثلاث مرات، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا، وأخذ من الماء فمسح برأسه، وأشار شعبة مرة من ناصيته إلى مؤخر رأسه، ثم قال: لا أدري أردهما أم لا، وغسل رجليه. وصحيح أنه ردهما، أنه ردهما إلى مؤخر الرأس ثم ردهما إلى المقدم. ثم قال: «من سره أن ينظر إلى طهور رسول الله ﷺ فهذا طهوره».
وقال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب خالد بن علقمة عن شعبة، وهو أمير المؤمنين في الحديث، أخطأ في هذا الحديث، وقال عن مالك بن عرفطة والصواب خالد بن علقمة؛ وهذا يدل على أن الإنسان مهما بلغ من العلم قد يخطئ. يعني هذا باتفاق الجميع، أن شعبة أخطأ مع أنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا يدل على أن الإنسان مهما بلغ من العلم ونبل قدره يتصور منه الخطأ في الرواية أو في إعطاء معلومة، وهذا لا يحط قدره رحمه الله.
قال: باب غسل اليدين. قال: أخبرنا عمرو بن علي وحميد بن مسعدة، عن يزيد وهو ابن وهب بن زريع، قال حدثني شعبة، عن مالك بن عرفطة، عن عبد خير، قال: شهدت عليًا دعا بكرسٍ فقعد عليه، ثم دعا بماء في تور، فغسل يديه ثلاثًا، ثم تمضمض واستنشق بكف واحد ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا ويديه ثلاثًا، ثم غمس يده في الإناء فمسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاثًا، ثم قال: «من سره أن ينظر إلى وضوء رسول الله ﷺ فهذا وضوءه».
قال: باب صفة الوضوء. قال: أخبرنا إبراهيم بن الحسن المقسمي، قال حدثنا حجاج، قال ابن جريج، قال حدثني شيبة، أن محمد بن علي أخبره، قال أخبرني أبي علي، أن الحسين بن علي قال: دعاني أبي علي بوضوء، فقربته إليه، فبدأ فغسل كفيه ثلاث مرات قبل أن يدخلهما في وضوئه، ثم تمضمض ثلاثًا واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، ثم مسح برأسه مسحة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، ثم قام قائمًا فقال: ناولني، فناولته الإناء الذي فيه فضل وضوئه، فشرب من فضل وضوئه قائمًا.
فعجبت، فلما رآني قال: لا تعجب، فإني رأيت أباك النبي ﷺ يصنع مثل ما رأيتني صنعته؛ لوضوء هذا، وشرب فضل وضوئه قائمًا. قال رحمه الله: باب عدد غسل اليدين. قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا هذا الرجل كأنه تعجب كيف أن عليًا شرب قائمًا، فقال: لا تتعجب، فإن النبي ﷺ إني رأيته يشرب قائمًا، حدثنا أبو...
الحوص عن أبي إسحاق، عن أبي حية وهو ابن قيس، قال: رأيت عليًا يتوضأ، فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم تمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا. وهذا هو موطن الشاهد، وغسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا؛ هذا موطن الشاهد على ترجمة الباب.
ثم مسح برأسه، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشرب وهو قائم، ثم قال: «أحببت أن أريكم كيف طهور النبي ﷺ».
قال: باب حد الغسل، قال: أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، قراءة عليه، وإن أسمع لفظًا له، عن ابن القاسم، قال: حدثني مالك، وعن عمر بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم، وكان من أصحاب النبي ﷺ وهو جد عمرو بن يحيى: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟
قال عبد الله بن زيد بن عاصم، وهو من أشهر من نقل صفة وضوء النبي ﷺ، وحديثه معتمد في البخاري ومسلم والصحاح. قال: فدعا بوضوء، فأفرغ على يده فغسل يديه مرتين مرتين، ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا، ثم غسل... وهذا على جواز غسل الكفين ابتداء مرتين أو ثلاثًا، سنة.
ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح برأسه، ثم مسح رأسه أيضًا بعد أن غسل يديه إلى المرفقين مرتين؛ وهذا يدل على أنه يجوز في الوضوء أن تغسل بعض الأعضاء ثلاثًا وبعضها مرتين، يعني تغسل وجهك ثلاثًا ويديك إلى المرفقين مرتين وتغسل رجليك ثلاثًا، يصلح. فالالتزام بالأرقام ثلاثًا ثلاثًا سنة، وأما لو أردت أن أخالف فبعضها مرتين وبعضها مرة وبعضها ثلاث، هذا مشروع بدلالة هذا الحديث.
قال رحمه الله: ثم مسح رأسه بيده فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، أي إلى رقبته، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه أي إلى العنق، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه. ثم غسل رجليه.
قال: باب صفة مسح الرأس، قال: أخبرنا عتبة بن عبد الله عن مالك، وهو ابن أنس، عن عمرو بن يحيى عن أبيه، أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم، وهو جد عمرو بن يحيى: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ قال عبد الله بن زيد: نعم. فدعا بوضوء، فأفرغ على يده اليمنى فغسل يديه مرتين، ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفق، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه.
قال: باب عدد مسح الرأس، قال: أخبرنا محمد بن منصور، قال: حدثنا سفيان، قال: عن عمر بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد الذي أري النداء، قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرتين، وغسل رجليه مرتين، ومسح برأسه مرتين.
باب مسح المرأة رأسها، طبعًا هذا الحديث خطأ في قوله: «الذي أري النداء»، عبد الله بن زيد هذا هو عبد الله بن زيد بن عاصم، وعبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في النوم هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وقد وهم الراوي في قوله: «وهو الذي أري النداء»، يعني وهو الذي رأى الأذان في النوم حقيقة، لا؛ عبد الله بن زيد هذا الذي روى صفة الوضوء مختلف عن عبد الله بن زيد الذي روى الأذان، هذا صحابي وهذا صحابي آخر، فقوله: «الذي أري النداء»، قالوا أخطأ فيه الراوي في بيان هذا.
قال رحمه الله: «ومسح برأسه مرتين»، هذه أيضًا زيادة شاذة؛ لأن الصحيح أن مسح الرأس لم يثبت عن النبي ﷺ إلا مسح الرأس مرة واحدة، ولا يمسح لا مرتين ولا ثلاثًا.
قال: أخبرنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن جعيد بن عبد الرحمن -وإن كان البعض فقط من باب الفائدة تولاها- قال: هي ليست شاذة بل مراده، ومسح رأسه مرتين، الذهاب مرة والعودة مرة، فبعضهم قال: هي تصح من هذا الوجه.
قال عن جعيد بن عبد الرحمن: قال أخبرني عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذباب، قال أخبرني أبو عبد الله بن سالم بن سبلان. وكان هذا الحديث حديث يستند عليه الشيعة اتهام أمنا عائشة -رضوان الله عليها- أنها كانت تكشف شعرها أمام الرجال الأجانب؛ لأن الحديث غريب في روايته، ظاهره أن عائشة توضأت وضوءًا كاملاً أمام سالم سبلان، فقالوا: كيف عائشة تكشف شعرها ووجهها وذراعيها أمام سالم سبلان وليس هو عبد لها؟
هذا الحديث يتوقف فيه؛ لأننا ندرك أن عائشة الطاهرة المطهرة المصونة لها علاقة نوع محرمية بسالم سبلان، لكن ما هي؟ أستطيع أن أقول الله أعلم، هناك شيء ما، ما هي علاقة سالم سبلان بعائشة بحيث عائشة كشفت أمامه؟ هناك علاقة، هذا ما نؤمن به، ولكن ما هي حقيقة؟ لا يوجد لدينا تفسير واضح، إلا أن بعض أهل العلم قال إنه كان عبدًا لمحارمها فاعتبرت عبدًا لها، وإن كان هذا ما زال يحتاج إلى نظر.
ولكن لا يشكل عليه هذا؛ لأنه من يعرف صون عائشة وحرمتها وتوقها من الرجال في أعلى المواطن، يعرف أنها لا يمكن أن تكشف وجهها وذراعيها وشعرها أمام شخص أجنبي عنها، فحتى تعرف أن هذا الحديث للأسف يستغله الرافضة للطعن في عائشة رضي الله عنها، وهي طاهرة منقاة، رضي الله عنها وأرضاها.
قال: وكانت عائشة تستعجب بأمانة وتتساءل: كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فتمضمض ثلاثًا، وغسلت وجهها ثلاثًا، ثم غسلت يدها اليمنى ثلاثًا واليسرى ثلاثًا، ووضعت يدها في مقدم رأسها ثم مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخرة، ثم أمرت يدها بأذنيها، ثم مدت على الخدين. قال سالم: كنت آتيها مكاتبًا، لا تختفي مني، فتجلس بين يدي وتحدثني. قال سالم سبلان: كنت آتيها مكاتبًا، يعني كنت عبدًا لغيرها.
وكان هذا العبد المكاتب هو الذي عقد عقدًا مع سيده أن يدفع له مالًا سنويًا مقابل أن يشتري حريته، فكان سالم سبلان كان عبدًا مكاتبًا يأتي إلى عائشة يطلب منها أن تساعده في قضاء مكاتبته، تساعده في المال ليقضي مكاتبته.
تختفي مني أي ما كانت تستتر عني في نوع من المحرم أو شيء هي كانت تراه محرما، لا أستطيع أن أقول ما هو بالضبط. قالت: فتجلس بين يدي وتتحدث معي حتى جئتها ذات يوم فقلت: ادع لي بالبركة يا أم المؤمنين، قالت: وماذا؟ قلت: أعتقني الله، قالت: بارك الله لك، وأرخ الحجاب دوني، فلم أرها بعد.
في اللحظة التي عتق فيها سالم، أصبحت عائشة تحتجب منه، في اللحظة التي أعتق فيها قالت: أعتق، قالت: بارك الله لك، خلاص لا تدخل علي وأرخ الحجاب. ما هي إذا علاقة هذه؟ أعود فأقول في أحاديث تعتبر في مشتبهات، يعني قد لا نستطيع أن نجزم ولكننا نثق بعائشة رضوان الله عليها أن ما فعلت ذلك لرأي تراه.
قال: باب مسح الأذنين. قال: أخبرنا الهيثم بن أيوب الطلقاني، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: «رأيت رسول الله ﷺ توضأ فغسل يديه، ثم تمضمض واستنشق من غرفة واحدة، وغسل وجهه، وغسل يديه مرة مرة، ومسح برأسه وأذنيه مرة». وهذا موطن الشاهد: «ومسح برأسه وأذنيه»، أن الأذنين تمسحان مع الرأس.
قال: قال عبد العزيز، وأخبرني من سمع ابن عجلان يقول في ذلك: «وغسل رجليه»، فنعم، هناك زيادة في بعض طرق الحديث: «وغسل رجليه»، وهي موجودة ضمن الحقيقة. قال: باب مسح الأذنين مع الرأس وما يستدل به على أنهما من الرأس.
إن الأذنين تمسحان مع الرأس وليس مع الوجه، إن بعض أهل العلم يقول الأذن تمسح عندما تغسل وجهك، تمسح أذنيك، الصحيح لا، الصحيح عندما تمسح رأسك تمسح معهما الأذنان، فالأذنان مع الرأس وليس مع الوجه.
قال: أخبرنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا عبد الله بن أبي إدريس، قال: حدثنا ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: «توضأ رسول الله ﷺ فغرف غرفة فتمضي يده اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل يده اليسرى، ثم مسح برأسه وأذنيه، باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بالإبهامين»، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى.
قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد وعتبة بن عبد الله، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه»، وهذا موطن الشاهد في الحديث أنه جعل الأذنين مع الرأس لما قال: «فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه»، فهذا استدلال جميل من النسائي بأن الأذنين تابعة للرأس وليس للوجه.
قال: «فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له». قال: بعد أن تتوضأ هذا الوضوء، ثم تمشي إلى المسجد وتمشي إلى الصلاة، هذه تكون نافلة. ما معنى نافلة؟ من فهم لماذا تكون نافلة؟ يعني كان الإنسان لما توضأ هذا الوضوء خرجت كل الخطايا، ما ظل عليك ولا ذنب، إيش فائدة أن أروح للمسجد؟ زيادة خير. فهمتم؟ الآن إذا كانت المعاصي ستخرج من وجهي ومن يدي ومن رأسي ومن أذني ومن قدمي، هل بقي علي ذنب؟ لا، فكأنك بالوضوء غسلت نفسك تمامًا، أصبحت يعني على الصفر ما عندك ولا معصية، فبالتالي يكون مشيه إلى المسجد وصلاته كالنافلة تحتاج إلى محو، وهذا يدل على قيمة الوضوء وأهميته في محو الذنوب والخطايا.
قال: قتيبة عن الصنابحي، أن النبي ﷺ قال. قال: باب المسح على العمامة. قال: أخبرنا الحسين بن منصور، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش. وأخبرنا الحسين بن منصور، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، قال: حدثنا الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال قال: «رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين والخمار»، قال: الخمار والعمامة، انتبهوا يا شباب، الخمار هنا العمامة حتى لا تظنوا أن النبي ﷺ يلبس خمارًا، الخمار العمامة.
قال: وأخبرنا الحسين بن عبد الرحمن الجرجرائي، عن طلق بن غنام، قال: حدثنا زائدة وحفصة بن غياث، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازم، عن بلال قال: «رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفين». قال: أخبرنا هناد بن السري، عن وكيع، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال قال: «رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخمار والخفين».
قال: باب المسح على العمامة مع الناصية. قال: أخبرنا عمر بن علي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا سليمان التيمي، قال: حدثنا بكر بن عبد الله المزني، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن المغيرة أن النبي ﷺ توضأ فمسح ناصيته وعمامته على الخفين.
قال بكر: وقد سمعت اختلف أهل العلم هل يلزم من يريد المسح على العمامة أن يمسح أيضًا جزءًا من الناصية؟ الناصية هي مقدم الشعر، هل إذا أردت تمسح على العمامة لابد تمسح على الناصية ثم تكمل على العمامة، أم يجوز المسح على العمامة مطلقًا دون مسح شيء من الناصية؟ المشهور أنه يجوز المسح على العمامة دون مسح شيء من الناصية، لكن لو أضفت الناصية فجائز.
قال بكر: وقد سمعته من ابن المغيرة بن شعبة عن أبيه قال: أخبرنا عمرو بن علي وحميد بن سعدة، عن يزيد وهو ابن زريع، قال: حدثنا حميد، قال: حدثنا بكر بن عبد الله المزني، عن حمزة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه قال: «تخلف رسول الله ﷺ، فتخلف معه فلما قضى حاجته قال: أعِدْ ما فأتيت به»، تخلف أي لقضاء حاجته، فأتيت بمطهر طهارة فغسل يده وغسل وجهه ثم ذهب يحسر عن ذراعيه، فغسل ذراعيه ومسح.
بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه. قال: باب كيف المسح على العمامة؟ قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا شيبة، قال: أخبرنا يونس بن عبيد، عن ابن سيرين، قال: أخبرني عمرو بن وهب الثقفي، قال: سمعت المغيرة بن شعبة قال: «خصلتان لا أسأل عنهما أحدًا بعد ما شهدتم من رسول الله ﷺ»، قال: «كنا معه في سفر، فبرز لحاجة، ثم جاء فتوضأ ومسح بناصيته وجانبي عمامته، ومسح على خفيه».
وقال: صلاة الإمام خلف رجل من رعيته. فشاهدت من رسول الله ﷺ أنه كان في سفر فحضرت الصلاة، هل يجوز لإمام المسلمين أن يصلي خلف رجل من الرعية؟ نعم؛ لأن النبي ﷺ في هذه السفرة وهو إمام المسلمين صلى خلف عبد الرحمن بن عوف. قال: فحضرت الصلاة فاحتبس عليهم النبي ﷺ، فقاموا الصلاة وقدموا ابن عوف فصلى بهم، فجاء رسول الله ﷺ فصلى خلف ابن عوف ما بقي من الصلاة، فلما سلم ابن عوف قام النبي ﷺ فقضى ما سبق به.
قال: باب إيجاب غسل الرجلين. قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن شعبة. وأخبرنا مؤمل بن هشام، قال: حدثنا إسماعيل، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: قال أبو القاسم ﷺ: «ويل للعقبين، النار»، والعقب هو خلف القدم. إن كثيرًا من الناس لما يتوضأ ينسى غسل عقبه وهو مؤخر القدم.
قال: أخبرنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان. وأخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، واللفظ له، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمر، قال: رأى رسول الله ﷺ قومًا يتوضؤون فأراهم أعقابهم تلوح، فقال: «ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء».
قال: باب بأي رجلين يبدأ بالغسل؟ «تلوح» ما معنى «فأراهم أعقابهم تلوح»؟ رآهم يتوضؤون ولكن أعقابهم تلوح ليس عليها ماء، فعرف أنهم نسوا أو قصروا في غسل الأعقاب فأمرهم وقال: «ويل للأعقاب من النار».
قال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني الأشعث، قال: سمعت أبي يحدث عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها، وذكرت أن رسول الله ﷺ كان يحب التيامن ما استطاع في طهوره ونعله وترجله. هذا يدل على أن الإنسان يغسل رجله اليمنى قبل اليسرى؛ لأنه كان يحب التيامن.
قال شعبة: ثم سمعت الأشعث بواسطة يقول: يحب التيامن، فذكر شأنه كله، ثم سمعت بالكنفة يقول: يحب التيامن ما استطاع. هذا يدل على أن شعبة سمع الحديث بألفاظ متعددة؛ سمع الحديث مرة: يحب التيامن في شأنه كله، ومرة سمع الحديث بلفظ: يحب التيامن ما استطاع، فهناك عدة روايات سمع شعبة الحديث عليها.
قال: باب غسل الرجلين باليدين. قال: أخبرنا محمد بن بشر، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أبو جعفر المدني، قال: سمعت ابن عثمان بن حنيف -يعني عمارة- قال: حدثني القيسي، أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، فتيء بماء، فقال على يده من الإناء فغسله، فأدار يده من الإناء فغسلهما مرة، وغسل وجهه وذراعيه مرة، وغسل رجليه بيديه كلتيهما.
قال: باب الأمر بتخليل الأصابع. قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا يحيى بن سليمان، عن إسماعيل بن كثير، عن أبي هاشم، عن عاصم بن لقي، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا توضأت فأسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع». وهذا يدل على سنة التخليل بين الأصابع، سواء أصابع اليدين أو أصابع الرجلين.
قال: باب عدد غسل الرجلين. قال: أخبرنا محمد بن آدم، قال: عن ابن أبي زائدة، قال: حدثني أبي وغيره، عن أبي إسحاق، عن أبي حيوة الوادعي، قال: رأيت عليًا يتوضأ، فغسل كفيه ثلاثًا، وتمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه، وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: هذا وضوء رسول الله ﷺ.
قال: باب حد الغسل. قال: أخبرنا أحمد بن عمرو، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد الليثي أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره، أن عثمان دعا بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل رجله اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا. ثم قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ نحو وضوء هذا، ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه».
هنا تعديل؛ هو لم يدخل بعد في أحكام الاغتسال، هو يقصد حد الغسل، يعني كم مرة تغسل الوجه والأيدي والأقدام في الوضوء؟ ما زال في أحكام الوضوء، لكنه أراد أن يذكر الحد الذي يتم الغسل فيه. الآن أنت تعرف الوضوء، فيه غسل وفيه مسح؛ أنت تغسل الوجه واليدين والقدمين، وتمسح الرأس والأذنين. الأشياء التي تُغسل ما الحد فيها؟ الأصل في غسل الوجه واليدين والقدمين الثلاث، وأما المسح فيكون مرة واحدة.
قال: باب الوضوء في النعال. قال: أخبرنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا ابن إدريس، عن عبيد الله ومالك وجريج، عن المقبري، عن عبيد بن جريج، قال: قلت لابن عمر: رأيتك تلبس هذه النعال السبتية؟
النعال السبتية هي نعال تصنع من جلود البقر بعد أن يزال الشعر عنها، نعال بقرية. قال: «وتتوضأ فيها»، قال: «رأيت رسول الله ﷺ يلبسها ويتوضأ فيها». قال: باب المسح على، والمراد أنه كان يتوضأ وهو لابس لها، يدخل يده في داخل النعل ولا يحتاج أن يخرج يده من النعل. وليس المراد عند أكثر الشراح أنه يمسح فوق النعل، لا، المراد -وإن كان هذا في حديث آخر ورد- لكن هنا: «وإذا توضأ فيها» أي كان يغسل قدميه وهي داخل النعل. طبعًا هذا يدل على أنه يمكن ذلك، قد تكون النعال السبتية واسعة تستطيع أن تدخل يدك داخل النعل فتغسل القدمين.
قال رحمه الله تعالى: باب المسح على الخفين. قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا حفص، قال: عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن جرير بن عبد الله أنه توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: أتمسح؟ فقال: «قد رأيت رسول الله ﷺ يمسح». وكان أصحاب عبد الله يعجبهم قول جرير، وكان إسلام جرير قبل موت النبي ﷺ بيسير.
قال: أخبرنا العباس بن عبد العظيم، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا حرب، وكان أصحاب عبد الله بن مسعود يحبون حديث جرير هذا؛ لأن جرير أسلم في السنة العاشرة من الهجرة، وكان إسلامه بعد نزول آية المائدة، مما يدل على أن المسح على الخفين لم يُنسخ. البعض كان يقول إن آية المائدة في الوضوء نسخت جواز المسح على الخفين، وجرير أسلم أصلًا بعد نزول المائدة وفي السنة العاشرة، ومع ذلك يروي أن النبي ﷺ مسح على الخفين، مما يدل على أن المسح على الخفين بقي ثابتًا حتى آخر حياة النبي ﷺ، فلذلك كان يعجب تلاميذ عبد الله بن مسعود حديث جرير البجلي هذا.
قال: أخبرنا العباس بن عبد العظيم، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا حرب بن شداد، قال: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عبر أمية الضمري، عن أبيه أنه رأى رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الخفين. قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم وسليمان بن داوود، واللفظ له، عن ابن نافع، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أسامة بن زيد قال: «دخل رسول الله ﷺ الأسواف فذهب لحاجته، ثم خرج الأسواف» -الأسواف هذا اسم مكان- قال: «ثم خرج»، قال أسامة: فسألت بلالًا ما صنع؟ فقال بلال: «ذهب النبي ﷺ بحاجته ثم توضأ، فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ومسح على الخفين ثم صلى».
قال: أخبرنا سليمان بن داوود والحارث بن مسكين قراءة عليه، واللفظ له، عن ابن وهب، عن عمر بن الحارث، عن أبي النظر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمر، عن سعد بن أبي وقاص، عن رسول الله ﷺ أنه مسح على الخفين. قال: أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا إسماعيل -وهو ابن جعفر- عن موسى بن عقبة، عن أبي الناضر، عن أبي سلمة، عن سعد بن أبي وقاص، عن رسول الله ﷺ في المسح على الخفين أنه لا بأس به.
قال: أخبرنا علي بن خشرم، قال: حدثنا عيسى، عن الأعمش، عن مسروق، عن المغيرة بن شعبة، قال: «خرج النبي ﷺ من حاجته، فلما رجع تلقيته بأداة، فصبت عليه، فغسل يديه، ثم غسل وجهه، ثم ذهب ليغسل ذراعيه، فضاقَت به الجبة، فأخرجهما من أسفل الجبة، فغسل لهما ومسح على خفه ثم صلى بنا».
قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ليث بن سعد، عن يحيى -وهو ابن سعيد- عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه المغيرة، قال: عن رسول الله ﷺ أنه خرج لحاجته فاتبعته، فاتبعه المغيرة، قال: فاتبعه المغيرة بأداة فيها ماء، فصب عليه حتى فرغ من حاجته، فتوضأ ومسح على خفيه.
قال: باب المسح على الخفين في السفر. قال: أخبرنا محمد بن منصور، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت إسماعيل بن محمد بن سعد، قال: سمعت حمزة بن المغيرة بن شعبة، يقول: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فقال: «تخلف يا مغيرة، وامضوا أيها الناس»، فتخلف ومعي أداة من ماء، ومضى الناس، فذهب رسول الله ﷺ لحاجته، فلما رجع ذهبت أصب عليه، وعليه جبة رومية ضيقة الكمين، فأراد أن يخرج يده منها فضاقَت عليه، فأخرج يده من تحت الجبة، فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ومسح على خفه. والموطن الشاهد في حديث المغيرة أن هذه القصة وقعت في السفر، مما يدل على أن النبي ﷺ مسح على الخفين في السفر.
قال: باب توقيت المسح على الخفين للمسافر. قال: أخبرنا قتيبة، قال: التوقيت يعني ما هي المدة؟ كم يمسح المسافر؟ والمعروف أن المسافر يمسح ثلاثة أيام. قال: حدثنا سفيان، قال: عن عاصم، عن زر، عن صفوان بن عسال قال: «رخص لنا النبي ﷺ إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن».
قال: أخبرنا أحمد بن سليمان الرهاوي، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا سفيان الثوري ومالك بن مغول وزهير وأبو بكر بن عياش وسفيان بن عيينة، عن عاصم، عن زر، قال: سألت صفوان بن عسال عن المسح على الخفين، فقال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط وبول ونوم، إلا من جنابة؛ لأن الجنب هل يستطيع أن يمسح على الخف؟ لا، بدّه يغتسل».
قال: باب توقيت المسح على الخفين للمقيم. قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، عن عمر بن قيس الملائي، عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة، قال: عن شريح بن هانئ، عن علي رضي الله عنه قال: «جعل رسول الله ﷺ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، ويومًا وليلة للمقيم» في المسح.
قال: أخبرنا هناد بن سريع، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن الحكم، عن القاسم بن مخيمرة، قال: عن شريح بن هانئ قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن المسح على الخفين، فقالت: «ائتِ عليًّا فإنه أعلم بذلك مني»، فأتيت عليًّا فسألت عن هذا، ومن إنصاف عائشة، عائشة بقيت بعد وفاة النبي ﷺ.
بينها وبين علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ما نسميه نوعًا من حزازية النفس، خاصة أن عائشة رضي الله عنها وقفت في جانب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فكان هناك نقول حزازيات نفس، وهذا من البشر في النهاية بين عائشة وعلي.
لكن شوف الإنصاف، لما جاء رجل يسألها عن المسح ماذا قالت؟ يسأل عن علي، بيني وبينه حزازية، لكن مع ذلك ترشد إلى من عنده العلم، وهذا حقيقة خلق راقي جدًا؛ أنه حتى لو كنت مختلفًا مع شخص، لكن تعرف أن هو عنده علم ليس لديك، أن تستفيد منه وترشد إليه.
قال: فأتيت علي فسألته عن المسح، فقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أن يمسح المقيم يومًا وليلة والمسافر ثلاثة».
باب صفة الوضوء من غير حدث: قال أخبرنا عمرو، صفة الوضوء من غير حدث، اللي هو تجديد الوضوء، ما يسمى أنك تتوضأ ولكن ليس هناك حدث، فقط تجدد الوضوء. وهنا تجديد الوضوء ورد في صفته صفات خفيفة، أنه يمكن أن تتخفف فيه من بعض الأمور التي لا تكون في الوضوء الذي يكون عن حدث، يعني شدد في الوضوء الذي يكون عن حدث أكثر من الوضوء الذي يكون فقط لتجديد.
قال: أخبرنا عمرو بن يزيد، قال حدثنا بهز بن أسد، قال حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، قال سمع نزل ابن سبرة، قال: رأيت علي رضي الله عنه صلى الظهر ثم قعد لحوائج الناس، فلما حضرت صلاة العصر أوتي بتور من ماء، فأخذ منه كفًا فمسح به وجهه وذراعيه ورأسه ورجليه.
لاحظ هنا الحديث قال: كفًا واحدًا فمسح به، ولم يقل غسله، قال: فمسح به وجهه وذراعيه ورأسه ورجليه، يعني بكف واحدة مسح وجهه مرة، وذراعيه ورأسه ورجليه، ثم أخذ فضله -يعني ما بقي في الإناء- فشرب قائمًا، ثم قال: «إن ناسًا يكرهون هذا وقد رأيت النبي ﷺ يفعله».
وهذا وضوء من لم يحدث، يعني هذا وضوء يصح أن تتوضأ به إذا كان مقصدك فقط تجديد الوضوء. إذاً تجديد الوضوء يمكن تفعله على الصورة الطبيعية، ويمكن تفعله على هذه الصورة؛ فقط كف من ماء بدون ما تأخذ حتى أكثر من كف، تمسح به وجهك ويديك ورأسك وقدميك وانتهت القضية، لأنه هذا مجرد تجديد.
قال رحمه الله: باب الوضوء لكل صلاة. قال أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال حدثنا خالد، قال حدثنا شعبة، عن عمر بن عابر، عن أنس، أنه ذكر أن النبي ﷺ أوتي بإناء صغير فتوضأ، قلت: أكان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة؟ قال: «نعم»، قال: فإنكم؟ قال: «كنا نصلي الصلوات ما لم نحدث»، قال: وقد كنا نصلي الصلوات بوضوء؟ قال: «نعم».
إذن النبي ﷺ كان مأمورًا أن يتوضأ لكل صلاة، وأما الصحابة فبالرغم من أنه حتى لو لم يحدث، بخلاف الصحابة فكانوا لا يتوضؤون إلا إذا أحدثوا، لذلك قالوا: «أما نحن فكنا نصلي الصلوات ولا نجدد الوضوء ما لم نحدث»، وبالتالي كانوا يصلون مجموعة من الصلوات بوضوء واحد. وأما النبي عليه الصلاة والسلام فمن خصائصه، كما ذكر بعض أهل العلم، أنه يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة ولو لم يحدث، هكذا ذكر بعضهم، وإن كانت المسألة فيها نقاش، فبعضهم قال: أُمر بذلك ثم نُسخ.
قال رحمه الله، وأخبرنا زياد بن أيوب، قال حدثنا ابن علي، قال حدثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء فقرب إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة».
قال أخبرنا عبيد الله، يعني أنا لا أريد أن آكل، لا أريد أن أصلي، قالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ حتى تتوضأ، قال: «ليس كل ما خرجت من دورة مياه لازم تتوضأ»، لا، قال: «إنما يحتاج الإنسان للوضوء إذا كان يريد أن يصلي، أما إذا كان يريد أن يأكل فلا يحتاج إلى الوضوء إذا خرج من دورة المياه».
