﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 1-2].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. مرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام. وقفنا في الحلقة الماضية عندما كان النبي يستعرض جيشه في بيوت السقيا، وأنه استعرض الجيش ورد الصغار من الصحابة، وكان عمير كما ذكرنا في الحلقة الماضية يختبئ في الجيش، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم وكان عمره ستة عشر سنة رده النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رده بكى، فلما رأى بكاءه أجازه صلى الله عليه وسلم ونال في هذا الوجه الشهادة رضي الله تعالى عنه، وهو أخو سعد بن أبي وقاص كما هو معلوم، وسعد بن أبي وقاص من بني زهرة، وهو خال للنبي صلى الله عليه وسلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في موقع من المواقع.
بعد أن عرض النبي الجيش، تحرك من مكانه أو سار من بيوت السقيا متجها إلى بدر أو متجها إلى وجهة لاعتراض العير. قبل أن نبين مسير النبي صلى الله عليه وسلم، هناك سؤال لا بد من الإجابة عليه؛ قد يقول قائل: لماذا النبي صلى الله عليه وسلم يعترض قريشاً؟ أليس هذا من العدوان؟ هذا السؤال لولا أنه قد يتخارج في ذهن الناس لما سألته ولما أثرته، ولكنه قد يأتي في ذهن بعض الناس ممن لا يعلمون الحال. الحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن له في قتال قريش لأنه كان مظلوماً صلى الله عليه وسلم، والظلم الذي وقع عليه ووقع على أصحابه ليس بخافٍ على الناس؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان من أهل مكة وأخرج من مكة.
ولما دعا الناس إلى الإسلام، دعاهم إلى الخير، دعاهم إلى الجنة، دعاهم إلى توحيد رب العالمين؛ قامت قريش عليه وردت دعوته، واستهزأوا به، بل ما تركوه وقاموا على من تبعه من أصحابه وأخذوا يعذبونهم، فقامت كل قبيلة وثبتت إلى من أسلم من جماعتها وأخذوا يعذبونهم، منهم الضعفاء ومنهم النسوة، والأخبار في ذلك كثيرة. هناك ظلم وقع من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه، والظلم كثير لكن يمكن تلخيصه في صورتين: الصورة الأولى التعذيب، فقد وقع التعذيب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كثير جداً.
فممن عذب في الله عامر بن فهيرة، وبلال بن رباح، وعمار بن ياسر. وآل ياسر كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر على آل ياسر وهم يعذبون، ثم يقول صلى الله عليه وسلم: «صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». وكان بلال يأخذه أمية بن خلف الجمحي في رمضاء مكة ثم يضع على صدره الصخرة الكبيرة، وهو يقول: «أحد أحد»، وأمية بن خلف يتركه ويقول: والله تبقى هكذا حتى تكفر بمحمد وتؤمن باللات والعزى، حتى مر عليه أبو بكر الصديق واشتراه من أمية بن خلف وأعتقه.
وفي ذلك يقول ابن الجوزي رحمه الله عليه يمدح أبا بكر الصديق بما صنع ببلال وغير بلال: أبو بكر حب لله مالاً ... وأعتق في محبته بلالا وقد واسى النبي بكل فضل ... وأسرع في إجابته بلالا لو أن البحر يقصده ببغض ... لما ترك الإله له بلالا الشاهد أن بلالاً كان يعذب، وهكذا زنيرة كانت تعذب حتى عميت، فقالوا لها: أصابتك اللات والعزى، فقالت: وما تدري اللات والعزى من يعبده؟ إنما هذا أمر من السماء، ثم رد الله لها بصرها في ذلك اليوم أو في تلك الليلة، فقالت قريش: إن هذا من سحر محمد.
وهكذا عذب أناس كثيرون، حتى أن سعيد بن جبير يسأل ابن عباس: أكانت قريش تبلغ من تعذيب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما يعذر الواحد منهم في ترك دينه؟ فقال: نعم، لقد كانوا يضربون أحدهم ويجوعونه ويعطشونه حتى ما يكاد يجلس حتى يعطيهم ما أرادوا، وحتى أن عماراً لم يتركوه عذبوه حتى وقع في النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء يبكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الصحابه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف تجد الإيمان في قلبك؟» قال: قلبي مطمئن بالإيمان، فنزلت الآيات وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106].
وممن كان يعذب خباب بن الأرت؛ كان رضي الله تعالى عنه يوضع على الجمر حتى يطفئ الجمر ودك ظهره. وفي صحيح البخاري، جاء خباب بن الأرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكوا إليه وهو متوسد ببردة في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه قد كان في من كان قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيوضع فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيشق باثنتين، وما يرده ذلك عن دينه، ويؤتى بأمشاط الحديد فيمشط عظمه ولحمه، وما يرده ذلك عن دينه. والذي نفس محمد بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم أناس تستعجلون».
فكان النبي لا يفعل معهم إلا أنه يعدهم الجنة ويقول: اصبروا. هذا العذاب الشديد هذا نوع من الظلم الذي حدث لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من قريش. ومن الظلم الذي وقع للصحابة أيضاً من قريش الإخراج من الدور من الديار، وهذا من أعظم الظلم، بل إن الإخراج من الديار أعظم من التعذيب؛ لأن الله سبحانه وتعالى قرنه بقتل النفس، فقال سبحانه وتعالى في آية من الآيات عن بني إسرائيل: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66].
يعني قرن قتل النفس بالإخراج من الديار، ولذلك أذن الله للنبي وللصحابة في قتال المشركين لأنهم أخرجوهم من ديارهم. وكما ذكرت، الإخراج من الديار من أشد الأمور التي يمكن أن يقاتل عليها الناس. ولذلك في سورة البقرة الله سبحانه وتعالى يذكر عن بني إسرائيل أنهم قالوا لموسى كما يقول تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: 246]. فالإخراج من الديار سبب للقتال.
ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول في آيات أخرى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]، ثم قال بعدها: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ﴾ [الممتحنة: 9]. فالإخراج من الديار من أشد العقوبة ومن أشد الظلم الذي يمكن أن يقع على الإنسان. ولذلك لا تجد أحداً يمكن أن يخون بلده، وخيانة البلد من أعظم الأمور لأنه لا تقع إلا من شخص دنيء؛ لأن الناس قد جبلوا على حب ديارهم، جبلوا على حب أوطانهم ولو كانت هذه الأوطان أسوأ الأوطان.
لو كانت صحراء، لو كانت جبالاً موحشة، لو كانت قفاراً قاحلة، مهما كان كل إنسان يحب بلده. ولذلك صاحب البادية إذا أدخلته إلى البلد ضاق منها وأراد أن يذهب إلى ذلك الشغف في العيش وتلك الصعوبة. ولذلك العلماء والشعراء مدحوا الأوطان ومدحوا حب الأوطان، فقال قائلهم: بلادي وإن جارت علي عزيزة ... وأهلي وإن ضنوا علي كرام والآخر يقول: وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالك إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلك كل إنسان لا بد أن يحن لبلده مهما طالت غربته، ولا بد أن يحن لأهله ولمكان قطعت فيه سرته وجمعت فيه أسرته، لا يمكن أن يستبدل ببلده بلداً، ولا يمكن أن يصدق فيه أحداً، هو العش الذي درج فيه وهو العش الذي خرج منه، فمن لا يحب وطنه هذا منتكس الفطرة. ولذلك كان إخراج الصحابة من أوطانهم من أعظم البلاء ومن أعظم الظلم الذي وقع على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. نقف هنا ونكمل إن شاء الله بعد قليل.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
مرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام، نعود إلى حديثنا الذي تكلمنا فيه، وهو الإخراج من الديار. ذكرنا أن من أشد الظلم الذي وقع على الصحابة الإخراج من الديار، وذكرنا أن حب الأوطان أمر جبل الله الناس عليه، لا يوجد إنسان يبغض وطنه، ومن خان وطنه فقد فعل كبيرة من الكبائر. ولذلك في القوانين الوضعية، بل في جميع القوانين، أن من يخون بلده فمصيره القتل ومصيره الإعدام، فمن الظلم ومن الخساسة أن يخون الإنسان بلده كما ذكرت، ومن الظلم أن يتهم بخيانة بلده وهو ليس بخائن له، كما أنه من الظلم أن يخرج من بلده ويقال له هذه ليست بلدك وهي بلدك، هذا من الظلم العظيم.
كل إنسان يحب بلده ويرضى ببلده، ولو كان بلده أقبح البلدان، لكنه في نفسه هو أحسن البلدان مهما كان، ولو كان في القطب المتجمد الشمالي، ولو كان في أقصى الصحاري. ولذلك يقول العلماء: الناس قانعون بأوطانهم. هناك امرأة، قصة عجيبة، امرأة من بني كلب اسمها ميسون بنت بحدل الكلبية، جاءت من بادية كلب، وكلب قبيلة، جاءت من هذه البادية وزوجت من معاوية بن أبي سفيان وكانت امرأة جميلة، فنقلت من البادية إلى القصر إلى الشام؛ تخيلوا بادية هناك وراحلة وفيها الحر الشديد وفيها الرياح الشديدة، ونقلت إلى الشام بلد من أفضل بلدان الله طبيعة، ونقلت أيضاً إلى أمير هو أمير المؤمنين وإلى القصور، ومع ذلك تحن إلى بلدها وتقول في قصيدة لها:
لبيت تخفق الأرواح فيه ... أحب إلي من قصر منيف وبكر يتبع الأظعان صعب ... أحب إلي من بغل زفوف وكلب ينبح الطراق عني ... أحب إلي من قط أليف وأكل كسيرة في كسر بيتي ... أحب إلي من أكل الرغيف ولبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف خشونة عيشتي في البدو أشهى ... إلى نفسي من العيش الطريف فما أبغي سوى وطني بديلا ... فحسبي ذاك من وطن شريف
هكذا، لا يوجد أحد إلا وهو يحب وطنه. ولذلك الصحابة لما أخرجوا من مكة المكرمة، النبي صلى الله عليه وسلم لما أخرج قال: «إنك لأحب البقاع إلى الله أو لخير البقاع عند الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت». والصحابة لما خرجوا إلى المدينة أصابهم مرض في المدينة، فصار الواحد منهم يحن إلى مكة، وكما في صحيح البخاري تقول عائشة: دخلت على أبي بكر الصديق وهو يوعك مريض، قالت فكان يقول: كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله ويحن إلى مكة.
قالت: ثم دخلت على بلال، وإذا هو مريض وهو يقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل وهل أرِدَن يوماً مياه مجنة ... وهل يبدوان لي شامة وطفيل
مياه مجنة وشامة وطفيل أماكن في مكة المكرمة، فيقول: هل يوماً من الأيام أعود إلى هذا المكان؟ وكانت تدخل على عامر بن فهيرة وهو يقول -وهذا ليس في الصحيحين، وإنما في بعض الكتب الأخرى الزيادة- تدخل عليه فإذا هو يقول: إني وجدت طعم الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه كل امرئ مجاهد بطوقه ... كالثور يحمي جلده بروقه
يعني بقرنه. فالنبي لما رأى ذلك من أصحابه أو أخبرته عائشة بذلك قال: «اللهم العن عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام»، وعدد أناساً من قريش الذين أخرجونا من أحب البلاد إلينا أو نحو هذا الكلام. ثم قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد»، وبالفعل الله حبب لهم المدينة المنورة. صلى الله على النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عن الصحابة الكرام. هنا في عامر بن فهيرة في قصة عامر بن فهيرة.
يذكر المحدثون خبرا طريفا لأبي إسحاق الهجيمي، وهو من المحدثين، ويذكرون هذه القصة في علوم الحديث في سماع الحديث؛ لأن أهل الحديث يسمعون الحديث ويختبرون المحدثين، فمن كان منهم كبيرا قد ضاع عقله يختبرونه ويسألون عن بعض الأحاديث ليعلموا هل هو ما زال ضابطا أم أنه كبر وقد نسي أو نحو ذلك.
فكان أبو إسحاق الهجيمي يحدث بعد أن بلغ مئة سنة، فتجمع عليه أهل الحديث، فكان القارئ يقرأ حديث عامر بن فهيرة هذا، فلما وصل إلى قوله: كالثور يحمي جلده بروقه -الروق القرن- أبدل كلمة الثور بالكلب، فقال: كل امرئ مجاهد بطوقه كالكلب يحمي جلده بروقه، يريد أن يختبر هذا الشيخ. فالتفت إليه الشيخ وقال: قل كالثور يا ثور، فعند ذلك فرح الناس بجودة عقله ونباهته.
نعود إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرجوا من ديارهم، وهذا من أشد الظلم الذي وقع عليهم، ولذلك أذن الله سبحانه وتعالى للنبي في قتال قريش، فقال سبحانه وتعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: 39-40].
