دخولتسجيل الدخول

سيرة رسول الله ﷺ 30 | الشبهات التي واجه بها المشركون دعوة النبي ﷺ

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم يا ربنا صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، أما بعد؛ نستعين بالله ونتوكل عليه ونهتدي به ونسْتفتح مجلسا جديدا من مجالس سلسلة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي هذا المجلس سنبتدئ مباشرة بكتاب ابن هشام، نظرا لأننا في الدروس الأخيرة توقفنا كثيرا عن الكتاب، نظرا للعناية في الدروس السابقة بالسُّوَر القرآنية وعلاقتها بالسيرة النبوية. أخذنا مجلسا كاملا عن سورة الأنعام كاملة، ثم بعد ذلك وقفنا وقفة مطولة في المجلس الذي يليه عن سورة عبس وعلاقة هذه السورة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وققبل المجلس الذي قبله أخذنا أيضا مجلسا كاملا أو شبه كامل في المهاجرين إلى الحبشة أو بعض السابقين من المهاجرين إلى الحبشة من كتاب الطبقات لابن سعد. فكان هناك انقطاع أو شبه انقطاع عن كتاب ابن هشام الذي هو الكتاب الأصل الذي نسير عليه، اليوم إن شاء الله سننطلق مباشرة، حتى اليوم ما راح نأخذ سورة معينة أو ترجمة، وإنما مباشرة ننطلق باعتبار أن هذا يعتبر استثنائيا حتى ننجز شيئا في الكتاب.

إحنا قلنا إن ميزة ابن اسحاق رحمه الله ورضي عنه أنه لا يكتفي بمجرد عرض الأحداث الأساسية في السيرة النبوية، ولا يكتفي بعرض تفاصيلها فقط، وإنما يعتني بالتقاط بعض الوقائع التي جرت في السيرة النبوية ولو لم تكن حدثا بارزا مستقلا في كتب السيرة، وإنما يأتي به باعتبار مثلا ما جاء في القرآن من الجدال مع المشركين ونحو ذلك. إحنا قلنا المرحلة المكية، أي قراءة للمرحله المكية أو دراسة للمرحلة المكية لا يكون فيها وقفة مطولة مع الآيات التي فيها جدال المشركين وردود المشركين وكيف أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحق عليهم؛ أي قراءة للسيرة لا تعتني بهذا المشهد ولا تعتني بهذا الموضوع فهي قراءة ناقصة؛ لأن هذا موضوع أساسي في السيرة النبوية وفي المرحلة المكية بشكل خاص. ابن اسحاق رحمه الله اعتنى بهذا، أين اعتنى بهذا في كتابه في مواضع متعددة؟ واحدة من أهم المواضع هي الموضع الذي وصلنا له. ما هو الموضع الذي وصلنا له؟ هو موضع سنوات حصار الشعب التي هي من السنة السابعة إلى السنة العاشرة للهجرة، هذه الثلاث سنوات كان النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عشيرته من بني هاشم وكذلك من بني المطلب كانوا سويا محاصرين في الشعب، كما مر معنا في الدرس قبل عده دروس وهي قصة معروفة.

خلال هذه السنوات الثلاث ابن اسحاق أورد مجموعة من الجدل الذي أثاره المشركون ضد النبي صلى الله عليه وسلم وكيف ناقشهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكما قلت هذه التقاطة جميلة وبديعة أنه لم يجعل هذه الثلاث سنوات هي ثلاث سنوات عنوانها الحصار وانتهى. كما قلنا إنه قد تقرا في بعض كتب السيرة السنة السابعة ثم تقفز إلى السنة العاشرة مباشرة، وهي الثلاث سنوات لا تجد فيها كبير شيء، إلا كان قد ذكر خلال هذه السنوات بعض ما حصل من أبي لهب ثم أمية بن خلف ثم العاص بن وائل السهمي. هذا ذكرناه سابقا في تنبيه؛ إنه هذه النصوص التي فيها نقاش المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم سبق أن قرأتها، لكن قرأَتُها في ذلك الدرس السابق، يعني درس قبل عدة دروس، قرأتها باعتبارها أمثلة سريعة، حتى ربما لم أقرأها استقصاء تاما، لكن الآن بلغناها في الكتاب، بلغنا الأصول.

ثم قال ابن اسحاق أو ابن هشام: قال ذكر لأبي جهل بن هشام المخزومي قال ولقي أبو جهل بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني فقال له: والله يا محمد لتتركن سب آلهتنا أو لنسبن آلهتك الذي تعبد! فانزل الله فيه: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]. فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كف عن سب آلهتهم وجعل يدعوهم إلى الله عز وجل.

هذا الفصل عن أبي جهل، إحنا اخذنا قرابة محاضره كامله عن الآيات التي نزلت في أبي جهل، تذكرون؟ أخذنا وقفنا مرة في محاضرات... ليس فقط الطبري؛ جزء منها في الطبري، والجزء الأكبر كان مع أسباب النزول. قلنا إنه في روايات أسباب نزول الآيات كانت هناك روايات كثيرة تقول إن هذه الآية نزلت بسبب أبي جهل، وتلك الآية نزلت بسبب العاص بن وائل، وتلك الآية نزلت بسبب مثلا أمية بن خلف، وهكذا. وأنه لو استقرأنا هذا من كتب التفسير ومن كتب أسباب النزول لوجدنا كثيرا من آيات القرآن التي ليس فيها ذكر لاسماء معينة إلا أنها في الحقيقه نزلت باعتبار أسماء معينة من المشركين الذين جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا بحد ذاته فيه عبر كثيرة جدا، أو فيه عبر عظيمة جدا ينبغي الوقوف عندها. أبو جهل أنا لا أعلم أحدا من المشركين نزلت فيه آيات من القرآن كمثل أبي جهل، والآيات التي نزلت فيه أو التي روي أنها نزلت فيه كثيره جدا ومرت معنا، وليس هذا المقام مقام إعادة لها، يراجع الدرس الذي أخذنا فيه أسباب النزول، ففيه استقراء تام. هنا فقط ابن هشام أورد عن ابن اسحاق آية واحدة، اللي هي: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]. قد يأتي بغيرها لاحقا، لكن هذا ما ذكره عن أبي جهل. الآية هذه في سورة الأنعام، اليس كذلك؟ في هذا الفصل ذكر أكثر من آية في سورة الأنعام، ومن الجيد أننا أخذنا سورة الأنعام كاملة حتى يكون الاستحضار جيدا.

ثم قال ابن هشام: ذكر للنضر بن الحارث العبدري، قال والنضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي: كان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا فدعا فيه إلى الله تعالى وتلى فيه القرآن وحذر قريشا ما أصاب الأمم الخالية، خلفه في مجلسه إذا قام فحدثهم عن رستم الشديد وعن إسفنديار وملوك فارس، ثم يقول: والله ما محمد بأحسن حديثا مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتبتها! وهذا مر معنا مرارا أن نوع من الشبهات التي كان يثيرها المشركون ضد النبي صلى الله عليه وسلم هو أن ما جاء به من القرآن وما فيه من قصص وأخبار إنما هي أساطير الأولين اكتتبها. وكان النضر بن الحارث يكتب قصصا عن الفرس وعن أبطالهم وعن ملوكهم ثم يأتي فيحدث بها بعد النبي صلى الله عليه وسلم. ومن يتامل في هذا يدرك مقدار الأذى والتتبع التفصيلي لما يأتي به النبي صلى الله عليه وسلم والرد على كل شيء. وكان النقاش مفتوحا على مدى السنوات، والامر العظيم في ذلك كله أن الله سبحانه وتعالى بنفسه هو الذي كان يرد عليهم! يعني الله سبحانه وتعالى ينزل الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول له: قل (يعني قل لهم كذا، ويقولون كذا قل لهم كذا يقولون)، وأثبت هذا كله في القرآن. هي ليست قل أنه... يعني كلمة قل لم تاتي في القرآن، لا، هي كلها موجودة في القرآن بلفظ قل.

وحتى لما مر معنا في سوره الأنعام أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر إبراهيم عليه السلام قال في شأن إبراهيم: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنعام: 83]، وانه الطبري التقط من ذلك أنه وكذلك آتاك إياها يا محمد، نفس الشيء هو آتاها إبراهيم وأيضا آتاك هذه الحجج. فهنا من جملتها قولهم: أساطير الأولين اكتتبها، فانزل الله تعالى فيه: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 5-6] ونزل فيه: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين: 13]، ونزل فيه: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّم يَسْمَعْهَا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية: 7-8]. طبعا أين تقع قصص رستم الشديد وإسفنديار وملوك فارس وما جاء فيها من الخرافات والخزعبلات والأساطير من قصة موسى وقصة إبراهيم وقصة هود وقصة صالح وقصة شعيب وقصة نوح عليهم صلوات الله وسلامهم؟! فشتان شتان، شتان شتان! كما قال الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر قصة نوح، قال سبحانه وتعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49].

وهذا المعنى متكرر، الله سبحانه وتعالى يذكر بعد عدد من قصص القرآن يذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أن هذا من أنباء الغيب لا... ما كنت تعلمها، كما في سورة هود في قصة نوح، وكذلك في سورة يوسف: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: 102]. وفي سورة آل عمران: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 44]، أيضا بهاك: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 44]. وكذلك في سورة القصص: وما كنت بجانب الطور إذ نادينا... وما كنت بجانب الغربي... وما كنت ثاويا في أهل مدين... كل هذه في نفس المعنى. نعم، ذكرنا هذه في البداية اللي هي في قصة نوح في سورة هود.

الآن هذا كله كلام ابن اسحاق في إيراد الآيات وفي إيراد ما ذكره، لما ذكر الآية: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّم يَسْمَعْهَا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية: 7-8]، قال ابن هشام: الأفاك الكذاب. كما تعودنا ابن هشام يتدخل وقت اللغة، نعم: ﴿إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الصافات: 151-152]، وقال رؤبة: مالامرئ إفك قولا أفكا، وهذا البيت في أرجوزة له.

قال ابن اسحاق: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني... الآن هذه القصة مهمة، وسبق أن ذكرتها في الدرس الذي فيه أسباب النزول وما إلى ذلك، وأنا أعتقد أن ذلك كان درسا مهما في تتبع هذا الموضوع المهم. وهنا نعيد المشهد، وهو مشهد مهم يدل على شدة تتبع المشركين لما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن؛ لا لكي يتعظوا به ولا لينزجروا ولا لينتفعوا، وإنما ليردوا! وهذا يدل لك على ايش؟ يدل لك على أن الحق مهما كان قويا ومهما كان مصحوبا بالبينات، فإن نفسية المستمع تؤثر في مدى الاستجابة لهذا الحق. ليس الشان في مجرد وجود الحق، وإنما في نفسية المستمع؛ هل كان هذا المستمع يستمع بنية الاستجابة، أم بنية المتكبر، بنية المستعلي؟ وهذا بالمناسبه يحصل، ترى لم ينقطع، يعني هذا ليس خاصا بالقران إلى الان، إلى اليوم. أنت الآن ممكن تتحاور مع أي شخص لإقامة حق معين، سواء حق شخصي فهمت يعني من الحقوق الشخصية اللي هو ما يتعلق بالعدل والقسط، أو تتحاور مع شخص في الحق الديني الشرعي فيما يتعلق بالدعوة إلى الإسلام أو الدعوة إلى السنة، نفس المشهد يتكرر بالنسب المختلفة.

يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان يتلو القرآن، يتلو كلام الله، والمبلغ هو رسول الله الذي سمع القرآن من جبريل عن الله سبحانه وتعالى، وكله مليء بالبينات. ونفسية المستمعين كانت نفسية التكبر والاستعلاء، وبالتالي مهما أتى النبي صلى الله عليه وسلم من شيء ومن حجة كانت النفسية هي نفسية الرد؛ توجيه المدفع، تلقي الكلام لإطلاق قذيفة بعد ذلك. نفس المشهد كما قلت يتكرر، سواء في الحق المرتبط بدعوة للإسلام وما إلى ذلك، يوجد من يتتبع مثلا بعض الملاحدة؛ واحد اليوم هو جاهز أنه يرد على أي شخص يتكلم عن... بس يعني هو جاهز، مو يعني هو ما عنده استعداد يسمع. وهذا له علامات، له علامات، مثلا المنهج التشغيبي؛ هذا من علامات أن الشخص لم... ايش؟ لم يستمع باستماع عادل ومنصف. المنهج التشغيبي اللي هو لا يرد على أساس القضية الكبرى وإنما يشغب في الأطراف. فأنت مثلا في هذا المشهد اللي الحين نقراه عند ابن اسحاق هو نفس الفكرة، منهج تشغيبي؛ التقاط كلمة من وسط الكلام: أنت يعني قلت كذا؟ قصدك كذا؟ يعني طيب يلا هذا... سبحان، هذه دائمة، شوفوا حتى في الخلافات الشخصية، حتى في الخلافات الشخصية، حتى في النقاش الموضوعي في في قضية معينة، حتى يعني دائما الذي يلتفت عن القضية الكبرى ويقف عند التفاصيل... عفوا، ليست الفكرة في التفاصيل، الوقوف عند التفاصيل ليس خطأ، وإنما يشغب في التفاصيل، جيد، يعني يجمع بين الأمرين؛ بين الإعراض عن الفكرة الكبرى وبين التشغيب في التفاصيل. أما شخص يجمع بين مناقشة الفكرة الكبرى ومناقشة التفاصيل الصغيرة، هذا ليس خطأ، واضح الفكرة؟

فلذلك دائما وهذا سبحان الله، يعني شوفوا يا جماعه ترى الأمر كله السر فيه بقدر الله وبحكمته، السر فيه في النفس البشرية. دائما السر في النفس البشرية قد نختلف في قضية ويكون الحق معك واضحا أو معي واضحا، هذا نتكلم عن المستوى الشخصي، لكن نفسيتك في طبيعة الحوار ستؤثر على وصولك إلى الحق أو لا. نفس الشيء مثل ما ذكرت: النقاش مع الملاحدة، مع منكري السنة، مع إلى أخري، والإمعان في التشغيب والخصومة يجعل...

الإنسان يتيه، يعني ويصل إلى حالة من التيه عجيبة جداً. والعجيب أن هذه الآيات في نفس حين كانت تنزل، يعني كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعجب منها تعظيماً وإجلالاً، وكانت قلوب النبي صلى الله عليه وسلم وقلوب المؤمنين تخشع لهذه الآيات، في نفس الوقت حين كان يتلوها على المشركين كانوا يقابلونها بعكس ذلك تماماً بالسخرية والاستهزاء؛ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: 12-14].

فهذا هو المنهج دائماً، يعني مثل ما ذكرت لكم دائماً جعلوها قاعدة مطردة: أي شخص في أي حوار ترونه يعرض عن القضايا الكبرى ويشغب في التفاصيل، ويستهزئ ويسخر بالتقاط بعض الكلمات، فهذا اعلموا أنه علامة على نفسية لا تريد الحق. ولا شك أنه قد تكون زلة أحياناً، قد تكون ليس بالضرورة أن يكون الشخص بحسب موضوع الخلاف قد يكون أمراً سهلاً، وهكذا.

طيب، ما هو هذا الموقف الذي فعلوه وما هي الكلمة التفصيلية التي شغبوا عليها؟ قال ابن إسحاق: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يوماً مع الوليد بن المغيرة في المسجد. شوف، احنا عندنا ثلاثة: أبو جهل، والوليد، والعاص بن وائل، هذول الثلاثة يمكن أكثر ناس كان لهم حضور في آيات القرآن، أقصد من جهة أسباب النزول.

طبعا احنا نقول فيما روي في مجموع ما روي من أسباب النزول، يعني ما قبل التحرير والتدقيق وفي التفصيل في الروايات والأسانيد، لكن في مجموع ما روي من أسباب النزول، أظن أنه لم يرد في أسباب النزول أسماء نزل فيهم قرآن من المكذبين والمشركين مثل ما نزل في هؤلاء الثلاثة.

طبعا وثم بعد ذلك يتبعهم أمية بن خلف وأبي بن خلف وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمثالهم، وأيضاً الأخنس بن شريق أيضاً يتبع بهذه الجماعة، لكن هؤلاء الثلاثة كل شوية نازل، يعني إيش كل شوية؟ تجد آية أو تقف على رواية أنه نزلت والشان كان مع عبد الله مع الوليد بن المغيرة أو كذا، طبعا أكثرهم أبو جهل، وأيضاً قريب من هؤلاء الثلاثة النضر بن الحارث اللي هو مر معنا قبل قليل، اللي كان يقول أساطير الأولين.