قال رحمه الله تعالى: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال حدثنا يحيى، قال عن سفيان، قال حدثنا علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: فعلت شيئًا لم تكن تفعله؟ قال: «عمداً فعلته يا عمر».
هنا البعض قال وهذا الحديث استدل به البعض على أن النبي ﷺ عندما كان يتوضأ لكل صلاة، والبعض قال لا، لم يكن هذا واجبًا عليه، وإنما كان يفعله حبا منه ﷺ لتجديد الوضوء، ولذلك في عام الفتح صلى الصلوات كلها بوضوء واحد ليخبر أصحابه أنه لا يلزم تجديد الوضوء إذا لم يحدث، وأنني إنما أتوضأ لكل صلاة رغبة مني وحبًا مني وليس إلزامًا، فلذلك قال: «عمداً فعلته يا عمر» حتى يعلم أن تجديد الوضوء سنة وليس واجبًا.
قال رحمه الله: باب النضح. قال أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال حدثنا خالد بن الحارث، عن شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كان إذا يتوضأ أخذ حفنة من ماء فقال بها هكذا، ووصف شعبة نضح بها فرجه، فذكرته لإبراهيم فأعجبه. قال الشيخ ابن السني: أبو عبد الرحمن الحكم هو ابن سفيان الثقفي.
قال أخبرنا العباس بن محمد الدوري، طبعًا هنا الظاهر أنه وصف نضح بها فرجه، قال كثير من الشراح: الحديث إن مراد أنه استنجى، أن النضح هنا نضح للاستنجاء، وإلا الإنسان لا ينضح الفرج أثناء الوضوء، إنما ينضح الفرج أثناء الاستنجاء وهو الغسل الخفيف. والبعض قال: لا، هو نضح فرجه بعد الوضوء قطعًا للوسواس، بعض الناس إذا شاف ماء على ثيابه، إيش يصير؟ يفكر أنه هذا بول خرج منه، يصير عنده وساوس كثيرة، فالبعض قال: لا، هو نضح فرجه بكف من ماء بعد أن فرغ من وضوئه حتى يقطع الوسواس. وإن كان لا يظهر لي حقيقة هذا الفهم، لا يظهر لي أن النبي ﷺ ما كان يعالج الوسواس بهذه الطريقة، وإنما النضح هنا للاستنجاء.
قال رحمه الله، وأخبرنا العباس بن محمد الدوري، قال حدثنا الأحوص بن جواب، قال حدثنا... قال الشيخ ابن السني: ابن السني هو الذي روى سنن النسائي عن الإمام النسائي، ولذلك ستجده أحيانًا يذكر في الكتاب.
قال رحمه الله: أخبرنا العباس بن محمد الدوري، قال حدثنا الأحوص بن جواب، قال حدثنا عمار بن رزيق، عن منصور...
أخبرنا أحمد بن حرب، قال حدثنا قاسم وهو ابن يزيد الجرمي، قال حدثنا سفيان، قال حدثنا منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان قال: «رأيت رسول الله ﷺ توضأ ونضح فرجه». قال أحمد: فنضح فرجه.
باب: الآن هنا ظاهر الرواية أن نضح الفرج كان متى بعد الوضوء؛ «رأيت النبي ﷺ توضأ ونضح فرجه». على هذا ند من يرى أنه نضح فرجه لقطع الوسواس، لكن هذه الرواية ضعيفة، هذا الحديث ضعيف.
قال: باب الانتفاع بفضل الوضوء. قال: أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف، قال حدثنا أبو عتاب، قال حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي حيه، قال: «رأيت عليًا توضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قام فشرب فضل وضوئه»، وقال: «صنع رسول الله ﷺ».
إنه يجوز أن تنتفع بعد الوضوء بما يبقى في الإناء فتشرب، تطبخ فيه، أنت حر، أما فيه بدك إياه.
قال: وقال: «صنع رسول الله ﷺ كما صنعت». قال: أخبرنا محمد بن مصون، قال عن سفيان، قال حدثنا مالك بن مغول، قال عن عون بن أبي جحيفه عن أبيه قال: «رأيت النبي ﷺ بطحا، فأخرج بلال فضل وضوئه، فابتدر الناس، فَنلت منه شيئًا».
الناس كانوا يتبركون بما يبقى من وضوء النبي ﷺ، كانوا يبتدرون، يعني يتسابقون لأخذ فضل وضوئه، يعني ما بقي من وضوئه في الإناء تبركًا به.
قال: «فنلت منه شيئًا، ورُكز له العنزة، فصلى بالناس والحمر»، والعنزه هي الرمح، كان يركز له فيصلي إليه. قال: «فصلى بالناس والحمر والكلاب والمرأة تمر بين يديه»، وهذا يدل على أن مرور الناس والدواب بين يدي الإمام إذا كان هناك ستره لا إشكال، إذا مرت من وراء السترة؛ أنا وضعت سترة ومرت النساء أو مرت دواب أو أي شيء من وراء السترة، هذا لا يضر على صلاته.
قال: أخبرنا محمد بن مصون، قال عن سفيان، قال سمعت ابن المنكدر يقول: سمعت جابرًا يقول: «مرضت فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعودان، فوجدني قد أغمي علي، فتوضأ رسول الله ﷺ فصب علي وضوءه».
هذا يدل على أن الإنسان يستفيد من الوضوء كيف شاء؛ فالنبي ﷺ هنا توضأ، ثم بعد أن توضأ صب وضوءه على جابر، لأن وضوءه وضوء بركة ﷺ، فاستيقظ جابر من إغمائه ببركة وضوء النبي ﷺ.
قال: باب فرض الوضوء. قال: أخبرنا قتيبة، قال حدثنا أبو عوانة، عن قتادة عن أبي المليح، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول».
هذا الحديث يدل على أن الصلاة لا تقبل بدون طهارة، فهذا يدل على فرض الوضوء. «ولا صدقة من غلول»، الغلول هو أن تسرق من الغنيمة قبل أن توزع، الإنسان إذا سرق من المال العام ثم تصدق به كما يفعل اليوم كثير من الناس، تعرفونهم، يسرق من المال العام ثم يبني مسجدًا؛ لا يقبل الله صدقة من غلول. الغلول هو السرقة من المال العام، بعض الناس يفكر أنه هكذا خلص، بطهرها، وكونه سرق نص مال الشعب بعدين بنى له مسجدًا، تقول له خلاص هي طهرنا؛ لا، السرقة لا يقبلها الله عز وجل.
قال: والاعتداء في الوضوء. قال: أخبرنا محمود بن غيلان، قال حدثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «جاء عرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فرآه يرى الوضوء ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم».
بمعنى الذي يغسل أعضاءه أربع مرات بدل ثلاث، أساء وتعدى وظلم؛ لأن تجاوز السنة بدعة، فمن زاد على هذا، يعني غسل أعضاءه بدل الثلاث أربع، بعض الناس يقول لك يا أخي زيادة خير، يعني غسل وجهه أربع بدل ثلاث، شو المشكل؟ هذه بدعة لأن النبي ﷺ لم يفعلها وهي إسراف، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم.
قال رحمه الله: باب الأمر بإسباغ الوضوء. قال: أخبرنا يحيى بن حبيب بن عن ربي، قال حدثنا حماد، قال حدثنا أبو جهضم، قال حدثني عبد الله بن عبيد الله بن عباس، قال كنا جلوسًا إلى عبد الله بن عباس، قال: «والله ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء دون الناس إلا بثلاث»، ألا خصنا؟ يقصد أهل البيت، ما خصنا أهل البيت، أو عفواً أقارب من بني طالب، كذلك أهل البيت بما يشبه الأقارب ومن بني طالب، ما خصنا النبي ﷺ بشيء دون سائر المسلمين إلا بثلاث خصال، فإنه أمرنا: «أن نسبغ الوضوء، ولا نأكل الصدقة، ولا ننز الحمر على الخيل».
النبي ﷺ خص الهاشميين أو آل البيت، بغض النظر عن التفسير، بأن يسبغ الوضوء، والمراد إسباغ الوضوء هو للجميع لكن خصهم بذلك، يعني ألزمهم بذلك، فأسباغ الوضوء كان واجبًا على أقارب النبي ﷺ. «وأن لا نأكل الصدقة»، وأنتم تعرفون أن بني هاشم لا يأكلون الصدقة ولا تحل لهم، وإنما يأخذون من الغنيمة. «ولا ننز الحمر على الخيل»، إذا الحمار جامع فرساً ماذا يخرج؟ بغل، صح؟ فأمرهم أن لا يجعلوا الحمار يجامع فرساً لكي لا يأتي البغال، لأن النبي ﷺ كان يريد إكثار الخيل وليس إكثار البغال، لأن الخيل كانت هي التي تستعمل في المعارك، فلذلك خصهم أنه أنتم يا أقاربي بالتحديد لا تفعلوا ذلك ولو الناس تساهلت.
قال رحمه الله: أخبرنا قتيبة، قال حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «أسبغوا الوضوء».
فإسباغ الوضوء هي للناس عامة، وخص بها آل بيت النبي ﷺ خاصة بزيادة تجديد عليهم فيها. وإسباغ الوضوء يطلق على عدة أشياء؛ يطلق أولاً على أن يأتي بكل عضو الغسل تاما وافرا، ويطلق الإسباغ على أن تتجاوز العضو إلى شيء من الداخل من باب التأكد، يعني أن لا تغسل إلى المرفق بل تدخل في العضد، وأن لا تقتصر في غسل القدمين إلى الكعبين بل تدخل في شيء من الساق، فالإسباغ يطلق على أن تتمم الماء على العضو، ويطلق على أن تتجاوز في غسل العضو من باب الاحتياط، كلاهما يطلق عليه أنه إسباغ.
قال: باب الفضل في ذلك. قال: أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن الفضل في ذلك.
الفضل في الإسباغ، قال عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد».
والمراد بالمكاره؛ يعني المكان الذي تكره أن يصل الماء البارد إليه، وهذا يكون في شدة البرد عندما يكون الماء باردًا والجو باردًا، فتجد أن الإنسان يسير يتوضأ وضوءًا خفيفًا، لا أن يسبغ الوضوء ويوصله إلى الأماكن التي يكره أن يصل الماء إليها لشدة البرد، فثوابه عظيم عند الله.
قال: «وإنظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط». فذلك ثواب من تبقى في المسجد ينتظر الصلاة بعد الصلاة، ودائمًا أنت من أهل المسجد مستقر فيه، هذا رباط في سبيل الله؛ فذلكم الرباط.
قال رحمه الله: باب ثواب من توضأ كما أُمر. قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا الليث، عن أبي الزبير، قال عن سفيان بن عبد الرحمن، عن عاصم بن سفيان الثقفي أنهم غزوا غزوة السلاسل، ففاتهم الغزو، فرابطوا.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال أحدثنا شعبة، كانوا يريدون الجهاد في زمن معاوية ففاتتهم المعركة، فأتوا إلى معاوية ووجدوا عنده أبا أيوب الأنصاري وعقبة بن عامر، فقال أحدهم -وهو عاصم-: «يا أبا أيوب، فاتنا الغزو في هذا العام!».
انظر إلى حرص الصحابة على الجهاد في سبيل الله، هم زعلانون لأن الغزوة فاتتهم هذا العام، الله أعلم ما هو السبب، لكنهم أرادوا فعل شيء يكفر الله به الخطايا، فما دام لم يستطيعوا الغزو، قرروا أن يصلوا في المساجد الأربعة؛ قالوا سنصلي في المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، ومسجد قباء، حتى نعوض هذه الغزوة بالصلاة في المساجد الأربعة.
فقال له أبو أيوب: «يا ابن أخي، هناك شيء أيسر من ذلك يكفر الله به الخطايا». قال: ما هو؟ قال: «من توضأ كما أُمر، وصلى كما أُمر، غُفر له ما تقدم من العمل». يعني لا داعي أن تحمل نفسك السفر إلى هذه البقاع؛ بفعل يسير تستطيع أن تحصل على ثواب كبير.
قال رحمه الله تعالى: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال حدثنا شعبة، عن جابر بن شداد، قال سمعت حمران بن أبان، قال أخبر أبا بردة في المسجد، أنه سمع عثمان يحدث عن رسول الله ﷺ يقول: «من أتم الوضوء كما أمره الله عز وجل، فصلوات الخمس كفارات لما بينهن».
طبعًا كل أحاديث تكفير الذنوب هذه هي لتكفير الصغائر أيها الشباب، وأما الكبائر فجمهور أهل العلم يقولون تحتاج إلى توبة خاصة؛ فكل الأحاديث التي مرت معنا: «غفر له ما تقدم»، «غفر له كفارة»، كل هذا لأجل الصغائر، أما الكبائر مثل الزنا وشرب الخمر والموبقات السبع فتحتاج إلى توبة خاصة وليست هذه هي المكفرات، هذا عند جمهور أهل العلم.
قال رحمه الله تعالى: أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حمران مولى عثمان، أن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يصلي الصلاة، غُفر له ما بينه وبين الصلاة وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها». والمراد مغفرة الصغائر كما قلنا.
قال: أخبرنا عمرو بن مصور، قال حدثنا آدم بن أبي إياس، قال حدثنا الليث وهو ابن سعد، قال حدثنا مع بن صالح، قال أخبرني أبو يحيى سليم بن عامر، وضمر بن حبيب، وأبو طلحة نعيم بن زياد، قالوا سمعنا أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت ابن عباس يقول: قلت يا رسول الله، كيف الوضوء؟ قال: «أما الوضوء، فإنك إذا توضأت فغسلت كفيك؛ انقضت خطاياك من بين أظفارك وأناملِك، فإذا مضمضت واستنشقت من خرِقك وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين، ومسحت رأسك، وغسلت رجليك إلى الكعبين؛ غُسلت من عامة خطاياك، فإن أنت وضعت وجهك لله عز وجل، خرجت من خطاياك كيوم ولدتك أمك».
قال أبو أمامة: فقلت يا ابن عباس، انظر ما تقول! أكل هذا يُعطى في مجلس واحد؟ قال: «أما والله لقد كبرت سني، ودنا أجلي، وما بي من فقر، فأكتب على رسول الله ﷺ أني أكذب على النبي ﷺ! أنا رجل قربت من الموت، والله لقد سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله ﷺ».
نكمل بعد الصلاة، وصلى الله الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. حياكم الله في الجلسة الثانية لهذا اليوم، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: باب القول بعد الفراغ من الوضوء. أخبرنا محمد بن علي بن حرب المروزي، قال حدثنا زيد بن الحباب، قال حدثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، وأبي عثمان، عن عقبة بن عامر الجهني، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ فتحت له ثمانية أبواب الجنة، يدخل من أيها شاء».
قال: باب تحلية الوضوء. قال أخبرنا قتيبة بن سعيد، عن خلف وهو ابن خليفة، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، وكان يقصر يديه حتى يبلغ إبطيه، فقلت: يا أبا هريرة، ما هذا الوضوء؟ فقال لي: «يا بني، فروخ أنتم ها هنا! لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي رسول الله ﷺ يقول: تبلغ تحلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء».
وهذا يدل على إسباغ الوضوء بالمعنى الثاني، وهو أن يتجاوز الإنسان عن الحد المشروع، ولكن البعض قال هذا من اجتهاد أبي هريرة وليس من أمر النبي ﷺ؛ هو اجتهد في فهم حديث «تبلغ تحلية المؤمن يوم القيامة حيث يبلغ الوضوء»، فظن أنه ينبغي أن يطيل الوضوء حتى يبلغ به الإبطين، هذا اجتهاد منه وخالفه فيه كثير من الصحابة وأهل العلم.
قال رحمه الله.
أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ خرج للمقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا». قالوا: يا رسول الله، لسنا إخوانك؟ قال: «بل أنتم أصحابي وإخواني الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض». قالوا: يا رسول الله، وأنا فرطهم؟ يعني أن أنا سأسبق على الحوض وأنتظر.
وهذا الذي بدأنا به مجلس اليوم؛ أن أنتم بإذن الله إخوان النبي ﷺ. قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: «أرأيت لو كان لرجل خيل غُرٌّ محجلة في خيل بهم دهم، ألا يعرف خيله؟» قالوا: بلى. قال: «فإنهم يأتون». أرأيتهم لو كان لرجل خيل غُرٍّ -أي بيضاء الوجه- محجلة -أي بيضاء الأقدام- بين خيل سوداء، ألا يمكن أن يميزها ببياضها عن باقي الخيل السود؟ كذلك المؤمنون يميزهم النبي ﷺ عن غيرهم بآثار الوضوء، حيث يأتي المؤمنون غُرًّا محجلين يوم القيامة. قال: «فإنهم يأتون يوم القيامة غُرًّا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض».
باب ثواب من أحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين. قال: أخبرنا موسى بن عبد الرحمن المسروق، قال: حدثنا زيد بن حباب، قال: حدثنا معاوية بن صالح، قال: حدث ربيعة بن يزيد الدمشقي، عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان، عن جبير بن نفير الحضرمي، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين، يقبل عليهما بقلبه ووجهه، وجبت له الجنة».
باب ما ينقض الوضوء وما لا ينقض الوضوء من المذي. قال: أخبرنا هناد، قال: أخبرنا هناد بن السري، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن قال: قال علي: كنت رجلاً مذاء، وكانت ابنة النبي ﷺ تحتي، فاستحييت أن أسأله، فقلت لرجل جالس إلى جنب علي: كان رجلاً مذاءً، يخرج منه المذي بكثرة، وكانت بنت النبي ﷺ تحته، يعني كان متزوجًا لها. قال: فقلت لرجل جالس إلى جنب علي: سله، فسأله فقال: فيه الوضوء.
قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا آل جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه قال: قلت للمقداد: إذا بنى الرجل بأهله فأمسي ولم يجامع، فإني يستحي أن أسأله عن ذلك وابنته تحتي، فسأله فقال: يقصد مذاكيره ويتوضأ وضوءه للصلاة؛ المذي يغسل الإنسان ذكره ويتوضأ.
قال: أخبرنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عمر، عن عطاء، عن عائش، عن أنس -أو عن علي- قال: كنت رجلاً من مذاء، فأمرت عمار بن ياسر يسأل رسول الله ﷺ من أجل ابنته عندي، فقال: «يكفي من ذلك الوضوء». قال: أخبرنا عثمان بن عبد الله، قال: أخبرنا -والمشهور أنه أمر المقداد أن يسأل وليس عماراً- البعض قال إنه أيضًا أمر عمارًا في مكان آخر.
قال: حدثنا يزيد بن زريع، أن روح بن القاسم حدثه، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن إياس بن خليفة، عن رافع بن خديج، أن عليًا أمر عمارًا أن يسأله رسول الله ﷺ عن المذي، فقال: «يغسل مذاكيره ويتوضأ». قال: أخبرنا عتبة بن عبد الله المروزي، عن مالك، عن أبي النظر، عن سليمان بن يسار، عن مقداد بن الأسود، أن عليًا أمره أن يسأل رسول الله ﷺ عن رجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟ فإن عند ابنته، وإن استحي أن أسأله، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «إذا دنا من أهله بدون جماع»، طبعًا، فقال: «إذا وجد أحدكم ذلك فليغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة».
قال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد، عن شعبة، قال: أخبرنا سليمان، قال: سمعت منذرًا، عن محمد بن علي، عن علي، قال: استحييت أن أسأل رسول الله ﷺ عن المذي من أجل فاطمة، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: «فيه الوضوء». وهذا يؤكد الفكرة التي بدأنا بها، وهي قضية أن «القول لا حياء في العلم» هذا ليس بصحيح على إطلاقه؛ هنا أيضًا علي يستحي أن يسأل السؤال لأنه قد يحرج النبي ﷺ بسبب أن فاطمة عنده، فأمر غيره أن يسأل، فجملة «لا حياء في تعلم العلم» جملة تحتاج إلى تقييد، ماذا يقصد بها؟
باب الوضوء من الغائط والبول. قال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا شعبة، عن عاصم، أنه سمع زر بن حبيش يحدث، قال: أتيت رجلًا يدعى صفوان بن عسال، فقعدت على بابه، فخرج فقال: ما شأنه؟ قلت: أطلب العلم. قال: «إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب». فقال: عن أي شيء تسأل؟ قلت: عن الخفين؛ كنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ في سفر أمرنا أن لا ننزعهما إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم؟
باب الوضوء من الغائط، ولكن من غائط وبول ونوم؛ يعني وهذا يدل على أن الغائط والبول والنوم كلها نواقض للوضوء، كلها نواقض للوضوء، ولا يحتاج الإنسان أن ينزع خفه بسببها، بل يستطيع أن يمسح على الخفين، بخلاف الجنابة فإنه يجب أن تنزع خفيك.
قال: باب الوضوء من الغائط. قال: أخبر عمرو بن علي وإسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا شعبة، عن عاصم، عن زر، قال: قال صفوان بن عسلان: كنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ في سفر أمرنا أن لا ننزعهما إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم. يعني، ولكن من غائط وبول ونوم لا ننزعهما؛ هذا تقدير الحديث: أن لا ننزعهما إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم لا ننزعهما.
باب الوضوء من الريح. قال: أخبرنا قتيبة، عن سفيان، عن الزهري، وأخبرني محمد بن منصور، عن سفيان، قال: حدثنا الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعباد بن تميم، عن عمه وهو عبد الله بن زيد، قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يجد الشيء في الصلاة، قال: «لا ينصرف حتى يجد الشيء». يعني يشك أنه أخرج ريحًا، قال: «لا ينصرف حتى يجد ريحًا أو يسمع صوتًا»، فلا تنصرف حتى تتأكد أنك سمعت صوتًا أو تشم ريحًا، حتى لا تقع في الوسواس.
الوضوء من النوم: قال أخبرنا إسماعيل بن مسعود وحميد بن مسعدة، قال حدثنا يزيد بن زريع، قال حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإنه لا يدري أين باتت يده». قال: هذا مر معي التعليق عليه في بداية الكتاب.
قال: باب النعاس: أخبرنا بشر بن هلال، قال حدثنا عبد الوارث، عن أيوب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا نعس الرجل وهو يصلي فلينصرف، لعله يدعو على نفسه وهو لا يدري».
لاحظ هنا كيف استفيدت قضية باب الوضوء من النوم من حديث: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء». ما وجه الشاهد؟ من يعرف كيف ربطها بالترجمة؟ أحسنت، أنه إذا استيقظت من النوم لماذا ستغمس يديك في الإناء عادة حتى تتوضأ؟ فهذا يدل بدلالة خفية أن النوم ينقض الوضوء، فإذا استيقظت من نومك تريد أن تتوضأ فلا تغمس يدك حتى تغسلها، فهذا استنباط خفي جميل في أن النوم ينقض الوضوء.
قال رحمه الله: باب الوضوء من مس الذكر: قال أخبرنا هارون بن عبد الله، حدثنا معن، حدثنا مالك والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، عن ابن القاسم، قال حدثنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم، أنه سمع عروة بن الزبير يقول: دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما يكون من الوضوء، فقال مروان: من مس ذكره الوضوء؟ فقال عروة: ما علمت ذلك. فقال مروان: أخبرتني بسرى بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مس ذكره فليتوضأ». فمس الذكر ينقض الوضوء.
قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة، قال حدثنا عثمان بن سعيد، عن شعيب، عن الزهري، قال أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن عمر بن حزم، أنه سمع عروة بن الزبير يقول: ذكر مروان في إمارته على المدينة أنه يتوضأ من مس الذكر إذا أفضى إليه الرجل، مروان الذي هو مروان بن الحكم. قال: فأنكرت ذلك وقلت: لا وضوء على من مسه. فقال مروان: أخبرتني بسرى بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ ذكر ما يتوضأ منه، فقال رسول الله ﷺ: «ويتوضأ من مس الذكر». قال عروة: فلم أزل أمارِي مروان حتى دعا رجلاً من حرسه فأرسله إلى بسرى، فسألها عما حدثت مروان، فأرسلت بسرى إليه بمثل الذي حدثني عنه.
عروة لم يقتنع ابتداء بما قاله مروان بن الحكم، فاضطر مروان أن يبعث إلى بسرى: تعالي حدثيني عروة أنني صادق، أن النبي ﷺ توضأ أو أمر بالوضوء من مس الذكر.
قال: باب ترك الوضوء من ذلك: قال أخبرنا هناد، عن ملازم بن عمر، قال حدثنا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق بن علي، عن أبيه طلق بن علي قال: أخرجنا وفد حتى قدمنا على رسول الله ﷺ فبايعناه وصلينا معه، فلما قضى الصلاة جاء رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله، ما ترى في رجل مس ذكره في الصلاة؟ قال: «وهل هو إلا مضغة منك أو بضعة منك؟».
هذا الحديث منسوخ أو مرجوح، وأكثر أهل العلم على أنه منسوخ لأنه يدل على عدم الوضوء من مس الذكر، وقال: «وهل هو إلا بضعة منك»، يعني الذكر ما هو إلا قطعة لحم منك، فلو مسست أي قطعة لحم منك لا تنقض الوضوء فالذكر مثلها، لكن هذا الحديث منسوخ وحديث بسرى هو الصحيح عند أكثر أهل العلم.
قال: باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة: قال أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، عن ليث، قال أخبرنا ابن الهاد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن عائشة قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليصلي وإني لمعته بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله. وهذا يدل على أن من مس زوجته بدون شهوة لا ينتقض وضوءه.
قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال حدثنا يحيى، عن عبيد الله، قال سمعت القاسم بن محمد يحدث عن عائشة قالت: لقد رأيتموني معترضة بين يدي رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ تنام معترضة، يعني أمام النبي ﷺ بالعرض والنبي ﷺ يصلي، ما هي الغرفة النبوية؟ صغيرة، عائشة تنام بالعرض وهو يصلي وهي أمامه، فإذا أراد أن يوتر كأنه يوقظها فيمس.
قال: فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فضممتها إلي أحياناً أثناء السجود، حتى تسع له فيغمزها، يقرصها بيده. قال: أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن ابن نظر، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطته. والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، لذلك كان البيت معتماً، فكانت طريقتها أن يغمز.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله المبارك ونصير بن الفرج واللفظ له، قال حدثنا أبو أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن عائشة رضي الله عنها. وكما ذكر في الحاشية، هي لماذا قالت: «والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح»؟ كأنها أرادت أن تعتذر لنفسها؛ أنه لو كان البيت مضاءً لعرفت أنه سجد فسحبت بدون الحاجة أن يقرصها، فهي ما كانت تعرف أنه سجد لأن البيت معتم فيقرصها فتعرف.
قالت: فقدت النبي ﷺ ذات ليلة، فجعلت أطلبه بيدي، فوقعت يدي على قدميه وهما منصوبان، وهو خرج من بيت عائشة فقام في المسجد. فعائشة يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ. قال أبو عبد الرحمن: ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلاً. وقد روى هذا الحديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة.
قال: باب الوضوء ومما غير: هذا يدل على أن من قبل زوجته بدون شهوة لا ينتقض وضوءه، وهي تدخل ضمن عموم المسيس، أي مسيس بدون شهوة حتى ولو كان قبلة لا ينتقض.
باب الوضوء: مما غيرت النار. قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا إسماعيل، عن عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري.
سريع بالنسبة في هذه الدورة موضوع علل الحديث وتعليقات النسائي على علل الحديث، لن أتطرق إليها؛ لأن هذه تحتاج إلى تخصصية لا توجد عند عامة أهل المجلس، فلا فائدة من التعليق عليها، سأختصر على التعليق على متن الحديث.
قال: عن عمر بن عبد العزيز، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارض، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «توضؤوا مما مست النار». قال: حدثنا شعب بن عبد الملك، قال: حدثنا... وهذا منسوخ في بادئ الأمر؛ كان أي شيء طبخ على النار يجب أن تتوضأ بعد أكله، رزًا أو لحمًا، ثم نُسخ ذلك.
قال: حدثنا هشام بن عبد الملك، قال: حدثنا محمد بن حرب، قال: حدثنا الزبيدي، عن الزهري، أن عمر بن عبد العزيز أخبره، أن عبد الله بن قارض أخبره، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «توضؤوا مما مست النار».
قال: أخبرنا ربيع بن سليمان بن داود، قال: حدثنا إسحاق بن بكر وهو ابن مضر، قال: حدثني أبي، عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن محمد بن مسلم، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن إبراهيم بن قارض، قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ على ظهر المسجد، فقال: أكلت أثوار أقط؟ قال: أكلت أثوار أقط. فالأقط هو الجميد، والمراد أثوار الأقط يعني قطع جميد، والجميد طبخ على النار حتى يصبح جميدًا، وأيضًا مما طبخ على النار، فكان الأصل أن يتوضأ، لكنه لم يتوضأ لأنه منسوخ.
قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يأمر بالوضوء. أبو هريرة توضأ منها ويقول: إني سمعت النبي ﷺ يأمر بالوضوء مما مست النار، لكن هذا منسوخ؛ يعني الوضوء مما طبخ على النار منسوخ.
قال: أخبرنا إبراهيم، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا أبي، عن حسين المعلم، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الرحمن بن عمر الأوزاعي، أنه سمع المطلب بن عبد الله بن حنطب يقول: قال ابن عباس: أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلاله لأن النار مسته؟ فجمع أبو هريرة حصى فقال: أشهد عدد هذا الحصى أن رسول الله ﷺ قال: «توضؤوا مما مست النار».
قال: أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن عبد الله بن عمرو، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «توضؤوا مما مست النار».
قال: أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن عبد الله بن عمرو، قال: محمد القاري عن أبي أيوب، قال: قال النبي ﷺ: «توضؤوا مما غيرت النار».
قال: أخبرنا عبيد الله بن سعيد وهارون بن عبد الله، قال: حدثنا حرمي وهو ابن عمارة بن أبي حفصة، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت يحيى بن جعدة يحدث، عن عبد الله بن عمرو القاري، عن أبي أيوب، أن رسول الله ﷺ قال: «توضؤوا مما غيرت النار».
قال: أخبرنا هارون بن عبد الله، حدثنا حرمي بن عمارة، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن ابن شهاب، عن ابن أبي طلحة، عن أبي طلحة، أن النبي ﷺ قال: «توضؤوا مما أنضجت النار».
قال: أخبرنا شعب بن عبد الملك، قال: حدثنا محمد بن حرب، حدثنا الزبيدي، قال: أخبر الزهري، أن عبد الملك بن أبي بكر أخبره، أن خارجة بن زيد بن ثابت أخبره، أن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «توضؤوا مما مست النار».
قال: أخبرنا شعب بن عبد الملك، قال: حدثنا ابن حرب، حدثنا الزبيدي، عن الزهري، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره، عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس بن شريق، أنه أخبره أنه دخل على أم حبيبة زوج النبي ﷺ وهي خالته، فسقته سويقة، ثم قالت له: توضأ يا ابن أختي؛ فإن رسول الله ﷺ قال: «توضؤوا مما مست النار». والسويق هو عبارة عن دقيق الحنطة أو الشعير، وكان يطبخ على النار، فتصبح سويقًا.
قال: فإن رسول الله ﷺ قال: «توضؤوا مما مست النار». قال: أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود، قال: حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر، قال: حدثني بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن محمد بن مسلم بن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس، أن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قالت له: شربت سويقًا يا ابن أختي، فتوضأ؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «توضؤوا مما مست النار». وهذه الأحاديث كلها منسوخة كما قلنا بما سيأتي في الباب القادم.
باب ترك الوضوء مما غيرت النار. قال: أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة، أن رسول الله ﷺ أكل كتفًا، فخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. والكتف هو أكل كتف شاه مشوية على النار، ومع ذلك لم يتوضأ.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا ابن جريج، عن محمد بن يوسف، عن سليمان بن يسار، قال: دخلت على أم سلمة فحدثتني أن رسول الله ﷺ كان يصبح جنبًا من غير احتلام ثم يصوم. وحدثنا مع هذا الحديث أنها حدثت أنها قربت إلى النبي ﷺ جنبًا مشويًا فأكل منه، ثم قام للصلاة ولم يتوضأ. وكان يصبح جنبًا أي من جماع وليس من احتلام؛ فمن خصائصه ﷺ أنه لم يكن يحتلم كما يحتلم الرجال.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا ابن جريج، قال: حدثني محمد بن يوسف، عن ابن يسار، عن ابن عباس، قال: شهدت رسول الله ﷺ أكل خبزًا ولحمًا ثم قام للصلاة ولم يتوضأ. قال: أخبرنا عمرو بن منصور...
حدثنا علي بن عياش، قال حدثنا شعيب عن محمد بن المنكدر، قال سمعت جابر بن عبد الله، قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار.
أصرح حديث في النسخ: «كان آخر الأمرين من أحواله ترك الوضوء مما طبخ على النار فنسخ وجوب الوضوء مما طبخ على النار».
قال: باب المضمضة من السويق. أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له، عن ابن القاسم، قال: حدثني مالك -وهو ابن أنس- عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار مولى بني حارثة، أن سويد بن النعمان أخبره أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء -وهي من أدنى خيبر- صلى، ثم دعا بالأزواد -يعني الطعام- فلم يؤتَ إلا بالسويق، فأمر به فثُر، فأكل وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فتمضمض ثم صلى ولم يتوضأ. قال: فثُر، يعني بل بالماء.
قال: باب المضمضة، وهذا موطن الشاهد: «فأكل وأكلنا ثم قام إلى المغرب فتمضمض»، يشرع منه المضمضة أو يستحب له المضمضة، هذا ما أراده النسائي.
قال: باب المضمضة من اللبن. أخبرنا قتيبة، قال حدثنا ليث عن عقيل عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، أن النبي ﷺ شرب لبنا ثم دعا بماء فتمضمض. هذا اللبن إذا شربته يسن له المضمضة بعده.
قال: ذكر ما يوجب الغسل وما لا يوجبه. قال رحمه الله: باب غسل الكافر إذا أسلم. أخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا يحيى، حدثنا سفيان عن الأغر -وهو ابن الصباح- عن خليفة بن حسين عن قيس بن عصم، أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر. استدل بهذا على أن الكافر إذا أسلم يجب عليه الغسل.
قال: باب تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم. أخبرنا قتيبة، وحدثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد، أنه سمع أبا هريرة يقول: إن ثمامة بن أثال الحنفية انطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. يا محمد! والله إذا هو اغتسل قبل أن يسلم، فهذا يدل على أن الكافر له أن يقدم الغسل على الإسلام، وهذا موطن الشاهد.
قال: «يا محمد، والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟»، فبشره النبي ﷺ وأمره أن يعتمر. مختصر، هذا رجل ثمامة بن أثال أهل اليمامة، اعتقله الصحابة وهو ذاهب إلى العمرة، وكان مشركا يعتمر على الشرك فاعتقل وربطوه في المسجد وقصته طويلة، فذهب فاغتسل ثم أسلم.
قال رحمه الله: باب الغسل من مواراة المشرك. أخبر محمد بن مثنى عن محمد، قال حدثني شعبة عن أبي إسحاق، قال سمعت ناجية بن كعب عن علي، أنه أتى النبي ﷺ فقال: إن أبا طالب مات، فقال: «اذهب فوارِه»، قال: إنه مات مشركا، قال: «اذهب فواره»، فلما واريته رجعت إليه فقال لي: «اغتسل». وهذا يدل على أن من دفن مشركا يغتسل. والمشرك نحن لا ندفنه دفنا كما ندفن موتانا، وإنما يوضع في حفرة ويوارى عليه التراب فقط، هكذا نتعامل معه إذا لم يوجد من يستر له جسده من أهل دينه، نلقيه في حفرة ونواريه التراب. وجاء في هذا الحديث أنه أمر من واري التراب على المشرك أن يغتسل، والظاهر أن هذا غسل مسنون عند بعض أهل العلم.
قال: باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان. أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال حدثنا خالد، قال حدثنا شعبة عن قتادة، قال سمعت الحسن يحدث عن أبي رافع عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم اجتهد فقد وجب الغسل». يعني من جامع ولو لم ينزل، من جاء مع امرأته ولو لم ينزل يجب عليه الغسل.
قال: أخبرنا إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني، قال حدثني عبد الله بن يوسف، قال حدثنا عيسى بن يونس، قال حدثنا أشعث بن عبد الملك عن ابن سيرين عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قعد بين شعبها الأربع ثم اجتهد فقد وجب الغسل». قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب أشعث عن الحسن عن أبي هريرة، اجتهد يعني جامع. والصواب أشعث عن الحسن عن أبي هريرة، وقد روى الحديث عن شعبة النضر بن شميل وغيره كما رواه خالد.
قال: باب الغسل من المني. أخبرنا قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر واللفظ لقتيبة، قال حدثنا عبيدة بن حميد، عن ركين بن الربيع، عن حسين بن قبيصة، عن علي، قال: كنت رجلا مذاء، فقال له رسول الله ﷺ: «إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، وإذا فضخت الماء فاغتسل». فضخت الماء بمعنى خرج منك الماء دفقا، وهذا يكون منيا، فإذا خرج الماء دفقا هذا ليس مذيا بل هو مني، لأن المني يخرج انصبابا، هنا يجب الغسل بخلاف المذي.
قال: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال حدثنا عبد الرحمن عن زائدة، وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم واللفظ له، قال حدثنا أبو الوريد، قال حدثنا زائدة عن ركين بن الربيع بن عُميلة الفزاري عن حسين بن قبيصة عن علي، قال: قلت: إني رجل مذاء، فسألت النبي ﷺ فقال: «إذا رأيت المذي فتوضأ واغسل ذكرك، وإذا رأيت فضخت الماء فاغتسل».
قال: باب غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل. أخبرنا إسحاق، يعني المرأة إذا احتلمت عليها الغسل كحال الرجل. أخبرنا إسحاق، حدثنا عبدة، حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس، أن أم سليم سألت رسول الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، قال: «إذا أنزلت الماء فلتغتسل».
قال: أخبرنا كثير بن عبيد، عن محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عروة، أن عائشة أخبرته أن أم سليم كلمت رسول الله ﷺ وعائشة جالسة، فقالت له: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، أرأيت المرأة ترى في النوم ما يرى الرجل؟ فاستغفر من ذلك فقال لهم...
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة: فقلت لها: أفلك؟ أوتري المرأة؟ أوتري المرأة؟ ذلك، فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ففيما يشبهها الولد».
لماذا بعض الأبناء يشبهون أمهاتهم وبعض الأبناء يشبهون آباءهم؟ هذا ناتج من اختلاط الحيوانات المنوية للرجل والحيوانات المنوية للمرأة؛ إذا المني يخرج منها وبهذا يحصل الشبه، واحد يشبه أمه وواحد يشبه أباه، أليس كذلك؟
وهنا أم سليم امرأة كبيرة، فلذلك قالت: «إن الله لا يستحي من الحق». فجملة إن العلم لا حياء فيه، هذا مثل أم سليم، امرأة مسنة كبيرة تأتي تسأل في أمورها الخاصة، قد يقبل منها ما لا يقبل من النساء الشابات، حتى لا نحمل كلام أم سليم على إطلاقه كما مر.
قال رحمه الله: أخبرنا شعيب بن يوسف، قال حدثنا يحيى عن هشام، قال أخبرني أبي عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة، أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟ قال: «نعم إذا رأت الماء». فضحكت أم سلمة فقالت: أتحتلم المرأة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ففيما يشبهها الولد».
وهذا يدل على أن احتلام المرأة قليل جدا مقابل احتلام الرجال، لذلك حتى أم سلمة تنكر ذلك تقول: معقول المرأة تحتلم؟ هذا يدل على أن احتلام المرأة أقل بكثير من احتلام الرجل.
أخبرنا يوسف بن سعيد، قال حدثنا حجاج عن شعبة، قال سمعت عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب، عن خولة بنت حكيم قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة تحتلم في منامها، فقال: «إذا رأت الماء فلتغتسل». قال: باب الذي يحتلم ولا يرى الماء.
أخبرنا عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان، عن عمر، عن عبد الرحمن بن السائب، عن عبد الرحمن بن سعاد، عن أبي أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الماء من الماء». يعني الغسل بالماء إنما يكون من الماء، والماء الثانية بمعنى المني، والماء الأولى بمعنى الغسل؛ الغسل بالماء إنما يكون إذا رأيت الماء، وهذا يدل على أن من تخيل في المنام أنه احتلم ثم استيقظ فلم يجد ماء على ثيابه لا يجب عليه الغسل، حتى ولو كان رأى شيئًا يشتهيه.
قال رحمه الله: باب ماء الرجل وماء المرأة. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال أخبرنا عبدة، قال حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما سبق كان الشبه».
سبحان الله، الأبناء يشبهون آباءهم وأمهاتهم باعتبار أيهما سبق. وما المراد بالسبق هنا؟ أترك المساحة للعلم الحديث حتى يفسرها، ما هو السبق الذي يكون به شبه الابن لأمه أو لأبيه؟ أظن الطب الحديث هو الذي سيقدر منا أن يفسر هذا السبق.
قال: باب ذكر الاغتسال من الحيض. أخبرنا عمران بن يزيد، أخبرنا إسماعيل بن عبد الله العدوي، قال حدثنا الأوزاعي، قال حدثني يحيى بن سعيد، قال حدثني هشام بن عروة عن عروة، عن فاطمة بنت قيس من بني أسد من بني قريش، أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أنها تستحاض، فزعمت أنه قال: «إنما ذلك عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة».
فالفرق بين الاستحاضة والحيض أن الاستحاضة حالة مرضية، يخرج الدم من المرأة بحالة مرضية، بخلاف الحيض فهو حالة صحية؛ تحيض المرأة ستة أو سبعة أيام، فالحيض يوجب الغسل، وأما الاستحاضة فتوجب فقط الوضوء ولا غسل فيها.
قال: «فإذا أدبرت فاغتسلي عنك الدم ثم صلي». أخبرنا هشام بن عمار، قال حدثنا سهل بن هاشم، قال حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا أدبرت فاغتسلي». يعني إذا جاء وقت العادة الشهرية اترك الصلاة، فإذا ذهب وقت عادتك تغتسلين وتصلين، حتى ولو كان هناك استحاضة.
أخبرنا عمران بن يزيد، قال حدثنا إسماعيل بن عبد الله، قال حدثنا الأوزاعي، قال حدثنا الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: استحاضت أم حبيبة بنت جحش سبع سنين، فاشتكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبع سنين وهي ترى الدم، سبحان الله، سبع سنين لا يتوقف الدم! هذه استحاضة شديدة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذه ليست بالحيض، ولكن هذا عرق، فاغتسلي ثم صلي». عرق، يعني هذا عرق ينزف وليست حيضة.
أخبرنا الربيع بن سليمان بن داوود، قال حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الهيثم بن حميد، قال أخبرني النعمان، الأوزاعي، وأبو معيد، وهو حفص بن غيلان، عن الزهري، قال أخبرني عروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: استحاضت أم حبيبة بنت جحش، امرأة عبد الرحمن بن عوف، وهي أخت زينب بنت جحش، قالت فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي، وإذا أقبلت فاتركي الصلاة».
قالت عائشة: فكانت تغتسل لكل صلاة وتصلي، وكانت تغتسل أحيانًا في مركن في حجرة أختها زينب وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تغتسل لكل صلاة، هذا كان باجتهاد ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، أن المستحاضة لا تغتسل لكل صلاة، قالوا هذا باجتهاد شخصي. وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إن حمرة الدم لتعلو الماء وتخرج فتصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يمنعها ذلك من الصلاة.
أخبرنا محمد بن سلمة، قال حدثنا ابن وهب، عن عمر بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن أم حبيبة ختنته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحت عبد الرحمن بن عوف. استُحيضت سبع سنين. ختن، لماذا هي ختن؟ لأنها أخت زوجته، هي أخت زينب بنت جحش، لذلك لو سألتك ما القرابة بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم هي ختنته، يعني أخت مرتك، ختن لك كما في العرف.
قال: استفتت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي». أخبرنا قتيبة، قال حدثنا ليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إني أستحيض، فقال: «إنما ذلك عرق، فاغتسلي وصلي». فكانت تغتسل لكل صلاة، هذا اجتهادها.
أخبرنا قتيبة، قال حدثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة: أن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم، قالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دمًا، فقال لها: «أمركن هو تسط؟» كانت تجلس فيه. فقال لها رسول الله ﷺ: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي».
أخبرتنا قتيبة مرة أخرى ولم يذكر جعفراً، قال: أخبرنا قتيبة عن مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة: أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله ﷺ، يعني ينزل دمها بشكل مستمر. قالت: فاستفتت لها أم سلمة النبي ﷺ، فقال لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستتر؛ أي المراه المستحاضة عليها أن تضع قطناً على مكان خروج الدم من فرجها حتى تمنع خروج الدم أثناء الصلاة، هذا معنى الاستتار: وضع القطن أو الخرقة على الفرج منعاً لخروج الدم أثناء صلاتها.
قال رحمه الله: باب ذكر الأقراء. قال: أخبرنا الربيع بن سليمان بن داوود بن إبراهيم، قال حدثنا إسحاق بن بكر، قال حدثني أبي، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عن عائشة: أن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وأنها استحدت لا تطهر، فذكر شأنها لرسول الله ﷺ فقال: «إنها ليست بالحيض ولكنها عرق من الرحم، فلتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض لها فلتترك الصلاة، ثم تنظر ما بعد ذلك فلتغتسل». ومعنى أنها عرق من الرحم، يعني كأنها مشكلة في الرحم.
أخبرنا محمد بن المثنى، قال حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة: أن أم حبيبة بنت جحش كانت تستحاض سبع سنين، فسألت النبي ﷺ، وأراد الله -والله أعلم- أن يثبت أن الأقراء يقصد بها الحيض وليس الطهر، والمطلقات يتربصن ثلاثة قروء؛ لأن في خلاف ما هو القرء: هل هو الطهر أو الحيض؟ وأراد أن يثبت أن القرء هو الحيض بدليل قوله: «فلتنظر قدر قرئها» يعني قدر حيضها، هذا يدل على أن القرء في القرآن هو الحيض وليس الطهر. فقال: «ليست بالحيض وإنما هو عرق»، فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها وتغتسل وتصلي، فكانت تغتسل عند كل صلاة.
أخبرنا عيسى بن حماد، قال حدثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله، عن المنذر بن المغيرة، عن عروة: أن فاطمة بنت أبي حبيش حدثت أنها أتت رسول الله ﷺ فشكت إليه الدم، فقال لها رسول الله ﷺ: «إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتاك قرؤك»؛ يعني حيضك، إذا القرء هو الحيض، «فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي». ما بين القرء إلى القرء، هذا الدليل على أن الأقراء حيض.
قال أبو عبد الرحمن: وقد روى هذا الحديث هشام بن عروة عن عروة ولم يذكر فيه ما ذكر المنذر. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال أخبرنا عبده ووكيع وأبو معاوية، قال وحدثنا هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني امرأة محاض فلا أطهر، فقال ﷺ: «لا، إنما ذلك عرق، وليست بالحيض، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي».
قال: باب ذكر تسريح المستحاضة. قال: أخبرنا محمد بن بشار، قال حدثنا محمد، قال حدثنا شعب، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أن امرأة مستحاضة أتت رسول الله ﷺ، قيل لها: إنه عرق عنيد، وأمرت أن تؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتغتسل لصلاة الصبح غسلاً واحداً.
قال: باب وهذا على وجه الاستحباب وليس على وجه الإلزام؛ لأن المستحاضة لا يلزمها الغسل وإنما يلزمها الوضوء، وإنما يلزم الغسل الحائض فقط.
قال: باب الاغتسال من النفاس. قال: أخبرنا محمد بن قدامة، حدثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله في حديث أسماء بنت عميس حين نفست بذي الحليفة، أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر: «مرها أن تغتسل وتهل». لأنها كانت في حجة الوداع، فهي زوجة أبي بكر، وهي أسماء بنت عميس، كانت زوجة جعفر بن أبي طالب، فلما استشهد في غزوة مؤتة تزوجها أبو بكر الصديق، فأنجمبت له محمد بن أبي بكر الصديق.
قال: باب الفرق بين دم الحيض ودم النفاس. قال: أمرها أن تغتسل وتهل، فالمرأة النفساء أو الحائض، نفاسها وحيضها لا يمنعها من الإحرام؛ فالإحرام لا يشترط له الطهارة، كثير من النساء تسأل وتظن أن الحيض يمنع من الإحرام، والإحرام لا يشترط له الطهارة، وإنما الطهارة تشترط للطواف بالكعبة والسعي بين الصفا والمروة.
قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن المثنى، قال حدثنا ابن أبي عدي، عن محمد وهو ابن عمر بن علقمة بن وقاص، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها رسول الله ﷺ: «إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان عرقاً فتوضئي».
فمن الفوارق بين دم الحيض والاستحاضة أن دم الحيض أسود يعرف برائحته عند النساء، أما دم الاستحاضة فدم أحمر مثل الدم الطبيعي، وصفته غير صفة دم الحيض.
أخبرنا محمد بن المثنى، قال حدثنا ابن أبي عدي -هذا من كتابه-، أخبرنا محمد بن المثنى قال حدثنا ابن أبي عدي من حفظه، قال حدثنا محمد بن عمر عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها رسول الله ﷺ: «إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فامسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي».
قال أبو عبد الرحمن: قد روى هذا الحديث غير واحد، لم يذكر أحد منهم ما ذكر ابن أبي عدي، والله أعلم. بأبي حبيش جزاها الله خيرًا، عرفت النساء أحكام الاستحاضة، لاحظوا كم مرة كرر النساء حديثها، أكثر من خمس عشرة مرة يكرر النساء حديثها.
أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي، قال حدثنا حماد وهو بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: استحت فاطمة بنت أبي حبيش فسألت النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله إني أستحيض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: «إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك أثر الدم وتوضئي، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة».
«فاغسلي عنك أثر الدم وتوضئي»؛ لم يأمرها بالغسل. قيل له: فالغسل؟ قال: ذلك لا يشك فيه أحد. قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث «وتوضئي» غير حماد بن زيد، لا يشك في أحد، المراد الغسل بعد انتهاء الحيضة، أنه يجب عليها أن تغتسل بعد انتهاء حيضتها ولو رأى الدم، هذا لا يشك فيه أحد، وليس مراد الغسل لكل صلاة.
وقد روى غير واحد عن هشام ولم يذكر فيه «وتوضئي». أخبرنا قتيبة بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش: يا رسول الله ﷺ، يا رسول الله لا أطهر فأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: «إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي».
أخبرنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام، حدثنا خالد بن الحارث، قال سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه، عن عائشة: أن بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله إني لا أطهر فأترك الصلاة، قال: «لا، إنما هو عرق». قال خالد فيما قرأت عليه: «وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي».
باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم: أخبرنا سليمان بن داوود والحارث بن مسكينة، قراءة عليها وأنا أسمع واللفظ له، عن ابن وهب، عن عمر بن الحارث، عن بكير، أن أبا السائب أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «لا يغسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب». مر معنا أنه لا يجوز البول في الماء الراكد، كذلك لا يجوز الغسل في الماء الراكد؛ لأنك تقذر على إخوانك.
باب الوصول للجنب: أما إذا كنت مشت جنبًا فقط للتبرد فما في مشكلة، أما للجنب بالتحديد. باب النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه: أخبر محمد بن عبد الله بن يزيد المقر، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل منه».
باب ذكر الاغتسال أول الليل: أخبرنا عمر بن هشام، قال حدثنا مخلد عن سفيان، عن أبي العلاء، عن عبادة بن نسي، عن غضيف بن الحارث أنه سأل عائشة: أي الليل كان يغتسل رسول الله ﷺ؟ قالت: «ربما اغتسل أول الليل، وربما اغتسل آخره». قلت: الحمد لله، هذا مراد إذا جاء مع زوجته في الليل متى يغتسل؟ هل يغتسل مباشرة ولا يؤخر الغسل إلى قبيل الفجر؟ فقالت: كل ذلك. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.
باب اغتسال أول الليل وآخره: أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي، أخبرنا حماد، عن مخلد، عن عبادة بن نسي، عن غضيف بن الحارث قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها فسألتها: قلت كان رسول الله ﷺ يغتسل من أول الليل أو من آخره؟ قالت: «كل ذلك، ربما اغتسل من أوله وربما اغتسل من آخره». قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.
باب ذكر الاستتار عند الاغتسال: أخبر مجاهد بن موسى، قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال حدثني يحيى بن الوليد، قال حدثني محل بن خليفة، قال حدثني أبو السمح، قال: كنت أخدم رسول الله ﷺ، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: «ولني قفاك»، فوليته قفاي فاستره به؛ يعني أعطني ظهرك حتى تسترني بظهرك، وهذا يدل على الاستتار أثناء الغسل.
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن مالك، عن سالم، عن أم هانئ مولاة عقيل بن أبي طالب، أنها ذهبت إلى النبي ﷺ يوم الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة تستره بثوب. «فاطمة تستره بثوب»، هذا يدل أيضًا على الاستتار أثناء الاغتسال. قال: فوجدته يغتسل وفاطمة تستره بثوب فسلمت، فقال: «من هذا؟» فقلت: أم هانئ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات في ثوب ملتحف به، ثماني ركعات هذه كانت سنة الضحى.
باب ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل: أخبرنا محمد بن عبيد، قال حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن موسى الجهني، قال: أتي مجاهد بقدح حذرته ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان يختصر بمثل هذا، وهو مقدار الصاع، ثمانية أرطال بمقدار الصاع، والصاع كما قلنا كيلوان تقريبًا.
أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال حدثنا خالد، قال حدثنا شعيب بن بكر بن حفص، سمعت أبا سلمة يقول: دخلت على عائشة رضي الله عنها وأخوها من الرضاعة، فسألها عن غسل النبي ﷺ، فدعت بناً فيه ماء قدر صاع فسترت سترًا، فاستترت فاستترت فاغتسلت فأفرغت على رأسها ثلاثًا. أخبرنا قتيبة، عن عائشة كان معها أخوها من الرضاعة فسألها عن غسل النبي ﷺ، فسترت سترًا، وضعت حاجزًا فاغتسلت، أفرغت على رأسها ثلاثًا. أخبرنا قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت كان...
«كان رسول الله ﷺ يغتسل في القدح، وهو الفرق، وكنت أغتسل أنا وهو في إناء واحد».
قال أخبرنا سويد بن نصر، قال حدثنا عبد الله، قال حدثنا شعب، عن عبد الله بن جبر، قال سمعت أنس بن مالك يقول: «كان رسول الله ﷺ يتوضأ بمكوك، واغتسل بخمسة مكاك، مرة بعد خمس مكاك»، يعني صاع وشوي.
قال أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي جعفر، قال: تمرّينا في الغسل عند جابر بن عبد الله، فقال جابر: «يكفي من الغسل من الجنابة صاع من ماء». قال قلنا: ما يكفي؟ صاع ولا صعان؟ قال جابر: «قد كان يكفي من كان خيراً منكم وأكثر شعراً». فجابر قال: كيف لا يكفيكم وقد كان يكفي الصاع من هو خير منكم وأكثر شعراً منكم؟ يقصد النبي ﷺ.
قال: باب ذكر الدلالة على أنه لا وقت في ذلك. قال أخبرنا سويد بن نصر، قال حدثنا عبد الله، عن معمر، عن الزهري. يعني لا توقيت، لا يوجد حد معين لكمية الماء التي تغتسل بها، لكن المنهي عنه الإسراف. أما هل هناك توقيت أو كمية معينة لازم تغتسل بها أكثر منها أو أقل منها؟ هناك سنة عامة عن النبي ﷺ، والأمر فيه سعة ما لم يصل إلى حد الإسراف.
قال وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال حدثنا عبد الرزاق، أخبر معمر، وابن جريج، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وهو قدر الفرق».
قال: باب ذكر اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد. قال أخبرنا سويد بن النصر، قال أخبرنا عبد الله، عن هشام بن عروة. وأخبرنا قتيبة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: «أن رسول الله ﷺ كان يغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد نغترف منه جميعاً».
قال أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال حدثنا خالد، قال حدثنا شعبة، قال حدثني عبد الرحمن بن القاسم، قال سمعت القاسم يحدث عن عائشة، قال: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد من الجنابة». وهذا الباب عقده للدلالة على أن الرجل يجوز أن يغتسل مع امرأته من الجنابة.
قال أخبرنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبيدة بن حميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «لقد رأيتني أنازع رسول الله ﷺ الإناء، أغتسل أنا وهو منه». قال أنازع يعني أنا آخذ شوي وهو يأخذ شوي، أنا آخذ شوية وهو يأخذ شوي.
قال أخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا يحيى، قال حدثنا سفيان، قال حدثني منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد».
قال أخبرنا يحيى بن موسى، عن سفيان، عن عمر، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: «أخبرتني خالتي ميمونة أنها كانت تغتسل ورسول الله ﷺ من إناء واحد».
قال أخبرنا سويد بن نصر، قال حدثنا عبد الله، عن سعيد بن يزيد، قال سمعت عبد الرحمن بن هرمز الأعرج يقول، وحدثني نعيم مولى أم سلمة رضي الله عنها، أن أم سلمة سئلت عن الاغتسال، قالت: «رأيتني ورسول الله ﷺ نغتسل من مركن واحد، نفيض على أيدينا حتى ننقي، حتى نفيض عليها الماء». فقال الأعرج: لا تذكر فرجاً ولا تبالي.
قال: باب ذكر النهي عن الاغتسال بفضل الجنب. قال أخبرنا قتيبة، قال حدثنا أبو عوانة، عن داوود الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن، قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ كما صاحبه أبو هريرة رضي الله عنه أربع سنين، قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يمْتَشط أحدنا كل يوم، أو يبول في مغتسله، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة، أو المرأة بفضل الرجل».
الرجل يسن له أن يمْتَشط غِبّاً كما جاء في الحديث، أن الرجل لا يمْتَشط كل يوم، وإنما السنة أن يمْتَشط ويدهن غِبّاً، يوماً يدهن ويوماً لا، ما كان يمْتَشط كل يوم، إنما الذين يمْتَشطون كل يوم حال النساء، اللواتي هن حريصات على التدلل والتنعم.
قال: «ول أغترف جميعاً». قال: باب الرخصة في ذلك. أخبرنا محمد بن بشار، عن محمد، قال حدثنا شعبة، عن عاصم. وأخبرنا سويد بن نصر، وأخبرنا عبد الله، عن عاصم، نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة. وهذا عليه بعض أهل العلم؛ أن الرجل إذا اغتسلت المرأة من طست لا يغتسل من هذا الطست بعد أن تغتسل هي منه، والعكس إذا اغتسل الرجل ثم تأتي المرأة لا تغتسل من نفس الطست. وإنما السنة أن يغتسلا جميعاً، إذا اغتسل مع بعضهما البعض ما في مشكلة يغتسلا من طست واحد، أما إذا اغتسل الأول فالثاني لا يأتي يغتسل من نفس الطست. لماذا؟ قالوا هذه مسألة تعبدية الله أعلم بها. وبعض أهل العلم قال: هذا منسوخ، ويجوز للمرأة أن تغتسل بفضل الرجل، ويجوز للرجل أن يغتسل بفضل المرأة، وهذا أكثر أهل العلم عليه، أن هذا منسوخ.
قال عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، يبادر مني وبادره، حتى يقول: دعي لي، وأقول: أنا دعي لي». قال سويد: يبادر ويبادره، فاقول: دع لي، دع لي، تمازح أثناء الغسل، يعني خلي لي شوي لا أنا خلي لي شوي، نوع من التمازج أثناء عملية الاغتسال والرضاً طلباً للحاجة.
قال: باب ذكر الاغتسال في القصعة التي يعجن فيها. قال أخبرنا محمد بن بشار، قال حدثنا عبد الرحمن، قال حدثنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ: «أن رسول الله ﷺ اغتسل هو وميمونة من إناء».
واحد في قصعة فيها أثر العجين، قال هذا من حاله البسيطة ﷺ، فكان زاهداً؛ فالإناء الذي يطبخون فيه هو الإناء الذي يغتسلون منه، نفس الإناء ينطبق فيه العجين ونفس الإناء الذي يغتسل فيه.