إذًا الله سبحانه وتعالى أذن لهم في قتال قريش وفي اعتراض عيرهم للانتصاب لرد الظلم الذي ظلموا به، فإنهم قد عذبوا وأخذت أموالهم وطردوا من ديارهم وبيعت دورهم. عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب مروا بعد أن خرج الصحابة وهاجروا إلى المدينة، مروا على بعض البيوت وإذا هي أبوابها تصفق ليس فيها أحد، فقال عتبة بن ربيعة: كل دار وإن طالت سلامتها يوما ستدركها النكباء والحوب، فقال له أبو جهل: أتبكي على قل ابن قل؟ ثم التفت إلى العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: هذا كله من ابن أخيك فرق جماعتنا وشتت شملنا.
ثم عدا أبو سفيان على دار بني جحش، عبد الله بن جحش وأحمد بن جحش وزينب بنت جحش التي هي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، هؤلاء أصهار النبي صلى الله عليه وسلم، عدا على دارهم فباعها أبو سفيان، فبلغ ذلك عبد الله بن جحش فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما ترضى أن تكون لك بها دار في الجنة أو بيت في الجنة أو منزل في الجنة؟» فقال: نعم يا رسول الله. الشاهد من الكلام أنه وقع من الظلم على الصحابة ما يسمح لهم أو يجعل رب العالمين يأذن لهم بقتال قريش، ولذلك خرج النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو السبب الذي جعل النبي يخرج لاعتراض العير، اعترض العير الأولى وهي ذاهبة إلى الشام، ثم اعترضها مرة ثانية وهي قادمة من الشام، وكان هذا الاعتراض سبب وقوع غزوة بدر.
فخرج النبي صلى الله عليه وسلم بعد تحسسه لأخبار العير في أصحابه، وكان خروجه سريعا لم يتجهز تجهزا كبيرا، لم يحتفل لهذا الخروج لأنه أراد أن يدرك هذه العير، ولذلك قال للصحابة: «لا، إلا من كان ظهره حاضرا» لما استأذنوه في ظهراني المدينة، ولذلك كان الثلاثة يعتقبون البعير كما يقول البدوي رحمه الله عليه: "وأعقبوا في ذلك المسير، كل ثلاثة على بعير، ولم يكونوا أعدوا للحرب، إذ ما غزوا لغير نهب الركب، وليس عندهم من السيوف غير ثمان للعدا حتوف، ولا من الخيل سوى اثنتين، وقد كفتهم أهبة التمكين".
ليس عندهم من الخيول إلا فرسان، والبعر التي كانوا عليها سبعون بعيرا فقط، فكانوا يترادمون على هذه الإبل، وبعضهم كان يمشي منهم من كان خمسة أو أربعة، كانوا يعتقبون هذه الإبل، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبادئ على البعير مرة له ومرة لغيره، رجلان من أصحابه وهما علي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي، وقبل مرثد كان أبو لبابه بن بشير بن عبد المنذر كان رديف النبي، كان هو زميل النبي صلى الله عليه وسلم مع علي بن أبي طالب. وفي المستدرك وغيره وفي المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يركب البعير، فلما أراد أن ينزل قال له أبو لبابه وعلي بن أبي طالب: يا رسول الله أنت تركب ونحن نمشي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله ما أنتما بأقوى على المشي مني، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما».
ثم بعد ذلك رد النبي أبا لبابه وجعل بدل أبي لبابه مرثد بن أبي مرثد الغنوي، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم مر على بعض الصحابة الذين كانوا يركبون بعيرا أو يتعاقبون على أحد الأبعر، وهم خلاد بن رافع ورفاعة بن رافع وعبيد بن زيد بن عامر، هذان أخوان وهذا ابن عم لهم، فكانوا يركبون على جمل لهم، فبرك بهم الجمل وأعيا من شدة التعب، فكلما أرادوا أن يقيموه لم يقم، فعند ذلك قال أحدهم -أحد الإخوة-: إن لله علي نذرا لئن أوصلني إلى بدر أو إلى المكان الذي نريد لئنحرنه.
فعند ذلك مر النبي صلى الله عليه وسلم بهم وهم على تلك الحال، فتوضأ صلى الله عليه وسلم، ثم صب من وضوئه في فم البعير وعلى رأسه وعلى رقبته وعلى حار، ثم على سنامه وعلى عجزه، ثم قال: «اركبوا»، ثم انطلق النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الراوي: فوالله إن بعيرنا ينفر بنا من شدة سرعته، فلما جئنا إلى المنصرف مكان هناك يبعد تقريبا 80 كيلومتر من المدينة المنورة، فإذا بعيرنا أول الركاب، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ضحك صلى الله عليه وسلم.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري