الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. الحمد لله السميع البصير الحكيم الخبير. الحمد لله الأول والأخر والظاهر والباطن، الذي هو بكل شيء عليم. الحمد لله الغني الحميد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً. الحمد لله الغني الكريم، الغني عن عباده الغني عن خلقه. الحمد لله العزيز الغفار الواحد القهار. اللهم يا ربنا صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
أما بعد؛ نستعين بالله ونستفتح هذا المجلس الجديد من مجالس سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله سبحانه وتعالى الفتح والتوفيق والهدى والسداد والعون والمدد. بدايةً، نستفتح بسيرة من سير السابقين المهاجرين الأولين، وهذه المرة مع عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه. والتراجم هذه التي تذكر في البداية هي تحقق الهدف الذي تكرر ذكره في هذه السلسلة، وهو معرفة الصحابة، وخاصة السابقين، وخاصة غير المشهورين.
وقد مر معنا في مجالس كثيرة في هذه السلسلة الحديث عن عدد من الصحابة غير المشهورين من أعيانهم، من ذوي الأحداث أو من ذوي المواقف العظيمة منهم. وكما قلنا سابقاً، يكفي الصحابي المتقدم في الإسلام، يكفي أنه تقدم في الإسلام؛ لأن مجرد التقدم في الإسلام في المرحلة المكية يعني النصرة الكبيرة للنبي صلى الله عليه وسلم، فضلا عن تحقيق العبادة لله سبحانه وتعالى وحده. فلذلك كما مر معنا سابقاً، إن النصرة الحقيقية بعد الهجرة كانت النصرة بالقتال والنصرة بالمنعة والنصرة بالقوة، أما النصرة قبل الهجرة فكانت بالإسلام.
من أسلم فقد نصر النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه من الأمور المهمة. اليوم معنا أحد الصحابة الكرام ممن هو من السابقين الأولين، وإن كان لا نستطيع أن نقول إنه ليس مشهوراً، بل هو مشهور رضي الله تعالى عنه؛ كل من يعرف شيئاً في السيرة النبوية يعرف هذا الصحابي الكريم، وإن كان ليس هو من طبقة المشهورين الشهرة الكبرى مثل العشر المبشرين وأمثالهم، ألا وهو عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه.
وعبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أحد الأعلام الكبار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن أسلم مبكراً، وهو ممن كان في مكة وإن لم يكن قرشياً، فهو أبو محمد عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر الأسدي، حليف بني عبد شمس. وقد ذكر المؤلف هنا، وهو مؤلف كتاب بدريون، أن عبد الله بن جحش هاجر إلى الحبشة وشهد بدراً.
الذين هاجروا إلى الحبشة وشهدوا بدراً لهم نصيب وافر من الجمع بين أطراف الخير؛ لأن ممن هاجر إلى الحبشة من لم يشهد بدراً، كثير منهم لم يشهدوا بدراً كما مر معنا، ابن سعد في الطبقات أفرد مجلداً للذين شهدوا بدراً، وأفرد مجلداً للسابقين الذين لم يشهدوا بدراً، كثير من السابقين لم يشهدوا بدراً لأنهم كانوا في الحبشة، وكثير من السابقين شهدوا بدراً لأنهم رجعوا إلى مكة ثم هاجروا إلى المدينة قبل معركة بدر. فعبد الله بن جحش كان منهم، قال وذكر ابن سعد رحمه الله أن اسلامه كان قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم.
وهو أخو عبيد الله بن جحش الذي قيل إنه هاجر إلى الحبشة وتنصر هنالك، ومر معنا الكلام أكثر من مره في عبيد الله بن جحش وما قيل في تنصره وما قيل من النقاش في ذلك. كذلك آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين عبد الله بن جحش وبين عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. وبعثه في سرية ومعه نفر من المهاجرين ليس فيهم أنصاري، وأمره عليهم، وكتب له كتاباً، وأمره أن يسير بهم يومين ثم ينشر كتابه ويمضي لما أمره. عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه كان أحد من أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم على السرايا.
وهذا الكلام كان قبل معركة بدر، السرايا الأولى التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم؛ سرية حمزة، وسرية عبيدة بن الحارث، وسرية سعد بن أبي وقاص، كان من ضمن السرايا سرية قادها عبد الله بن جحش وكانت خالصة للمهاجرين. قال وقد جاء تفصيل هذه السرية عند ابن هشام، حيث ذكر زمنها وعدد المهاجرين فيها وماذا في الكتاب. ما الذي في الكتاب؟ أمضي حتى تنزل نخلة، الوادي الذي قريب من الطائف بين مكة والطائف، فترصد بها قريشاً وتعلم لنا من أخبارها.
ثم ذكر المؤلف قال وكيف قتلوا من أصحاب قريش عمرو بن الحضرمي، وصادف ذلك آخر يوم من رجب. هذه السرية مشهورة ولها قصة مشهورة، كان القتل الذي قام به الصحابه للمشركين كان في آخر يوم من رجب، ورجب الشهر الحرام، فاستغل المشركون ذلك وقالوا: ها شوفوا النبي صلى الله عليه وسلم ينتهك الشهر الحرام، وقتلوا في الشهر الحرام واحنا نقدس الأشهر الحرم، وهذا الدين الجديد ما يقدس الأشهر الحرم وسفكوا الدماء. واشتغلت الآلة الإعلامية في تشويه النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة المجاهدين في سبيل الله.
قال المؤلف ودخلت اليهود على الخط، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله تعالى قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 217]. يعني خطأ ولا ما خطأ ولا مو خطأ اللي صار، خطأ. ولكن مين اللي جالس يتكلم؟ مين اللي جالس يقول أنتم أخطأتم؟ سبب مين هم قريش؟ قال لي ايش سوت؟ أخرجوا الناس من ديارهم وأموالهم، وقتلوا وعذبوا المستضعفين، وصدوا الناس عن البيت الحرام وفعلوا كل هذه.
ترى بالمناسبه منهج الطغاة في كل وقت، فرعون يقتل الأطفال بعدين يقول: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26]. حنين طبعا أخذته الحنية فرعون أنه أخاف أن يقول عن موسى عليه السلام أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد. وموسى عليه السلام قتل نفساً بالقصه المعروفه. ففرعون يقول: وفعلت فعلتك التي فعلت. عادي ما يستحي فرعون هو والحاشية حق فرعون، هم عارفين أن فرعون هو اللي قتل الأولاد كلهم في هي، بس لما يجي يواجه صاحب الحق يقول له: فعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين.
قال موسى عليه السلام: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشوعراء: 20-22]. هنا نفس الشيء: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٍ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 217]، حتى لو كان الذين أخطأوا الصحابة فهذا خطأ، لكن أكمل الكلمه، أكمل المشهد. الإعلام اليوم يعمل نفس الشيء، إذا في أخطاء لبعض المتدينين ولا بعض الدعاة ولا بعض المصلحين سلط عليها الضوء: المتشددون الذين ما أدري ايش يعملون. ولما ينظر للمجرمين اللي يسووا كل الجرائم يمدح فيهم، والذين فعلوا وأحسنوا إلى الناس والخلق والبشرية.