قال: باب ذكر ترك المرأة نقض ظفر رأسها عند اغتسالها من الجنابة. المرأة إذا كان شعرها ضفائر لا يلزمها أن تنقض ضفائرها، لها أن تغتسل وشعرها ضفائر، هذا في الجنابة، أما في الحيض فيلزمها نفض هذه الضفائر.
قال: أخبرنا سليمان بن منصور، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة رضي الله عنها، زوج النبي ﷺ، قالت: قلت: «يا رسول الله، إني امرأة شديدة ضفائر رأسي، أفأنقضها عند غسلي من الجنابة؟» قال: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضين على جسدك».
قال: باب ذكر الأمر بذلك للحائض عند الاغتسال للإحرام. قال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا أشهب، عن مالك، عن ابن شهاب وهشام بن عروة، حدثه عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فأهللت، فذكر الأمر بذلك، يعني باب ذكر الأمر بنقض الضفائر إذا اقتصرت من حيضها.
هذا يدل على الفرق بين الجنب والحائض في هذا الباب. قالت: «فقدمت مكة وأنا حائض، فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: انقضي رأسك». فامرها أن تفك الضفائر لغسل الحيض. قالت: «وأهلت بالحج ودعي العمرة ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلني مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فقال: هذه مكان عمرتك». قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث غريب من حديث مالك عن هشام بن عروة، لم يروه أحد إلا أشهب، لكنه حديث صحيح.
قال: باب ذكر غسل الجنب يده قبل أن يدخلها الإناء. قال: أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا حسين، عن زائدة، قال: حدثنا عطاء بن سائب، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثتني عائشة، أن رسول الله ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة وضع له الإناء، فيصب على يديه قبل أن يدخلهما الإناء، حتى إذا غسل يديه أدخل يده اليمنى في الإناء، ثم صب باليمنى وغسل فرجه باليسرى، حتى إذا فرغ صب باليمنى على اليسرى فغسلهما، ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً، ثم يصب على رأسه ملء كفيه ثلاث مرات، ثم يفيض على جسده.
إن المتوضئ يسن له أن يغسل يديه قبل الوضوء، وكذلك الغسل؛ يسن أن تغسل يديك قبل أن تدخلهما الإناء.
قال: باب ذكر عدد غسل اليدين قبل إدخاله للإناء. قال: أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا شعبة، عن عطاء بن سائب، عن أبي سلمة، قال: سألت عائشة عن غسل رسول الله ﷺ من الجنابة، فقالت: «كان رسول الله ﷺ يفرغ على يديه ثلاثاً ثلاثاً». إذاً هذا هو السنة: ثلاث مرات.
قال: ثم يغسل فرجه مما عليه من المني، ثم يغسل يديه، ثم يمضمض ويستنشق، ثم يفرغ على رأسه ثلاثاً، ثم يفيض على سائر جسده.
قال: باب إزالة الجنب الأذى عن جسده بعد غسل يديه. قال: الأذى المراد به المني الذي يكون من الرجل أثناء عملية الجماع.
قال: أخبرنا محمود بن غيلان، حدثنا نضر، أخبر شعبة، حدثنا عطاء بن سائب، قال: سمعت أبا سلمة أنه دخل على عائشة فسألها عن غسل رسول الله ﷺ من الجنابة، فقالت: «كان النبي ﷺ يؤتى بالإناء، فيصب على يديه ثلاثاً، فيغسلهما، ثم يصب بيمينه على شماله فيغسل ما على فخذيه، ثم يغسل يديه، ويتمضمض ويستنشق، ويصب على رأسه ثلاثاً».
غسل ما على فخذيه أي من المني، طبعاً سيأتي معنا أن المني طاهر، وأن غسل المني إنما هو لكمال النظافة وليس لأنه نجس، لذلك سماه أذى ولم يسمه نجساً.
قال: ثم يفيض على سائر جسده. قال: باب إعادة الجنب غسل يديه بعد إزالة الأذى عن جسده. قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عمر بن عبيد، عن عطاء بن سائب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: وصفت عائشة غسل النبي ﷺ من الجنابة، قالت: «كان يغسل يده ثلاثاً، ثم يفيض بيده اليمنى على اليسرى، فيغسل فرجه وما أصابه». قال عمر: ولا أعلمه إلا قال: «يفيد بيده اليمنى على اليسرى ثلاث مرات، ثم يتمضمض ثلاثاً ويستنشق ثلاثاً، ويغسل وجهه ويديه ثلاثاً، ثم يفيض على رأسه ثلاثاً، ثم يصب عليه الماء».
قال: باب ذكر وضوء الجنب قبل الغسل. قال: أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه الماء فيخل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف، ثم يفيض الماء على جسده كله. "يدخل أصابعه الماء" هو المراد، يدخل كل يديه الماء، أما الأصابع فيدخلها في أصول الشعر.
قال: باب تخليل الجنب رأسه. قال: أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا حبان، قال: في الجنابة أنت تخلل الشعر، ولا يكفي المسح؛ في الوضوء أنت تمسح، في الجنابة لا بد تغسل وتدخل أصابعك حتى يصل الماء إلى أصول الشعر.
قال: حدثنا هشام بن عروة، قال: حدثني أبي، قال: حدثتني عائشة عن غسل النبي ﷺ من الجنابة، أنه كان يغسل يديه ويتوضأ ويخلل رأسه حتى يصل إلى شعره، ثم يفرغ على سائر جسده. قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله ﷺ كان يصب على رأسه ثم يحثي عليه ثلاثاً؛ لاحظ يصب على رأسه الماء.
قال: باب ذكر ما يكفي الجنب من إفاضة الماء على رأسه. قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن جبير بن مطعم، قال: تماروا في الغسل عند رسول الله ﷺ، فقال بعض القوم: إني لا أغسل كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ: «أما أنا فأفيء الماء على رأسي ثلاث أكف». وهذا يدل على أن غسله ﷺ مختصر أحياناً، مجرد ثلاث أكف يفيضها على رأسه ثم يغسل.
سائر جسده، قال: «أما أنا فأفي الماء على رأسي ثلاث مرات، ثم يغسل سائر جسده»، هذا في اختصار أحيانا.
قال: باب ذكر العمل في الغسل من الحيض. أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن منصور -وهو ابن صفوان- عن أمه، عن عائشة، أن امرأة سألت النبي ﷺ عن وسلها من الحيض، فأخبرها كيف تغتسل، ثم قال: «خذي فُرصة من مسك فتطهري بها».
«خذي فرصة من مسك» يعني خذي شيئاً، يعني قطعة عليها مسك، فضعها مكان خروج الحيض حتى تقطع رائحة دم الحيض الكريهة في الفرج، فهذا تفعله الحائض عندما تطهر؛ أولاً تأخذ قطعة عليها مسك وتضعها في مكان الفرج حيث يخرج دم الحيض ذي الرائحة الكريهة. قالت: وكيف تطهر بها؟ فاستتر، كذا. ثم قال: سبحان الله! هذه المرأة كانت جريئة زيادة، فقالت: يا رسول الله، كيف أضع هذا المسك على الفرج؟ كيف أتطهر بها؟ هنا نأتي للقضية مرة أخرى؛ قضية "لا حياء في العلم" ليست مطلقة، النبي ﷺ استتر، يعني وضع يده هكذا، لست أنا من سيعلمك هذه المسألة الخاصة.
قالت عائشة: «تطهري بها»، يعني ليس من الضروري أن أحكي، يعني اذهبي وحدك. قالت عائشة: فجاءت المرأة وقلت: تتبعين بها أثر الدم، يعني تنظرين أين الدم في الفرج وتضعين عليه المسك.
قال: باب ترك الوضوء من بعد الغسل. أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسن -وهو ابن صالح- عن أبي إسحاق، وأخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل؛ لأنه كان ينوي بغسله الوضوء، فالغسل يجزئ عن الوضوء إذا نويت به الوضوء.
قال: باب غسل الرجلين في غير المكان الذي يغتسل فيه. أخبرنا علي بن حجر، قال: أخبرنا عيسى، عن الأعمش، عن سالم، عن كريب، عن ابن عباس، قال: حدثتني خالتي ميمونة، قالت: أديت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً، ثم أدخل يمينه في الإناء فأفرغ بها على فرجه، ثم غسل بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلك دلكاً شديداً، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حثيات ملء كفيه، ثم غسل سائر جسده، ثم ترخص من مقامه فغسل رجليه.
هذا يدل على أن الرجلين تغسل مرتين؛ تغسل مع الوضوء، ثم في آخر الغسل، عفواً في آخر الغسل يسن أن تعيد غسلهما مرة أخرى في غير المكان الذي اغتسلت فيه من باب التأكد من طهارته، ولكن غسلهما في آخر الغسل سنة.
قال رحمه الله: باب ترك المنديل بعد الغسل. أخبرنا محمد بن يحيى بن أيوب بن إبراهيم، قال: أتي بمديل -يعني منشفة- حتى ينشف فرجه، قال: لا أحتاجها، ونفض الماء بيديه هكذا. أخبرنا محمد بن يحيى بن أيوب بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن الأعمش، عن سالم، عن كريب، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ اغتسل فأتي بمديل فلم يمسه، وجعل يقول: بالماء هكذا، يعني ينفض الماء بيده. ولكن هذا لا يدل على عدم مشروعية التنشيف، وإنما هو أحب أن يفعل ذلك، قال العلماء: التنشيف مباح بالمنديل، لكنه لم يحب ذلك ﷺ.
قال: باب وضوء الجنب إذا أراد أن يأكل. أخبرنا حميد بن مسعود، قال: إذا كنت جنباً وأردت أن تأكل قبل أن تغتسل يسن لك الوضوء. عن سفيان بن حبيب، عن شعبة، وأخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ... وقال عمر: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جنب توضأ، وزاد عمر في حديثه: وضوءه للصلاة.
قال: باب اختصار الجنب كما يتوضأ للصلاة، لكن هذا الوضوء طبعاً هو فقط لتخفيف الجنابة، لكنه لا يرفعها. قال: باب اقتصار الجنب على غسل يديه إذا أراد أن يأكل. أخبرنا محمد بن عبيد بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن مبارك، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه. قال بعض أهل العلم: إن الجنب إذا أراد أن يأكل السنة أن يتوضأ إذا لم يرد أن يغتسل، فإذا ثقل عليه الوضوء فعلى الأقل يغسل يديه، هذا يعني أقل شيء.
قال: باب اختصار الجنب على غسل يديه إذا أراد أن يأكل أو يشرب. أخبرنا سويد بن نصر، أخبر عبد الله، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، أن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ، وإذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه، ثم يأكل ويشرب، وهذا يدل على أن وضوء الجنب للنوم أكد من وضوئه للأكل والشرب.
قال: باب وضوء الجنب إذا أراد أن ينام. أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدث ليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: إن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام. أخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال: حدثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن عبد الله بن عمر، أن عمر قال: يا رسول الله، ينام أحدنا وهو جنب؟ قال: «إذا توضأ».
قال: باب وضوء الجنب وغسل ذكره إذا أراد أن ينام. أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: ذكر عمر لرسول الله ﷺ أنه يصيبه الجنابة من الليل، فقال رسول الله ﷺ: «توضأ واغسل ذكرك ثم نم». يعني الأصل اغسل ذكرك وتوضأ، وإن كان في خلاف الترتيب. الجنب إذا أراد أن ينام قبل أن يغتسل يغسل ذكره ويتوضأ وينام، ثم إذا استيقظ يغتسل.
قال رحمه الله: باب في الجنب إذا لم يتوضأ. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا هشام بن عبد الملك، قال: أخبرنا شعبة، وأخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة واللفظ له، عن...
علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن نجي، عن أبيه، عن علي، عن النبي ﷺ قال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب». وهذه زيادة "ولا جنب" في الحديث حقيقة ضعيفة؛ أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه جنب. هذه الزيادة ضعيفة، نعم؛ لا تدخل بيت فيه صورة -صورة ذوات أرواح- ولا تدخل بيت فيه كلب، لكن أنها لا تدخل البيت فيه جنب فيها ضعف.
قال: باب في الجنب إذا أراد أن يعود. أخبرنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ طاف على النساء في ليلة بغسل واحد. هذا التبويب ليس لكم، هذا للمعددين، الذي عنده زوجات كثيرات له أن يطوف عليهن في ليلة واحدة بغسل واحد، أما الذي زي حالاتكم، فبدري إن شاء الله، الله يعطيكم العافية.
قال: باب تياُن النساء قبل إحداث الغسل. قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ويعقوب بن إبراهيم، واللفظ لإسحاق، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ طاف على النساء في ليلة بغسل واحد.
قال: باب حجب الجنب من قراءة القرآن. قال: أخبرنا أن الجنب لا يقرأ القرآن. قال: أخبرنا علي بن حجر، قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن شعبة، عن عمر بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: أتيت عليّ أنا ورجلان، فقال: كان رسول الله ﷺ يخرج من الخلايا فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة. قال: ليس معنى إلا الجنابة هي التي كانت تحجبه عن قراءة القرآن.
قال: أخبرنا محمد بن أحمد أبو يوسف الصيدلاني الرقي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا الأعمش، عن عمر بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي، قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن على كل حال إلا الجنابة.
قال: باب مماسة الجنب ومجالسة الجنب. ليس لك أن تسلم عليه وتجلس معه، لأن بعض الصحابة كانوا يظنون أن الجنب لا يجوز الجلوس معه، وهذا ليس بصحيح. قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا الجار، عن الشيباني، عن أبي بردة، عن حذيفة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا لقي الرجل من أصحابه ماسحه ودعا له. قال: فرأيته يوماً بكره فاحت عنه. ما معنى ماسحه؟ شوفوا الأدب والرقي في صلى الله عليه وسلم، يعني كان يضع يده على رأسه يمسح هكذا، أو يده على يده من باب تلطيف الأجواء.
قال: فاحت عنه ثم أتيتُه حين ارتفع النهار، فقال: إني رأيتك فاحت عني، فقلت: إني كنت جنباً فخشيت أن تمسني، فقال قال رسول الله ﷺ: «إن المسلم لا ينجس». فليُك، كان يظن الجنابة نجاسة، فقال: لا، هذه ليست نجاسة.
قال: أخبرنا إسحاق بن منصور، أخبرنا يحيى، قال: حدثنا مسعر، قال: حدثني أوس، عن أبي وائل، عن حذيفة، أن النبي ﷺ لقيه وهو جنب، فأهى إليّ، فقلت: إني جنب، فقال: «إن المسلم لا ينجس». يعني أراد أن يماسه كعادته ﷺ.
قال: أخبرنا حميد بن مسعد، قال: حدثنا بشر وهو ابن مفضل، قال: حدثنا حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ لقيه في طريق من طرق المدينة وهو جنب، فانسل عنه فاغتسل، ففقده النبي ﷺ، فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله، إني لقيتني وأنا جنب فكرهت أن أجالس حتى أغتسل، فقال: «سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس».
قال: باب استخدام الحائض. قال: أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، قال: حدثني أبو حازم، قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: بينما رسول الله ﷺ في المسجد إذ قال: «يا عائشة ناوليني الثوب»، فقالت: إني حائض، قال: «إنه ليس في يدك»، فناولته. فهذا يدل على أن الحائض لها أن تمر في المسجد مروراً إذا أمنت من تلويثه، وقال لها: يا عائشة، الحيض ليس في يدك، الحيض في الفرج، فلو دخلت المسجد مروراً وناولتني لن يحصل شيء.
قال: رحمه الله، أخبرنا قتيبة بن سعيد، عن عبيدة، عن الأعمش، وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن ثابت بن عبيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ: «ناوليني الخمرة من المسجد». الخمرة هي زي السجادة. قالت: إني حائض، فقال رسول الله ﷺ: «ليست حيضتك في يدك». قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: نعم، الحيضة ليست في اليد وإنما في الفرج، فلا إشكال أن تناولي باليد.
قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش بهذا الإسناد مثله. قال: باب بسط الحائض الخمرة في المسجد. قال: أخبرنا محمد بن منصور، عن سفيان، عن منبوذ، قال: عن أمها، أن ميمونة قالت: كان رسول الله ﷺ يضع رأسه في حجر أحدنا فيتلو القرآن وهي حائض، وتقوم إحدانا بالخمرة إلى المسجد فتبسط وهي حائض. هذا يدل على خاصة، يعني زوجات الأئمة، لو زوجتك دخلت المسجد ووضعت لك السجادة وصلحت الميكروفون وطلعت، ما في مشكلة كمرور.
قال: رحمه الله، باب في الذي يقرأ القرآن ورأسه في حجر امرأته وهي حائض. وهذا من الأخلاق العلية، أنه ﷺ كان يتلطف مع زوجاته الحائضات، فيقرأ القرآن في حجرهن، لأن الحائض معروف أنها لا تقرأ القرآن تعبداً، فحتى لا تنسى القرآن ولا تتركه فترة طويلة، كان يقرأ في حجرها القرآن.
قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم.
وعلي بن حجر ولفظ له، وأخبرنا سفيان عن منصور عن أمه عن عائشة قالت: «كان رأس رسول الله ﷺ في حجر أحدنا وهي حائض وهو يتلو القرآن».
قال: باب غسل الحائض رأس زوجها. قال: أخبرنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان قال: حدثني منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يومئ إليّ رأسه وهو معتكف، فأغسله وأنا حائض». كان داخل المسجد يخرج رأسه من النافذة، وتغسله عائشة وهي في حجرتها.
قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن سلمة، قال: حدثنا ابن وهب عن عمر بن الحارث، وذكر آخر عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يخرج رأسه من المسجد وهو مجاور، فأغسله وأنا حائض». والمجاور أي المعتكف، فالاعتكاف يسمى مجاورة.
أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «كنت أرجل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض». وإن كان الترجيل يطلق أحيانا على التسريح، لكن لو أردت أن أحمله على الروايات السابقة، فالترجيل هنا يشمل الغسل والتسريح والإصلاح.
أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك، وأخبرنا علي بن شعي قال: حدثنا معن، حدثنا مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة مثل ذلك.
قال: باب مكله الحائض والشرب من سؤرها. قال: أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا يزيد وهو ابن المقدام بن شريح بن هان، عن أبيه عن شريح عن عائشة، سألتها: هل تأكل المرأة مع زوجها وهي طامث؟ قالت: «نعم، طامث يعني حائض، كان رسول الله ﷺ يدعوني فأكل معه وأنا عارك». وعارك أيضا بمعنى حائض، طامث وعارك كلها نفس المعنى.
قال: «وكان يأخذ العرق فيقسم عليّ فيه»، فاعترضه فأخذه فيقسم عليّ فيه، يعني كأنه يقسم عليها أن تأكل منه. ومعنى العرق: العظم الذي عليه قليل من اللحم. قال: «فأخذه فيعترض فمه حيث وضعت فمي من العرق، ويدعو بالشراب فيقسم عليّ فيه قبل أن يشرب منه، فأخذه فأشرب منه ثم أضعه»، فيأخذ فيشرب منه ويضع فمه حيث وضعت فمي من القدح.
أخبرنا أيوب بن محمد الوزان، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو عن الأعمش عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يضع فمه على الموضع الذي أشرب منه، فيشرب من فضل سؤري وأنا حائض». وضل السؤر يعني ما بقي في الإناء بعد شربها.
قال: باب الانتفاع بفضل الحائض. أخبرنا محمد بن منصور، قال: حدثنا سفيان عن المسعر عن المقدام بن شريح عن أبيه، قال: سمعت عائشة تقول: «كان رسول الله ﷺ يناولني الإناء فأشرب منه وأنا حائض، ثم أعطيه فيضع موضع فمي فيضعه على فيه». وطبعا فضل الحائض هو نفسه سؤرها، وهو ما تبقيه في الإناء بعد شربها.
أخبرنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيل، قال: حدثنا مسعر بن سفيان عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أشرب وأنا حائض، وأناول النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فمي فيشرب».
قال: باب مضاجعة الحائض. قال: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا هشام، وأخبرنا عبيد الله بن سعيد وإسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا معاذ بن هشام ولفظ له، قال: حدثني أبي عن يحيى، قال: حدثنا أبو سلمة، أن زي بنت أبي سلمة حدثته أن أم سلمة حدثتها قالت: «بينما أنا مضاجعة مع رسول الله ﷺ في الخميله، إذ حطت فانسلبت، فأخذت ثياب حيضتي». والخميله يعني هو مثل الشرشف أو الإحرام له خمائل أو ثوب له خمائل.
قالت: «فقال رسول الله ﷺ: أفي حِيضَتِكِ؟ قلت: نعم، فدعاني فضجعت معه في الخميلات». شوف الأخلاق العالية، هي انسحبت لأنها حاضت فجأة، فرآها ذهبت، فقال لها ليش خرجت من الفراش؟ قالت حطت، يعني حِيضت أو نفست، قال: تعالي ما في مشكلة، وهذا يدل على حرص النبي ﷺ على تطييب قلب الحائض.
قال: أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن جابر بن صبح، قال: سمعت خلاث يحدث عن عائشة قالت: «كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد وأنا طامث أو حائض». وهذه فائدة سريعة أن الحيض يسمى نفاسا أيضا، وإن كان النفاس يطلق على الولادة، لكن هنا النفاس بمعنى الحيض. والشعار هو مثل اللحاف الرقيق الذي يلامس الجسد مباشرة.
قال: «فإن أصابه مني شيء غسل مكانه ولم يعده وصلى فيه ثم يعود، فإن أصابه مني شيء...». هذا الشعار كان إذا أصابه شيء من دم حيض عائشة، النبي ﷺ ما كان عنده مشكلة يغسل مكان دم الحيض ويصلي فيه، بمجرد أن يغسله ويطهر.
حتى تعرف حالة النبي ﷺ الزهيدة في الحياة، هذا الشعار هو نفسه كان يلبسه أزارا فيصلي فيه، وإذا أراد أن ينام جعله لحافا فتغطى به، فلذلك قالت يصلي فيه. كيف هو نفس الشعار، يجعله أزارا ويجعله لحافا للنوم ويجعله فيه كل شيء، وهذه الحالة الزهيدة له ﷺ بأبي وأمي وصلوات ربي وسلامه عليه.
قال: «فإن أصابه مني شيء فليغسل مكانه ولم يعده وصلى فيه». ولم يعده يعني بس غسل مكانه خلاص وصلى في هذا الشعار.
قال: باب مباشرة الحائض. أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عمر بن شرحبيل عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يأمر إحدى أزواجه إذا كانت حائض أن تشد إزارها ثم يباشرها».
هل يجوز للزوج أن يباشر زوجته وهي حائض؟ وهذا للشباب المتزوجين، لك أن تباشر زوجتك وهي حائض سواء من تحت الإزار أو من فوق الإزار، المهم أنه لا يجوز لك الجماع، ولكن لماذا كان النبي ﷺ يأمرها أن تضع إزارا؟ قال: هذا أنقى، هذا.
أنقى وأطيب، لكن لو باشرتها من تحت الإزار ما في مشكلة أيضًا.
قال رحمه الله: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أن أبان بن جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بهن إذا كانت حائضًا، أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتزر ثم يباشرها».
قال: أخبرنا الحارث بن كين قراءة عليه وأنا أسمع، عن ابن وهب، عن يونس والليث، عن ابن شهاب، عن حبيب مولى عروة، عن عائشة، وكان الليث يقول: ندبة مولاة ميمونة، عن ميمونة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر امرأته بالنساء وهي حائض، إذا كان عليها إزار يبلغ أنصاف الفخذين والركبتين». وفي حديث الليث: «محتجزة به»، يعني تضعه على خصرها، محتجزة به إزار يبلغ إلى نصف فخذيها أو إلى ركبتيها، حرصًا ألا يصل دم الحيض إليه أثناء المباشرة.
قال: باب تأويل قول الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222]. قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: كانت اليهود إذا حاضت المرأة منهم لم يكلّوها ولم يشاربوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222]. فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكلوا معهن ويشاربوهم ويجامعوهم في البيوت، وأن يصنعوا بهن كل شيء ما خلا الجماع. فاليهود مجرمون حتى في تعاملهم مع النساء، يكسرون خاطر المرأة في أثناء حيضها.
قال: باب ما يجب على من أتى حليلة في حال حيضتها بعد علمه بنهي الله عز وجل عن وطئها. قال: أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الحميد، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل يأتي امرأته وهي حائض: «يتصدق بدينار أو بنصف دينار». فمن جاء مع زوجته وهي حائض عليه أن يتصدق بدينار ذهبي أو نصف دينار ذهبي، والدينار الذهبي 4.25 غرام، بالتالي يطلع لك أبو 300 أو 400 ليرة اليوم.
قال رحمه الله: باب ما تفعل المحرمة إذا حاضت. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن نبيه، عن عائشة قالت: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرى إلا الحج، فلما كان بسار، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم -ولم أسمِ منطقته بين مكة والمدينة- فقال: مالك؟ أنفستِ؟ فقلت: نعم. قال: هذا أمر كتبه الله عز وجل على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت». وضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه، وهذا يدل على أن الحائض لا يجوز لها أن تطوف بالكعبة ولا تسعى بين الصفا والمروة أيضًا.
قال رحمه الله: باب ما تفعل النفساء عند الإحرام. أخبرنا عمرو بن علي، ومحمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم واللفظ له، قالوا: أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي، قال: أتينا جابر بن عبد الله فسألناه عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم، فحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لخمس بقين من ذي القعدة. وخرجنا معه حتى إذا أتى ذو الحليفة ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي». واستثمرنا قبل قليل أن الإحرام لا يشترط له الطهارة من النفاس.
قال: باب دم الحيض يصيب الثوب. قال: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني أبو المقدام ثابت الحداد، عن عدي بن دينار، قال: سمعت أم قيس بنت محصن أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال: «احكيه بضلع»، يعني بشيء كخشبة أو بعظمة، هذا إذا كان طبعًا جافًا قد يبس على الثوب فتحتاج أن تحكه بشيء حاد. قال: «اغسليه بماء وسدر».
قال: أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء. وطبعًا إضافة السدر هنا من باب تغيير الرائحة ليس أكثر. قال: وكانت تكون في حجرها أن امرأة استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال: «احكيه، ثم اقرصيه بالماء، ثم انضحيه». كما قلنا، احكيه بعود، ثم اقرصيه بالماء يعني ادلكيه بالماء، ثم انضحيه بالماء نضحًا عامًا، ثم صلي فيه.
قال: باب المني يصيب الثوب. قال: أخبرنا عيسى بن حماد، قال: حدثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حديج، عن معاوية بن أبي سفيان، أن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم سألت: «هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الثوب الذي كان يجامع فيه؟» قالت: نعم، إذا لم يُرَ فيه أذى.
قال: باب غسل المني من الثوب. قال: أخبرنا سويد بن النصر، قال: أخبرنا عبد الله، عن عمر بن ميمون الجزري، عن سليمان بن يس. طبعًا هذا المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الثوب وعليه مني، فما المراد إذا لم يُرَ فيه أذى؟ قال البعض: أراد بالأذى النجاسة، يعني إذا لم يرَ نجاسة ما عنده مشكلة أن يصلي في الثوب ولو كان عليه مني؛ لأن المني ليس نجسًا. هل الأذى هنا بمعنى النجاسة؟ يرجح هذا أن الأذى وليس هو المني هنا، وإنما الأذى هو النجاسة، والله أعلم.
قال رحمه الله: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخرج إلى الصلاة، وإن بقع الماء لفي ثوبه».
قال: باب فرك المني من الثوب. أخبرنا قتيبة. فيصلي في الثوب قبل أن ينشف من البلل. قال: حدثنا حماد، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن الحارث بن نوفل، عن عائشة قالت: «كنت أفرك الجنابة»، وقالت مرة أخرى: «المنية من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم». وهذا الفرك يدل على أن المني كان ينشف ويجف على الثوب، أليس كذلك؟ ولماذا تفركه فركًا؟
إبراهيم عن همام بن الحارث أن عائشة قالت: «لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ»، وما أزيد على أن أفركه من ثوب رسول الله ﷺ؛ يعني لا أحتاج أن أستعمل الماء إذا كان المني جافًا على ثوبه، كنت فقط أفركه ولا أضع ماء عليه، وهذا يدل على طهارة المني.
قال: أخبرنا الحسين بن حريث، أخبر سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة قالت: «كنت أنا أفركه من ثوب رسول الله ﷺ». قال: أخبر شعيب بن يوسف، عن يحيى بن سعيد، عن العمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة قالت: «كنت أراه في ثوب رسول الله ﷺ فاحته». قال: أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن هشام: «أراه» أي أرى المني. قال: عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «لقد رأيتني أفرك الجنابة من ثوب رسول الله ﷺ». أخبر محمد بن كامل المروزي، قال: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله ﷺ فحته عنه».
باب بول الصبي الذي لم يأكل الطعام: قال: أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أم قيس بنت محصن، أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ، فجلس رسول الله ﷺ في حجره فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضح ولم يغسل.
وهذا يدل على أن بول الغلام الذكر إذا لم يأكل الطعام -وهذا يكون في السنتين الأوليين حيث يكون الصبي لا يشتهي الطعام ولا يطلبه- أن بوله نجاسة مخففة، يكفي فيها أن تأخذ ماء بيدك وتفعل به هكذا، ولا تحتاج إلى حت ولا قرص ولا عصر ولا شيء، بخلاف بول الجارية الأنثى تختلف حتى ولو كانت صغيرة، فبالت عليك فإن عليك أن تغتسل أو أن تغسل ثوبك غسلًا كاملاً فيه حت وقرص وعصر.
قال: أخبر قتيبة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «أتي رسول الله ﷺ بصبي فبال عليه فدعا بماء فاتبعه إياه»، أتبعه إياه يعني أتبع هذا الماء البول، يعني وضع الماء على البول ولم يحتج إلى عصر ولا فرك ولا شيء.
قال رحمه الله: باب بول الجارية. أخبرنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا يحيى بن الوليد، قال: حدثني محل بن خليفة، قال: حدثني أبو السمح، قال: قال النبي ﷺ: «يُغسل من بول الجارية ويُرش من بول الغلام».