يقول لك: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يوماً مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم في المجلس، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش. فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه.

ثم تلى عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وارِدُونَ * لَوْ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: 98-100].

قال ابن هشام -طبعا ابن هشام يتدخل حتى في وسط الروايات يعطيك فاصل لغوي يشرح لك بعض الغريب بعدين ترجع لنفس الرواية-: حصب جهنم: كل ما أوقدت به. قال أبو ذعيب الهذلي واسمه خويلد بن خالد: فاطفئ ولا توقد ولا تكصبا... لنار العداة أن تطير شكاتها وهذا البيت في أبيات له، ويروى: ولا تكو محضاه.

قال ابن إسحاق عودة إلى الرواية الآن: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني قام بعد ما أفحم النضر بن الحارث وتلا عليهم هذه الآيات: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم- وأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعرى: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفاً وما قعد -إنه النضر ما سوى شيء قدام النبي صلى الله عليه وسلم، كان المفروض يرد على النبي صلى الله عليه وسلم أقوى من هذا الرد-.

وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم! فقال عبد الله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمداً: أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيراً، والنصارى تعبد عيسى بن مريم! فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى، وراوا أنه قد احتج وخاصم.

فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قول ابن الزبعرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته».

فانزل الله عليه في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101]. طبعا هذه الآية متى واردة؟ أين وردت؟ بعد الآيات، يعني آيات: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وارِدُونَ * لَوْ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَهُمْ فِيهَا﴾، وكل فيها خالدون، لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون، ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِيما اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 101-102]. أي عيسى بن مريم وعزير ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أرباباً من دون الله.

ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: 26-27] إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 29].

طبعا ومما يحسن ذكره هنا من الآيات اللي هي الآية، أنت قلت للناس: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116] لكن فيما يتعلق بملائكة في سورة سبأ، إيش أول آية في الصفحة قبل الأخيرة؟ نعم: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: 40-41]. هذا أيضاً مما ينبغي إيراده هنا.

ونزل فيما ذكر من أمر عيسى بن مريم أنه يعبد من دون الله وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: 57]. هنا طبعا في الطبعة التي عندي ضبطها بـ«يصدُّونَ»، ثم بين في الحاشية قال: بضم الصاد من الصدود وهو الإعراض، كما يوحي تفسير ابن إسحاق لها، وهذه قراءة نافع وابن عامر والكساي من السبعة، وقرا بقيتهم بكسر الصاد.

طيب إذا قرأت بضم الصاد فهو معروف من الصدود، وإذا قرأت يصدُّون قال: بمعنى يضجون ويصيحون عجباً، وهذا يعني هذا نوع خلينا نقول أو مثال على التنوع الذي في القراءات الذي يدل على أكثر من معنى، ويكون هذا إضافة مفيدة جداً في فهم الآيات، أنه القراءة يعني أحياناً تأتي قراءتان أو ثلاث قراءات كل واحدة منها تحمل معنى لا يتعارض مع الآخر، وبالتالي تتسع دلالة ألفاظ القرآن.

إذاً، ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ كما في قراءة عدد من أصحاب القراءات، أي يصدون عن أمرك بذلك، من قوله: يصدون عن أمرك بذلك، من قوله. ثم ذكر عيسى فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بَِّها﴾ [الزخرف: 59-61] أي ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام فكفى به دليلاً على علم الساعة، يقول: فلا تمترن بها واتبعوني هذا صراط مستقيم.

طبعا هذا قول في تفسير: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أنه يعني بما جعل الله على يديه من الآيات، وقيل إن المراد بقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي حين ينزل في آخر الزمان فيكون من علامات الساعة.

طيب إذا الآن ذكر من يا يوسف من السادة المشركين؟ إيش تتذكر من الأسماء قبل؟ نعم ذكر أبا جهل، جيد، وعتبة بن ربيعة أنا ذكرته لكن هنا في الكتاب بالترتيب الذي ذكرناه: ذكر أبا جهل، ثم النضر بن الحارث، ثم عبد الله بن الزبعرى.

جيد، كل واحد منهم كان مستلم -شوف كل واحد منهم ترى كان مستلم منهج في الرد-: النضر بن الحارث: أساطير الأولين؛ أبو جهل كان ماسك مبدأ الاستهزاء، وأنه كل آية يوقف عندها -وأنها احنا نسميها عربجة، في ناس يسموها التشبيح، في ناس يسموها زعرنة ولا إيش، يعني اللي هو يتعامل مع الآيات بطريقه أنه الله ما في كذا اتحد، يعني كل ما تجي كلمة يتعامل معها بهالمبدأ-.

فمثلاً لما جاء ذكر الزقوم، وأيضاً كذلك في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 60] أن شجرة الزقوم في سورة الصافات: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الصافات: 62-63]، فأيش كان يسوي أبو جهل؟ يستهزئ بالزقوم، يقول: يمكن يوردها بعد قليل ما أدري، أظن يورده. أي سيوردها خلاص انتهي بوقتها، فهو شغل الاستهزاء.

شغل الاستهزاء ويمسك الآية ويستهزئ، حتى شي: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108] اللي هو والله لو تسب آلهتنا احنا نسب آلهتك، هو هذه طريقة أبو جهل في كل مرحلة الدعوة، عارف اللي هو رفع الصوت مع شو اسمه، التهديد، تخويف، وانه أتحدى واحنا وانتم، وهو يتفق مع فكرة أنه كنا نحن وبنو عبد مناف كفرامنا ومنهم منا، ثم جاء منهم من قال أنه نبي فأين لنا بتلك وغير ذلك، وهذا التشبيح خلينا نقول ما كان يمارسه يعني فقط بشكل مباشر ضد المسلمين أو ضد الدعوة مباشرة لا، وإنما كان يمارسه حتى على قريش الكفار من قومه الذين كانوا يفكرون بالإسلام أو ممكن واحد منهم يلين قليلاً، يروح يشبح عليه ولا يرفع صوته عليه عشان يرجعه لصف القرشي الكافر في وقتها.

طيب، فاحنا لكل منهم طريق؛ الوليد بن المغيرة دائماً صورة الشخص الكذا اللي هو الطبقة العليا من القوم، طبقة الملأ الكبار، اللي هو الفشخره والفخامة والأناقة والتكبر والاسعراض والاستغناء والترفع. ومو أنه هو يعني شبهات وما شبهات، بس سبحان الله يعني هو مثال على المترفين المستغنين، ولذلك هو من أشهر الروايات في كونه الوارد في قوله سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ اسْتَغْنَى﴾ [عبس: 5]، أنه اللي كان يحاوره النبي صلى الله عليه وسلم اختلف فيه، قيل إنه عتبة وقيل الوليد، بل من أشهر الروايات أنه الوليد بن المغيرة، وهو اللي ورد فيه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً﴾ [المدثر: 11-12]. هذا الوليد يعني هذا منهجه، مو أنه هو يجيب شبهات تفصيلية وكذا لا، وإنما أنه ما يبغى يستمع ومتكبر وعالي ومستعلي وكذا والى آخره.

فهم كل واحد منهم له طريقته، كيف أن القرآن أن الله سبحانه وتعالى شملهم جميعا؛ هذا بايه، وهذا برد، وهذا بسورة في زي أبو لهب نزلت في سورة، وهكذا يعني.

طيب إذا هذه قصة قصة عبد الله بن الزبعرى، وكما قلنا هو مثال لأنه كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواجه الرد التفصيلي وليس فقط التكذيب الإجمالي.

أيضاً هنا قال ابن إسحاق: ذكر الأخنس بن شريق الثقفي، أو قال ابن هشام: ذكر الأخنس بن شريق الثقفي. هذا أيضاً واحد من الكبار، كبار المكذبين، وقال فيه ابن إسحاق: والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، حليف بني زهرة. حليف بني زهرة يعني من يوم ما تسمع هذه الكلمه معناها أنه ليس من قريش، ومن هنا من كان من جملة المرجحات التي رجحت عند بعض المفسرين أنه المقصود بقوله سبحانه وتعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: 13]، والزنيم اللي هو يعني زي الملحق بالقوم أو الملصق بهم وليس منهم.

وإن كان يعني يختلف في من المقصود بالآية، وحتى اختلف فيه: هل زنيم التي في الآية تدل على كونه ملصقاً أو لا؟ وبالتالي قيل إنها نزلت في غيره كمان، قيل إنها نزلت في حتى أظنها قيل نزلت في الوليد، وقيل نزلت في النضر بن الحارث وغير ذلك، وهو الآن من قريش.

وكان من أشراف القوم ممن يستمع منه، فكان يصيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرد عليه، فانزل الله تعالى فيه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾ [القلم: 10-13]. قال ابن إسحاق: ولم يقل زنيم لعيب في نسبه، لأن الله عز وجل لا يعيب أحداً من نسبه، ولكنه حقق بذلك نعته صفته ليعرف، والزنيم العديد للقوم.

وقد قال الخطيم التميمي في الجاهليه: زنيم تداعاه الرجال زيادة... كما زيد في عرض الأديم الأكارع قال في الحاشية: العديد من القوم من يعد فيهم وليس منهم، تشبيها له بالزنمة وهو شيء يقطع من أذن الشاه ويترك معلقا بها تمام. طبعا أنا أقرأ هذه الآن الحاشية لأول مرة آتي بكتاب بهذه النسخه من سيرة...

ابن هشام، جزا الله خيراً من أوصلها، التي هي مطبوعة في دار الفاروق وبتحقيق همام سعيد وعادل مرشد. حقيقةً هذه الطبعة ثمينة، ثمينة خاصة من ناحية التعليقات، خاصة من ناحية التعليقات في الحواشي، وأنا كثيراً ما كنت يعني، كثيراً سيرة ابن هشام محتاجة إلى حاشية، محتاجة إلى يعني خاصة توثيق الأخبار، جمع الطرق، العزو، العزو ليس فقط مجرد النسبة، وإنما العزو مع شيء من التخريج ونحو ذلك من الأمور. حقيقةً هذه النسخه جيدة في هذه الناحية، يعني حتى هنا في هذا الخبر ذكر في الحاشية قال: ذكر القرطبي في تفسيره أن معظم المفسرين على أن هذا نزل في الوليد وليس في الأخنس بن شريق، أن هو الذي نزل فيه عتل بعد ذلك زنيم أو أنه النضر بن الحارث بن عبد الدار.

فقد تقدم عند ابن إسحاق في بداية الدعوة نقله عن ابن عباس أن كل ما ذكر فيه الأساطير من القرآن فقد نزل في النضر بن الحارث، ومما يقوي هذا أن مجاهداً روى عنه، روى عنه يعني عن مين؟ عن ابن عباس فيما أخرجه البخاري أنه قال في تفسير هذه الآيات: هو رجل من قريش لكنه لم يسمه، والأخنس ليس قرشياً. فجيد أنه في الحاشية ذكر الخلاف في تفسير هذه الآية، ولكن على أي حال قيل أنها نزلت في الأخنس بن شريق، وكيف أن الله سبحانه وتعالى في القرآن يصفهم بأحوالهم حتى بأوصافهم التي تدل عليهم ويفهمها من نزلت عليه، بحيث إنهم أصلاً كانوا يشاهدون هؤلاء القوم وهم يحاجون النبي صلى الله عليه وسلم ويجادلونهم.

سبحان الله، لما ذكر الوليد بن المغيرة، يعني نفس الكلام اللي ذكرته قبل قليل، وهو أن الوليد مثال على المترف المستعلي المستغني الكذا. فسبحان الله، ما كنت مستحضراً هذا الذي ذكره ابن إسحاق هنا، لكنه شاهد على الكلام قال: والوليد بن المغيرة قال: اينزل على محمد واترك؟ شوف هذا الأسلوب، هذه سبحان الله هذه طريقته، مو أن الوليد صاحب حجج، وأنت لو تتامل في الواقع اليوم سبحان الله، تجد هذه الأصناف موجودة في شياطين مثل أبي جهل، هذول اللي هم رؤوس الحربة في محاربة الإسلام أو محاربة الأمة الإسلامية وسبل نهضتها، تلقاه يثير الشبهات ويهدد ويشبح ويكذب ويفتري، وتلقاه قائد مشاريع في محاربة خلينا نقول أي شيء يمكن أن ينهض بالإسلام، وممكن يسخر أدواته سواء اعلامية أو بحثية أو أياً كان في الطعن والاستهزاء والتكذيب والتشبيه والتهديد والتعريض، ويستعمل ورقة القانون الدولي والامن وكل شيء، وممكن حتى لو في مثلاً دولة من الدول ولا مسؤول من المسؤولين يعني ايش يلين الجانب تجاه الدعوة ولا تجاه هذا، تلقى قاعد يحاربه ويسوي له مشاكل وكل شيء، ورثة أبي جهل موجودون.

وفي سبحان الله ورثة الوليد بن المغيرة، اللي هو يعني ايش أنه ينزل، طيب على يعني ينزل على محمد وأترك أنا، وأنا سيد قريش، اللي يجيك يجر ثوبه مترين وراه كذا من التكبر والترف، أفخم سيارات وأفخم مادري ايش وأفخم قصور وأفخم كذا. وفي نفس الوقت هي مو مشكلة غنى مجرد ولا وليس فقط ترفاً مجرداً، وإنما مع استعلاء على الحق، وأنه أنا أعلن من أنه كذا، فأينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف، فنحنا عظيما القريتين؟ فانزل الله تعالى فيه فيما بلغني، وقلنا هذا من دقة ابن إسحاق رضي الله عنه ورحمه، أنه فعلاً اللي يستقرئ كلام ابن إسحاق يجد أنه دقيق دقيق في التوثيق. خلاص عنده إسناد يذكر إياه، عنده إسناد مرسل يذكر لك إياه، عنده إسناد متصل يذكر لك إياه، ما عنده شيء يقول لك فيما بلغني، عنده بلاغ عن شيخه يقول لك: قال شيخي، ويذكر الأثر مباشرة، ما لا يزيد ولا ينقص ولا تجد أن كل أسانيده متصلة، ولا كل شيء يذكر فيه إسناداً ولو لم يكن متصلاً.

جيد فابن إسحاق حقيقةً دقيق، وهذا شوف من أهم النتائج التي تصل إليها في الأحكام على الرواة، طبعا بس هذا خلينا نقول شيء في قدر من الصعوبة البالغة ويكون للمتخصصين، أنه الاستقراء التفصيلي، نفس المنهج الذي بنى عليه المحدثون الأوائل حكمهم على الرواة، هم كيف بنوا أن فلان ثقه ضعيف وهم لم يروهم؟ اغلب النقاد، خلينا نقول أغلب من نقدهم النقاد الأوائل كانوا ممن لم يلتق هؤلاء النقاد بهم، يعني واضح يعني مثلاً الإام أحمد كم عدل وكم جرح؟ كم نسبة الذين التقى بهم الإمام أحمد ممن قال فيهم ضعيف أو ثقة، في مقابل من وثقهم ولم يلتق بهم؟ أنظر ابن معين كم تكلم؟ لا تكاد تجد رجلاً من رجال الحديث إلا وتكلم عنه ابن معين، بالأغلبية وليس بالعموم، ومع ذلك مقدار من التقى بهم نسبة أقل بكثير من هذا المجموع الكلي.

لكن كيف؟ استقراء الروايات والأحاديث، تعرف منهج الراوي، تعرف هل رواياته متسقة مع ما رواه البقية؟ تقارن بينهم. الآن، إذا قارنت ابن إسحاق، إذا استقريت لابن إسحاق بشكل تفصيلي، أول شيء تجد فيه أنه فعلاً الدقة في التفريق بين ما هو مسند عنده وبين ما هو مرسل، وبين ما هو مرسل بإسناد إلى من أرسله، وبين ما هو مرسل مطلق الإرسال، خلينا نقول ما يكون بالمعلق أو البلاغات العامة. وهذا التفريق الدقيق بعدين أنت لما تستقري الأخبار ستجد أن ما أسنده ستجد أنه في الأغلبية أو خلينا نقول بنسبة كبيرة وافقه فيه غيره، ما أسنده ابن إسحاق فهذا الاستقراء يزيد من قيمة ابن إسحاق عندك، بخلاف الواقدي.

