دخولتسجيل الدخول

الحلقة 1

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذا البرنامج المبارك، الذي أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع به، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم. سنتحدث في هذا البرنامج في عدة لقاءات عن السيرة النبوية، أو بالأخص وبمعنى أدق عن بعض العبر والسير من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، أو من المغازي بمعنى أخص. سنتكلم عن مغازي النبي صلى الله عليه وسلم وما فيها من الدروس والمواعظ والعبر.

هذه المغازي قد حث العلماء على تعلمها وعلى دراستها؛ ومن ذلك قول الزهري ابن شهاب محمد بن مسلم، إمام التابعين وحافظ المسلمين في ذلك العصر، وهو من الفقهاء الكبار، كان يقول في علم المغازي: خير الدنيا والآخرة. وكان يقول الإمام علي بن الحسين زين العابدين، ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنا نتعلم المغازي كما نتعلم السور من القرآن. فسنتحدث بإذن الله سبحانه وتعالى في بعض الدروس وبعض العبر من هذه المغازي والسير.

وعلم المغازي كما ذكرت حث عليه العلماء؛ لأنه جزء من علم السيرة النبوية، وعلم السيرة النبوية قد تكلم العلماء أيضاً فيه، وقد مدحوه ونوهوا بذكره في كتب كثيرة منها ما هو منثور ومنها ما هو منظوم. ومن النظم قول البدوي رحمه الله عليه في منظومته في المغازي: وبعد فالعلم أهم ما الهمم تنافست فيه وخير مغتنم وخيره والعلم تسمو رتبته من فضل ما دل عليه سيرته يقول: وخيره؛ أي وخير العلم -هذا مبتدأ- وخيره والعلم تسمو رتبته من فضل ما دل عليه سيرته؛ سيرته خبر للمبتدأ، وخيره يعني وخير العلم الذي هو أفضل شيء لما يدل عليه هو سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

ويقول ابن المناصف المتوفى في سنة 620 في منظومة له طويلة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في 6000 أو 7000 بيت: وإن أولى ما تحلى المسلم بعد كتاب الله أو يقدم علم بأيام رسول الله من لدن النشء إلى التناهي

ويقول حماد بن الأمين -وهو ابن أخي البدوي؛ يعني البدوي عمه صاحب منظومة المغازي- يقول في منظومة له في الآداب، وهو يتكلم عن بعض العلوم الشرعية: طلبه فريضة وأفرض علم، مهمك به أبداً تقبضه، فقوته الفقه وملحه الذي يصلحه النحو، جُلّ به وذِي واسه إدامة تحقيقه سيرة خير واجب تصديقه. ثم يقول في بعد هذه الأبيات أبيات يحسن ذكرها وهي قوله: له تغرب وتواضع واتبع، وجع وهن واعص هواك وترع، حتى يرى حالك حال المنشد: لو أن سلمى أبصرت تخدد. يشير إلى رجل تغرب في بلاد لأجل مكسب عيش وترك أحبابه ثم مرض في غربته، فقال في قصيدة له: لو أن سلمى أبصرت تخدد ودقة في عظم ساقي ويدي وبعد أهلي وجفاء عودي عضت من الوجد بأطراف اليد فهو يقول: تعلم العلم وتغرب له وارحل له حتى يرى حالك حال المنشد: لو أن سلمى أبصرت تخدد.

فعلم السيرة النبوية مدحه كما ذكرت العلماء ونوهوا بذكره، وما ذلك إلا لأهميته في حياة المسلم؛ لأن هذا العلم يحمل المتعلم له على حب النبي صلى الله عليه وسلم وعلى اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه من المواعظ وفيه من العبر وفيه من المواقف الإيمانية لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة. هناك مواقف إيمانية تقوي الإيمان وتشحذ الهمم وتشد العزائم، إذا سمعناها وتعلمناها قوي إيماننا واشتدت عزائمنا. وكما ذكرت؛ هذا العلم يحصل الإنسان به على محبة النبي صلى الله عليه وسلم، يحمله على حب النبي ويحمله على اتباع النبي.

وكما تعلمون أيها المشاهد الكريم أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم هي أوثق عرى الإيمان، بل لا يتم إيمان أحد بدون محبة النبي أو اتباعه، كما قال تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]. ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». ويقول في الحديث الآخر كما في الصحيحين أيضاً: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى». قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». فنحن بإذن الله سوف نتكلم في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وبالأخص كما ذكرت في بعض المغازي، بل سنختار بعض المغازي الكبرى ونتكلم عما فيها من الدروس وما فيها من العبر.

ومن هذه المغازي التي سنتكلم فيها إن شاء الله غزوة بدر الكبرى، هذه الغزوة غزوة من 27 غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم. هناك الغزوات وهناك السرايا والبعوث، الغزوات في قول الجمهور هي 27 غزوة. والغزوات هي التي حضرها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه الشريفة، وما لم يحضره النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه فهو إما بعث وإما سرية. ومن العلماء من فرق بين السرية وبين البعث أيضاً، فجعل البعث ما بعثه النبي للدعوة إلى الله بدون قتال ولم يأمر فيه بقتال، فإن أمر فيه بالقتال فهو سرية، هكذا فرق بعض المتأخرين، وجمهور العلم على أن البعث والسرية بمعنى واحد. وفي ذلك يقول السيلوم في قرة العينين: وبعضهم فرق بعد البحث بين السرية وبين البعث فبعث ما بعث طه الوالي يدعو إلى الدين بلا قتال وإن يكن خلاصة البرية أمر بالقتال فسرية أما إذا بنفسه الشريفة حضر فالغزاة خذ تعريفه

فالغزوات كما ذكرت 27 غزوة في قول جمهور أهل العلم، منها تسع غزوات حصل فيها قتال، ومنها بدر. هذه الـ27 طبعاً كما ذكرت في قول جمهور أهل العلم؛ لأن هناك من العلماء من يقول إن الغزوات 25، ومنهم من يقول 17، وهذا خلاف يكاد يكون لفظياً؛ لأن من العلماء من يدمج بعض الغزوات في بعض، لكن قول الجمهور أن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم التي حضرها بنفسه هي 27، كما قال السيلوم في قرة العينين: وكونها 27 على سواه من قول ينافيه على

من هذه الغزوات كما ذكرت غزوة بدر الكبرى. هذه الغزوة سميت غزوة بدر الكبرى، سميت كبرى لأن هناك غزوتين أخريين، هناك غزوة بدر الأولى وغزوة بدر الآخرة. وسميت أيضاً غزوة بدر الشهيرة، أو بدر القتال، أو غزوة بدر الكبرى، أو تسمى بدر البطشة، هناك أسماء لها كثيرة. الغزوة الأولى وبدر الأخيرة؛ بدر الأولى كانت قبل بدر، وبدر الأخيرة كانت بعد أحد تسمى بدر الموعد. هاتان الغزوتان لم يقع فيهما قتال، بخلاف غزوة بدر الكبرى فقد وقع فيها القتال.

أما الغزوة الأولى التي تسمى بدر الأولى، فكان سببها أن رجلاً يقال له كرز بن جابر الفهري أغار على سرح المدينة؛ يعني على إبل المدينة، واستاقها وهرب بها، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في جماعة من أصحابه يطلبون كرز بن جابر الفهري حتى وصلوا إلى بدر، إلى ماء بدر، ثم فاتهم كرز بن جابر ولم يدركوه. ومن العجيب أن هذا الرجل أسلم بعد ذلك، ثم أغار على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم وهرب بها أناس من العرنيين، فأدرك كرز بن جابر ورد إبل النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت هذه تكفر تلك. وفي ذلك يقول البدوي رحمه الله عليه في منظومته: فبدر الأولى باذر ناهبي سرح المدينة مغذ هارب كرز بن جابر وبعد استنقذ لقاحه ممن عليها استحوذ

أما بدر الأخيرة وتسمى بدر الموعد، وهي التي وعد فيها أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل، وهذه الغزوة كانت بعد أحد؛ يعني أبو سفيان لما انتهت غزوة أحد قال للنبي صلى الله عليه وسلم: موعدكم بدر من العام المقبل، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: نعم. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ماء بدر وبقي فيها ثمانية أيام ينتظر موعد أبي سفيان، وخرج أبو سفيان في ألفين من قريش، وفي الطريق قال لهم: إن هذا العام عام جدب، وإنكم لا يصلح لكم أو لا يصلحكم إلا عام خصيب، فأرى أن ترجعوا، فرجع؛ يعني ترك الموعد ونكع عنه. قال البدوي رحمه الله عليه في منظومته: ثم لميعاد ابن حرب بدر ونكع عنها نجل حرب صخر

وفي ذلك يقول عبد الله بن رواحة -يعني يعيب عليهم تخلفهم أو إخلافهم للموعد- رضي الله تعالى عنه: وعدنا أبا سفيان بدراً فلم نجد لميعاد صدقاً وما كان وافياً فأقسم لو وافيت فلقيت لابتدرت ميماً وافتقدت المواليا

أيها المشاهدون الكرام، نقف قليلاً ثم نعود لكم بإذن الله. السلام عليكم ورحمة الله.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].

مرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام، كنا تحدثنا عن غزوة بدر وعن تسميتها بدر القتال، وأنها سميت بذلك لأن هناك غزوتين أخريين تسميان كل واحدة منهما بدراً، إحداهما تسمى بدر الأولى والثانية تسمى بدر الأخيرة. وهذه الغزوة كان لها سبب؛ يعني غزوة بدر الكبرى أو العظمى أو بدر القتال كان لها سبب معروف، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع أن عيراً لقريش بقيادة أبي سفيان قد خرجت من مكة فيها أموال عظيمة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم يريد اعتراض هذه العير. وكانت العير فيها 30 رجلاً أو 40 رجلاً، وقيل فيها 50 رجلاً، وفيها من الأموال الشيء العظيم؛ قيل فيها ألف بعير وقيل فيها 50 ألف دينار. وفي ذلك يقول السيلوم: ألف بعير معها من الذهب 50 ألفاً نحوها الهادي ذهب

فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج في جمادى الآخرة يعترض هذه العير، حتى وصل إلى بلد يقال لها العسيرة، هذه البلد هي العسيرة في الحقيقة هي ماء لأناس يقال لهم بنو مدلج، فوصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى العسيرة، فوجد أن العير قد فاتته وذهبت إلى الشام، فوادع الناس الذين كانوا على هذا الماء، وهم بنو مدلج، وادعهم؛ بمعنى صالحهم حتى لا يؤلبوا عليه أحداً ولا يساعدوا أحداً في مقبل الأيام، يعني صالحهم، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلق كيداً؛ يعني لم يقع هناك حرب في هذه الغزوة التي خرج بنفسه فيها صلى الله عليه وسلم.

أيضاً في السيرة قال السيلوم في منظومته يبين ضبط هذا الاسم -يعني هذا من الفوائد-: يقال لهذا الماء العسيرة بالسين والهاء، والعشيرة بالشين المعجمة والهاء، ويقال لها العسراء بالسين المهملة والمد، ويقال العشراء بالشين المعجمة والمد، وهي ماء لبني مدلج. يقول السيلوم: ثم العسيرة إلى أبي سفيان في ذهابها للآري وسين اقرأ مهملاً أو معجماً بمدنها لبني مدلج ما

يعني ثم العسيرة إلى أبي سفيان في ذهابها للآري؛ يعني في ذهابها لحاجتها للعير -الذي هو الحاجة إلى الشام-. وسين اقرأ مهملاً أو معجماً بمدنها لبني مدلج ما؛ يعني سين العسيرة وسين اقرأ مهملاً -يعني بدون نقط- أو معجمة -يعني بنقط- بمد -يعني بألف وهمزة- أو ها -يعني التاء المربوطة- لبني مدلج ما -يعني هو العسيرة ماء لبني مدلج-.

ثم النبي صلى الله عليه وسلم لما أفلتت هذه العير، أخذ يترصد لقدومها من جديد من الشام، فأخذ النبي يبعث العيون من أصحابه يتحينون قدوم هذه العير حتى يخبروا النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى ليعترض لها صلى الله عليه وسلم. وكان ممن بعث من أصحابه في هذا الشأن بسبسة بن عمرو الجهني، هذا الصحابي الذي لا ذكر له إلا في هذا الموطن -يعني في موطن بعثته من النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي بعثه ليتحسس الأخبار- لكنه معروف، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمد عليه وعلى خبره، كما في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بسبسة؛ وفي صحيح مسلم وردت بسبسة بالياء "بسيسة"، والصواب فيما أظن -وله مرجحات ليس هذا مكان ذكرها- أن اسمه بسبسة. بعث النبي بسبسة يسأل عن أخبار العير أو ينظر أخبار العير، ثم جاء كما في صحيح مسلم يقول أنس: جاء بسبسة وليس في البيت أحد غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدث النبي صلى الله عليه وسلم بخبر العير، فعند ذلك خرج النبي صلى الله عليه وسلم واستشار.

أصحابه، وهذا أيضاً في صحيح مسلم.

فشاور أصحابه، فتكلم أبو بكر فأحسن الكلام، ثم قال: أشيروا علي، فتكلم عمر فأحسن الكلام، ثم قال: أشيروا علي، فقال سعد بن عبادة الخزرجي رضي الله تعالى عنه من الأنصار: يا رسول الله، إيانا تريد؟ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخذناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا. فعند ذلك لما علم النبي صلى الله عليه وسلم أن الأنصار مستعدون للذهاب معه لطلب هذه العير، خرج للناس ثم قال لهم: إن لنا طلبة، فمن كان ظهره حاضراً فليركب. والطلبة يعني لنا حاجة، فأخذ بعض الصحابة يستأذنه في ظهران في علو المدينة، أي في مركوب في علو المدينة، بعيداً من هذا المكان الذي هم فيه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان مستعجلاً يريد أن يدرك العير، فقال النبي: لا، إلا من كان ظهره حاضراً. ولذلك أصبح جماعة منهم يركبون بعيراً واحداً، الأخ وأخوه أو ابن عمه أو مولاه، فكان كل ثلاثة على بعير وكل أربعة على بعير، بل وكل خمسة على بعير، فصاروا يترادون هذه الإبل.

المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ندبهم خرج الناس، وخيم النبي في البقع، مكان اسمه البقع، ويسمى بيوت السقيا، وهو الآن معروف في المدينة المنورة؛ هناك مسجد يقال له مسجد السقيا، وهو في سكة الحديد القديمة، هناك سكة حديد قديمة من أيام العثمانيين، ولا زال القطار موجوداً إلى يومنا هذا، كأنه مكان لزيارة الناس أو متحفاً، ولا زال المسجد موجوداً، المسجد الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وخيم فيه أو عسكر فيه، وعد أصحابه في ذلك المكان واستعرضهم.

لما النبي صلى الله عليه وسلم ندب الناس للخروج تخاصم رجل وولده في الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهما سعد بن خيثمة بن الحارث الأنصاري وأبوه خيثمة بن الحارث، فكل واحد منهما يريد الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم، وخيثمة يقول لولده سعد: يا ولدي أو يا بني، إنه لا يصلح أن نخرج جميعاً، لا بد من بقاء أحدنا مع النساء والأولاد أو الأطفال. فكان سعد يأبى عليه، ابنه كان يأبى إلا أن يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم استهما يعني اقترعا من منهما يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم، فخرجت قرعة سعد أي الولد، فقال له أبوه: يا بنيه، آثرني بها؛ صحيح أنه طلعت قرعتك لكن أنا أبوك، آثرني بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم. فقال سعد: يا أبتي، إنها الجنة، لو كانت بغير الجنة لآثرتك بها، يعني المسألة مسألة شهادة، وإني لأرجو الشهادة في هذا الوجه.

طبعاً هم خارجون لطلب العير، لكن قد يكون هناك قتال بين الطالبين وأهل العير، ولذلك كان يرجو أن يكون شهيداً في هذا الوجه سعد بن خيثمة رضي الله عنه. وفي ذلك يذكر في منظومة قرة العينين هذه الحادثة، فيقول سعد بن خيثمة ثاني الشهداء، وبأبيه في الهدى قد اقتدى، وحين في الغزو مع النبي تنازعا من أجل الاستهام، فخرج السهم لسعد، فطلب من ابنه الإيثار بالذهاب، فقال: لو كان بغير الجنة رضيت الإيثار بها يا أبتي. فعند ذلك خرج سعد واستشهد في هذه الغزوة رضي الله تعالى عنه.

النبي صلى الله عليه وسلم خيم كما ذكرت لكم أو عسكر في بيوت السقيا، وتوضأ هناك، وصلى في ذلك المكان الذي بني فيه مسجد، ودعا للصحابة، ودعا للمدينة بما دعا به إبراهيم لمكة صلى الله عليه وسلم. لما عسكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المكان استعرض أصحابه وعدهم، أمر أحد الصحابة أن يعد العسكر، فكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، ثم وهو يستعرض الناس وجد في الجيش أولاداً صغاراً، وهم ابن عمر رضي الله تعالى عنه، والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت، وغير هؤلاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الصغار، وهم يريدون الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الوجه. انظروا إلى أي مدى هذا التفاعل حتى في أولاد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي لما رآهم ردهم لصغر سنهم، كان أعمارهم ما بين اثنتي عشرة سنة إلى ثلاث عشرة سنة، والدليل على ذلك أن ابن عمر رُد في هذه الغزوة، ورُد في غزوة أحد، ثم أُجيز في غزوة الخندق بعد ذلك؛ بعد بدر بثلاث سنين أُجيز وعمره خمس عشرة سنة.

فالنبي لما رد هؤلاء الصحابة كان هناك صحابي صغير اسمه عمير بن أبي وقاص، وكان يختبئ في الجيش، وعمره ست عشرة سنة، أخو سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهما، فرآه سعد يختبئ في الجيش، فقال له: يا عمير ما لك تختبئ؟ قال: أخشى أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيردني. وبالفعل رأى النبي صلى الله عليه وسلم عميراً وهو مختبئ في بعض رجالات الجيش فرده النبي صلى الله عليه وسلم، فعند ذلك انتحب وبكى رضي الله تعالى عنه، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جزعه وبكاءه أجازه رضي الله تعالى عنه. يقول سعد: فوالله لقد كنت أربط حمائل السيف على يده من صغر سنه، واستشهد رضي الله تعالى عنه في هذا الوجه.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].