ما هو الفرق بين بول الجارية وبول الغلام؟ يعني ليس هذا تمييزًا إخواني بين الذكر والأنثى، ونحن لازم ما نميز بين الذكر والأنثى، قالوا هذا حكمه في أمر تعبدي تعبدنا الله به. وبعض أهل العلم قالوا هناك أمور طبية أن بول الجارية يكون أكثر تركيزًا من بول الغلام، وذكروا أمورًا كثيرة، لكن أنا لا آخذ بهذا الحديث، لا أحتاج إلى تفسيرات طبية أساسًا، قال رسول الله ﷺ: «سمعنا وأطعنا».
قال رحمه الله: باب بولي ما يؤكل لحمه. قال: أخبرنا محمد بن عبد العلى، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا ده أن أنس بن مالك حدثهم أن أناساً أو رجالاً من عكل قدموا على رسول الله ﷺ، وعكل اسم قبيلة. قال: فتكلموا بالإسلام، فقالوا: «يا رسول الله، إنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوطنا المدينة»، فأمر لهم رسول الله أهل ضرع؛ يعني نحن جماعة عندنا أهل رعي مواشي، ولسنا أهل ريف، أهل زراعة.
قال: فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وراعي، وأمرهم استخ المدنية، أي أصابهم نوع من الوباء بسبب المدينة، مرضوا؛ تعرف أحياناً أنت على بلد لا يلائمك فيصبح عندك نوع من الأمراض بسبب الإقامة فيها. قال: وأمرهم أن يخرجوا منها فيشربوا من ألبانها وأبوالها. فلما صح -وهذا موطن الشاهد- فيشرب من ألبانها وأبوالها، دل هذا على أن بول الحيوان المأكول اللحم طاهر؛ فيشرب من أبوال الإبل، هذا يدل على أن بول الإبل، ومثله بول كل ما يؤكل لحمه كالغنم والبقري والدجاج، إذاً بول عاد كل هذا بوله طاهر.
قال: فلما صح كانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعيها للأسف، هؤلاء أسلموا ثم ارتدوا والعياذ بالله. قال: وقتلوا راعي رسول الله ﷺ واستاقوا الذود، فبلغ النبق الذود يعني الإبل. قال: فبلغ النبي ﷺ فبعث الطلب في آثارهم فؤتي بهم؛ بعث الطلب يعني بعث سرية. قال: فسمر أعينهم وقطعوا أيديهم وأرجلهم، ثم النبي ﷺ عاقبهم، فوضع مسامير محماة في أعينهم لأنهم فعلوا هذا بالراعي، الراعي الذي قتلوه مجرمين وضعوا مسامير محماة في عينيه، فقتلهم النبي ﷺ بنفس الطريقة، وضع مسامير محماة في أعينهم جزاءً وفاقاً، وقيل إن هذا نهاه الله بعد ذلك عن تكرار هذا العقاب، ففيه خلاف. قال: ثم تركهم في الحرة على حالهم حتى ماتوا.
قال: أخبرنا محمد بن وهب، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، قال: حدثني زيد بن أبي أنيسة، عن طلحة بن مصرف، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك قال: «قدم أعراب من عرينة إلى النبي ﷺ فأسلموا، فاجتووا المدينة حتى اصفرت ألوانهم وعظمت بطونهم، فبعث بهم رسول الله ﷺ إلى لقاح، عظمت بطونهم دلالة على شدة المرض. وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صحوا، فقتلوا راعيها واستاقوا الإبل واللقاح»، واللقاح هي نفسها الإبل. قال: فبعث النبي ﷺ في طلبهم فؤتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم.
فقال أمير المؤمنين عبد الملك لانس وهو يحدثه هذا الحديث: «بكفر أم بذنب؟»، قال: «بكفر»، قال أبو عبد الرحمن: «بكفر»، يعني هذا ليس مجرد ذنب، هؤلاء كفروا، يعني هؤلاء مرتدون أصلاً. قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحداً قال عن يحيى عن أنس في هذا الحديث غير طلحة، والصواب عندي والله أعلم يحيى عن سعيد بن المسيب مرسل.
باب فرث ما يؤكل لحمه يصيب الثوب: قال: أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم، قال: حدثنا خالد يعني ابن مخلد، قال: حدثنا علي وهو ابن صالح، عن أبي إسحاق، عن عمر بن ميمون قال:
حدثنا عبد الله بن مسعود في بيت المال، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند البيت، وملء من قريش جلوس، وقد نحروا جزورًا، فقال بعضهم: «أيكم يأخذ هذا الفرث بدمه؟» ثم يمهله حتى يضع وجهه ساجدًا.
هذا في أيام إقامته في مكة، تعرفون أبو جهل الشقي، أخذ فرث ناقة، والفرث والكرشات، أي أخذ كرشات وأمعاء ناقة وأراد أن يضعها على رأس النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، عليه من الله ما يستحق. قال عبد الله: فانبعث أشقاها فأخذ الفرث فذهب به، ثم أمهله، فلما خر ساجدًا وضعه على ظهره.
فأخبرت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي جارية، فجاءت تسعى، فأخذته، فاطمة كانت صغيرة ما زالت في هذه الفترة، فأتت تسعى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخذته عن ظهره، وأزالت هذا الرفث عن ظهره صلى الله عليه وسلم. فلما فرغ من صلاته قال: «اللهم عليك بقريش» ثلاث مرات، «اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط»، حتى عد سبعة من قريش.
قال عبد الله: فهو الذي أنزل عليه الكتاب، لقد رأيتهم صرعوا يوم بدر في قليب واحد، كل هؤلاء الذين شاركوا في هذه الجريمة قتلوا يوم بدر. وقيل إن الذي وضع هذا الكرش، أو قيل إنه عقبة بن أبي معيط، هو الذي وضعه على رأس النبي صلى الله عليه وسلم.
كيف نربط بين الحديث والترجمة؟ من فهم من الذي حكى؟ لم يقطع صلاته، أحسنت، إنه لما وُضع الفرث عليه هل قطع صلاته؟ لا، مما يدل على أن هذا طاهر، لما أبو جهل أو عقبة بن أبي معيط وضع الفرث على رأسه هل قطع صلاته لنجاستها؟ لا، مما يدل على أنه أتم صلاته، وهذا استدلال ذكي على طهارة هذا الفرث لأنه من ما يؤكل لحمه.
قال رحمه الله: باب البزاق يصيب الثوب. أخبر علي بن حجر قال: حدثنا إسماعيل عن حميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ طرف ردائه فبصق فيه فرد بعضه على بعض. قال: إذا كنت في الصلاة ولم تجد شيئًا تبصق فيه ماذا تفعل؟ تبصق في المسجد؟ صح، لا، الله يرضى عليك، لا يجوز البصق في المسجد، ما هو الحل؟ قال: تبصق في ثوبك، ما وجدت مناديل، ما أحد ساعدك، ماذا أفعل؟ لا يصير أن أبلل نخامتي وأبصق في الحلق، قال: يبصق في ثوبه، بعد الصلاة بتدبر ثوبك، وتقصير إن شاء الله أمورك طيبة.
قال: أخبرنا محمد... ألا تكون أزكى من النبي صلى الله عليه وسلم هو بصق في ثوبه؟ ولك فيه أسوة حسنة، هذا في حال ما في شيء دبرت فيه نفسك، لا تقطع الصلاة.
قال: حدثنا شعب قال: سمعت القاسم بن مهران يحدث عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم فلا يبزق بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه»، وإلا فبصق النبي صلى الله عليه وسلم هكذا في ثوبه، أو أخذ ثوبه أمامهم وبصق في ثوبه ودلكها هكذا. طبعًا قضية البصق عن اليسار أو تحت القدم، هذا في المساجد القديمة يصلح لأنها كانت تصنع من حصى، اليوم مساجدنا المعاصرة قالوا لا يصلح، لأنه فيها سجاد، فبالتالي في المساجد الحديثة لا تبصق إلا في ثوبك إذا لم تجد منديلاً أو ما شابه ذلك.
قال رحمه الله: باب بدء التيمم. قال أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو ذات الجيش، انقطع عقد لي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء.
فأتى الناس أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقالوا: ألا ترى من صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ليسوا على ماء وليس معهم ماء! فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذ، وقد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء!
أبو بكر جاء معصبًا على عائشة الله يرضى عنها لأنها ضيعت عقدها، شوف أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ركز وأنت تقرأ سنن النسائي في الأخلاقيات، عائشة ضاع عقدها، النبي صلى الله عليه وسلم جلس الجيش كلهم حتى يجدوا العقد، وجلسوا في منطقة ليس فيها ماء، الناس أجوا على أبي بكر قالوا ورطتنا عائشة ضيعت العقد وما في ماء ونحن نريد أن نتوضأ ونشرب، وأبو بكر أخذته حمية، دخل على عائشة، قال: ماذا عملتِ يا عائشة؟ طبعًا لما دخل كان نصيب عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم نائم على فخذها، هذه الأخلاقيات والسلوكيات.
قالت عائشة: ليسوا على ماء وليس معهم ماء، فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله، وجعل يطعن بيده في خاصرتها، هكذا كالمعاتب لها، وهي ليست راضية تتحرك خوفًا أن يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، شوف السلوك المتبادل.
قالت: فما منعني من التحرك إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله عز وجل آية التيمم، سبحان الله، فكانت هذه بركة لعائشة، فأنزل الله مشروعية التيمم بسبب هذه الواقعة. فقال سيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر؟ فبعثنا البعير الذي كنت على سيد بن حضير، أتى أبا بكر وقال: هذه بركاتكم، إن الله شرع لنا التيمم بسبب بركة عائشة.
فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته. قال: باب كل المشكلة، كل الجيش مستني يدور على العقد طلع العقد تحتها. قال: بعثنا البعير اللي أنا كنت عليه، لك أنا معلق في رجل البعير من تحت والناس بتدور يمين وشمال ورايحة وجاية.
قال: رحمه الله، باب التيمم في الحضر. قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا شعيب بن الليث، عن أبيه، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عمير مولى ابن عباس، أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمون حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو جهيم: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر الجمل، ولقيه رجل في بئر الجمل -وهذا اسم بئر معين قالوا في المدينة- فلم يرد رسول الله ﷺ عليه حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام.
قال: باب التيمم في الحضر؛ لأنه كان لا يحب أن يرد السلام إلا على طهارة، فلم يجد ماء فتيمم سريعًا، وهذا يدل على جواز التيمم في الحضر، أن التيمم ليس في السفر بل حتى في الحضر يجوز.
قال: باب التيمم في الحضر، أخبرنا محمد بن بشيان، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا شعبة، عن سلمة، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبية، عن أبيه، أن رجلًا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد الماء. قال عمر: لا تصلي. فقال عمار بن ياسر: يا أمير المؤمنين، أما تذكر إذا أنا وأنت في سرية فجنبت فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصلِّ وأما أنا فمعك في التراب فصليت؟ فأتینا النبي ﷺ فذكرنا ذلك له، فقال: «إنما كان يكفيك هكذا»، وضرب بيده.
ظن أنه تيمم عن الوضوء يكون للوجه واليدين، أما التيمم عن الغسل لازم يتفعط في التراب زي ما تتفعط في الماء، فقال له: لا، حتى التيمم عن الجنب مش محتاج تتفعط في التراب، يكفي أيضًا الوجه واليدين.
قال: فضرب النبي ﷺ بيديه إلى الأرض، ثم نفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه، وفي رواية: إلى المرفقين، والصحيح إلى الكفين، تيمم إلى الكفين وليس المرفقين. فقال عمر: نوليك ما توليت. قال لعمار: شوف يا عمار، أنا هي القصة مش متذكرها أنت رويها للناس بس أنت بتتحمل مسؤوليتها؛ لأن عمر نسيها.
قال: أخبرنا محمد بن عبيد بن محمد، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن خفاف، عن عمار بن ياسر، قال: أجنبت وأنا في الإبل فلم أجد ماء، فتمعكت في التراب تمعك الدابة، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال: «لما كان يجزيك من ذلك التيمم».
قال: باب التيمم في السفر. أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن عمار، قال: عرس رسول الله ﷺ بليلة الجيش ومعه عائشة زوجته -فَعرس أي بات الليلة- في منطقة اسمها ذات الجيش، فانقطع عقدها من جزع ظفار، وهو نفس القصة السابقة، وكان عقدها من جزع ظفار وهي منطقة في اليمن كان يصنع منها العقد الفخم.
فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليه أبو بكر فقال: حبست الناس وليس معهم ماء؟ فأنزل الله عز وجل رخصة التيمم بالصعيد. قال: فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ، فضربوا بأيديهم الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم ينفضوا من التراب شيئًا، فمسح بها أوجههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الأباط، والصحيح أن النفض مشروع هنا.
قال: لم ينفضوا؛ أولًا كلمة لم ينفضوا فيها خلاف النسخ، ثم الصحيح من فعله أنه ينفض، الأصل أنك إذا ضربت تنفض هكذا ثم تمسح، فثابت حقيقة.
قال رحمه الله: باب الاختلاف في كيفية التيمم. قال: أخبرنا العباس بن عبد العظيم العنبري، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: حدثنا جويرية، عن مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنه أخبره عن أبيه، عن عمار بن ياسر، قال: تيممنا مع رسول الله ﷺ بالتراب، فمسح بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب.
قال: باب نوع آخر من التيمم والنفخ في اليدين. قال: أخبرنا محمد بن بشيان، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن سلمة، عن أبي مالك، وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبية، عن عبد الرحمن بن أبية؛ هناك ألفاظ عديدة لهذا الحديث، والمشهور أنهم مسحوا بأيديهم إلى الكفين. قضية أننا في التيمم مسحنا إلى المناكب ليس هذا هو اللفظ المشهور، والمشهور أن التيمم يكون إلى الكفين فقط.
قال: كنا عند عمر فأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، ربما نمكث الشهر والشهرين ولا نجد الماء. فقال عمر: أما أنا إذا لم أجد الماء لم أكن لأصلي حتى أجد الماء. فقال عمار بن ياسر: أتذكر يا أمير المؤمنين حيث كنت في مكان كذا وكذا ونحن نرعى الإبل، فتعلم أن أجنب؟ قال: نعم. فقال: فأما أنا فتمعكت في التراب فأتيت النبي ﷺ فضحك، فقال: «إن كان الصعيد وكفيك»، وضرب بكفيه. ضحكه على طريقة تفكير عمار بن ياسر أنه يتفعط بالتراب.
قال: ضرب بكفيه إلى الأرض، ثم نفخ فيهما، ثم مسح وجهه وبعض ذراعيه، فقال: «اتق الله يا عمار»، فقال: يا أمير المؤمنين، إن شئت لم أذكره. قال: لا، ولكن نوليك من ذلك ما توليت.
قال: باب نوع آخر من التيمم. قال: أخبر عمر إذًا: ثم مسح وجهه وبعض ذراعه، وهذا ظاهره أنه مسح حتى دخل في الذراع، وهذا أيضًا ليس هو المشهور، المشهور إلى الكفين فقط ستأتي الألفاظ.
قال رحمه الله: أخبرنا عمرو بن يزيد، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا الحكم، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبية، عن أبيه، أن رجلًا سأل عمر بن الخطاب عن التيمم فلم يدري ما يقول، فقال عمر: تذكر حيث... قال: تذكر حيث كنا في سرية فاجنبت فتمعكت في التراب فأتيت النبي ﷺ فقال: «إنما يكفيك هكذا»، وضرب شعبة بيديه على ركبتيه ونفخ في يديه ومسح بهما وجهه وكفيه مرة واحدة. لاحظ، نفخ في يديه، وهذا يدل على شيء من النفض، ومسح وجهه وكفيه فقط.
قال: باب نوع آخر.
من التيمم، قال: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد، حدثنا شعب، سمعت ذَرًّا يحدث عن ابن أبه، عن أبيه قال، وسمعه الحكم عن ابن عبد الرحمن، قال: أجنب الرجل فأتى عمر رضي الله عنه فقال: إني أجنبت فلم أجد ماءً. قال: لا تصلي. قال له عمار: أما تذكر؟ إنا كنا في سرية فأجنبنا، فأما أنت فلم تصلِّ وأما أنا فإني تمعكت بالتراب فصليت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: «إنما كان يكفيك»، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفه الأرض ونفخ فيهما، ثم دلك إحداهما بالأخرى، ثم مسح بهما وجهه.
فقال عمر: شيء؟ (أي فعل هكذا حتى يمسح باطن الكفين ثم مسح بهما وجهه)، فقال عمر شيئًا لا أدري ما هو، فقال: إن شئت لا حدثته، وذكر شيئًا، سلمته في هذا الإسناد عن أبي مالك وزاد "سلم" طبعًا.
التيمم إذا كان عن الجنابة لا يشترط له الترتيب، تستطيع أن تبدأ بيديك هكذا ثم تمسح وجهك، وتستطيع بالعكس. أما إذا كان التيمم عن الوضوء، فلا بد من الترتيب بالبدء بالوجه ثم اليدين.
قال: باب نوع آخر، أخبرنا عبد الله بن محمد بن تميم، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا شعب، عن الحكم، وسلم، عن ذر، عن عبد الرحمن بن أبه، عن أبيه، أن رجلًا جاء إلى عمر رضي الله عنه فقال: إني أجنبت فلم أجد الماء، فقال عمر: لا تصلي. فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين؟ إذا أنا وأنت في السرية، فأجنبنا فلم نجد ماءً، فأما أنت فلم تصلِّ وأما أنا فتمعكت في التراب ثم صليت، فلما أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال: «إنما يكفيك»، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيديه إلى الأرض ثم نفخ فيهما فمسح بهما وجهه وكفيه، وشك سلمه وقال: لا أدري فيه المرفقين أو الكفين.
قال عمر: نوليك من ذلك ما توليت. قال شعبة: كان يقول: الكفين والوجه والذراعين. فقال له منصور: ما تقول؟ فإنه لا يذكر الذراعين أحد غيرك. فشك سلمه فقال: لا أدري ذكر الذراعين أم لا.
قال: باب عدم ذكر الذراع. قال: باب تيمم الجنب، أخبرنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا عَمْش عن شقيق، قال: كنت جالسًا مع عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى: أولم تسمع قول عمار لعمر؟ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجبت فلم أجد الماء فتيممت بالصعيد، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول هكذا»، فضرب بيديه على الأرض ضربة فمسح كفيه، ثم نفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه ثم نفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على كفيه ووجهه. فقال عبد الله: يعني فعل هكذا وهكذا بيمينه على شماله وشماله على يمينه. وقال: ولم ترضَ عمر؟ لم يقنع بقول عمار؟ قال: عمر لم يقنع بقول عمار، لكن عمار حافظ، ومن حفظ حجَّ على من لم يحفظ.
قال: أخبرنا سويد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله عن عوف، عن أبي الرجاء، قال: سمعت عمران بن حسين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل معتزل لم يصلِّ مع القوم، فقال: «يا فلان، ما منعك أن تصلي مع القوم؟»، فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء، قال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك». وهذا يؤكد حديث عمار أن التيمم يكون للجنابة.
قال: باب الصلوات بتيمم واحد، أخبرنا عمر بن هشام، قال: حدثنا محمد عن سفيان، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمر بن وجدان، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين». لكن هذا لا يدل على أن الصلوات تكون بتيمم واحد، هكذا استنبط النسائي، لكن هناك إشكالًا في هذا الاستنباط.
ولا يدل على أن الصعيد -لما يقول الصعيد هو التراب الطيب- هو وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين. وجه استنباط النسائي أنه جعل التراب بمنزلة الوضوء، والوضوء يكفي لمجموعة من الصلوات إذا لم يحدث، فكذلك التراب يكفي لمجموعة من الصلوات إذا لم يحدث، لكن المشهور خلاف ذلك، والمشهور أن الإنسان عليه أن يتيمم لكل صلاة فريضة ولو لم يحدث.
قال رحمه الله: باب في من لم يجد الماء ولا الصعيد، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو معاوية، حدثنا شيم بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيد بن حضير ونساً يطلبون قلادة كانت لعائشة، نسيتها في منزل، نزلت فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء ولم يجدوا ماءً فصَلوا بغير وضوء، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل آية التيمم. قال له سيد بن حضير: جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرًا.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا أمية بن خالد، قال: حدثنا شعبة، أن مخارق أخبرهم عن طارق، أن رجلًا أجنب فلم يصلِّ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: «أصبت». فأجنب رجل آخر فتيمم وصلى، فأتاه فقال نحو ما قال للآخر: «أصبت».
قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب المياه من المجتبى، باب قال الله عز وجل: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]، وقال عز وجل: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ [الأنفال: 11]، وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43].
أخبرنا سعيد بن الصر، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اغتسلت من الجنابة فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم بفضلها، فذكر ذلك له، فقال: «إن الماء لا ينجسه شيء». على هذا أكثر أهل العلم على أن المرأة إذا اغتسلت فيجوز للرجل أن يغتسل بفضل وضوئها أو فضل طهارتها، وخالف في ذلك الحنابلة. والمسألة ليس هذا مكان تقريرها.
قال رحمه الله: باب ذكر بئر بضاعة، أخبرنا هارون عبد الله، قال: حدثنا...
أبو أسامة، قال: حدثنا وليد بن كثير، حدثنا محمد بن كعب القرظي، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، عن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله، أنا أتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يطرح فيها لحوم الكلاب والحيض والنتن، فقال: «الماء طهور لا ينجسه شيء».
نعم، الماء طهور لا ينجسه شيء إذا كان قلتين فأكثر، لا ينجسه شيء مما يوقع فيه من النجاسة إلا إذا تغير ريحه أو طعمه أو لونه. الفقه إخواني لا يؤخذ من حديث واحد، يجب عليك أن تجمع كل الأحاديث لتفهم؛ إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث مع حديث «الماء طهور لا ينجسه شيء»، ومع حديث «الماء طهور إلا أن تغير طعمه أو ريحه أو لونه»، فبمجموع الأحاديث نفهم الصورة الكاملة؛ فالماء طهور لا ينجسه شيء، والمراد الماء الكثير إذا لم يتغير.
قال رحمه الله: أخبرنا عباس بن عبد العظيم، قال: حدثنا عبد الملك بن عمر بن عمر، قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم -وكان من العابدين- عن مطرف بن طريف، عن خالد بن أبي نوف، عن سليط، عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: مرت بالنبي ﷺ وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلت: تتوضأ منها وهي يطرح فيها ما يكره من النتن؟ يعني يطرح فيها النجاسات؟ يا رسول الله! فقال: «ما دامت لم تتغير رائحتها أو طعمها أو لون الماء، لا ينجسه شيء».
قال رحمه الله: باب التوقيت في الماء. أخبرنا الحسين بن حريف. ما هو التوقيت؟ يعني ما هو الحد في الماء الذي لا ينجسه شيء؟ ما هو القلتين فأكثر؟ هذا معنى التوقيت، يعني ما هو الحد في الماء الذي لا ينجس إذا سقطت فيه النجاسة؟ إذا كان قلتين فأكثر.
قال رحمه الله: حدثنا أبو سامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن زبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوب من الدواب والسباع، فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث».
قال: أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس، أن عربياً بال في المسجد فقام إليه بعض القوم، فقال رسول الله ﷺ: «لا تزرموه»، فلما فرغ دلووا من ماء فصبوه عليه. وهنا ذا تكلمنا عنه في بداية مجلس اليوم.
قال: أخبر عبد الرحمن بن إبراهيم، عن عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي، عن محمد بن الوليد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، قال: قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم رسول الله ﷺ: «دعوه، أهريقوا على بوله دلوا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين».
قال: باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم. قال: حدثنا... هنا قالوا إن هناك بعض التكرار في نسخ النسائي، لأنه هذا التبويب مر معنا بذاته قبل قليل. قال: حدثنا الحارث بن مسكين، قراءة عليه. هذا قد يكون إخواني خطأ من بعض النساخ فيما يظهر لي؛ أن التكرار بحد ذاته لا فائدة منه إلا إذا كانت هناك فائدة مرجوة، فهذا التبويب مر معي: النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم نفسه مر معنا قبل قليل.
قال: عن ابن وهب، عن عمر وهو ابن الحارث، عن بكير، أن أبا السائب حدثه، أن سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «لا يقصر أحدكم في الماء الدائم وهو جنب».
قال: باب الوضوء بماء البحر. قال: أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة، أن المغيرة بن أبي بردة أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، فنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته».
قال: باب الوضوء بماء الثلج والبرد. قال: أخبرنا... هذا أيضاً تكرار، هذا تكرار أظن قد يكون دخل من بعض النسخ، لكنه ثابت في الكتاب. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم اغسل خطاياي بالثلج والبرد، ونقِّ قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس».
قال: أخبرنا علي بن حجر، قال: أخبرنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمر بن جرير، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد».
قال: باب سؤر الكلب. أخبرنا علي بن حجر، قال: أخبرنا علي بن المسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات».
قال: باب تعفير. وهذا علقنا عليه أيضاً. قال: باب تعفير الإناء بتراب من ولوغ الكلب فيه. وهذه كلها أبواب مكررة، كلها أبواب مكررة نقرأها سريعاً.
قال: أخبر محمد بن عبد الله علي، قال: حدثنا خالد بن الحارث، عن شعبة، عن عبيد التياح، قال: سمعت مطرفاً عن عبد الله بن مغفل، أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب ورخص في كلب الصيد والغنم، وقال: «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب»، ورخص في كلب الصيد والغنم، أي رخص في اقتناء هذين النوعين من الكلاب، وأمر بقتل الكلاب؛ هذا أمر كان ابتداءً ثم نسخ، ونهى عن قتل الكلاب إلا الكلب الأسود البهيم فإنه شيطان، والكلب العقور، فهذا هو الذي يقتل.
قال: أخبرنا عمرو بن يزيد، قال: حدثنا بهز بن أسد، قال: حدثنا شعبة، عن عبيد التياح يزيد بن حميدة، سمعت مطرفاً يحدث عن عبد الله بن مغفل، قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب. قال: قتل الكلاب هذا منسوخ. قال: ورخص في كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسله سبع مرات وعفره الثامنة بالتراب». قال: خالفه أبو هريرة فقال: «إحداهن بالتراب»؛ هذا هو المشهور، لذلك حمل أهل العلم حديث عفره الثامنة على إحداهن، فهي إحدى السبع وليست غسلة ثامنة مستقلة.
قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن اقتاد، عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي...
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن بالتراب». أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا عبده بن سليمان، عن ابن أبي أن تكون الغسلة الأولى هي المخلوطة بالتراب. قال عن قتادة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن بالتراب».
باب سؤر الهرة: أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن كبشة بنت كعب بن مالك، أن قداسة دخل عليها، ثم ذكر كلمة معناها فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، فقالت كبشة: فرأيت أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قلت: نعم، قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات».
باب سؤر الحائض: أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة قالت: كنت أتعرق العرق فيضع رسول الله ﷺ فاه حيث وضعته وأنا حائض، وكنت أشرب من الإناء فيضع فاه حيث وضعته وأنا حائض.
باب الرخصة في فضل المرأة: أخبر هارون بن عبد الله، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ جميعًا. ما معنى جميعًا؟ يعني يتوضأ النساء ثم يأتي الرجال فيتوضأون.
فضل المرأة يعني المرأة إذا اغتسلت من مكان ما يبقى بعدها، هو فضل من وضوئها أو فضل من غسلها، فيجوز للرجل أن يأتي فيغتسل من الإناء أو الطست أو الماء.
باب النهي عن فضل وضوء المرأة: أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعب، عن عاصم الأحول، قال: سمعت أبا حزم -وقيل أبو عبد الرحمن واسمه سوادة بن عاصم- عن الحكم بن عمر، أن رسول الله ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة. فوضوء الرجل بفضل وضوئها أو فضل غسلها؛ وهذا أخذ به الحنابلة على نهي الرجل أن يغتسل بفضل وضوء المرأة أو غسلها، ولكن الجمهور على عدم الأخذ به.
باب الرخصة في فضل الجنب: أخبرنا قتيبة، قال: حدث ليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها كانت تغتسل مع رسول الله ﷺ في الإناء الواحد.
باب القدر الذي يكتفى به الإنسان من الماء للوضوء والغسل: أخبرنا عمرو بن يحيى، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا شعب، قال: حدثنا عبد الله بن جابر، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان رسول الله ﷺ يتوضأ بمكُّاء ويغتسل بخمس مكاءات. وهذا مرة معنا.
قال رحمه الله: أخبرنا هارون بن إسحاق الكوفي، قال: حدثنا عبده بن سليمان، عن سعيد، عن قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ بمد ويغتسل بنحو الصاع. وأخبرنا أبو بكر بن إسحاق، قال: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا شيبان، عن الأوزاعي، عن الحسن، عن أمه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع.
بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب بدء الحيض والاستحاضة من المجلد.
باب بدء الحيض وهل يسمى نفاسًا؟ لاحظ أيضًا أن هنا جزء من التكرار لما ورد معنا في أحاديث الاستحاضة والحيض. قال رحمه الله تعالى: أخبر إسحاق بن إبراهيم، أخبر سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن أبيه، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف حطة، فدخل... لا نرى إلا الحج يعني لا نقصد إلا الحج لبيت الله، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: «ما لك يا نفستي؟» قلت: نعم، قال: «هذا نفاس»، وهذا يدل على أن الحيض يسمى نفاسًا، وهذا ما عقد عليه الترجمة، وهل يسمى الحيض نفاسًا؟ نعم، قال: «هذا أمر كتبه الله عز وجل على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت».
باب ذكر الاستحاضة وإقبال الدم وإدباره: أخبرنا عمران بن يزيد، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله وهو ابن سماعة، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: أخبرني هشام بن عروة، عن عروة، أن فاطمة بنت أبي حبيش من بني أسد قريش أنها أتت رسول الله ﷺ فذكرت أنها تستحاض، فزعم أنه قال لها: «إنما ذلك عرق، فإذا أقبلت الحيضة فادعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي واغسلي عنك الدم ثم صلي».
حديث فاطمة بنت أبي حبيش عاد إلى ذكره مرة أخرى، ذلك كما قلت لكم، النسائي وإن كان ٥٧٠٠ لكن حقيقة أحاديثه بدون تكرار لا تتجاوز الـ ٣٠٠٠.
أخبرنا هشام بن عمار، قال: حدثنا سهل بن هاشم، قال: حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «إذا أقبلت الحيضة فادعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي». وأخبرنا قتيبة، قال: حدث ليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني استحضت، فقال: «إن ذلك عرق، فاغتسلي ثم صلي»، فكانت تغتسل عند كل صلاة.
باب المرأة تكون لها أيام معلومة تحيضها كل شهر: أخبرنا قتيبة، قال: حدث ليث، عن يزيد بن أبي حثمة، هذا هو العادة في الحائض، أن لها عادة شهرية ستة أيام أو سبعة أيام.
عن جعفر بن ربي، عن عراق بن مالك، عن عروة، عن عائشة قالت: إن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم، فقالت -وقالت عائشة رايت مركنًا ملآن دمًا- فقال لها رسول الله ﷺ: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي»، يعني اجلسي قدر الأيام التي تحبسك حيضتك المعتادة ستة أو سبعة، ثم بعدها اغتسلي ولو كنت ترين الدم. وأخبرنا به قتيبة مرة أخرى ولم يذكر فيه.
جعفر بن ربيعة، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا أبو سامة، قال: عبيد الله بن عمر، أخبرني عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، قالت: سألت امرأة النبي ﷺ، قالت: إني أستحيض فلا أطهر، فأدع الصلاة؟ قال: «لا، ولكن دعي قدر تلك الأيام والليالي التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي واستثفري».
بردت قطيبه عن مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، أن امرأة كانت تَهراق الدم على عهد رسول الله ﷺ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ، فقال: «تنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم تستثفر بالثوب، ثم لتصلِّ».
باب ذكر الأقراء، قال: أخبرنا الربيع بن سليمان بن داوود بن إبراهيم، نفس الترجمة. قال: حدثنا إسحاق، وهو ابن بكر بن مضرم، قال: حدثنا أبي، عن يزيد، وهو ابن عبد الله، وهو ابن أسامة بن الهاد، عن أبي بكر، وهو ابن محمد بن عمر بن حزم، عن عائشة، قالت: إن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وإنها تستحيض لا تطهر، فذكر شأنها لرسول الله ﷺ، فقال: «ليست بالحيض، ولكنها ركضة من الرحم، لتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض، فلتترك الصلاة، ثم تنظر ما بعد ذلك، فلتغتسل عند كل صلاة».
قال رحمه الله: أخبرنا أبو موسى، قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عائشة، أن أم حبيبة بنت جحش كانت تستحيض سبع سنين، فسألت النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «ليست بالحيض، إنما هو عرق»، فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضها، وتغتسل وتصلي، فكانت تغتسل عند كل صلاة، هذا كما قلنا باجتهاد.
قال: أخبر عيسى بن حماد، أخبر ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله، عن المنذر بن المغيرة، عن عروة، أن فاطمة بنت أبي حبيش حدثته أنها أتت رسول الله ﷺ، فشكت إليه الدم، فقال لها رسول الله ﷺ: «ذلك عرق، فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، وإذا مر قرؤك فلتطهري، ثم صلي ما بين القر إلى القر».
قال أبو عبد الرحمن: قد روى هذا الحديث هشام بن عروة عن عروة، لم يذكر فيه ما ذكر المنذر، طبعًا هنا فائدة، هو صحيح يكرر الأحاديث، لكن الأسانيد مختلفة لمن يتتبع الإسناد، وفي تكرار للمتن، لكن الأسانيد تختلف تمامًا، هذا طبعًا لمن يشتغل بعلم الإسناد.
قال رحمه الله: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبده ووكيع وأبو معاوية، قال: وحدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ، فقالت: إني امرأة أستحيض فلا أطهر، فأدع الصلاة؟ قال: «لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيض، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاقصِ عنك الدم وصلي».
باب جمع المستحاضة بين الصلاتين وغسلها إذا جمعت، قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أن امرأة مستحاضة على عهد رسول الله ﷺ، قيل لها: إنه عرق، فأمرت أن تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتغتسل لهما غسلًا واحدًا، وتؤخر هذا كان من باب التوجيه والنصيحة وليس من باب الإلزام.
إن المستحاضة نصحها النبي ﷺ أن تؤخر الظهر إلى آخر وقتها، فتغتسل غسلًا واحدًا، فتصلي الظهر، ثم يؤذن العصر مباشرة فتصلي، ثم تؤخر المغرب إلى آخر وقتها فتغتسل، فتصلي المغرب مباشرة، ثم يؤذن العشاء فتصلي مباشرة، وتغتسل قبل الفجر، فتكون المستحاضة اغتسلت كم اغتسال؟ ثلاث، هذا من باب الكمال، وإلا فهي ليست ملزمة بهذا الاغتسال.
قال رحمه الله: تؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلًا واحدًا، وتغتسل لصلاة الصبح غسلًا واحدًا. قال: أخبرنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد الله، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن زينب بنت جحش، قالت: قلت للنبي ﷺ، إنها مستحاضة، فقالت: تجلس أيام أقرائها ثم تغتسل، وتؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل وتصلي، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل وتصلي، وتغتسل للفجر.
باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة، قال: أخبرنا محمد بن مثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن محمد بن عمر، وهو ابن علقمة بن وقاص، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، أنها كانت تستحيض، فقال لها رسول الله ﷺ: «إذا كان دم الحيض، دم الحيض، فإنه دم أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي، فإنما هو عرق».
قال محمد بن مثنى: حدثنا ابن أبي عدي، هذا من كتابه، قال: وأخبرنا محمد بن مثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي من حفظه، قال: حدثنا محمد بن عمر، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحيض، فقال لها رسول الله ﷺ: «إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي».
قال أبو عبد الرحمن: قد روى هذا الحديث غير واحد، ولم يذكر أحد منهم ما ذكر ابن أبي عدي، والله أعلم. قال: أخبرنا يحيى بن حبيب، عن حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: صحت فاطمة بنت أبي حبيش، فسألت النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إني أستحيض فلا أطهر، فأدع الصلاة؟ قال رسول الله ﷺ: «إن بذلك عرق وليست بالحيض، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي وتوضئي، فإن بذلك عرق وليست بالحيض». قيل له: فالغسل؟ قال: «وذلك لا يشك فيه أحد»، كما قلنا لا يشك فيه أحد، ضرورة غسلها عند انتهاء حيضها فقط.
قال أبو عبد الرحمن: وقد روى هذا الحديث غير واحد عن هشام بن عروة، ولم يذكر فيه "وتوضئي" غير حماد، والله أعلم. قال: أخبرنا سويد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إني أستحيض فلا أطهر، فقال رسول الله ﷺ: «إنما ذلك عرق وليست بالحيض، فإذا أقبلت الحيضة فأمسكي عن...»
«...وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي». أخبر قتيبة عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله ﷺ: «إني أطهر فدع الصلاة»، فقال رسول الله ﷺ: «إن ذلك عرق، وليست بالحيض، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي».
أخبرنا أبو الأشعث، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: سمعت هشاماً يحدث عن أبيه، عن عائشة، أن بنت أبي حبيش قالت: «يا رسول الله إني أطهر فاترك الصلاة»، قال: «لا، إنما هو عرق». قال خالد: وفيما قرأت عليه: «وليست بالحيض، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي».
باب الصفرة والكدرة: أخبرنا عمر بن زرارة، قال: أخبرنا إسماعيل، عن أيوب، عن محمد قال: قالت أم عطية: «كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً». نعم، الصفرة والكدرة إذا انقطع الدم، كثير من النساء ينقطع الدم لكن تبقى ترى صفرة أو كدرة تخرج منها، هذه الصفرة والكدرة إذا كانت خلال العادة الشهرية لا تعتبر حيضاً، لكن إذا رأتها بعد انتهاء عادتها الشهرية فهي لا تعد حيضاً؛ هذا معنى «كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً»، أي كنا لا نعدها من الحيض، بشرط بعد انتهاء مدة العادة المعلومة.
قال رحمه الله: باب ما ينال من الحائض وتأويل قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]. قال: باب ما ينال من الحائض، يعني ما يجوز للرجل من زوجته وهي حائض.
أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: «كانت اليهود إذا حاضت منهن امرأة لم يأكلوهن، ولا يشربوهن، ولا يجمعوهن في البيوت، فسألوا النبي ﷺ، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ الآية، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يأكلوا ويشربوا ويجامعوا في البيوت ويصنع بهن كل شيء إلا الجماع». فقالت اليهود: «ما يدع رسول الله ﷺ شيئاً من أمرنا إلا خالفنا».
فقام أسيد بن حضير وعباد بن بشر، فأخبرهما رسول الله ﷺ قال: «إن جماعها في المحيض...» فتمعروا. اليهود قالوا: محمد ﷺ يريد أن يخالفنا في كل شيء، فسر أسيد بن حضير، بغض اليهود، قال: «يا رسول الله، شو رأيك برضه جامع النساء في الحيض حتى نخالف اليهود؟»، قال: «لا». تمعر رسول الله ﷺ تمعراً شديداً حتى ظللنا نتمعر، لأن الدين ليس بالذوق أو بالهوى، هذا في ديانة. قال: حتى ظننا أنه قد غضب، فقام فاستقبل رسول الله ﷺ هدياً لهما، فبعث في أثارهما فردهم، فسقاهما، فعرفنا أنه لم يغضب عليهما. يعني أسيد بن حضير والصحابي الآخر ظنوا أن النبي ﷺ غضب عليهما، فظنوا أنه غضب حتى يوقف هذه القضية في التسلسل الفكري، لكنه بعد ذلك أهدى إليهما هدية وعرفنا أنه طيب خاطرهم.
قال رحمه الله: باب ذكر ما يجب على من أتى حليلته في حال حيضها مع علمه بنهي الله تعالى. أخبرنا عمر بن علي، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، قال: حدثني حكمة، عن عبد الحميد، قال: عن المقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الرجل يأتي امرأته وهي حائض، يتصدق بدينار أو نصف دينار، وهذا تكرر معنا.
باب مضاجعة الحائض في ثياب حيضتها: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال: أخبرنا معاذ بن هشام، وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، وأخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة، أن زينب بنت أبي سلمة حدثته، أن أم سلمة حدثتها، قالت: «بينما أنا مضجعة مع رسول الله ﷺ إذ حاضت، فانسلت فأخذت ثياب حيضتي، فقال رسول الله ﷺ: «أأفتشي؟»، قلت: نعم، فدعاني فضجعت معه في الخميلة». واللفظ لعبيد الله بن سعيد.
باب نوم الرجل مع حليلته في الشعار: الشعار الواحد، وكان عادة يكون من الأزار. أخبرنا محمد بن مثنى، قال: أخبرنا يحيى، عن جابر بن صبح، قال: سمعت خلاس يحدث عن عائشة، قالت: «كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار، في الشعار الواحد، وأنا طامث حائض، فإن أصابني شيء غسل مكانه ولم يعده». خلص: غسل موضع الدم، ليس غسل كل الثوب.
باب مباشرة الحائض: أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمر بن شرحبيل، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله ﷺ يأمر أحدانه إذا كانت حائضاً أن تشد إزارها ثم يباشرها». وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: «كانت أحدان إذا حاضت أمرها رسول الله ﷺ أن تتزر ثم يباشرها».
باب ذكر ما كان رسول الله ﷺ يصنعه إذا حاضت إحدى نسائه: أخبرنا هناد بن سري، عن ابن عياش، وهو أبو بكر، عن صِدِّيق بن سعيد، قال: ثم ذكر كلمة معناها، حدثنا جميع بن عمير، قال: دخلت على عائشة مع أمي وخالتي، فسألتها: كيف كان النبي ﷺ يصنع إذا حاضت إحداكن؟ قالت: «كان يأمرنا إذا حاضت إحدانا أن تتزر بإزار واسع، ثم يلتزم صدرها وثدييها».
أخبرنا الحارث بن مسكين، قراءة عليه، عن يونس والليث، عن ابن شهاب، عن حبيب مولى عروة، وكان الليث يقول: مولى ميمونة، عن ميمونة، قالت: «كان رسول الله ﷺ يباشر المرأة وهي حائض إذا كان عليها إزار يبلغ أنصاف الفخذين والركبتين». أما الحديث السابق: «كان يلتزم صدرها وثدييها»، فحديث ضعيف الإسناد حقيقة. قال: باب مؤكدة الحائض، كان معناه صحيحاً، لكنه من حيث الإسناد ضعيف.
باب مؤكدة الحائض والشرب من سؤرها: أخبر قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف، أخبر يزيد بن المقدام بن...
شريح بن هانئ عن أبيه عن شريح أنه سأل عائشة: هل تأكل المرأة مع زوجها وهي حائض؟ فقالت: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوني فأكل معه وأنا حائض، كان يأخذ العرق فيقسم علي فيه، فأعترض منه ثم أضعه فيأخذ، فيعترض فمه حيث وضعت فمي من العرق. قال: ويدعو بالشراب فيقسم علي فيه من قبل أن يشرب منه، فآخذه فأشرب منه ثم أضعه، فيأخذه فيشرب منه ويضع فمه حيث وضعت فمي من القدح.
أخبرنا أيوب بن محمد الوزان قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر عن الأعمش عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع فاه على الموضع الذي أشرب منه ويشرب من فضل شرابي وإن حائض». وهذا التكرار ترى هو مفيد أحياناً لأمثالكم ممن يتعب سريعاً، لأنه يزيد الحديث وضوحاً إذ يكرر الحديث أحياناً ثلاث أو أربع مرات.
قال رحمه الله تعالى: باب الانتفاع بفضل الحائض. أخبرنا محمد بن منصور قال: حدثنا سفيان عن مسعود عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: سمعت عائشة تقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يناولني الإناء فأشرب منه وإن حائض، ثم أعطيه فيتحرك موضع فمي فيضعه على فيه».
أخبرنا محمود بن غيلان قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا مسعر وسفيان عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة قالت: «كنت أشرب من القدح وأنا حائض، فآناه النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيه فيشرب منه، ويعترض وله البي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيه».
قال: باب الرجل يقرأ القرآن ورأسه في حجر امرأته وهي حائض. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن حجر واللفظ له، قال: حدث سفيان عن منصور عن أمه عن عائشة قالت: «كان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجر أحدنا وهي حائض وهو يقرأ القرآن».
قال: باب سقوط الصلاة عن الحائض. أخبرنا عمرو بن زرارة قال: أخبرنا إسماعيل عن أيوب عن أبي قلابة عن معاذة العدوية قالت: سألت امرأة عائشة: تقضي الحائض الصلاة؟ فقالت: «حرورية! أنتِ حرورية!»، والحرورية فرقة من الخوارج كانت تلزم النساء الحائض أن يقضين الصلاة بعد انتهاء فترة الحيض.
فمعاذة سألت عائشة: هل تقضي الحائض الصلاة بعد انتهاء الحيض؟ قالت: «لعلكِ من فرقة الحرورية الذين يشددون على النساء بغير ما أنزل الله؟» قالت: لا، أنا أسأل. قال: «قد كنا نحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نقضي ولا نؤمر بقضاء». وبالتالي الحائض معروف أنها لا تصلي في فترة حيضها ولا تقضي الصلاة بعد الحيض.
قال: باب استخدام الحائض. إن الرجل له أن يستخدم زوجته وهي حائض في أمور الحياة، ما في أي مشكلة. الحائض ليست إنساناً تتقيه، فالعادي إنسان جي مثلك ومثله والحياة طيبة، ما في أي مشكلة.
أخبرنا محمد بن المثنى قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن زيد بن كيسان قال: حدثني أبو حازم قال: قال أبو هريرة: بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فقال: «يا عائشة ناوليني الثوب»، فقالت: إني لا أصلي، فقال: «إنه ليس في يدك»، فناولته فناولته.
أخبرنا قتيبة عن عبيد عن الأعمش، وأخبر إسحاق بن إبراهيم عن جرير عن الأعمش عن ثابت بن عبيد عن قاسم بن محمد قال: قالت عائشة: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ناوليني الخمار من المسجد»، فقلت: إني حائض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليست حيضتك في يدك». قال إسحاق: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش بهذا الإسناد مثله.
قال: باب بسط الحائض الخمار في المسجد. أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان عن منبوذ عن أمه أن ميمونة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع رأسه في حجر أحدنا فيتلو القرآن وهي حائض، وتقوم أحدنا بخمار إلى المسجد فتبسطه وهي حائض».
قال: باب ترجيل الحائض رأس زوجها وهو معتكف في المسجد. قلنا: الترجيل هو الغسل والتسريح والترتيب. أخبرنا نصر بن عاصم حدثنا عبد الله قال: حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض وهو معتكف فينا، وها رأسها وهي في حجرتها.
قال: باب غسل الحائض رأس زوجها. أخبرنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، قال: حدثني منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني إلي رأسه وهو معتكف فأغسله وأنا حائض».
أخبرنا قتيبة قال: حدثنا الضب... طبعاً واضح أن النساء يفرق بين الترجيل والغسل؛ لذلك يبوب بتبويب يحمل الترجيل على التسريح، والغسل على استعمال الماء. قال: حدثنا فضيل وهو بن عياض عن الأعمش عن تميم بن سلمة عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف فأغسله وإن أنا حائض.
أخبر قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض».
قال: باب شهود الحائض. لاحظ أن هنا حديث 389 ذكره في باب غسل الحائض رأس زوجها، وأنه ذكر لفظ الترجيل: «كنت أرجل».
قال: باب شهود حيض العيدين ودعوة المسلمين. المرأة الحائض لها أن تخرج لتشهد العيد في مصليات العيد، ولكنها تكون آخر المصلى ولا تدخل في المصلى؛ لأن مصلى العيد حكمه حكم المسجد، إذا كان مصلى ثابتاً فلا تدخل الحائض في مصليات العيد، لكن تكون خلف الناس تكبر بتكبيرهم.
أخبرنا عمرو بن زرارة حدثنا إسماعيل عن أيوب عن حفصة قالت: كانت أم عطية لا تذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قالت: «بابا بابا»، فقلت: «أس بابا؟» هي أصلها «بابي» لكن هذه إحدى اللغات، يعني «بابي» هو وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هي لم تقل «بابي» قالت «بابا»، وهذه لغة من اللغات. فقلت: أسمعتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا؟ قالت: نعم، «بابا». قلت: يعني «بابي» هو؟ قالت: نعم.
قال: «لتخرج العواتق». العواتق هم الفتيات الشابات الصغيرات. «لتخرج العواتق وذوات الخدور والحيض». والفتاة الشابة تعتبر من ذوات الخدور؛ لأن قديماً الفتاة الشابة كانت لا تبرز للناس وتبقى في خدرها، يعني في بيتها. الحال اليوم يختلف عن الحال قديماً، اليوم الفتاة الشابة بتدور عليها إذا في بيتها تمام، اليوم الفتيات الشابات في زمن النبي عليه الصلاة والسلام كان لقبهن ذوات الخدور لكثرة ملازمتهن لبيوتهن.
قال: «فلا يخرجن، نعم، قال: فشهدنا الخير، ودعوة المسلمين، وتعتزل الحيض المصلى». نعم، الحيض لا يدخلنا مصلى العيد لأنه مسجد، لكن يكن خلفهم.
قال: باب المرأة تحيض بعد الإفاضة. قال: أخبرنا محمد بن سليمة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، قال: أخبرني مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمر، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت لرسول الله ﷺ: «إن صفية بنت حيي قد حاضت»، فقال رسول الله ﷺ: «لعلها تحبسنا؟ ألم تكن طافت معنا بالبيت؟»، قالت: بلى. قال: «فاخرج». لأن النبي ﷺ خشي أن صفية لم تطف طواف الإفاضة وحاضت قبل أن تطوف طواف الإفاضة، فقال: «حبستنا»، هل هي شك ناوي تحبسنا أنه ما نعود إلى المدينة؟ فقالوا: لا يا رسول الله، هي طافت طواف الإفاضة ثم حاضت. قال: خلاص، إذاً نمشي، والحائض لا يلزمها طواف الوداع، فلذلك أسقطه عنها.
قال رحمه الله: باب ما تفعل النفساء عند الإحرام. قال: أخبرنا محمد بن قدامة، قال: حدثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، في حديث أسماء بنت عميس حين نفست بذي الحليفة، أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر: «مرها أن تغتسل وتهل».
قال: باب الصلاة على النفساء. قال: أخبرنا حميد بن مساورد، حدث عن عبد الوارث، حدثنا حسين المعلم، عن ابن أبي بريدة، عن سمرة، قال: صليت مع رسول الله ﷺ على أم كعب ماتت في نفاسها، فقام رسول الله ﷺ في الصلاة في وسطها. فالمرأة سواء كانت نفساء، وحتى لو كانت غير نفساء، الإمام لما يصلي عليها صلاة الجنازة يقوم وسطها، في الرجل فإنه يقوم عند صدره أو عند رأسه على بعض المذاهب.
قال: باب دم الحيض يصيب الثوب. قال: أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي، قال: حدثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، وكانت تكون في حجرها، أن امرأة استفتت النبي ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال: «حكيه، واغسليه، وصلي فيه». قال: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، قال: حدثني أبو المقدام ثابت الحداد، عن عدي بن دينان، قال: سمعت مقيسة بنت محصن أنها سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب، قال: «حكيه بظفرك، واغسليه بماء وسدر».
قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الغسل والتيمم من المكتبي. قال: باب ذكر نهي الجنب عن الاختلاط في الماء الدائم. قال: أخبرنا سليمان بن داود، والحارث بن مسكين، قراءة عليه وأنا أسمع، عن ابن وهب، عن عمر بن الحارث، عن بكير، أن أبا السائب حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «لا يَقْذِفَنَّ أحدكم في الماء الدائم وهو جنب».
قال: أخبرنا محمد بن حتم، قال: حدثنا حبان، قال: حدثنا عبد الله، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لا يبولن الرجل في الماء الدائم ثم يغتسل منه أو يتوضأ». قال: أخبرنا أحمد بن صالح البغدادي، قال: حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن العرجي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ نهى أن يبال في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من الجنابة.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ نهى أن يبال في الماء الراكد ثم يغتسل منه. قال: أخبرنا قتيبة، وحدثنا سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه».
هذا إخواني في كتب الفقه عليه تعليقات كثيرة وشروح كثيرة؛ هل هو منهي عن الجمع بين البول والغسل، أو هو منهي عن كل واحد منهما على حدة؟ نقاش طويل بين الفقهاء يصعب أن أعلق عليه ضمن هذه الدورة.
قال رحمه الله: قال سفيان، قالوا لهشام بن حسان: إن أيوب إنما ينتهي بهذا الحديث إلى أبي هريرة، فقال: إن أيوب لو استطاع أن لا يرفع حديثاً لم يرفعه.
قال: باب الرخصة في دخول الحمام. قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبر معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن عطاء، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ. ويقول إن أيوب بن أبي تميمة في حديث رقم 400 روى الحديث عن أبي هريرة موقوفاً ولم يروه مرفوعاً؛ لأنه كان يتورع أن يرفع الأحاديث إلى النبي ﷺ إلا في الحالات النادرة، فلذلك قال: إن أيوب بن أبي تميمة لو استطاع ألا يرفع الحديث لم يرفعه، ويرويه موقوفاً تورعاً منه أن ينسب شيئاً إلى النبي ﷺ.
قال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر».
قال رحمه الله تعالى: باب الاغتسال بالثلج والبرد. الحمام المراد به هنا حمامات الاغتسال، وهي الحمامات الشامية والتركية وغيرها اليوم، فالأصل في الرجل أنه لا يدخل الحمام إلا وهو مستتر، لا يكشف عورته أمام إخوانه الذين يدخلون معه. لذلك قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر»، يعني إلا وهو ساتر عورته. للأسف كثير من المظاهر حتى بتشوفها أحياناً في إعلانات هذه المراكز تجد الرجل كاشف عورته أمام كل المركز، ما عنده مشكلة، يقول لك أنا داخل على حمام شامي؛ هذا لا يجوز.
قال رحمه الله: باب الاغتسال بالثلج والبرد. قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا شعبة، عن مجزأة بن ساهد، أنه سمع عبد الله بن أبي أوفى يحدث عن النبي ﷺ أنه كان يدعو: «اللهم طهرني من الذنوب والخطايا، اللهم نقني منها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد».
قال: باب الاغتسال بالماء البارد. قال: أخبرنا محمد بن يحيى بن محمد، حدثنا محمد بن موسى، حدثنا إبراهيم بن يزيد، عن رقبة، عن مجزأة الأسلمي، عن ابن أبي أوفى، قال: كان النبي ﷺ يقول: «اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد». هذا يدل على جواز الاغتسال.
بالماء البارد كما يقتصر بالماء الحار، لا فرق بينهما. قال: «اللهم طهرني من الذنوب كما يطهر الثوب الأبيض من الدنس». لكن أهم شيء أنه يستطيع أن يسبغ، أهم شيء أن يحصر الإسباغ سواء بماء حار أو ماء بارد. الضابط العام أن يحصر الإسباغ، أما إذا كان باردا بردا شديدا لا يحصل به الإسباغ، أو حارا حرارة شديدة لا يحصل بها الإسباغ وتتميم الغسل أو الوضوء، فهذا لا ينبغي.
قال رحمه الله: باب الاغتسال قبل النوم. أخبرنا شعيب بن يوسف، قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، قال: سألت عائشة كيف كان نوم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنابة؟ يغتسل قبل أن ينام أو ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: «كل ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام».
قال: باب الاغتسال أول الليل. أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي، حدثنا حماد، عن بريد، عن عبيدة بن نصر، عن عاصم بن الحارث، قال: دخلت على عائشة فسألتها، فقلت: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من أول الليل أو من آخره؟ قالت: «كل ذلك كان، ربما اغتسل من أوله وربما اغتسل من آخره». قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.
قال: باب الاستتار عند الغسل. أخبرنا إبراهيم بن يعقوب، قال حدثني النفيلي، قال حدثنا زهير، قال حدثنا عبد الملك، عن عطاء، عن يعلى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يغتسل بالبراز، فصعد المنبر يغتسل بالبراز، يعني يغتسل على المكشوف وكل الناس شافته، فالنبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر. فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: «إن الله عز وجل حليم حيي ستير، يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر».
أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، قال أخبرنا الأسود بن عامر، قال حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل ستير، فإذا أراد أحدكم أن يغسل فليستتر». وذلك اسم الله هو الستير، وليس الساتر من أسماء الله الحسنى الستير، وأما الساتر فيجوز أن تخبر به عن الله فتقول: يا ساتر، يا الله، هذا إخبار، لكن كاسم من أسمائه الحسنى الستير. قال رحمه الله: أخبر هذا صيغة مبالغة.
حدثنا عبيدة، عن الأعمش، عن سالم، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة، قالت: وضعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ماءه، قالت: فسترته. فذكرت: «فسترته»، هذا موطن الشاهد. قالت: ثم أتيت بخرقة فلم يردها، أنه لم يكن يحب المناديل.
أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله، قال حدثني أبي، قال حدثني إبراهيم، عن موسى بن عقبة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما أيوب عليه السلام يغتسل عريانا، خر عليه جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فناداه ربه عز وجل: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن رب». جراد من ذهب، يعني كمية كبيرة من الذهب كأنها جراد، وليس المراد الجراد، كمية كبيرة من الذهب سقطت عليه كأنها جراد، الله أعلم من أين سقطت عليه.
قال: باب الدلالة على أنه لا توقيت في الماء الذي يغتسل فيه. أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار. قال العلماء: يحتمل أن اغتسال أيوب عليه السلام عريانا يحمل على أنه كان يغتسل وحده، ما حتى شافته، فإذا كنت تغتسل وحدك لا يراك أحد، لا مشكلة أن تغتسل عريانا.
أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار، قال حدثنا إسحاق بن منصور، عن إبراهيم بن سعيد، عن الزهري، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل في الإناء وهو الفرق، وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد».
قال: باب اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد. أخبرنا سويد بن نصر، قال أخبرنا عبد الله عن هشام، ح ومن يخبرني ما هو الرابط بين الحديث 410 والترجمة: باب الدلالة على أنه لا توقيت في كمية الماء التي يغتسل بها؟ واستدل بحديث عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل من إناء وهو الفرق، اغتسل أنا وهو من نفس الإناء». أحسنت، لأنه كل واحد يعرف كم أخذ كمية، يعني هما يغتسلان اثنان من نفس الإناء ولا يعرف كم الكمية التي أخذتها عائشة والكمية التي أخذها هو، إن هي عملية مجاذيف، أنه كان يغتسل بالصاع كما مر معنا.
أخبرنا سويد بن نصر، أخبر عبد الله عن هشام، وأخبر قتيبة عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل أنا وهو من إناء واحد نغترف منه جميعا. وقال سويد: قالت كنت أنا. قال أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال حدثنا خالد، قال حدثنا شعب، قال أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، قال سويد في روايته: «كنت أنا»، هكذا روى عن عائشة. قالت: «كنت أغتسل».
حدثنا شعب، قال أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، قال سمعت القاسم يحدث عن عائشة، قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة». قال: حدث عبيدة بن حميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: «لقد رأيتني أنازع رسول الله صلى الله عليه وسلم الاغتسال أنا وهو منه».
قال: باب الرخصة في ذلك. أخبرنا محمد بن بشار، عن محمد، حدثنا شعبة، عن عاصم، ح وأخبرنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد الله عن عاصم، عن معاذة، عن عائشة، قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، أدرّه ويبادر حتى يقول: دعي لي، وأقول: دع لي». قال سويد: يبادر وأدرّه فأقول: دع لي، دعي.
هذه الترجمة قالوا الظاهر أنها فيها خطأ، باب الرخصة في ذلك، قالوا لا معنى لها هنا. وقال شراح الحديث أو بعضهم: هذه الترجمة خاطئة، يعني لا يوجد شيء جديد، باب الرخصة في ذلك لا يوجد شيء جديد، فقالوا: هذه ترجمة مشكلة، الظاهر أنها دخلت خطأ في سنن النسائي، والله أعلم.
زيه زي اللي قبله، ما في أي شيء جديد.
قال: باب الاغتسال في قصعة فيها أثر العجين. قال: أخبرنا محمد بن يحيى بن محمد، حدثنا محمد بن موسى بن أعين، حدثنا أبي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء قال: حدثتني أم هانئ أنها دخلت على النبي ﷺ يوم فتح مكة وهو يغتسل، قد سترته بثوب دونه في قصعة فيها أثر العجين، قالت: فصلى الضحى، قد سترته ابنته فاطمة كما مر معنا في الحديث. قال: فصلى الضحى، فما أدري كم صلى، حين قضى غسله.
قال: باب ترك المرأة نقض رأسها عند الاغتسال. قال: أخبرنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله، عن إبراهيم، أدرى كم صلى؟ جاء في الرواية الأخرى أنه صلى ثمان ركعات. قال: عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير، أن عائشة قالت: لقد رأيتني أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من هذا، فإذا طست موضوع مثله، صاع أو دونه. فشرع، قال: فنشر فيه جميعًا. فذا طست موضوع صاع، صاع أو قريب من الصاع. قال: فأفي على رأسي بيدي ثلاث مرات، وما أنقض لي شعرة. وهذا في غسل الجنابة، أنها لا تنقض شعرها وضفائرها.
قال: باب إذا تطيب واغتسل وبقي أثر الطيب. قال: حدثنا هناد بن السريع، عن وكيع، عن مسعر بن سهيل، عن إبراهيم بن محمد بن المنذر، قال: عن أبيه، قال: سمعت ابن عمر يقول: «لأن أصبح مطليًا بقطران أحب إلي من أن أصبح محرمًا». والقطران زي الزفت، بتعرف الزفت؟ مادة مثل الزفت، قال: «لأن أصبح مطليًا بزفت أحب إلي من أن أصبح محرمًا». متطيبات؛ لأن المحرم لا يجوز له أن يتطيب.
قال: فدخلت على عائشة فأخبرتها بقوله، فقالت: طيبت رسول الله ﷺ فطاف على النساء ثم أصبح محرمًا. هذا قالوا دلالة على أن ابن عمر سمع: «لأن أصبح مطليًا بقطران أحب إلي من أن أصبح محرمًا»؟ نعم، دلالة على أن ابن عمر كان يرى أنه حتى الطيب قبل أن يحرم لا يجوز، يعني أن المحرم لا ينبغي له أن يتطيب حتى قبيل إحرامه. فعائشة قالت: لا، النبي ﷺ كان يتطيب قبل إحرامه في الميقات. بدلالة هذا، يدل على أن ابن عمر كان مذهبه أن المحرم لا يتطيب حتى سواء هو محرم أو حتى قبيل إحرامه، ولكن السنة الثابتة أن المحرم له أن يتطيب قبيل إحرامه، وأن عائشة أخطأت ابن عمر في مذهبه.
قال رحمه الله: باب إزالة الجنب الأذى عنه قبل إفاضة الماء عليه. قال: أخبرنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا محمد... حتى ترتاحوا نفسيًا، إحنا 500، بعد الـ 500 بطلكم، بسم الله، يعني حتى ما ضلش الحسبات في ذهنك، يعني أنا عارف نفسيًا في ضغط، فلا 500 إن شاء الله اليوم نرزقكم الله خيرًا.
قال رحمه الله: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن سالم، عن كثير، عن ابن عباس، عن ميمونة، قال: توضأ رسول الله ﷺ وضوءه لصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه، ثم أفاض عليه الماء. ثم نحى رجليه. في هذه الرواية في الغسل، قالت: توضأ في الأول الغسل، توضأ وضوءه غير رجليه، آخر غسلهما إلى آخر الغسل. هذه رواية أخرى، لأن هناك روايتان: رواية أنه توضأ وضوءًا كاملًا ثم عاد غسل قدميه في الآخر، ورواية أنه اغتسل فتوضأ في البداية وضوءًا كاملًا إلا قدميه، وآخر غسله القدمين إلى الآخر، هذه روايات مختلفة. قالت: ثم نحى رجليه فغسلهما، قالت: هذه غسله، غسله من الجنابة.
قال: باب مسح اليد بالأرض بعد غسل الفرج. قال: أخبرنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كثير، عن ابن عباس، عن ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ، قال: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرق بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يضرب بيده على الأرض ثم يمسح، وهذا موطن الشاهد، ثم يضرب بيده على الأرض ليغسل ما علق بها من القدر، قال: ثم يمسحها ثم يغسلها، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفرغ على رأسه وعلى سائر جسده، ثم يتنحى فيغسل رجليه.
قال: باب الابتداء بالوضوء في غسل الجنابة. أخبرنا سويد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم يغتسل، ثم يخلل بيده شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء، أروى بشرته يعني وصل الماء إلى أصول الشعر، قال: فاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده.
قال: باب التيمن في الطهور. قال: أخبرنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد الله، عن شعبة، عن الأشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يحب التيمن ما استطاع في طهوره وتنعله وترجله. وقال بواسط في شأنه كله. وقال بواسط، يعني شعبة سمعه في قرية واسط كما مر معنا، وهو يقول: بل في شأنه كله. طبعًا في شأنه كله مما يستعمل فيه اليمين، وأما الأشياء المستخبأة فإنما تستعمل فيها الشمال، كملس الفرج والاستنجاء.
قال: باب ترك مسح الرأس في الوضوء من الجنابة. قال: أخبرنا عمران بن يزيد بن خالد، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، هو ابن سماعة، قال: أخبرنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، وعن عمر بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر رضي الله عنه سأل رسول الله ﷺ عن الغسل من الجنابة، واتسقت الأحاديث على هذا، يعني أجمع حديث عائشة وابن عمر على هذا، أن صفة الغسل واحد.
قال: يبدأ فيفرغ على يده اليمنى مرتين أو ثلاثًا، ثم يدخل يده اليمنى في الإناء فيصب بها على فرجه، ويده اليسرى على فرجه، فيغسل ما هنالك حتى ينقيها. فصب يكون باليد اليمنى، وغسل الفرج باليد اليسرى. قال: ثم يضع يده اليسرى على التراب، ثم يصب على يده اليسرى حتى ينقيها، ثم يغسل يديه ثلاثًا، ويستنشق ويمضمض ويغسل وجهه وذراعيه ثلاثًا، حتى إذا بلغ رأسه لم يمسح، وأفاض عليه الماء. فهكذا كان غسل رسول الله ﷺ، حتى إذا بلغ رأسه لم يمسح باليد بل أفاض الماء، فالجنب يفيض الماء ويغسل ولا يمسح.
قال: باب استبراء البشرة في الغسل من...
الجنابة. قال: أخبرنا علي بن حجر، قال: حدثنا علي بن مسر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل رأسه بأصابعه حتى إذا خيل إليه أنه قد استبرأ البشرة».
ما معنى استبرأ البشرة؟ يعني تيقن وصول الماء إلى أصول الشعر، تيقن وصول الماء إلى أصول الشعر، هذا معنى استبرأ البشرة. قال: غرف على رأسه ثلاثا، ثم غسل سائر جسده.
قال: أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا الضحاك بن مخلد، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن القاسم، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه، بدا الحلاب هو إناء كان يحلب فيه لبن النوق، قال: فأخذ بكفه، بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه».
فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن، فيغسل أولا الجهة اليمنى خاصة، إن شعره في كثير من الأحيان كان طويلا وكان يفرقه هكذا ﷺ، فيغسل الجهة اليمنى ثم اليسرى، ثم الغسلة الثالثة على كل الشعر مرة واحدة.
قال رحمه الله: باب ما يكفي الجنب من إفاضة الماء على رأسه. قال: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، عن يحيى، عن شعبة، قال: حدثنا أبو إسحاق، وأخبرنا سويد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله، عن شعبة، عن أبي سعاد، قال: سمعت سليمان بن صرد يحدث عن جبير بن مطعم أن النبي ﷺ ذكر عنده الغسل، فقال: «أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثا». ولفظ سويد وهذا هو السنة، أن يغسل الرأس في الغسل ثلاث مرات.
قال: أخبرنا محمد بن عبد العلى، قال: حدثنا خالد، عن شعبة، عن مخول، عن أبي جعفر، عن جابر، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل أفرغ على رأسه ثلاثة».
قال: باب العمل في الغسل من الحيض. قال: أخبرنا الحسن بن محمد، حدثنا عفان، حدثنا نهيب، قال: حدثنا منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية بنت شيبة، عن عائشة، أن امرأة سألت النبي ﷺ، قالت: يا رسول الله كيف أغتسل عند الطهور؟ قال: «خذي قطعة مسك فتوضئي بها»، قالت: كيف أتوضأ بها؟ قال: «توضئي بها».
المراد بالوضوء هنا التنظف، فتوضئي هنا معناها تنظفي بهذه القطعة التي عليها مسك. قالت: كيف أتوضأ بها؟ قالت: ثم إن رسول الله ﷺ سبح وأعرض عنها، ففطنت عائشة لما يريد رسول الله ﷺ، قالت: فأخذتها وجبتها إلي، فأخبرتها بما يريد رسول الله ﷺ. وسبحان الله، هذا من معنى الحديث أنه استحى أن يجيبها.
قال: باب الغسل مرة واحدة. قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن سالم بن أبي جعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة زوج النبي ﷺ، قالت: «اختصر النبي ﷺ الجنابة، فغسل فرجه، ودلك يده بالأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفاض على رأسه وسائر جسده». وهذا يدل على أنه أفاض الماء على سائر جسده مرة واحدة، وهذا مجزئ، وهذا الحد مجزئ.
قال: باب اغتسال النفساء عند الإحرام. قال: أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن مثنى ويعقوب بن إبراهيم واللفظ له، وحدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي، قال: أتينا جابر بن عبد الله فسألناه عن حجة الوداع، فحدثنا أن رسول الله ﷺ خرج لخمس بقين من ذي القعدة، وخرجنا معه حتى أتى ذو الحليفة، ولدت أسماء بنت عميس محمدا بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ فقال: «اغتسلي ثم استفطري».
هذا الاغتسال للنفساء عند الإحرام سنة، تمام، هذا الاغتسال هي الآن نفساء، هل هذا الاغتسال سيرفع عنها النفاس؟ كلا، إنها الآن نفساء، ما قيمة هذا الاغتسال؟ هذا اغتسال سنة للإحرام وليس لأنها يلزمها هذا الاغتسال.
قال رحمه الله: أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم، حدثنا أبي، حدثنا حسن، عن أبي إسحاق، وأخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل».
قال: باب الطواف على النساء في غسل واحد. لأنه كان ينوي بالغسل الوضوء فلا حاجة لأن يعيد الوضوء بعد الغسل. قال: أخبرنا حميد بن مسعد، عن بشر وهو ابن المفضل، حدثنا شعب، عن إبراهيم بن محمد، عن أبيه، قال: قالت عائشة: «كنت أطيب رسول الله ﷺ فيطوف على نسائه ثم يصبح محرما ينضح طيبا». والطواف هنا بمعنى الجماع، وهذا كما قلنا للمعدد له أن يجامع نساءه في ليلة واحدة جميعهم ثم يغتسل غسلا واحدا.
قال: باب التيمم بالصعيد. قال: أخبرنا حسن بن إسماعيل بن سليمان، حدثنا هشيم، حدثنا سيار، عن يزيد الفقار، عن جابر بن عبد الله، قال: «ثم يصبح محرما»، الظاهر أنه في هذه الليلة جاء مع نسائه، ثم في صبيحتها أحرم بعمرة أو حج، الظاهر أنه في صبيحة هذا اليوم أحرم بعمرة أو حج.
قال النبي ﷺ: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا». وهذا من خصائص هذه الأمة، التيمم من خصائص هذه الأمة، وهذا معنى قوله: ﴿وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا﴾. فيستطيع الإنسان أن يصلي في أي بقعة، وطهورا فيستطيع الإنسان أن يتيمم بها، وأما الأمم السابقة فكانوا لا يصلون إلا في صوامعهم أو بيعهم، وكانوا لا يستطيعون أن يتطهروا إلا بالماء ولا يوجد تيمم عندهم.
قال: «فأينما أدرك الرجل من أمتي الصلاة يصلي، وأعطيت الشفاعة، ولم يعط نبي قبلي، وبعثت إلى الناس كافة»، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة.
قال: باب تيمم لمن يجد الماء بعد الصلاة. قال: أخبرنا مسلم بن عمر بن مسلم، قال: حدثني ابن نافع، عن ليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، أن رجلين تيمما وصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فتوضأ أحدهما وأعاد صلاته ما كان في الوقت ولم يعد الآخر، فسأل النبي ﷺ، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة وأجزأت صلاتك»، وقال للآخر: «أما أنت فلك مثل أجر صاحبيك».
قال: أخبرنا سويد، حدثنا عبد الله، عن ليث بن سعد، قال: حدثني عميرة وغيره، عن مك... هذا يدل على أن إصابة السنة مقدمة على تكثير العمل بدون سنة، صحيح؛ إصابة السنة ثوابه أعظم من تكثير العمل على غير سنة.
نعم، قال: أخبرنا سويد بن نصر، حدثنا عبد الله، عن ليث بن سعد، قال: حدثني عميرة وغيره، عن مك... هذا يدل على أن إصابة السنة مقدمة على تكثير العمل بدون سنة.
قال: أخبرنا سويد، ما أكثر أجرا الأول ولا الثاني؟ قال: للأول؛ أصبت السنة وأجزأت صلاتك، وقال للآخر: أما أنت فلك مثل سهم جماعة، يعني حصلت ثواب جماعة، ثوابا مضاعفا. أيهما أكثر أجرا؟ الذي أصاب السنة، أما الثاني وإن حصل أجرا مضاعفا، لكنه لا يصل إلى أجر الأول؛ لأنه صلى الصلاة مرتين، والأول لم يعد الصلاة، وهذا هو المشروع؛ أن الإنسان إذا تيمم فصلى، ثم بعد الصلاة وجد الماء، هل يعيد الصلاة مرة أخرى؟ لا، هذه هي السنة. الرجل الثاني جبر النبي ﷺ خاطره وقال لك أجر جماعة، لكن الأول أجره أكثر لإصابته السنة.
نعم، قال رحمه الله: أخبرنا سويد بن نصر، حدثنا عبد الله، عن ليث بن سعد، قال: حدثني عميرة وغيره، عن مك... هذا يدل على أن إصابة السنة مقدمة على تكثير العمل بدون سنة.
قال عن عطاء بن يسار، أن رجلا... ساق الحديث، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله، عن خالد، حدثنا شعبة، أن مخارق أخبرهم عن طارق بن شهاب، أن رجلا أجنب فلم يصل، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: «أصبت». فأجنب رجل آخر فتيمم وصلى، فقال نحو مما قاله للآخر، يعني: «أصبت».
قال رحمه الله: الرواية الأولى أوضح، لأن قوله للثاني، ثم قوله للأول: أن رجلا أجنب فلم يصل، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: «أصبت». ماذا أصبت؟ كيف يكون الاثنين إصابة؟ ثم أجنب رجل آخر فتيمم وصلى، فقال نحو مما قال للآخر، يعني: «أصبت». كيف الأول أصاب والثاني أصاب؟ الأول أصابته جنابة لم يجد ماء فلم يصل، والثاني أصابته جنابة فتيمم وصلى، يعني كلاهما لم يجد ماء، فكيف أصاب؟
نعم، الأول أصاب السنة، والثاني هو الذي أصاب السنة كيف؟ فعله صحيح. هو كيف لا؟ هنا في واحد خطأ وفي واحد صح، يعني ما الذي ينبغي أن يفعل في هذه الحالة؟ هل أنا مخير أن أصلي أو لا أصلي الفريضة؟ الأول أصاب أنه يعرف أن الجنب لا يصلي، ولكنه أخطأ حيث إنه لم يتيمم. هذا من أظهر الأقوال أن الثاني أصاب الحكم كاملا، وأما الأول فأصاب في فهمه أن الجنب ما عليه صلاة، لكن إصابته ليست كاملة؛ لأنه كان عليه أن يتيمم. وقال البعض: هذا تخريج، وقال البعض: إنه قد يكون هناك شيء من النسخ؛ أنه قال للأول: «أصبت» قبل أن ينزل التيمم للجنب، وقال للثاني: «أصبت» بعد أن نزل التيمم للجنب، فيكون هناك نوع من النسخ، لأن الحديث يحتاج إلى توجيه بلا شك.
كمل، قال رحمه الله: باب الوضوء من المذي. قال: أخبرنا علي بن ميمون، قال: حدثنا مخرمة بن يزيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: تذكر علي والمقداد وعمار، فقال علي: إني امرؤ مذي، وإني أستحي أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته مني، فيسأله أحدكما. فذكر لي أن أحدهما ونسيته، سأله فقال النبي ﷺ: «ذلك المذي؛ إذا وجده أحدكم فليغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة، أو كوضوء الصلاة».
قال: باب الاختلاف على سليمان، لكن لا بد أن يغسل ذكره كما جاء في روايات أخرى. قال: باب الاختلاف على سليمان، أخبرنا محمد بن حاتم، حدثنا عبيدة، قال: حدثنا سليمان الأعمش. كثيرا سنجد تراجم هي فقط للتعليل الحديثي عن الاختلاف على الأعمش في هذا الحديث، ثم النسخة، الحديث الاختلاف على بكير في هذا الحديث، وأنا قلت لكم الأمور، التراجم المتعلقة ببعض الحديث لن أعلق عليها تسييرا عليكم.
قال: حدثنا سليمان بن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن علي، قال: كنت رجلا مذي، فأمرت رجلا فسأل النبي ﷺ، فقال: «فيه الوضوء». قال: أخبرنا محمد بن عبد العلى، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني سليمان الأعمش، قال: سمعت منذرًا عن محمد بن علي، عن علي، قال: استحييت أن أسأل رسول الله ﷺ عن المذي من أجل فاطمة، فأمرت المقداد فسأله، فقال: «فيه الوضوء»، طبعا بعد غسل الذكر.
قال: باب الاختلاف على بكير، قال: أخبرنا أحمد بن عيسى، قال: عن ابن وهب، وذكر كلمة معناها، أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، قال: قال علي: أرسلت المقداد إلى رسول الله ﷺ يسأله عن المذي، فقال: «توضأ ووضح فرجك». قال أبو عبد الرحمن: مخرمة لم يسمع من أبيه شيئا.
قال: أخبر سويد بن نصر، حدثنا عبد الله، عن ليث بن سعد، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار، قال: أرسل علي بن أبي طالب المقداد إلى رسول الله ﷺ يسأل عن رجل يجد المذي، فقال رسول الله ﷺ: «يغسل ذكره ثم يتوضأ». هذا يدل على أن غسل الذكر يكون قبل الوضوء.
قال: أخبرنا عتبة بن عبد الله، قال: قرئ على مالك، وإن أسْمَعُ عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن المقداد بن الأسود، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أمرة أن يسأل رسول الله ﷺ عن الرجل إذا دنى من المرأة فخرج منه المذي، فإني عندي ابنته وأنا أستحي أن أسأله، فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة».
قال: باب الأمر بالوضوء من النوم. قال: أخبرنا عمران بن يزيد، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا محمد بن مسلم الزهري، قال: حدثني سعيد بن المسيب، حدثني أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده».
قال: أخبرنا قتيبة، وحدثنا داوود، عن عمر، عن كريب، عن ابن عباس، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فقمت عن يساره، فجعلني عن يمينه، فصلى ثم اضجع ورقد، فجاءه المؤذن فصلى ولم يتوضأ؛ لأن النبي ﷺ النوم لا ينقض وضوءه، وهذا من خصائصه من خصائص النبي ﷺ أن النوم لا ينقض وضوءه.
قال: أخبرنا يعقوب...
ابن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نعس أحدكم في صلاته فلينصرف ويرقد».
قال: باب الوضوء من مس الذكر. قال: أخبرنا قتيبة، عن سفيان، عن عبد الله، عن ابن أبي بكر قال: «على أثره». فقال أبو عبد الرحمن: «ولم يتقم طعاً». قوله: "إذا نعس أحدكم في صلاته" أراد أن يستدل به النسائي على أن النعاس في الصلاة لا ينقض الوضوء، وقال: "إذا نعس أحدكم في صلاته فلينصرف" أي بعد الصلاة ويرقد، وهذا يدل على أن مجرد النعاس في الصلاة والتثاؤب الشديد لا ينقض الوضوء، بخلاف النوم.
قال أبو عبد الرحمن: "ولم يتقنه" عن عروة عن بسرة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «من مس فرجه فليتوضأ». قال: أخبرنا عمران بن موسى، حدثنا محمد بن سواء، عن شعبة، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن زبير، عن بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فليتوضأ».
قال: أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا ليث، عن ابن شهاب، عن عروة بن زبير، عن مروان بن الحكم أنه قال: الوضوء من مس الذكر، فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان، فأرسل عروة، قالت: ذكر رسول الله ﷺ ما يتوضأ منه، فقال: «من مس الذكر».
قال: أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي عن بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: «من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ». قال أبو عبد الرحمن: هشام بن عروة لم يسمع من أبيه هذا الحديث.
قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الصلاة. قال: باب فرض الصلاة، وذكر اختلاف الناقلين في إسناد حديث أنس بن مالك واختلاف ألفاظهم فيه. قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا شامة بن بدوي، حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، أن النبي ﷺ قال: «بينما أنا عند البيت بين نائم وقاض، إذا أقبل أحد الثلاثة بين الرجلين، فتيت ببطسط من ذهب ملآن حكمة وإيماناً، فشق من النحر إلى مراق البطن، فغسل القلب بماء زمزم، ثم ملئ».
قوله: "أحد الثلاثة بين الرجلين" يقصد هو ﷺ كان بين رجلين نائماً بين حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب، كان نائماً بين رجلين فأقبل أحد الملائكة عليه، لأن الحديث فيه شوية اختصار ولذلك لفظه مشكل. قال: "ثم ملئ حكمة وإيماناً"، "ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار، ثم انطلقت مع جبريل عليه السلام، فأتينا السماء الدنيا، فقيل: من هذا؟ قال جبريل: محمد، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، فقيل: وقد أرسل إليه، مرحباً به ونعم المجيء مجيء".
"وجاء فأتيت على آدم عليه السلام فسلمت عليه، قال: مرحباً بك يا ابن نبي، ثم أتينا السماء الثانية، قيل: من هذا؟ قال جبريل: محمد، فقيل: ومن معك؟ قال: محمد، فمثل ذلك. فأتيت على يحيى وعيسى فسلمت عليهما، فقالا: مرحباً بك يا ابن نبي. ثم أتينا السماء الثالثة، قيل: من هذا؟ قال جبريل: محمد، فقيل: ومن معك؟ قال: محمد، فمثل ذلك. فأتيت على يوسف عليه السلام فسلمت عليه، قال: مرحباً بك يا ابن نبي.
ثم أتينا السماء الرابعة، فمثل ذلك، فأتيت على إدريس عليه السلام فسلمت عليه، قال: مرحباً بك يا ابن نبي. ثم أتينا السماء الخامسة، فمثل ذلك، فأتيت على هارون عليه السلام فسلمت عليه، قال: مرحباً بك يا ابن نبي. ثم أتينا السماء السادسة، فمثل ذلك، ثم أتيت على موسى عليه السلام فسلمت عليه، قال: مرحباً بك يا ابن نبي، فلما جاوزته بكى. قيل: ما يبكيك؟ قال: يا رب هذا الغلام الذي بعثته بعدي يدخل من أمته الجنة أكثر وأفضل مما يدخل من أمتي".
ثم أتينا السماء السابعة، فمثل ذلك، فأتيت على إبراهيم عليه السلام فسلمت عليه، قال: مرحباً بك يا ابن نبي. ثم رفع إلي البيت المعمور، فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، فإذا خرجوا منه لم يعودوا فيه. آخر ما عليهم أن لا يعودوا فيه، يعني سبعون ألف ملك يومياً يزورونه ثم لا يعودون، تخيل كم سبعون ألف ملك يومياً يأتون عليه، الملائكة أعداد مهولة.
ثم رفعت إلي سدرة المنتهى، فإذا نبقها سدرة المنتهى، شجرة سدر ولكنها تسمى سدرة المنتهى عند الله. قال: "فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة". إذاً ثمارها والسدر لها ثمار اسمه النبق، بحجم قلال هجر، يعني الثمر فيها بهذا الحجم، وهذه شجرة عند الله ليست في الدنيا. قال: "وإذا في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران". فسألت جبريل فقال: ما الباطنان؟ فقال: في الجنة. ومن الظاهران؟ فقال: الفرات والنيل، فالفراغ الجنة نهر الفرات، ونهر النيل الموجودان حالياً أصلهما من أنهار الجنة.
ثم فرضت علي خمسون صلاة، فأتيت على موسى فقال: ما صنعت؟ قلت: فُرضت علي خمسون صلاة. قال: إني أعلم بالناس منك، إني عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، وأنه لن يطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنك. فرجعت إلى ربي فسألت أن يخفف عني فجعلها أربعين، ثم رجعت إلى موسى عليه السلام فقال: ما صنعت؟ قلت: جعلها أربعين، فقال لي مثل ما قالته الأولى. فرجعت إلى ربي عز وجل فجعلها ثلاثين، فأتيت على موسى عليه السلام فأخبرت، فقال لي مثل ما قالت الأولى. فرجعت إلى ربي فجعلها عشرين ثم عشرة ثم خمسة.
فأتيت على موسى عليه السلام فقال لي مثل ما قالت الأولى، فقلت: إني أستحي من ربي عز وجل أن أرجع إليه، فنودي: «أن قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، وأجزي بالحسنة عشر أمثالها».
قال: أخبرنا يونس بن عبد الله، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أنس بن مالك وابن حزم قال: قال رسول الله ﷺ: «فرض الله عز وجل على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى أمر بموسى عليه السلام، فقال: ما فرض الله ربك على أمتك؟ قلت: فرض عليهم خمسين صلاة. قال لي موسى: فراجع ربك عز وجل، فإن أمتك لا تطيق ذلك. فراجعت ربي عز وجل فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى فأخبرته، فقال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك. فرجعت ربي عز وجل فقال: هي خمس».
وهي خمسون صلاة لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى فقال: ارجع لربك، فقلت: قد استحييت من ربي عز وجل. قال: أخبر. وقوله: ﴿فَوَضَعَ شَطْرَهَا﴾ أي بعضها، وليس المراد النصف بالضبط.
قال أخبرنا عمرو بن هشام، قال حدثنا مخلد عن سعيد بن عبد العزيز، حدثنا يزيد بن أبي مالك، حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «أوتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل، خطوها عند منتهى طرفها». فرط خطوها أي البراق بسرعة الضوء، يعني إذا نظر إلى مكان وصل إليه مهما كان.
قال: «فركبته معي جبرائيل عليه السلام فسرت، فقال: انزل فصلي، ففعلت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجر. ثم قال: انزل فصلي، فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى عليه السلام. ثم قال: انزل فصلي، فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام. ثم دخلت إلى بيت المقدس فجمع لي الأنبياء عليهم السلام، فقدمني جبرائيل حتى أممت، ثم صعد بي إلى السماء».
وهذه الرواية غير مشهورة في رواية الإسراء والمعراج ولكن حسنها كثير. قال: «فإذا فيها آدم عليه السلام، ثم صعد بي إلى السماء الثانية، فإذا فيها ابن الخالة عيسى ويحيى عليهما السلام، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فإذا فيها يوسف عليه السلام، ثم صعد بي إلى السماء الرابعة، فإذا فيها هارون عليه السلام، ثم صعد بي إلى السماء الخامسة، فإذا فيها إدريس عليه السلام، ثم صعد بي إلى السماء السادسة، فإذا فيها موسى عليه السلام، ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فإذا فيها إبراهيم عليه السلام. ثم صعد بي فوق سبع سماوات، فأتينا سدرة المنتهى فغشيتني ضبابة، فخررت ساجدًا، فقيل لي: إني يوم خلقت السماوات والأرض غشيتني ضبابة، كما قال تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [الواقعة: 7]».
كان هناك شيء ضبّ عليه ﷺ، قال: «فرضت عليك وعلى أمتك خمسون صلاة، فقم بها أنت وأمتك. فرجعت إلى إبراهيم فلم يسألني عن شيء. ثم أتيت على موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟ قلت: خمسون صلاة. قال: فإنك لا تستطيع أن تقوم بها أنت ولا أمتك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فرجعت إلى ربي فخفف عني عشرة. ثم أتيت إلى موسى فأمرني بالرجوع فرجعت فخفف عني عشرة. ثم أتيت موسى فأمرني بالرجوع فرجعت فخفف عني عشرة، ثم ردت إلى خمس صلوات. قال: فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتين فما قاموا بهما. فرجعت إلى ربي عز وجل فسالته التخفيف، فقال: إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين، فخمس بخمس، فقم بها أنت، يعني هي خمس وأجرها أجر خمسين. قال: فعرفت أنها من الله عز وجل صرة، فرجعت إلى موسى عليه السلام فقال: ارجع، فعرفت أنها من الله صرة، أي حتم، فلم أرجع».
قال أخبرنا أحمد بن سليمان، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مالك بن مغول، عن زبير بن عدي، عن طلحة بن مصرف، عن مرّة، عن عبد الله، قال: لما أُسري برسول الله ﷺ، انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة، حيث ينتهي ما عرج به من تحتها وإليها ينتهي ما هو بط؟ هذا ليس مشهورًا، هذه الرواية فيها مخالفة للمشهور، والمشهور أنها كانت سدرة المنتهى في السابعة وليس في السادسة.
قال: حتى يقبض منها، قال تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [الواقعة: 7]. قال: فراش من ذهب، فأعطي ثلاث الصلوات الخمس خواتم سورة البقرة، وما هو الذي يغشى السدرة؟ قال: هنا فراش من ذهب، يعني يغشى سدرة المنتهى فراش، ترف الفراش فراشات ذهبية. قال: فأعطي ثلاث الصلوات الخمس وكان هذا الفراش هو الذي ضبّ عليه قبل قليل، قد يكون. قال: وخواتم سورة البقرة ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ...﴾ آخر آيتين من سورة البقرة، أعطي ما في السماء فيما يظهر.
قال: باب أين فرضت الصلاة؟ قال أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب، قال أخبرني عمرو بن الحارث، أن عبد الله بن سعيد أخبره، أن البناني حدثه عن أنس بن مالك أن الصلوات فرضت بمكة، ﴿بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ...﴾، المقحمات هي الذنوب التي تقحم الإنسان النار. وقال العلماء معنى أنها غُفرت له أي أنه لا يخلد بسببها في النار، أما أنه لا يعذب بها؟ رويدًا، لا يمكن أن يعذب بها إذا لم يغفرها الله عز وجل له ابتداءً، لكنه لا يخلد.
