دخولتسجيل الدخول

سيرة الرسول ﷺ "سيرة ابن هشام" | الرباط العلمي | المجلس الثالث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ذكر الأخنس بن شريق الثقفي، واسمه الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، حليف بني زهرة، وكان من أشراف القوم، فكان يصيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرد عليه، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: 10-11] إلى قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾. ولم يقل زنيم لعيب في نسبه، لأن الله عز وجل لا يعيب أحداً بنسبه، ولكنه حقق بذلك نعته ليعرف الزنيم العديد للقوم. وقد قال خطيم التميمي في الجل: "زنيم تدعاه الرجال زيادة، كما زيد في عرض الأديم الأكارع".

قال والزنيم هو العديد للقوم، أي المُلصق فيهم وليس منهم، تشبيهاً له بالزنمة، وهو شيء يقطع من أذن الشاة ويترك معلقاً بها. هذا طبعا من باب التذكير بأسماء رجالات الكفار الذين ذمهم القرآن، وقد مررنا على أبي جهل وأبي لهب وأمية بن خلف، ولا زلنا في هذا السياق. وهنا ذكر أنها في الأخنس بن شريق، وإلا فعند كثير من المفسرين أن آيات سورة القلم نزلت في الوليد بن المغيرة، فهي مختلفة هل هذه الآيات نزلت في الأخنس بن شريق أو في الوليد بن المغيرة.

ذكر الوليد بن المغيرة، وهو والد خالد بن الوليد، وكان يقول: أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها؟ وهذا يعطيك الإيمان عند خالد بن الوليد، أن خالداً آمن بالقرآن وتلاه مع أنه يعلم أن هناك آيات في القرآن تتكلم عن والده. متخيلين إخواني أنه ليس سهلاً أن تقرأ قرآناً يتكلم عن والدك ويذم والدك ويفضح والدك، لكن هذا هو الإيمان الذي فصل بين الابن وأبيه.

وذكر أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف، فأنزل الله تعالى فيه فيما بلغني: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31] الآيات إلى قوله: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: 32].

ذكر لأبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط؛ كانا متصافيين، فكان عقبة قد جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك أبياً، فأتى عقبة فقال له: ألم يبلغني أنك جلست محمداً وسمعت منه؟ ثم قال: وجهي من وجهك حرام أن أكلمك، واستحلفه من اليمين أن أنت جلست إليه أو سمعت منه أو لم تأته، فتفل في وجهه، ففعل ذلك عدو الله عقبة بن أبي معيط. فأنزل الله تعالى فيهما: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: 27-28] إلى قوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: 29].

ومشى أبي بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم رميم قد بلي، فقال: يا محمد، أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرى؟ ثم فتّه بيده ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا، ثم يدخلك النار». فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: 78-80].

ذكر قول دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قوم من مشركي قريش أوجب النزول: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1]. اعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة فيما بلغني الأسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، وكانوا ذوي أسنان في قومهم، فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيراً مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيراً مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه. فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: 1-2] السورة كلها، أي إن كنتم لا تعبدون الله إلا أن أعبد ما تعبدون، فلا حاجة لي بذلك منكم.

ذكر لأبي جهل بن هشام، لما ذكر الله عز وجل شجرة الزقوم تخويفاً لهم، قالوا: يا معشر قريش، هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد؟ قالوا: لا. قال: عجوة يثرب بالزبد، والله لئن استمكنت منها لنتزقمنها تزقماً. فأنزل الله تعالى. استهزأوا بالزقوم، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: 43-44].

قال ابن هشام: المهل كل شيء من نحاس أو رصاص أو ما أشبه ذلك فيما أخبرني أبو عبيدة. وبلغنا عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه قال: كان عبد الله بن مسعود والياً لعمر بن الخطاب على بيت مال الكوفة، فأمر بفضة فأذيبت، فجاءت تتلون ألوانه، فقال: هل بالباب من أحد؟ قالوا: نعم. قال: أدخلوهم، فأدخلوا، فقال: إن أدنى ما أنتم راؤون شبهاً بالمهل لهذا. وقال شاعر: "يسقي ربي حميماً ومهلاً، يرجع أجرعه يشوي الوجوه". فهو في بطنه يصهر، ويقال إن المهل -إذا قيل- هو الفضة المذابة، أي إن المهل أكثر شيء يشبهها في واقعنا الفضة المذابة.

بلغنا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما حضر، أمر بثوبين خَلقين يغسلان ليكفن فيهما، فقالت له عائشة: قد أغناك الله عن هذا، اشتر كفناً. فقال: إنما هي ساعة حتى يصير إلى المهل. وهذا معنى آخر للمهل، قيل المهل هو الصديد الذي يخرج من الجسد. وأبو بكر لما كان في مرض الموت قالوا له: نشتري لك كفناً، قال: ما في داعي نشتري كفناً جديداً، خلص كفنوني في ثيابي، فإنما الكفن لايش؟ للمهل؛ أي الكفن هو أصلاً عشان الإنسان بيبلى في القبر وبيصير صديد فلا تغالوا في الكفن، ما في داعي أن نتغالى فيه.

قال ابن إسحاق: وأنزل الله فيه: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 60].

ابن أم مكتوم ونزول سورة عبس: وقف الوليد بن المغيرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه وقد طمع في إسلامه، فبينما هو في ذلك إذ مر به ابن أم مكتوم الأعمى، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يستقرئه القرآن، فشق ذلك منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضجره ذلك، لأنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابساً وتركها، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾ [عبس: 1-2] إلى قوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: 13-14]، أي إنما بعثتك بشيراً ونذيراً، لم أخص بك أحداً دون أحد، فلا تمنعه من ابتغاه ولا تصد به لمن لا يريده. قال ابن هشام: ابن أم مكتوم أحد بني عامر بن لؤي، اسمه عبد الله ويقال عمرو.

ذكر من عاد من أرض الحبشة لما بلغهم إسلام أهل مكة وما جرى لهم وما الذين أجازوهم من المشركين. قال ابن إسحاق: بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا إلى أرض الحبشة إسلام أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك، حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ما كانوا يتحدثون به من إسلام أهل مكة كان باطلاً، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفياً. الصحابة في الحبشة وصلت إشاعة إليهم أن أهل مكة أسلموا، فجاءوا كثير منهم عائدين إلى مكة، فلما دنوا منها عرفوا أنها كانت مجرد إشاعة، فمن دخل مكة ما استطاع أن يدخل إلا بجوار رجل؛ الجوار اللي هو يعني حماية أو منع، أو مستخفياً، وإلا فكثير من الصحابة رجعوا مرة أخرى وعادوا إلى الحبشة، وتسمى هي الهجرة الثانية إلى الحبشة.

فكان من قدم مكة منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة، فشهد معهم بدراً، ومن حبس عنه حتى فاته بدر وغيره، ومن مات بمكة. منهم من بني عبد شمس بن عبد مناف: عثمان بن عفان، وامرأته معه، رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، ومعه امرأته سهلة بنت سهيل، ومن حلفائهم عبد الله بن جحش. ومن بني نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوان، حليف لهم من قيس عيلان. ومن بني أسد بن عبد العزى بن قصي: الزبير بن العوام. ومن بني عبد الدار بن قصي: مصعب بن عمير، وسويبط بن سعد. ومن بني عبد بن قصي: طليب بن عمير بن وهب بن كلاب، وعبد الرحمن بن عوف. ومن بني زهرة: المقداد بن عمرو، وعبد الله بن مسعود. ومن بني مخزوم: أبو سلمة بن عبد الأسد، ومعه امرأته أم سلمة، وشماس بن عثمان بن الشريد، وسلمة بن هشام؛ حبسه عمومه من مكة فلم يقدم إلا بعد بدر وأحد والخندق. وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة، هاجر معه إلى المدينة ولحق به أخواه لأمه أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام، فرجعا به إلى مكة فحبساه بها حتى مضى بدر وأحد والخندق.

هؤلاء الذين عادوا إلى مكة، بعضهم عاد إلى مكة، ومنهم من رجع للحبشة؛ هؤلاء كملوا للحبشة، ومنهم من دخل مكة وما رجع للحبشة، منهم من هاجر إلى المدينة من البداية زي عثمان وأبو سلمة، وبعضهم مات في مكة، وبعضهم حبس في مكة إلى ما بعد غزوة بدر، مثل عياش بن أبي ربيعة وغيره.

وحليفهم عمار بن ياسر -يشك فيه كان خرج إلى الحبشة أم لا-، ومعتب بن عوف بن عامر بن خزاعة. ومن بني جمح: عامر بن ربيعة، وعثمان بن مظعون، وابن ساء بن عثمان، وقدامة بن مظعون، وعبد الله بن المظعون. ومن بني سهم بن عمرو: خنيس بن حذافة، وهشام بن العاص بن وائل، سم مكة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حتى قدم بعد بدر وأحد والخندق. ومن بني عدي بن كعب بن لؤي بن غالب: عامر بن ربيعة، حليف لهم، ومعه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن غانم. ومن بني عامر بن لؤي: عبد الله بن مخرمة، أو عبد الله بن سهيل بن عمرو، وكان حبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة حتى كان يوم بدر، فانحاز من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد مع بدراً. هذا عبد الله بن سهيل، خرج مع جيش المشركين إلى بدر حيلة، ولما بدأت المعركة هرب من جيش المشركين إلى جيش المسلمين؛ لأنه أصلاً كان ينتظر هذه الفرصة، وهذا معنى انحاز إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

ومنهم أبو سبرة بن أبي عبد العزى، ومعه امرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو، والسكران بن عمرو بن عبد شمس، ومعه امرأته سودة بنت زمعة، مات بمكة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأته سودة بنت زمعة. خَلَف، يعني تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد موت زوجها السكران. السكران من الذين ماتوا بمكة، خلص يعني رجعوا من الحبشة لمكة وماتوا في مكة، فتزوج النبي صلى الله عليه وسلم زوجته سودة بنت زمعة بعد وفاة خديجة.

قال: ومن بني الحارث بن فهر: أبو عبيدة بن الجراح، وعمرو بن عبد الله بن الجراح، وعمرو بن الحارث بن زهير بن أبي شداد، وسهيل بن بيضاء، وسهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال، وعمر بن أبي سرح بن ربيعة بن هلال. فجميع من قدم عليه مكة من أصحابه من أرض الحبشة ثلاثة وثلاثون رجلاً. إذاً، من دخل مكة من الحبشيين ثلاثة وثلاثون رجلاً؛ هي الفائدة والمعلومة.

قال: فكان من دخل منهم بجوار فيما سمي؛ لأن عثمان بن مظعون دخل بجوار من الوليد بن المغيرة، وأبو سلمة دخل بجوار من أبي طالب بن عبد المطلب؛ وكان خاله أم أبي سلمة برة بنت عبد المطلب. قال ابن إسحاق: أبو طالب هنا هو عم النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قيل إنه كان خاله.

قال ابن إسحاق: وأما عثمان بن مظعون؛ فإن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثني عمن حدثه عن عثمان قال: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء، وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة، قال: والله إن غدوي ورواحي آمناً بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي أهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني؛ لنقص كبير في نفسي. فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفيت ذمتك، وقد رددت إليك جوارك. فقال: لما يا ابن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي؟ قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد، فردد علي جواري على الملأ كما أجرتك على الملأ. قال: فانطلق، فخرج حتى أتى المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد علي جواري. قال: صدق، قد وجدت وفياً كريم الجوار، ولكني قد أحببت أن لا يستجار بغير الله، وقد رددت عليه جواره. ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب في مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. فقال عثمان: صدقت. قال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل. قال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول. قال لبيد بن ربيعة: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من قومه: إن هذا سفيه من سفهاء معه. دين لبيد ما أعجبه أن عثمان يقول له كذبت، فقال: يا أهل مكة، من متى يقال لي أنا كذبت؟ هو لما قال: وكل نعيم لا محالة زائل، وشو قال له عثمان بن مظعون: كذبت، نعيم الجنة لا ينفذ. فما أعجب هذا لبيداً أنه كيف يقال لي كذبت وقدام الناس؟ فقال: يا أهل مكة، من متى يؤذى جليسكم؟ فقالوا: يا لبيد دعك منه، هذا عثمان سفيه من سفهائنا.

قال: فلا تجدن في نفسك من قوله. فرد عليه عثمان حتى شري أمرهما؛ شري ولغت يعني بينهم. قال: فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضرها، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا ابن أخي، الآن فقام لبيد فضرب عثمان بن مظعون على عينه فانتفخت. من اللي بيشوف من بعيد المشهد؟ الوليد بن المغيرة. حكي: يا عثمان طب ما أنت كنت في جواري وأنا حاميك، ليش رديت جواري؟ وهيهم صاروا يتطاولون عليك ويؤذونك. إنه العرب بالنسبة لهم الجوار خط أحمر؛ كان يعني إذا رجل حتى لو مسلم دخل في جوار رجل من سادات قريش ما أحد يستطيع أن يخون هذا السيد من سادات قريش، حتى النبي عليه الصلاة والسلام سيأتي معنا لما رجع من الطائف دخل في جوار المطعم بن عدي، مع أن المطعم بن عدي كان من أشرس أعدائه، لكن العرب في عندهم قيم؛ ليس مثل عربك اليوم، كثير منهم حتى هذه القيم ذهبت.

قال: يقول عثمان: والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله. وإن.. عثمان رجل راقي، عثمان عارف أن الوليد بن المغيرة هسه رح يتشمت، فقال: والله إني أنا مش زعلان على عيني هي اللي خضرت، والله إن عيني الصحيحة محتاجة أيضاً تأكل كف حتى أيضاً تصبح مثل عينها الأخرى، الآدم وإلا أنا أضحي بعين في سبيل الله ما عندي مشكلة. قال: وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس. فقال له الوليد: احلم يا ابن أخي، إن شئت إلى جوارك فعد. فقال: لا.

قال ابن إسحاق: أما أبو سلمة بن عبد الأسد؛ فحدثني أبي إسحاق بن يسار عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة أنه حدث: أن أبا سلمة لما استجار بأبي طالب، مشى إليه رجال من بني مخزوم، فقالوا: يا أبا طالب، هذا منعت منا ابن أخيك محمداً، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا؟ قال: إنه.. يعني أبو طالب، ابن أخوك اللي هو محمد صلى الله عليه وسلم منعته، كمان بدك تمنع أبا سلمة وتحميه؟ يعني أبو طالب كثرت علينا. قال: وإن أنا لم أمنع ابن أختي، لم أمنع ابن أخي. فقام أبو لهب فقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا؛ ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قومه. والله لنذبن عنه أو لنقومن معه في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد.

قالوا: أول مرة أبو لهب تحسه أنه قوي الشخصية؛ قال: خلص اذهبوا عن أبي طالب، أنتم كل ما أبو طالب بده يعمل شغلة بدكم تضلكم فوق رأسه. والله إذا حدا بيزعل أبا طالب؛ بتعرفوا الآن بتيجي شوية هون نبرة الإخوة، يعني أبو طالب وأبو لهب إخوان، فأبو لهب فزع لأبي طالب في قضية الجوار.

قال: فقالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة. وكان لهم ولياً وناصراً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاب خلص؛ لأن أبا لهب أصلاً هو واقف معهم ضد النبي عليه الصلاة والسلام.

قال: فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول، ورجا أن يقوم معه في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال أبو طالب يمدح أبا لهب بكلمات؛ قال أبو طالب: انبسط من موقف أبي لهب، قال: بجوز الرجال لأن عقله تحسنت أموره، فأعطى قصيدة يحثه، طب ما بعد ذلك؟

قال ابن إسحاق: وقد كان أبو بكر الصديق، كما حدثني محمد بن مسلم الزهري عن عروة عن عائشة، حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما رأى؛ قد استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، أذن له. خرج أبو بكر مهاجراً حتى إذا سار من مكة يوماً أو يومين، يلقيه ابن الدغنة. ابن الدغنة قال: أخو بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد الأحابيش. قال ابن إسحاق: الأحابيش هم مجموعة من قبائل العرب تحالفت فيما بينها في منطقة من مناطق مكة، فسميت الأحابيش، مجموعة من القبائل العربية تحالفت فيما بينها في منطقة من مكة، فأصبح اسمهم الأحابيش. قال ابن الدغنة، قال ابن إسحاق: حدثني زهير عن عروة قال: والأحابيش هم أبناء الحارث بن عبد مناة، والهون بن خزيمة، وبنو المصطلق بن خزاعة، هذه القبائل الثلاث تحالفت فصار اسمهم الأحابيش.

قال ابن إسحاق: حدثني زهير، يعني عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: فقال ابن الدغنة: يا أبا بكر، أين؟ قال: أخرجني قومي وآذوني وضيقوا علي. قال: ولما؟ فوالله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع فأنت في جواري. فرجع معه، حتى إذا دخل مكة، قام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إني قد أجرت ابن أبي قحافة، فلا يعرضن له أحد إلا بخير. قال: فقالت فكفوا عنه. قال: وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جمح، فكان يصلي فيه وكان رجلاً رقيقاً، إذا قرأ القرآن استبكى، فتقف عليه صبيان تنزل دموعه.

قال: يعجبون لما يرون من هيئته، قالت: فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة فقالوا: يا ابن الدغنة، إنك لم تجر هذا الرجل لنؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق، وكانت له آيات ونحو؛ فنحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم، فأتِه فأمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما يشاء. هيئة أبي بكر في قراءة القرآن كانت تفتن النساء والصبيان في قريش، فقريش آذاها، قالوا: يا ابن الدغنة أنت أعلنت أنك تجير أبا بكر، على الأقل قل لأبي بكر أن يصلي جوا البيت ما يصلي برا البيت ويفتن نساءنا وصبياننا.

قالت: فمشى ابن الدغنة إليه فقال: يا أبا بكر، إني لم أجرك ليؤذى قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذي أنت به وتأذوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟ قال: فاردد علي جواري. قال: قد رددته عليك. قال: فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبي قحافة قد رد علي جواري، فشأنكم بصاحبكم. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد قال: لقيه سفيه من سفهاء قريش وهو عامد الكعبة، فحثا على رأسه تراباً، قال: فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة أو العاص بن وائل، فقال: فقال أبو بكر: ألا ترى إلى ما يصنع هذا السفيه؟ قال: أنت فعلت ذلك بنفسك. وهو يقول: أي ربي، ما أحلمك! أي ربي، ما أحلمك! أي ربي، ما أحلمك!

قال: أمر نقض الصحيفة، وأسماء من نقضها. قال: الأسماء الخمسة في نقض الصحيفة الظالمة يشعم من عمر العمرين. والآن جاء قدر الله في نقض المقاطعة؛ الصحيفة التي كانت مقاطعة بني هاشم وبني المطلب من رجالات قريش الذين أنهوا هذه المقاطعة ورفضوها وقالوا: خلص، يكفي مقاطعة لآل المطلب.

قال: هشام بن عمرو العامري، زهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، المطعم بن عدي، أبو البختري بن هشام، زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد. قال: هؤلاء هم الذين سعوا في نقضه.

قال ابن إسحاق: وبنو هاشم وبنو المطلب في منزلهم الذي تعاقدت فيه قريش عليهم في الصحيفة التي كتبوها، ثم إنه قام في نقض تلك الصحيفة التي تكاذبت فيها قريش على بني هاشم وبني المطلب نفر من قريش، ولم يبْلُ فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن جذيمة. على رأس هؤلاء الخمسة كان هشام بن عمرو، قول ذلك أنه كان ابن أخي نضلة بن هشام من عبد مناف لأمه؛ فكان هشام لبني هاشم واصلاً، وكان ذا شرف في قومه. فكان فيما بلغني يأتي بالبعير وهاشم وبنو المطلب في الشعب ليلاً وقد أوقره طعاماً، حتى إذا أقبل به في فم الشعب خلع خطامه من رأسه، ثم ضرب على جنبه فيدخل الشعب عليهم، ويأتي به قد أوقره براً، فيفعل به مثل ذلك. قال ابن إسحاق: ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية.

يعني كان يحمل جمله له البر، كان يضع البر على جمله ويدخله إلى شعب آل طالب وآل هاشم؛ لأن هشام بن عمرو كان هو ابن أخ نضلة بن هاشم بن عبد مناف، هاشم جد النبي عليه الصلاة والسلام له ابن اسمه نضلة، تمام؟ وهذا نضلة.. هشام بن عمرو بن ربيعة هو ابن أخو نضلة، باختصار في نسب بين هشام بن عمرو بن ربيعة والهاشميين، بالتالي هذا الرجل هشام بن عمرو كان رفيقاً بآل هاشم، فكان يزود لهم زي ما تحكي هيك أكل وشرب أثناء الحصار.

قال: ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، قد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت، لا يباعون ولا يُبتاع منهم، ولا ينكحون ولا يُنكح إليهم؟ أما إني أحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعوتك إليه منهم، وأنت حكيت له: يا أبا جهل، بدنا نقاطع أخوالك، أبو جهل ما رح يجيبك؛ بس فهو بده يفزعه يخليه، إنه لأن زهير بن أبي أمية أمه مين؟ عاتكة بنت عبد المطلب، يعني أخواله باختصار هم المقاطعون؛ فبده يفزعه على أخواله.

قالت: قال: ما أجبنك إليه أبداً. قال: ويحك يا هشام، فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها. قال: قد وجدت رجلاً. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: أبو زهير، يلا خلينا ندور على ثالث معنا.

قال: فذهب إلى المطعم بن عدي، فقال له: المطعم، قد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه؟ أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعاً. قال: ويحك، فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت ثانياً. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: ابغنا ثالثاً. قال: قد فعلت.

ثم ذهب إلى أبي البختري بن هشام، فقال له نحوًا مما قال للمطعم بن عدي، فقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من؟ قال: زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأنا معك. قال: ابغنا خامسًا. فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه وذكر له قرابته ومحله، فقال له: هل على هذا الأمر الذي تدعون إليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمى له القوم، فاتعدوا خطم الحجون ليلاً بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك، فأجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام.

تواعدوا أن يذهبوا إلى منطقة خطم الحجون حتى يعملوا مشاورات، أي في اجتماع سري سيعقد بين هؤلاء الخمسة في هذه المنطقة، والحجون هي منطقة مقابر مكة، كانت هناك منطقة المقابر. قال وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم. فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبي أمية، وذهبوا الخمسة إلى أندية قريش يجاهرون بضرورة نقض الصحيفة.

قال: فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس، فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلك لا يباعون ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. قال أبو جهل، وكان في ناحية المسجد: كذبت، والله لا تشق. قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حيث كتبت. قال أبو البختري: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به. قال المطعم بن عدي: صدقتما، وكذب من قال غير ذلك، أبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها. قال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك. قال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، تشور فيه بغير هذا المكان.

أبو جهل فهمها، وقال: هؤلاء كلهم الآن مرة واحدة صاروا علي، قال: هذا أمر دبر بليل، واضح أنكم متفقون مع بعض على هذه الردود. قام المطعم إلى الصحيفة ليشققها، فوجد الأرض قد أكلتها إلا «باسمك اللهم»؛ فكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة، فشلت يده فيما يزعمون. قال ابن هشام: إنه ذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب: «يا عم، إن ربي قد سلط الأرض على صحيفة قريش، فلم تدع فيها اسمًا هو لله إلا أثبتته فيها، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان».

قال: أأخبرك بهذا؟ قال: نعم. قال: فوالله ما يدخل عليك أحد. ثم خرج إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا، فالتمسوا صحيفتكم، فإن كانت كما قال فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عما فيها، وإن كان كاذبًا دفعت إليكم ابن أخي. فقال القوم: رضينا. فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا فإذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزادهم ذلك شرًا، فعند ذلك صنع رهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا، فلما مزقت الصحيفة بطل ما فيها. ذكر أبو طالب الأبيات والقصيدة الطويلة في نقضها.

قال وقال حسان بن ثابت يبكي المطعم بن عدي حين مات؛ المطعم بن عدي بقدر ما كان شرسًا في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، لكن حقيقة له مواقف مشرفة، هو مات كافرًا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينسَ المواقف المشرفة للمطعم بن عدي. لذلك لما أسر الأسرى في بدر، قال: «لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى أسرى بدر، لسلمتهم له» جزاءً على معروفه؛ لأن المطعم بن عدي وقف وقفة جيدة مع المسلمين في نقض الصحيفة، أو حتى قبوله أن يجير النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل من الطائف، إلى غير ذلك من المواقف مع أنه كان يؤذي المسلمين في مواقف أخرى.

أما قوله أجرت رسول الله منهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عن أهل الطائف ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه من تصديقه ونصرته، صار إلى حراء، ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجير، فقال: أنا حليف لا أجير. فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال: أنا حليف لا أجير. مر معنا أن الأخنس بن شريق هل كان قرشيًا؟ لا، ليس قرشيًا، قبل قليل قال لنا زنيم، معناها أنه ملحق بقريش، ما كان قرشيًا. فالأخنس قال له: أنا حليف، لست قرشيًا، لا أستطيع أن أجير على قريش، شوف لك واحدًا قرشيًا.

قال: فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب. فبعث إلى المطعم بن عدي، فأجابه إلى ذلك، ثم تسلح المطعم وأهل بيته وخرجوا حتى أتوا المسجد، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت وصلى عنده، ثم صار إلى منزله.

قال ابن إسحاق: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يرى من قومه يبذل لهم النصيحة ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه، وجعلت قريش حين منعه الله منهم يحذرون الناس من قدم عليهم من العرب. فكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلاً شريفًا شاعرًا لبيبًا، فقالوا له: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرق جماعتنا وشتت أمرنا، إنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئًا. قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئًا ولا أكلمه، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفًا فرقًا من أن يبلغني شيء من قوله وأنا لا أريد أن أسمع.

فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة، فدنوت منه قريبًا، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلامًا حسنًا. فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر، وما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع عن هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلته، وإن كان قبيحًا تركته. فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، فاتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فوالله ما زالوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعت قولاً حسنًا، فاعرض علي أمرك. فعرض علي رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام وتلا القرآن، فلا والله ما سمعت قولاً قط أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبي الله، إني امرؤ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونًا عليهم فيما أدعوهم إليه. فقال: «اللهم اجعل له آية».

فخلصت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر، وقع نور بين عيني مثل المصباح، فقلت: اللهم في غير وجهي، إني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراق دينهم. فتحول النور إلى طرف سوطي، فجعل الحاضرون يرون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم فأصبحت فيهم. لما نزلت أتاني أبي وكان شيخًا كبيرًا، فقلت: إليك عني يا أبت، فلست منك ولست مني. فقال: لِمَ يا بني؟ قال: قلت: أسلمت وتابعت دين محمد. قال: أي بني، فديني دينك. فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ثم تعال حتى أعلمك ما علمت. فذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم جاء فأعرضت عليه الإسلام فأسلم.

ثم أتتني صاحبتي، فقلت: إليك عني، فلست منك ولست مني. قالت: بأبي أنت وأمي، لِمَ؟ قلت: فرق بيني وبينك الإسلام، وتابعت دين محمد. قالت: فديني دينك. قلت: فاذهبي إلى حمى ذي الشر فتطهري منه. وكان ذو الشر صنمًا لدوس، وكان الحمي حمى له به، وشال من ماء يهبط من مكان. قالت: بأبي أنت وأمي، أتخشى علي الصيبة من ذي الشر شيئًا؟ قال: لا، أنا ضامن لذلك. فذهبت فاغتسلت، ثم جاءت فأعرضت عليها الإسلام فأسلمت. ثم دعوت دوسًا إلى الإسلام فأبطؤوا عليّ، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا نبي الله، إنه قد غلبني على دوس الزنا، فادع الله عليهم. فقال: «اللهم اهد دوسًا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم».

فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومضى بدر وأحد، ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسلم معي من قومي ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتًا من دوس، ثم لحقني برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين، ثم لم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا فتح الله عليه مكة، قلت: يا رسول الله، ابعثني إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه. فخرج إليه، فجعل الطفيل وهو يوقد عليه النار يقول: يا ذا الكفين، لست من عبادك، ميلادنا أقدم من ميلادك، إني حشوت النار في فؤادك.

ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان معه بالمدينة حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فلما ارتدت العرب خرج مع المسلمين، فسار معهم حتى فرغ من طليحة الأسدي الذي ادعى النبوة. ثم سار مع المسلمين اليمامة، ومعه ابنه عمرو بن الطفيل، فرأى رؤيا وهو موجه إلى اليمامة، فقال لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا فاعبروها لي، رأيت أن رأسي يحلق، وأنه خرج من فمي طائر، وأنه لقيتني امرأة فأدخلتني في فرجها، وأن ابني يطلبني طلبًا حثيثًا، ثم رأيته حبس عني. قالوا: خيرًا. قال: أما أنا والله فقد أولتها. قالوا: ماذا؟ قال: أما حلق رأسي فوضعه، وأما الطائر الذي خرج من فمي فروحي، وأما المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض تحفر لي فأغيب فيها.

قال: «وأما طلب ابن أثاثة ثم حبسه عني، فإني أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني». قال: فقتل رحمه الله شهيداً من اليمامة، وجرح ابنه جراحة شديدة، ثم استبل منها، ثم قتل عام اليرموك في زمن عمر شهيداً.

قال: أمر الأعشى بن قيس بن ثعلبة. قال ابن هشام: حدثني خالد بن قُرَّة بن خالد السدسي وغيره من مشايخ بكر بن وائل من أهل العلم، أن الأعشى بن قيس بن ثعلبة بن عُكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.

طبعاً بس للفائدة، لما قال إنه قد غلبني على دوس الزنا، وفي بعض النسخ الربا، يعني دوس رفضت الإسلام لأنه بدها ما بدها تترك الربا أو الزنا. وشافت الإسلام وهذا الهوى يمنع كثيراً من الناس أن يسلموا، حتى الملحدين؛ الملحدين اليوم شو اللي بخليه بده يلحد؟ يريد بل يريد الإنسان ليفجر أمامه، هو ما بده يؤمن بوجود الله حتى يأخذ راحته في الشهوات. نعم.

قال: إن الأعشى بن قيس بن ثعلبة بن عُكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الإسلام، فقال يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدة، إلى آخر القصيدة. فلما كان بمكة أو قريباً منها، تعرض له بعض المشركين من قريش، فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسلم. فقال له: يا أبا بصير، إنه يحرم الزنا. فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمر ما لي فيه من أرب. فقال له: يا أبا بصير، فإنه يحرم الخمر. فقال الأعشى: أما هذه فوالله إنك.

تعرف هي قصة الأعشى؛ الأعشى أحد أصحاب المعلقات كان بده يسلم. إيش اللي خلاه ما يسلم؟ أنه أبو جهل أو غيره تعرض له، وقال له: ترى الإسلام يحرم إيش؟ قالوا ابتداءً: الزنا. قال: ما لي فيه حاجة. قالوا: بعد ذلك إن الإسلام يحرم الخمر. قال: لا، الخمر صعبة. الأعشى كان شراباً للخمر، حتى في قصيدته ومعلقته ذكر أنه يعني من أعذب الأمور عنده في الحياة شرب الخمر؛ فلما عرف الأعشى أن الإسلام يحرم الخمر رفض الإسلام.

طيب ممكن، وين كمل؟ كمل الحاشي قال إنهم هذه القصة الأصح أنهم كمل المدينة؛ لأنه ما لسه بدي أحكي لك، بدي أقول لك كمل، إنه هي القصة في نهايتها أصلاً فيها بعض النكارات، أنه تحريم الخمر وين كان؟ في المدينة، فكيف يعني الأعشى جاي على مكة يسلم؟ إلا أن نقول إن الأعشى جاي إلى المدينة كان يريد يسلم مش الآن؛ يعني هي القصص دائماً ببعض القصص يجب أن تنقد في متنها، أنه هل هذا الأعشى جاي على مكة يسلم ولا جاي على المدينة يسلم؟ على المدينة منطق لأن الخمر حُرّمت في المدينة، أما نقول إنه جاء على مكة يسلم، طب في مكة لم يحرم الخمر أصلاً بعده. نعم.

قال: قال: ثم أتي يائس، ولكني منصرف فأتروى منها؛ ثم أتي يائس، فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن إسحاق: وقد كان عدو الله أبو جهل مع عدوته رسول الله صلى الله عليه وسلم من بغضه إياه وشدته عليه، يذله الله له؛ إذا رآه قال: أمر الأراشي الذي باع أبا جهل إبلاً، هو المعجز في ذلك. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان الثقفي، وكان واعية، قال: قدم رجل من أراش؛ قال ابن هشام: وقالوا أراشة بابن له مكة، فابتغاها منه أبو جهل فمطله بأثمانها. فأقبل الأراشي حتى وقف على نادٍ من قريش، من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية.

إيش يعني فمطله بأثمانها؟ يعني أبو جهل اشترى مال من هذا الأراشي وما دفع له، ومطله صار يماطله، أبو جهل ما بده يدفع شكله المال لهذا الأراشي، فهذا الأراشي وقف على نادٍ في قريش ونادى بأعلى صوته: يا معشر قريش، من رجل يؤديني على أبي الحكم بن هشام، فإني رجل غريب ابن سبيل، وقد غلبني على حقي؟ فقال له أهل ذلك المجلس: نعم. فقال له أهل ذلك المجلس: أترى ذلك الرجل الجالس لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهم يهزؤون به لما يعلمون بينه وبين أبي جهل من العداوة، اذهب إليه فإنه يؤديك إليه.

الآن صاروا يستهزئون به، إيش قالوا له؟ شايف ذاك الرجل الجالس يقصدون النبي عليه الصلاة والسلام، هو بيجيب لك حقك من أبي جهل. طبعاً هم يقولون هذا إيش؟ استهزاء، لأنهم يعرفون أن علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بأبي جهل علاقة يعني متوترة وفيها إشكالات، فيستهزئوا بالرجل، قالوا: روح خليه يفزع لك. والنبي صلى الله عليه وسلم فزع له؛ شوفوا القصة.

قال: فأقبل الأراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عبد الله، إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قبله، وأنا غريب ابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه يأخذ لي حقي منه، فأشاروا إليك، فخذ لي حقي منه يرحمك الله. قال: انطلق إلي. وقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم: اتبعه فانظر ما يصنع. قال: كفار قريش الآن عم بيشاهدوا المشهد، استغربوا كيف النبي عليه الصلاة والسلام بده يفزع له، فقالوا لرجل عندهم: روح شوف ماذا سيحصل بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل. نعم.

قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء فضرب عليه بابه فقال: من هذا؟ قال: محمد، فأخرج إليَّ. فالنبي صلى الله عليه وسلم راح على بيت أبو جهل طرق الباب قال: من؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. طيب.

قال: فخرج إليه، ما في وجهه من رائحة قد انتقع. إيش يعني أبو جهل فتح الباب وهو ناشف ريقه، إيش ما في وجه رائحة بس أبو جهل له عدة سباقيات مع النبي عليه الصلاة والسلام ما قدر يؤذيه، هو في قناعة نفسه شاعر أن محمد صلى الله عليه وسلم محمي في شيء، بس عناده هو اللي خلاه يسلم، هو شايف عارف أنه في شيء، فلما النبي صلى الله عليه وسلم قال له: افتح الباب، أبو جهل خرج منتقع اللون خائف. نعم.

قال: فقال: أعطِ هذا الرجل حقه. قال: نعم، لا تبرح حتى أعطيه. قال له: أبشر، أبو جهل قال له: هساه بعطيه حقه. دخل أبو جهل جوا البيت، جاب المصاري وأعطاه. نعم.

قال: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا أراشي، الحق بشأنك. فأقبل الأراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيراً، فقد والله أخذ لي حقي. قال: فرجع الأراشي لكفار قريش قال: الله يجزاكم الخير دليتونا على الإنسان الصح. هم طبعاً من جوا مخطوبين كانوا مفكرين أنه الأمور مش رح تمشي بهذا السيناريو.

قال: وجاء الرجل الذي بعث معه، فقالوا: ويحك، ماذا رأيت؟ قال: أعجباً من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه باباً فخرج إليه وما معه روحه، فقال له: أعطِ هذا حقه، قال: نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه. قال: ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء فقالوا له: ويلك مالك؟ قال قول إيش لما جاء أبو جهل؟ إيه إيش أبو جهل وأنت اللي بتحكي وبدي أفعل بمحمد صلى الله عليه وسلم وسايق فيها، دخلت جوا جبت المصاري وأنت مثل الأرنب ولا ناقشت ولا شيء؟

قال: ويحكم، والله ما هو إلا أن ضرب عليَّ بابي وسمعت صوته فملئت رعباً، ثم خرجت إليه، وإن فوق رأسه لفحلاً من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبيت لأكلني. قال: لما رأيت محمد صلى الله عليه وسلم رأيت فحلاً من الإبل فوق رأسه، وهذه نصرة من الله، قال: فخفت، قلت: والله لو أني ما جبت المصاري لهذا الفحل اللي كان فوق رأس محمد صلى الله عليه وسلم ليأكلني. نعم.

قال: أمر ركانة المطلبي ومصارعته. قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار قال: كان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف أشد قريش، فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض شعاب مكة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ركانة، ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟ قال: إني لو أعلم أن الذي تقول حق لاتبعتك. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق؟ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: نتصارع أنا وإياك، إذا أنا صرعتك تتبعني. نعم.

قال: نعم. قال: فقم حتى أصارعك. قال: فقام ركانة إليه فصارع، فلما بطش به رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعه لا يملك من نفسه شيئاً. قال: ثم قال: عد يا محمد، فعاد فصرعه. قال: فقال: الجولة الأولى غلب فيها النبي عليه الصلاة والسلام، فركانة شك في حاله، قال: معقول؟ قال: مرة ثانية، طيب خلينا نعمل جولة ثانية في المصارعة.

قال: فقال: يا محمد، والله إن هذا العجب تصرعني؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه، أني اتقيت الله واتبعت أمري؟ قال: ما هو؟ قال: أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني. قال: أدعجيك ما هو أعجب من أني أصرعك؟ قال: وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه؛ بدك إيش هي أعجب من أني أصرعك أريكه؟ قال له: أسلم، هسا راح أورجيك آية من الآيات.

قال: ادعوها، فدعاها فأقبلت حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا، ارجعي إلى مكانك. قال: فرجعت إلى مكانها. قال: فذهب ركانة إلى قومه فقال: يا بني عبد مناف، سحروا بصاحبكم أهل الأرض، فوالله ما رأيت أسحر منه قط، ثم أخبرهم بالذي رأى والذي صنع.

قال: أمر وفد النصارى الذين مشكلته أنه إيش قال: سحروا، يعني هذا الرجل قمة في السحر، ما زالت عقلية السحر تغلب على أذهان القرشيين، أنه هذا أسحر أهل الأرض تستطيعوا تغلبوا به كل السحر. نعم.

قال: أمر وفد النصارى الذين أسلموا. قال ابن إسحاق: ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مكة عشرون رجلاً وقريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال من قريش في أندية حول الكعبة، فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره. فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوا بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم حتى عنده حتى فرقتم دينكم وصدقتم ما قال، ما نعلم ركباً أحمق منكم، أو كما قالوا لهم. فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجهلكم.

أبو جهل سب هؤلاء النصارى الذين أسلموا، وقال لهم: يعني قومكم بعثوكم مشان تأتوا بخبر محمد صلى الله عليه وسلم فما إلا أن أسلمتم، ما أحمقكم! ما... فهؤلاء المسلمون من النصارى لما أسلموا قالوا لأبي جهل: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين. فأنزل الله الآيات التي في سورة القصص فيهم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا﴾ [القصص: 51-53] إلى قوله: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: 55]. نعم.

قال ابن إسحاق: وقد سألت ابن شهاب الزهري عن هؤلاء الآيات فيمن نزلت؟ فقال لي: ما زلت أسمع من علمائنا أنها نزلت في النجاشي وأصحابه، والآيات المائدة قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: 82] إلى قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 83]. طبعاً هي تصلح أن تكون في النجاشي وتصلح أن تكون في هذا الركب وفي كل من آمن به من النصارى. طيب.

قال: نزول ذكر قولهم: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟ قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد فجلس إليه المستضعفون من أصحابه: خباب، وعمار، وأبو فكيهة يسار مولى صفوان بن أمية بن محرث، وصهيب وأشباههم من المسلمين، هزئت بهم قريش، وقال بعضهم لبعض: هؤلاء أصحابه كما ترون، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى والحق؟ لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقنا هؤلاء به، وما خصهم الله به دوننا. قال: فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ * وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا﴾ [الأنعام: 52-54].

بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم. قال: نزول الذي يلحدون إليه أعجمي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني كثيراً ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له جبر عبد لبني الحضرمي، فكانوا يقولون: والله ما يعلم محمداً كثيراً مما يأتي به إلا جبر النصراني مولى بني الحضرمي، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103]. طبعاً المبيعة هي مكان للبيع يعني زي الدكان، كان النبي عليه الصلاة والسلام يجلس عند دكان غلام نصراني.

فصارت قريش تحكي: عرفنا من وين محمد صلى الله عليه وسلم بيجيب القرآن، عم يعلمه هذا النصراني القرآن. قال: ﴿لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103]. قال ابن هشام: يلحدون إليه يميلون إليه، الإلحاد الميل، الحق قال رؤبة: إذا تبع الضحاك كل ملحد، والضحاك الخارجيه، وهذا البيت في أرجوزة له.

نزول سورة الكوثر: قال ابن إسحاق: كان العاص بن وائل السهمي فيما بلغني إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعوه فإنما هو رجل أبتر لا عقب له، لو قد مات لانقطع ذكره واسترحتم منه، فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]، ما هو خير لك من الدنيا وما فيها أو الكوثر العظيم. قال ابن إسحاق: قال لبيد بن ربيعة الكلابي: وصاحب ملحوب فجئنا بيومه، وعند الرداع بيت آخر كوثر. يقول: عظيم. وقال ابن هشام: هذا البيت في قصيدة، وصاحب ملحوب عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب مات بملحوب، وقوله عند الرداع بيت آخر كوثر، يعني شريح بن الأحوص بن جعفر بن كلاب مات بالرداع، وكوثر أراد الكثير ولفظ مشتق من لفظ الكثير. قال الكميت بن زيد يمدح هشام بن عبد الملك بن مروان: وأنت كثير يا ابن مروان، طيب، وكان أبوك ابن العقائل كوثراً. وهذا بيت في قصيدة. وقال أمية بن أبي عائذ: يعني كلمة كوثر هي أصلاً مشتقة من كلمة كثير، كوثر كافرة مشتقة من الكثرة أصلاً.

قال: يحمي العقيقة إذا ما اهتدمنا حمحم في كوثر كالجلالي. يعني بالكوثر الغبار الكثير، كثير شبه لكثرتي عليه بالجلال، وهذا بيت قصيدة. قال ابن إسحاق: وحدثني جعفر بإسنادي عن أنس: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وقيده يا رسول الله، قال: ما الكوثر الذي أعطاك الله؟ قال: نهر كما بين صنعاء إلى أيلة، عدد نجوم السماء تريده طير لها أعناق كأعناق الإبل. قال: يقول عمر بن الخطاب: إنها يا رسول الله لناعمة. قال: آكلها أنعم منها. قال ابن إسحاق: وقد زميت في هذا الحديث أو غيره. آكلها الذي يأكل منها يكون مدلل أكثر. قال: إنه قال صلى الله عليه وسلم: من شرب منه لا يظمأ أبداً.

نزول وقالوا لولا أنزل عليه ملك: قال ابن إسحاق: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام وكلامهم فأنذرهم، فقال له زمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث، والأسود بن عبد يغوث، وأبي بن خلف، والعاصي بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويصدقك، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: 8-9].

نزول ولقد استهزئ برسل من قبلك: قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا بالوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وأبي جهل بن هشام، فهمزوه واستهزءوا به، فغاض ذلك، فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من أمرهم: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: 10].

أمر الإسراء والمعراج: قال ابن هشام: ثم أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس من إيلياء. إيليا تمام الياء هي اسم القدس قديماً. قال: وقد فشا الإسلام بمكة في قريش وفي القبائل كلها. قال ابن إسحاق: وكان من حديثي فيما بلغني عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، سفيان، الحسن، الشام، الزهري، وقتادة، وغيرهم من أهل العلم، وأم هانئ بنت أبي طالب، ما اجتمع في هذا الحديث كل يحدث عنه بعض ما ذكر من أمر إسراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في مسراه ما ذكر منه بلاء وتمحيص وأمر من أمر الله عز وجل في قدرته وسلطانه، فيها عبرة لأولي الألباب، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق، بلاء وتمحيص للمؤمنين والكافرين، هل سيصدقون بالنبي صلى الله عليه وسلم ومعجزته أو لا.

قال: فأسرى به كيف شاء وكما شاء ليريه من آياته ما أراد حتى عاين ما عاين من أمر الله وسلطانه العظيم وقدرته التي يصنع بها ما يريد، فكان عبد الله بن مسعود فيما بلغني عنه يقول: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق، وهو الدابة التي كان يحمل عليها الأنبياء قبله، تضع حفرها في منتهى طرفها، فحمل عليها، ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين السماء والأرض حتى انتهى إلى بيت المقدس، وجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء قد جمعوا له، فصلى بهم، ثم أتى بثلاثة: إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فسمعت قائلاً يقول حين عرضت عليه: إن أخذ الماء فغرق وغرقت أمته، وإن أخذ الخمر فغوى وغوت أمته، وإن أخذ اللبن فهدي وهديت أمته. قالت: فأخذت اللبن فشربت، فقال جبريل عليه السلام: هديت وهديت أمتك يا محمد.

قال ابن إسحاق: وحدث عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بين أنا نائم في الحجر جاءني جبريل فهمزني بقدمه فجلست فلم أر شيئاً، فأعادني لمضجعي، فجاء ثانية فهمزني بقدمه فجلست فلم أر شيئاً، فعدت لمضجعي، فجاءني الثالثة فهمزني بقدمي فجلست، فأخذ بعضدي فقمت معه، فأخرجني إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض بين البغل والحمار، في فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه، بين البغل والحمار يعني حجمها أصغر من البغل وأعلى من الحمار. قال: يضع يده في منتهى طرفه، فحملني عليه، ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته. قال ابن إسحاق: وحدثت عن قتادة أنه قال: حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما دنوت منه لأركبه شمس، فوضع جبريل يده على معرفته، ثم قال: ألا تستحي يا براق ما تصنع؟ قال: فوالله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم عليه منه، فاستحي حتى رفض عرقاً، ثم قر حتى ركبته. قال: البراق عرقاً، أصبح البراق يتصبب عرقاً حياء.

قال الحسن في حديثه: فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى جبريل معه حتى انتهى إلى بيت المقدس، وجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء، فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، ثم أتي بإناءين في أحدهما خمر وفي الآخر لبن، قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إناء اللبن فشرب منه وترك إناء الخمر، فقال له جبريل: هديت الفطرة وهديت أمتك، وحرمت عليكم الخمر. ثم صرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم بالخبر، فقال له أكثر الناس: هذا والله الأمر البين، والله إن العير لتطرد. الأمر البين يعني الخبر المنكر الذي لا يمكن تصديقه، قال: إن العير لتطرد شهراً من مكة إلى الشام مدبرة، وشهراً مقبلة، أفيأتي بذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة؟ قال: فارتد كثير ممن كان أسلم وذهب. شوف هذا البلاء، ارتد كثير من المسلمين بسبب هذه المعجزة.

قال: وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا: هل لك يا أبا بكر في صاحبك؟ يزعم أنه قد جاء هذه الليلة من بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة، قال: فقال لهم أبو بكر: إنكم تكذبون عليه، فقالوا: بلى، وهو ذاك في المسجد يحدث به الناس، فقال أبو بكر: والله لئن كان قاله فقد صدق، فما تعجبكم من ذلك؟ فوالله إنه ليخبرني أن الخبر يأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا نبي الله، أحدث هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: نعم. قال: يا نبي الله فصفه لي فإني قد جئته. قال الحسن: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رفع لي حتى نظرت إليه. من معجزاته أن الله رفع له بيت المقدس أمام عينيه، فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم يصفه لهم.

قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفه لأبي بكر، ويقول أبو بكر: صدقت، أشهد أنك رسول الله، كلما وصف له منه شيئاً قال: صدقت، أشهد أنك رسول الله. قال: حتى إذا انتهى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: وأنت يا أبا بكر الصديق، فسمي يومئذ الصديق. قال الحسن: وأنزل الله تعالى فيمن ارتد عن إسلامه لذلك: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: 60]. وش الله يقول: وما جعلنا الرؤيا والمراد بالرؤيا هنا الإسراء والمعراج إلا فتنة للناس ابتلاء، لذلك ارتد عندها كثير من المؤمنين.

قال: فهذا حديث الحسن عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما دخل فيه من حديث قتادة. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الله أسرى بروحه. وهذا حديث ضعيف والصحيح أن الإسراء كان بالروح والجسد، وما نسب لعائشة أنها كانت تقول إنه كان بروحه، هذا لا يصح عن عائشة.

قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن أخنس أن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت رؤيا من الله تعالى صادقة. هذه قاله بعضهم تمام وهي رواية ضعيفة، أن البعض يقول الإسراء والمعراج كان مجرد رؤيا نوم وليس بالجسد والروح وهذا أيضاً خطأ. فلم ينكر ذلك من قولهما لقول الحسن إن هذه الآية نزلت في ذلك قول الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ [الإسراء: 60]. من أين دخلت الشبهة على بعضهم؟ قال: الرؤيا، فقط ظن أن معنى الرؤيا في الآية رؤيا النوم، وكذلك بعض روايات الحديث التي فيها: وبينما أنا نائم جاءني جبريل، توهم البعض أن المراد أنه جاءه في الحلم والمنام.

قال: ولقول الله تعالى في الخبر عن إبراهيم عليه السلام إذ قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: 102]، ثم مضى على ذلك فعرفت أن الوحي من الله يأتي الأنبياء إيقاظاً ونياماً. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يقول: تنام عيني وقلبي يقظان. والله أعلم ذلك كان قد جاء وعاين فيما عاين من أمر الله، على أي حالة كان نائماً يقظان كل ذلك حق وصدق. يعني كان ابن إسحاق متوقف، يعني يقول الله أعلم هل كان يقظة أو مناماً، كل ذلك ورد.

قال ابن إسحاق: وزعم الزهري وعن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف لأصحابه إبراهيم وموسى وعيسى حين رآهم في تلك الليلة فقال: أما إبراهيم فلم أر رجلاً أشبه بصاحبكم ولا صاحبكم أشبه به منه، وأما موسى فرجل آدم طويل، آدم يعني أسود البشرة، طويل، ضرب، جعد شعره مفلفل، أقنى الأنف. يعني بارز الأنف، كأنه من رجال قبيلة شنوءة اليمنية. قال: وأما عيسى بن مريم فرجل أحمر بين القصير والطويل، سبط الشعر، كثير خيلان الوجه. سبط الشعر يعني شعره مسترسل، كثير خيلان الوجه، فيه عليه هيك حبوب في الوجه، بتعرفوا الخيلان بعض الناس وجهه وش زي قال: تخال رأسه يقطر ماء، كأنه خرج من ديماس من حمام، هيك شامي، أو قالت: تخال رأسه يقطر ماء، وليس به، ما أشبه رجالكم به عروة بن مسعود الثقفي.

قال: صفة رسول الله. من أكثر الأدلة وضوحاً أن الإسراء والمعراج كان يقظة أن كفار قريش أنكرته، يعني هل معقول كفار قريش تنكر الإسراء لأنه منام؟ طب ما هم بيشوفوا في منامهم كل شيء، فهذا أكبر دليل أنه لا يمكن أن يكون الإسراء والمعراج رؤية منام، يعني لكان كفار قريش ما أنكرته، شو المشكلة أن الواحد يرى في منامه الأشياء العجيبة؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا نعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لم يكن بالطويل الممغط ولا بالقصير المتردد، وكان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القط ولا بالسبط. لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بالبائن في الطول ولا بالقصير المتردد، وإنما كان ربعة، أي وسطاً، وإلى الطول أقرب كما جاء في بعض الروايات.

ولم يكن شعره بجعد القطط ولا بالسبط، وإنما كان شعره رجلاً، والرجل هو بين الجعد والسبط. وكان أبيض مشرباً بحمرة، أدعج العينين واسع العينين، أهدب الأشفار، أي طويل أشفار الجفنين، جليل المشاش والمفاصل، عريض المنكبين والكاهل، دقيق المسربة، أي عنده خط من الشعر من أعلى الصدر إلى الأسفل. وكان أجرد، أي أن منطقة البطن وما حولها لم يكن فيها شعر كثير، بل كان شعره خفيفاً على الصدر عليه الصلاة والسلام.

شطن الكفين، أي كفه مليئة باللحم مع طراوة، وكذلك القدمان فيهما لحم مع طراوة. إذا مشى تقلع، يرفع رجله ويمشي بقوة، كأنما يمشي في صبب، أي في انحدار. وإذا التفت التفت معاً، يلتفت بكل جسده. ما بين كتفيه خاتم النبوة، وصلى الله عليه وسلم خاتم النبيين. كان أجود الناس كفاً، وأجرح الناس صدراً أي شجاعاً، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس بذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة. من رآه بديهة هابه، ومن خالطه وعاشره أحبه. يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم.

الكتد ما بين المنكب إلى المنكب، والمسروبة هي الشعر الذي بين الصدر إلى السرة. قال ابن إسحاق: وكان فيما بلغني عن أم هانئ بنت أبي طالب هند في مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها كانت تقول: ما أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي، نام عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال: يا أم هانئ، لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم قد صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين.

ثم قام ليخرج فأخذت بطرف ردائه، فتكشف عن بطنه كأنه قبطية مطوية، فقلت له: يا نبي الله، لا تحدث بهذا الناس فيكذبوك ويؤذوك، قال: والله لأحدثنهم. قالت: فقلت لجارية لي حبشية: ويحك، اتبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تسمعي ما يقول للناس وما يقولون له. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس أخبرهم، فعجبوا وقالوا: ما آية ذلك يا محمد؟ فإنا لم نسمع بمثل هذا قط.

قال: آية ذلك أني مررت بعير بني فلان بوادي كذا وكذا، فأنفرهم حس الدابة، فند لهم بعير فدللتهم عليه. ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان مررت بعير بني فلان، فوجدت القوم نياماً ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشيء، فكشفت غطاءه وشربت ما فيه ثم غطيت عليه كما كان. وآية ذلك أن عيرهم الآن تصوب من البيضاء، ثنية التنعيم، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان، إحداهما سوداء والأخرى برقاء.

فقالت: فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم أول من الجمل كما وصف لهم، وسألوهم عن الإناء فأخبروهم أنهم وضعوه مملوءاً ماء ثم غطوه، وأنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوه، ولم يجدوا فيه ماء. وسألوا الآخرين وهم بمكة، فقالوا: صدق، لقد أنفرنا من في الوادي الذي ذكر وند لنا بعير، فسمعنا صوت رجل يدعو إليه حتى أخذناه.

وقال أبو إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لما فرغت مما كان في بيت المقدس أُتي بالمعراج، ولم أر شيئاً قط أحسن منه، هو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا حضر، فأصعد صاحبي فيه حتى انتهى به إلى باب من أبواب السماء. كان المعراج شيئاً، ليس بالبراق، أُتي بالمعراج وكأنه سلم، وهو الذي يمد إليه ميتكم لما أنت تحتضر، ستشوف هذا المعراج لأنه حيث ستعرج عليه روحك، فكان المعراج هذا شيئاً له وجود حقيقي.

قال عليه ملك من الملائكة، وقال له إسماعيل، تحت يديه اثنا عشر ألف ملك، تحت يدي كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك. قال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حدث بهذا الحديث: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: 31]. فلما دخل بي قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: محمد، قال: أو قد بعث؟ قال: نعم، فقال: فدعا بخير.

قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم عمن حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: تلقتني الملائكة حين دخلت السماء الدنيا، فلم يلقني ملك إلا ضاحكاً مستبشراً يقول خيراً ويدعو به، حتى لقيني ملك من الملائكة فقال مثل ما قالوا ودعا به مثل ما دعوه، إلا أنه لم يضحك ولم أر منه من البشر مثل الذي رأيته من غيره. فقلت لجبريل: يا جبريل، من هذا الملك الذي قال لي كما قالت الملائكة لم يضحك ولم أر منه من البشر المثل الذي رأيت منه؟ قال: فقال لي جبريل: أما إنه لو ضحك إلى أحد كان قبلك أو كان ضاحكاً لأحد بعدك لضحك إليك، ولكنه لا يضحك، هذا مالك صاحب النار.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت لجبريل: ومن الله تعالى بالمكان الذي وصف لك، ألا تأمره أن يريني النار؟ فقال: بلى، يا مالك، أر محمداً النار. قال: فكشف عنها غطاءها، ففارت وارتفعت حتى ظننت لآخذن ما أرى. قال: فقلت لجبريل: مره فليردها إلى مكانها. قال: فأمرها فقال لها: اخمُدي. فرجعت إلى المكان الذي خرجت منه، فما شبهت رجوعها إلا وقوع الظل، حتى إذا دخلت من حيث خرجت رد عليها غطاءها.

وقال أبو سعيد في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما دخلت سماء الدنيا رأيت بها رجلاً جالساً، تعرض عليه أرواح بني آدم، فيقول لبعضها إذا عرضت عليه: خيراً، ويسر به ويقول: روح طيبة خرجت من جسد طيب. ويقول لبعضها إذا عرضت عليه: أُف، ويعبس بوجهه: روح خبيثة خرجت من جسد خبيث. قال: قلت من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم، تعرض عليه أرواح ذريته، فإذا مرت به روح المؤمن منهم سر بها وقال: روح طيبة خرجت من جسد طيب، وإذا مرت به روح الكافر منهم أُف منها وكرهها وساءه ذلك وقال: روح خبيثة خرجت من جسد خبيث.

قال: ثم رأيت رجالاً لهم مشافر كمشافر الإبل، في أيديهم قطع من نار كالأحجار، يقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة أموال اليتامى ظلماً. قال: ثم رأيت رجالاً لهم بطون لم أر مثلها قط بسبيل آل فرعون، يمرون عليهم كالإبل المهيومة حين يعرضون على النار يطؤونهم، لا يقدرون على أن يتحولوا بمكان من ذلك. قال: قلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا.

قال: ثم رأيت رجالاً بين أيديهم لحم سمين طيب، وإلى جنبه لحم غث منتن، يأكلون من الغث المنتن ويتركون اللحم السمين الطيب. قال: قلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يتركون ما أحل الله لهم من النساء ويذهبون إلى ما حرم الله عليهم منهن. قال: ثم رأيت نساءً معلقات بثديهن، قال: فقلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء اللاتي أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم. قال: رأى نساء معلقات من ثديهن، هؤلاء نساء زنين وأنجبن أولاداً ونسبوهم إلى أزواجهن مع أنها أتت به من الحرام، والعياذ بالله.

قال ابن إسحاق: وحدثني جعفر بن عمرو، عن القاسم بن محمد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اشتد غضب الله على امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فأكل حرائبهم، واطلع على عوراتهم». وأكل حرائبهم يعني أكل الميراث؛ لأنه الآن هو الزوج مش عارف أنه مش ابنه، هو مفكر أنه ابنه، فلما يموت الزوج سيأخذ من الميراث مع أنه لا يستحق ذلك أبداً.

قال: ثم رجع لحديث أبي سعيد الخدري، ثم قال: ثم أصعدني إلى السماء الثانية، فإذا فيها ابنا الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا. قال: ثم أصعدني إلى السماء الثالثة، فإذا فيها رجل صورته كصورة القمر ليلة البدر. قال: قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك يوسف بن يعقوب. قال: ثم أصعدني إلى السماء الرابعة، فإذا فيها رجل فسألته، فقال: هذا إدريس، قال يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57].

قال: ثم أصعدني إلى السماء الخامسة، فإذا فيها كهل أبيض الرأس واللحية، عظيم العثنون، لم أر كهلاً أجمل منه. قلت: العثنون يعني عظيم اللحية. قال: هذا المحبب في قومه هارون بن عمران. قال: ثم أصعدني إلى السماء السادسة، فإذا فيها رجل آدم طويل أقنى، كأنه من رجال شنوءة. فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران.

قال: ثم أصعدني إلى السماء السابعة، فإذا فيها كهل جالس على كرسي إلى باب البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يرجعون فيه إلى يوم القيامة، لم أر رجلاً أشبه بصاحبكم ولا صاحبكم أشبه به منه. قال: قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم. وصاحبكم يقصد نفسه صلى الله عليه وسلم، يعني: أنا أشبهكم به، لم أر رجلاً أشبه بصاحبكم.

قال: ثم دخل بي إلى الجنة، فرأيت فيها جارية لعساء، فسألت لمن أنت وقد أعجبتني. والعساء التي فيها حمرة، يعني حمرة على سواد. قال: فقالت لزيد بن حارثة، فبشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة.

قال ابن إسحاق: ومن حديث عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني أن جبريل لم يصعد به إلى سماء من السماوات إلا قالوا له حين يستأذن في دخولها: من هذا؟ فيقول: جبريل، فيقول: ومن معك؟ فيقول: محمد، فيقول: أوقد بعث إليه؟ فيقول: نعم، فيقولون: حياه الله من أخ وصاحب، حتى انتهى به إلى السماء السابعة، ثم انتهى به إلى ربه عز وجل، ففرض عليه خمسين صلاة كل يوم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأقبلت راجعاً، فلما مررت بموسى بن عمران، ونعم الصاحب كان لكم، سألني: كم فرض عليك من الصلاة؟ فقلت: خمسين صلاة كل يوم. فقال: إن الصلاة ثقيلة وإن أمتك ضعيفة، فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنك وعن أمتك. فرجعت فسألت ربي أن يخفف عني وعن أمتي، قال: فوضع عني عشراً، ثم انصرفت، فمررت على موسى فقال لي مثل ذلك، فرجعت فسألت ربي فوضع عني عشراً، ثم رجعت فمررت على موسى فقال لي مثل ذلك، فرجعت فسألته فوضع عني عشراً، ثم لم يزل يقول لي مثل ذلك كلما رجعت إليه، فرجع فأسأله، حتى انتهيت إلى أن وضع ذلك عني إلا خمس صلوات في كل يوم وليلة.

ثم رجعت إلى موسى فقال لي مثل ذلك، فقلت: قد راجعت ربي وسألته حتى استحييت منه، فما أنا بفاعل، فمن أداهن منكم إيماناً بهن واحتساباً لهن، كان له أجر خمسين صلاة. صلوات الله محمد صلى الله عليه وسلم.

قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ على أمر الله صابرًا محتسبًا، مؤديًا إلى قومه النصيحة على ما يلقى منهم من التكذيب والأذى والاستهزاء. وكان عظماء المستهزئين -كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير- خمسة نفر من قومهم، وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم.

من بني أسد بن عبد العزى بن قصي: الأسود بن المطلب بن أسد، أبو زمعة، وكان رسول الله ﷺ فيما بلغني قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه به، فقال: «اللهم أعمِ بصره وأثكله ولده».

ومن بني زهرة بن كلاب: الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة.

ومن بني مخزوم بن يقظة بن مرة: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.

ومن بني سهم بن عمرو: العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سهم.

ومن خزاعة: الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عبد عمرو بن بنى ملكان.

فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاء، أنزل الله تعالى عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: 94-96].

حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير أو غيره من العلماء، أن جبريل أتى رسول الله ﷺ وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله ﷺ معه، فمر به الأسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي. ومر به الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات منه. ومر به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله كان قد أصابه قبل ذلك بسنين، وذلك أنه مر برجل من خزاعة يجر سبله، فتعلق سهم نبلة بإزاره فخدش في رجل ذلك الخدش، وليس بشيء، فانتقض به فقتله. ومر به العاص بن وائل، فأشار إلى أخمص رجله، فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض به على شبرقة فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطلة، فأشار إلى رأسه فامتخض قيحًا فقتله.

قال ابن إسحاق: فلما حضرت الوليد بن المغيرة الوفاة، دعا بنيه -وكانوا ثلاثة: هشام بن الوليد، والوليد بن الوليد، وخالد بن الوليد- فقال: أوصيكم بثلاث فلا تضيعوا فيهن: دمي في خزاعة فلا تطلنّه، والله إني لأعلم أنهم منه براء، ولكني أخشى أن تُسبوا به بعد اليوم. ورباي في ثقيف فلا تدعوه حتى تأخذوه. وعقري عند أبي أزيهر الدوسي فلا يفوتنكم به. وكان أبو أزيهر قد زوجه بنتا ثم أمسكها عنه فلم يدخلها عليه حتى مات. فلما هلك الوليد بن المغيرة وثبت بنو مخزوم على خزاعة يلتمسون منهم عقل الوليد، وقالوا: إنما قتله سهم صاحبكم. وكان لبني كعب حلف من عبد المطلب بن هاشم، فأبت عليهم خزاعة ذلك حتى تقاولوا أشعارًا وغلظ بينهم الأمر. وكان الذي أصاب الوليد سهم رجل من بني كعب بن عمرو بن خزاعة.

ثم عدا هشام بن الوليد على أبي أزيهر وهو بسوق ذي المجاز، وكانت عند أبي سفيان بن حرب بنت أبي أزيهر، وكان أبو أزيهر رجلاً شريفًا في قومه، فقتله بعقر الوليد الذي كان عنده لوصية أبيه إياه. وذلك بعد أن هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة ومضى بدر وأصيب به من أصيب من أشراف قريش من المشركين. فخرج يزيد بن أبي سفيان فجمع بني عبد مناف، فقال الناس: أخفر أبو سفيان في صهره، فهو ثائر به. فلما سمع أبو سفيان بالذي صنع ابنه يزيد، وكان أبو سفيان رجلاً حليمًا، منكرًا، يحب قومه حبًا شديدًا، انحط سريعًا إلى مكة وخشي أن يكون بين قريش حدث في أبي أزيهر، فأتته وهو في الحديد في قومه من بني عبد مناف، فأخذ الرمح من يده ثم ضرب به على رأسه ضربة هده منها، ثم قال: قبحك الله! أتريد أن تضرب قريشًا بعضها ببعض في رجل من دوس؟ سنؤتيهم العقل إن قبلوه. فأطفأ ذلك الأمر.

ولما أسلم أهل الطائف كلم رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في ربا الوليد الذي كان في ثقيف، لما كان أبوه أوصاه به. فذكر لي بعض أهل العلم أن هذه الآيات من تحريم ما بقي من الربا أنزلت في ذلك، من طلب خالد بن الوليد ذلك الربا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 278] إلى آخر القصة.

ولم يكن في أبي أزيهر ثأر نعلمه حتى حجز الإسلام بين الناس، إلا أن ضرار بن الخطاب بن مرداس الفهري خرج في نفر من قريش إلى أرض دوس، فنزل على امرأة يقال لها أم غيلان، مولاة لدوس، وكانت تمشط النساء وتجهز العرائس، فأراد دوس قتلهم بأبي أزيهر، فقام دونهم أم غيلان ونسوتها حتى منعتهم. فقال ضرار بن الخطاب في ذلك: جزى الله عنا أم غيلان صالحة ونسوتها، إذ هن شعث عواطل، فهن دفعن الموت بعد اقترابه، وقد برزت للثائرين المقاتل.

قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة أن التي قامت دونهم أم جميل، ويجوز أن تكون أم غيلان قامت مع أم جميل فيمن قام دونهم. فلما قام عمر بن الخطاب أتته أم جميل وهي ترى أنه أخوه، فلما انتسبت له عرف القصة، فقال: إني لست بأخيه إلا في الإسلام، هو غازٍ، وقد عرفت منتك عليه، فأعطاها على أنها ابنة سبيل. وكان ضرار قد لحق عمر بن الخطاب يوم أحد، فجعل يضربه بعرض الرمح ويقول: انجُ يا ابن الخطاب، لا أقتلك، فكان عمر يعرفها له بعد إسلامه.

قال ابن إسحاق: وكان النفر الذين يؤذون رسول الله ﷺ في بيته أبو لهب، والحكم بن أبي العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، وكانوا جيرانه ولم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص. وكان أحدهم فيما ذكر لي يطرح عليه ﷺ رحم الشاة وهو يصلي، وكان أحدهم يطرح في برمته إذا نصبت له، حتى اتخذ رسول الله ﷺ حجزا يستتر به منهم إذا صلى.

فكان رسول الله ﷺ إذا تعرض له ذلك الأذى، كما حدثني عمر بن عبد الله بن عروة عن عروة بن زبير، يخرج به رسول الله ﷺ على العود فيقف به على بابه، ثم يقول: «يا بني عبد مناف، أي جوال هذا؟» ثم يلقيه في الطريق.

قال ابن إسحاق: ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله ﷺ المصائب بهلك خديجة التي كانت له وزيرا صدق على الإسلام يسكن إليها، وبهلك عمه أبي طالب الذي كان له عضدا وحرزا في أمره، ومنعه وناصرا على قومه، وذلك قبل مهاجرته إلى المدينة بثلاث سنين.

فلما هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيع بن أبي صعيد من سفاء قريش فنثر على رأسه ترابا. قال ابن إسحاق: فحدثني فيشام بن عروة عن أبيه عروة بن زبير قال: لما نثر ذلك سفيع على رأس رسول الله ﷺ ذلك التراب، دخل رسول الله ﷺ بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله ﷺ يقول لها: «لا تبكي يا بني، فإن الله مانع أبيك»، ويقول بين ذلك: «ما نلت مني قريش شيئا أكره» حتى مات أبو طالب.

قال ابن إسحاق: ولما اشتكى أبو طالب بلغ قريشا ثقله، قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا، فإننا أنمن أن يبتزنا من أمرنا.

قال ابن إسحاق وحدثني عباس بن عبد الله بن عباس عن بعض أهله عن ابن عباس قال: مشوا إلى أبي طالب فكلمه هم أشراف قومه: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وميت بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، وفي رجال من أشرافهم، فقالوا: يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى، وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ لنا منه وخذ لنا منه فليكف عنا ونكف عنه، وليدعنا وديننا وندعه ودينه.

فبعث إليه أبو طالب فجاءه فقال: يا ابن أخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك. قال فقال رسول الله ﷺ: «نعم، كلمة واحدة، لو أعطيتموها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم». قال فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات! قال: تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه؟ قال فصدقوا بأيديهم، ثم قالوا: أتريد يا محمد أن تجعل إلها واحدا؟ إن أمرك لأعجب! ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه.

قال ثم تفرقوا، فقال أبو طالب لرسول الله ﷺ: والله يا ابن أخي ما رأيتك سألتهم شططا. قال فلما قالها أبو طالب طمع رسول الله ﷺ فيه فجعل يقول له: أي عم، فقلها، أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة؟ قال فلما رأى حرص رسول الله ﷺ عليه، قال لابن أخيه: والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وإن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا من الموت، لقلتها، لا أقولها إلا لأسر بك بها.

فلما تقرب من أبي طالب الموت، نظر العباس إليه يحرك شفتيه، فأصغى إليه بأذنه، قال: فقال يا ابن أخي، والله لقد قال الكلمة التي أمرته أن يقولها. قال فقال رسول الله ﷺ: «لم أسمع». قال: أنزل الله عز وجل في الرهط الذين كانوا سمعوا إليه وقال لهم ما قال وردوا عليه ردا صادا: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾، والقرآن للذكر، سورة صاد نزلت في هذه الواقعة: ﴿جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ إلى آخره.

ثم هلك أبو طالب. قال ابن إسحاق: فلما هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة والمناعة به من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله تعالى، فخرج إليهم وحده.

وإن كان المشهور أنه خرج مع زيد بن حارثة وعلي بن أبي طالب وليس وحده تماما، هذا هو المشهور. تلاحظ أن في سيرة ابن هشام أخذنا من ابن إسحاق أن واقعة الإسراء والمعراج عندهم وقعت قبل وفاة أبي طالب وخديجة، وهذا أحد الأقوال لأهل العلم، أن واقعة الإسراء والمعراج كانت قبل وفاة أبي طالب وخديجة، هذا هو سياق ابن إسحاق للفصل، لأن بعض المؤرخين بالعكس، يقول إن واقعة الإسراء كانت تسلية من الله لنبيه ﷺ بعد وفاة خديجة، لكن ليس هذا هو سياق ابن إسحاق.

قال: سفر رسول الله ﷺ إلى ثقيف كيف يطلب النصرة؟ قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن زاد عن محمد بن كعب الخلضي قال: لما انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف، حمد إلى نفر من ثقيف، ويومئذ سادة ثقيف وأشرافهم إخوة ثلاثة: عبد يال بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير. هؤلاء الإخوة الثلاث هم سادة الطائف.

قال: وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله تعالى، وكلمهم بما جاء له من نصرته على الإسلام وقيام معه على ما خالف من قومه، فقال له أحدهم -وهو يمرط ثياب الكعبة-: «إن كان الله أرسلك». فقال واحد منهم استهزاء: «هو أنا بمرط ثياب الكعبة إذا كنت أنت مرسلا؟» -بس هو الأدب أنك ما تقول أنا، هو كأنك تحكي-.

قال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟ وقال ثالث: والله لا أكلمك أبدا إن كنت رسولا من الله كما تقول، لا أنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أكلمك. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم فيما ذكر لي: إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أنتم ما بدكم تسلموا فاكتموا عني ولا تخبروا قريش أني أتيتكم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يبلغ قومه عنه فيذرئهم ذلك عليه. يعني يحرضهم ذلك على أذيته نعم.

قال ابن هشام: قال عبيد بن الأبرص: ولقد أتاني عن تميم أنهم داروا لقتل عامل وتغضبوا، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: دار النساء على أزواجهن فأمر ضربه. أغطاظ غضب نعم.

قال فلم يفعلوا وأغره سفهاء عبيده. فلم يفعلوا للأسف هذول الثلاثة شرانيين، هذول الثلاثة قادة ثقيف كانوا شرانيين، أغروا به سفهائهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس والجؤوه إلى بستان حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة. الطائف تعتبر مصيف كانت لقريش، فرجالات قريش الكبار زي عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة اللي هم قريشيين كان عندهم مزارع في الطائف.

كيف أنت مثلا من أهل عمان يقال لك مزرعة مثلا في إربد ولا في عجلون ولا شيء، رجالات قريش كان لهم مزارع، الطائف اللي فيكم راحها منطقة عالية وأجواؤها زي أجواء عمان مش حارة زي مكة والمدينة عالية جدا فأجواؤها براد فكانت قريش تعمل لها مزارع هناك. فالنبي صلى الله عليه وسلم اضطر أن يدخل إلى بستان كان لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة هناك طيب.

وهما فيه وكانوا وكأن هذول الاثنين عتبة وشيبه موجودين في البستان في تلك الفترة. قال وهما فيه ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه فمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس. حبلة زي كأنك كيف نحكي نحن اليوم عريشة، عريشة معرش عنب نعم.

قال وابن ربيعة ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكره المرأة التي من جمح من بني جمح فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟ فلما أطمئن قال فيما ذكر.

لقي النبي صلى الله عليه وسلم هذا متأخرا يعني هي المرأة التي كانت زوجة أحد أولاد عبد المكلل لقيها النبي صلى الله عليه وسلم بعدين. فقال لها: والله جماعتك أحمائك اللي هم إخوان زوجك حموا الموت، إخوان زوجك وزوجك آذوني نعم.

قال مطمئن، قال فيما ذكر لي: اللهم إليك أشك ضعف قوتي وقلة حيلتي وأم.

طبعا هل هذا لقيه النبي صلى الله عليه وسلم الظاهر وقد لقي النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لي المرأة التي من بني جمح ممكن لقيها في هذه الفترة نظرت أنه قصده لقيها بعد ذلك مثلا في أيام الفتح طيب.

قال: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني يتجهمني يعني يتعامل معي بقسوة، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليها أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله طيب.

قال فلما راه ابن ربيعة عتبة وشيبة وما لقي تحركت له رحمهما. رحمهما يعني هي فلسفة الرحم، عتبة بن ربيعة من أشد أعداء الدعوة هو وأخوه وهم اللي قتلوا أصلا يوم بدر هم اللي سَايَفُوا حمزة بن عبد المطلب وعلي وقتلوا، عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة هم الذين تبارزوا مع الصحابة يوم بدر وقتلوا، لكن سبحان الله المواقف تختلف يعني، فلما شافوا النبي صلى الله عليه وسلم دخل البستان ورجليه دماء مع الحجارة اللي رماها الصبيان رحموا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الإنسانية اللي نحن بنسميها شوي اليوم نعم.

قال فدعوا غلاما لهم نصرانيا يقال له عداس فقال له: خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه. فعل عداس ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له: كل. فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده قال: بسم الله ثم أكل. فنظر عداس في وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام، هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أيه بلاد أنت يا عداس، وما دينك؟ قال: نصراني وأنا رجل من أهل نينوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال له عداس: وما أدراك ما يونس بن متى؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي. فكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه. قال يقول ابن ربيعة أحد لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك. يبقى قاعدين بكر بكر، راح الغلام أسلم راح علينا نعم.

قال فلما جاءه مع عداس قال له: ويلك يا عداس مالك لا تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي. قال: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه. قال أمر الجن ونزول قوله عز وجل: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: 29].

قال ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي فمر به النفر من الجن الذين ذكر الله تبارك وتعالى وهم فيما ذكر لي سبعة نفر من جن أهل نصيبين، فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله خبرهم عليه صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُجِيرُكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: 31]. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ إلى آخر القصة ببث خبرهم في هذه السورة.

قال عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل قال ابن إسحاق: ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقومه أشد ما كان أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه، إلا قليلا من المستضعفين ممن آمن به، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم إذا كانت على قبائل العرب يدعوهم إلى الله ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يستنصروه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به.

يعني كان ينتظر موسم الحج حتى يبحث الآن عن مكان جديد يهاجر إليه ليؤسس الدولة، النبي عليه الصلاة والسلام وصل إلى قناعة أن مكة الآن لا تصلح لأن يستمر فيها خاصة بعد وفاة عمه أبي طالب يحتاج إلى فزعة ومنعة ليؤسس مشروع الدولة نعم.

قال ابن إسحاق: وحدثني من أصحابنا من لاتم عن زيد بن أسلم عن ربيعة بن عباد الديلي ومن حدثه أبو الزناد عنه، قال ابن هشام ربيعة بن عباد، قال ابن إسحاق: حدثني حسين بن عبد الله ذكر بإسناده عن ربيعة بن عباد قال حدث أبي قال: إن لي غلام شاب مع أبي بمنى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: يا بني فلان إن رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا به وتصدقوني وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به.

قال وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان عليه حُلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه قال ذلك الرجل: يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفائكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه. قال فقلت لأبي: يا أبتي من هذا الرجل الذي يتبع ويرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عم العزة عبد المطلب أبو لهب. أبو لهب للأسف نعم.

قال ابن هشام: قال النابغة: كأنك من جمال بني أقيش يقع خلف رجليه بشن.

قال ابن إسحاق: وحدثني ابن شهاب الزهري أنه أتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم.

الآن هي قصة وحلفائكم من الجن من بني مالك هذه ضعيفة قالوا ما يعني هل فعلا كانوا يؤمنون بوجود حلفاء لهم من الجن؟ هذه كما يقول هنا في الإسناد أنها ضعيفة هذه الزيادة نعم.

قال سيد لهم وقال لهم فدعهم الله وأعرض عليهم نفسه فأبوا عليه.

قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسين أنه أتى كلبا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، حتى إنه قبيلة كلب العربية نعم.

قال حتى إنه لا يقول لهم: يا بني عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم. فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.

قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة في منازلهم فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فلم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم.

قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فقال له رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس -قال ابن هشام: فراس بن عبد الله بن سلمة-: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب.

قال ثم قال هذا، يعني هو هذا الرجل مفكر أن النبي عليه الصلاه والسلام صاحب طموحات حكمية، فهذا الرجل اسمه بيحرة بن فراس قال: والله لو كان هذا الشاب من قريش معي لأكلت به العرب، هي مش مفكرها قضية زعامات يعني نعم.

فقال ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء. قال فقال له: أفنهد نحورنا للعرب دونك فإذا ظهرنا الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حجة لنا بأمرك. فأبوا عليه، قالوا له: أنا آخذك بس بشرط أنه بعد ما أنت تهلك يكون الحكم لي، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا الحكم لله يضعه حيث شاء. قال: بدك إياني أقدم نحري للعرب ويكون العرب ضدنا ونقاتلهم وبعد ما تموت لا يكون الحكم لنا؟ ما لي مصلحة، هذا طالب حكم هذا ما هو طالب دين نعم.

قال فلما صغار الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كانت أدركته السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألوه عما كان في موسم فقالوا: جاءنا فتى من قريش ثم أحد بني عبد المطلب يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه نقوم معه نخرج به إلى بلادنا. قال فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال: يا بني عامر هل لها من تلاف؟ هل لذنابها من مطلب؟ ولقد نفس فلان بيده.

طيب ذناب ايش يعني تدارك؟ هل لذنابها من مطلب؟ قال: هنا الذناب ما هو؟ قال: هذا مثل ضرب لما فاته منها وأصله من ذناب الطائر إذا أفلَت من الحبالة، يعني كان هذا الرجل المسن قال: خسارة أنكم ضيعتم من أيديكم هيك، خسارة أنكم ضيعتموه من أيديكم، والذي نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلي قط، ايش يعني ما في أحد أحفاد إسماعيل عليه السلام ادعى النبوة ما دام الرجل يقول إنه نبي هو صادق ما أحد يدعيها من الإسماعيليين، وإنها لحق فأين رأيكم كان عنكم؟ المهم راحت عليهم قال.

قال أمر سويد بن صامت، قال ابن إسحاق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره اجتمع له الناس بالموسم، أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام يعرض عليهم نفسه وما جاء به من الله من الهدى والرحمة، ولا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب وله اسم وشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله وعرض عليه ما عند.

قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ثم الظفري عن أشياخ من قومه قالوا: قدم سويد بن صامت أخو بني عمرو بن عوف مكة.

أو معتمراً، وكان سويد إنما يسميه قومه الكامل، لجلده وشعره وشرفه ونسبه الذي يقول. ذكر أبيات هو الذي يقول:

ونافر رجلاً من بني السليمين، ثم أحد بني زعب بن مالك، مئة ناقة إلى كاهنات من كهان العرب، فقضت له، فانصرف عنها هو والسلمي ليس معهما غيرهما. فلما فرقت بينهما الطريق قال: ما لي يا أخ بني سليم؟ قال: أبعث إليك به. قال: فمن لي بذلك إذا فاتتني؟ قال: أنا. قال: كلا، والذي نفس سويد بيده لا تفارقني حتى أوتى بمالي. فاتخذ فضرب به الأرض، ثم أوثقه بالرباط، ثم انطلق به.

إذن هي قصة أن هذا سويد بن الصامت نافس رجلاً من بني سليم في الشعر أو في المفاخر على مئة ناقة. قال له: إذا أنا طلعت الأفخر أنت بتعطيني مئة ناقة، وإذا أنت طلعت أنا بعطيك مئة. تحاكموا لمين؟ لكاهنة. ذهب سويد مع هذا الرجل من بني سليم إلى كاهنة من كهان العرب لتحكم أيهما أشعر، فقضت لسويد بن الصامت أنه أنت الأشعر. فانصرف عنها بعد ذلك هو والسلمي ليس معهما غيرهما، هم الاثنين لحالهم. فلما فرقت بينهم الطريق، خلص كل واحد يقول الثاني الله يعطيك العافية ويرجع. قال: ما لي يا أخ بني سليم؟ قال: أبعث إليك به. إيش يعني؟ هسه سويد انحكم له أنه أنت الأفخر، أنت الأشعر، فعلى المراهنة شو لازم يطلع له؟ مئة ناقة. السلمي مش معطيه مئة ناقة، فوصل له قال له: خلص يعطيك العافية، السلام عليكم. قال له: وين المئة ناقة؟ جيبها، أنا قضت لي، ما هي الكاهنة قضت لسويد بن الصامت.

فقال له: خلص انت روح وأنا ببعث لك إياها إن شاء الله بتوصلك. قال: أبعث إليك بها؟ قال: فمن يضمن لي إذا فاتتني؟ مين بده يضمن لي انك رح تعطيني المئة ناقة؟ قال: أنا. قال: كلا، ما أنت لم تأتيني بضامن بهذه الطريقة. قال: كلا، والذي نفس سويد بيده لا تفارقني حتى أوتى بمالي. الآن تعطيني المئة ناقة.

فاتخذ فضرب به الأرض ثم أوثقه رباطاً ثم انطلق به. فاتخذ إيش فاتخذ؟ يعني صار بينهم باكسي، يعني كل واحد منهم أصبح يضرب الآخر. قال: فلم يزل عنده حتى بعثت إليه سليم بالذي له. فقال في ذلك أشعاراً كثيرة كان يقولها.

فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به، فدعاه إلى الله وإلى الإسلام، فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما الذي معك؟». قال: مجلة لقمان. مجلة لقمان يعني أنا معي حكمة لقمان الحكيم القديم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عرضها عليه». فعرضها عليه، فقال له: «إن هذا الكلام حسن، والذي معه أفضل من هذا، قرآن أنزله الله عليه هدًى ونور». فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه وقال: «إن هذا لقول حسن». ثم صرف عنه فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتلته الخزرج، فكان رجال من قومه ليقولون: أنا لنراه قد قتل وهو مسلم. وكان قتاله يوم بعاث.

والله أعلم، قيل إنه قتل وهو مسلم سويد بن الصامت، أنه عاد إلى قومه في المدينة، هو من الخزرج، عاد وأخبرهم بماذا رأى من حال النبي عليه الصلاة والسلام، وكان هذا قبل معركة بعاث. معركة بعاث هي معركة بين الأوس والخزرج حرق فيها كثير منهم.

قال ابن إسحاق: وحدثني حسين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمود بن لبيد، قال: لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومه من الخزرج، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم: «هل لكم في خير مما جئتم له؟». قالوا: وما ذاك؟ قال: «أنا رسول الله بعثني إلى عبادي أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وأنزل علي الكتاب».

بني عبد الأشهل هؤلاء من مين؟ من الأوس. بني عبد الأشهل هؤلاء من الأوس، منهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، هؤلاء ناس من الأوس كأنهم جايين إلى قريش يطلبون التحالف على الخزرج، لأن الخزرج كانوا قتلوا من الأوس كثير، فجايين الأوس بدهم يتحالفوا مع قريش ضد مين؟ الخزرج.

قال إياس وكان غلاماً حدثاً: أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له. فيأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء فضرب بها وجه إياس وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا. نحن مش موضوعنا هذا الموضوع، نحن موضوعنا قريش نتحالف معه. فصمت إياس، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وانصرفوا إلى المدينة فكانت وقعة بعاث. إذاً هذول مش الوفد الستة الخزرجيين، لا، هذول من الأوس، لكن ما ضبطت معهم يعني ما أسلموا، فكانت وقعة بعاث بعدها بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس أن هلك.

قال محمود: فأخبرني من حضر من قومي عند موته أنهم لم يزالوا يسمعون إياساً يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلما. إذاً هذا إياس الشاب الصغير هو الوحيد الذي أسلم في تلك، يعني من البداية، لقد كان استشعر الإسلام في تلك اللحظة حين سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ما سمع.

قال ابن إسحاق: فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم وإنجاز موعده، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فببینما هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً، عند جمرة العقبة في منى.

قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ قومه قالوا: لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «من أنتم؟». قالوا: نفر من الخزرج. قال: «أمن موالي يهود؟». قالوا: نعم. قال: «أفلا تجلسون أكلمكم؟». قالوا: بلى. قال: فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن.

وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبياً مبعوث الآن فقد أظل زمانه فنتبعه فنقتلكم معه قتل عاد إرم. فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا والله إنه لنوعدكم النبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه.

فأجابوه فيما دعاهم إليه وبأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم الإسلام، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، عسى أن يجمعهم الله بك، سنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ولا يرضون عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فيجمعهم الله عليك، فلا رجل أعز منك. ثم صرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا.

قال ابن إسحاق: هم فيما ذكر لي ست نفر من الخزرج، منهم: من بني النجار، ثم من بني مالك بن النجار: أسعد بن زرارة وهو أبو أمامة، وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد، ومن هشام وعفراء بنت عبيد بن ثعلبة. ومن بني زريق بن عمر بن زريق بن عبد حارثة. ومن بني سلمة: قطبة بن عامر. وقال ابن هشام: عمرو بن سواد ليس لسواد، ابن غنم. قال ابن إسحاق: من بني حرام: عقبة بن عامر. ومن بني عبيد: جابر بن عبد الله. فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم يبدأ دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حتى إذا كان العام المقبل وفى موسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوه بالعقبة، العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب. ومنهم: من بني النجار، ثم من بني مالك بن النجار: أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة، ومن بني مالك بن النجار: عوف ومعاذ ابنا الحارث وهما ابنا عفراء. ومن بني زريق بن عامر: رافع بن مالك وذكوان بن عبد قيس. ومن بني عوف بن الخزرج ثم من بني غنم بن عوف: عم العباس بن عبادة. ومن بني سلمة: عقبة بن عامر. ومن بني سواد: قطبة بن عامر. وشهدها من الأوس بيعة العقبة الأولى: أبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدَة من بني عمرو بن عوف.

قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب عن إسناده عن عبادة بن الصامت: كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلاً، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب.

إذن بيعة النساء لماذا سميت بيعة النساء؟ لأنه لم يذكر فيها الجهاد. ألا نشرك بالله شيئاً، ولا نسق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا ناتي ببهتان نفتري بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمر إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر.

وقال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن عائذ بن عبد الله الخولاني أبي إدريس، أن عبادة بن الصامت حدثه أنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى على ألا نشرك بالله شيئاً، ولا نسق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عفر.

فلما انصرف عنه القوم، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف، وأمرهم أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فكان يسمى المقرئ بالمدينة مصعب، وكان منزله على أسعد بن زرارة بن عدس أبي أمامة.

قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه كان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤم بعضاً. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد أنه كان بينهم مشاكل الأوس والخزرج.

ذكر عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي كعب بن مالك حين ذهب بصره، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان بها صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة. فمكث حيناً على ذلك لا يسمع الأذان للجمعة إلا صلى عليه واستغفر له. فقلت في نفسي: والله إن هذا بي لعجز أن أسالّه: ما له إذا سمع الأذان للجمعة صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة؟ فخرجت به في يوم الجمعة كما كنت أخرج، فلما سمع الأذان للجمعة صلى عليه واستغفر له. فقلت: يا أبتي، ما لك إذا سمعت الأذان بالجمعة صليت على أبي أمامة؟ فقلت: يا بني، كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم النبيت من حرة بني بياضة يقال له نقيع الخضمات. قال ابن هشام: الهزم المنخفض من الأرض. قال: قلت: وكم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلاً.

قال ابن إسحاق: وحدثني عبيد الله بن المغيرة، ذكر بإسناد أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس.

القيس بن زيد بن عبد الأشهل، ابن خالة أسعد بن زرارة، قال: فتدخل به حائطاً من حوائط بني ظفر. قال ابن إسحاق: واسمه ظفر كعب بن الحارث الخزرج، قال: على بئر يقال لها بئر مرق، قال: فجلس في الحائط واستمع إليهما رجال ممن أسلم. وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل، وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدا الأوس، قال: وكلاهما مشرك على دين قومه.

فلما سمع به قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذاك؛ هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدماً. قال: فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومك قد جاءك، فاصدق الله فيه. قال مصعب: إن يجلس أكلمه. قال: فقف عليهما متشتماً، فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة.

فقال له مصعب: أوَ تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره. قال: أنصفت. ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمهما مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن، فقال فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتسهله. ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قال له: تغتسل فتطهر، وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي. فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلاً إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، سأرسله إليكما الآن؛ سعد بن معاذ.

ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلاً قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأساً، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت. وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه؛ وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك. قال: فقام سعد مغضباً مبادراً تخوفاً للذي ذكر له من بني حارثة، فأخذ الحربة من يده ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئاً. قال: ثم خرج إليهما.

فلما رآهما سعد مطمئنين عرف سعد أن أسيداً إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتماً، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، والله أما والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشاني في دارينا بما نكره؟ قال: وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير: أي مصعب، جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان. فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمراً ورضيت فيه قبلته، وإن كرهت اعتزلنا عنك ما تكره. قال سعد: أنصفت. وركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن، قال: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم.

لكن هذا سعد بن معاذ سيُهتز عرش الرحمن لموته، شوف كيف الإسلام نقله! الآن هو غضبان، وأنه يا أسعد بن زرارة شو جايب لي واحد يحكي لي؟ وبعد ما أسلم اهتز عرش الرحمن لموته. نعم. قال: ثم قال له: ما كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قال: تغتسلوا فتطهروا، وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين. قال: فقام فاغتسل وطهر ثوبيه فشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامداً إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير. فلما رآه قومه مقبلاً قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم.

فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلماً. ورجع أسعد ومصعب إلى منزل سعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيهم رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف، وتلك أوس الله، وهم الأوس بن حارثة؛ وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت، وهو صيفي، وكان شاعراً لهم قائداً يستمعون منه ويطيعون، فوقف بهم عن الإسلام، فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق.

قال أمر العقبة الثانية، قال ابن إسحاق: ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة، وخرج من خرج من أنصار المسلمين الموسم مع حجاج قوم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة من أوسط أيام التشريق، حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته والنصر لنبيه وإعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك وأهله. قال ابن إسحاق: حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين، أخو بني سلمة، أن أخاه عبد الله بن كعب، وكان من أعلم الأنصار، حدثه -نبه كعباً- حدثه أن كعباً ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها.

قال: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا. فلما وجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة، قال البراء لنا: يا هؤلاء، إني قد رأيت رأياً والله ما أدري أتواتقونني عليه أم لا؟ قلنا: ماذا؟ قال: قد رأيت ألا أدع هذه البنية مني بظهر -يعني الكعبة- وأن أصلي إليها. قال: فقلنا: والله ما بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه. قال: فقال: إني لمصلٍ إليها. قال: فقلنا له: لكننا لا نفعل. قال: فكن إذا حضرت الصلاة إلى الشام، وهو يصلي إلى الكعبة، حتى هما بيصلوا للكعبة وهم بيصلوا للشام في طريق، نعم.

قال: حتى قدمنا مكة، وقد كنا عتبنا عليه ما صنع، وأبى إلا الإقامة على ذلك. فلما قدم مكة قال لي ابن أخي: انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسأله عما صنعت في السفر هذا؛ فإنه والله قد وقع في نفسي منه شيء لما رأيت من خلافكم إياي فيه. قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنا لا نعرفه، لم نره قبل ذلك، فلاقينا رجلاً من أهل مكة فسألناه عن رسول الله فقال: هل تعرفانه؟ فقال: لا. قلنا: لا. قال: هل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قال: قلنا: نعم؛ وقد كنا نعرف العباس، وكان لا يزال ليقدم علينا تاجراً.

قال: فإذا دخلتم المسجد فهو رجل جالس مع العباس. قال: فدخلنا المسجد فإذا عباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك. قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاعر، قال: نعم. قال: فقال له براء بن معرور: انبسط مع كعب بن مالك؛ أنه سمعه ووصل لمكة أنه هو الشاعر، كعب بن مالك الشاعر. قال: فوالله، يعني كأنه فرح أن سمعته في الشعر واصلة لمكة.

قال: فقال له ابن معرور: يا نبي الله، إني خرجت في سفري هذا وقد هداني الله له الإسلام، فرأيت ألا أجعل هذه البنية مني بظاهر، فصليت عليه، وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي بذلك شيء، البنية يقصد الكعبة، ما حبيت أستدبر الكعبة حبيت أستقبلها، وأصحابي خالفوني. فقال: ماذا ترى يا رسول الله؟ قال: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها. قال: أنت على قبلة بس لسه ما أجا وقتها، هذه إشارة أنه ستنسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، بس قال له: لو صبرت شوي. قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى معهم إلى الشام.

قال ابن إسحاق: حدثني معبد بن كعب أن أخاه عبد الله بن كعب حدثه أن أباه، نحن أعلم يقصد هنا كعب بن مالك اللي بيحكي، ونحن أعلم كعب بن مالك يقول؛ هو راوي الحديث من أول. قال كعب: ثم أخرجنا للحج، ووعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق. قال: ففرغنا من الحج، وكانت الليلة التي وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام، أبو جابر، سيد ساداتنا، أخذناه معنا، كنا نكتِّم من معنا من قومنا من المشركين؛ أمرنا أهل المدينة لما خرجوا أغلبهم لسه كانوا مشركين، وهذول الصحابة اللي خارجين يبايعوا بيعة العقبة الثانية، هم جايين مع وفد المشركين، لا ما أخبروهم أنهم مسلمون، متسللين بينهم.

قال: فكلمناه، قلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطباً للنار غداً. ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بما فيه من المشركين الذين كانوا موجودين في الوفد. عبد الله بن حرام والد سيدنا جابر، فالشباب الخزرج الملتزمين أو المسلمين حكوا: خلينا نبدأ في هذا الرجل ندعوه للإسلام، فبلشوا في والد جابر عبد الله ودعوه إلى الإسلام، وفعلاً أسلم، قالوا: أنت رجل كبير وفهمان وكذا، ونحن بدنا إياك ما تروح على النار. فاقتنع عبد الله بن حرام بالإسلام.

قال: فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيباً، في تلك الليلة، نقب النبي صلى الله عليه وسلم حط 12 مسؤولاً عليهم من النقباء كان عبد الله بن حرام منهم. قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا، المسلمين ماشيين من الأوس والخزرج غادروا الخيمة، خيمة أهل يثرب غادروها بصوت خفيف حتى لا يتفطن لهم، لأنه كانوا خايفين أن أهل مكة يعرفوا بالموضوع ويتم قتلهم.

قال: حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً، ومعنا امرأتان من نسائنا، نسيبة بنت كعب أم عمارة، إحدى نساء بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي، إحدى نساء بني سلمة، وهي أم منيع. قال: فاجتمعنا في الشعب ننتظر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، ويومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه.

قال: فلما جلس كان أول متكلم هو العباس بن عبد المطلب، قال: يا معشر الخزرج، وكانت العرب إنما يسمونها الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها، إن محمداً منا حيث قد علمتم، قد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم ما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد خروج به إليكم ومن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة في قومه وبلده. قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.

قال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. قال: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم، فوالذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا؛ الأزر هنا كناية عن النساء. قال: فبايعنا يا رسول الله، قال: فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة، وورثناها كابراً عن كابر. أهل الحلقة السلاح.

قال: فاعترض القول والبراء يتكلم الرسول صلى الله عليه وسلم أبو الهيثم بن التيهان، قال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالاً، وإن قطعناها فلعله إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم. قال ابن هشام: وقال الهدم الهدم، الحرمة أي.

الهدم يعني الحرمة، الحرمة أي دمي دمكم وحرمتي حرمتكم. قال كعب: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم»، قال: فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. يعني زي الأمراء.

أسماء النقباء سريعا، قال ابن هشام من الخزرج فيما حدثنا أبو أمامة أسعد بن زرارة، قال: وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت. قال ابن هشام: قال سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو بن خنيس. ومن الأوس: أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر. قال ابن هشام: وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولا يعدون رفاعة. وقال كعب بن مالك يذكرهم في قصيدة له، فذكر كعب فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولم يذكر رفاعة.

قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن الرسول قال للنقباء: «أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي». قالوا: نعم.

قال ابن إسحاق: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا للبيعة، قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري، أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس. قال: فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرفوا قتلا أسلمتموه، فمن الآن، فوالله خلوه في مكة وريحوه. فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوته إليه على نهك الأموال وقتل الأشراف، فخذوه؛ فهو والله خير الدنيا والآخرة.

قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: «الجنة». قالوا: ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه.

قال: فأما عاصم بن عمر بن قتادة فقال: والله ما قال ذلك العباس إلا ليشد العقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أعناقهم. وأما عبد الله بن أبي بكر فقال: ما قال ذلك العباس إلا ليؤخر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبي بن سلول فيكون أقوى لأمر القوم، فالله أعلم أي ذلك كان.

قال ابن هشام: سلول امرأة من خزاعة، وهي أم أبي بن مالك بن الحارث بن عبيد بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج.

قال ابن إسحاق: بنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يده، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التيهان. قال ابن إسحاق: فمعبد أول من ضرب على يده، يعني أول من بايعه. قال ابن إسحاق: فأما معبد بن كعب فحدثني في حديثه عن أخيه عبد الله بن كعب، عن أبيه كعب بن مالك قال: كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور، ثم بايع القوم.

قال: فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب والمنازل، هل لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم؟ الصباة جمع صابئ. طبعًا والعياذ بالله يقصد بمذمم النبي عليه الصلاة والسلام، يعني محمدًا والصابئون، أدركوهم هم الآن في اجتماع سري في منى. قال: قد اجتمعوا لحربكم. صرخ الشيطان في مكة ليوقظ كفار قريش.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أزب العقبة». قال ابن هشام: يقال ابن أزب، أتسمعون؟ الله. الأزب هو اللئيم. قال: «أما والله لأفرغن لك». ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارفعوا فضوا إلى رحالكم»، قال: لينصرفوا إلى مناطقهم، اهربوا سريعًا.

فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم». فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا.

فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤنا في منازلنا فقالوا: يا معشر الخزرج، إنا قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وأنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم. فانبعث من هناك من مشرك قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء؛ لأن المشركين اللي في وفد الأوس والخزرج هم مش فاهمين شغلة، كانوا نايمين بالليل، قال: والله ما صار البارحة شيء، ومين وشو القصة، مش عارفين إنه في ثلاثة وسبعين منهم تسربوا. وصدقوا، لم يعلموا، وبعضنا ينظر إلى بعض؛ ثلاثة وسبعين اطلعوا على بعض، في شيء صار.

ثم قام القوم وفيهم الحارث بن هشام وعليه نعلان له جديدان. قال: فقلت له كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر، أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ فسمعها الحارث، فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إليّ، قال: والله لتنتعلنهما. يقول أبو جابر: أحفظت والله الفتى، فأردت لأهين عليه. قلت: والله لا أردهما، فالله صالح والله لئن صدق الفأل لأسلبنه.

قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر قال: إنهم أتوا عبد الله بن أبي بن سلول، فقال له مثلما ذكر كعب من القول، فقال لهم: والله إن هذا أمر جسيم، ما كان قومي ليتفتاتوا عليه مثل هذا، وما علمته كان. فانصرفوا عنه. ونفر الناس من منى، فتنصص القوم الخبر فوجدوه قد كان، وخرجوا في طلب القوم. فتنصص القوم يعني كفار قريش مش مستريحين؛ اللي أعطاهم المعلومة أكيد معلومة استخباراتية صحيحة، كيف هذول بيحكوا ما اجتمعوا؟ فلما غادر وفد الأوس والخزرج مكة باتجاه المدينة، تأكدت كفار قريش أنه فعلًا صار في لقاء، وأنه فعلًا محمد صلى الله عليه وسلم يفكر بالهجرة إليهم، فحاولوا أن يلحقوا فرق قريش، طلعوا من مكة بدهم يلحقوا الأوس والخزرج، فأدركوا سعد بن عبادة في منطقة أذاخر.

قال: والمنذر بن عمرو، أخو بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وجلة مكان نقيبًا، فما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فأخذوه، فربطوا يديه إلى عنقه بنسعة، سعد بن عبادة هذا أحد القيادات يعتبر. ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته، وكان ذا شعر كثير، قال سعد: فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني، إذ طلع عليّ نفر من قريش فيهم رجل وضيء أبيض شعشاع من الرجال. قال ابن هشام: الشعشاع الطويل الحسن. قال: فقلت في نفسي: إن يكن عند أحد من القوم خير، فشف عند هذا. فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة. سعد بن عبادة بيقول: هم بيضربوا فيّ، شفت واحد جاي استبشرت في وجهه خير، قلت هذا رح ينقذني، هو اللي ضربني بوكس، قال: ما وصلني إلا لكمني، قلت في نفسي: لا والله ما عندهم بحث هذا من خير.

قال: فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ آوى لي رجل ممن معهم، فقال: ويحك، أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟ واحد من كفار قريش أجا على سعد قرب منه، قال له: أنت ما لك جوار مع واحد من هؤلاء؟ إنه ما حدا رايح يفزع لك إلا إذا كان لك جوار. فقال: بلى والله، لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدي وأمنعهم ممن أراد ظلمهم في بلادي، وللحارث بن حرب بن أمية عبد شمس بن عبد مناف. فهتف باسم الرجل، صرخ: يا مطعم بن عدي! فخرج ذلك الرجل إليهما، فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: إن رجلًا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح، لله والله هذا الرجل المعروف مع سعد بن عبادة، فقال: أنت بس صرخ باسم مطعم بن عدي والحارث بن حرب أول ما تصرخ أنا رح أروح أفزع لك، هذا ربنا بسخره بعباده.

ويذكر أن بينه وبينهما جوارًا، قال: ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة. قال: صدق والله، إن كان ليجير لنا تجارنا ويمنعهم أن يظلموا ببلده. فخلص سعدًا من أيديهم فانطلق. قال الذي خلص سعدًا سهيل بن عمرو، أحد بني عامر. آه، هذا هو الرجل الجسيم، بس هو صحابي طبعًا، سهيل بن عمرو أسلم بعد ذلك بعد فتح مكة. قال ابن هشام: وكان الرجل الذي آوى له أبو البختري بن هشام. قال سبحان الله، هذا أبو البختري مواقفه عجيبة، يعني الرجل اللي حكى لسعد نادي أبا البختري وهو نفسه اللي نقض الصحيفة، فهو رجل كان ضد الإسلام لكن له مواقف شريفة يعني نخوة، جيت بعرف بعض الكافر بس ايش فيه نخوة.

قال ابن إسحاق: وكان أول شعر قيل في الهجرة بيتين قال لهما ضلال بن خطاب بن مرداس، أخو محارب بن فهر: تداركت سعدًا عنوة فأخذته وكان شفاء لو تداركت من ذراع ونلته طلت هناك جراحه وكان جراحًا أن يهان ويهدر

فلما قدموا المدينة أظهروا الإسلام بها، وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم الشرك، منهم عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن سلمة، وكان معه معاذ بن عمرو شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها. وكان عمرو بن الجموح سيد بني سلمة وشريفهم ومشرّفهم، وكان قد اتخذ في داره صنمًا من خشب، كما كانت أشرافهم يصنعون، يتخذ إلها يعظمه ويطهره. فلما أسلم فتيان بني سلمة معاذ بن جبل وابنه معاذ بن عمرو في فتيان منهم ممن أسلم وشهد العقبة، كانوا يدّلون بالليل على صنم عمرو ذلك فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة، طيب اشتغلوا في عمرو بن الجموح، صغار الصحابة كان عمرو بن الجموح رجل كبير ومسن، وعنده صنم يعبده، فقالوا كيف بدنا نخلي هذا الحج يسلم الله يرضى عنه، اشتغلوا بصنمه، بيجوا بالليل بيمسكوا له صنمه وبيكبوه في سلة المهملات.

فيطرحونه في بعض الحفر ببني سلمة، وفيها عذر الناس، منكسًا على رأسه. فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على إلهي؟ ثم يغدو ويلتمس حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه، ثم قال: أما والله لو أعلم من فعل هذا به لأخزينه. فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه ففعلوا مثل ذلك. فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى، فيغسله ويطهره ويطيبه، ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون مثل ذلك. فلما أكثروا عليه، استخرجوه من حيث ألقوه يوما، فغسلوه وطهروه وطيبوه، ثم جاء سيفه فعلقوه عليه، ثم قال له: إني والله ما أعلم من يصنع بك ما ترى، إن كان فيك خير فامتنع. هذا عمرو بن الجموح لما شاف شغلة طولت حط سيفه عند الصنم، قال له: يا عمي إذا أنت فيك خير دافع عن حالك، أنا بدي أظلني رايح جاي فيك أطلعك من سلة المهملات وأغسلك.

فلما أمسى ونام عمرو، عدوا عليه فأخذوا سيفًا من عنقه، ثم أخذوا كلبًا ميتًا فقرنوه بحبل ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر الناس، وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به، خرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكسًا مقرونًا بكلب ميت، فلما رآه أبصر شأنه وكلمه بمن أسلم قومه، فأسلم يرحمه الله وحسن إسلامه. فلما رآه أبصر شأنه.

قال: فقال حين أسلم وعرف من الله ما عرفه، يذكر تصنمه ذلك وما أبصر من أمره، أعطى قصيدة في ذلك. الله يرحمه.

قال ابن إسحاق: وكانت بيعة الحرب، وهي بيعة العقبة الثانية، حين أذن الله لرسوله في القتال شروطاً سوى الشروط؛ يعني كان فيها شروط إضافية على بيعة العقبة الأولى، أنه كانت الأولى على بيعة النساء التي مر معناها، وذلك أن الله لم يكن أذن للنبي صلى الله عليه وسلم في الحرب، فلما أذن له فيها بايع النبي صلى الله عليه وسلم في العقبات الآخرة على حرب الأحمر والأسود الناس جميعاً؛ يعني أخذ لنفسه واشترط على القوم لربه، وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة؛ لأنهم سألوه: يا رسول الله إذا قاتلنا معك إيش لنا؟ قال: الجنة. صح، ما وعدهم برفاه اقتصادي، ما وعدهم بأنه ستصير لكم إن شاء الله شركات اقتصادية وأموال، الجنة. بدك تقاتل مشان الجنة قاتل، ما بدك أنا لا، الإسلام ليس لتحقيق الأمنيات الأرضية.

قال ابن إسحاق: حدثني عبادة بن وليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه الوليد، عن جده عبادة بن الصامت، وهو كان أحد النقباء، قال: بايعنا رسول الله بيعة الحرب، وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى على بيعة النساء، على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق ما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم. هذه شروط بيعة العقبة الثانية.

قال: جريدة بأسماء من شهد العقبة، سأقرأ أسماء من شهد العقبة: سيد بن حضير، أبو الهيثم بن التيهان، وسلمة بن سلامة، وظهير بن رافع، ونُهير، وأبو بردة بن نيار، ونُهير بن الهيثم، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن منذر، وعبد الله بن جبير، ومعن بن عدي، وعويم بن ساعدة، وأبو أيوب، ومعاذ بن الحارث، وعوف بن الحارث، وأخوه معوذ بن الحارث، وعمارة بن حزم، وأسعد بن زرارة، وسهل بن عتيك، وأوس بن ثابت، وأبو طلحة، وقيس بن أبي صعصعة، وعمرو بن غزية، وسعد بن الربيع، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن رواحة، وبشير بن سعد، وخلاد بن سويد، وعقبة بن عامر، وزياد بن لبيد، وفروة بن عمرو، وخالد بن قيس، ورافع بن مالك، وذكوان بن عبد القيس، وعباد بن قيس، والحارث بن قيس، وبراء بن معرور، وبشر وابنه بشير، وسنان الصيفي، وقطبة بن عامر، وفرة بن المنذر، ويزيد بن المنذر، ومسعود بن يزيد، والضحاك بن حارثة، ويزيد بن خذام، وجبار بن صخر، والطفيل بن مالك، وكعب بن مالك، وأوس بن عمرو، وأبو اليسر، وصيفي، وثعلبة بن عنمة، وعمرو بن عنمة، وعبس بن عامر، وعبد الله بن أنيس، وخالد بن عمرو، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن عمرو، وثابت بن جذع، وعمير بن الحارث، وخديجة بن سلامة، ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، والعباس بن عبادة، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة، وعمرو بن الحارث، ورفاعة بن عمرو، وعقبة بن وهب، وسعد بن عبادة، ومنذر بن عمرو، ونسيبة بنت كعب.

اقرأ لنا بالله هذه نسيبة بنت كعب ماذا تعلق بها؟ قال: أم عمارة، شهدت الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهدت معها أختها وزوجها زيد بن عاصم بن كعب، وابنيها حبيب بن زيد وعبد الله بن زيد. وابنها حبيب الذي أخذه مسيلمة الكذاب الحنفي صاحب اليمامة، فجعل يقول: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فجعل يقطعه عضواً عضواً حتى مات في يده لا يزيده على ذلك؛ إذا ذكر له الرسول آمن به وصلى عليه، وإذا ذكر له مسيلمة قال: لا أسمع. فخرجت إلى اليمامة مع المسلمين، حاربت بنفسها حتى قتل الله مسيلمة، ورجعت بها اثنا عشر جرحاً بين طعنة وضربة. قال ابن إسحاق: حدثنا هذا حديث عنها، فهذه امرأة من خيرة النساء. ومن بني سلمة أم منيع، واسمها أسماء بنت عمرو.

قال: نزول الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال. قال حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال بإسناده: وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء، وإنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل. كانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومهم مهاجرين، حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلدهم، فهم بين مفتون في دينه، وبين معدوم في أيديهم، وبين هارٍ في البلاد في أرض منهم، ومنهم بأرض الحبشة، ومنهم من بالمدينة، وفي كل وجه. فلما عتت قريش على الله عز وجل، وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذبوا على نبيه وعذبوه، ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه، أذن الله عز وجل لرسوله في القتال والامتناع عمن ظلمهم وبغى عليهم.

فكانت أول آية أنزلت في إذنه له في الحرب وإحلاله الدماء والقتال من بغى عليهم، فيما بلغني عن عروة بن الزبير وغيره من علماء، قول الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: 39-40] إلى آخر الآيات. أي إنما أحللت لهم القتال لأنهم ظلموا، ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس إلا أن يعبدوا الله، وأنهم إذا ظهروا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر؛ يعني رسول الله وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين. ثم أنزل عليه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: 193]؛ أي حتى لا يفتن المؤمن عن دينه، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 193]؛ أي حتى يعبد الله لا يعبد معه غيره.

قال ابن إسحاق: فلما أذن الله تعالى له في الحرب، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له، تبعه وآوى إليه من المسلمين، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه المهاجرين من قومه ومن معهم بمكة المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها واللحوق بإخوانهم الأنصار، وقال: إن الله قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون بها. فخرجوا أرسالاً، وأقام الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة. فكان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قريش من بني مخزوم.

قال ذكر المهاجرين إلى المدينة: أول من هاجر أبو سلمة بن عبد الأسد، هاجر إلى المدينة قبل بيعة العقبة، وكان قد قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة من أرض الحبشة، فلما آذت قريش من أسلم من الأنصار، خرج إلى المدينة وهجرته. شوف قصة الهجرة الحزينة، قال بإسناده عن أم سلمة -تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بها- قالت: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة، رحل لي بعيره، ثم حملني عليه وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج يقود بعيره. فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه، على ما نتركك تسير بها في البلاد؟ فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه.

قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، فقالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها؛ لأنه ابن الرجل، فليحز به الرجل، إذ نزعتموها من صاحبنا. فتجاذبوا ابني سلمة، حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني. قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح، تبكي. قالت: فما زلت أبكي حتى أمسيت سنة أو قريباً منها، حتى مر بي رجل من بني عمي، أحد بني المغيرة، فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون من هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها. فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت. وهنا بنو عبد الأسد تنازلوا ورجعوا لها الولد، وهاجرت أم سلمة مع ابنها.

قالت: فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلق الله، فقلت أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، أخا بني عبد الدار، فقال: يا أين أنت يا بنت أبي أمية؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قلت: لا، إلا الله وبني هذا. قال: والله ما لك من مترك. فأخذ بخطام بعيري فانطلق معي يهوي به. فوالله ما صحبت رجلاً من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، حتى إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت استأخر بعيري حط عنه، ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله، ثم استأخر عني وقال: اركبي. فإذا ركبت واستويت على بعيري، أتى فأخذ بخطام البعير، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة. فلما نظر قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية، وكان أبو سلمة بها نازلاً، فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعاً إلى مكة. فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحباً قط كان أكرم من عثمان بن طلحة.

قال ابن إسحاق: ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبي سلمة، عامر بن ربيعة وحنيفة بن عدي وكعب، معهم امرأته ليلى بنت أبي حثمة. قال ثم عبد الله بن جحش احتمل بأهله وبأخيه عبد بن جحش، وهو أبو أحمد، وكان أبو أحمد رجلاً ضرير البصر، كان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكانت شاعرة. وهذا يدل على أنه كان خريت، يعني أبو أحمد كان أعمى بس كان يلف كل مكة بدون قائد من كثر ما هو عنده بصيرة قلبية. وكانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي عليه الصلاة والسلام.

قال: فقول لي: قد أرادوا بني جحش؛ يعني كأنهم خلص سكروا بيتهم وراحوا على المدينة. طبعاً قصة أم سلمة استفاد منها الفقهاء قضية، فقط أن المرأة إذا أرادت أن تهاجر من بلاد الكفار إلى ديار المسلمين لا تحتاج إلى محرم؛ استثنى العلماء المرأة المهاجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، قالوا هذه تهاجر بدون محرم، هذا السفر المسموح فيه بدون محرم.

قال: فمر بها عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام بن المغيرة في دار -وهي دار أبان بن عثمان اليوم- التي بالردم، هم مصعدون إلى أعلى مكة، فنظر إليها عتبة بن ربيعة تخفق أبوابها، بابها نصف ساكن، ثم رآها كذلك تنفست الصعداء، يعني لما رأوا هذا البيت فرغ منه أهله، انحرق قلبه، إشعاراً أنه كيف هؤلاء هجروا من ديارهم، ثم قال: وكل دار وإن طالت سلامتها يوماً ستدركها النكباء والحوب. هكذا الدنيا.

يُقال الحوبُ الإثمُ. قال ابن إسحاق: ثم قال ابن ربيعة: "أصبحت دار بني جحش خلاءً من أهلها"، فقال أبو جهل: "وما تبكي عليه؟" قيل: "نعم".

قال ابن إسحاق: ثم قال: "هذا عمر بن أخي، هذا فارق جماعتنا وشتت أمرنا وقطع بيننا". قال: فكان منزل أبي سلمة بن عبد الأسد، وعامر بن ربيعة، وعبد الله بن جحش، وأخيه أبي أحمد بن جحش، على مبشر بن عبد المنذر بن زنبر بقباء في بني عمرو بن عوف، ثم بدأ المهاجرون يكثرون.

قال: وكان بنو غنم بن دودان أهل إسلام، قد أوعبوا إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرةً رجالهم ونساؤهم: عبد الله بن جحش وأخوه أبو أحمد بن جحش، وعكاشة بن محصن، وشجاع وعقبة بن وهب، وأربد بن حميرة. قال هشام: ويقال بن حميرة. قال ابن إسحاق: ومنقذ بن ربيعة، وسعيد بن رقيش، ومحرز بن نضلة، ويزيد بن رقيش، ويزيد بن جابر، وعمرو بن محصن، ومالك بن عمرو، وصفوان بن عمرو، وثقيف بن عمرو، وربيعة بن أكثم، والزبير بن عبيدة، وتمام بن عبيدة، وسخبرة بن عبيدة، ومحمد بن عبد الله بن جحش. ومن نسائهم: زينب بنت جحش، وأم حبيب بنت جحش، وجدامة بنت جندل، وأم قيس بنت محصن، وأم حبيبة بنت ثمامة، وآمنة بنت رقيش، وسخبرة بنت تميم، وحمنة بنت جحش. فقال أبو أحمد بن جحش بن رئاب، ويذكر هجرة بني أسد، فذكر أبياتاً.

قال ابن إسحاق: ثم خرج عمر بن الخطاب وعياش بن أبي ربيعة. وأبو أحمد بن جحش ما هو كان ضريراً لكنه كان شاعراً، فأعطى أبياتاً في ذكر هجرته مع أقاربه باتجاه المدينة.

قال: فحدثني نافع عن مولى ابن عمر قال: ثم خرج عمر بن الخطاب وعياش بن أبي ربيعة حتى قدما المدينة. قال عمر: "تواعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل السهمي التناضب من أضاة بني غفار فوق سرف، فقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حُبس، فليس له". يعني هو اتفق مع هذين الرجلين من الصحابة، تواعدوا عند شجرة معينة أنه من عند هذه الشجرة نطلع مع بعض ونتحرك باتجاه المدينة، وحكى لهم عمر: إذا أنتم ما جئتم في الموعد فسيتمسكنا كفار قريش وسنُحبس.

قال: فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب، وحُبس عنا هشام. حبس هشام تأخر عنهم ما جاء على الموعد فحبس، وفتن، فافتتن، يعني كفار قريش ردوه عن دينه. قال: فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام وحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة -وكان ابن عمهما وأخاهما- حتى قدما عليه المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وقالا له: "إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك"، فترققا لها. فقلت له: "يا عياش، إنه والله أن يريدك قومك لتفتننك عن دينك فاحذرهم"، عمر يحذر عياش: هؤلاء الجماعة يريدون استعطافك، يريدونك أن ترجع لأمك حتى يفتنوك عن دينك. طبعاً ما رد عياش.

قال: "فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت". قالوا: "أمك"، يعني إذا القمل تعبها آخرتها ستروح تنتشط، يعني لا تكن رقيقاً زيادة. فقال: "أبرُّ قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه". عياش مفكر الشغلة سهلة أنه خلص قال: "أرجع وبعدين بلحقك يا عمر". قال: "والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالاً، فلك نصف مالي، لا تذهب". عمر حريص يقول: لا تروح الجماعة يريدون يفتنوك. فأبى علي إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك قلت له: "أما إذا قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإذا رابك من القوم ريب فانجُ عليها"، إذا حسست أنهم يريدون خيانتك اهرب عليها، فخرج عليها معهما.

قال: حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال أبو جهل: "يا أخي، والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقب على ناقتك هذه؟" أبو جهل الماكر قال لعياش: ناقتي مغلبتني، شو رأيك نبدل؟ أنا أكون على ناقتك وأنت تركب ناقتي شوي؟ قال: بلى. قال: فأنخنا لنتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه. قال: ممتاز، قال له: "انزل، انزل، يلا أنا بنزل وأنت بتنزل مشان نبدل"، فلما استووا بالأرض قفزوا على عياش فأوثقوه. قال: ثم دخلوا به مكة ففتناه، فافتتن.

قال ابن إسحاق: حدثني بعض آل عياش بن أبي ربيعة أنه حين دخل به مكة دخل به نهاراً موثقاً، ثم قال: "يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بهذا". قال نافع عن عبد الله بن عمر في حديثه: "فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفاً ولا عدلاً ولا توبة، قوم عرفوا الله ثم ارتدوا إلى الكفر لبلاء أصابهم". قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولهم من أنفسهم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

دعاهم إلى التوبة. قال عمر: فكتبتها بيدي هذه الآيات في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص. فقال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى، -ذي طوى هذه منطقة على مشارف مكة- أصعد بها فيه وأصوب ولا أفهمها، حتى قلت: "اللهم فهمني"، مش فاهم الآيات. قال: فألقى الله في قلبي أنها إنما أنزلت فينا، في هشام وعياش، وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا، فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فرجع هاجر هشام.

قال ابن هشام: فحدثني من أثق به أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بالمدينة: "من لي بعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص؟" فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة: "أنا لك يا رسول الله بهما"، خرج إلى مكة. فقال: يعني مين يجيب لي إياهم؟ هذا هو، شوف هشام وعياش، ما معنى فتنوا فافتتنوا؟ أنه اضطر أن يظهر الكفر بسبب شدة التعذيب، مش المراد أنهم كفروا حقيقة. فتنوا فافتتنوا يعني أكرهوهم على إظهار الكفر ففعلوا ذلك إكراهاً، والنبي صلى الله عليه وسلم عارف، النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لأصحابه: "من يستنقذ لي هذين الشابين؟" فقال الوليد بن الوليد: "أنا لك يا رسول الله".

قال: فخرج إلى مكة فدخلها مستخفياً، فلقي امرأة تحمل طعاماً، فقال لها: "أين تريدين يا أمة الله؟" قالت: "أريد هذين المحبوسين". هذين المحبوسين كانوا حابسينهم في البيت. قال: "تعنيهما؟" فتبعها حتى عرف موضعهما، وكانوا محبوسين في بيت لا سقف له، فلما أمسى تصور عليهما، ثم أخذ مروة فوضعها تحت قيديهما. مروة يعني زي حجر حاد. قال: ثم ضربهما بسيفه فقطعهما. فكان يقال لسيفه "ذو المروة" لذلك، ثم حملهما على بعيره وساق بهما، فعثر فدميت إصبعه، فقال: هل أنتِ إلا إصبعٌ دميتِ وفي سبيل الله ما لقيتِ ثم قدم بهما على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة.

قال ابن إسحاق: ونزل عمر بن الخطاب حين قدم المدينة لحق به من أهله وقومه: أخوه زيد بن الخطاب، وعمرو بن سراقة بن معتمر، وخنيس بن حذافة السهمي، وكان صهره على ابنته حفصة بنت عمر، خلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده، وسعيد بن زيد -أيضاً اللي هو زوج أخته فاطمة- وواقد حليف لهم، وخولي حليفان لهم، كل هؤلاء هاجروا.

قال ابن هشام: أبو خالد بن إسحاق وابن البكير أيضاً كلهم هاجروا، اللي هم إياس بن البكير وعاقل بن البكير وعامر وخالد شباب هاجروا أيضاً من سعد بن ليث. الفاكه بن بشر بن عبد المنذر بن زنبر في بني عمرو بن عوف بقباء، وقد كان منزل عياش بن أبي ربيعة معه حتى قدم المدينة، ثم تتابع المهاجرون، فنزل طلحة بن عبيد الله بن عثمان وصهيب بن سنان على خبيب بن إساف أخي بني الحارث بن خزرج. فصار المهاجرون ينزلون في بيوت الأنصار، مثلاً طلحة وصهيب نزلوا في بيت خبيب بن إساف وهو خزرجي، ويقال بل نزل طلحة في بيت أسعد بن زرارة.

وذكر لي عن أبي عثمان النهدي أن صهيباً حين أراد الهجرة قالت له كفار قريش -صهيب الرومي كان صنائعياً بس كان ثرياً- قالت له قريش: "أتيتنا صعلوكاً حقيراً فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك"، فقال لهم صهيب: "أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟" قالوا: "نعم"، قال: "فإني قد جعلت لكم مالي"، ترك كل الأموال لله، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "ربح صهيب، ربح صهيب".

قال ابن إسحاق: ونزل حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة وأبو مرثد كناز بن حصن -قال ابن هشام: ويقال بن حسين- قال ابن إسحاق: وابنه مرثد الغنويان حليفا حمزة، وأنس وأبو كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم على كلثوم بن هدم أخي بني عمرو بن عوف بقباء، وقال بل نزلوا على سعد بن خيثمة.

وقالوا بل نزل حمزة بن عبد المطلب على أسعد بن زرارة أخي بني النجار، كل ذلك يقال. ونزل عبيدة بن الحارث بن المطلب وأخواه الطفيل بن الحارث والحصين بن الحارث، ومسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، وسويبط بن سعد بن حرملة أخو بني عبد الدار، وطليب بن عمير أخو بني عبد بن قصي، وخباب مولى عتبة بن غزوان، على عبد الله بن سلمة أخي بني العجلان بقباء. قال: ونزل عبد الرحمن بن عوف في رجال المهاجرين على سعد بن ربيع أخي بني الحارث بن الخزرج في دار الحارث بن الخزرج، ونزل الزبير بن العوام وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى على منذر بن محمد بن عقبة أخي بني الجلاح بالعصبة دار بني جحجبا. قال: نزل مصعب بن عمير بن هاشم أخو بني عبد الدار على سعد بن معاذ بن النعمان أخي بني عبد الأشهل في دار بني عبد الأشهل. ونزل أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسالم مولى أبي حذيفة، قال ابن هشام: سالم مولى أبي حذيفة لسبيتة بنت يعار بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، سبيتة فانقطع إلى أبي حذيفة بن عتبة فتبناه، فقيل سالم مولى أبي حذيفة، ويقال كانت سبيتة بنت يعار تحت أبي حذيفة بن عتبة فأعتقت سالماً سائبة، فقيل سالم مولى أبي حذيفة.

قال ابن إسحاق: ونزل عتبة بن غزوان بن جابر على عباد بن بشر بن وقش أخي بني عبد الأشهل في دار بني عبد الأشهل. قال: نزل عثمان بن عفان على أوس بن ثابت بن المنذر أخي حسان بن ثابت في دار بني النجار، في ذلك كان حسان يحب عثمان ويبكيه حين قُتل. وكان يقال نزل العزاب من المهاجرين على سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزباً فالله أعلم أي ذلك. الشباب العزاب من المهاجرين نزلوا في دار العزاب عند سعد بن خيثمة، كان عزباً ما عنده زوجة.

هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقام علي رضوان الله عليه في فراشه. أقام الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة بعد أصحابه مهاجرين ينتظر أن يُؤذن له في الهجرة، ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا من حُبس أو فُتن، إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق رضي الله عنهما. وكان أبو بكر كثيراً ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فيقول له الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحباً"، فيطمع أبو بكر أن يكون هو صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة.

قال: فلما رأت قريش أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد صار له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابهم مهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا داراً وأصابوا منهم منعةً، فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فأجمعوا له بدار الندوة، وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمراً إلا فيها، يتشاورون فيما يصنعون في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم حين خافوه. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم من أصحابنا عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبير عن أبي الحجاج عن عبد الله بن عباس وغيره ممن لا أتهم عن عبد الله بن...

لما اجتمعوا لذلك، واتعدوا أن يدخلوا في دار الندوة يتشاورون فيها في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، غدوا في اليوم الذي اتعدوا فيه، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة. فاعترضهم إبليس لعنه الله في هيئة شيخ جليل عليه بتّ له، فوقف على باب الدار. فلما رأوه واقفاً على بابها قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمع بالذي اتعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأياً ونصحاً. قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم. وقد اجتمع فيها أشراف قريش من بني عبد شمس: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب، ومن بني نوفل بن عبد مناف: طعيمة بن عدي وجبير بن مطعم والحارث بن عامر بن نوفل، ومن بني عبد الدار: النضر بن الحارث، ومن بني أسد بن عبد العزى: أبو البختري بن هشام، ومن بني مخزوم: أبو جهل بن هشام، ومن بني سهم: نبيه ومنبه ابنا الحجاج، ومن بني جمح: أمية بن خلف، ومن كان منهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش.

فقال بعضهم: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد يتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأياً. فتشاوروا ثم قيل منهم: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه باباً، ثم يتربصوا به ما أصاب من أشياهه من الشعراء الذين كانوا قبله، ظهر من مضى منهم من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابه. فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمرهم من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلا أوشك أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثركم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره.

فتشاوروا ثم قيل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، إذا غاب عنا فرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت. قال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا بحسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي الله به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه، حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، أدبروا فيه رأياً غير هذا.

قال فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأياً ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: ما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شاباً جليداً نسيباً وسيطاً فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه فنستريح منه؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعاً، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً، فرضوا منا بالعقل فعقلنا لهم. فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي لا رأي غيره، فتفرق القوم على ذلكم مجمعون له.

فأتى جبريل الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. فلما كانت عتمة من الليل، اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي، وتسجَّ ببردي هذا الأخضر، فإنه لن يخلص إليك منهم شيء تكرهه.

فحدثني يزيد بإسناده عن محمد بن كعب قال: لما اجتمعوا له وفيهم أبو جهل بن هشام قال وهم على بابه: إن محمداً يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها. فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: نعم، أنا أقول ذلك. وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من يس: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يس: 1-4] إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: 9]. حتى فرغ رسول الله من هؤلاء الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا قد وضع على رأسه تراباً، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب.

فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا: محمداً. قال: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجل إلا قد وضع على رأسه تراباً وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون علياً على الفراش متسجياً ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائماً عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي عن الفراش، فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا.

فكان ممن أنزل الله تعالى من القرآن في ذلك: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30]. وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: 30-31].

وأذن الله لنبيه عند ذلك في الهجرة، وكان أبو بكر رجلاً ذا مال، فكان حين استأذن صلى الله عليه وسلم في الهجرة فقال له: لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبة. قد طمع بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يعني نفسه، حين قال له ذلك ابتغى راحلتين فحبسهما في داره يعلفهما إعداداً لذلك.

وحدثني من لا أتهم عن عائشة أنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله صلى الله عليه وسلم في الهجرة والخروج من مكة من بين أظهرنا، أتانا النبي صلى الله عليه وسلم بالهاجرة على ساعة كان لا يأتي فيها. فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الساعة إلا لأمر حدث. فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرج عني من عندك. فقال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاي، وما ذاك فداك أبي. قال: إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة. قال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: الصحبة. قالت: والله ما شعرت قط قبل ذلك من أحد يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، ثم قال: يا نبي الله إن هاتين راحلتان كنت أعددتهما لهذا. فاستأجر عبد الله بن أريقط، رجلاً من بني الديل، وكانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو، وكان مشركاً، يدلهما على الطريق، ودفع إليه راحلتيهما فكانت عنده يرعاهما لميعادهما.

ولم يعلم فيما بلغني بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق وأهله. أما علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بخروجه وأمره أن يتخلف بعده بمكة، يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم.

فلما أجمع الرسول صلى الله عليه وسلم على الخروج أتى أبا بكر بن أبي قحافة، فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور، جبل بأسفل مكة، فدخلاه. وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبي بكر أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار، فكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام إذا أمست.

وحدثني بعض أهل العلم أن الحسن بن أبي الحسن البصري قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار ليلاً، فدخل أبو بكر قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمس الغار لينظر فيه أفيه سبع أو حية، يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه. وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثاً وأبو بكر، وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم.

وكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش معهم، يسمع ما يأتمرون به وما يقولون في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر. وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلب وذبح، فإذا عبد الله بن أبي بكر غدا من عندهما إلى مكة تتبع عامر بن فهيرة الغنم حتى يعفي عليه أثره، حتى إذا مضت الثلاث وسكن عنهم الناس.

أتاهما صاحبهما الذي استأجرا ببعيريهما عبد الله بن أريقط، ووصل إلى غار ثور كما اتفقوا معه بعد ثلاث ليالٍ، وكان على باب الغار، فركبا الراحلتين وانطلقا.

وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لهما عصاماً، فلما ارتحلا ذهبت تعلق السفرة، العصام يعني تعرف عن شنطة السفر، جابت لهما شنطة سفر فيها الطعام عشان يحملوها معهم، نسيت أن تجعل لشنطة السفر إيد، العصابة إيش هو؟ إيد يمسكوا منها الشنطة، فمن أين صنعت اليد؟ من نطاقها، عشان هيك لقبت بذات النطاقين؛ خلعت نطاقها وهو زي الإزار، كان زي الحزام يوضع، فكته وصنعت منه عصاماً حتى تصبح الشنطة زي شنطة سفر يحملها الإنسان.

قال: ففتحت نطاقها فتجعله عصاماً ثم علقتها به، فكان يقال أسماء بنت أبي بكر ذات النطاق، لذلك قال ابن هشام: وسمعت غير واحد من يقول ذات النطاقين، تفسيره أنها لما أرادت أن تعلق السفرة شقت نطاقها باثنين، فعلقت السفرة بواحد وانتطقت بالآخر. يعني هل هي ذات النطاق ولا ذات النطاقين؟ من سماها ذات النطاقين أنها لما أرادت أن تعلق السفرة شقت نطاقها باثنين؛ يعني هو النطاق عبارة عن حزام واحد صار قسمين، فلما صار قسمين سميت بذات النطاقين، قال فعلقت السفرة بواحد وانتطقت بالآخر، يعني خلته قسماً، قسماً وضعته للنبي صلى الله عليه وسلم وقسماً خلته عندها، فسميت بالنطاقين من هذه الجهة.

قال ابن إسحاق: فلما قرب أبو بكر راحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم له أفضلهما، ثم قال: اركب فداك أبي وأمي، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إني لا أركب بعيراً ليس لي»، قال: فهي لك يا رسول الله، قال: «لا، ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟». شوف النقاش الآن داير على ثمن البعير، لا يا أبو بكر أنا ما بركبها حتى أدفع لك الثمن، شوف النفس الأبية أن النبي عليه الصلاة والسلام مش عم بيستغل صحبة أبو بكر حتى يستفيد منه مالياً، قال له: أنا ما بركب حتى أعرف كم ثمنها لأدفعها، قال: كذا وكذا، قال: قد أخذتها بذلك الثمن، قال: هي لك يا رسول الله، فركبها وانطلق، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه، إذاً عامر بن فهيرة رحل معهما وأبو بكر حمل معه على الجمل حتى يخدمهم في الطريق.

قال ابن إسحاق: فحدثت عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: لما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل، وقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا ابنة أبي بكر؟ قالت: قلت لا أدري والله أين أبي. قالت: فرفع أبو جهل يده وكان فاحشاً خبيثاً، فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي، وربها كف شديد حتى أن قرطها الذي في أذنها سقط.

قالت: فمكثنا ثلاث ليالٍ ما ندري أين وجه رسول الله، حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر، غناء العرب، وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته ما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبدِ نزل بالبر ثم تروحا ... فأفلح من أمسى رفيق محمدِ ليهنِ بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصدِ

قال ابن هشام: فتاتهم التي هي مين؟ أم معبد، يعني يا بخت أم معبد اللي استقبلت النبي صلى الله عليه وسلم في خيمتها، كأنها كانت من بني كعب. قال ابن هشام: أم معبد بنت كعب امرأة من بني كعب بن خزاعة، وقوله: حلا خيمتي نزل بالبر ثم تروحا، عن غير ابن إسحاق قال: إن هذين المقطعين لم يروهما ابن إسحاق، وقال ابن إسحاق: قالت أسماء بنت أبي بكر: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله، وأن وجهه باتجاه المدينة، وكانوا أربعة: النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أريقط، والمشهور ابن أريقط. قال ابن هشام: هذا عبد الله بن أريقط، إذاً ابن إسحاق سماه عبد الله بن أرقط، أما ابن هشام فيقول الصواب أنه عبد الله بن أريقط، في خلاف.

قال ابن إسحاق بإسناده عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما خرج وخرج أبو بكر معه احتمل أبو بكر ماله كله خمسة آلاف درهم أو ستة، فانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: قلت: كلا يا أبتِ، فإنه قد ترك لنا خيراً كثيراً. أبو قحافة جدهم دخل على أسماء بنت أبي بكر بعد ما هاجر أبو بكر، فقال: والله أنا عارف أن ابني أبا بكر مش بس فجعكم بنفسه، برضو أخذ كل المال وترككم فقراء، أسماء دبلوماسية وشاطرة، قالت له: لا يا جدي، ترى ترك لنا مالاً كثيراً.

شو طبعا أبو قحافة كان أعمى، فهي شو عملت؟ أخذت أحجاراً وضعتها في قطعة قماش، في كوة في البيت كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوباً، ثم أخذت بيد جدها، فقالت: يا أبتِ، ضع يدك على هذا المال، فوضع يده عليه فقال: إذاً هيك خلص لا بأس، إذا ترك مالاً مشت القصة، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، في هذا بلاغ لكم. ولا والله ما ترك لنا شيئاً، تقول أسماء، ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك.

قال ابن إسحاق وحدث بإسناده عن قصة سراقة بن مالك لما خرج، قال: عن سراقة مالك بن جُعشُم قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً إلى المدينة جعلت قريش فيه مئة ناقة لمن رد عليهم. قال: فبينما أنا جالس في نادي قومي أقبل رجل منا حتى وقف علينا فقال: والله قد رأيت ركباً ثلاثة مروا علي آنفاً، لا أراهم إلا محمداً وأصحابه. قال: فأومأت إليه بعيني أن اسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان يبتغون ضالة لهم، فأشار بعينه أنه خلص اسكت ما تحكي، أنه سراقة كان هو اللي بده يأخذ المئة ناقة.

ثم قلت: إنما هم بنو فلان يبتغون ضالة لهم، قال: لعله، ثم سكتني. قال: ثم مكثت قليلاً ثم قمت فدخلت بيتي، ثم أمرت بفرسي، فقيدته إلى بطن الوادي، وأمرت بسلاحي فأخرج من دبر حجرتي، ثم أخذت قداحي التي أستقسم بها، ثم طرقته فلبسته، طبعاً هي عادتهم يعني لازم يستقسموا بالأزلام مشان أروح ما أروح، هذه التطير، قال فاستقسمت، لبست درعي ثم خرجت، أخرجت قداحي فاستقسمت بها بالأزلام، فخرج السهم الذي أكره، تمام؟ اللي هو لا يضره، أي السهم المكتوب فيه هذه الكلمة، يعني أنك ما رح تحقق.

فكنت أرجو أن أرده على قريش فآخذ المئة ناقة، قال: فركبت على أثره فبينما فرسي يشتد بي إذ عثر به، واضح أنه هم بيستقسموا بالأزلام، ولما تكون الأزلام مش ضابطة معه يقول لك بلا أزلام بلا هم، خليني أروح ألحق آخذ المئة ناقة. قال: فقلت ما هذا؟ ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فقال الذي أكره لا يضره، قال: فأبيت إلا أن أتبعه. قال مرة ثانية طلع السهم اللي بيقول لي لا تروح، حكيت والله لا أروح.

قال: فركبت في أثره فبينما فرسي يشتد به عثر به فسقطت، قال: فقلت ما هذا؟ ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره، فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت في أثره، فلما بدا لي القوم فرأيتهم عثر بفرسه فذهبت يداه في الأرض وسقطت، ذهبت يدا الفرس غاص في الأرض وسقطت عنه، ثم نزع يديه من الأرض وتبعتهما دخان، يعني لما نزع رجليه الفرس من الأرض خرج دخان زي كأنه حريق كالإعصار، قال: فعرفت حينئذ أنه قد مُنع مني، أن الوضع مش طبيعي في شيء معين هنا عم يحصل، وأنه ظاهر، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم سيظهر أمره، أن الموضوع ليس موضوع رجل وإنسان طبيعي.

قال: فناديت القوم، الآن سراقة قال: خليني أكسبها هذا نبي وسيظهر، أنا سراقة بن جعشم، صار ينادي على النبي صلى الله عليه وسلم: أنظروني أكلمكم، فوالله لا أريكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «قل له وما تبتغي منا؟»، فقال لي ذلك أبو بكر، اكتب له يا أبا بكر، فأخذته فجعلته في كنانة ما كانت، ثم سكت فلم أذكر شيئاً مما كان، يعني رجع لقومه وما أعطاهم أي معلومة.

حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرغ من حنين والطائف، خرجت عندئذٍ سراقة بن مالك لألحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ومعي الكتاب لألقاه، فلقيته بالجعرانة، فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار، قال: فجعلوا يقرعون بالرماح يقولون: إليك إليك، ماذا تريد؟ قال: فدنوت من رسول الله، قال: والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه كأنها جمارة. في غرزه، الغرز هو المكان الذي يضع فيه الفارس أقدامه وهو راكب على الفرس، قال: فرفعت يدي بالكتاب ثم قلت: يا رسول الله، هذا كتابك لي، أنا سراقة بن جعشم، قال: «يوم وفاء وبر، ادنه»، قال: فدنوت منه فأسلمت، ثم تذكرت شيئاً، إذاً الظاهر أنه أسلم بعد فتح حنين.

ثم تذكرت شيئاً أسأل رسول الله عنه فما أذكره، إلا أني قلت: يا رسول الله، الضالة من إبلي تغشى حياضي وقد ملأتها لإبلي، هل لي من أجر فيها أن أسقيها؟ قال: «نعم، في كل ذات كبد حرى أجر»، يعني سأل النبي صلى الله عليه وسلم ناقة ضالة تأتي إلى بئري وتشرب منه وأنا أحرس أنها تشرب وهي ليست لي، قال: نعم، لك أجر سقيها في كل ذات كبد، كل حيوان أنت بتسقيه وترعاه لك فيه أجر، ثم رجعت إلى قومي فسقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم صدقتي.

قال ابن هشام: عبد الرحمن بن حارث بن مالك بن جعشم. قال ابن إسحاق: ولما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أريقط سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق، الساحل، النبي صلى الله عليه وسلم راح من مكة على المدينة عن طريق ساحل البحر الأحمر، عن طريق جدة، يعني سلك طريق ساحل البحر الأحمر ما راح من الطريق المعروف، حتى يكون أيضاً من الأمنيات.

ثم سلك بهما على أسفلهما أمج، ثم استجاز بهما حتى عرض الطريق بعد إجازة قديد، ثم جاز بهما من مكانه ذلك، فسلك بهما الخرار، ثم سلك بهما ثنية المرّة، ثم سلك بهما لقف، لقف مناطق نحن ما بنعرفهاش كثير، قال ابن إسحاق: ثم جاز بهما مدلجة لقف، ثم استبطن بهما مدلجة مجاج، ويقال مجاج، فيما قال ابن هشام، ثم سلك بهما مرجح، مجاج، ثم تبطن بهما مرجح، هذا كله الطريق، ثم بطن ذي كشب، ثم أخذ بهما على الجداج، ثم على الأجرد، ثم سلك بهما ذا سلم، بطن أداء، ثم على العبابيد، تمام؟ قال ابن هشام: ويقال العبابيب بالباء، ويقال العثبانة، ثم أجاز بهما الفاجة، ويقال القاحة، وقال ابن هشام: هبط بهما العرج، وقد أبطأ عليهم بعض ظهرهم، فحمل النبي صلى الله عليه وسلم رجل من أسلم يقال له أوس بن حجر على جمل له يقال له ابن الرداء إلى المدينة، يعني كان الجمل الذي كان يركب عليه النبي صلى الله عليه وسلم حصل فيه شيء، وبعث معه غلاماً يقال له مسعود بن هنيدة، ثم خرج بهما دليلهما من العرج، فسلك بهما ثنية العائر عن يمين، كلها مناطق الله أعلم بها، حتى هبط بهما بطن الرّيم، ثم قدم بهما حتى نزل بهما على قباء.

أنت هذا اللي بيهمك، أولاً النبي صلى الله عليه وسلم نزل قباء، وقباء عندئذ كانت تعتبر خارج المدينة على مشارفها، وقباء كان يسكنها قبيلة بني عمرو بن عوف، وصل قباء ليلة 12 خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين حين اشتد الضحى وكادت الشمس تعتدل، يعني تقريباً 11، 12 ظهراً عند اشتداد الظهيرة.

مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ما نزله بها وبناء مسجده، قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بإسناده عن رجال من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: لما سمعنا بمخرجه من مكة وتوكفنا قدومه، كنا نخرج إذا صلينا الصبح، توكفنا قدومه يعني ترقبنا قدومه، إلى ظاهر حرتنا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ما نبرح حتى تقريباً الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلاً، وذلك في الأيام الحارة، حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه الرسول جلسنا حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول الله، فكان أول من رآه رجل من اليهود، وقد رأى ما كنا نصنع وأنا ننتظر قدوم الرسول.

فأصعد صوته: يا بني قيلة، هذا جدكم قد جاء. والأوس والخزرج ينسبون إلى أمهم قيلة. يا بني قيلة، هذا جدكم؛ يعني زعيمكم الذي أنتم تنتظرونه.

قال: فخرجنا إلى رسول الله ﷺ وهو في ظل نخلتنا، ومعه أبو بكر في مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله ﷺ قبل ذلك. ركبه الناس وما يعرفونه من أبي بكر، حتى زاد الظل عن رسول الله ﷺ، فقام أبو بكر فأظله بردائه، فعرفناه. هم كانوا مفكرين أبا بكر هو النبي عليه الصلاة والسلام، حتى اكتشفوا أنه هو الذي يظله أبو بكر.

فنزل النبي ﷺ فيما يذكرون على بيت كلثوم بن هدم، واحد من بني عمرو بن عوف، ثم يقال: من نزل على سعد بن خيثمة في قباء. ومن يذكر أنه نزل على كلثوم بن هدم، فإنه كان إذا خرج من منزل كلثوم بن هدم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزبًا لا أهل له، وكان منزل العزاب من أصحاب رسول الله ﷺ. مر معنا هذا؛ كيف منزل العزاب هذا منزل العزاب؟ يقال: نزل على سعد بن خيثمة، كان يقال لبيت سعد بن خيثمة بيت العزاب.

وقيل: نزل أبو بكر الصديق على خبيب بن إساف أحد بني الحارث بن الخزرج بسنح، ويقول القائل: كان منزله على خارجة بن زيد بن أبي زهير أخي بني الحارث بن الخزرج. وقام علي بن أبي طالب بمكة ثلاث ليالٍ، حتى أدى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لحق بالنبي ﷺ، فنزل معه على كلثوم بن هدم. إذا علي بن أبي طالب لحق ونزل أيضًا في قباء عند كلثوم بن هدم في نفس البيت.

يقول: كانت بقباء امرأة لا زوج لها مسلمة، فرأيت إنسانًا يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها، فتخرج إليه، فيعطيها شيئًا معه فتأخذه. قال: فاستربت بشأنه، يعني علي بن أبي طالب كان يراقب المشهد في قباء، امرأة عزباء يجيء واحد في نص الليل يدق الباب، فيعطيها شيئًا ويروح. فقلت لها: يا أمة الله، من هذا الرجل الذي يضرب عليك بابك كل ليلة، فتخرجين إليه فيعطيك شيئًا لا أدري ما هو، وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك؟ قالت: هذا سهل بن حنيف، قد عرف أني امرأة لا أحد لي، فإذا أمسى غدا على أوثان قومه فكسرها، ثم جاءني بها، فقال: احتطبي بهذه. فكان علي رضي الله عنه يؤثر ذلك من أمر سهل بن حنيف، حتى هلك سهل بن حنيف واستشهد في العراق.

قال ابن إسحاق: فأقام بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس، وأسس مسجده، ثم خرج. أربعة أيام أقام في قباء، أسس مسجد قباء ثم خرج، والمدنيون يجمعون أنهم مكثوا فيه أكثر من ذلك، فالله أعلم. في خلاف فيها؛ لأنه في صحيح البخاري أظنه جلس أربع عشرة ليلة في قباء، في خلاف هل جلس أربعة أيام في قباء ولا أربع عشرة ليلة في قباء، هذا فيه خلاف.

قال: فأدركت رسول الله ﷺ يوم الجمعة في بني سالم بن عوف. طيب، النبي ﷺ خرج يوم الجمعة من قباء متجهًا إلى وسط المدينة، في الطريق هو خرج يوم الجمعة وجاء وقت صلاة الجمعة وهو في منطقة بني سالم بن عوف، فصلى الجمعة هناك وتم تأسيس مسجد هناك اسمه مسجد الجمعة، ما أعرف إذا اليوم لا يزال يحمل نفس الاسم ولا لا، في طريق قربان، هذا من قباء إلى طريق قربان. فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، وادي رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها النبي ﷺ بالمدينة.

قال: فأتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم بن عوف، قالوا: يا رسول الله، أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة. فقال: «خلوا سبيلها؛ فإنها مأمورة». فخلوا سبيلها فانطلقت.

حتى إذا وازنت دار بني بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة، قالوا: يا رسول الله، هلم إلينا في العدد والعدة والمنعة. فقال: «خلوا سبيلها؛ فإنها مأمورة». فخلوا سبيلها فانطلقت. حتى إذا مر بكل فخذ من أفخاذ الأوس والخزرج كان يحب أن النبي ﷺ يكون عنده، النبي ﷺ قال: «خلوا الناقة؛ هي تنزل حيث أمرها الله».

حتى إذا مرت بدار بني ساعدة، تلقاه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلينا في العدد والعدة والمنعة. قال: «خلوا سبيلها؛ فإنها مأمورة». فخلوا سبيلها فانطلقت. حتى إذا وازت دار بني الحارث بن الخزرج، اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلينا في العدد والعدة والمنعة. قال: «خلوا سبيلها؛ فإنها مأمورة». فخلوا سبيلها فانطلقت حتى مرت ببني عدي بن النجار، وهم أخواله دنيًا، وهم أخواله دنيًا، أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم، اعترضه سليط بن قيس وأبو سليط.

هم أخواله، نحن قلنا بأن بني النجار أخوال النبي ﷺ من جهة مين؟ سلمى، اللي قلنا إنها كانت متأثرة بالنسق، حكينا لما كانت تطلب أي واحد بيتزوجها بتحكي: أنا ماسك الطلاق مش أنت. تمام؟ فخلص هذه سلمى كانت زوجة هاشم.

قال: فقال رسول الله ﷺ: «هلم إلى أخوالك، إلى العدد والعدة والمنعة». فقال: «خلوا سبيلها؛ فإنها مأمورة». فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار، بركت على باب مسجده صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بني النجار، ثم بني مالك، في حجر معاذ بن عفراء، سهل وسهيل. فلما بركت رسول الله ﷺ عليها، لم ينزل عنها، ولم ينزل وثبت، فسارت غير بعيد، ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها لا يثنيها، لما التفتت خلفها رجعت إلى مبركها الأول، فبركت فيه، ثم تحلحلت وزمزمت ووضعت جيرانها، فنزل عنها النبي ﷺ، واحتمله خالد بن زيد.

مباشرة مين اللي انبسط؟ أبو أيوب الأنصاري. خالد بن زيد أخذ الرحل وأدخله إلى بيته؛ نزلت بجانب قريب من بيته، لأنه هنا هي مربد لبني النجار، المربد هو المكان الذي يجفف فيه الثمار، فلما نزلت في مربد لبني النجار بجانب المربد كان بيت أبي أيوب، أبو أيوب مباشرة أخذ الأمتعة، وقال النبي ﷺ ينزل عندي.

فنزل عليه رسول الله ﷺ، وسأل عن المربد لمن هو؟ قال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله، لسهل وسهيل ابني عمرو، هما يتيمان لي، وسأرضيهما منه. خلاص أنا خذ الأرض مجانًا وأنا أرضيهم. طبعًا المشهورة أن النبي ﷺ رفض ذلك وقال: «أنا سأدفع»، فاتخذ هذه المنطقة مسجدًا، فأمر النبي ﷺ ببنائه، ونزل النبي ﷺ على أبي أيوب حتى بني مسجده ومساكن زوجاته.

فعمل فيه الرسول ﷺ ليرغب المسلمين في العمل فيه، يعني النبي ﷺ كان بنفسه يحمل الطوب مع الصحابة، فعمل فيه المهاجرون والأنصار، ودأبوا فيه، فقال قائل: لأن قعدنا والنبي يعملُ لذاك منا العمل المضللُ. وارتجز المسلمون: لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة. يعني مبسوطين وفرحين وأجواء إيمانية. قال ابن هشام: هذا كلام وليس برجز، يعني هذا مجرد كأنه نوع من السجع أكثر من أن يكون شعرًا. قال ابن إسحاق: فيقول النبي ﷺ: «لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم المهاجرين والأنصار»، حتى ما يكونش على قافية فيظن أن النبي ﷺ يقول الشعر.

قال: فدخل عمار بن ياسر، قد أثقلوه باللبن، فقال: يا رسول الله، قتلوني، يحملون علي ما لا يحملون. يعني محملينه عشر صخرات أو عشر طوبات لعمار بن ياسر، قال: يا رسول الله ذبحوني، يحملون علي ما لا يحملون.

قالت أم سلمة زوج النبي ﷺ: فرأيت رسول الله ﷺ ينفض وفرته بيده، وكان رجلًا جعدًا، وهو يقول: «ويح ابن سمية! ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية». ينفض وفرته، يعني النبي ﷺ صار يشيل عن شعره وعن كذا الغبرة، فقال: لا تخاف، ما رح يقتلوك هؤلاء؛ من سيقتلك الفئة الباغية. وعرفنا بعد إذن أنه قتله جيش معاوية في الفتنة بين معاوية رضي الله عنه وعلي.

وارتجز علي بن أبي طالب يومئذ: لا يستوي من يعمر المساجدَا، يدأب فيها قائمًا وقاعدَا، ومن يرى عن الغبار حائدَا. قال ابن هشام: سألت غير واحد من أهل العلم بالشعر عن هذا الرجز، فقالوا: بلغنا أن علياً ارتجز به، فما ندري هو فعلاً قاله أم غيره.

قال ابن إسحاق: فأخذها عمار بن ياسر فجعل يرتجز بها. قال ابن هشام: فلما أكثر، ظن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنما يعرض به، فيما حدثنا عن ابن إسحاق، وقد سمى ابن إسحاق هذا الرجل. قال ابن إسحاق: فقال: قد سمعت ما تقول منذ اليوم يا ابن سمية، والله إني لأراني سأعرض هذه العصا لأنفك، قال: وفي يده عصا، فغضب رسول الله ﷺ، ثم قال: «ما لهم ولعمار؟ يدعونه إلى الجنة، ويدعونه إلى النار! إن عمارًا جلده ما بين عيني وأنفي، إذا بلغ ذلك من الرجل فلم يستبقَ، فاجتنبوه».

قال ابن هشام: ذكر سفيان بن عيينة عن زكريا عن الشعبي، قال: أول من بنى مسجدًا عمار بن ياسر. قال ابن إسحاق: فأقام الرسول ﷺ في بيت أبي أيوب حتى بني له مسجده ومساكنه، ثم انتقل إلى مساكنه من بيت أبي أيوب رحمه الله. قال ابن إسحاق وحدثني بإسناده عن أبي أيوب قال: لما نزل علي رسول الله ﷺ.

كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي ينزل في السفل، وأنا وأم أيوب في العلو. فنزل النبي صلى الله عليه وسلم في الطابق الأسفل، وأبو أيوب في الطابق العلوي، وكان بيته كأنه طابقان. فقلت له: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السفل. قال: يا أبا أيوب، إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في السفل؛ يعني أنا يزورني زوار يا أبا أيوب، ما ينفع أطلع على الطابق العلوي.

فكان الرسول صلى الله عليه وسلم في سفله وكنا فوقه في المسكن، فلقد انكسر حب لنا فيه ماء. فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا، فطلعوا فجاؤوا بالحرام، أبو أيوب وأم أيوب، ينشفوا الماء حتى ما تقطرش على الطابق السفلي؛ ننشف بها الماء تخوفاً أن يقطر على الرسول صلى الله عليه وسلم منه شيء فيؤذيه. وكنا نصنع له عشاءً ثم نبعث به إليه، فإذا رد علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده، فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة. حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه، وقد جعلنا له فيه بصلاً أو ثمّاً، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أر ليده فيه أثراً، فجئت فزعاً؛ فكرت أن الطبخة ما عجبت النبي عليه الصلاة والسلام بس كان فيها بصل. قال: رددت عشاءك ولم أرَ فيه موضع يدك؟ قال: وكنت إذا رددته علينا تيممت أنا وأم أيوب موضع يدك؛ كنا نتبرك في أماكن يدك. قال: إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجي الله، فأما أنتم فكلوه؛ فإنه ليس بي، فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد.

وتلاحق المهاجرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يبقَ بمكة منهم أحد إلا مفتون أو محبوس، ولم يُوعب أهل هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى الله وإلى رسوله إلا أهل دور مسمون؛ يعني مين أهل بيت كامل هاجروا من مكة إلى المدينة؟ دار ابن مظعون، عثمان بن مظعون وإخوانه، ودار بني جحش؛ بني البكير الأربعة، فإن دورهم بالتمام والكمال أغلقت في مكة وهاجروا إلى المدينة. ولما خرج ابن جحش ابن رئاب من دارهم، كما قلنا، مين سطا على ديار ابن جحش؟ أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه قبل ما يسلم، فباعها من عمرو بن علقمة. فلما بلغ بني جحش ما صنع أبو سفيان بدارهم وأنه سطا عليها وباعها، ذكر ذلك عبد الله بن جحش للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا رسول الله، ألا ترضى يا عبد الله بن جحش أن يعطيك الله بها داراً خيراً منها في الجنة؟ قال: بلى، قال: فذلك لك.

فلما افتتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، كلمه أبو أحمد -وهو الضرير أخو عبد الله بن جحش- في دارهم، رجع لنا دارنا التي أخذها أبو سفيان منا غصباً، فأبطأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الناس لأبي أحمد: يا أبا أحمد، إن النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن ترجعوا في شيء من أموالكم، خلص الدار هي راحت لله ورسوله، أُصيب منكم في الله. فأمسك عن كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقال لأبي سفيان: أبلغ أبا سفيان عن أمر عواقبه ندامة، دار ابن عمك بعتها تقضي بها عنك الغرامة، وحليفكم بالله رب الناس مجتهد القسامة، اذهب بها طوقتها طوق الحمامة. قال ابن إسحاق: طوقت يعني لزمك عارها.

فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إذ قدمها، من شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الداخلة، حتى بني له في مسجده ومساكنه، واستجمع له إسلام هذا الحي من الأنصار، فلم تبقَ دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها، إلا ما كان من خطمة وواقف ووائل وأمية، وتلك أوس الله، وهم حي من الأوس، فإنهم أقاموا على شركهم. وهم يقولون في الحاشية إنهم أسلموا بعد الخندق.

كانت أول خطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، فيما بلغنا عن النبي سلمة عبد الرحمن، نعوذ بالله أن نقول على النبي عليه الصلاة والسلام ما لم يقل، وهذا من تورع ابن هشام، أنه قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فقدموا لأنفسكم، تعلمن والله ليسعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه، ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلغك؟ وآتيتك مالاً وأفضلت عليك، فما قدمت لنفسك؟ فلينظرن يميناً وشمالاً فلا يرى شيئاً، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشقة من تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام على رسول الله ورحمته وبركاته.

قال ابن إسحاق: ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس مرة أخرى، فقال: إن الحمد لله، أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس؛ إن أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا ما أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقسُ عنه قلوبكم، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي، فقد سماه خيراته من الأعمال، ومصطفاه من العباد، والصالح من الحديث، ومن كل ما أوتي الناس الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، واتقوه حق تقاته، واصدقوا الله صالحاً ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكث عهده، والسلام عليكم ورحمة الله.

قال ابن إسحاق: كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه بين المهاجرين والأنصار وموادعة اليهود، وهي التي تسمى وثيقة المدينة: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً بين المهاجرين والأنصار ووادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس. المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وابن الحارث على ربعتهم يتعاقلون مع عاقلهم الأولى، وكل طائفة تفتدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وابن ساعدة على ربعتهم يتعاقلون مع عاقلهم الأولى، وكل طائفة تفتدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

وابن جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفتدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفديها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفتدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفتدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

وإن المؤمنين لا يتركون مفرحاً بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل؛ قال ابن هشام: المفرح المثقل من الدين والعيال. ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه. وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد من المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم. ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافر على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس. وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم. وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم. وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضاً، وإن المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله؛ يبيء يعني يمنع ويكف بعضه بعضاً.

وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن. وأنه من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود، إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا قيام عليه. وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً ولا يؤويه؛ محدثاً يعني مجرماً جانياً، فإنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإنما رده إلى الله وإلى محمد صلى الله عليه وسلم.

وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين؛ لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته. وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته؛ لا يوتغ يعني لا يهلك إلا نفسه وأهل بيته. وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم، وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البر دون الإثم، وإن موالي ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة يهود كأنفسهم، وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم.

وأنه لا ينحجز على ثأر جرح، وأنه من فتك بنفسه إلا من ظلم، وإن الله على أبر هذا، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم. وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها، وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإنما رده إلى الله وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الله على ما في هذه، وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها. وإن بينهم النصر على من يدهم يثرب؛ النبي صلى الله عليه وسلم ينهى نهياً شديداً عن إجارة قريش، إنه قريش علاقتنا معهم حرب، ما حدا بكره أشوفه بقول لي أنا والله بدي أجير قريش أو أجير أموالهم، رفض النبي صلى الله عليه وسلم إجارة قريش ولأموال قريش لأن العلاقة الآن حرب.

وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين، على كل إنسان حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وأنه إذا صار في حرب على المدينة كل قبيلة سواء من المسلمين أو اليهود بدها تدافع من جهتها وعن المنطقة التي تسكنها، الكل مسؤول عن الدفاع عن المدينة. وإن ليهود الأوس ومواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة؛ قال ابن هشام: ويقال مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة.

وأن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بعد بناء المسجد ووضع ميثاق المدينة، تمت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، واختياره علياً أخاً رضوان الله عليه. قال ابن إسحاق: وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال فيما بلغنا، ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل: «تآخوا في الله أخوين أخوين». ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فقال: «هذا أخي». فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين، الذي ليس له خطر ولا نظير من العباد، وعلي بن أبي طالب أخوين. وكان حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، وزيد بن حارثة أخ النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين أنفسهم.

ثم آخى أيضاً بين المهاجرين والأنصار، فكانت هناك مؤاخاة بين المهاجرين، ثم مؤاخاة أوسع بين المهاجر والأنصار. وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين حضره القتال إن حدث به حدث الموت، وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين الطيار في الجنة ومعاذ بن جبل أخو بني سلمة أخوين. بس هنا في إشكال، وهو أن جعفر ما كان حاضراً أصلاً في المدينة وكان في الحبشة. قال ابن هشام: وكان جعفر يومئذ غائباً بأرض الحبشة، فلعل هذا وهم من ابن إسحاق أنه ذكر جعفر بن أبي طالب أنه آخى بينه وبين معاذ بن جبل، هذا مش دقيق.

قال ابن إسحاق: وكان أبو بكر الصديق وخارجة بن زيد بن أبي زهير أخو الحارث بن الخزرج أخوين، وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخو بني سالم بن عوف أخوين. نلاحظ أن المؤاخاة ليس كما يظن البعض أنها بين المهاجرين ثم المهاجرين والأنصار، بل من خلال سرد الأسماء نجد مؤاخاة بين مهاجر ومهاجر، ومؤاخاة بين مهاجر وأنصاري. كان هناك نوع من التنوع في المؤاخاة، والله أعلم بمصلحتها.

وأبو عبيدة بن عبد الله بن الجراح واسمه عامر، وسعد بن معاذ بن النعمان أخو بني عبد الأشهل أخوين، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخو بني الحارث بن الخزرج أخوين، والزبير بن العوام وسلمة بن سلامة بن وقش أخو بني عبد الأشهل أخوين، ويقال بل الزبير وعبد الله بن مسعود حليف بني زهرة أخوين، وعثمان بن عفان وأوس بن ثابت بن المنذر أخو بني النجار أخوين، وطلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك أخو بني سلمة أخوين، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأبي بن كعب أخو بني النجار أخوين، ومصعب بن عمير بن هاشم وأبو أيوب الأنصاري أخوين.

قال: وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وعباد بن بشر بن وقش أخو بني عبد الأشهل أخوين، وعمار بن ياسر حليف بني مخزوم وحذيفة بن يمان أخو بني عبس حليف بني عبد الأشهل أخوين، ويقال بل ثابت بن قيس بن الشماس خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمار بن ياسر أخوين، وأبو ذر وهو برير بن جنادة الغفاري والمنذر بن عمرو المعنق ليموت أخو بني ساعدة بن الخزرج أخوين. والمنذر لقب بالمعنق ليموت لأنه أسرع إلى الشهادة، وإنما لقب بذلك لأنه أسرع إلى الموت. وقال ابن هشام: وسمعت غير واحد من العلماء يقول: أبو ذر جندب بن جنادة.

قال ابن إسحاق: وكان حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى وعويم بن ساعدة أخو بني عمرو بن عوف أخوين، وسلمان الفارسي وأبو الدرداء عويمر بن ثعلبة أخو بني الحارث بن الخزرج أخوين، قال ابن هشام: عويمر بن عامر ويقال عويمر بن زيد. قال ابن إسحاق: وبلال مولى أبي بكر مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي ثم أحد الفزع أخوين. فهؤلاء من سمي لنا ممن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين أصحابه. فلما دوّن عمر بن الخطاب الدواوين بالشام وكان بلال قد خرج إلى الشام فأقام بها مجاهداً، قال عمر لبلال: إلى من تجعل ديوانك يا بلال؟ قال: مع أبي رويحة لا أفارقه أبداً للأخوة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد بيني وبينه، فضم إليه وضم ديوان الحبشة إلى خثعم لمكان بلال منهم، فكان كل الحبشيين ديوانهم مع ديوان الخثعميين في توزيع الأموال وترتيبها.

وهلك في تلك الأشهر أبو أمامة أسعد بن زرارة والمسجد يُبنى، أخذته الذبحة أو الشهقة. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بإسناده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بئس الميت أبو أمامة، ليهود ومنافيقي العرب يقولون: لو كان نبياً لم يمت صاحبه، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئاً». لما مات أسعد بن زرارة اجتمعت بنو النجار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو أمامة نقيبهم، فقالوا له: يا رسول الله، إن هذا قد كان منا حيث قد علمت، فاجعل منا رجلاً مكانه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: «أنتم أخوالي وأنا منكم وأنا نقيبكم»، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخص بها بعضهم دون بعض. هذه سياسة النبي صلى الله عليه وسلم، شعر أنه إذا وضع واحداً منهم نقيباً بدل أسعد سيصير في تحاسد، فترك وضع أمير وقال: «أنا أميركم»، وهذا من الذكاء حين تجد تنافساً على الإمارة. فكان من فضل بني النجار أنهم كانوا يقولون: نحن النبي صلى الله عليه وسلم نقيبنا، صارت منقبة بالنسبة لهم.

فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين واجتمع أمر الأنصار، استحكم أمر الإسلام فقامت الصلاة وفرضت الزكاة والصيام وقامت الحدود وفرض الحلال والحرام، وتبوأ الإسلام بين أظهرهم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدمها إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة، فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل بوقاً كبوق يهود الذي يدعون به لصلاتهم، ثم كرهه. ثم أمر بالناقوس فنُحت ليضرب به للمسلمين للصلاة، فبينهم على ذلك رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه أخو بني الحارث بن الخزرج النداء، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله، إنه طاف بي هذه الليلة طائف، مر بي رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد الله، أتبيع هذا الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: وما هو؟ قال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.

فلما أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها، فإنه أندى صوتاً منك». فلما أذن بها بلال سمعها عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجر رداءه وهو يقول: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلله الحمد».

ذكر ابن جريج قال: قال لي عطاء سمعت عبيد بن عمير الليثي يقول: ائتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالناقوس للاجتماع للصلاة، فبينما عمر بن الخطاب يريد أن يشتري خشبتين للناقوس إذ رأى في المنام: لا تجعلوا الناقوس بل أذنوا للصلاة، فاذهب عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بالذي رأى، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم وحي بذلك، فما راع عمر إلا بلال يؤذن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره بذلك: «قد سبقك بذلك الوحي».

وعن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن عليه للفجر كل غداة، فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينتظر الفجر، فإذا رآه تمطى ثم قال: اللهم إني أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك. ثم يؤذن، قالت: والله ما علمته كان يتركها ليلة واحدة.

قال ابن إسحاق: فلما اطمأنت برسول الله صلى الله عليه وسلم داره وأظهر الله بها دينه وسره بما جمع إليه من المهاجرين والأنصار من أهل ولايته، قال أبو قيس صرمة بن أبي أنس -أخو بني عدي بن النجار- وكان رجلاً قد ترهب في الجاهلية، ولبس المسوح وفارق الأوثان، واغتسل من الجنابة وتطهر من الحائض من النساء، وهمّ بالنصرانية ثم أمسك عنها، ودخل بيتاً له فاتخذه مسجداً لا يدخله عليه فيه طام ولا جنب، وقال: أعبد رب إبراهيم حين فارق الأوثان وكرهها حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأسلم وحسن إسلامه، وكان شيخاً كبيراً وكان قولاً بالحق معظماً لله تعالى في جاهليته، يقول أشعاراً.

ونصبت عند ذلك أحبار يهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة بغياً وحسداً وضغناً، لما خص الله تعالى به العرب من أخذه رسوله منهم، وأضاف إليهم رجالاً من الأوس والخزرج ممن كان عسا على جاهليته. وكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك وتكذيب البعث، إلا أن الإسلام قهرهم بظهوره واجتماع قومه، فتظاهروا بالإسلام واتخذوه جنة من القتل، ونافقوا في السر وكان هواهم مع اليهود في تكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم وجحودهم الإسلام. وكان أحبار اليهود هم الذين يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعنتونه، ويأتونه باللبس ليلبسوا الحق بالباطل، فكاد القرآن ينزل فيهم في اليهود فيما يسألون عنه إلا قليلاً من المسائل في الحلال والحرام كان المسلمون هم الذين يسألون عنها. رؤوس اليهود الذين كانوا يعملون مشاكل في المدينة: حيي بن أخطب، وأخواه أبو ياسر وأخطب، وجدي بن سلام، وسلام بن مشكم، وكنانة بن أبي الحقيق.

الربيع بن أبي الحقيق أبو رافع الأعور هو الذي قتله أصحاب النبي ﷺ بخيبر، وتزوج النبي ﷺ زوجته صفية رضي الله عنها بعد ذلك. والربيع بن عمرو بن جحاش، وكعب بن الأشرف وهو الذي قتله الصحابة، والحجاج بن عمرو، وكردم بن قيس، فهؤلاء من يهود بني النضير. ومن بني ثعلبة كان منهم ابن الفطيون.

قال عبد الله بن صيف الأعور، ولم يكن هو الذي وضع يده كما على آية الزنا كما جاء عند بعضهم، ولم يكن في الحجاز في زمانه أحد أعلم بالتوراة منه، وابن صلوبا، ومخيريق، وأظنه أسلم، وكان حبرهم من يهود بني قينقاع زيد بن اللصيط -ويقال ابن اللصيب- وسعد بن حني، ومحمود بن سيحان، وعزير بن أبي عزيز، وعبد الله بن صيف، وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وفنحاص، وأشياع، ونعمان بن أضا، وبحر بن عمرو، وشاس بن عدي، وشاس بن قيس، وزيد بن الحارث، ونعمان بن عمرو، وسكين بن أبي سكين، وعدي بن زيد، ونعمان بن أبي أوفى، ومحمود بن دحية، ومالك بن صيف -ويقال ابن ضيف- وكعب، وراشد، وعازر، ورافع بن أبي رافع، وخالد أزرار بن أبي أزرار -ويقول ابن هشام أزر بن أزر- ورافع بن حارثة، ورافع بن حريمة، ورافع بن خارجة، ومالك بن عوف، ورفاعة بن زيد، وعبد الله بن سلام، وكان حبراً معلماً وكان اسمه الحصين، فلما أسلم سماه النبي ﷺ عبد الله بن سلام. فهؤلاء من بني قينقاع.

ومن بني قريظة: الزبير بن باطا، وعزال بن سموأل، وكعب بن أسد، وهو صاحب عقد بني قريظة الذي نقض عام الأحزاب، وشميل بن زيد، وجبل بن عمرو، ونحام بن زيد، وقردة بن كعب بن زيد، ونافع بن أبي نافع، وأبو نافع، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، وكرد بن زيد، وأسامة بن حبيب، ورافع بن رميل، وجبل بن أبي قشير، ووهب بن يهوذا. فهؤلاء من بني قريظة. ومن يهود بني زريق: لبيد بن الأعصم، وهذا الذي سحر النبي ﷺ وهو الذي أخذ رسول الله ﷺ عن نسائه بالسحر. ومن يهود بني حارثة: كنانة بن صوريا. ومن بني عوف: قردة بن عمرو. ومن يهود بني النجار: سليل بن نعم. فهؤلاء أحوال اليهود أهل الشرور والعداء للنبي ﷺ وأصحاب المسألة الذين كانوا يلحون بالمسألة والنصب لأمر الإسلام ليطفئوه، إلا ما كان من عبد الله بن سلام ومخيريق فإنهما أسلما.

قال ابن إسحاق: وكان من حديث عبد الله بن سلام كما حدثني بعض أهله عنه وإسلامه حين أسلم وكان حبراً عالماً: قال لما سمعت برسول الله ﷺ عرفت صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوقفه له، فكنت مسراً لذلك صامتاً عليه حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، فلما نزل بقباء في بني عمرو بن عوف أقبل رجل حتى أخبر بقدومه وأنا في رأس نخلة لأعمل فيها وعمتي خالدة بنت الحارث تحت جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله ﷺ كبرت، فقالت لي عمتي حين سمعت تكبيري: خيبك الله! والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادماً ما زدت. قال قلت لها: أي عمة، هو والله أخو موسى بن عمران على دينه، بعث بما بعث به. قال فقالت: أي ابن أخي، أهو النبي الذي كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة؟ قال قلت لها: نعم. قال فقالت: فذاك إذاً. ثم خرجت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت، ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا.

قال: وكنت أسمي مع يهود، ثم جئت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن يهود قوم بهت، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك فتغيبني عنهم ثم تسألهم عني حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي، فإنهم إن علموا بهتوني وعابوني. قال: فأدخلني رسول الله ﷺ في بعض بيوته، ودخلوا عليه فكلموه وسألوه ثم قال لهم: أي رجل الحصين بن سلام فيكم؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا. قال فلما فرغ من قولهم خرجت عليهم فقلت: يا معشر يهود، اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله، تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة باسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله وأؤمن به وأصدقه وأعرفه. فقالوا: كذبت، ثم وقعوا بي. قال فقلت لرسول الله ﷺ: ألم أخبرك يا نبي الله أنهم قوم بهت أهل غدر وكذب وفجور؟ قال: فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث فحسن إسلامها.

قال ابن إسحاق: وكان من حديث مخيريق وكان حبراً عالماً، وكان رجلاً غنياً كثير أموال من النخل، وكان يعرف رسول الله ﷺ بصفته وما يجد في علمه، وغلب عليه ألف دينه، فلم يزل على ذلك حتى إذا كان يوم أحد، وكان يوم أحد يوم السبت، قال: يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق. قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت لكم. ثم أخذ سلاحه فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ وأصحابه بأحد، وعهد إلى من وراءه من قومه: إن قتلت هذا اليوم فأموالي لمحمد ﷺ يصنع بها ما أراه الله. فلما اقتتل الناس قاتل حتى قتل، فكان رسول الله ﷺ فيما بلغني يقول: «مخيريق خير يهود». وقبض رسول الله ﷺ أمواله، فعامة صدقات رسول الله ﷺ بالمدينة منها.

قال ابن إسحاق: وحدثت عن صفية بنت حيي أنها قالت: كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه. قالت: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة ونزل بقباء في بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين، قالت: مغلسين أي مع الفجر، فلم يرجعوا حتى كان مع غروب الشمس. قالت: فأتياني كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا. قالت: فهجشت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إليّ واحد منهما مع ما بهما من الغم، وسمعت عمي أبا ياسر يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله. قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته ما بقيت.

قال ابن إسحاق: وكان ممن أضاف إلى يهود ممن سمي لنا من المنافقين من الأوس والخزرج، ومن بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس: زوي بن الحارث. ومن بني حبيب: جلاس بن سويد بن الصامت، وأخوه الحارث بن سويد. وكان جلاس ممن تخلف عن رسول الله ﷺ بغزوة تبوك، وكان قد قال قولاً شرّاً من الكفر، فرفع ذلك من قوله إلى رسول الله ﷺ عمير بن سعد، وكان في حجر جلاس، فخلف جلاس على أمه بعد أبيه، فقال له عمير: والله يا جلاس إنك لأحب الناس إليّ وأحسنهم عندي يداً، وأعزهم عليّ أن يصيبه شيء يكرهه، ولقد قلت مقالةً لأن رفعتها عليك لأفضحنك، ولئن صمتُّ عليها ليهلكن ديني، ولا إحداهما أيسر عليّ من الأخرى. ثم مشى إلى رسول الله ﷺ فذكر له ما قال جلاس، فحلف جلاس بالله لرسول الله ﷺ: لقد كذب عليّ عمير وما قلت ما قال. فأنزل الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: 74]. قال ابن إسحاق: فزعموا أنه تاب فحسنت توبته حتى عرف منه الإسلام.

وأخوه الحارث بن سويد الذي قتل المجذر بن زياد البلوي، وقيس بن زيد أحد بني ضبيعة يوم أحد، خرج مع المسلمين وكان منافقاً، فلما التقى الناس عدى عليهما فقتلهما ثم لحق بقريش. قال ابن هشام: وكان المجذر بن زياد قتل سويد بن الصامت في بعض الحروب التي كانت بين الأوس والخزرج، فلما كان يوم أحد طلب الحارث بن سويد غرة المجذر بن زياد ليقتله بأبيه فقتله.

وأيضاً من المنافقين: بجاد بن عثمان بن عامر، ونبتل بن الحارث، وهو الذي قال له النبي ﷺ فيما بلغني: «من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث»، وكان رجلاً جسيماً، أدلم، ثائر شعر الرأس، أحمر العينين، أسفع الخدين، وكان ياتي النبي ﷺ يتحدث إليه فيسمع منه، ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذي قال: إنما محمد أذن، أي أيّ واحد يحكي معه يسمع منه، فأنزل الله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: 61]. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض رجال بني النجار أنه حدث أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال له: إنه يجلس إليك رجل أدلم، ثائر شعر الرأس، أسفع الخدين، أحمر العينين كأنهما قدران من صفر، كبده أغلظ من كبد الحمار، ينقل حديثك إلى المنافقين فاحذر.

ومن المنافقين أيضاً: أبو حبيبة بن الأزعر وكان ممن بنى مسجد الضرار، وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وهما اللذان عاهد الله لئن آتانا فضلاً لنصدقن، ومعتب الذي قال يوم أحد: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا، فأنزل الله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: 154]. قال يوم الأحزاب: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن على الغائط، فأنزل الله فيه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12]. والحارث بن حاطب، وقد نسب ابن إسحاق ثعلبة والحارث في أسماء أهل بدر، ففي عد بعض هؤلاء من المنافقين خلاف.

حنيف، وبحزج، وهم ممن كان بنى مسجد الضرار، وعمرو بن خذام، وعبد الله بن فتلة، وجارية بن عامر بن العطاف، وابناه زيد ومجمع بن جارية؛ وهو ممن اتخذ مسجد الضرار، وكان مجمع غلاماً حدثاً قد جمع من القرآن أكثره، فكان يصلي بهم فيه. ثم إنه لما أُخرب المسجد، وذهب رجال من بني عمرو بن عوف، وكانوا يصلون ببني عمرو بن عوف في مسجدهم، وكان زمان عمر بن الخطاب، قام مجمع ليصلي بهم، فقال: لا، أوليس بإمام المنافقين في مسجد ضرار؟ فقال لعمر: يا أمير المؤمنين، والله الذي لا إله إلا هو ما علمت بشيء من أمرهم، ولكني كنت غلاماً قارئاً للقرآن، وكانوا لا قرآن معهم فقدموني أصلي لهم، وما أرى أمرهم إلا على أحسن ما ذكروا، فزعموا أن عمر تركه وصلى بقومه.

ومن بني أمية من المنافقين وديعة بن ثابت، وهو ممن بنى مسجد الضرار، وهو الذي قال: إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: 65]. من المنافقين أيضاً خدام بن خالد، وهو الذي أخرج مسجد الضرار من داره، وبشر ورافع ابن زيد أيضاً من المنافقين. ومن بني النبيت من المنافقين -قال ابن هشام: النبيت عمرو بن مالك- مربع بن قيظي، وهو الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين أجاز أي مر في حائطه أي بستانه، والنبي صلى الله عليه وسلم عامد إلى أحد: لا أحل لك يا محمد إن كنت نبياً أن تمر في حائطي في بستاني، وأخذ في يده حفنة من تراب وقال: والله لو أعلم أني لا أصيب بهذا التراب غيرك لرميتك به، فهذا نفاق، هذا يشتم النبي صلى الله عليه وسلم، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوه، فهذا الأعمى، أعمى القلب أعمى البصر»، وقد ضربه سعد بن زيد بالقوس فشجه.

وأخوه أوس بن قيظي أيضاً أحد المنافقين، وهو الذي قال: إن بيوتنا عورة، فأذن لنا فلنرجع إليها، فأنزل الله: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ [الأحزاب: 13]. قال ابن هشام: عورة أي معورة للعدو ضائعة وجمعها عورات.

ومن بني ظفر حاطب بن أمية بن رافع، وحاطب هذا كان شيخاً جسيماً قد عسا في جاهليته، يعني يبس على هذا الفكر، وكان له ابن من خيار المسلمين يقال له يزيد بن حاطب، أصيب يوم أحد حتى أثبتته الجراحات، فحمل إلى دار بني ظفر. قال ابن اسحاق: حدثني عاصم أنه اجتمع إليه من بها من رجال المسلمين ونسائهم وهو بالموت، فجعلوا يقولون: أبشر يا ابن حاطب بالجنة، فنجم نفاقه حينئذ، فجعل أبوه يقول: أجل، جنه من حرمل، يستهزئ يعني جنة من الحرمل، هذا نبت من نبات البادية، غررتم والله هذا المسكين بنفسه، ضيعتم لي ابني خليتموه يطلع يقاتل معكم.

قال ابن اسحاق: وبشير بن أبيرق وهو أبو طعمة، سارق الدرعين الذي أنزل الله تعالى فيه: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: 107]. وقزمان سارق الدرعين، أيضاً قال حليف لهم: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إنه لمن أهل النار»، فلما كان يوم أحد قاتل قتالاً شديداً حتى قتل بضعة نفر من المشركين، فأثبتته الجراحة، فحمل إلى دار بني ظفر، فقال له رجل من المسلمين: أبشر يا قزمان، فقد أبليت اليوم وقد أصابك ما ترى في الله، قال: بماذا أبشر؟ والله ما قتلت إلا حمية عن قومي، فلما اشتدت به جراحته وآذته، أخذ سهماً من كنانته فقطع به رواهش يده فقتل نفسه.

قال ابن اسحاق: ولم يكن في بني عبد الأشهل منافق ولا منافقة، إلا أن الضحاك بن ثابت أحد بني كعب رهط سعد بن زيد كان يتهم بالنفاق وحب اليهود، لكن بني عبد الأشهل الذين هم جماعة أسيد بن حضير وسعد بن معاذ ما كان فيهم نفاق. وكان جلاس بن سويد بن صامت قبل توبته فيما بلغني، ومعتب بن قشير ورافع بن زيد وبشر، وكانوا يدعون بالإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدعوهم إلى الحكام، حكام أهل الجاهلية، يعني الجلاس دعاهم إلى حكام الجاهلية والمسلمون يدعونهم إلى تحكيم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 60].

ومن الخزرج كان من المنافقين رافع بن وديعة، وزيد بن عمرو، وعمرو بن قيس، وقيس بن عمرو. ومن بني جشم كان من المنافقين الجد بن قيس، وهو الذي قال: يا محمد ائذن لي ولا تفتني، فأنزل الله: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: 49]، هذا في غزوة تبوك. ومن رأس المنافقين من بني عوف عبد الله بن أبي بن سلول، وكان رأس المنافقين يجتمعون إليه، وهو الذي قال: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: 8]، هذا في غزوة بني المصطلق، وفي قوله ذلك نزلت سورة المنافقين بأسرها، وفيه وفي وديعة ومالك بن أبي قوقل وسويد وداعس، وهم من رهط عبد الله بن أبي، وهؤلاء النفر من قومه الذين كانوا يدسون إلى بني النضير حين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن اثبتوا فوالله لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً، وإن قوتلتم لننصرنكم، فأنزل الله الآيات في سورة الحشر: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: 11].

قال ابن اسحاق: وكان ممن تعود بالإسلام ودخل فيه مع المسلمين وأظهره وهو منافق من أحبار يهود: رفاعة بن قيس، وسعد بن حنيفة، وزيد بن الوصيطي، ونعمان بن أوفى بن عمرو، وعثمان بن أوفى. وزيد بن الوصيطي الذي قاتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بسوق بني قينقاع، وهو الذي قال حين ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه الخبر بما قال عدو الله في رحله ودل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته: إن قوماً قالوا يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها فهي في هذا الشعب قد حبستها شجرة بزمامها، فذهب الرجال من المسلمين فوجدوها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما وصف.

ورافع بن حريميلة، وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا: «مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين»، فكان يهودياً أظهر الإسلام نفاقاً. ورفاعة بن زيد بن تابوت، وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هبت عليه ريح وهو قافل من غزوة بني المصطلق فاشتدت حتى أشفق منها المسلمون، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تخافوا فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار»، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وجد رفاعة بن زيد بن تابوت مات ذلك اليوم الذي هبت فيه الريح. وسلسلة بن برهامة، وكنانة بن صوريا.

وكان هؤلاء المنافقون يحضرون المسجد فيستمعون أحاديث المسلمين ويسخرون منهم ويستهزئون بدينهم، فاجتمع يوماً في المسجد منهم ناس، فرآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثون بينهم خفيض أصواتهم، قد لصق بعضهم ببعض، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجوا من المسجد إخراجاً عنيفاً، فقام أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب إلى عمرو بن قيس أحد بني غنم بن مالك بن النجار وكان صاحب آلهة في الجاهلية، فأخذ برجله فسحبه حتى أخرجه من المسجد، وهو يقول: أتخرجني يا أبا أيوب من مربد بني ثعلبة؟ قال: هذا المسجد هو مربد، هو يستهزئ، تخرجني من مربد بني ثعلبة لأنه المسجد مكان المربد.

ثم أقبل أبو أيوب أيضاً إلى رافع بن وديعة أحد بني النجار فلببه بردائه ثم نتره نتراً شديداً ولطم وجهه ثم أخرجه من المسجد، وأبو أيوب يقول: أف لك منافقاً خبيثاً، أدرج يا منافق من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمر، وكان رجلاً طويلاً ذا لحية، فأخذ بلحيته فقاده بها قوداً عنيفاً حتى أخرج من المسجد، ثم جمع عمارة يديه جميعاً فلدمه بهما في صدره لدمة خر منها، قال يقول: خدشتني يا عمارة؟ قال: أبعدك الله يا منافق، فما أعد الله لك في العذاب من العذاب أشد من ذلك، فلا تقربن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقام أبو محمد رجل من النجار كان بدرياً، وأبو محمد مسعود بن أوس بن زيد، إلى قيس بن عمرو بن سهل، وكان قيس غلاماً شاباً، وكان لا يعلم في المنافقين شاب إلا هذا الرجل قيس بن عمرو، فجعل يدفع في قفاه أي من وراء حتى أخرجه من المسجد. وقام رجل من بني الخدرة رهط أبي سعيد الخدري يقال له عبد الله بن الحارث حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج المنافقين من المسجد، إلى رجل يقال له الحارث بن عمرو وكان ذا جمة، فأخذ بجمته أي من شعره فسحبه بها سحباً عنيفاً على ما مر به من الأرض حتى أخرجه من المسجد، يقول له المنافق: لقد أغلظت يا ابن الحارث، فقال له: إنك أهل لذلك يا عدو الله، لما أنزل الله فيك، فلا تقربن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. وقام رجل من بني عمرو إلى أخيه زيد بن الحارث أخرجه من المسجد إخراجاً عنيفاً وأف منه وقال: غلب عليك الشيطان وأمره. فهؤلاء من حضر المسجد يومئذ من المنافقين وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراجهم.