نفس الشيء، فالله سبحانه وتعالى يحب الميزان الكامل، النظر الكامل، فقال: ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 217]. يعني أنتم يا من تنتقدون الصحابه على هذا الفعل، فعلكم أشد وأكبر. والصحابة أخطأوا في هذا الفعل رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ونزل في ذلك القرآن، ولكنهم لم يفعلوه صداً عن سبيل الله، ولم يفعلوه طغياناً في الأرض ولا إفساداً فيها ولا إلى آخره. أما أنه اشتبه عليهم اليوم أو الحال أو كذا، فهو في الأخير لا يقر هذا الخطأ، ولكن فرق كبير بين من يفعل هذا وهو مصلح ولكنه أخطأ، وبين من يصد عن سبيل الله وهو صاد عن سبيل الله قولا وفعلا ومستمر على هذا الطريق.
فلذلك دائماً اللي ما ينظر بهذه الصورة الكاملة، سبحان الله، شوفوا يعني ما أحياناً بعض الأمور تشعر أنها واضحة لكنها تلتبس على كثير من الناس، من أقصد الناس؟ يعني عموم البشر مسلمهم وكافرهم. دائماً في أي تقييم إذا ما نظرنا إلى المشهد الكامل يكون التقييم ناقصاً، سواء في الأخطاء أو في الحسنات. يعني مثلاً في الأخطاء يحمل المتشابه على المحكم، إنسان يفني عمره في سبيل الله في ابتغاء مرضاة الله، فعل فعلاً يشتبه أنه يناقض ذلك، لازم تنظر إلى المشهد الكامل. حاطب بن أبي بلتعة يبلغ رسالة إلى المشركين بتحرك النبي صلى الله عليه وسلم، يرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حدث قبل ثمان سنوات أو سبع سنوات يقول شهد بدراً. ترى هنا ترى سبق شهد بدراً. هذا اسمه النظر الميزان الكامل.
وترى نفس الشيء بالعكس، اللي هو ايش؟ إنه البعض يمحو سيئات مجرمين ظالمين كل عمرهم سيئات عشان حسنتين ثلاثة تم الاستعراض فيها في الإعلام. جيد، عندك أنت مثلاً الشعب الذي كان مع فرعون، الله سبحانه وتعالى قال عنهم: ﴿فَاستَخَفَّ قَومَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهُم كانُوا قَومًا فاسِقينَ﴾ [الزخرف: 54]. أنتم يا جماعة، هل تتوقعوا أن اللي كانوا مع فرعون كان تقييمهم لفرعون إنه طاغي، متجبر، متكبر، قتال للأطفال؟ كنت تتوقعوا كان كذا تقييمه؟ ما كانوا يقيمون كذا ترى، ايش كانوا يقيمونه؟ الملك المحقق للرخاء الاقتصادي، والذي حقق الأمن في البلاد، ومنع اللصوص وقطاع الطرق، حتى إن مصر صارت آمنة مستقرة، يمكن أن تدخل فيها وتخرج فيها بدون أن يتعرض لك لص. ويمكن لو تتكلم في ذاك الوقت ممكن تأتي قصص من نحو مثلاً يعني يقول لك ممكن يعني بحكم القبضة الأمنية أنه ممكن ترى تترك مالك وتنام وما حد يجي يسرق إلى آخره، وأمن وأمان والحمد لله ورخاء اقتصادي والناس تأكل وتشرب ومبسوطة. هو هذا المشهد، مو المشهد أنه كان يذبح أطفال بالنسبة لهم.
طيب ماذا عن ذبح الأطفال؟ هذه نقطة بالنسبة للناس غير قابلة للتفكير النقدي، ما لا تزعجني بهالفكرة المزعجة، ما أنا ما أبغى أفكر فيها، فهمت الفكرة؟ ما أبغى أفكر، فلا يعني يمكن كذا، يمكن الدليل ايش؟ أن الصورة هي التي كان يراها الناس في فرعون، أنه هو خاطبهم بهذا المنطق لما خاطب الناس قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26] معناه أنه ايش؟ الأرض كان فيها ترى استقرار وكان فيها كذا، وأنه أنا أخاف أن واحد يجي يغير عليكم ويظهر في الأرض الفساد. ما دام فرعون طرق هذا المبدأ مع الشعب، مع فهمتوا الفكرة؟ معناه أن هذه النظرة الشعبية يعني: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: 51-52].
طبعا أنت لو تنظر مناظر الأبهة والفخامة والأموال والشيء الذي يأخذ العين في جلال ومهابه موكب فرعون لما يمشي في شوارع مصر، طبعا بنى، وفرعون ذي الأوتاد أبنية وحضارة وطرق وتماثيل وأشياء. يعني أنت تبغى تقيسها مادياً وأنت تعيش وقت فرعون، تقول يا اخي ما أجمل الحياة! ايش تبغى؟ عمران، حضارة، اقتصاد، طرق معبدة، أي جمال مظاهر جمالية، وهذه الأنهار تجري من تحتي. ترى يعني ممكن يعني أن النيل ويمكن تفريعاته ويمكن حفروا حتى يعني ايش؟ يعني اجروا بعض الفروع التي تغذي الشبكة الزراعية في المنطقة والاي. فاللي يعيش في تلك المرحلة، يعني ترى موضوع قتل الأطفال وما قتل الأطفال، ذبح جيل كان من الأطفال أنه أول شيء من مين هذا الذبح؟ ذبح لمين؟ مو للطبقة الأساسية في الشعب، هي في الطبقة المستضعفة. طبقة مستضعفة، يعني بالنسبة للناس اللي عايشين الرخاء الاقتصادي، يعني هذول ايش هم أصلا؟ هم عبارة عن خدم أصلا، لا خدم وجايين كمان يهددوا الأمن القومي لمصر في ظل وجود الاستقرار والاي. مين هم هذول يعني اللي جاي يحد؟ وإن كان فرعون قتل أطفالهم، يعني قتل أطفالهم يعني هم طيب ليش يسووا مشاكل؟
فالمشهد لازم تتصور أن هو كان كذا، يعني لا تظن أن الموضوع أننا الآن نقرا عن فرعون في القرآن وأنه طيب كيف كيف كانوا كيف كان شعب كامل مع فرعون؟ لا، لأنه أنت لو جاك في لو جاء في هذا الزمن مثل هذا الزمن، لو جاء مثل فرعون وبالفعل الزمن هذا فيه فراعنة صغار، يعني صغار بالنسبة لفرعون، ترى في كل مرة سيتكرر نفس المشهد، نفس المشهد بيتكرر، يعني كل مرة في حجج جديدة، لكن من الذي ينظر بميزان العدل حقاً؟ نحن الآن مو في السيرة النبوية وفي هذه الآيات وفي هذه السرية حق عبد الله بن جحش وفي اعتراض قريش على هذا؟ روح لقريش تبغى في يعني أنت تقيمها: أشرف قبيلة في العرب، من تشرف على أهم مكان تعبدي عند العرب كلهم في الأرض، في وسط العرب، وعندهم التجارة والأمن والاستقرار، خدمة الحجاج، تعظيم البيت، يعظمون بيت الله تعظيماً عظيماً شديداً كبيراً،ويسقون الحجاج، يعني يقدمون الخدمات المختلفة، وفيهم يعني ايش الرأي دار الندوة، وعندهم الحلف حق الفضول، الذي هو فيه التحالف ضد الظالم وأنه ما يظلم أحد هنا، وعندهم موضوع الجوار ورعاية الجوار، وعندهم أخلاق العرب، يعني خلاصة أخلاق العرب موجودة فيهم. لذلك نحن نعم، لما نقف مع السيرة النبوية وحوار المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم لازم نفهم أن الموضوع ترى ما كان سهل.