قال عن أنس بن مالك أن الصلوات فرضت بمكة، وأتى رسول الله ﷺ فذهب به إلى زمزم، فشق بطنه وأخرج حشوه في طست من ذهب فغسله بماء زمزم، ثم كبس جوفه حكمة وعلمًا. قال: باب كيف فرضت الصلاة؟ قال: كبس جوفه، كبس يعني حشا جوفه حكمة وعلمًا.
قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتان، فقرت صلاة السفر وتمت صلاة الحضر. صلاة الظهر والعصر والعشاء، أول ما فرضها الله فرضها ركعتين، ثم في المدينة أصبحت أربعًا. ففرضوا صلوات خمس، لكن الظهر والعصر والعشاء كانت كم ركعة؟ ركعتين، في المدينة أصبحت أربعة.
قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن هاشم البعلبكي، قال حدثنا وليد، قال أخبرني أبو عمر الأوزاعي أنه سأل الزهري عن صلاة رسول الله ﷺ بمكة، مع قوله أقرت صلاة السفر، إن الظهر والعصر والعشاء بقيت في السفر كم ركعتين؟ لأنك تقصر في السفر، وأما في الحضر فلا تتمها أربعًا. قال: إنه سأل الزهري عن صلاة رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة إلى المدينة، قال أخبرني عروة عن عائشة قالت: فرض الله الصلاة على رسوله ﷺ، أول ما فرضها ركعتين، ثم أتمت في الحضر أربعة، وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى.
أخبر قتيبة عن مالك عن صالح بن كيسان عن عروة عن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين، فقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. قال أخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا يحيى وعبد الرحمن، قال حدثنا أبو عوان عن بكير بن الأخنس عن...
مجاهد عن ابن عباس قال: «فرضت الصلاة على لسان النبي ﷺ في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة».
قال: أخبرنا يوسف بن سعيد، قال: حدثنا حجاج بن محمد، حدث محمدا. وفي الخوف ركعة؛ هذه فيها إشكال كبير بين الفقهاء؛ لأن الأصل أن صلاة الخوف لا يقلل عدد الركعات، وإنما تختلف هيئة الصلاة فقط، أما عدد الركعات فلا يقللها. فاختلفوا في توجيه قوله: «وفي الخوف ركعة». فقال بعضهم: المراد أنها ركعة مع الإمام وركعة تصليها وحدك، هذا إذا كنت خائفا في السفر، وإذا كنت خائفا في الحضر ركعتين مع الإمام وركعتين تقضيهما وحدك، وهذا لها توجيه. والبعض قال: الحديث على ظاهره، وأن الخوف يقلل عدد الركعات كما أن السفر يقلل عدد الركعات. فوقع خلاف في فهم قوله: «وفي الخوف ركعة»، خاصة أن الحديث صحيح باتفاق الجميع تقريبا.
قال رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الله الشعيطي، عن عبد الله بن أبي بكر بن الحارث بن هشام، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، أنه قال لابن عمر: «كيف تقصر الصلاة، وإنما قال الله عز وجل: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: 101]؟». فقال: هذه أقرّت على بعض الصحابة ابتداء، أن الله عز وجل قال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾. فلما جاء مشروعية القصر في القرآن جاءت مربوطة بالخوف، فقالوا: قد أمنا فكيف نقصر؟ فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فدل هذا على أن القصر مشروع سواء كنت خائفا في السفر أو آمنا في السفر.
فقال ابن عمر: «يا ابن أخي، إن رسول الله ﷺ أتانا ونحن ضلال، فعلمنا، فكان فيما علمنا أن الله عز وجل أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر». قال شعيث: وكان الزهري يحدث بهذا الحديث عن عبد الله بن أبي بكر. جواب عبد الله بن عمر أفضل منه جواب عمر نفسه؛ عمر بن الخطاب أجاب إجابة واضحة.
قال رحمه الله: باب كم فرضت في اليوم والليلة. أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن أبي سهيل، عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل النج، ثائر الرأس، نسمع دوي صوته. ثائر الرأس يعني شعره منفوش دائما. تسمع الأعرابي طبعا، هو يأتي في أيديك ذاك الرجل البدوي المسكين الذي معلوماته بسيطة، لكن تذكر في النهاية أن هذا صحابي وأن نعله فوق رؤوسنا، حتى لا يزهد الإنسان في هذا الرجل لما يراه من بساطته، يكفي أنه صحابي.
قال: ولا نفهم ما يقول، نسمع دوي صوته يعني يصرخ وكذا وما أحد فاهم ماذا يقول، رجل مسكين لكنه صحابي كما قلنا. قال: فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال له رسول الله ﷺ: «خمس صلوات في اليوم والليلة». فقال: «هل علي غيرهن؟» قال: «لا، إلا أن تطوع». قال: «وصيام شهر رمضان؟» قال: «هل علي غيره؟» قال: «لا، إلا أن تطوع». وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال: «هل علي غيرها؟» قال: «لا، إلا أن تطوع». فادبر الرجل وهو يقول: «والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه». قال رسول الله ﷺ: «أفلح إن صدق»، يعني جزاه الله خيرا إذا ثبت على الفرائض، الله يعطيه العافية، المهم الثبات.
لماذا لم يذكر له الحج؟ قالوا: لأن الحج لم يكن قد فرض في يوم ذلك، فالحج فرض في العام السادس من الهجرة.
قال: أخبرنا قتيبة، حدثنا نوح بن قيس، عن خالد بن قيس، عن قتادة، عن أنس قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله، كم افترض الله عز وجل على عباده من الصلاة؟» قال: «افترض الله على عباده صلوات خمس». قال: «يا رسول الله، هل قبلهن أو بعدهن شيء؟» قال: «افترض الله على عباده صلوات خمس». فحلف الرجل لا يزيد عليه شيئا ولا ينقص منه شيئا، قال رسول الله ﷺ: «إن صدق ليدخلن الجنة». يعني سأل: يا رسول الله، هل في شيء قبلهم وفي شيء بعدهم؟ يعني لازم أصلي شيئا غير هذه الخمس؟ قال: لا.
قال: باب البيعة على الصلوات الخمس. قال: أخبرنا عمرو بن منصور، حدثنا أبو مسر، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي مسلم الخولاني، قال: أخبرنا الحبيب الأمين عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «ألا تبايعون رسول الله ﷺ؟» فردها ثلاث مرات، فقدمنا أيدينا فبايعناه، فقلنا: «يا رسول الله، قد بايعناك، فعلام نبايعك؟» قال: «أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، والصلوات الخمس، وأن لا تسألوا الناس شيئا».
وأسر كلمة خفية: «وأن لا تسألوا الناس شيئا»، يعني حاول أن تقضي حاجتك دون أن تمد يدك إلى الناس، حاول أن تبحث عن رزقك، حاول أن أنت تقوم بحوائجك ولا تعتاد أن تكون عالة على الناس. شوف على ماذا بايعهم؟ أن يقضي الإنسان حاجته بنفسه وأن لا يكون كلا على إخوانه. تعرف بعض الناس الكسالى، دائما يقول معك: اعمل لي كذا، سو لي كذا، جيب لي كذا، لا يعرف أن يقضي حوائجه بنفسه، هذا كل على إخوانه، فلاحظ بايعهم على هذا الخلق النبيل.
قال رحمه الله: باب المحافظة على الصلوات الخمس. أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان قال: هذه البيعة كانت لبعض الصحابة، يعني لأناس معينين، لطائفة منهم، لم تكن بيعة عامة.
قال: إن رجلا من بني كنانة يدعى المخدج، سمع رجلا بالشام يكنى أبا محمد يقول: «الوتر واجب». فقال المخدج: «فأبو محمد هذا صحابي سكن الشام لكن لا يعرف ما اسمه»، فرحت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رايح إلى المسجد، فأخبرته بالذي قال أبو محمد، فقال عبادة: «كذب أبو محمد». يعني أخطأ، ما معنى كذب هنا؟ أخطأ، الوتر ليس بواجب، الوتر ما حكمه؟ سنة.
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، من جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة».
قال: باب فضل...
الصلوات الخمس؛ أخبرنا قتيبة، حدثنا ثور عن ابن المنكدر، ومن لم يأتِ بهن استدل به من يرى أن تارك الصلاة لا يكفر، استدل به من يرى أن تارك الصلاة لا يكفر لأنه قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَأْتِ بِهِنَّ﴾ فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة. ولكن جمهور أهل العلم الذين يرون أن تارك الصلاة بالكلية قد يخرج من الإسلام استدلوا بأن قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَأْتِ بِهِنَّ﴾ المراد لم يأتِ بهن على كمالهن، وعدم التقدير، وهذا يطول ذكره.
قال عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أرايتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: «فكذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا»، والدرن هو القذى والأذى.
قال باب الحكم في تارك الصلوات: قال أخبرنا حسين بن كريث، قال حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». قال أخبرنا أحمد بن حرب، قال حدثنا محمد، ظاهر هذه الأحاديث يؤيد الطائفة الثانية التي ترى أن تارك الصلاة بالكلية يخرج من الإسلام.
قال عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة».
قال باب المحاسبة على الصلوات: أخبرنا أبو داود، قال حدثنا هارون بن إسماعيل الخزاز، قال حدثنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن حريث بن قبيصة قال: قدمت المدينة، قال: قلت اللهم يسر لي جليساً صالحاً، فجلست إلى أبي هريرة رضي الله عنه، قال: فقلت إني دعوت الله عز وجل أن ييسر لي جليساً صالحاً، فحدثني بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله أن ينفعني به. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما يحاسب به العبد صلاته، فإن صلحت فقد أفلح».
حرص على الخير، يعني هو يدعو الله أن ييسر له جليساً صالحاً، الجليس الصالح مكسب، ولذلك يحرص الإنسان أن يدعو الله بالرفيق الصالح لأنه يعطيك معلومات تفيدك ويدلك على الخير. قال: «وإن فسدت فقد خاب وخسر». قال همام: لا أدري هذا من كلام قتادة أو من الرواية، «فإن انتقص من فريضته شيء، قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟» فيكمل به ما نقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على نحو ذلك.
هكذا يحاسب الله العباد، أولاً يسأل عن صلواتك الخمس، فإذا كان فيها نقص يسأل: هل له تطوع من النوافل؟ من صلوات النفل نجبر به النقص في الفرائض، فإذا كان هناك تطوع يجبر به نقصك من الفرائض. ولذلك يحرص المؤمن على سنن الرواتب، يحرص على الوتر، يحرص على قيام الليل، سنة الضحى؛ لأن هذه النوافل ستجبر بها ضعف خشوعك في الفرائض، شيء يجبر شيء، فحاول أن تتكثر من نوافل الصلوات.
قال رحمه الله: وخلفه نفس الشيء؛ الصيام، صيام الفرض يجبر النقص فيه بصيام التطوع، ونفس الشيء زكاة الفرض إذا وقع فيها نقص تجبر بزكاة التطوع، وهكذا.
قال رحمه الله: وخلفه أبو العوام، أخبرنا أبو داود، قال حدثنا شعيب بن بيان بن زياد بن ميمون، قال كتب علي بن المديني عنه، قال أخبرنا أبو العوام، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن وجد تامة كتبت تامة، وإن كان انتقص منه شيء، قال: انظروا هل تجدون له من تطوع يكمل له ما ضيع من فريضته؟ ثم سائر الأعمال تجري على حسب ذلك».
قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا نضر بن شميل، حدثنا حماد بن سلمة، عن الأزور بن قيس، عن يحيى بن يعمر، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما يحاسب به العبد صلاته، فإن كان أكملها وإلا قال الله عز وجل: انظروا لعبدي من تطوع؟ فإن وجد له تطوع قال: أكملوا به الفريضة».
قال باب ثواب من أقام الصلاة: قال أخبر محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي، حدثنا بهز بن أسد، حدثنا شعب، حدثنا محمد بن عثمان بن عبد الله وأبوه عثمان بن عبد الله، أنهما سمعا موسى بن طلحة يحدث عن أبي أيوب، أن رجلاً قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم»، و«ذرها» كأنه كان على راحلة، ذرها يعني هذه الكلمة لحالها، ذرها يعني اترك الراحلة تمشي، هذه ليس لها علاقة بالحديث، ذرها كأنه كان ماسكاً الراحلة أو الناقة، قال ذرها يعني خليها تمشي.
قال باب عدد الصلاة الظهر في الحضر: أخبرنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن ابن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة، سمعا أنساً قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعة، وبذي الحليفة العصر ركعتين.
قال باب صلاة الظهر في السفر: أخبرنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعب، عن الحكم بن عتيبة، قال سمعت أبا جحيفة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة، والهاجرة وسط النهار عند الظهيرة، قال: إلى البطحاء فتوضأ وصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة. قال باب فطر هذا كان في سفر، فصلاة الظهر في الحضر أربعة، وأما في السفر الذي تقصر فيه الصلاة فتصلى ركعتين.
قال باب فضل صلاة العصر: أخبرنا محمود بن غياث، قال حدثنا وكيع، حدثنا مسعر وابن أبي خالد والبختري، كلهم سمعوهم من أبي بكر بن عمارة بن رويبح، عن نبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لن يدخل النار من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها». قال باب من صلى قبل طلوع الشمس هي صلاة الفجر، وقبل غروبها صلاة العصر، وهذا يدل على فضل صلاة العصر مع صلاة الفجر.
قال باب المحافظة على صلاة العصر: أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن يونس مولى عائشة رضي الله عنها.
قال ﷺ: «أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً، فقالت: إذا بلغت هذه الآية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾ فاذكروا صلاة العصر». قال: فلما بلغتُها أذنت فأمنت عليّ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. ثم قال: «سمعتهم من رسول الله ﷺ: والصلاة الوسطى وصلاة العصر».
قالوا: هذه اليوم ليست موجودة في القرآن، هي زيادة من عائشة، والبعض قال قراءة شاذة هكذا عملها البعض. وهذه القراءة إذا ثبتت عن عائشة يدل على أن الصلاة الوسطى غير صلاة العصر، لأنها قالت: اكتب الآية هكذا: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ﴾، وإذا ما دام العطف يقتضي المغايرة، إذاً صلاة العصر ليست هي الصلاة الوسطى. ولكن أكثر أهل العلم على أن الوسطى هي العصر، وعلى أن هذه القراءة التي كتبتها عائشة إما هي تفسير أخطأت فيه عائشة فجعلتها آية، أو هي قراءة شاذة لم تثبت.
قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن عبد الله، قال حدثنا خالد، حدثنا شعبة، قال أخبرنا قتادة، عن أبي حسان، عن عبيدة، عن علي رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «شغلون الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس»، وهذه الوسطى كانت العصر، مما يؤكد على أن الوسطى هي العصر.
قال: باب من ترك صلاة العصر. وذا قالها في غزوة الخندق لما شغله المشركون عن الصلاة حتى خرج وقتها. قال رحمه الله: أخبرنا عبيد الله بن نصر، حدثنا يحيى، عن هشام، قال حدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، قال حدثني أبو المليح، قال: كنا مع بريدة في يوم ذي غيم، فقال: بكروا بالصلاة، فإن رسول الله ﷺ قال: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله».
قال: باب عد صلاة العصر في الحضر. هذا يدل على خطورة التقصير في صلاة العصر. قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال حدثنا هشيم، قال أخبرنا منصور بن زاذان، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا نحذر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر، ف حذرنا قيامه في الظهر قدر ثلاثين آية، نقدر كم كان يقف، فكان يقف في الظهر قدر الركعة الأولى قدر ثلاثين آية، قدر سورة السجدة في الركعتين الأوليين، وفي الأخريين على النصف من ذلك، وفي الركعتين الثالثة والرابعة على قدر النصف من الركعتين الأوليين.
قال: وحذرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، وحذرنا الركعتين الأوليين من العصر يكونان على قدر الأخريين من الظهر، هذا يدل على أن صلاة الظهر أطول من صلاة العصر، هكذا كان هديه ﷺ. قال: وحذرنا قيامه في الركعتين الأخريين من العصر على النصف من ذلك.
قال: أخبرنا سويد بن نصر، أخبر عبد الله بن المبارك، عن أبي عوانة، عن منصور بن زاذان، عن الوليد بن أبي بشر، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: كان رسول الله ﷺ يقوم في الظهر فيقرأ قدر ثلاثين آية في كل ركعة، ثم يقوم في العصر في الركعتين الأوليين قدر خمس عشرة آية.
قال: باب صلاة العصر في السفر. قال: أخبرنا الليث، قال حدثنا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعاً، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين؛ صلى العصر بذي الحليفة أي لما خرج مسافراً ووصل إلى ذي الحليفة صلاها ركعتين لأن هذا قصر في الصلاة.
قال: أخبرنا سويد بن نصر، قال أخبرنا عبد الله بن مبارك، عن حيوة بن شريح، قال حدثنا جعفر بن ربيعة، أن عراك بن مالك حدثه، أن نوفل بن معاوية حدثه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله»، وتر يعني قطع أهله وماله، وهذا يدل على إشكالية لمن يفوت أو يقصر في صلاة العصر.
قال عراك: وأخبرني عبد الله بن عمر، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله». قال: ف يزيد بن أبي حبيب، أخبرنا عيسى بن حماد، حدثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، أنه بلغه أن نوفل بن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «صلاة من فاتته فكأنما وتر أهله وماله». قال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هي صلاة العصر». جاء في الرواية الأخرى أنها صلاة العصر، وهذا يوافق الروايات السابقة.
قال: خلفه محمد بن إسحاق، أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، قال حدثني عمي، قال عن محمد بن إسحاق، قال حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، قال سمعت نوفل بن معاوية يقول: «صلاة من فاتته فكأنما وتر أهله وماله»، قال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ: «هي صلاة العصر».
باب صلاة المغرب. أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال حدثنا خالد، قال حدثنا شعبة، عن سعيد بن كhel، قال: رأيت سعيد بن جبير بجمع، بجمع، أقام فصلى المغرب ثلاث ركعات، ثم قام بجمع - وهو اسمه مزدلفة - فصلى العشاء ركعتين، ثم ذكر أن ابن عمر صنع بهم مثل ذلك في ذلك المكان، وذكر أن رسول الله ﷺ صار على مثل ذلك في ذلك المكان.
باب فضل صلاة العشاء. أخبرنا نصر بن علي، هذا يدل على أن صلاة المغرب سفراً وحضراً لا تختلف، أن صلاة المغرب في السفر وفي الحضر دائماً تصلى ثلاثاً لا قصر فيها. أخبرنا بن علي بن نصر، عن عبد الأعلى، قال حدثنا عمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: اعتّم رسول الله ﷺ بالعشاء حتى ناداه عمر رضي الله عنه: نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله ﷺ فقال: «إنه ليس أحد يصلي هذه الصلاة غيركم»، ولم يكن يوم غيركم، لأنه في تلك المرحلة لم يكن هناك مجتمع مسلم إلا مجتمع المدينة النبوية، هذا معنى أنه ليس أحد يصلي هذه الصلاة غيركم، لا يوجد مجتمع إسلامي في تلك الفترة إلا مجتمع المدينة، فقال: «لا يصلي أحد غيركم على كوكب الأرض».
نعم، قال: ولم يكن يومئذ أحد يصلي غير أهل المدينة.
قال: باب صلاة العشاء في السفر. أخبرنا عمرو بن يزيد، قال: حدثنا بهز بن أسد، قال: حدثنا شعب، قال: أخبرني الحكم، قال: صلى بنا سعيد بن جبير بجمع المغرب ثلاثًا بإقامة، ثم صلى العشاء ركعتين، ثم ذكر أن عبد الله بن عمر فعل ذلك، وذكر أن رسول الله ﷺ فعل ذلك.
قال: أخبرنا عمر بن يزيد، حدثنا بهز بن أسد، حدثنا شعب، حدثنا سلمة بن كهيل، قال: سمعت سعيد بن جبير قال: رأيت عبد الله بن عمر صلى بجمع فأقام فصلى المغرب ثلاثة، ثم صلى العشاء ركعتين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع في هذا المكان، أي في مزدلفة؛ لأنه كان مسافرًا في حجة الوداع.
قال: باب فضل صلاة الجماعة. قال: أخبرنا قتيبة عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة»، يتعاقبون يعني يتبادلون، «ملائكة بالنهار وملائكة بالليل».
قال: ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين، هؤلاء الملائكة لما يجي وقت التبديل، يجتمعون مع بعضهم، شفت النهار والليل يجتمعون متى؟ في وقت صلاة الفجر وفي وقت صلاة العصر.
قال: ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسأله -وهو أعلم بهم-: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون. وهذه فضيلة أن تحضر صلاة الفجر في المسجد، أن الملائكة في وقت التبديل يكونون حاضرين، وكذلك في وقت صلاة العصر.
قال: أخبرنا كثير بن عبيد، حدثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «تفضل صلاة الجمع على صلاة أحدكم وحده بخمس وستين درجة»، واجتمع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر، واقرؤوا إن شئتم، وقرآن الفجر كان مشهودًا، معنى أن قرآن الفجر كان مشهودًا يعني تشهده ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر.
قال: أخبرنا عمرو بن علي ويعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل، قال: حدثني أبو بكر بن عمارة بن ربيعة، أن رسول الله ﷺ يقول: «لا يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس، وقبل أن تغرب».
قال: باب فرض القبلة. قال: أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا أبو إسحاق، أن أحدًا صلى قبل طلوع الشمس، المراد صلاة الفجر، وقبل أن تغرب المراد صلاة العصر، وهذا يدل على أن من حافظ عليهما بإذن الله، ولم يرتكب شيئًا من نواقض الإسلام وحافظ، فإنه يدخل الجنة ولا يلج النار بإذن الله.
قال: عن البراء، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ست عشرة شهرًا أو سبعة عشر شهرًا. شك سفيان. وصرف إلى القبلة؛ يعني النبي ﷺ أول ما هاجر إلى المدينة جلس سنة ونصف يصلي إلى بيت المقدس، ثم حولت قبلته إلى الكعبة: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144].
قال: أخبر محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن زكريا بن أبي زائد، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازم، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة فصلى نحو بيت المقدس شهرًا، ثم إنه وجه إلى الكعبة، فمر رجل قد كان صلى مع النبي ﷺ على قوم من الأنصار فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ قد وجه إلى الكعبة، فانحرف إلى الكعبة.
قال: باب الحال التي يجوز فيها الانحراف وهم أثناء الصلاة، انحرفوا إلى الكعبة.
قال: باب الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة. قال: أخبرنا عيسى بن حماد، وأحمد بن عمر بن السرح، والحارث بن مسكين، قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على الراحلة قبل، أي يصلي النافلة على الراحلة. يجوز للإنسان أن يصلي النوافل على الراحلة، سواء سيارة أو جمل أو شيء من ذلك، وصلاة النافلة تسمى سبحة.
قال: على الراحلة قبل، أي وجه تتوجه إليه، فلا يشترط لمن كان مسافرًا أن يستقبل القبلة، لا يشترط لمن كان مسافرًا وأراد أن يتنفل أن يستقبل القبلة، فلك أن تصلي النوافل في السفر وأنت راكب على أي وجه كنت.
قال: ويؤتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة؛ المكتوبة لا تصح، المكتوبة لازم تصليها على الأرض واقفًا باتجاه القبلة، إلا في الأحوال الاستثنائية مثل مواعيد الطائرات التي ليس فيها حل، يكون هنا استثناء أن تصلى وأنت راكب.
قال: أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن المثنى، عن يحيى، عن عبد الملك، قال: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته وهو مقبل من مكة إلى المدينة، وفيه أنزلت: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ شَهِدْتُ مَعَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: 59].
قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته، فسار حيث ما توجه به، قال مالك: نعم، لكن صلى النافلة، هذا مقيد بصلاة النافلة. قال: عبد الله بن دينار، وكان ابن عمر يفعل ذلك.
قال: باب استبانة الخطأ بعد الاجتهاد. قال: أخبرنا قتيبة عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، جاءهم آتٍ فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوه، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة.
هذا حديث استدل به النسائي على أن الإنسان إذا فعل ما عليه واجتهد في البحث عن القبلة فصلى، ثم بعد ذلك أخبر في أثناء الصلاة أو بعدها أن القبلة ليست هذه الجهة، هل يعيد صلاته أم يكمل صلاته؟ يكمل صلاته ولا حاجة إلى إعادتها، بدليل أن أهل قباء، النبي ﷺ كان يصلي في المسجد النبوي وقد جاءه أن يتوجه إلى الكعبة، أهل قباء ما عرفوا ذلك فصلوا حتى جاءهم آتيهم في صلاة الصبح فأخبروهم أن النبي ﷺ أمر أن يتحول، بالتالي هم صلوا إلى الشام، إلى بيت المقدس، وفي أثناء الصلاة جاءهم الخبر، فهل بطلت صلاتهم؟ مما يدل على أن من أخطأ في تحديد القبلة ثم عرف بعض...
الخطأ أنه لا يعيد الصلاة، وأثناء الصلاة وأنت تصلي جاء شخص فحرف لك القبلة، وقال لك القبلة ليست هكذا بل هي هكذا، لا حاجة إلى أن يعيد الصلاة، ولكن بشرط أن الاجتهاد في القبلة إنما يكون للمسافر.
أما في الحضر، فالأصل أن تسأل، قالوا لا اجتهاد فيه إذا كان هناك ناس حولك تسأل الناس وتتأكد؛ فالاجتهاد في القبلة والخطأ فيها إنما يكون في السفر، أو في الحضر إذا كان الشخص مسجونًا أو في بلده لا يوجد فيها أحد فرضًا، أما إذا كان الناس حولك في مدينة عامرة فلا يجوز أن تجتهد أصلًا في تحديد القبلة.
قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب المواقيت. قال: باب، أخبرنا قتيبة، قال حدثنا ليث بن سعد، عن ابن شهاب، ووقت الظهر ووقت العصر ووقت المغرب ووقت العشاء.
عن عمر بن عبد العزيز أنه أخر العصر شيئًا، فقال له عروة: أما إني قد سمعت جبريل عليه السلام نزل فصلى إمام رسول الله ﷺ، فقال عمر: اعلم ما تقول يا عروة! فقال: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول، سمعت أبا مسعود يقول، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نزل جبريل فأمّني، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه»، يحسب بأصابعه خمس صلوات. هذا يدل على أن تحديد أوقات الصلوات من جبريل من الله.
قال: باب، أول وقت الظهر. قال: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال حدثنا خالد، حدثنا شعبة، حدثنا سيار بن سلامة، قال سمعت أبي يسأل أبا برزة عن صلاة رسول الله ﷺ، قلت: أنت سمعته؟ قال: كما أسمعك الساعة. فقال: سمعت أبي يسأل عن صلاة رسول الله ﷺ، قال: كان لا يبالي ببعض تأخيرها، يعني العشاء إلى نصف الليل، ولا يحب النوم قبلها.
والعشاء يجوز تأخيرها إلى ثلث الليل، أو على بعض المذاهب إلى نصف الليل، وهذا هو الأولى فيها لمن كان لا يصلي جماعة.
قال شعبة: ثم لقيته بعد ذلك فسألته، قال: كان يصلي الظهر حين تزول الشمس، والعصر، يذهب الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية، والمغرب لا أدري أي حين. ثم لقيته بعد ذلك فسألته، قال: وكان يصلي الصبح، فينظر الرجل إلى وجه جليسه الذي يعرفه فيعرفه، وكان يقرأ فيها بالستين. وموطن الشاهد أنه كان يصلي الظهر حين تزول الشمس عن منتصف السماء، وهذا وقت دخول الظهر.
قال: أخبرنا كثير بن عبيد، قال حدثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، قال أخبرني أنس أن رسول الله ﷺ خرج حين زاغت الشمس فصلى بهم صلاة الظهر، زاغت أي مالت عن منتصف السماء.
قال: أخبرنا يعقوب، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، قال حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، عن خباب، قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء فلم يشكنا. قالوا: يا رسول الله، أنت تصلي الظهر والدنيا تكون حارة والصحراء حارة! فلم يشكنا، هم كانوا يريدون أن يقولوا يا رسول الله خلينا نؤخر وقت صلاة الظهر، فلم يشكنا أي لم يسامحهم، قال: «بل عليكم أن تصلوا الظهر في موعدها».
لكن هذا في حر الرمضاء الطبيعي، أما إذا اشتد الحر جدًا فقد ورد في الحديث الآخر: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم». فالمراد أنهم أرادوا تأخير وقت صلاة الظهر فلم يشكهم، قال لا ما يتأخر، يبقى وقتها عند تزول الشمس إلا إذا كان حرًا شديدًا جدًا، فهذا موطن آخر. قيل لأبي إسحاق في تعجيلها، قال: نعم.
قال: باب، تعجيل الظهر في السفر. قال: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال حدثني أبو إسحاق في تعجيلها، يعني هم أرادوا ألا تعجل فقال نعم، أرادوا ألا تعجل لكنه رفض ذلك.
قال: حدثني حمزة العائدي، قال سمعت أنس بن مالك يقول: «كان النبي ﷺ إذا نزل منزلاً لم يرتحل منه حتى يصلي الظهر»، فقال رجل: وإن كانت بنصف النهار؟ قال: «وإن كانت بنصف النهار».
قال: باب، تعجيل الظهر في البرد. قال: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، قال حدثنا خالد بن دينار، قال سمعت أنس بن مالك قال: «كان رسول الله ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل».
إذا كان الحر غير المعتاد يبرد بالصلاة، ومعنى أبرد أي ينتظر حتى يبرد الجو قليلاً، فهذا التأخير جائز في هذه الحالة الاستثنائية.
قال: باب، الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر. قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا ليث، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أنه قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم». وشدة الحر هي من نفس جهنم والعياذ بالله.
وقال: أبردوا بالظهر، فإن الذي تجدون من الحر من فيح جهنم.
وهذا نهاية مجلس اليوم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. زادكم الله همة، نلقاكم غدًا بإذن الله على خير وعافية ونقيم الصلاة إن شاء الله. غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل