الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد. الحمد لله المحمود على كل حال، الحمد لله السميع العليم، الحمد لله الحكيم الخبير، الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، الحمد لله الذي هو بكل شيء محيط، والذي هو على كل شيء شهيد.
الحمد لله في الأولى والآخرة، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. يا ربنا لا إله إلا أنت، نسألك أن تصلي على عبدك ورسولك محمد، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم صل عليه وآله وابعثه المقام المحمود الذي وعدته. اللهم إنا نسألك أن تحيينا على سنته، وأن تميتنا عليها، اللهم إنا نسألك أن تحشرنا في زمرته، وأن تجعلنا من الواردين على حوضه، وأن ترزقنا مرافقته في الجنة. اللهم إنا نسألك أن تقاتل الذين يحاربون سنة نبيك محمد ﷺ ويشككون الناس فيها.
أما بعد، فنستعين بالله ونستفتح هذا المجلس من مجالس سلسلة سيرة رسول الله ﷺ، وهو المجلس السادس والعشرون من هذه السلسلة، نسأل الله السداد والتوفيق. كان المحور في المجلسين السابقين عن عمر رضي الله تعالى عنه، إسلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ودعاء النبي ﷺ له بالإسلام، وقلنا لماذا اختار النبي ﷺ عمر ليدعو له بأن يعز الإسلام به، وكان ذلك استغرق الحديث مجلسين.
اليوم ننطلق فيما بعد ذلك، وها نحن على وشك، أو تقريباً نعتبر غادرنا السنة السادسة للبعثة، وإن كنا سنرجع ربما لبعض الأحداث التي فاتت قليلاً، لكن سننتقل إلى السنة السابعة إن شاء الله للبعثة. لكن قبل ذلك، ننطلق كالعادة في ترجمة من تراجم السابقين المهاجرين، والبدريون سابقون عموماً، وإن كان السابقون على درجات كما مر معنا.
الترجمة اليوم مع عامر بن فهيرة، والكتاب المعتاد هو كتاب "بدريون" للمؤلفة الدكتور سليمان العودة. عامر بن فهيرة رضي الله تعالى عنه هو من الموالي ومن العبيد الذين كان لهم شأن في الإسلام، وكان لهم شأن في نصرة النبي ﷺ، وكان لهم شأن في الجهاد في سبيل الله مع النبي ﷺ، ويكفي أنه من أهل بدر.
وعامر بن فهيرة -وإن لم يكن مشهوراً عند كثير من الناس- إلا أنه مشهور عند عامة طلبة العلم والمهتمين بالحديث والسنة. فليس مثل الشخصيات التي كنا نتكلم عنها سابقاً أنها شخصيات غير مشهورة حتى عند كثير من طلبة العلم، من نحو سويبط بن عمرو، ومن نحو الإخوة السبعة الذين هاجروا إلى الحبشة، وهم أبناء الحارث، وأمثال هؤلاء الذين ليسوا مشهورين حتى عند طلبة العلم، لكن عامر بن فهيرة معروف عند عامة طلبة العلم، وله خاصة لأن له شأناً في الهجرة، فهو مولى أبي بكر الصديق، فكان له شأن في الهجرة فهو معروف بهذا الاعتبار ومشهور به.
يقول المؤلف: عامر بن فهيره التميمي مولى لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما، أبو عمرو، كان مولداً من مولدي الأزد، أسود اللون. وكان عامر بن فهيرة قبل قبله غلاماً للطفيل بن حارث أخي عائشة لأمها أم رومان، فأسلم عامر فاشتراه أبو بكر فأعتقه، وكان يرعى عليه منيحة من غنم له، هكذا نقل ابن سعد في الطبقات.
ثم قال المؤلف: وفي الصحيح في حديث الهجرة، فكان عامر بن فهيرة غلاماً لعبد الله بن الطفيل بن سخبره أخو عائشة لأمها، وكانت لأبي بكر منيحة أو منيحة، فكان يروح بها ويغدو عليهم ويصبح فيدلج إليهما ثم يسرح فلا يفطن به أحد من الرعاء، فلما خرج خرج معهما يعقبانه حتى قدم المدينة.
يعني عامر بن فهيرة رضي الله تعالى عنه نال شرفاً عظيماً بنصرة النبي ﷺ في الهجرة، فكان ممن له دور في التعمية عن النبي ﷺ، بل ونال شرف أنه كان مع النبي ﷺ ومع أبي بكر في الطريق. أما عامر بن فهيرة فهو هاجر أصلاً مع النبي ﷺ ومع أبي بكر باعتبار أنه مولى لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، فكان معهما في الهجرة، وهذا شرف عظيم كبير.
ثم ذكر الخلاف في مولاه، هل هو قبل أبي بكر؟ هل هو الطفيل بن الحارث كما عند ابن سعد، أو عبد الله بن الطفيل كما في الصحيح؟ المسألة لا تؤثر كثيراً، فالأهم أنه شارك في الإطعام والتعمية عن النبي ﷺ وصاحبه حين اختفوا في الغار عن المشركين، ثم نال فضل صحبتهما في طريق الهجرة إلى المدينة، والله إنه لشرف وإنه لفضل عظيم رضي الله عنه.
قال وعند ابن سعد إن عامر بن فهيرة أسلم قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم يدعو فيها، معنى ذلك أنه أيضاً نال شرف أنه من أسبق السابقين، لأننا قلنا السابقون على درجات. أسبق السابقين على الإطلاق بعد النبي ﷺ هم الأربعة الأوائل: خديجة وأبو بكر وزيد وعلي، ثم الدوائر المتتالية.
طبعاً بعد هؤلاء الأربعة، كما ذكرنا مراراً، كان هناك خلاف بين العلماء من التالي؟ فقيل خالد بن سعيد بن العاص، وقيل أظن مما قيل الأرقم، أو الأرقم سابعاً ونحو ذلك، وطبعاً قيل أبو ذر ونحوهم، لكن الأرجح أن هؤلاء الذين من خارج مكة أسلموا بعد ذلك. وقيل، وهو الأشهر، أنهم الذين أسلموا على يدي أبي بكر الصديق، وهم عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وإلى آخره، ومر معنا هذا كثيراً.
فهما مراحل، لكن المهم أن أسبق السابقين في الجملة هم الذين أسلموا قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم. متى دخل النبي ﷺ دار الأرقم؟ هذا السؤال مهم، طبعاً ربما يظن البعض أن الواضح الذي لا شك فيه أن دخول النبي ﷺ دار الأرقم كان في المرحلة السرية، هذا المشهور، لكن هذا فيه نظر.
وإن قد يكون الأقرب أن دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم كان في السنة الخامسة أو السادسة من البعثة، في المرحلة الجهرية وليس في المرحلة السرية. ولو تتذكرون في الدروس السابقة، نحن قلنا إن المرحلة السرية لم تكن سرية بإطلاق، والمرحلة الجهرية لم تكن جهرية بإطلاق؛ إن السرية كان فيها قدر من الجهر بالخبر العام، والجهرية كان فيها استخفاء. فالبعض يظن أنه سرية مطلقة في كل شيء، وجهرية مطلقة في كل شيء، لم يكن الأمر كذلك.
فالشاهد أنه دخل قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم وكان حسن الإسلام، وكان عامرًا من المستضعفين المؤمنين ممن يعذب في مكة ليرجع عن دينه، وشهد بدرًا واستشهد في بئر معونة سنة أربع للهجرة، وكان عمره يوم قُتل أربعين سنة. ما الذي فاته من السابقين من المهاجرين؟ هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر كان معهما، ونصر النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان في الغار، وعما عنه الأخبار المتعلقة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وشارك في التغطية عنه صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه، وبعد ذلك قاتل في بدر وفي أحد ثم استشهد في بئر معونة.