الواقدي كلما استقريت ستجد أن حجم ما انفرد به وأنه لا يكاد يقول بلغني أو فيما بلغني، وإنما كله بالأسانيد، جيد. وهذا الاستكثار الهائل والانفرادات المخيفة من الواقدي لربما هي التي دفعت كثيراً من المحدثين على التشديد القول فيه، ليس مجرد أنه ضعيف أو شيء، وإنما حتى من اتهمهه بالكذب أو من وصفه بأنه متروك. ولكن مجموع الحال في الواقدي فصلنا فيه سابقاً يعني لعله لا يصل إلى هذه الدرجة البعيدة جداً، وإنما لا شك أنه هو لما تجي للمنهج النقدي وتتامل في رواياته صعب أنك تجعل الأصل في روايات الواقدي القبول، صعب صعب، كمنهج كتتبع استقرائي، مقدار ما انفرد به كبير جداً جداً.

وفي نفس الوقت أيضاً لا تستطيع أن ترد كل ما جاء به، وهو متخصص ومخيف في تخصصه وفي تتبعه، ولذلك يتوسط القول فيه، فالأصل فيه الضعف لا شك أن الأصل فيما رواه الضعف، لكن هل يستثنى من ذلك بعض الأمور؟ قد يستثنى من ذلك بعض الأمور بضوابط وتفاصيل لعلي ذكرتها في لقاء سابق لا يسعها المقام الآن. المهم قال ابن إسحاق: فانزل الله تعالى فيه فيما بلغني، أنزل الله فيمن في الوليد بن المغيرة قال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: 31-32] إلى قوله: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: 32].

الآن، كم واحد ذكر هنا في فقط في لقائنا؟ ذكر أبا جهل، ثم النضر بن الحارث، ثم ابن الزبعرى -إن كان مدرج ضمن الكلام- ثم الأخنس بن شريق، ثم الوليد بن المغيرة. الآن قال: ذكر لأبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط، قال: وأبي بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، وعقبة بن أبي معيط، فقط قال: أبي بن خلف نسبة إلى بني جمح، وأما عقبة بن أبي معيط فما ذكر عقبة بن أبي معيط من أي فخذ؟ من بني عبد شمس.

طيب قال: وكان متصافيين حسناً ما بينهما، أبي وعقبة، فكان عقبة قد جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه، فبلغ ذلك أبي فاتى عقبة فقال له: ألم يبلغني أنك جالست محمداً وسمعت منه؟ ثم قال: وجهي من وجهك حرام أن أكلمك، واستغلظ من اليمين إن أنت جلست إليه أو سمعت منه أو لم تأته، فتفل في وجهه. قال: ففعل ذلك عدو الله عقبة بن أبي معيط، فانزل الله تعالى فيهما: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتني اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتني لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: 27-28] إلى قوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: 29].

أبي بن خلف هذا مجرم من شياطين قريش، قال: ومشى أبي بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظام بَالِطٍ، قال في الحاشية: أي تحطم وتكسر، فقال: يا محمد أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرى؟ ثم فته بيده، ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا يعني في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم أنا أقول ذلك، يبعثه الله واياك بعدما تكونان هكذا ثم يدخلك النار». فانزل الله تعالى فيه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهْوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: 78-80].

ثم قال ذكر قول دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قوم من مشركي قريش أوجب نزول قل يا أيها الكافرون، قال ابن إسحاق: واعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة فيما بلغني الأسود بن المطلب -الآن جانا واحد جديد- الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، هذا الآن من بني أسد واحد جديد، ومن بني أسد قلنا هم نفس البطن الذي منه خديجة رضي الله تعالى عنها والذي منه الزبير بن العوام. طيب من الذي اعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الأسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل السهمي، وكانوا ذوي أسنان في قومهم، هذول الكبار.

فقالوا: يا محمد، الحين الحين الكبار هذول اللي هم شابت رؤوسهم من التجربة في الحياة والحكمة، فهم جابوا لك فكرة عبقرية بالنسبة لهم الآن، يعني هذه نتيجة التجربة في الحياة وبيضت لحاهم، وشو ايش قالوا؟ قالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر. يعني هذه تعرف الراي التصالحي السياسي، اللي هو ايش؟ يعني نتيجة الخبرة في الحياة أنه مو كل شي ناخذ عناد، يعني ممكن ناخذ شوية أنت تاخذ شوية، أيوه. فإن كان الذي تعبد خيراً مما نعبد كنا قد اخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيراً مما تعبد كنت أخذت بحظك منه، اللي هي على أساس مشكلة بين ايش عائلتين فهم بيصلحوا بينهم، يعني كأنه بين العائلتين، فأنه يعني أنتم تتنازلوا عن كذا وأنتم تتنازلوا كذا، مشوا الأمور من هنا مشوا الأمور من هنا وتتضبط الأمور.

فانزل الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 1-6]. ولا شك أن قراءة هذه السورة بمعرفة سبب نزولها يكون أدعى عند مستمعها المتأمل فيها بأن يفقه شيئاً من معاني هذا التكرار والتاكيد، على أنه أيضاً يفيد معاني مضافة على مطلق معنى التكرار. قال السورة كلها: أي إن كنتم لا تعبدون الله إلا أن أعبد ما تعبدون فلا حاجة لي بذلك منكم، لكن لكم دينكم جميعاً ولي دين.

شوف ابن إسحاق مع أنه ذكر أبا جهل بس ما قدر يترك ورجع مرة ثانية، قال: ذكر لأبي جهل بن هشام. وأبو جهل بن هشام لما ذكر الله عز وجل شجرة الزقوم تخويفاً بها لهم، قال: يا معشر قريش، هذا قلنا احنا منهج أبي جهل، منهج أبي جهل اللي هو ايش؟ تشبيح وعربجة وزعرنة، وبحسب اللغة اللهجة العربية -بس إن شاء الله ما يكون فيها معنى غير جيد عندكم يعني- يعني قريب من معنى التشبيح صح، أي. فهذا طريق أبو جهل، أنه يسمع الآيات احنا مين قال إنتم قالت احنا نتحدى زي كذا مثل ما ذكرنا أكثر من مرة. طيب لما ذكر الله عز وجل شجرة الزقوم تخويفاً بها، قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد؟ قالوا: لا. قال: عجوة يثرب بالزبْد، العجوة والتمر والزبده يعني أنه نخلطها مع بعض. قال: والله لإن استمكنا منها، من العجوة والزبد هذا، لنتزقمنها تزقماً. وهذا اللي فيه، كما ذكر في الحاشية، التزقم التبلع والتلقم الشديد، أنه هذا شجرة الزقوم اللي ايش يعني هكذا يقول يهددنا بها محمد. فهذا شيء مما واجهه النبي صلى الله عليه وسلم، فانزل الله تعالى فيه: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: 43-44].

الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم أي ليس كما يقول. قال ابن هشام: المهل كل شيء أذْبَتَهُ من نحاس أو رصاص أو ما أشبه ذلك، فيما أخبر به أبو عبيدة وبلغنا هكذا يقول ابن اسحاق كما قلنا بدقته عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه قال: كان عبد الله بن مسعود والياً لعمر بن الخطاب على بيت مال الكوفة، وأنه أمر يوماً بفضة فأذيبت فجعلت تلون ألواناً فقال: هل بالباب من أحد؟

قالوا: نعم. قال: أدخلوهم. فأدخلوا فقال: إن أدنى ما أنتم راؤون شبهاً بالمهل لهذا، وقال الشاعر يسقيه ربي حميم المهل يجرعه يشوي الوجوه فهو يشوي الوجوه فهو في بطنه صهير، ويقال إن المهل صديد الجسد. وبلغنا أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لما حُضِرَ أمر بثوبين لبيسين يغسلان فيكفنان فيهما فقالت له عائشة: قد أغناك الله يا أبت عنهما فاشتري كفناً. فقال: إنما هي ساعة حتى يصير إلى المهل. قال الشاعر: شاب بالماء منه مهلاً كريهاً ثم عل المتون بعد النهال.

قال ابن اسحاق: وأنزل الله تعالى فيه أي في أبي جهل ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 60].

ثم آخر عنوان قبل ختام هذا المجلس قال: أمر ابن أم مكتوم ونزول سورة عبس. لكن هذا العنوان احنا وقفنا معه وقفة تفصيلية في اللقاء الماضي وتأملنا في قصة عبس لعله تأمل مطول مفصل فيما يتعلق بهذه الآية أو بهذه السورة وملابسات نزولها وما يتعلق كذلك ببعض الفوائد والعبر المستفادة، لكن نقرا كلام ابن اسحاق قال: ووقف الوليد بن المغيرة -رجع إلينا الوليد مرة أخرى- مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه وقد طمع في إسلامه، فبينا هو في ذلك إذ مر به ابن أم مكتوم الأعمى فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يستقرئ القرآن فشق ذلك منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضجره، وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابساً وتركه، فانزل الله تعالى فيه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾ [عبس: 1-2] إلى قوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: 13-14] أي إنما بعثتك بشيراً ونذيراً لم أخص بك أحداً دون أحد فلا تمنعه ممن ابتغاه ولا تتصدى به لمن لا يريده.

قال ابن هشام: ابن أم مكتوم أحد بني عامر بن لؤي واسمه عبد الله ويقال عمرو. نعم في الحاشية أورد رواية عند الترمذي وابن حبان والحاكم، وذكر المخرجون أن إسناده صحيح لكن أشاروا إلى خلاف في وصله وارساله، في نص الرواية ذكروا عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أنزلت عبس وتولى في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين ولم تسمه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول: أترى بما أقول بساً؟ فيقول: لا، ففي هذا أنزل.

نكتفي بهذا القدر ثم إن شاء الله في اللقاء القادم نذهب إلى العنوان التالي، وهو ذكر من خرج من أرض الحبشة لما بلغهم إسلام أهل مكة وما جرى لهم مع الذين أجاروهم من المشركين، وهو عنوان مشوق وفيه أخبار لطيفة حسنة، ثم العنوان التالي: أمر نقض الصحيفة وأسماء من نقضها، وبعد ذلك قال: أمر الطفيل بن عمرو الدوسي وذكر موضوعات أو عناوين يعني كنت قد أشرت إليها أو أشرت إلى عنوانها في بعض اللقاءات الماضية، أما العجيب أنه حتى بعد حتى بعد نقض الصحيفة لم ينتهي ابن اسحاق من ذكر الآيات وأسباب النزول وما تعلق بها من نقاش بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة، لأنه بعد أن يذكر نقض الصحيفة ويذكر مجموعة من الأخبار ثم قال: نزول قوله سبحانه وتعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: 103]، وكذلك نزول قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: 8]، وكذلك نزول قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: 10]، وهذا جيد أنه هو يعني جيد من ابن اسحاق أنه ايش يعيد تكرار هذه المعاني.

فنكتفي بهذا القدر ونسأل الله سبحانه وتعالى الستر والعافية والعون والمدد والتوفيق والسداد والرشاد، وإن شاء الله في اللقاء القادم نعود إلى شيء من ذكر التراجم وما يتعلق بها، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لقينا.