الموضوع ما كان سهل، قرار أنك تسلم ما كان قراراً سهلاً. وبذلك أيضاً نفهم ليش تم تكرار الحجج والبينات في القرآن آية على أثر آية، بينة على أثر بينة، دليل على أثر دليل، حجة على أثر حجة، نقض شبهة على أثر نقض آخر. الموضوع ما كان سهل، فلازم نستوعب هذا المشهد ولازم نستوعب هذه القصة.
دائماً دائماً اللي يعيش في زمن، يأخذ الزمن، يأخذ بريق الزمن، يأخذ بتفكير وعقول كثير من أبنائه. الزمن له بريق، الآن ممكن واحد ينظر حتى في العصور الإسلامية، ممكن ينظر لبعض الأزمنة يقول والله مثلاً كان في يعني مثلاً في هذا الزمن كان في بعض معالم الخطأ الواضحة حتى عند مثلاً بعض من يشتغل في العلوم الشرعية، عند بعضهم يعني ترجع للزمن الثاني تلقى نوع آخر من الخطأ أو انعكاس لثقافة معينة لتأثير زمن معين.
ترجع للعصر الماضي (عفواً)، اللي هو في زمن صعود التقدم المادي الأوروبي؛ بداية اكتشاف الطيارات وبدايه اكتشاف الصناعات الحديثة، وتعرف أنت جالس على السيوف والجمال وكذا وهم جُوك، لما جَا نابليون بالبنادق والدنيا، وبعدين الاختراعات والصناعات. وشيئاً فشيئاً لما جينا في القرن الماضي، هذا طبعا نابليون قبل أكثر، قبل قرنين، لكن إلى ما جينا هنا في أكثر من قرنين، يعني نابليون الآن، لما جينا القرن الحديث، استوت الصنعة المادية في الغرب.
طبعا هذه الصنعة المادية ما كانت مجرد صناعات واختراعات، كانت مسبوقة بمنهج تفكير ومنهج علمي معين، اللي هو الفلاسفة الغربيين والمنهج المادي والمنهج إلى آخره، وقضية نقد الدين والفلاسفة وإلى آخره. طلع لك علماء مسلمين ومشايخ ومفكرون مسلمون، إيش المشكلة اللي كانت عندهم؟ المشكلة اللي كانت عندهم المعجزات؛ كيف نتكلم عن المعجزات التي حصلت الأنبياء في عصر التطور المادي؟ أنه يعني كانت فتنتهم في هذه القضية.
أنت اليوم عندك هذه ما هي فتنه (يعني فهمت)، يعني ما يحتاج حتى الآن، بعض الشرعيين اللي عندهم لوثة حداثية وغربية وليبرالية وما أدري ايش، ما عندهم مشكلة مع المعجزات صح ولا لا؟ يعني ما احنا الآن ما نعرف أحد، يمكن من اللي يطلعوا في حتى من اللي يشككوا في الثوابت الشرعية وكذا، مشكلتهم الآن مو مع المعجزات، يعني مو مشكلتهم أن فلق البحر لموسى عليه السلام، صح؟ مو هذه هي، مو هذا هو البعد اللي أخذهم.
إيش البعد اللي أخذهم؟ الجانب الإنساني؛ أنه صار في منطق إنساني حديث وهيمنة غربية شكلت ثقافة مرتبطة بالحريات والحقوق والزواج والنكاح والتعدد والطلاق إلى آخره، فهذه المشكلة بالنسبة لهم. فتطلع لك ايش موضوع مثلا الموقف من المرتد، تطلع لك موضوع مثلا شو اسمه إيه بعض الأمور المرتبطة بعض الأحكام الشرعية المرتبطة بالزواج، المرتبطة ب أي عموما يعني الالزام الشرعي إلى آخره. كل زمن له فتنته، كل زمن له فتنته.
الشاهد في فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف: 54]. ليس لأن فرعون فقط كان مخادعاً وكان يمتلك تلك الآلة، بل لأنهم كانوا فاسقين، هم أنفسهم كانوا سفلة، كان يعجبهم الفجور، كانوا يحبوا حفلات الرقص والفجور والتمام، فمين الحاكم اللي يحقق لهم هذا الشيء؟ مع التقدم المادي والارتياح وما حد يخرب عليهم وما حد كذا، خلاص ايش تبغى أكثر من كذا؟ ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
جيد، فنفس الشيء في كل زمن، ما هو معيارك الذي تنظر من خلاله؟ ما هو معيارك الذي تنظر من خلاله؟ معيارك بس الرخاء الاقتصادي؟ ترى فرعون كان أحسن من أي سياسة فيها رخاء اقتصادي معاصي. كان إيش معيارك تنظر من خلاله؟ هل معيارك إقامة دين الله في الأرض؟ تحقيق مراد الله سبحانه وتعالى في الأرض؟ هل مرادك العدل الذي قال الله فيه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: 25]؟
هل هذا ميزانك الذي تنظر من خلاله، الذي لأجله أرسل الرسل وبعثوا تحقيق العبودية لله وتحقيق القسط والعدل في الأرض؟ أم أن ميزانك هو الرفاهية المادية والحضاره العمرانية والرخاء الاقتصادي؟ ترى الله سبحانه وتعالى بعث أنبياء قالوا لأقوامهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: 128-129]. وما كانت هذه القضية مفض.. (يعني ايش هي المعيار) الذي يعني لو كانوا كذلك كان ما أرسل الله إليهم رسلاً، هم محققين الرخاء الاقتصادي والعمران والاختراعات إلى آخره.
ترى البعض يحسب أنه عشان ناطحات السحاب اللي نعيش اليوم، عشان التقدم التقني، أنه الأجيال السابقة ما كان عندها تقدم؟ يا ترى كان عندها تقدم كبير جداً كل جيل بحسبه. إحنا إلى اليوم، إلى اليوم نزور المعالم التاريخية في كثير من البلدان، كثير من المدن، وتتعجب من كيف بنيت هذه القلاع وكيف بنيت هذه الحصون وكيف بنيت بعض المباني التاريخية.