وكذلك هناك قضية مهمة متعلقة بعامر بن فهيرة، أنه أحد الذين وقعت لهم كرامات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. والكرامات هذا عنوان شريف، لا أدري حقيقة هل جُمع فيه شيء أو لا، كرامات الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه عنوان شريف لأنه هناك مجموعة كبيرة من الكرامات التي وقعت للصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها الكرامة التي حصلت لعامر بن فهيرة رضي الله تعالى عنه. ويمكن أن نقسم الكرامات التي وقعت للصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى قسمين: القسم الأول الكرامات التي وقعت في حياتهم، والقسم الثاني الكرامات التي وقعت لهم بعد وفاتهم. هناك عدد من الكرامات وقعت للصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن استشهدوا أو توفوا، مثل حنظلة غسيل الملائكة، وهذه حصلت بعد أن استشهد. وعامر بن فهيرة رضي الله عنه رُفع بعد أن قُتل.
ففي صحيح البخاري، قال المؤلف: قد روى البخاري أن عامر بن الطفيل الذي غدر بأصحاب بئر معونة، قال لعمرو بن أمية الضمري -وهو أحد الناجين من هذا- فأشار إلى قتيل، فقال له عمرو بن أمية: "هذا عامر بن فهيرة، لقد رأيته بعدما قُتل رُفع إلى السماء حتى إني أنظر إلى السماء بينه وبين الأرض ثم وُضع". فهذا من الكرامات التي حصلت له. قال ابن حجر معلقًا: «وفي ذلك تعظيم لعامر بن فهيرة وترهيب للكفار وتخويف، أن انظروا إلى هذا الذي قتلتموه كيف رُفع إلى السماء ثم وُضع». برأي العين، أي رآه المسلمون ومن بقي من المسلمين، ورآه الكفار كذلك. وهذا أصح من الرواية الأخرى التي فيها أنه رُفع ودفنته الملائكة أو وضعته الملائكة في مكان، لأن الرواية في الصحيح تدل على أنه رُفع ثم وُضع في الأرض، وبالتالي حصل الحوار. إذاً هذا ما يتعلق بعامر بن فهيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه وجمعنا به في الجنة.
نرجع إلى حيث وقفنا بعد أن سرنا في رحلة طويلة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه. قال ابن هشام: «بعد ذلك أمر الشعب والصحيفة». وقال ابن إسحاق: «فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلداً أصابوا به أمنًا وقرارًا...». هذه الجملة التي سنقرأها سأكملها إن شاء الله، وهي من الجمل التي ذكرنا في البداية أنها تميز ابن إسحاق في التسييق، لأن التسييق في المتقدمين لم يكن معتادًا كثيرًا، فغالب تصنيفات المتقدمين تعتمد على الروايات.
ابن إسحاق متقدم، نتكلم عن شخص في النصف الأول من القرن الثاني للهجرة، توفي سنة 150 أو 151 للهجرة. بعد ذلك اشتهرت المصنفات، فغالب المصنفات التي هي أسانيد وروايات، أما التسييق ووضع الأطر المرتبطة بالروايات ففيه قليل، فابن إسحاق اجتهد في السيرة وسيقها، أي وضع لها سياقات معينة. مثلاً ما هو الحدث؟ الحدث هو حصار الشعب، وهذا الحدث معروف في الروايات، ولكن ما هو السياق الذي لأجله حصل هذا؟
أنا لاحظت في كثير من كتب السيرة، أن أغلب كتاب السيرة من المتأخرين والمتوسطين والمتقدمين يعتمدون على تسيقات ابن إسحاق؛ لأنه لا يكاد يوجد غيرها في الكتب المتقدمة في التسييق، فغالبًا يعتمدونها. الشاهد: يقول ابن إسحاق: «فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلداً أصابوا به أمنًا وقرارًا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل...».
ذكر أربعة أمور كأسباب: أولًا الحبشة لأن النجاشي منعهم، وثانيًا أن عمر قد أسلم، وثالثًا أن حمزة قد أسلم، ورابعًا أن الإسلام جعل يفشو في القبائل. قال: لما حصل ذلك اجتمعوا واتمروا بينهم أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، وهذا مقاطعة اجتماعية، ولا يبيعوهم شيئًا ولا يبتاعوا منهم، وهذه مقاطعة اقتصادية. فلما اجتمعوا لذلك كتبوا في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، وقيل النضر بن الحارث، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشل بعض أصابعه.
قال ابن إسحاق: «فلما فعلت ذلك قريش، حازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب، فدخلوا معه في شعبة واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب وعبد العزى بن...».
عبد المطلب إلى قريش فظاهرهم. الآن، طبعاً هناك دروس كثيرة، أهم شيء نكون متصورين الرواية الآن بشكل جيد.
بنو هاشم وبنو المطلب هم الذين وضعت عليهم المقاطعة، لما رأى ذلك بنو هاشم وبنو المطلب انحازوا إلى بعضهم. هذا الحصار ليس حصاراً فيزيائياً، ليس عبارة عن سور معين حصر فيه بنو هاشم، هم الذين انحازوا إلى شعبهم. وإن كانت هذه المقاطعة قد وقع فيها قدر من الحصار المرتبط بتطبيقها، فهم صاروا في الشعب، فصارت قريش حريصة أنه حتى فيزيائياً، من أراد أن يخالف فيوصل شيئاً من الطعام إلى بني هاشم وبني المطلب، يحاولوا يمنعوه.
خرج من بني هاشم وبني المطلب أبو لهب، الذي هو اسمه عبد العزى، من هذا الشعب وانحاز إلى قريش. ولذلك هنا ابن إسحاق يقول: حدثني حسين بن عبد الله أن أبا لهب لقي هند بنت عتبة بن ربيعة حين فارق قومه وظاهر عليهم قريشاً، فقال: «يا بنت عتبة، هل نصرتِ اللات والعزى وفارقتِ من فارقهما وظاهرتِ عليهما؟» قالت: نعم. فقال: «فجزاكِ الله خيراً يا ابنة عتبة».
قال ابن إسحاق وحدثت أنه كان يقول في بعض ما يقول: «يعدني محمد أشياء لا أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت»، فماذا وضع في يده بعد ذلك؟ الذي هو ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]. ثم ينفخ في يديه ويقول: «تباً لكما، ما أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد». فأنزل الله تعالى فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]. وطبعاً هذه نزلت قبل ذلك، وهذه الرواية -وقال ابن إسحاق وحدثته- تعتبر من أدنى مراتب تقسيم الأخبار، وهي أضعف الأخبار الموجودة في سيرة ابن هشام.
عندنا دروس كثيرة كما ذكرنا، بس خلينا نكمل في الحدث. قال ابن هشام، وابن هشام متى يتدخل في السيرة؟ هو الآن سيرة ابن هشام، بس المحتوى هو سيرة ابن إسحاق، وسيرة ابن هشام هي تهذيب لسيرة ابن إسحاق. ابن هشام متى يتدخل؟ هو دائماً يقول: قال ابن إسحاق، قال ابن إسحاق. هو لا يتدخل غالباً إلا في أول شيء؛ تفسير لغوي، كثير جداً من تدخلات ابن هشام أو مداخلاته هي مداخلات لغوية، تفسير لكل شيء من كلام ابن إسحاق.
هذا شيء، والشيء الثاني أنه يتعقب ابن إسحاق ببعض الأمور، مثلاً يقول: وقيل كذا، أو يذكر وجهاً لم يذكره ابن إسحاق، كأنه يقول القول الآخر أو تعقب معين. وهذا ترى في النص الذي قبل قليل ذكره، في شيء ابن هشام عمل مثله؛ لما قال مَن الذي كتب الصحيفة؟ قال ابن إسحاق: منصور بن عكرمة. قال ابن هشام: «ويقال النضر بن الحارث». هذا الآن، فقط هذه الجملة، ثلاث كلمات من ابن هشام.
فابن هشام يتدخل ليكتب التعليقات اللغوية والتعقبات اليسيرة، وأحياناً يزيد روايات وهذا قليل لكنه موجود، فضلاً عن الدور الأساسي وهو التهذيب. أنك لو قرأت سيرة ابن إسحاق ستجد غير هذه الأخبار، فهذا ابن هشام. والتهذيب ليس مجرد اختصار، وإنما تهذيب علمي، بمعنى أنه أحياناً قصيدة معينة لا يريدها ابن هشام، أو أوردها ابن إسحاق لأن ابن هشام يرى أنها غير ثابتة أصلاً، وهذا مما يفعله ابن هشام رحمه الله.
قال ابن هشام: ﴿تَبَّتْ﴾ خسرت، والتباب خسار. وقال حبيب بن خذرة الخارجي، أحد بني هلال بن عامر بن صعصعة: «يا طيب أنا في معشر ذهبت مسعاتهم في التباري والتبب»، وهذا البيت في قصيدة له.
رجعنا إلى الحدث الآن، فلما اجتمعت على ذلك قريش وصنعوا فيه الذي صنعوا، قال أبو طالب. الآن هذه رابع أو خامس قصيدة لأبي طالب في السيرة النبوية مرت معنا. أبو طالب من جديد يعزز خطابه الإعلامي في نصرة النبي ﷺ، وفي الطعن والتشكيك في فعل قريش، وفي الكلام على بعض الحلفاء الذين خذلوا ونحو ذلك، والتأكيد على أننا لسنا مسيئي محمد ﷺ.
قال ابن إسحاق: فلما اجتمعت على ذلك قريش وصنعوا فيه الذي صنعوا، قال أبو طالب: ماذا قال؟ ألا أبلغ عني على ذات بيننا ... لؤياً وخصى من لؤي بني كعبِ ألم تعلموا أننا وجدنا محمداً ... نبياً كموسى خطه في أول الكتبِ وأن عليه في العباد محبةً ... ولا خير ممن خصه الله بالحبِ
ويقال إنه غالباً تكون مخففة من «خير»، يعني «ولا خير أخير ممن خصه الله بالحب»، أي لا يوجد خير أخير من محمد ﷺ الذي خصه الله بالحب. وذكر منها: فيهن خيرات حسان. ويقول إنه كأنها مخففة من خيرات. وأن الذي لصقتم من كتابكم ... اللي هو الصحيفة، لكم كائن نحسا كراغية السقب أفيقوا قبل أن ... يحفر الثرى ويصبح من لم يجني ذنبا كذي الذنب ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا ... أواصرنا بعد المودة والقرب وتستحلبوا حرباً عواناً وربما ... أمر على من ذاقه حلاب الحرب فلب فلسنا ورب البيت نسلم أحمداً ... لعزاء من عض الزمان ولا كرب ولما تبن منا ومنكم سوالف ... وأيدٍ أثرت بالقاسية الشهب بمعترك ضيق ترى كسر القنا به ... والنسور الطخم يعكفن كالشرب كان مجال الخيل في حجراته ... ومعمعة الأبطال معركة الحرب أليس أبونا هاشم شد أزره ... وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب ولسنا نمل الحرب حتى تملنا ... ولا نتشكى ما قد ينوب من النكب ولكننا أهل الحفائظ والنهى ... إذا طار أرحال الكمات من الرعب
ثم قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثاً حتى جهدوا، لا يصل إليهم شيء إلا سراً مستخفياً به من أراد صلتهم من قريش. ثم ذكر ابن إسحاق الآن مثالاً على الإيصال السري للمحتاجين، بني هاشم وبني المطلب. طبعاً هنا غالباً يكون فيها المدخل القبلي؛ أن عندك بني هاشم وبني المطلب، بس كمان عندك زوجاتهم، قد يكونون من بطون أخرى، وعلى رأسهم خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وهي من بني أسد. فهنا موقف لأحد بني أسد، قال وقد كان أبو جهل، فيما يذكرون، لقي حكيم بن حزام ابن خويلد ابن أسد، خويلد هذا هو والد خديجة، فحكيم بن حزام الصحابي المشهور...
الخديجة عمته، تصبح عمته. قال: لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة وهي عند رسول الله ﷺ ومعه في الشعب، فتعلق به وقال: «أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة».
فجاءه أبو البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فقال: «ما لك وله؟»، قال: «يحمل الطعام إلى بني هاشم»، فقال له أبو البختري: «طعام كان لعمته عنده، بعثت إليه فامتنع أن يأتيها بطعامه، خلي سبيل الرجل». هذا مع أن أبا البختري من سادة قريش المكذبين، فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ له أبو البختري لحي بعير فضربه به فشجة وضربة شديدة.
وحمزة بن عبد المطلب قريب من ذلك، يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه فيشمت بهم، ورسول الله ﷺ على ذلك يدعو قومه.
الآن إلى هذا الحد، ما هذا السياق الأساسي لذكر حدث مقاطعة قريش للنبي ﷺ ولمن معه من بني هاشم وبني المطلب؟ نحن في أي مرحلة؟ في أي سنة؟
هنا نذهب إلى كتاب «المختصر من صحيح السيرة» لسليمان العودة، نفس مؤلف كتاب «بدريون». هذا الكتاب قد يبدو للمطلع عليه سريعا أنه مثل الكتب التي تصوغ السيرة صياغة جديدة مع الاستفادة العامة من المراجع دون تحقيق، لكن حقيقة هو يشبه كتاب بدريون في طريقة التوثيق؛ أنه الاعتماد على المصادر الأصلية، وقلما تجد في الكتاب جملة تعزى إلا كما هي في كتاب بدري.
فلذلك تجد في بعض التحقيقات الجيدة حقيقة مفيدة، وإن كان دون توسع أو تحرير في الأسانيد بشكل دقيق، لكن على الأقل العزو جيد. وهو يقول هنا في الحصار: «يحدد الواقدي بشكل دقيق ليلة هلال المحرم سنة سبع». متى بدأ الحصار؟ الواقدي يحدده بليلة هلال المحرم سنة سبع، أي أول يوم من السنة السابعة للبعثة. كما يشير إلى الصحيفة التي كتبت بذلك وعلقت في جوف الكعبة.
هل ذكر قولا آخر في التاريخ؟ لا، ذكر أنه هذا قول الواقدي. وأيضا يقول المؤلف: «تحدد كتب السيرة مدة هذا الحصار بسنتين أو ثلاث»، وهذا مر معنا قبل قليل في كلام ابن إسحاق. يقول المؤلف: «ويقطع الواقدي بكونها ثلاث سنوات»، ويحدد خروجهم من الشعب في السنة العاشرة للبعثة.
وهذا التحديد للخروج بالسنة العاشرة قد يفهم منه طول المدة أكثر من ثلاث سنين، وقد نقل ابن سعد قول الحكم: «مكثوا سنين». لأن هذا قول الواقدي، فإذا خرجوا في السنة العاشرة، وبداية الحصار كانت في السنة السابعة، فهذا يعني أن عندنا السابعة كاملة، والثامنة كاملة، والتاسعة كاملة، والواقدي يقول دخلوا ليلة المحرم من السنة السابعة، فيكون قد مرّت السابعة والثامنة والتاسعة، ويقول خرجوا في العاشرة، فالله أعلم، قد يكون جزء من العاشرة أيضا، يعني أكثر من ثلاث سنوات. ولذلك نحن نتكلم عن حدث كبير وحدث طويل من حيث الزمن.
الآن دعونا نقف عند بعض العبر والفوائد المرتبطة بهذا الحدث، ولاحظوا أننا لم ننتهِ من الحدث، نحن ذكرنا بداية الحدث، لأن الانتهاء من الحدث له قصة، وهي قصة نقض الصحيفة التي كتبوا فيها هذا الحلف، وهذه له قصة ستأتينا في السنة العاشرة إن شاء الله.
خلال هذه السنوات الثلاث هناك أحداث، ولو راجعتم كتب السيرة -خاصة الكتب المعاصرة- غالبا ينتقلون من السنة السابعة إلى العاشرة، وهذا إشكال؛ لأن الحصار كم استمر؟ وماذا عندنا من أحداث؟ أحداث السنة السابعة سار فيها الحصار، ثم ماذا؟ متى انتهى الحصار في السنة العاشرة؟ فينتقلون مباشرة.
كثير ممن قرأ كتب السيرة لا يذكرون حدثا بين السابع والعاشر. نحن نتذكر، كما قلنا، المرحلة المكية ما فيها أحداث بارزة كثيرة؛ أحداث يشار إليها كحدث معين. وفي الحقيقة مكة مليئة بالأحداث خاصة إذا ربطناها بالقرآن والآيات والحجاج، وهذا ما فعله بذكاء ابن إسحاق.
أما من يهتم بالأحداث الأساسية في المرحلة المكية فهي معروفة: تبدأ بنزول الوحي، ثم المرحلة السرية وأول من أسلم، ثم المرحلة الجهرية، ثم التعذيب، ثم الحبشة، ثم الهجرة الأولى، ثم سبب العودة والهجرة الثانية، وأثناء ذلك إسلام حمزة وعمر رضي الله تعالى عنهم (على خلاف متى كان بالضبط)، وبعدين يدخل في الحصار للشعب.
إذا دخلنا في حصار الشعب، خلاص تنتهي بالنسبة لكثير ممن ينظر للأحداث البارزة، ثم ينتقلون من السابعة للعاشرة، ثم لوفاة أبي طالب وخديجة رضي الله عنها، وبعد ذلك نذهب إلى حادثة الإسراء والمعراج، ثم موضوع الذهاب إلى الطائف، وبعد ذلك نذهب إلى الأنصار وهم بداية المجيء.
هذه هي أبرز الأحداث، بينما بين ذلك هناك أحداث كثيرة. لذلك ابن إسحاق هنا حقيقة خطير. لاحظ، عندما ذكر لك الصحيفة وما إليها والمقاطعة، أنت ماذا تنتظر؟ كالعادة في كثير من كتب السيرة تنتظر قصة نقض الصحيفة، لكن ابن إسحاق ذهب في صفحات وصفحات قبل أن يذكر النقد. هو الآن لم يجعل هذه السنوات خالية من الدعوة، ولا من نقاش المشركين، ولا من استهزائهم، ولا مما حصل بين النبي ﷺ والكفار.
لذلك ماذا قال؟ أول ما ذكر قصة حكيم بن حزام وأبي جهل، قال مباشرة: «وحمزة بن عبد المطلب قريب من ذلك، يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه فيشمت بهم. قال: ورسول الله ﷺ على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا وسرا وجهارا، مباديا بأمر الله تعالى، لا يتقي فيه أحدا من الناس. فجعلت قريش حين منعه الله تعالى منها، وقام عمه وقومه من بني هاشم وبني المطلب دونه، وحالوا بينهم وبينما أرادوا من البطش به، يهمزونه ويستهزئون به ويخاصمون، وجعل القرآن ينزل في قريش بأحداثهم، وفي من نصب لعداوته منهم، منهم من سمي لنا، ومنهم من نزل فيه القرآن، وفي عامة من ذكر الله».
تعالى من الكفار، فكان من سمي لنا من قريش ممن نزل فيه القرآن، وبدأ يذكر أعيان قريش الذين نزل فيهم قرآن وأخذ يفصل؛ فعنون خبر المستهزئين وذكر أبا لهب، ثم بعد ذلك ذكر أمية بن خلف، ثم ذكر العاص بن وائل، ثم ذكر أبا جهل بن هشام، ثم ذكر للنظر بن الحارث، ثم ذكر الأخنس بن شريق، ثم ذكر لأبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط.
ثم ذكر قول دار بين رسول الله ﷺ وبين قوم من مشركي قريش أوجب نزول ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1]، ثم ذكر لأبي جهل بن هشام، ثم أمر ابن أم مكتوم ونزول سورة عبس. هذا كله الآن ذُكر في ضمن السنوات التي فيها حصار الشعب. شوفوا كيف هذا الكلام عادة ما يُذكر في تسلسل الأحداث، فهمتوا الفكرة؟ استوعبتوا القضية جيدًا؟
ثم قال عنوان ذكر من عاد من أرض الحبشة لما بلغهم إسلام أهل مكة وما جرى لهم مع الذين آجروهم من المشركين، وذكر كلامًا كثيرًا طويلًا. بعد ذلك قال أمر نقض الصحيفة وأسماء من نقضها، فجعل كل هذه الأحداث في هذه السنوات. ثم قال أمر الطفير بن عمر الدوسي، ثم قال أمر أعشى بني قيس بن ثعلمة، ثم أمر الأراشي الذي باع أبا جهل، ثم أمر ركان المطلبي، ثم أمر الوفد النصارى الذين أسلموا.
شوفوا، لسه نحن ما جئنا في التسلسل المعتاد الذي هو حصار الشعب، ثم على طول مباشرة وفاة أبي طالب، ثم نزول سورة الكوثر، ثم نزول ذكر قولهم هؤلاء من الله عليهم من بيننا، ثم نزول ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ [البقرة: 118]، ثم نزول ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: 10]، ثم أمر الإسراء والمعراج. واضح الفكرة؟ إذا الأحداث سنوات، هذه ما يصلح أننا نتجاوزها.
ولذلك المفترض أن الوقفات القادمة بعد حدث الحصار ستكون وقفات مع القرآن، ونقاش المشركين، وجدال المشركين، ونرجع لنفس الموضوع الذي نحن معتنِيْن به، والذي أتمنى وأرجو وأسأل الله أننا ما نغادر المرحلة المكية إلا ونكون أعطيناه شيئًا من حقه، شيئًا حظًا وافرًا من حقه؛ أما الاستيفاء فصعب أننا نعطيه تمام الحق.
الآن ماذا نريد أن نفعل؟ سنقف مع بعض الفوائد والدروس والعبر فقط من هذا الحدث، وهو بداية حصار الشعب وما إلى ذلك. عندنا فوائد متعددة وتأملات مختلفة؛ أولًا: معرفة سبيل المجرمين في مواجهة الحق، وأن الطغاة تتعدد أساليبهم في مواجهة الحق، وأن ما فعله المشركون مع النبي ﷺ لم يكونوا أول من فعل هذه الأساليب مع أهل الحق، ولن يكونوا آخر أهل الباطل الذين يفعلون هذه الأساليب مع أهل الحق.
إن الأساليب تتطابق أحيانًا على مر الزمن، نفس الأسلوب يتطابق، وأحيانًا تختلف الوسائل وتتفق المحركات الأساسية. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿أَتَأْمُرُونَهُم بِالْفَحْشَاءِ أَمْ تَأْمُرُونَهُمْ أَنَّهُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الأعراف: 33]، والآية التي قبلها: ﴿كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَأْمُرُونَهُم بِالْفَحْشَاءِ أَمْ تَأْمُرُونَهُمْ أَنَّهُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [هود: 78-79].
وفي سورة البقرة قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة: 118]، كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم، تشابهت الأساليب، هل اشتبهت أيضًا؟ تشابهت الأساليب نعم، وإن كانت تتنوع أيضًا من زمن لزمن. فالتهديد مثلا بالخروج، أسلوب الإخراج والطرد من البلاد هذا أسلوب معروف ومتكرر، أيضًا السجن أسلوب معروف ومتكرر، وأيضًا السعي في القتل أسلوب معروف ومتكرر، وأيضًا الاستهزاء أسلوب معروف ومتكرر وهكذا.
قريش عملت هذه القضية وأعطتها حالة من... نحن قلنا هذه الفائدة الأولى وهي أساليب الطغاة، وأنه من المهم أن نعرف هذا الأسلوب حتى نعتبر ونفهم أن هذا الأسلوب قابل للتكرار. الأمر الثاني وهو داخل في الفائدة الأولى، لاحظوا أن قريشًا أعطت هذه المحاصرة وهذه القطيعة للرحم وما إلى ذلك صيغة تشريعية مقدسة؛ أنهم علقوا الصحيفة على الكعبة، وهذا أقدس شيء بالنسبة لهم، أن هذه الصحيفة مقدسة مع أن محتواها فيه ظلم وطغيان وقطع للرحم.
حتى هم أصلاً، كيف نقضت الصحيفة؟ أن في ناس من سادة قريش لما فكروا في الموضوع قالوا والله ما يصير، صحيح أنهم كفار لكن حتى هم كفار، ما ضبطت معهم، قالوا ما يصير عيب في العرف القبلي، لكن هم أضفوا القدسية. كيف أضفوا القدسية؟ هم الآن ما كانوا يقولون عن النبي ﷺ إنه فرق بينهم، وحتى في بدر لما أبو جهل دعا قال: اللهم ماذا أقطعنا للرحم؟ فدعا على نفسه: «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء»، فأيضًا مما قالوا: اللهم من كان منا أقطع لرحمه فعاقبه أو أهلكه.
إذن قطيعة الرحم بالنسبة لهم أن هم أصحاب الذمام المتصلة، وأن محمدًا ﷺ بالنسبة إليهم هو الذي قطع قبائل قريش وقطع الرحم. لكن مع ذلك لما تعاقدوا على هذه الصحيفة علقوها على الكعبة فأعطوها الشرعية وتعاهدوا فيما بينهم عليها. هذا معناه أن الشرعية عند الكفار والطغاة والمجرمين هي متصلة بالقوة. هذه قطيعة رحم واضحة، لأن هذه شملت بطنين من بطون قريش كبيرة، فبأي حق تفعل هذا؟ أنت الآن لاحظ، هذه مقاطعة ليست لمسلمي مكة، هذه مقاطعة لبطنين من بطون قريش نصرت النبي ﷺ، لكن أعطوا هذا الفعل الشرعية.
المجرمون لا تقعد بهم الحيل أن يصبغوا على أفعالهم الشرعية بحسب كل زمان؛ إذا كانت شرعية الزمان مثلاً قانونًا دوليًا يجدون له في القانون الدولي، إذا كانت شرعية ديمقراطية يجدون لها في الديمقراطية، إذا كانت بأسماء مقدسة في كل زمن يمكن للطغاة أن يستغلوا هذا الاسم لإضفاء الشرعية على ذلك. هذا منهج متكرر، بمعنى أن القضية لم تكن موضوعية بقدر ما هي محاربة للحق وإن كانت هذه المحاربة تتضمن...
في داخلها قطيعة الرحم، تتضمن في داخلها حتى الاعتداء على من لم يكن مسلماً، لم يدخل في الإسلام؛ بنو هاشم بن عبد المطلب، فيهم أناس لم يدخلوا بالإسلام لكن الكل عوقب بهذه العقوبة.
الأمر الثالث، الفائدة الثالثة، هي أيضاً متصلة بسبيل المجرمين. نحن قلنا فائدتان في سبيل المجرمين، وهذه الثالثة هي وسيلة المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية، وتجييش الناس لتحقيق هذه المقاطعة. هذا أسلوب من الأساليب؛ مثلاً كان هناك أسلوب سابق سلكته قريش وهو التعذيب، وكل قبيلة عذبت من فيها، الآن هذا أسلوب جديد وهو المقاطعة الاقتصادية، وطبعاً هي ليست مقاطعة، بل هي حصار أكبر، هو حصار منظم اجتماعي، وفيه بُعد أمني كذلك؛ لأنه في الروايات الأخرى: ﴿وَلَا يُؤْذُوهُمْ﴾، فهذا أيضاً ينبغي أن يُعلم أنه واحد من الأساليب الأساسية المسلوكة عند المجرمين.
الفائدة الرابعة هي في أنواع البلاء الذي يقدره الله سبحانه وتعالى على عباده، وإن النبي ﷺ وأصحابه قد نالهم من البلاء والشدة ما نالهم، ولكن أيضاً حتى بعد مرور هذه السنوات الست الصعبة لم ينتهِ البلاء، وإنما تجدد هذا بنوع جديد الآن من الابتلاء، فهذا أيضاً مما ينبغي أن يُعلم.
الأمر الخامس وهو راجع إلى سبيل المجرمين، لكن فاتني ذكره بعدها مباشرة، وهو أن الطغاة والمجرمين إذا حاربوا الحق، فإن من أعظم ما يغيظهم في حمل الحق أن يكون لهم منعة؛ لأن هذا الحصار -بالتعبير المعاصر- هو موجه لمن؟ هو موجه للحماية المتعلقة بالنبي ﷺ وللحاضنة الشعبية بالتعبير المعاصر. هو فعلياً قبل ذلك كان الاستهداف للمسلمين، هنا الاستهداف للحماية.
أهل الباطل يستفزون استفزازاً عظيماً إذا وجدوا صاحب الحق عنده حماية معينة لا يستطيعون الوصول إليه. فبداية الحماية هذه، طبعاً أبو طالب كان مشركاً في البداية، فكان التفاوض معه: أننا كذا، وعبد المطلب ومادري ايش، والشباب والجماعة والناس، ما وافق. "أسلموا"، "طيب نحاول نجيب لك فلان، نجيب لك ولد بدلاً منه"، نحاول، نحاول، نحاول، في آخر شيء خلاص ما في إلا الحصار؛ حتى أبو طالب، أنت وربعك وجماعتك وبنو هاشم وبنو المطلب كلكم تُحاصرون.
هذه فكرة أن صاحب الحق لا نستطيع الوصول إليه. حتى مثلاً الحبشة، هذه مثال آخر لها، أن المهاجرين ذهبوا إلى الحبشة، كيف يروحوا منا؟ كيف يروحوا الحبشة؟ إلا أن نجلبهم، فخلوهم في الحبشة هناك، ماذا سيفعلون لكم في الحبشة؟ الصحابة بعيدون، لا يستطيعون فعل شيء لكم، لكن أهل الباطل لا يحتملون ولا يستطيعون تحمل فكرة أنه في واحد خالفنا وفارق ديننا ويكون محمياً. هذه الفكرة مستفزة بالنسبة لأهل الباطل، ولذلك دائماً تجد الوسائل المتعددة، ومنها التضييق على هذه الحماية.
هنا التضييق على هذه الحماية، الذي هو أبو طالب ومن معه، أثبت أبو طالب وأثبت من معه أنهم على قدر مسؤولية الحماية. ومن هنا، من أهم ما يطمئن صاحب الحق وصاحب الرسالة وصاحب الدعوة، هو اطمئنانه وثقته في وسيلة الحماية المتعلقة به، حتى لو كانت وسيلة الحماية مخالفة لدينه أو أياً كان، مثل ما كان أبو طالب ومن معه، لكن النبي ﷺ وثق أن أبا طالب لن يسلمه، فهذا مهم لصاحب الدعوة.
وفي الوقت نفسه هو أمر عظيم بالنسبة لقريش، وأمر عظيم بالنسبة لأصحاب الباطل، وهذا منهج الطغاة والمجرمين وأعداء الحق في كل زمان؛ حتى لو أفلت منهم صاحب الحق أو صاحب الدعوة أو صاحب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجد حماية معينة، لا يستطيع أهل الباطل أن يتحملوا هذه الفكرة، لذلك يسلكون الوسائل المتعددة، والوسائل غالباً هي نفسها التي سلكتها قريش؛ مثل إرسال وفد أمني أو دبلوماسي للمفاوضة في تسليم الصحابة الذين كانوا في الحبشة، أو بدلاً منهم، أي صاحب حق أفلت من أهل الباطل.
هذه وسيلة تناسب الفعل؛ فإذا كان هناك ملك كبير وقوي جداً لا يقدرون على فعل شيء له، فالخطاب يكون دبلوماسياً. تتذكرون عندما وقفنا مع قصة الحبشة، كان خطاباً مرتباً من عمرو بن العاص، وكانت الرواية أنه تم الاتفاق في مكة مع قريش على طبيعة الخطاب الذي سيقدمه عمرو بن العاص، ثم الاجتهاد الذي سواه عمرو بن العاص فيما يقوله عن عيسى بن مريم، وكان التحدي كبيراً وخطيراً.
هذا أسلوب آخر؛ أن هذه الحماية لا نستطيع عليها بالقضاء المباشر، ولكن نقدر أن نحاصر اقتصادياً. هنا تأتي قيمة وأهمية قوة الرابطة بين صاحب الحق وبين الحماية المرتبطة به أو الحاضنة المرتبطة به. هذه نقطة مهمة وجوهرية.