ما نزل من البقرة في المنافقين ويهود؛ ففي هؤلاء من أحبار يهود والمنافقين من الأوس والخزرج نزل صدر من سورة البقرة، إلى آي منها فيما بلغني والله أعلم، يقول الله سبحانه وبحمده: ﴿الٓمٓ * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ﴾ [البقرة: 1-2] أي لا شك فيه. ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء من عند الله. ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ بفرضها، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ أي يصدقونك ما جاءت به من الله وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون ما جاءوا به من ربهم، ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان. هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك وما جاء من ربك، ﴿أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم، ﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، إنما قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق لك، فقد كفروا بما جاءك وبما عندك وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، وهم يستمعون منك إنذاراً أو تحذيراً، وقد كفروا بما عندهم من علمك، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ عن الهدى أن يصيبوه أبداً، يعني بما كذبوك به من الحق الذي جاءك من ربك حتى يؤمنوا به، وإن آمنوا بكل ما كان قبلك ولهم بما هم عليه من خلافك عذاب عظيم. فهذا في الأحبار من يهود، يعني ابن اسحاق يقول إن الذين كفروا سواء عليهم أنذرتهم تتكلم عن الكفار من اليهود، هذا رأيه، والآية الحقيقة أعم من ذلك. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾، يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي شك، وزادهم الله مرضاً شكاً، ولهم عذاب بما كانوا.

يكذبون. وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون. إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب، يقول الله: إنهم يفسدون ولكن لا يشعرون. وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، إلى آخره. وإذا خلوا إلى شياطينهم أي إلى اليهود الذين يأمرون بالتكذيب بالحق وخلاف ما جاء به الرسول، قالوا إنا معكم، إنا على مثل ما أنتم عليه، إنما نحن مستهزئون، ما نستهزئ بالقوم ونلعب بهم، يقول الله: والله يستهزئ بهم. قال ابن هشام: يعمهون أي حائرون، تقول العرب للرجل: عمّ وعمه أي حيران. أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى، فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين. ثم ضرب لهم مثلًا استعظم ما أضاءت ما حولهم، وذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون؛ أي يبصرون الحق ويقولون به حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفأوه بكفرهم به ونفاقهم فيه، فتركهم الله في ظلمات الكفر فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون على حق. صمّ بكم عنهم لا يرجعون، يرجعون إلى هدى، صمّ بكم عن الخير، لا يرجعون إلى خير ولا يصيبون نجاة مما كانوا على ما هم عليه.

أو كصيّب من السماء، قال ابن إسحاق: الصيّب المطر، وهو من صاب يصوب، مثل قولهم: السيّد من ساد يسود، والميّت من مات يموت، وجمعه صيّب. قال علقمة وذكر الأبيات. قال ابن إسحاق: أيهم من ظلمة ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل، على الذي هم عليه من الخلاف والتخوف لكم على مثل ما وصف الله من الذي هو في ظلمة الصيب، يجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حذر الموت، يقول والله منزل ذلك بهم من النقمة، أي هو محيط بالكافرين، كادت أبصارهم تخطف لشدة ضوء الحق كلما أضاء لهم، وإذا أظلم عليهم قاموا؛ يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على الاستقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين، ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم لما تركوا من العباد معرفته، إن الله على كل شيء قدير.

ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21] إلى آخر الآيات. قال: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد، لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول، رسول من توحيده في الحق لا شك فيه. ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 23-24]، أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر. ثم رغبهم وحذرهم نقض الميثاق الذي أخذ عليهم لنبيه ﷺ إذ جاءهم، وذكر لهم بدء خلقهم حين خلقهم، وشان أبيهم آدم وأمره وكيف صنع به حين خالف عن طاعته.

ثم قال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 40]، أي بلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم به من فرعون وقومه، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: 40]، الذي أخذت في أعناقكم لنبي أحمد إذ جاءكم، أنجز لكم ما وعدتكم على تصديقه واتباعه بوضع ما كان عليكم من الآصار والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم، ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40]، أي أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفت من المسخ وغيرها، ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: 41]، وعندكم من العلم فيه ما ليس عند غيركم، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 41-42]، أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة بالرسول وبما جاء به، وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]، أي تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة وتتركون أنفسكم، أي وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي وتكتمون ما تعلمون من كتابي.

ثم عدد أحداثهم فذكر لهم العجل ما صنعوا فيه وتوبته عليهم وإقالته إياهم، ثم قوله: قولهم ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: 153]، أي ظاهرًا لنا لا شيء يستره عنا. قال ابن إسحاق: وأخذت الصاعقة إياهم عند ذلك لجرأتهم، ثم أحياهم الله بعد موتهم، وتظليل عليهم الغمام، وإنزالي عليهم السلوى، وقولهم ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة، يقول ما أمركم به أحط به ذنوبكم عنكم، وتبديلهم ذلك من قوله استهزاءً بأمره حيث قالوا حنطة، يعني وإقالته إياهم بعد هزئهم، قال ابن هشام: من شيء كان يسقط في السحر على شجرهم فيشترونه حلوًا مثل العسل يشربونه ويأكلونه.

ثم ذكر أبياتًا يستشهد بها على المن وحطة، أي حط عنا ذنوبنا. قال ابن إسحاق: وكان تبديلهم ذلك كما حدثني صالح بن كيسان عن أبي هريرة ومن لا أتهم عن ابن عباس عن النبي ﷺ: دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوه منه سجدًا يزحفون، وهم يقولون: حنطة في شعير، بدل ما يقولوا حطة صاروا يستهزئون يقولون حنطة في شعير. قال ابن هشام: ويروى: حنطة في شعير. قال ابن إسحاق: واستسقاء موسى لقومه أيضًا من النعم، وأمره إياه أن يضرب بعصاه الحجر فانفجرت منهم اثنتا عشرة عينًا، كل سبع عين يشربون منها، علم كل سبط العين التي منها يشرب، وقولهم لموسى: نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك، يخرج مما تنبت من بقرها وقثائها وفومها. قال ابن هشام: الفوم هو الحنطة. قال ابن هشام: والعدس والبصل إلى آخره. قال ابن إسحاق: فلم يفعلوا لما قال اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم، ورفعه الطور فوقهم ليأخذوا ما أوتوا بالصدق الذي كان فيهم، إذ جعلهم قردة بأحداثهم. البقرة التي أراهم بها العبرة في القتيل الذي اختلفوا فيه حتى تبين لهم أمره بعد التردد إلى موسى في صفة البقرة، وقسوة قلوبهم بعد ذلك حتى كانت كالحجارة وأشد قسوة. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74].

ثم قال لمحمد ﷺ ولمن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 75]. وليس قوله يسمعون التوراة أن كلهم قد سمعها ولكنه يقول فريق منهم، أي خاصة فيما بلغني عن بعض أهل العلم، قالوا لموسى: يا موسى، قد حيل بيننا وبين رؤية الله، فاسمعنا كلامه حين يكلمك، فطلب موسى ذلك من ربه، فقال له: نعم، مرهم فليتطهروا وليطهروا ثيابهم وليصوموا، ففعلوا ثم خرج بهم حتى أتى بهم الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى فقعدوا سجودًا، وكلمه ربه فسمعوا كلامه جلت قدرته يأمرهم وينهاهم حتى عقلوا عنه ما سمعوا، ثم صرف بهم إلى بني إسرائيل، فلما جاؤوهم حرّف فريق منهم ما أمرهم به، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل إن الله قد أمركم بكذا وكذا: إنما قال كذا وكذا، خلافًا لما قال الله لهم، فهم الذين عناه الله لرسوله محمد ﷺ.

ثم قال: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: 76] أي بصاحبكم رسول الله، لكنه إليكم خاصة، ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 76] أي أتخبرونهم بأنه نبي وقد عرفتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، ويخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجد في كتابنا؟ اجحدوه ولا تقروا لهم به. يقول الله عز وجل: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: 77]. ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: 78]. قال ابن هشام: إلا أماني، أي قراءة، يعني أنهم ناس جهال من اليهود لا يعرفون الكتاب، أي التوراة، إلا تلاوة، كيف حال كثير من المسلمين اليوم لا يعرفون القرآن إلا أماني؛ هو يعرف يقرأ بس هو مش فاهم المعاني. كذلك اليهود منهم أميون لا يعرفون كتبهم السابقة إلا مجرد قراءة لها دون فهم، قال لأن الأمي الذي يقرأ ولا يكتب. قال ابن هشام حدثني أبو عبيدة بذلك، وحدثني يونس بن حبيب النحوي وأبو عبيدة أن العرب تقول تمنى في معنى قرأ، وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: 52]، في أمنيته يعني في قراءته، وأنهم إلا يظنون أي لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوتك بالظن.

وقال: ﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: 80]. قال ابن إسحاق وحدثني مولى لبني زيد بإسناده عن ابن عباس: قدم النبي ﷺ المدينة واليهود يقولون: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الله الناس في النار بكل ألف سنة من أيام الدنيا يومًا واحدًا في النار من أيام الآخرة، وإنما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب. طبعًا لاحظوا أنه جعل المعدودة هنا سبعة، مع أنه قال ابن جماعة: لماذا فرق بين معدودة ومعدودات؟ قال معدودات على رأي طائفة منهم أنها سبعة، جمع قلة، ومعدودة على أنها جمع كثرة. سنن ابن إسحاق لا، فسر المعدودة بمعنى جمع القلة وهي السبعة، إذا أنتم فاهمين إذا بتذكروا ما ذكر في كشف المعاني من هنا، قال وإنما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب، سبعة أيام، فسر بها ابن إسحاق هذه الآية التي هي معدودة مع أنها جمع كثرة، لذلك قلت لكم كتاب ابن جماعة فيه بعض الملاحظات، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ [البقرة: 80] إلى قوله: ﴿بَلَىٰ ۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 81]، أي من عمل بمثل أعمالكم وكفر بمثل ما كفرتم به حتى يحيط كفره بما له من حسنة، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، خلودًا أبدًا، والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة من آمن بما كفرتم به، يعني ما تركتم دينه، فلهم الجنة خالدين فيها، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على الهدى لانقطاع له.

ثم قال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83] إلى آخر الآية ﴿وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾ [البقرة: 83] أي تركتم ذلك كله، وليس بالتنقص. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة: 84]. قال ابن هشام: تسفكون أي تصبون، تقول العرب سفك دمه أي صبه، وسفك الزق أي أراقه. قال ابن هشام: يعني بالحال الطين يخالطه الرمل يقال له السهلة، وفي حديث لما قال فرعون: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، أخذ جبريل من حال البحر وحمأته فضرب به وجه فرعون. قال: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: 84] قال ابن إسحاق: على أن هذا حق من ميثاق عليكم، ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [البقرة: 85] أي أهل الشرك حتى تسفكوا دماءهم معهم وتخرجوهم من ديارهم معكم، ﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ﴾ [البقرة: 85]، قد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم، يعني كنتم تتظاهرون أي تتعاونون مع الأوس والخزرج على إخوانكم من اليهود، لأن بني النضير كانوا محالفين للخزرج وبني قريظة كانوا محالفين للأوس، فكان اليهود إذا قبيلة تغزو قبيلة من اليهود تغزو قبيلة اليهود الأخرى يتعاونون مع المشركين على بعضهم البعض مع أن هذا محرم عليهم في التوراة، وهو محرم عليكم في كتابكم إخراجهم، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]، أتفادونهم مؤمنين بذلك وتخرجونهم كفرًا بذلك؟ ﴿فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُم إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: 85] إلى قوله: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: 86]، فأنبأهم بذلك من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين منهم بنو قينقاع ولفيفهم حلفاء الخزرج، وبنو النضير وقريظة ولفيفهم حلفاء الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج وخرجت النضير.

وقريظة مع الأوس يظاهر، هنا جعل بني النضير مع الأوس، وقينقاع مع الخزرج. يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى تسافكوا دماءهم بينهم بأيديهم التوراة، يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون أوثانًا، ولا يعرفون جنة ولا نارًا ولا بعثًا ولا قيامة ولا كتابًا ولا حلالًا ولا حرامًا، فإذا وضعت الحرب افتدوا أسراهم تصديقًا لما في التوراة، وأخذ به بعضهم من بعض؛ يفتدي بني قينقاع من كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة الخزرج منهم، ويطلون ما أصابوا من الدماء؛ ويطلون أي يهدرون، ما بيدفعوا الدية على ما أصابوا من الدماء، وقتل من قتلوا منهم فيما بينهم مظاهرة لأهل الشرك عليهم.

يقول الله لهم حين أنبئوا بذلك: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]؛ تفادوه بحكم التوراة، وتقتلون وفي حكم التوراة أن لا تفعلوا، وتخرجونه من داره، وتظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض الدنيا، ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج فيما بلغني نزلت هذه القصة. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: 87]؛ أي الآيات التي وضع على يديه من إحياء الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وإبراء الأسقام، والخبر بكثير من الغيوب مما يدخلون في بيوتهم، وما رُد عليهم من التوراة مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه، ثم ذكر كفرهم في ذلك كله فقال: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87].

ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: 88]؛ أي في أكنة، يقول الله تعالى: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ * وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 88-89]. قال ابن إسحاق بإسناده عن الشيخ منهم قالوا: فينا والله وفيهم نزلت هذه القصة، كنا قد علوناهم ظهرًا في الجاهلية ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب، فكانوا يقولون لنا: إن نبيًا يبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم من قريش فاتبعناه وكفروا به، يقول الله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 89].

قال إلى قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [البقرة: 90]. قال ابن هشام: فباءوا بغضب أي اعترفوا به واحتملوه. قال ابن إسحاق: والغضب على الغضب بغضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم، وغضب بكفرهم بهذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي أحدث الله إليهم. قال ثم أنبهم برفع الطور إليهم واتخاذهم من أجل إلهًا دون ربهم، يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 94]؛ أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا على ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: 95] بما عندهم من العلم بك وبالكفر بذلك. فلو أنهم تمنوا الموت لما بقي على ظهر الأرض يهودي إلا مات، لكنهم لم يتمنوا. ثم ذكر رغبتهم في الحياة الدنيا وطول العمر، فقال: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: 96]؛ أي ما هو بمنجيه من العذاب؛ وذلك أن المشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي بما ضيعوا مما عندهم من العلم.

ثم قال: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 97]. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن شهر بن حوشب عن ابن عباس، أن أحبار يهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن أربع نسألك عنهن، فإن فعلت ذلك اتبعناك وصدقناك وآمنا بك، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بذلك عهد الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدقنني»، قالوا: نعم، قال: فاسألوا عما بدا لكم. قالوا: أخبرنا كيف يشبه الولد أمه وإنما من نطفة من رجل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة، ونطفة المرأة صفراء ورقيقة؟ فأيتهما غلبت صاحبتها كان لها الشبه»، قالوا: اللهم نعم. قالوا: فأخبرنا كيف نومك؟ قال: «أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أن نومي الذي تزعمون أني لست به تنام عينه وقلبه يقظان؟»، قالوا: اللهم نعم، قال: «كذلك نومي، تنام عيناي وقلبي يقظان». قالوا: فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: «أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان الإبل ولحومها، وأنه اشتكى شكوى فأعفاه الله منها، فحرم على نفسه أحب الطعام والشراب إليه شكرًا لله، فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها؟»، قالوا: اللهم نعم. قال: فأخبرنا عن الروح؟ قال: «أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل هو الذي يأتيني؟»، قالوا: اللهم نعم، قال: ولكنه يا محمد لنا عدو هو ملك إنما يأتي بشدة وسفك الدماء، ولولا ذلك لاتبعناك، فأنزل الله فيهم: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 97].

قال الآيات إلى قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: 101-102]؛ أي السحر، وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر. قال ابن إسحاق: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني لما ذكر سليمان بن داود في المرسلين، قال بعض أحبارهم: ألا تعجبون لمحمد يزعم أن سليمان بن داود كان نبيًا؟ والله ما كان إلا ساحرًا، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 102] أي اتباعهم سحر عملهم به، وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقول: الذي حرم إسرائيل على نفسه زائدة الكبد والكليتان والشحم، إلا ما كان على الظهر، فإن ذلك كان يقرب للقربان فتأكله النار.

قال ابن إسحاق: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فيما حدثني مولى لزيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: بسم الله الرحمن الرحيم، محمد رسول الله، صاحب موسى وأخيه، المصدق لما جاء به موسى، ألا إن الله قد قال لكم يا معشر أهل التوراة، وإنكم تجدون ذلك في كتابكم: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29] الآية. قال ابن هشام: شطأه فراخه واحد شطأة، تقول العرب: قد أشطأ الزرع إذا أخرج فراخه فزرعونه فصار مثل الأمهات. قال من امرؤ القيس... إلى آخره، قال ابن هشام: إلى هنا انتهى قولي وما بعده فمن حديث ابن إسحاق الذي قبله.

قال: وإني أنشدكم بالله، وأنشدكم بما أنزل عليكم، وأنشدكم بالذي أطعم من كان قبلكم من أسباطكم من السلوى، أنشدكم بالذي أيبس البحر لآبائكم هل تنجاهم من فرعون وعمروه؟ ألا أخبرتمونا هل تجدون فيما أنزل الله عليكم أن تؤمنوا بمحمد؟ فإن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كره عليكم، قد تبين الرشد من الغي، أدعوكم إلى الله وإلى نبيه.

قال ابن إسحاق: وكان ممن نزل فيه القرآن بخاصة، انتهى من تفسير هذه الآيات من سورة البقرة. قال ابن إسحاق: وهذه جمالية هي السيرة؛ أنه ابن إسحاق حاول دومًا يعطيك إسقاطات القرآن على السيرة حتى تعرف أسباب ورود الآيات، سواء في رجالات قريش، سواء في رجالات اليهود، سواء في رجالات المنافقين؛ فسيرة ابن هشام بالتحديد تعينك على فهم كثير من الآيات وسياقاتها.

مثلًا وكان ممن نزل فيه القرآن بخاصة من الأحبار وكفار اليهود الذين كانوا يسألونه ويتعنتونه ليلبسوا الحق بالباطل فيما ذكر لي عن عبد الله بن عباس وجابر، أن أبا ياسر اليهودي مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة البقرة: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ﴾ [البقرة: 2]، فأتى أخاه حييًا في رجال من اليهود، فقال: تعلم والله لقد سمعت محمدًا عليه الصلاة والسلام يتلو ذلك الكتاب، فقالوا: أنت سمعته؟ قال: نعم، فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: يا محمد، ألم يذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى، فقالوا: فجاءك بها جبريل من عند الله؟ فقال: نعم، قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء وما نعلمه بين نبي منهم ما مدة ملكي وما أكل أمتي غيرك، فقال حيي بن أخطب مقبلًا على من معه: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخلون في دين إنما مدة ملكي وأجل أمتي إحدى وسبعون سنة؟

ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، هل مع هذا غيره؟ قال: نعم، قال: ماذا؟ قال: ﴿المص﴾، قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد ستون، هذه إحدى وثلاثون وثلاثون وإحدى سنة، هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم ﴿المر﴾، قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائة سنة، هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم ﴿المر﴾، قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيرًا؟ ثم قاموا عنه، فقال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: وما أدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد، إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون، وإحدى، وإحدى وثلاثون، واثنتان، وإحدى وسبعون، واثنتان، فذلك أربع وسبعمائة سنة، فقالوا: لقد تشابه علينا أمرنا، فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم، ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 7].

لكن هذا الخبر حقيقة منكر، هذا الخبر منكر، خاصة أن عد الجمل هذا الذي أخذناه وأن الحرف له قيمة، هذا ما كان معروفًا فيما يظهر في تلك الحقبة، وإنما عرف بعد ذلك. قال ابن إسحاق: وقد سمعت من لا أتهم من أهل العلم يذكر أن هؤلاء الآيات إنما أنزلن في أهل نجران حين قدموا على رسول الله، وهذا هو الأصوب أن هذه الآيات ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ نزلت في نصارى نجران، زي ما أخذنا في الجواب الصحيح، وليس في هذه الواقعة من اليهود.

قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أنه سمع أن هؤلاء الآيات إنما أنزلن في نفر من يهود، ولم يفسر ذلك لي، فالله أعلم، وذلك كان فيما بلغني عن عكرمة مولى ابن عباس أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، أن يهودًا كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ما بعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشير بن البراء بن معرور أخو بني سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث وتصفونه لنا بصفته، فقال سلام بن مشكم أحد بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكره لكم، فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 89].

قال أبو إسحاق: وقال مالك بن الصيف حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الله له ما أخذ عليهم من الميثاق وما عهد الله إليهم فيه: والله ما عهد إلينا في محمد عهد، وما أخذ له علينا ميثاق، فأنزل الله فيه: ﴿وَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 100]. وقال ابن صلوباء الفطيوني لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينات فنتبعك لها، فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: 99]. وقال رافع بن حريميلة ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، ائتنا بكتاب من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارًا نتبعك ونصدقك، فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: 108]. قال ابن هشام: وسواء السبيل وسطه.

ذكر ابن إسحاق أن حي بن أخطب وأخاه أبا ياسر بن أخطب كانا من أشد يهود العرب حسداً، إذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم، فكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام. فأنزل الله تعالى فيهما ما أنزل.

ثم رجع ابن إسحاق وابن هشام لتفسير سورة البقرة إلى قول الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ [البقرة: 109].

قال ابن إسحاق: ولما قدم أهل نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتاهم أحبار اليهود فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ تنازع اليهود مع النصارى في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام. فقال رافع بن حريملة من اليهود: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى وبالإنجيل. فقال رجل من أهل نجران للنصارى: اليهود ما أنتم على شيء، وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة. فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 113]. أي كل يتلو في كتابه تصديق ما كفر به؛ أي تكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى عليه السلام من تصديق موسى عليه السلام، وكل يكفر بما في يد صاحبه.

قال ابن إسحاق: وقال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إن كنت رسولاً من الله كما تقول، فقل لله فليكلمنا حتى نسمع كلامه. فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 118].

وقال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نتبعك يا محمد، اتبع ما نحن عليه تهتدي. وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله تعالى في ذلك قول عبد الله بن صوريا وما قالت النصارى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 135]. ثم استمرت القصة إلى قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 134].

قال ابن إسحاق: ولما صُرِفت القبلة عن الشام إلى الكعبة، وصُرِفت في رجب على رأس سبعة عشر شهراً من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم للمدينة، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفاعة بن قيس، وقردم بن عمرو، وكعب بن الأشرف، ورافع بن أبي رافع، والحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، والربيع بن أبي الحقيق، وكنانة بن ربيع بن أبي الحقيق. فقالوا: يا محمد، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك. وإنما يريدون بذلك فتنته عن دينه، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]، ثم في قوله: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: 143] من الفتنة، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]، إيمانكم بالقبلة الأولى وتصديقكم نبيكم واتباعكم إياه إلى القبلة الأخرى، أي ليعطينكم أجرهما جميعاً، إن الله بالناس لرؤوف رحيم.

ثم قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144]. قال ابن هشام: شطره نحوه وقصده. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ * وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: 144-145] إلى آخر الآيات.

وسأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجة بن زيد نفر من أحبار يهود عن بعض ما في التوراة، فكتموه إياه وأبوا أن يخبروهم عنه. فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159].

ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود من أهل الكتاب إلى الإسلام ورغبهم فيه، وحذرهم عذاب الله ونقمته، فقال له رافع وخارجة ومالك بن عوف: نتبعك يا محمد؟ قد وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وأخير منا. فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170].

ولما أصاب الله قريشاً يوم بدر، جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود في سوق بني قينقاع حين قدم المدينة، فقال: يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما أصاب به قريشاً. فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أننا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا. فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 12] الآيات.

ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس -وهو البيت الذي يدرسون فيه كتابهم- على جماعة يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعمان بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال: على ملة إبراهيم ودينه. قالا: فإن إبراهيم كان يهودياً. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلم إلى التوراة فهي بيننا وبينكم. فأبيا عليه، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ [آل عمران: 23] إلى قول: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 24].

وقال أحبار يهود ونصارى نجران -وموطن الشاهد يدعون إلى كتاب الله النبي عليه الصلاة والسلام- قالوا: جيبونا التوراة تحكم بيننا وبينكم هل إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً؟ فلما دعوا إلى كتاب الله رفضوا. فتنزعوا، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى من أهل نجران: ما كان إبراهيم إلا نصرانياً. فأنزل الله فيهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 65] الآيات، وفيها: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾ [آل عمران: 67].

وقال عبد الله بن صيف وعُدي بن زيد: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية، محاولة منهم لزعزعة إيمان المؤمنين حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع. فأنزل الله لأهل الكتاب: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران: 71] إلى قوله: ﴿وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: 72-73].

قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار: يا محمد، تريد منا أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ وقال رجل من أهل نجران نصراني: يا محمد، أتريدنا أن نعبدك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني الله، ولا أمرني». فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: 79]. قال ابن هشام: الربانيون هم العلماء والفقهاء السادة، الواحد رباني. ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً، أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون.

قال ابن إسحاق: ثم ذكر ما أخذ الله عليهم وعلى أنبيائهم من الميثاق بالتصديق إذا هو جاءهم، فأقروا على أنفسهم، فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: 81]، إلى قوله: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81].

قال ابن إسحاق: ومر شاس بن قيس وكان شيخاً قد عسا -أي يبس على الكفر- عظيم الكفر، شديد الضغن للمسلمين، على نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه. فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم؛ لأن الأوس والخزرج كانوا دائماً متنازعين، فالإسلام ألف بينهم بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية. فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. فأمر فتى شاباً من يهود كان معهم، فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بُعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا يتقاولونه فيما بينهم. وكان يوم بُعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج، فكان الظفر فيه يومئذ للأوس على الخزرج، وكان على الأوس يومئذ حضير بن سماك والد أسيد بن حضير، وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضي، فقتلا جميعاً.

قال ابن إسحاق: ففعل هذا الشاب اليهودي وجلس مع الأوس والخزرج، فتكلم القوم عند ذلك؛ هيجت المشاعر وتنازعوا وتفاخروا وتواخذوا، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب: أوس بن قيظي أحد بني حارثة، وجبار بن صخر أحد بني الخزرج، فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جذعة، يعني رجعنا للحرب. فغضب الفريقان جميعاً، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة -أي الحرة- السلاح السلاح، فخرجوا إليها. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم في نفر من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم، فقال: «يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف بينكم؟». فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع النبي صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد العدو. فأنزل الله في شاس بن قيس اليهودي وما صنع: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 98-99]. وأنزل الله في أوس بن قيظي وجبار بن صخر ومن كان من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا عندما أدخل عليهم شاس من أمر الجاهلية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 100] إلى آخر الآيات.

قال ابن إسحاق: ومن أسلم من اليهود عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعيد، وأسيد بن عبيد، ومن أسلم من اليهود معهم فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام ورسخوا فيه. فقالت أحبار يهود أهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا اتبعه إلا أشرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره. فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: 113].

يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين.

قال ابن إسحاق: فكان رجال من المسلمين يواصلون رجالاً من اليهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم ينهاهم عن مباتهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: 118-119]. أي تؤمنون بكتابهم وكتابكم، وبما ضمنت كتب قبل ذلك، يكفرون بكتابكم فأنتم كنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم، وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ، قل موتوا بغيظكم، إلى آخر القصة.

صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. هذا الفصل حقيقة فصل مهم، هذا النوع من قراءة القرآن ضمن السيرة يجعلك تفهم أكثر وأكثر كثير من الآيات ومقاصدها. فحقيقة جميل هذا الفصل لأنه يجمع في كتاب مستقل ويشرح مادة نافعة. بارك الله فيك.