كثير من الجسور التي على الأنهار بنيت، التي بنيت حديثاً تكسرت مع السيوف أو مع الأنهار وكذا، وتلقى لك إلى الآن جسر مبني من 300 سنة ولا من 400 سنة ولا شيء إلى الآن قائم على حاله، تقدم عمراني وهندسة مو طبيعية. فلذلك يعني الخلاصه أنه إيش؟ أنه إذا جينا لهذه القصة، قريش أرادت أن تلامس معنى إيش؟ أنه احترام الأعراف العربية المرتبطه بالمحافظة على الأشهر الحرم، تقديس الأمور المرتبطة بالدين: أووه صرتوا تقتلوا بالشهر الحرام يعني؟ واحنا خلاص اكتشفنا الحقيقة الآن.
فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 217]. الفتنه أكبر من القتل.
الشاهد نعود، هذا تعليق يعني مرتبط بفهم منطق الطغاة من جهه، ومنطق المتأثرين بهم في كل زمن من جهة أخرى، والتاكيد التام على أن انحراف الأولين، الذي نقراه الآن في كتاب الله ونؤمن به، لم يكن شيئاً يعني غير مصحوب بفتنة معينة ولا بتزيين، لا، ترى كان مصحوباً بفتنة، كان مصحوباً بتزيين، وكان في شعارات، وكان في قوانين، وكان في أشياء تفتن، كان في أشياء تفتن. ولذلك لما بعث الله الرسل، بعثهم بالبينات بالآيات، بعثهم بالبينات وبالآيات.
ثم بعد ذلك نعود إلى عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه، الذي كان بعد هذه السرية ممن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى اقترب اليوم الشديد في أيام السيرة وفي أيام الجهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، اللي هو يوم أحد. ويوم أحد، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حسن البيان عنه، إذا كل ما نتحدث عنه وإذا بلغناه في سلسلة السيرة، لأن يوم أحد اختلف، اختلف، فنسأل الله أن يرزقنا حسن البيان عن يوم أحد، عن يوم أحد.
الشاهد، عبد الله بن جحش لما جاء يوم أحد، ذكر هنا وعزاه إلى ابن سعد في الطبقات، عن سعيد بن المسيب أن رجلاً سمع عبد الله بن جحش قبل يوم أحد بيوم يقول: اللهم إذا لاقوا هؤلاء غدا فإني أقسم عليك لما يقتلوني ويبقر بطني ويجدعوني، فإذا قلت لي لما لما فعل بك هذا فأقول: اللهم فيك. فلما التقوا فعلوا ذلك به. وقال الرجل الذي سمعه: أما هذا فقد استجيب له، وأعطاه الله ما سأل في جسده في الدنيا. فكان عبد الله بن جحش رضي الله عنه ممن بقرت بطنه وجدع أنفه من شهداء يوم أحد، وهذا مشهور عنه دعوته قبل أحد.
وهي فيها رواية أخرى أنه كان في أكثر من الصحابي كل واحد يتمنى ايش قبل هذا، فتمنوا يعني أنه واحد تمنى أنه الله يمنحه أكتاف المشركين وكذا، فهو قال: أما أنا فاتمنى ألاقي عدوا من الكفار شديداً باسه شديداً حرده فيقتلني ويبقر بطني، كذا، ويبقر بطني، فأقول إذا سالني ربي: اللهم فيك، اللهم فيك. نعم.
وأيضاً ذكر عن في الطبقات أنه أن الذي قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق. طبعا أنا أنبه أنه يعني طبقات حقيقة فيها إشكالات حقيقية، يعني حتى هذا الكتاب الآن، الطبحة الجديدة منه بدريون، لكن أيضا فيها حقيقة حقيقة يعني تحتاج لعله، لعلهم يراجعون طبْعَة جديدة، تصير فيها أخطاء كثير، يعني مثلا هنا مكتوب: قتله أبو الحكم ابن الأخنس بن شريق الثقفي، وهو الأخنس بن شريق، اللي هو مشهور من سادة المشركين.
طيب، قال: ودفن عبد الله وحمزة رضي الله عنهما، وهو خاله. عبد الله بن جحش قال: عفواً، حمزة قال عبد الله بن جحش، لأن أم عبد الله بن جحش هي عمه النبي صلى الله عليه وسلم. كذا كذا فهمت ولا لا يا أبو حمزة؟ أم عبد الله بن جحش هي عمه النبي صلى الله عليه وسلم، حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي يصير حمزة خال عبد الله بن جحش، عبد الله بن جحش يصير ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم، جيد. وكان عبد الله يوم قتل ابن بضع وربعين سنة.
طيب، نكتفي بهذا القدر فيما يتعلق بعبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه، فهذه ترجمة.
ثم ننتقل بعد ذلك إلى أنه في اللقاء قبل الماضي، أظن قلت إننا، كل قبل الماضي صح؟ قلت إنه نحن، كل، كل لقاء ناخذ صورة، وفي المرحلة المكية نأخذ صورة مكية، المرحلة المدنية نأخذ صورة مدنية ونربطها بالسيرة وبأحداثها، جيد. اليوم عندنا صورة قصيرة، بحكم أنه إحنا المره الماضية أخذنا صورة طويلة، المره الماضية أخذنا سورة الأنعام كاملة، وهي كانت الدرس كله عن سوره الأنعام، ما أخذنا أحداث أخرى، وكان من سورة الأنعام بفضل الله سبحانه وتعالى كان في استخراج، يعني خلينا نقول للمنهج النبوي في حوار المشركين في المرحلة المكية.
أما اليوم فسور عبس، وهي بلا شك سورة مرتبطة بالسيرة النبوية ارتباطاً وثيقاً في المرحلة المكية. سوره عبس، سورة حقيقة فيها عبرة عظيمة جدا جدا للمؤمنين وللمصلحين، وهي من السور التي ينبغي التأمل الطويل فيها لكل من يسير على طريق النبي صلى الله عليه وسلم.
الآن سورة عبس نزلت كما هو معلوم في شأن عبد الله بن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه، وعبد الله بن أم مكتوم هو من بني عامر بن لؤي من قريش، وأمه أم مكتوم، قيل إنها، أي أنها سميت بذلك لأن الأعمى يسمى مكتوماً أو يلقب المكتوم، فهو عبد الله بن أم مكتوم، جيد. ففي.. يعني هو الموصوف بذلك، قيل قيل ذلك يعني.
فكان ضريراً، ضرير البصر رضي الله تعالى عنه، وكان ممن أسلم مبكراً، والنبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على إسلام المشركين، وقد وصف الله سبحانه وتعالى حرص النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع من كتابه حتى أن الله سبحانه وتعالى بين أن حرص النبي صلى الله عليه وسلم كان حرصاً أكبر من الحرص العادي، وإنما هو الحرص الذي وصفه الله بقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]. والباخع نفسه المهلكها.
فمن شدة حرص النبي صلى الله عليه وسلم يريد بكل ما يستطيع وبكل قواه أن لا يدخل قومه ولا يدخل الناس النار، وإنما يسلمون لله الواحد القهار. ولا شك أن هذا التعامل مع الناس لإسلامهم فيه منهج وطريقة، منها ما هو عائد إلى المضامين، وهذا اللي أخذناه في سورة الأنعام، المضامين هذا واحد.
اثنين، منها ما هو عائد إلى أساليب الحوار، وهذا أيضاً أخذناه في سورة الأنعام اللي هو تصريف الآيات والحجج البينات. ومنها ما هو عائد إلى الاعتبارات الطبقية والاجتماعية التي يستهدف فيها الرؤساء لعله أن يكون على أثرهم إسلام من ورائهم، وهذا غير الأسلوب المعين في الحوار، وإنما لا، هذا في النظر الاستراتيجي في الدعوة خلينا نسميه. فكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً، فبينا هو ذات يوم عليه صلاه الله وسلامه وقد أقبل عليه بعض سادة المشركين، واختلف في من هم أولئك الذين أقبلوا عليه، قيل أبي بن خلف، وقيل غيره من سادات قريش الذين يرجى بإسلامهم إسلام من ورائهم، لكنهم ممن عرفوا بالكفر والابتعاد عن الحق والصدود عنه، ويعني عدم الإيمان والاسلام وعدم الاستماع سابقاً للنبي صلى الله عليه وسلم وعدم الاستجابه له. طبعا قيل عتبة، عتبة بن ربيعة، وقيل غير، وقيل غيره.
فبينما هو كذلك إِذْ جاء عبد الله بن أم مكتوم، عبد الله بن أم مكتوم ضرير، وبما أنه ضرير فلربما يفوته حسن تقدير المشهد الذي أمامه، أنه كيف النبي صلى الله عليه وسلم جالس وكيف هو حريص وكيف جالس يتكلم وكيف جالس يخاطب وكيف هو مهتم بال.. واضح؟
جاء يستقرئ النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن، ويعني يطلب منه أن يعلمه شيئاً قد يكون يعني طلب وكرر، والنبي صلى الله عليه وسلم يخاطب أولئك راجيا منهم أن يسلموا، ومن المعلوم أن أولئك السادة المشركين الكبار أنهم يأنفون ويستنكفون من أن يكونوا مع الضعفاء، سواء الضعفاء من الموالي والعبيد أو حتى الضعفاء من قريش نفسها.
فهذا المشهد لأجله عبس النبي صلى الله عليه وسلم وغضب؛ أنه لماذا هذا الرجل يأتيه في مثل هذا المقام ويعني يكرر عليه أو يريد منه أنه.. والنبي صلى الله عليه وسلم من شدة حرصه يريد أن يكلم أولئك، فعبس النبي صلى الله عليه وسلم. فعبس النبي صلى الله عليه وسلم بسبب هذا الموقف والمشهد وأعرض عن ابن أم مكتوم (يعني عبس وتولى)، كما قال الله سبحانه وتعالى.
أجاءه الأعمى؟ طيب، هذا هو الموقف الآن والمشهد؛ الموقف والمشهد هذا حصل في أي ظرف؟ يعني إيش الظرف اللي حصل فيه بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم؟ ظرف ابتلاء، وشدة، وغربة، وقلة، والمشركون يكذبونه، ويستهزئون به، ويصدون عنه، وينهون عنه، ويأون عنه، ويصدون الناس عنه.
ومع ذلك نزل العتاب الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم حتى في هذه الظروف التي تعد من ظروف الابتلاء العامة. لا شك أن هذا العتاب من الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم هو عتاب محفوف قبل ذلك بكثير كثير من التثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم، والإكرام له، والبيان لفضله ومنزلته ومكانته، وبعد ذلك كذلك بكثير من الآيات التي فيها بيان فضل النبي صلى الله عليه وسلم ومكانته، إلى آخره. محفوف الأمر من هنا ومن هناك بهذا الإكرام، لكن ذلك الإكرام من جهة، وذلك الابتلاء والشدة من جهة أخرى، لم يكونا مانعين من أن ينزل عتاب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الموقف الذي حصل من النبي صلى الله عليه وسلم بحسن قصد.
يعني النبي صلى الله عليه وسلم في الأخير ما كان ملتهيا عن الرجل لأجل دنيا، صح ولا لا؟ وحاشاه صلى الله عليه وسلم، ما كان ملتهيا عن الرجل، وإنما ملتهيا عن الرجل بالدعوة، لكنه يعني عبس وتولى صلى الله عليه وسلم، وأعرض عن هذا الرجل الذي جاء راغبا، وتوجه إلى أولئك السادة طمعا في إسلامهم وإسلام من وراءهم.
طيب، سؤال يا جماعة، سؤال: لو ما نزلت هذه الآيات؟ وعندنا ناس اليوم، تعرفوا لأنه اليوم يعني ثقافة التخطيط واتخاذ الأسباب والنواحي التي تحسب كل شيء بالورقة والقلم في الدعوة والمشاريع الإسلامية والإصلاحية وكذا، تمام؟ لو قيل لأحد منا: حصل هذا الموقف اليوم في الدعوة، ماذا ستقيم هذا الموقف بدون ما تعرف هذه الآيات؟ يا بتوع الموازنات والمصالح والمفاسد والواقعية والأسباب، إيش حتقيموا هذا الموقف لو ما نعرف؟ كلنا إيش حنقيم هذا الموقف لو ما نزلت فيه هذه الآيات، إيش راح نقول؟ نقول هذا الأعمى هذا جاي يشغل الداعية والمصلح عن الأهداف الاستراتيجية الكبرى للمشروع الدعوي والإصلاحي، وهو يا أخي مسلم يعني في الأخير يعني خلاص عرف الحق، في أحد تتوقع حيقيم غير هذا التقييم؟ صعب أنه يقيم غير هذا التقييم.
طيب، الله سبحانه وتعالى ينزل عتابا للمصطفى سيد المرسلين، ليبين للنبي صلى الله عليه وسلم ثم للأمة من بعده، أن الموازain ليست هي بهذا الاعتبار وحده، وأن ذلك الكافر الدنيء الحقير المعرض الذي سمع منك الآيات كثيرا وهو يكذب ويعرض ويبتعد ويبتعد ويبتعد، هو أقل شأنا من أن يعتنى به عناية تؤدي إلى أن يعرض عن هذا الراغب الضعيف المسكين الذي سينتفع بالآية بمجرد سماعه لها، وسيعمل بالععلم الذي يأخذه في نفس اللحظة، فهو أولى بالعناية والاهتمام، وأولى ألا يعبس في وجهه وألا يتولى عنه، لأن الأمر ليس فقط في الموازنة، وإنما التنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم على أن ذلك كان يستحق الحفاوة والإكرام.
ذلك، طيب، نرجع مرة ثانية: في الميزان الواقعي والاستراتيجي والتخطيطي، ما قيمة هذا الرجل الأعمى الذي جاء يستمع إلى آاية ولا شيء، ما قيمتها في الدعوة وفي ميزان؟ طيب، من جهة أخرى، خلينا نروح بعد سنوات: يخرج النبي صلى الله عليه وسلم بجيش كبير إلى تبوك، يتخلف ثلاثة، اثنان منهم كبار في السن، وثالثهم أشبههم ليس معروفا بالقيادة العسكرية مثلا وكذا. على الميزان العسكري والتخطيطي والحسابي والمادي مدري ايش، ما قيمة تخلف هؤلاء الثلاثة عن هذا الجيش؟ بمعنى، لو سأل سائل: هل يستحق تخلف هؤلاء الثلاثة أن ينزل فيهم قرآن يتلى إلى يوم القيامة؟
طيب، موقف ثالث: يوم بدر، انتصر فيه الحق، وشهد جبريل والملائكة ذلك اليوم، وهو يوم عند الله عظيم، والذين شهدوه لهم عند الله المكان الكبير إلى آخره مما تعلمون في يوم بدر، ضحوا الصحابة وبذلوا وجاهدوا وصبروا وفعلوا كل شيء وانتصروا ويعني أهانوا المشركين في ذلك اليوم. ثم بعد ذلك، لما استشار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في الأسرى، فجاء الرأي على خلاف ما يريد الله سبحانه وتعالى من التنكيل بالمشركين، وأن لا يؤخذ فيهم الفدية في ذلك اليوم بل أن يقتلوا، ما كان لنبي أن يكون له أسر حتى يثخن في الأرض: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: 67]. هذه التهمة نزلت بعد ما بذلوا وضحوا وجاهدوا في سبيل الله: ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68]. نزلت في مين؟ في أهل بدر، اللي إيش هم؟ اللي لهم 14 سنة مستضعفين في مكة ومهاجرين تعبانين، وراحوا، ونصفهم كانوا، جزء منهم كانوا في الحبشة، ومنهم من بايع في العقبة، ومنهم كذا. والله سبحانه وتعالى ينزل فيهم: ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68].
هذا ليس تيئيسا من روح الله ولا من رحمة الله، لكن الفكرة ما هي؟ الفكرة أن الموازين يجب أن يكون فقهها مرتبطا بما أنزله الله سبحانه وتعالى في كتابه، ليس فقه الموازين مرتبطا بمجرد عنصر المعطيات الواقعية، حتى التي يظن أنها في مصلحة الدعوة.
طيب، سؤال: هل المعطيات الواقعية نحن مأمورون باتخاذها؟ لا شك النبي صلى الله عليه وسلم اتخذها، لكن ليست الوحيدة، هناك موازين أخرى. يعني أنت الآن المشهد عندك ايش؟ أن الحفاوة بذلك الأعمى وتقديمه على ذلك الرجل السيد من سادات قريش هو في ميزان الله أهم وأولى، ولذلك أنزل الله هذه السورة. مين اللي يجي يعرف أن هذا أهم وأولى؟ بعد ما تنزل الآيات تمت معرفة ذلك.
طبعا ابن عاشور كان له تعليق عجيب، سبحان الله! ابن عاشور يمكن هذه خمس مرة الـ 70 اللي أتكلم عنه من سنوات، أنا أظن، أظن في «مداخل العلوم» لما تكلمت ابن عاشور قلت: يصدق عليه قول القائل كم ترك الـ، هو ابن عاشور كم ترك الأول للآخر. اقرأ اقرأ تفسير ابن عاشور لأول عشر آيات في سورة عبس، يمكن ما أدري كم صفحة، صفحات يعني شيء مخيف! سبحان من فتح عليه! وتكلم فيه عن فقه الموازنات وفقه المصالح، وكيف وأنه هذا اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف أنه كانت هذه مساحة الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا التصحيح الإلهي وكذا، وأنه اعتبارات معينة في المصالح والمفاسد والى آخره.
ولذلك يا جماعة الخير، نحن نقول: لا يغرنك، ولا يغرنك أيها المستمع، سواء أكنت في مجال قيادة اسلامية كبيرة دعوية إصلاحية عسكرية أيا كان سياسية، ولا لك تاريخ ولا لك سابقه، إياك، إياك أن تغفل عن الموازين الإلهية والمصالح التي يريدها الله سبحانه وتعالى، والتي تفقه من كتابه وما تجي من راسك الحالة.
لا تقول لي: عندي خبرة ميدانية وتجربة حقيقية في معرفة أحوال الناس وتفاصيل البشر ومدري ايش وسياسة الخلق وما سياسة. الحياة ليست كلها سياسة، الحياة ليست كلها معطيات واقعية مجردة تحسب على الورق في موازين إلهية. هذه الموازين الإلهية اسمها الفقه في الدين، لذلك لا صلاح لأي مشروع إسلامي بلا فقه في الدين، ما في! لازم فقه في الدين. هذا الفقه في الدين تعرف منه المصالح الشرعية، وليس فقط المصالح التي تعرف بالعقل، وإن كانت المصالح التي تعرف بالعقل معتبرة اعتبارا أساسيا وكبيرا، لكن لابد من النظر بهاتين العينين ومعرفة ما الذي يقدم من المصالح وما الذي لا يقدم. فهذا باب عظيم شريف كبير واسع ومهم، ولا يسعه حقيقة يعني هذا المجلس المختصر.
ومن هنا يأتي ما أكرره دائما، قضية مركزة المركزيات، معرفة قضايا الدين الكبرى، معرفة الأولويات، معرفة مراتب الدين، معرفة ما الذي يقدم في الدعوة وفي الأمر وفي النهي وفي كذا وإلى آخره.
طيب، الشاهد هذا الآن كله باب، الباب الآخر هو في ربانية هذه الدعوة وصدق النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ الرسالة، وأن هذا الدين دين الله رب السماء والأرض، رب جبرائيل وميكائيل وإسرائيل، ورب محمد وأبي بكر وعمر، ورب الأولين والآخرين. هذا الكتاب كتاب الله، وهذا الكلام كلام الله، والنبي صلى الله عليه وسلم ليس هو الذي تكلم بهذا الكلام من نفسه، هو بلغ ما جاءه من عند ربه. في عتاب يبلغ العتاب، في عتاب شديد من الله سبحانه وتعالى يبلغه النبي صلى الله عليه وسلم كما أنزله الله، ويظل هذا العتاب يقرأ إلى يوم القيامة، ولكن أيضا يقرأ معه الإكرام العظيم من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم.
ولذلك هذا موضع عجيب في التأمل في كتاب الله سبحانه وتعالى، وأن الله يربي نبيه صلى الله عليه وسلم، ويعلم نبي نبيه صلى الله عليه وسلم، ويفهم نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن هذا التعليم شيء منه بنزول الآيات قبل الحدث، يعني أن يعلمه الحقائق، وشيء منه أن يعلمه بالمواقف: يحصل موقف فتنزول الآيات مصححة.
جيد، على أن عتاب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم فيه من اللطف الجلي والخفي في الأمر العجيب؛ فمنه ما أشار إليه مثلا ابن عاشور في هذه الآيات، قال: أول شيء أنه ما ذكرها بصيغة المخاطب، أنه ما يكون أول ما يسمعه النبي صلى الله عليه وسلم هو أنه أنت فعلت، أنه بصيغة الغائب، حتى يذهب النبي صلى الله عليه وسلم، أنه يأتي معرفة أنه هو بعد ما تبدأ البداية، ليس ليس من أول كلمة، فإنه هو بصيغة الغائب: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: 1-2]، فيعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه هو المقصود، ولم يأت بالخطاب. فهمتوا الفكرة؟
ومن اللطف الجلي الواضح، اللي هو مثلا في سورة التوبة: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43]، فبدأ بالعفو: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾ [التوبة: 43]. ومن اللطف أيضا الذي يتأمل أنه سورة الأحزاب لعله ورد فيها أشد عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أو من أشد ما ورد ما جاء في العتاب للنبي صلى الله عليه وسلم في قصة زيد: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: 37].
لكن العجيب أن سورة الأحزاب هي أكثر سورة فيها إكرام للنبي صلى الله عليه وسلم، فذلك العتاب محفوف بكرامة عجيبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي السورة التي فيها هي أظن أنها أكثر سورة ورد فيها «يا أيها النبي»، وهي التي فيها: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]، وهي التي فيها: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: 7] فجعله مع هؤلاء الخمسة الكبار. وفيها كذلك قطع أسباب الأذى عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنواع من الآيات والتشريعات، وفيها: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 53]، وفيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، وفيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: 57]، وفيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: 69]، وفيها: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيِّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: 53]، وفيها: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21] إلى آخره.
وفي ثناياها جاء هذا العتاب. وفي أول ما نزل من القرآن جاء التكريم من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما جاء في سورة القلم وغير ذلك من الآيات الكثير، وكرامة الله لنبيه معلومة، وهي وجعله الله خاتم الانبياء والمرسلين، ورفع شانه، ورفع ذكره، وجعله المكانة العلية: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 1-4]. قال المفسرون: لا أذكر إلا تذكر معي، وذلك في الأذان حينما أنه في كل مكان في الأرض يقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله.
وكرامة الله لنبيه صلى الله عليه وسلم معلومة ومعروفة ومعهودة عند كل من يعرف شيئا من دين الله ومن كتاب الله ومن منزله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألف العلماء في ذلك الكتب في فضائله ومكانته وخصائصه وإلى آخره. لكن مع كل ذلك لم يمنع هذا الأمر من أن يكون هناك عتاب من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، لأن الأمر أعلى، لأن الأمر أعلى من أي اعتبار غير اعتبار ربانية هذه الرسالة، وأنها من الله سبحانه وتعالى، وأن الله يعلم نبيه صلى الله عليه وسلم ثم يعلم المؤمنين من بعده، واعتبار إكرام نبي الله صلى الله عليه وسلم هو من أعظم الاعتبارات بلا شك.
ولكن النظر العام هو أن هذا الكتاب من عند الله، وأن هذا من أدلة صدق النبي صلى الله عليه وسلم. يعني أنت من جهة أخرى، آيات العتاب هي أصلا فيها كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم من جهة كونه أمينا صادقا مبلغا، ولذلك قالت عائشة: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا لكتم هذه الآية، وايش ذكرت؟ ذكرت آية من آيات العتاب، أظن آية سورة الأحزاب، طيب، سورة الأحزاب نعم، الحديث في الصحيح.
إذن هذا كله مقدمة لسياق السورة ومعنى كرامة النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى العتاب ومعنى الربانية ومعنى المصالح الشرعية، وأنه الأمر ليس بالقياس المجرد.
الواقعي وأنه هذا المعنى ينبغي أن لا يغفل عنه المصلحون، خاصة أنه احنا اليوم أمام النظر الإسلامي الحركي والفكري والواقعي واعتبارات المصالح والمرتبطة بحركة الأمة وواقع الضغوط، نعم في فقه للاستضعاف وفقه للموازنات وفقه، لكن في فقه أعظم من ذلك مرتبط بالمصالح الشرعية الكبرى. ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الحج: 41]، قال قتادة رحمه الله: هذا شرط الله لهذه الأمة، هذا شرط الله لهذه الأمة وغير ذلك.
فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، وما يدريك لعله يزكى، وهذا من الأدلة التي تضاف على أن القرآن، أن من أعظم مقاصد القرآن تحقيق التزكية، وما يدريك لعله يزكى أي بهذه الآيات التي يسمعها منك، أو يتذكر فتنفعه الذكرى. ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ هذا الطاغي المشرك اللي هو مستغني، عن مستكبر ومستغني عن الحق وعن سماعه، فانت له تصدى تتعرض له وتحرص يعني بهذا التعرض على، وما عليك ألا يتزكى. ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: 1-16].
ثم جاء الحديث الآن عن المشركين، سواء كان مشركا بعينه مقصودا في هذه الآية كما قال بعض المفسرين أو عموم: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ * فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: 17-42].
من هذه السورة حقيقة غير القسم المتعلق بالرد على المشركين وبيان أحوالهم والاستدلال عليهم، هذا لعله احنا توسعنا فيه جدا في الدرس الماضي في ذكر سورة الأنعام، لكن التركيز على القسم الأول صدر السورة. أيضا احنا ذكرنا الآن عدة فوائد؛ صح العتاب والربانية القرآن والمصالح الشرعية إلى آخره، أيضا من الفوائد المهمة هي أن الله سبحانه وتعالى اعتنى بالمؤمنين الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، اعتنى بهم وأكرمهم وبين مكانتهم.
بالمناسبه يا جماعة الخير، النبي صلى الله عليه وسلم أكرم عبد الله بن أم مكتوم إكراما عجيبا إلى موته، بعد هذه السورة زاد في إكرامه إكراما عجيبا بأبي هو وأمه صلى الله عليه وسلم بأبيه وامه، أصلا أنتم ايش تتوقعوا، تخيلوا مثلا ايش تتوقعوا أنه النبي صلى الله عليه وسلم يعاتب في رجل ايش تتوقعوا يتعامل معه النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، كيف تتوقعون يتعاملون بالفعل؟
النبي صلى الله عليه وسلم تعامل معه تعاملا عجيبا إلى موته بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك مثلا أنه عينه مؤذنا له، ومن المعلوم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، فكان له مؤذنان، أكثر من مؤذنين بس إنه من أشهر المؤذنين على الإطلاق بلال وابن أم مكتوم، فهو من أشهر مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا إكرام عظيم.
ومن الإكرام النبوي لعبد الله بن أم مكتوم أنه كان يؤمره حين يخرج في الغزوات، سياتينا إن شاء الله تشوفوا كيف يخرج النبي صلى الله عليه وسلم غزوة، يعني عدد من الغزوات، قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين والأنصار، واستخلف عبد الله بن أم مكتوم على المدينة، فكم مرة استخلف عبد الله بن أم مكتوم أميرا على المدينة في غياب النبي صلى الله عليه وسلم؟
لأنه أصلا عبد الله بن أم مكتوم معذور عن الجهاد، وهو الذي نزلت فيه في الحديث الصحيح، هو نزل فيه قول الله سبحانه وتعالى، هو أصلا أول ما نزلت الآية التي في سورة النساء نزلت هكذا: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 95]، هكذا نزلت أموالهم وأنفسهم، فقال عبد الله بن مكتوم: ماذا عني؟ فنزل في الحال قول الله سبحانه وتعالى: ﴿غير أولي الضرر﴾ فصارت الآية هكذا: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: 95].
فهو من أولي الضرر الذين عذروا في عدم الجهاد، فكان لا يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، ولكنه كان يستخلف أميرا على المدينة فيقوم على شأنها في غياب النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من الإكرام حتى وردت بعض الروايات فكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرمه هكذا. الشاهد ايش قصدي أنا من الفائدة هذه؟ إنه ترى عناية الله بالمؤمنين في كتابه ينزل الآيات حتى في مكه يوم أن كان المؤمنون قلة وضعفا، كان ينزل الآيات في حفظ كرامتهم.
ولذلك أوصى الله نبيه صلى الله عليه وسلم في بعض الآيات المكية، أوصاه وصية خاصة بالمؤمنين الذين معه، فقال للمصطفى صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 215] وفي آية أخرى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: 88]، وأيضا: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 52]، وأيضا: ﴿وَاصْبِرْ نَسْفَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28] هذه كلها آيات مكية، وأيضا: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]، إلى غير ذلك، ومنها الآيات في سورة عبس التي فيها إكرام لهذا المؤمن الضعيف الضرير.
ومن هنا يعلم أنه مهما كان من مواجهة مع الطغاة والمشركين والكفار وأعداء الله ورسوله، أنه لا ينبغي أن يغفل عن الصف المسلم المؤمن الذي يسعى في الخير. وأيضا من الفوائد، أنه خطوره أو ينبغي أن يتنبه المصلحون، ينبغي أن يتنبهوا يعني هي فرع السابق اللي هي إكرام المؤمنين، ينبغي أن يتنبهوا في قضية التقصير في حق عباد الله الراغبين الساعين المقبلين، هذا يققال خاصة لأصحاب المقامات التعليمية، من يقومون على تربية الناس على أحوالهم حتى على قيادتهم وسيادتهم، بس في التعليم أكثر لأنه هذا المقام مقام تعليم صح ولا لا؟
ولذلك نحن ممكن حتى نحن خلينا نقول مثلا بما أننا عندنا مثلا برامج تعليمية وشكل كصورة من صور التعليم، أنه ترى الشان ليس في الأعداد الكبيرة الشان في الاقبال من جاءك مقبلا ينبغي أن تعتني به، فلذلك نسال الله أن يهدينا لذلك، ونسال الله أن يغفر لنا إن قصرنا في ذلك يا رب، نسال الله أن يغفر لنا تقصيرنا في ذلك. الفكرة أنه من جاءك راغبا مقبلا تحسب أنه ممن يخشى الله سبحانه وتعالى، فانتبه أن ترده، تقول لي: أنا عندي من هو أهم منه، عندي ما أدري ايش، يعني طبعا هو أحيانا لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لكن في الأخير تنتبه، الراغب أهم من الشريف، الراغب ولو كان ضعيفا، المقبل المتوقع استفادته من العلم واهتداؤه به ولو كان ضعيفا، فهو أهم من القائد أو السيد أو الشريف في قومه أو الوجيه أو أيا كان، ولو كان يتبعه من يتبعه من الناس الذين يرجى باستقامته استقامتهم وبإسلامه إسلامهم وإلى آخره.
خاصة إذا كان ذلك الوجيه أو الكبير أو كذا ممن عرف عنه الاستهتار والاستغناء والتكبر، أما إذا لم يعهد عنه ذلك فهمتم الفكرة؟ يعني مثلا شخص ما بلغته أصلا لا دعوة ولا رسالة ولا خوطب قبل ذلك ولا عهد عنه أصلا استكبار فالامر أهون، فهمتم الفكرة واضح؟ لكن الله سبحانه وتعالى وصف هنا ذلك الكافر قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾، فهو مستغني فلذلك احنا هذه هي مقامات، طبعا النبي صلى الله عليه وسلم حرص على الوجهاء حتى إلى آخر حياته المؤلفة قلوبهم، وهذا شيء مهم وضروري وتعرفون وتكلمنا عن هذه القضية سابقا، فهذه القضية لا تنفي مبدأ العناية بالوجهاء والسادة، أرجو أن شاء الله كل من يستمع وغالب من يستمع عنده الفقه في أنه يجمع بين الأمران، يعني هذه ليست لهدم تلك، واضح؟ ولكن هذه للتنبيه المؤكد على العناية بأولئك المساكين والضعفاء إذا توفرت فيهم شرط الرغبة والإقبال، ونسال الله سبحانه وتعالى العفو والعافيه، يعني نسال الله العفو والعافية وأن نتجاوز عن تقصيرنا في هذه القضية، يعني الموضوع ما هو سهل صراحه الموضوع ليس سهلا فلذلك يعني على الأقل كتووصية تربوية تزكويه بالنسبة للمصلح على الأقل أقل شيء يعني لا يكن مكان هؤلاء في قلبك هينا على الأقل، فهمت الفكرة يعني ماشي ايش عندنا مثلا 15 غير ألف غير مدري كم، لا، الواحد له كرامة وله قيمة واضح، لا يكون المكان هينا طالما أنه مقبل وراغب.
طيب كم اخذنا من الوقت الآن؟ احنا ما احنا قادرين نرجع لابن هشام يا أبو محمد، ما احنا قادرين نرجع لنا فترة كل مره ناخذ شو اسمه، ما أخذنا ابن هشام وقفنا عند مرحلة بس إنه صعب الآن نبدأ يعني لازم، أو نخلي الترجمة في آخر الدرس، لا السورة يعني نخليها بداية الدرس ونحرص في القادم على السور القصيرة، هو عموما خاصة قصة سورة اليوم هذه يعني سورة عبس هي لها قصة ولها شيء، احنا اخذنا درس سيرة فعلا، فكل فكرة أصلا موضوع السور في هذا أنه ربطها بأحداث السيرة.
نكتفي بهذا القدر وإن شاء الله نرجو من الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على إتمام هذه المجالس على خير، نستغفر الله ونتوب إليه ونساله أن يصلي وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم إنا نسألنا العافية يا رب، لا غنى لنا عن رحمتك وبركتك، لا تكلنا إلى غيرك، اللهم لا تكلنا إلى غيرك، اللهم لا تكلنا إلى غيرك، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
اللهم ارحم المستضعفين من عبادك المؤمنين في كل مكان، اللهم انتقم من المتجبرين الظالمين المفسدين المسرفين يا رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله، والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، فانزل سكينة علينا وثبت الأقدام إق لقينا.
الشيخ أحمد السيد