الفائدة السادسة هي أن صاحب الحق وصاحب الدعوة، إذا كان في طريق الإصلاح والدعوة، واجه من المجرمين ووجد له من الحماية أو الحاضنة من يحميه أو يؤويه، وإن كنا قلنا هذه درجة النصرة المنخفضة التي هي مجرد الحماية والمنعة، فلا بد من توثيق الأواصر والقوة بين صاحب الحق أو صاحب الدعوة وبين هذه الحاضنة، أو أصحاب الحماية الذين يمنعونه.
لماذا التوثيق؟ لأنه أحياناً تصبح هذه الحاضنة مع الابتلاء والشدة تبدأ تشك في جدوى هذا الصبر. لاحظوا أن الرابطة الأساسية في الحماية هنا هي رابطة قبلية، وهذا يدل على عمق المكون القبلي والدوافع والأعراف القبلية في زمن النبي ﷺ، في زمن مكة، في زمن العرب، في زمن قبل الإسلام وفي زمن بداية الإسلام وما إلى ذلك. فلذلك لو تلاحظون في أول الدعوة لما جاء أبو طالب، قال له: يا محمد، يقولون كذا ويقولون كذا، فالنبي ﷺ من البداية قال: «ترون هذه الشمس، ما أنا بأقدر على أن أترك...»
ما أنا فيه على أن يشعل منها شعلة، انتهى. خلاص، أنا هذا بالنسبة لي طريقي ولا يمكن أن أفاوض فيه.
الآن الفكرة هي أن النبي ﷺ كان واثقًا من منعه قومه له، وهذا أمر عظيم جداً ومهم. وكما قلنا، إذا لم يكن ذلك متوفراً مثلاً في طريق الدعوة أو في طريق الإصلاح، إذا كان المصلح أو الداعية لا يجد له من المنع، أو وجد من منعه والحاضنة لكن من لا يصبرون على مر البلاء وشدته أو على طول الزمن، فهذا يعد خللاً جوهرياً في طبيعة تحقيق هذا الدور.
وبالتالي، نحن نقول مثلاً: هل النبي ﷺ هو الذي عقد هذه الأواصر بينه وبين قومه؟ لا، هي تسخير من الله له، لأن هذا أصلاً نظام قائم وسائد. بينما مثلاً، ماذا فعل النبي ﷺ بعد ما توفي أبو طالب؟ حاول أن يوجد هذه الصيغة، حاول أن يوجد من يقبل هذه الدعوة ومن يحمل ومن يحميها، ولذلك ذهب إلى الطائف، على الأقل كجزء من هذا الغرض. لقد ذهبت عن النبي ﷺ -صح أن باقي بني هاشم وبني المطلب- لكن ترى القيادة وحماية هذه المنعة القبلية كانت في أبي طالب، ولذلك لما توفي أبو طالب تغير الحال.
إذن هذه سبع فوائد من هذا. كأني أذكر أنها سبعة، لا نختلف في العدد، ستأتينا إن شاء الله بقية الفوائد بوقتها عندما نصل إليها.
نذهب الآن لنكمل مع ابن إسحاق. في أي شيء نكمل معه؟ نحن قلنا ابن إسحاق متى سيكمل القصة؟ فنحن نكمل معه الآن في الدعوة وما يتعلق بها من أمور. لكن في شيء صراحة نسيناه في الحلقات، ما تتذكرون ماذا نسينا؟ ليس سهيلي، نسينا أبيات الفية العراقي، فنحن كنا على أساس أن نقرأ كل حديث ذكرته، ونحن بدأنا مع أول من أسلم، وقلنا المفروض أننا نقرأ في كل حديث.
صراحة العراقي أيضاً لم يذكر أشياء كثيرة؛ ذكر الهجرتين إلى النجاشي، وذكر انشقاق القمر -نحن لم نصل إلى ذكر الانشقاق بعد- وذكر أذى المشركين ذكرناه، صح؟ بالنسبة للحصار ماذا يقول؟ هو ربطها بالحبشة، قال: «فنزلوا عند النجاشي على أتم حال، وتغيض الملا»، وتغيض الملا على النبي وعلى أصحابه، وكتب البغيض في كتابه -وربط بين هجرة الحبشة وبين نفس تنسيق ابن إسحاق- وكتب البغيض في كتابه على بني هاشم الصحيفة وعلقها بالكعبة الشريفة: «ألا يناكحوهم ولا يُناكحوهم»، وحصروا في الشعب حتى أقبل أول عام سبعة للبعث.
قاسوا به جهداً بشر مكثي ... وسمعت أصوات صبيانهم فساء ذاك بعض أقوامهم ... وأطلع الرسول أن الأرض أكلت الصحيفة المبغضة ما كان من ... جور وظلم ذهبًا وبقي الذكر كما قد كتب فوجدوا ذاك كما قال وقد ... شلت يد البغيض والله الصمد فلبسوا السلاح ثم أخرجوا ... من شعبهم وكان ذاك المخرج في عام عشرة بغير مِين، وقيل كان مكثهم عامين.
جميل هذا العرض والتنسيق. وكما قلنا، نحن الذين نحفظ الفية العراقي، وبما أننا نأخذ الدروس درساً درساً، ومدرسة الأرقم وكذا، ترى الحفظ سهل، خمسة أبيات. أنا ظننت أننا نسينا أبواباً كثيرة، لكننا فعلياً وقفنا بالحبشة، تقريباً الآن مباشرة بعد هذه سيقول وفاة أبي طالب وخديجة، لكن ربما فات شيء بسيط جداً لا يذكر.
إذاً دعونا نبدأ الآن بما ذكره ابن إسحاق في هذه الثلاث سنوات فيما يتعلق بالدعوة. صراحة فاتنا حدث، وإن كنا محتفين جداً بترتيب ابن إسحاق لا شك، لكن لا يلزم من ذلك أن بعض الأمور ليس فيها نظر، فقدر ما يكون هو أدق شيء في زمانها ويأتي غيره يخالفه. مثلاً، هو لم يذكر عودة أهل الحبشة إلا في زمن الحصار، بينما المشهور هو متى صار عودة أهل الحبشة؟ بعد الهجرة الثانية، حيث ذهبوا في الهجرة الأولى ثم صار خبر معين ورجعوا، وأيضاً في رجوع آخر لا شك، لكن عموماً لنكمل على ترتيبه.
هو الآن ماذا سيذكر؟ أهم عنوان ذكره ابن إسحاق خلال هذه الثلاث سنوات هو المستهزئين تحديداً، أن النبي ﷺ استمر في دعوته وإن قريشاً اتخذت مبدأ الاستهزاء. العنوان الأدق الذي سيذكره ابن إسحق في الصفحات القادمة هو: من هم هؤلاء المستهزئون الذين نزل فيهم القرآن؟
طبعاً يا جماعة، في كتب علوم القرآن خاصة الكتب المطولة، هناك فصل أو باب لموضوع المبهمات في القرآن؛ وهم الذين لا يذكر الاسم، فتجد في الكتب المطولة مثل كتاب الإتقان للسيوطي وغيره "الإحسان في علوم القرآن" يأتون بكل الآيات القرآنية التي فيها مثلاً: قالوا، ويقول لك نزلت في فلان، والمقصود فلان بدون أسانيد وروايات، كل من أُبهم في القرآن يذكرون من هو.
هذا ما سيعمله ابن إسحاق، أنه سيذكر مجموعة من الكفار الذين نزلت فيهم آيات معينة. وطبعاً هذا الموضوع أخذنا فيه درساً كاملاً مطولاً لو تذكرون، لكن ركزنا على أبي جهل، والوحيد الذي ذكر اسمه بطبيعة الحال هو أبو لهب.
يقول: خبر المستهزئين وذكر أبا لهب منهم، قال: عمه أبو لهب بن عبد المطلب، وامرأته أم جميل ابنة حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان، حمالة الحطب. وإنما سماها الله تعالى «حَمَّالَةَ الْحَطَبِ» لأنها فيما بلغني كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق رسول الله ﷺ حيث يمر، فأنزل الله تعالى فيهما: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ [المسد: 1-5].
قال ابن هشام، ومعناه غالباً -لغةً- أن الجيد هو العنق.
جيد، أسيل تزينه الأطواق، وهذا البيت في قصيدة له: والمسد شجر يدق كما يدق الكتان، فتفتل منه حبال. قال النابغة الذبياني، واسمه زياد بن عمرو بن معاوية: مقذوفه بدخيس نحض بدخيس النحض بأزله، له صريف صريف القعو بالمسد. وهذا البيت في قصيدة له وواحدة مسده.
هذا مما نزل في القرآن عن أبي لهب وامراته. هنا هذا التفسير اللغوي ذكره ابن هشام، فجاء السهيلي فعقب. السهيلي يمتاز بشيء آخر، وهو أنه يهتم بالفوائد واللطائف المرتبطة بدقائق المعاني، يحب أن يجيب المناسبات، ويحب أن يتأمل في معاني دقيقة، وهذا واضح فيه جدا.
مثلا هنا يقول: لماذا تأمل كذا في البلاغة؟ لماذا الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ ولم يقل في عنقها؟ مع أن الأنسب للعذاب هو العنق، وأنه ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾، وهي أصلا مذكورة الأعناق مع العذاب والأغلال، بينما هنا قال الجيد. والجيد معروف أنه يستعمل دائما في سياق الأبيات والقصائد في الغزل والحلي والجمال وذكر المحاسن، فلماذا جاء في الآية: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾؟
اسمعوا ماذا يقول السهيلي: يقول إن الجيد إذا ذكر الحلي أو الحسن فإنما حسنها ها هنا. ذكر الجيد في حكم البلاغة لأنها امرأة النساء تحلي أجيادهن، وهي أم جميل لا حلي لها في الآخرة إلا الحبل المجعل في عنقها. فلما أقيم لها ذلك قيام الحلي، ذكر الجيد معه، ثم ذكر أنه بشرها بعذاب أليم، وذكر فيها معنى الحصرة؛ أي لا بشرى لهم إلا العذاب الأليم، فكأنه لما قال: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾، أي لا حلي لها يحلي جيدها إلا هذا الحبل. فهذا المعنى الذي استنبطه السهيلي.
أيضا في المسد هنا، ماذا قال ابن هشام؟ المسد شجر يدق كما يدق الكتان فتفتل منه حبال. السهيلي يقول لك إنه معروف أن المسد يعبر به في حبل الدلو، وهو معروف حبل الدلو الذي يوضع في البئر. وقد روي أنه يصنع بأم جميل، امرأة أبي لهب، في النار ما يصنع بالدلو؛ أي أنها ترفع بالمسد في عنقها إلى شفير جهنم ثم يرمى بها إلى قعرها هكذا أبدا.
ثم ذكر الشواهد الشعرية على صحة استعمال المسد في حبل الدلو، وبعدين أخذ يقول أصلا إنه في المنام، في حديث ابن عمر -أظنه وكذا- أن رؤية النار كأنها بئر أصلا مطوية، وربط بينها وبين المسد وحبل البئر، لكي يقول لك إن أم جميل هذه عذابها غالبا أو محتمل أن يكون بهذه الطريقة.
وبعدين ذكر لماذا قال: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، مع أن الشوك والحطب يربط بالحبل، وهذا لمناسبة ذكر الحبل الذي سيوضع في جيدها؛ فالحبل الذي كانت تربطه على هذا الشوك وتحمله هو يذكر بالحبل الذي سيجعل في جيدها. هو يأخذ ويتأمل في هذه المعاني، وهذه من الأشياء العجيبة عند السهيلي.
وأيضا أخذ يتأمل في معنى لماذا لم يقل: «وزوجته»، وإنما قال: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾. وذكر أن لفظ الزوجية فيه نوع من السعادة أو الإكرام أو الارتياح، وأخذ يذكر الألفاظ في القرآن التي تدل على الزوجية ودلالتها في ذلك، وأن «امرأته» لا تحتمل هذا المعنى. وأخذ يقول ما أتى به في الآيات؛ مثل: ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ﴾ و﴿امْرَأَتَ لُوطٍ﴾، بل قال ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ إذا كان الفعل مرتبطا بالأمومة أو بالأمور المرتبطة بالأنوثة، كقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ إلى آخره. الشاهد أنه يتأمل في هذه المعاني؛ السهيلي يهتم بهذه الدقائق.
ولا شك أن مما يلاحظ أن كتب المتقدمين تنمي عند قارئها ودارسها والمتأمل فيها الفهم والاستنباط ودقائق المعاني. وهناك فرق كبير بين من يفهم أو يقرأ كتب المتقدمين ويدرسها، وبين من تكون معرفته عبر شبكات التواصل ومتابعة اليوتيوبرز والمشاهير؛ الفرق بينهما كالسماء والأرض. هناك تجد تنمية للعقل دقيقة وكبيرة وعجيبة وواسعة، وحتى تحس بالجانب النقدي، واحتمالات الفهم، ووجوه الكلام وما إلى ذلك.
أما تسطيح الأفهام الذي يحصل في شبكات التواصل فهو مخيف ومهدد جدا، ولذلك الإنسان يقف على نماذج كثيرة مزعجة وعجيبة؛ كيف يمكن أن يصل فهم الإنسان إلى هذا المستوى المتدني؟ بينما قراءة الكتب المتقدمة تولد لك من المعاني ما لا يخطر لك على البال أصلا. فلما تتعود، هذا يولد لك معنى لغويا، وهذا يولد لك مناسبة بين الكلام، وهذا يولد لك مثلا وجوها في تفسير الآية، وهذا يتكلم عن كيفية التوفيق بين الأقوال المختلفة ومقارنة الأدلة وذكر وجوه الدلالات سواء اللغوية أو الإسنادية، وهكذا. يتمرن العقل نفسه وطريقة التفكير، يصبح عندك عقل تعود على التعامل بهذه السعة.
فلذلك هذا من أفضل الأشياء حتى تقابل بها الشبهات؛ فيبدأ الإنسان يعرف أشياء لا تحتاج ردا، هي عبارة عن سخافة وسفاهة. هذه السخافة والسفاهة أحيانا يأتيك شخص يرسل لك رسالة يقول لك: ادركوني! ادركوني أن أهلي ديني قد ذهبوا! تجد الشبهة شيئا سخيفا جدا جدا لا تتوقع أصلا أنه ممكن يخطر على البال، بينما الذي تعود -حتى لو لم تصب الإجابة عن أسئلة معينة- أخذ نمطا في التفكير يجعل الاحتمالات عنده أوسع من الفهم الضيق الذي لا يعطيك إلا صورة واحدة فتقف عند الإشكال.
ومما أسهم كثيرا في تسطيح الفهم بعض المتصدرين الذين يتحدثون في بعض الموضوعات الشرعية من الشباب الذين لم يتأدبوا بأدب العلم، ولا عرفوا منطق العلماء ولا منطق الفهم الصحيح للدين؛ يتبعون الترند ويتكلمون في كل شيء ويردون على كل أحد. هؤلاء أحيانا، بسبب الاستغراق في الخصومة والاستغراق في الانتصار للنفس والرد، يمعنون في تسطيح فهم المتلقي عبر ممارسة المغالطات. المغالطات المنطقية لم يخطر في بال الضعيف أن يضعها لأنها أسخف من المغالطات المنطقية، فالله يعين الشباب، الله يعين الأجيال.
الله يعين من لم يتعلم في دروس العلم وفي محاضن العلماء، وعلى الأقل أهل الفهم من طلبة العلم والتزكية والوعي. الله يعين من لم يتربَّ في مثل هذا ولم يمر على مثل هذا، وإنما فتحت عيناه على اليوتيوبرز وأمثالهم من المتحدثين في المجال الشرعي عبر الخصومات والردود والجدل وما إلى ذلك، الله يعينهم على هذا المستوى.
حقيقة أنا أحياناً أقول إنه هؤلاء إن شاء الله سيستيقظون يوماً؛ الشباب وقد فعل، يعني وقد حصل، لكن المشكلة أنهم حين يستيقظون بعد خمس سنوات أو ست سنوات أو أربع سنوات يكونون قد فقدوا الشيء الكثير من إيمانهم، من تزكيتهم، من صفاء نفوسهم، من سلوكياتهم، ومن نظرهم إلى الواقع. فضلاً عما يكونون قد أثقلوا به موازين سيئاتهم من الغيبة والكذب والافتراء والتشويه والكلام الكثير.
كم يكون عمره؟ 15 أو 16، مكلف وبالغ، ولكنه ابتلي بأنه بدأ حياته بهذه القضية، وبعدين يستيقظ بعد سنوات ويقول لك: «والله اكتشفت أني كنت غلطان». المشكلة أن هذه الاتجاهات كذلك تشوه الأطراف الأخرى، بحيث إن المتلقي ما عاد عنده رغبة أصلاً في الاستماع، هو يشك في كل أحد، والكلام كثير.
هذا فقط استطراد في ذكر دقائق المعاني التي ذكرها السهيلي، وكيف حاجة طالب العلم أنه يقف عند التفكير الصحيح وكلام العلماء وفهمهم واستنباطاتهم، ويعرف أن العلم أكبر بكثير من هذه السخافة التي تجري عند الغلاة وعند السفهاء. والحمد لله العلم أوسع بكثير، وأزكى، وأعلى، وأشرف بكثير جداً.
فسبحان الله، أحياناً شباب صغار لا يعرفون إلا بهذا التوجه، وتلقاه فتح قليلاً فقام يشرح لك كتباً متقدمة! يا عمي أنت إيش دراك عن هذه الكتب؟ وإيش عرفك فيها؟ وإيش عرفك في كل ما يتعلق بمقدمات العلم من منطلقات لغوية وشرعية وإسنادية؟ عرفك في هذه الأمور؟ لكن الكبر والاعتداد بالنفس والظن بأنه بما أنه عرف بعض المقررات العقدية النظرية فإنه قد نجا وأخذ بكل جميل، ولا يضره أن يذكر غير هذا من الخطأ والزور والبهتان، والله المستعان.
قال ابن إسحاق: فذكر لي أن أم جميل حمالة الحطب حين سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن، أتت رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وفي يدها فهر من حجارة. وفي الحاشية: الفهر حجر على قدر أو مقدار ملء الكف. وقفت عليهما، أخذ الله تعالى ببصرها -طبعاً هذه القصة مرت معنا لو تذكرون- أخذ ببصرها عن رسول الله ﷺ فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: «يا أبا بكر، أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر». ثم قالت مذممة: «عصينا وأمرنا أبينا، ودينه قلينا»، ثم انصرفت.
فقال أبو بكر: «يا رسول الله، أما تراها رأتك؟» قال: «ما رأتني، لقد أخذ الله تعالى ببصري عني سابقاً». أوردنا الرواية بمصدرها، وغير ابن إسحاق هنا؛ ابن إسحاق قال فذكر لي ما ذكر، لا إسناد ولا شيء. قال ابن هشام: قولها «ودينه قلينا» عن غير ابن إسحاق، دقة ابن هشام أنه هذا الشطر أو هذه الجملة ذكرتها عن غير ابن إسحاق، أما ابن إسحاق فنقل قولها: «عصينا وأمرنا أبينا»، ولكن عن غير ابن إسحاق زاد ابن هشام «ودينه».
قال هنا: قال ابن إسحاق وكانت قريش إنما تسمي رسول الله ﷺ مذمماً ثم يسبونه، فكان رسول الله ﷺ يقول: «ألا تعجبون لما صرف الله تعالى عني إذ إذا قريش يصبون ويهجون مذمماً وأنا محمد؟». وهذا الحديث أخرجه الإمام البخاري رحمه الله. وقلنا إنه هذا الحديث أمر عجيب في الاستغناء بالحقائق عن التزييفات، وأنه هم فعلياً يسبون، يريدون النبي ﷺ، ولكن النبي ﷺ ينظر للحقيقة؛ حقيقة أنه محمد، هو محمد اسمه محمد وهو فعلياً المحمود ﷺ، أسماه أبوه محمداً، هم يقولون مذمماً وهو ليس مذمماً، بأبي هو وأمي ﷺ.
ثم قال ابن إسحاق: ذكر أمية بن خلف الجمحي، قال: وأمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، كان إذا رأى رسول الله ﷺ همزه ولمزه، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ إلى آخر السورة.
قال ابن هشام: الهمزة هو الذي يشتم الرجل علانية ويكسر عينيه عليه ويغمز به. قال حسان بن ثابت: همزتك فاختضعت لذل نفس ... بقافية تاجج كالشواض وهذا البيت في قصيدة له، وجمعه همزات. واللمزة هو الذي يعيب الناس سراً ويؤذيهم، قال رؤبة بن العجاج: في ظل عصري باطلي ولمزي ... وجمعه لمزات وهذا البيت في أرجوزة له.
أمي بن خلف الجمحي كان أحد الطغاة الكبار الذين يؤذون النبي ﷺ، وهؤلاء الطغاة الكبار لا بد أن نكون على استحضار دائم لهم إلى يوم بدر؛ لأن القصة بدأت هنا ولكنها لم تغلق إلا في يوم بدر. أمية بن خلف قتل يوم بدر، والذي قتله هو الذي كان يعذب على يديه هو بلال رضي الله عنه، وهو المتسبب في قتله، وهو الذي نادى في الناس يوم بدر: «أمية لا نجوت إن نجا أمية»، فبادر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم سياتينا إن شاء الله، لأن قصة أمية طويلة ومعها قصة مفصلة مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه وكذا. لكن هذا الطاغية المجرم أنزل الله فيه قرآناً كما يروى.
ومما روي في ذلك واشتهر أنه نزل فيه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ السورة كاملة، وأيضاً مما قيل إنه نزل فيه أنه هو المقصود بقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ في سورة عبس؛ لأن اختلفوا من هم الذين كان معهم النبي ﷺ حين أتاه عبد الله بن أم مكتوم، قيل في من قيل أمية بن خلف، وقيل عتبة بن ربيعة، وقيل الوليد بن المغيرة.
ثم قال: ذكر العاص بن وائل. العاص بن وائل تتذكروا مر معنا مرارا؛ مر معنا في قصة خباب، ومر معنا في ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾، هي هذه القصة حقت خباب، ومر معنا أيضاً أنه هو الذي حمى عمر، لو تذكروا في الدرس الأخير والذي قبله هو الذي أجار عمر لأنه...
احنا قلنا بنو سهم هم حلفاء بني عدي، والعاص بن وائل هو طبعا والد عمرو بن العاص، وإلى آخره يمكن مرت معنا أكثر من موقف. قال ابن إسحاق: العاصي بن وائل السهمي كان خباب بن الأرت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قينا بمكة يعمل السيوف، وكان قد باع من العاص بن وائل سيوفا عملها له حتى كان له عليه مال.
فجاءه يتقاضاه فقال له: يا خباب، أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضه أو ثياب أو خدم؟ قال خباب: بلى. قال: فأنظرني إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار وأقضيك هنالك حقك، فوالله لا تكون أنت ولا صاحبك يا خباب آثر عند الله مني ولا أعظم حظا في ذلك.
فأنزل الله تعالى فيه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَاتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 77-80].
نقِف عند هذا القدر لأجل الصلاة، وإن شاء الله في اللقاء القادم نكمل؛ لأن لا يزال الحديث طويلا هنا عند ابن هشام فيما أورده عن ابن إسحاق في ذكر أسماء الذين نزل فيهم قرآن. واحنا لازم نستمتع بهذا الموضوع لأنه من صميم أهداف السلسلة الارتباط بين القرآن وبين السيرة النبوية.
لا تزال هناك أشياء كثيرة تذكر في كتاب الله سبحانه وتعالى مرتبطة بأحداث المرحلة المكية، وأنا لا زلت إن شاء الله على النية أنه في واحد من المجالس نقرا سورة الأنعام كاملة نتأمل فيها بهذا الاعتبار باعتبار المقولات التي وردت في السورة وكيف أبطلها الله سبحانه وتعالى وما يتعلق بذلك من معاني، ونربط هذا بالتصور لكل ما نحن فيه من مسير في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، ونسأل الله سبحانه وتعالى الستر والعافية، ونسأل الله سبحانه وتعالى الهدى والتقى والعفاف والغنى. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبت الأقدام ألاقينا.
الشيخ أحمد السيد